السبت، 21 يوليو، 2012

الميثاق الشيعي اللبناني


1- نرفض نظرية ولاية الفقيه العامة ونعتبرها نظرية فقهية، لا اعتقادية، أي إنها من الأحكام التدبيرية التنظيمية التفصيلية التي اختلف ويختلف حولها المسلمون الشيعة منذ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام). - ولا نعتقد بما يسمى ولاية أمر المسلمين أو النيابة عن الإمام المعصوم ، فلا نقر لأي كان بالولاية السياسية على أي أحد، ما لم يكن من خلال التفويض والتوكيل الشرعيين، أي من خلال الانتخابات الديموقراطية. ونقرر بأن ولاءنا السياسي هو فقط لأوطاننا وشعوبنا وأمتنا. 2- نعتبر أن تحويل مسألة ولاية الفقيه إلى قضية اعتقادية (أي الزعم أنها من صلب ما يؤمن به المسلم الشيعي ويُسلِّم بأنه من أصول الدين وأركانه) يضرب أيضاً دستور الوطن وثوابت عيشه المشترك والمواطنة والديموقراطية والحرية، إذ إنه يرفع سيف الإرهاب والتكفير بوجه كل من رفض ويرفض ولاية الفقيه، وهم في الحقيقة والواقع الأغلبية العظمى من المراجع والعلماء عند الشيعة في إيران ولبنان والعراق وبقية البلدان، وعلى مر العصور. 3- نعتقد بأن أئمة أهل البيت هم أولى من الراشدين والأمويين والعباسيين بالخلافة، إلا أن ذلك لا يدفعنا إلى القول ببطلان أو كفر كل من خالفهم في عقيدة أو فقه أو موقف سياسي. وندعو إلى الاقتداء بكلام وسلوك أئمتنا في هذا المجال، لا الى العنعنات والروايات التعبوية التحريضية. كما ندعو إلى دراسة التاريخ دراسة علمية موضوعية لأخذ العبر والاستفادة من التجارب. 4- ندعو أبناء الشيعة في كافة أنحاء المعمورة إلى دفع الحقوق الشرعية لمن يكفل وصولها إلى فقرائهم ومعوزيهم، وإنفاقها على تشييد المشاريع التي تساهم في تنمية بلادهم وتعمير أوطانهم، ونقترح إنشاء لجان اجتماعية مهمتها إنفاق عائدات الحقوق الشرعية في الصالح العام وبما يعاضد جهود مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في التنمية. 5- نعتقد بأن التقية التي دعا إليها أئمة أهل البيت هي من التقوى في الشأن العام واتقاء الأذى الفردي والجماعي وحفظ وحدة المجتمعات الاسلامية.. وهي بلغة العصر تعني اندماج الشيعة في أوطانهم ومجتمعاتهم اندماجاً كاملاً، وعدم تمييز أنفسهم بأي خصوصية تفرقهم عن بقية المواطنين، وإنما المشاركة الكاملة المتساوية مع إخوانهم في الوطن. 6- نرفض شعار "الإسلام دين ودولة" ونقول إن الإسلام دين وأمة. ونذكّر بسيرة ونهج الإمام علي وبكلامه بوجه شعار الخوارج: لا حكم إلا لله:" نعم لا حكم إلا لله.. ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله. والحال أنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر". 7- ندعو رجال الدين الشيعة إلى التعاون مع فقهاء العلوم الأخرى كالعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والإدارية والصحية، وإلى إبداء الرأي كغيرهم من طبقات وفئات وشرائح المجتمع، وعبر المؤسسات الدستورية الشرعية، أو من خلال منظمات وهيئات المجتمع المدني.. وندعو الجميع إلى حفظ القوانين الوضعية واحترامها حتى في بلاد غير المسلمين. 8- ندعو إدارات ومصالح الأوقاف الجعفرية في كافة الدول العربية إلى سن نظام رقابي محكم على الأوقاف لضمان عدم استغلالها لغير ما أُوقفت لأجله، ولكي تُستثمر لمصلحة الفقراء والمحتاجين وللتنمية المستدامة. وندعو المجتمع المدني والمجتمع الأهلي إلى ممارسة دوره في الرقابة والمحاسبة على هذه الهيئات. 9- نعتقد بأن الإسلام دين يفهمه الناس جميعاً بحسب سعتهم، وإن ما يدعو إليه الإسلام كدين هو ما تدعو إليه كافة النظم والقوانين والتشريعات الإنسانية؛ ذلك أن الأسس القانونية لكل النظم البشرية واحدة متشابهة لوحدة الطبيعة الإنسانية وتشابه العلاقات الاجتماعية. ونؤمن بأن الدين يعنى بالإنسان لا بالنظم ويحتفي بالضمير أكثر من اهتمامه بالقواعد القانونية التي هي من مسؤولية البشر ومن صناعتهم. 10- نعتقد بأن الإسلام دين الفرد والمجتمع، لا دين النظام والدولة، وندعو دولنا العربية والاسلامية إلى معاملة مواطنيها من دون تمييز على أساس الدين، أو المذهب، أو الجنس، أو اللون، أو العرق، أو القبيلة، لتتمكن الأمة العربية من تجاوز السقطة الحضارية المهولة التي تعيشها. 11- نرفض القول ببطلان عقائد الآخرين من إخواننا المواطنين الذين هم "إما أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق"، ونعتقد بأن الدين حق لكل إنسان الاعتقاد به كيفما يشاء، على القاعدة الملزمة الواردة في آية ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ "، وآية ﴿فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ "، وآية ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وعلى مبدأ الرسول الكريم الذي جاء في آية ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾. ونؤمن بأن الله يحكم بيننا يوم القيامة. وندعو المسلمين والمسيحيين كافة إلى عدم الانشغال بمناقشة القضايا التاريخية، أو اللاهوتية، ونطالبهم بالتفاعل مع قضاياهم المعاصرة والعمل من أجل مستقبل أوطانهم وتحرر بلادهم وعزة شعوبهم ورفاههم. 12- ندعو أبناء الشيعة إلى مراجعة ممارستهم لبعض الشعائر الدينية التي يمارسونها كل عام، كالتطبير (ضرب القامة والرأس بالسيوف) والزنجيل (ضرب الظهر بسلاسل حديدية)، وغير ذلك من التمثيل والتشبيه، ونرى أن هذه الممارسات لا تجلب سوى تنفير المسلمين وغير المسلمين من الإسلام والتشيع، وإنها ممارسات دخيلة لم يكتبها الله علينا ولم ترد في كتاب ولا سُنة، ولا هي من سلوك الأئمة ومعاصريهم. 13- نطالب الشيعة العرب بالعمل الجاد لإنشاء مؤسسات ومرجعيات دينية وطنية في كل البلدان العربية التي يوجد فيها الشيعة، لتساهم في بناء أوطانها، وترسيخ دعائم هويتها ووحدتها الوطنية، وبث قيم التسامح والمحبة والإخاء ما بين أبنائها. 14-نرى ضرورة تجاوز الوقائع التاريخية التي أدت إلى نشوء انقسامات سياسية تلابست بعد ذلك مع الإختلاف في الرؤية العلمية أو الرؤية الفكرية في مجال التشريع، إن كان في مجال الأدلة أو في مجال الإستنباط.وأنه لا بد من اعتماد أسلوبٍ يراعي وحدة الأمة في تثقيف عامة الناس بهذه الوقائع التاريخية وبتفاعلاتها السياسية، ويتجنب ما يؤدّي إلى القطيعة، ذلك أن التحزب ينقل تفاعلاتها إلى حاضر الأمة وواقعها الراهن، ويتسبب في القطيعة بين مجموعات الأمة، وهو ما حرص الإمام علي(ع) وأبناؤه على تجنب الوقوع فيه، بل قدموا تضحيات كثيرة مادية ومعنوية لتفاديه حفاظاً على وحدة الأمة وسلامة كيانها. 15- نرى أنه لا يمكن أن نبني الوحدة بإحياء خلافات الماضي، بل نبني الوحدة بالتركيز على حاجات الحاضر، وعلى المسلمات الثوابت في العقيدة والشريعة الإسلامية التي تجعل من المسلمين أمة واحدة. 16-نعتقد بأن البحث المجرد الموضوعي من قبل علماء ومفكري وباحثي كل مذهب وكل طائفة لعقائد ومنهج فقه كل طائفة أخرى، سيكشف للجميع على أن المساحات المشتركة واسعة جداً، وأما الخلافات فيمكن الوصول في كثير منها إلى نقاط وفاق، وأما ما لا يمكن الوصول فيه إلى نقاط وفاق فتترك لكل جهة ولكل مذهب، وتكون من خصوصياته ومميزاته، ولا تجعل ذريعة لاعتبارها أساساً للخلاف والنزاع وإفساد العلاقات الإسلامية – الإسلامية. 17- ومن هنا فإن التنوع المذهبي الذي اعتبر عامل انقسام هو واقع قائم ضمن الوحدة، ولا يجوز على الإطلاق الإسترسال مع هذا التنوع أو هذا الإختلاف، لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بوحدة الأمة باعتبارها وحدة عقائدية وتشريعية. وإذا كان يراد بحث وقائع التنوع والإختلاف فلنبحث عن الدوائر العلمية الضيقة والمتخصصة، ولا تجعل مادة للحديث اليومي أو الموسمي. 18- نرى بأن التمذهب ظاهرة طبيعية في داخل الإسلام، ولا يمكن أبداً فرض مذهب معين على الناس بقرار سياسي أو لفرض اتجاه مذهبي محدد وإلغاء المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى،.لقد حدث كثيراً أن حاول بعض المتسلطين والحكام القيام بشيء من ذلك ولم يفلحوا بل انتهى بكوارث. وهذه الحقيقة يجب أن تثبت في وعينا جميعاً في هذا العصر بأن الموقف السليم والإتجاه الشرعي المستقيم يقتضي الإعتراف بكل مذهب. 19- من المهم أن نتجنب حالة التبشير في داخل الإسلام، ومحاولة حمل أتباع مذهب على ترك مذهبهم واتِّباع المذهب الآخر بالأسلوب التبشيري، حيث أن التكامل الثقافي لا يكون بمحاولة الإستفزاز، وإنما يكون بمحاولة الإغناء والإضافات والتكامل.ومن هنا فيجب إعادة النظر في جميع المؤسسات التي تقوم على أساس فكرة التبشير والدعاية المذهبية في مقابل المذاهب الأخرى، وهذه المؤسسات سواء كانت منها المعلنة بأهدافها أو المقنعة بشعارات خادعة وشعارات مموهة، هذه المؤسسات تعوق بشكل مدمر نمو عوامل التقريب وتخرب الوحدة تخريباً عميقاً، ونحن نشاهد بعض مظاهر ذلك بين الفينة والأخرى. 20- إن التمذهب ظاهرة طبيعية في كل عالم ثقافي حضاري، وهو مما يتفق مع الفطرة، إننا لا نعتبر التمذهب، بالمعنى الفقهي، تمزقاً في الإسلام، بل هو منسجم مع طبيعة اختلاف الأفهام والمدارك والرؤى في ضمن الإطار الواحد الجامع. وإن الاختلافات المذهبية أمر طبيعي، وهي ناشئة من الإختلاف الإجتهادي في فهم ظواهر الكتاب وفي تقييم السنة، إن من حيث الصدور أو من حيث الظهور.جوهر الخلاف كما آل إليه وكما يجب أن يكون فهمه في عصرنا هو هذا، أي أن الخلاف ناشئ من اعتبارات عقلية ثقافية ترجع إلى الفهم الفقهي ولا يجوز أن تكون لهذه الإختلافات تعبيرات سياسية وتنظيمية على مستوى علاقات المواطنة وعلى مستوى علاقات المواطنين بالدولة والحكومة وموقعهم في النظام السياسي.. 21- ربما كان يوجد اعتبار سياسي في خلفيات بعض الخلافات القديمة، ولكن هذا زمن انقضى وانقطعت مقتضيات الخلاف فيه، أما الآن فيجب أن يحصر الإختلاف في المسالك والمناهج الفقهية في اختلاف فهم ظواهر الكتاب والإختلاف في السنة من حيث الصدور ومن حيث الظهور. هذه المذاهب تتمتع بالشرعية الكاملة من كل مذهب تجاه المذاهب الأخرى، فأتباع كل مذهب يجب أن يكونوا معترفاً بهم باعتبارهم مسلمين كاملي حقوق الإنتماء إلى الإسلام على مستوى الأمة وعلى مستوى مجتمعهم الوطني الخاص، ويتمتعون بكل ما تتمتع به المذاهب الأخرى من دون اعتبار لكونهم أكثرية أو أقلية، بل لا يجوز اعتبار التنوع المذهبي أساساً للتصنيف إلى أقلية وأكثرية، ويجب أن تحترم عقائدهم وأفهامهم الخاصة وأن لا ينعكس تنوعهم المذهبي إذا كانوا أقلية على إمكانات اندماجهم في المجتمع وعلى تمتعهم بحقوق عضوية المجتمع وعضوية الأمة في المجال الإجتماعي والإقتصادي والسياسي. 22- إن المرجع في فهم منهج كل مذهب ورؤيته العقائدية ومنهجه الفقهي هو أئمة وعلماء المذهب نفسه، والكتب المعتمدة فيه على نطاق واسع ورسمي وليس الآراء الشاذة منه، وليس ما يقوله عنه أو ما قله عنه في الماضي خصومه ومناوئوه في المذاهب الأخرى. ولا يجوز الحكم على المذهب استناداً إلى التفاصيل الشاذة والغامضة، بل يجب أن يرجع في درسها لإثباتها أو نفيها أو تأويلها إلى المرجعية العقائدية والفكرية والفقهية لأتباع المذهب نفسه، ولا يجوز أن تكون موضوع اجتهادات أو أحكام من قبل مصادر أخرى في مذاهب أخرى. 23- ندعو إلى تحريم التبشير في داخل الإسلام، فلا يجوز للشيعة أن يقوموا بنشاط تبشيري داخل هذا المذهب الإسلامي أو ذاك، ولا يصح من أي مذهب منفرد أن يقوم بنشاط تبشيري على مستوى عام داخل المذاهب الأخرى، كما لا يجوز ولا يصح أن يقوم أهل السنة باعتبارهم كتلة عقائدية بأنشطة تبشيرية مبرمجة وممنهجة داخل الشيعة. وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب على صعيد فردي فهذا شأن من شؤون كل شخص بحسب قناعاته التي يكونها نتيجة لقراءاته وتفكيره الخاص، وإذا قرر مسلم من المسلمين من مذهب معين الإنتقال إلى مذهب آخر فإن إرادته ورغبته يجب أن تحترم ويطبق عليه باحترام أحكام المذهب الذي اختاره بحرية ضميره. 24- ندعو إلى تعزيز الاتجاه العام الذي وفق الله له في الأعصار الأخيرة على مستوى الأمة الإسلامية، وهو فتح باب الإجتهاد.وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الاجتهاد لا يزال اجتهاداً مذهبياً عند الجميع، بحيث أن كل أئمة وفقهاء كل مذهب يعملون على الاجتهاد في نطاق منهج وأصول وقواعد مذاهبهم الخاص، وهذا أمر حسن في ذاته، ولكن هذا لا يخدم مقصد الوحدة والتقريب، وإنما يعزز الحيوية الفكرية والفقهية في داخل هذا المذهب المعين بالخصوص. نحن ندعو - في نطاق مشروع تأصيل وحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب - إلى تأسيس منهج الإجتهاد المطلق العام في جميع المذاهب.ومن هنا فيجب أن تعزز في جميع الدوائر العلمية عند جميع المسلمين الدراسات الأصولية والفقهية المقارنة، بهدف العمل على تكوين مجتهدين مطلقين في المذاهب الإسلامية كلها، على مستوى الإسلام كله، وليس على مستوى مذهب معين. 25- ندعو إلى تكوين مجامع فكرية وعلمية تقوم على أساس مس قضية وحدة الأمة والتقريب بين اتجاهاتها الفقهية، وهذا أمر حاصل الآن بالجملة من خلال ما يعقد من مؤتمرات وندوات وما إلى ذلك، ولكن نأمل أن تتأصل فكرة إنشاء مؤسسات بحثية دائمة في هذا الشأن ولعل مجامع الفقه الإسلامي هي إحدى مظاهر هذه المؤسسات التي نشير إليها. 26- ندعو إخوتنا الشيعة إلى التمسك بقول الإمام البروجردي: "إن قضية الخلافة لا تحتاج إليها الأمة الآن، والبحث فيها مثار الإختلاف من دون أن يكون له ضرورة، وإنما هي في عهدة التاريخ، فلا داعي للخوض فيها. وأما أن الأئمة كانوا مرجعاً للأحكام فهي حاجة تختص بزمان دون زمان، فعلينا أن نكتفي في بحث الإمامة بهذه، ونسكت عن الأولى، ولا خير في ذلك"... إن هذه الكلمة للمرجع الإمام البرجردي تكشف عن الرؤيا القائمة على اعتبار وحدة الأمة، والناظرة إلى التقريب بين المذاهب، وهي عظيمة القيمة في أطروحتنا التي نقدمها للأمة الإسلامية في مشروع ترسيخ الوحدة والتقريب بين المذاهب. 27- لا يجوز أن تؤدّي الإختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أي دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع أو على مستوى العالم الإسلامي. بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنية وواجباتها. 28- نؤمن بأن الأوطان الحرة لا تملك ترف الاستغناء عن جهود أحد من أبنائها، ولا تستطيع إهمال رأي فريق منهم. لذلك فإننا نعتقد بأن بلادنا (وكل البلاد العربية الحرة المستقلة) ستكون أقوى عزماً وأعظم شأناً عندما تتضافر جهود أبنائها وتتعدد اجتهاداتهم على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم وسياساتهم، ذلك أن الوطن أغلى على أبنائه وبناته من أن يقعد عن المساهمة في إقالته من عثرته الراهنة أي إنسان قادر على المبادرة والمشاركة، بالفكر والرأي والعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. 29- نؤمن بالحوار الدائم بين مكونات الأمة والوطن. والحوار يقوم بين مختلفين متعددين. فإما أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن اعترافاً بالتعدد والاختلاف، وإما أن نزعم بأننا متطابقون، فلا تكون لنا حاجة إلى الحوار. والاختلاف (التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة، ومتحققة بداهة، في أي تجمع إنساني. لذلك فإن السعي إلى إلغائه بدعوى التوحد والمطابقة والانصهار هو سعي عقيم، وينم عن سوء تقدير، في أحسن الأحوال. فالله خلق الناس مختلفين ودعاهم إلى التعارف فالتعاون على البر والتقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)...(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم)..( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون)... (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا).. (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ).. 30- نؤمن بضرورة اعتماد "مشتركات" و"توافقات استراتيجية" لا تنهض من دونها حياة اجتماعية. من هنا يشكل التهاون أو التفريط بالمشترك سوء تدبير خطير، تترتب عليه نتائج وخيمة عاينا نماذج منها في تجاربنا الوطنية الخاصة، ولا نزال نرى تجليات مماثلة في بلدان عديدة من حولنا. إن المشكلة في حد ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمة لمصالح مختلفة، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مشترك، أو من تخريب هذا النظام إن كان موجوداً. 31- نعتقد بأن الفكر الإسلامي المعاصر، وخصوصاً في مسائل الاجتماع السياسي، كمشروع الدولة والنظام السياسي والحكم، قد ارتكز إلى خلفية كلامية لم تعد موجودة مطلقاً، فلم يبقَ له مرتكز في الواقع المعيشي. ففي الإطار السُني، ارتكز الخطاب الإسلامي في مفهوم الدولة والسلطة على نظرية الخلافة، أي على الموروث النظري الفكري والفقهي والتنظيمي الذي صيغت به نصوص ما يعرف بالأحكام السلطانية. وفي الإطار الشيعي، ارتكز الخطاب على نظرية الإمامة. وهذه النظرية هي نظرية أصيلة في التكوين المعتقدي للشيعة، لكنها نظرية استثنائية، وهي ليست دائمة في الحضور اليومي والعملي. لذا فإنه لا يمكن في عصرنا الاتكاء على كلا النظريتين (الخلافة والإمامة)، بل لا بد من الاتكاء على نظرية سياسية عامة من خلال الاجتهاد في الفقه الإسلامي، ومن خلال التعلم من تجارب التاريخ العالمي والواقع الحاضر. 32- نعتقد بأن كل شعب مسلم على المستوى الوطني أو القومي يحب بالضرورة أن يكون له نظام حكم وحكومة يحفظانه، ويضمنان سلامته وتقدمه. أما أن يكون هذا النظام وهذه الحكومة إسلاميين، فقضية غير مسلّمة، وغير بديهية، كما هو الشأن في أي مجتمع سياسي معاصر، خارج العالم الإسلامي. فكما أن المجتمع السياسي البريطاني، أو الأمريكي مثلاً، أو غيرهما، لا بد من أن يكون له نظام حكم وحكومة، يُمكن أن تكون تارة اشتراكية عمالية، وأخرى رأسمالية محافظة، مع التزام المجتمع في تكوينه ومنهجه العام بالديموقراطية التي تلزم كل حكومة تتولى السلطة باحترام قواعدها وأصولها، فكذلك المجتمع السياسي الإسلامي يمكن أن يستمر في تكوينه ومنهجه العام، ويكون قابلاً لأي نظام لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، من دون أن يكون نظام الحكم إسلامياً. 33- نعتقد بأن المفاهيم والقيم الإنسانية والأخلاقية التي قامت عليها، وتكونت منها فكرة الدولة في الإسلام، هي القيم التي يتجه إليها طموح البشر في العصر الحديث على مستوى الدولة الوطنية والقومية، وعلى مستوى النظام الدولي المرتجى، وهي قيم العدالة، والحرية الواعية، وكرامة الإنسان، وتيسير سبل التكامل الروحي والمادي لبني البشر. 34- ندعو ونعمل لأن يكون الشعب مصدر كل السلطات التي يجب الفصل بينها واستقلال كل منها عن الأخرى في إطار من التوازن العام، وهذا المبدأ يتضمن حق الشعب بأن يشرّع لنفسه وبنفسه القوانين التي تحقق مصالحه. 35- نؤمن بالمواطنة كأساس للعلاقة بين أفراد الشعب، فلا يجوز التمييز بينهم بسبب الدين، أو الجنس، أو اللون، أو العرق، أو المكانة، أو الثروة في جميع الحقوق والالتزامات، وتولي المناصب، والولايات العامة، وعلى كل المستويات. 36- نؤمن بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الأهلية السياسية، والقانونية؛ فالمعيار الوحيد لتولّي المناصب والولايات العامة مثل القضاء والنيابة والوزارة، وحتى رئاسة الدولة هو الكفاءة والأهلية والقدرة على القيام بمسؤليات المنصب. 37- نؤمن بواجب وضرورة احترام الكرامة الإنسانية وكل حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نصت عليها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية. 38- ندعو إلى احترام حق التداول السلمي للسلطة عبر الانتخاب الحر المباشر، واحترام نتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع. ونعمل لتأكيد مبدأ سيادة القانون وحده ومساواة الجميع أمام القانون. 39- نؤمن بالتعددية الفكرية والسياسية والدينية والثقافية ونعمل على احترام حرية الصحافة والإعلام والجمعيات والأحزاب وإلغاء أي قوانين مقيدة لهما، وعلى تأكيد حرية الرأي والتعبير عنه والدعوة إليه. ونعتبر حرية تدفق المعلومات – بما في ذلك تلك التي تأتي عبر الشبكة الدولية للمعلومات - وإنشاء وسائل الإعلام وتملكها ضرورة لتحقيق ذلك. 40- نؤمن بأن الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً.. 41- الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس. دم الإنسان مصون، وعرضه مصون، وماله مصون، وسمعته مصونة... وكونه غير مسلم لا يهدر دمه ولا عرضه ولا ماله ولا سمعته، وما يشيع بين الناس من أن غير المسلم هو مهدور الدم أو العرض أو المال أو السمعة هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق وهو من الجرائم الكبرى بحق الاسلام وبحق الانسانية. 42- كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري. 43- كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع وغير دستوري. 44- كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. 45- ندعو إخواننا الشيعة اللبنانيين إلى الحوار والجدال بالتي هي أحسن، وإلى الكلمة الطيبة والكلمة السواء، وإلى المحبة والتواد والتعاون على البر والتقوى ونبذ الظلم والعدوان، وإلى رفع شعارات الإمام علي والاقتداء بها، وخصوصاً شعاره: إعرف الحق تعرف أهله.