جان جينيه، صوت حر حلق في سماء الأدب العالمي، وجهر بمعاناة الفلسطينيين وحق الدولة الفلسطينية في الوجود، كان من بين الأدباء العالميين القلائل الذين حملوا مشعل حرية الشعب الفلسطيني، في وقت كان فيه الأدب العالمي منقسما بين غرب ليبرالي وشرق شيوعي.
من المعروف أن جان جينيه ولد من أب مجهول ، وأم تخلت عنه في سنوات حياته الأولى، لكنه وجد في فلسطين العزاء، إن اليتيم الذي كانه جان جينيه وجد في القضية الفلسطينية دفق الحنان، ووجد الأم والأب معاً في شعبها وقادتها ونضالها..
وقد شكلت مجموع المقالات والكتب التي ألفها جينيه حول القضية الفلسطينية نافذة أطل منها الرأي العالم الغربي على الشعب الفلسطيني المقهور، وجعله الوفاء لهذه القضية من بين الأصدقاء الكبار للشعب الفلسطيني وقيادته..
مدى القرب الذي عايش من خلاله جينيه القضية الفلسطينية جعلته يحس بدبيب وأنين الآلام والمآسي الفلسطينية، وهذا التجاوب والاحتضان بين الجانبين فاق الانتماء العاطفي، ليلامس حدود الوجود المادي لأديب، آثر الارتماء في أحضان هذه القضية العادلة.
في أواخر حياته،أدلى جان جينيه بحديث يتضمن عرفانا صريحا بالجميل "لقد ساعدني الفلسطينيون على العيش"، وكأن القضية كانت سببا في حياة جينيه، وليس جينيه من كان سببا في التعريف بالقضية.
لم يخطط أي أحد منهما كي يلتقيا، لكن كان اللقاء بين فلسطين وجينيه بالصدفة.. ففي أحد أيام الحركة الطلابية الفرنسية سنة 1968، التقى الشاب جينيه بطلاب عرب يوزعون مطويات حول فلسطين في ساحة جامعة السوربون بباريس، لم تكن القضية الفلسطينية حينها موضة أو ترفا ثقافيا في الصالونات الأدبية الفرنسية، بل كانت شبه مغيبة في الأوساط السياسية والثقافية، بل وحتى لدى الحكومات الغربية.
من هنا كانت البداية، صدفة، نشأ الرابط العاطفي الوجودي، بين الأديب الذي عاش في طفولته العزلة، والقضية الفلسطينية التي تعيش، وما تزال، عزلة على الساحة الدولية. رابط بين فكر نقي وحر، وقضية شعب عادل، وجدت في المُثل التي يؤمن بها جينيه الملاذ.
إثر ذلك، شرع يلتهم القصائد والكتب حول القضية الفلسطينية، ثم التقى القائد ياسر عرفات الذي مكنه من دخول فلسطين والاختلاط بالفدائيين، بعد عودته لباريس، خطت أنامله أولى كتاباته حول القضية، وكانت رائعة "أسير عاشق"، وهي رواية يحكي فيها بطريقة غير مباشرة حياة المقاتلين.
تعرفت عليه بالصدفة في مطلع السبعينات قبيل الحرب الأهلية، حين حضر برفقة الراحل الكبير إدوارد سعيد واتصلا بالشهيد حنا ميخائيل (أبو عمر) وكان من قادة فتح في إقليم لبنان، وقمت بالترجمة لجان جينيه خلال زيارة المخيمات في بيروت والجنوب والشمال..
أربع ساعات في شاتيلا"، كانت شهادة إنسان حر عن البشاعات التي خلفتها آلة الحرب الإسرائيلية في الشرق الأوسط، ممهورة بنظرة فكرية نقية وخالصة، تنبع من روح الإنسان للحديث عن الإنسان، دونما اعتبارات عقدية أو فكرية أو سياسية.
كان جان جينيه من الأدباء الأحرار، الذين كانت لهم وجهة نظر الضمير النقي بالنسبة للإنسان في العالم العربي، لا تقف أمامه لا طموحات سياسية ولا استراتيجية، ولا يسعى إلى الغلبة ولا الهيمنة، كان مجرد إنسان يفكر في الإنسان..
ما أحوج العالم العربي إلى مثل هؤلاء الأدباء الأحرار، المؤثرين في الرأي العام الغربي، هي فرصة ننفذ من خلالها لضمير ووجدان هذه الشعوب..
كل التحية إلى الصديق الذي شارك في الصفوف الأمامية للمواجهة، ونقل معاناة هذه الشعب الأعزل إلى العالمية..
الثلاثاء، 1 يونيو 2010
كريم مروة: إذا كانت قضية بناء الدولة تهمة إصلاحية فلا أتبرأ منها
صدر مؤخراً للكاتب اللبناني اليساري كريم مروة كتاب بعنوان "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" الصادر عن دار الساقي، والذي يقدّم فيه مشروعاً لنهضة جديدة لليسار في العالم العربي، بعد الانكسارات والتراجعات الكبرى التي شهدها في العقود الأخيرة، لا سيّما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار التجربة الاشتراكية بوجه عام. ويستند مروة في مقاربته هذه إلى خبرته الطويلة في العمل السياسي والفكري كأبرز رموز التيار الماركسي في لبنان والعالم العربي. كما اقترح عدداً من الأفكار التي يراها ضرورية لخروج اليسار من أزمته الراهنة، مركزاً على أهمية القيام بقراءة غير أيديولوجية للتحوّلات التي تجري في العالم المعاصر لاستخلاص العناصر الأساسية التي يمكن لليسار الجديد أن يستند إليها في تحديد أهدافه ووسائل نضاله.
هل سقط الفكر الإشتراكي عموماً والفكر الماركسي خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أم أن هناك إمكانية لإعادة الروح للفكر اليساري؟
الفكر الاشتراكي هو فكر إنساني، له تاريخ، وهو سابق على الماركسية. لكن أهمية مشروع ماركس لتغيير العالم أنه فتح باباً حقيقياً لإحداث تغيير جوهري في مسار حركة التاريخ. والنقطة الجوهرية في مشروع ماركس أنه يعطي لحركة التاريخ اتجاهاً محدداً وفق قوانين وضعية تقود إلى تحقيق التقدم والحرية والعدالة الإجتماعية كأقانيم متحدة وفق الشروط التاريخية الملموسة. بهذا المعنى أستطيع القول بأن الفكر الإشتراكي المرتبط بمشروع ماركس لا يمكن أن يفقد مبرر وجوده واستمراره. لكن المشكلة تتحدد في القوى التي حملت هذا الفكر، وحاولت أن تدخله إلى الواقع في مراحل تاريخية تمتدّ إلى ما يقرب من القرن ونصف القرن منذ البيان الشيوعي حتى اليوم، وبالتالي يتحملون مسؤولية فشل التجربة التي ارتبطت باسم ماركس، وأعني فشل التجربة الاشتراكية التي تمثلت بسقوط الاتحاد السوفياتي كأول دولة اشتراكية في التاريخ. وأعتقد أن علينا التوقف عند "إشكالية العلاقة بين الفكر والممارسة"، أي بين الفكر والذين يمارسونه! فهؤلاء تعاملوا مع أفكار ماركس كما لو أنها أفكار ثابتة غير قابلة للتغيير على طريقة الفكر الديني. وبالإضافة إلى عجزهم عن تطوير هذا الفكر وتطوير المشروع المرتبط به لكي يتطابق مع التحولات التي تجري عبر التاريخ فأساؤوا إلى هذا كله من خلال سلوكهم العملي. وخلاصة ما أود قوله إن الفكر الاشتراكي يجب أن يتغير مع تغير الشروط التاريخية، وعندما تتوفر القوى التي تتعامل معه على هذا النحو سيستعيد مكانه ودوره في إحداث التغيير في حركة التاريخ.
كيف يمكن تجاوز الأزمة التي يعاني منها اليوم اليسار اليوم؟
عندما نتحدث عن اليسار اليوم فهو يختلف عن اليسار الذي كان سائداً منذ ثورة أكتوبر 1917 حتى سقوط الإتحاد السوفياتي عام 1991. ويكمن جوهر الاختلاف في الأثر الذي تركه انهيار التجربة السابقة، وتغير القاعدة الاجتماعية والسياسية لليسار المعاصر. وبحكم قناعتي، يعتبر التاريخ حلقة تواصل بين مراحل وحقبات مختلفة. والجديد إنما يولد دائماً من القديم ثم يتخذ لنفسه شخصية مستقلة عنه دون أن يفقد صلته بالرحم الذي ولد منه، على قاعدة دعوة ماركس بعدم تحنيط الأفكار وتأبيدها بل تجاوزها مع مرور الزمن وتطور الوقائع. من هنا أدعو إلى إعادة إحياء المشروع الاشتراكي ضمن شروط العصر، مع الأخذ بالاعتبار أن في تاريخ الحركة الاشتراكية ما هو مجيد ينبغي التمسك به. وأن في هذا التاريخ أخطاء لا بد من نقدها وتجاوزها.
هل هناك معوقات معينة تقف أمام تطور اليسار العربي غير تلك مرتبطة بالأزمة الدولية التي يعاني منعها الفكر اليساري عموماً؟
لا فرق جوهرياً عندي بين أزمة اليسار في العالم العربي وأزمة اليسار في العالم، لأن طبيعة الأزمة هنا وهناك هي ذاتها وكذلك أسبابها التاريخية والراهنة. لذلك عندما أدعو إلى نهضة جديدة لليسار في عالمنا العربي فإنني ألتقي مع إيريك أورلو الذي تحدث عن تشابه أزمة اليسار في العالم العربي مع أزمة اليسار في أوروبا، مع فارق غير قليل الأهمية أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا تحكم الآن في بعض البلدان رغم أنها تراجعت من 15 دولة إلى 5 دول! لذلك مفهومي لليسار اليوم أشمل مما كان عليه كشيوعي سابق. ذلك أننا كشيوعيين في فترات سابقة كنا نعتبر أن أحزابنا الشيوعية هي وحدها الممثل للإتجاه الإِشتراكي. في حين أن التاريخ أثبت أن الشيوعيين لا يحتكرون اسم الإشتراكية ولا اليسار، ولا اسم ماركس والماركسية. من هنا إصراري على أن اليسار المعاصر أشمل بمكوناته وقاعدته الإجتماعية وتياراته الفكرية.
بمناسبة عيد العمال: أين أصبح دور الطبقة العاملة؟ وهل مازال للبروليتاريا رسالة تاريخية؟
تعتبر الطبقة العاملة القوى المعنية بمشروع ماركس. لكن الوقائع التاريخية والتحولات التي شهدها العصر، والمنجزات العلمية الكبرى، والتقنيات على اختلافها أعطت لمفهوم الطبقة العاملة معنى مختلف عما كان عليه الأمر في زمان ماركس، وحتى في الزمن الذي انتصرت فيه ثورة أكتوبر الاشتراكية. وجوهر التغيير هنا في مفهوم الطبقة العاملة هو دور هذه الطبقة في عملية الإنتاج. إذ حلّ العمل الذهني محل العمل اليدوي. وأدى ذلك إلى ضعف تمركز الطبقة العاملة في المراكز الصناعية على اختلافها، وإلى تحول أعداد كبيرة ممن كانوا يعتبرون جماهير الطبقة العاملة إلى فئات مهمشة، وإلى جماهير غفيرة من العاطلين عن العمل. إلا أن هذا لا يعني أن تلك الفئات الواسعة من العمال والمستضعفين أي الأجراء بمختلف ميادين عملهم قد كفوا عن أن يكونوا قوى أساسية في عملية التغيير باسم الاشتراكية أو باسم اليسار، لكن عدداً كبيراً من قوى اجتماعية أخرى بما في ذلك ما يُسمّى بالطبقة الوسطى مضافاً إليهم العاملون ذهنياً وفكرياً وعملياً في عملية الإنتاج باتوا يشكلون اليوم القاعدة الاجتماعية الأوسع والأكبر لليسار، حامي مستودع التغيير باسم الاشتراكية. وعلى قاعدة مشروع ماركس الأساسي ينبغي أن ننظر إلى الطبقة العاملة بمنظور مختلف عن السابق. وإذ نستمر بالاحتفال بعيد أول أيار كعيد للطبقة العاملة فإننا نحتفل بالجمهور الذي يحمل هذا الاسم، ومعه فئات واسعة ذات مصلحة في إحداث التغيير باسم اليسار.
مع تنامي الحركات الإسلامية والإنتصارات التي حققتها المقاومة في لبنان والعراق والإنتفاضة الفلسطينية: هل بات اليسار العربي غير قادر على إجراء مصالحة مع هذه الحركات؟
على اليسار بالمعنى الذي أشرت إليه وبالفكر الذي يرتبط به أن يكون مستقلاً. وبهذا المعنى أرى أن ثمة فارقاً نوعياً بين اليسار الذي أتحدث عنه وبين الحركات الإسلامية ذات المرجعيات الدينية، رغم التقائهما في ظروف ما حول قضايا معينة. وأشير هنا إلى أن ماركس وأنغلز توجّها في البيان الشيوعي إلى الأحزاب المنتمية إلى عصبة الشيوعيين لكي تتحالف في ظروف ما مع خصمها الطبقي حول قضايا معينة.
ويهمني في هذا السياق أن أشير إلى أن ضرورة إلتقاء جميع القوى بمعزل عن الخلاف الفكري والسياسي والطبقي في ظروف الإحتلال والعدوان. لكن سيكون من الخطأ بالمقابل أن لا يأخذ اليسار بعين الاعتبار في نضاله من أجل التغيير أن جماهير المؤمنين ذات مصلحة في النضال من أجل التغيير. أي أن بإمكانها أن تلتقي مع اليسار في هذا المضمار دون أن تفقد علاقتها بإيمانها ومرجعيتها الدينية. وبالطبع لا يعني اليسار أن يتخذ موقفاً معادياً للدين، لكنه معني بأن لا تصبح المرجعيات الدينية صاحبة الرأي والقرار في العمل السياسي والنضالي، لا سيما إذا تعلق الأمر ببناء الدولة. فمن شعارات اليسار الأساسية الفصل بين الدين والدولة. لكن إذا عدنا إلى الوقائع التاريخية خصوصاً في المرحلة الأخيرة من وجود الإتحاد السوفياتي وبالأخص بعد انهياره، فسنجد أن انهيار التجربة الاشتراكية قد ترك فراغاً كبيراً في العمل السياسي، وأحدث ما يشبه الإحباط واليأس من قدرة الاشتراكية واليسار على متابعة النضال للتغيير! لذلك ملأ الفراغ الإسلام السياسي بتنويعاته المختلفة، لا سيما الإسلام المناضل ضد العدوان الخارجي والاحتلال الأجنبي. من هنا يطرح السؤال حول نوع العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين اليسار بمكوّناته المختلفة وبين بعض الحركات الإسلامية المعاصرة؟ والجواب البسيط: أن ثمة حاجة موضوعية في الوقت الراهن لالتقاء محدد بين اليسار وبين بعض هذه القوى في بعض القضايا وبشكل خاص في القضية الوطنية، شرط أن يبقى هذا اليسار محافظاً على استقلاليته كيسار علماني لبناء دولة قائمة على الفصل بين الدين والدولة التي يسود فيها الديموقراطية والحق والقانون ضمن مجتمع مدني تعددي.
ما هو تصنيفك لليسار واليمين اليوم في ظل التداخل في الممارسة السياسية بينهما؟
حددت في السؤال الأول مفهومي لليسار، بالنسبة لاتساع قاعدته الاجتماعية وتعدد مكوناته ومشروعه لإحداث التغيير في المجتمع القائم على تحقيق التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية. وفي رأيي فإن ما يمكن أن نسميه اليمين متعدد ومختلف حيث يسود رأس المال. إلا أن اليسار يمكن أن يلتقي مع اليمين في مهمات محددة عندما يصبح ذا قوة فاعلة، ويحمل مشروعه للتغيير، ويجند وراءه الجماهير، أو أن اليسار بحكم قوته سيفرض على اليمين الحاكم بمكوناته المختلفة تحقيق بعض القضايا. ولكن على اليسار أن لا يكون يساراً شعبوياً. أي أن لا يطرح شعارات غير قابلة للتحقيق، بل عليه أن يحدد بدقة المهمات الراهنة التي لا بد من النضال لتحقيقها. وعندما يفعل ذلك إنما يستجيب لرأي ماركس الذي يقول بأن على الحزب الإشتراكي حامل مشروع التغيير أن يكون دقيقاً في تحديد المهمات المطلوب تحقيقها بواقعية، لكي يستطيع تجنيد الجماهير من اجل تحقيقها، لأن طرح أي مهمة غير متوفرة شروط تحقيقها سيؤدي إلى إحباط الجماهير، والانكفاء عن النضال تحت قيادة اليسار.
هناك من يتحدث عن سقوط الرأسمالية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية: فهل سيشهد العالم عودة الروح إلى الفكر الاشتراكي أم سيظهر نظام ثالث؟
هذا كلام إنشائي ليس له علاقة بالواقع، بل كلام شعبوي، لأن النظام الرأسمالي هو السائد. ولا يوجد نظام بديل عنه أو شريك له، وكان لدينا وهم له أساس موضوعي خلال وجود الإتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي العالمي، أن المنظومة الاشتراكية هي شريك فعلي للنظام الرأسمالي العالمي. لكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وما كان يسمى نظاماً اشتراكياً عالمياً لم يبق إلا النظام الرأسمالي حتى إشعار آخر. لكن الذين ينظرون لأبدية النظام الرأسمالي مثل فوكوياما الذي تحدث عن نهاية التاريخ بعد سقوط الإتحاد السوفياتي مخطئون، لأنهم يتصورون أن البشر سيستسلمون لنظامهم القائم على القهر والإستغلال والظلم مدى الحياة. وهذا أمر مخالف للطبيعة. فالتاريخ القديم والحديث مليء بالحركات والثورات التي وإن لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها وأحلامها في الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية فإنها ستولد حركات وثورات من نوع جديد تتابع هذا النضال لتحقيق أهدافها وأحلامها. ولكن هنا أطرح فكرة إعادة تجديد حركة اليسار في بلادنا لكي تحمل راية النضال ضمن شروط تاريخية معاصرة لتحقيق هذه الأهداف. وهي مهمة إذا لم تتحقق الآن لا بدّ أن تتحقق ذات يوم. وهي مهمة الأجيال الشابة التي تناضل لصنع مستقبلها. وبالإشارة للأزمة الرأسمالية القائمة حالياً لا بد من القول إنه رغم آثارها الكبيرة والخطيرة فإنها لن تزعزع النظام الرأسمالي العالمي. وقد سبقت هذه الأزمة أزمات كبيرة. لذلك علينا أن لا نراهن على شعارات شعبوية لا تستند إلى وقائع تبشر بنهاية سريعة للنظام الرأسمالي!
قدمت في كتابك "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" برنامجاً لليسار الجديد ارتكز على معالجة 20 قضية مستعصية في عالمنا العربي. فما الذي يميز هذا البرنامج عن أي برنامج إصلاحي لا يحمل صبغة اليسار؟
للأسف تستخدم أحياناً كلمة "إصلاحي" كتهمة لليسار الذي يناضل من أجل تحقيق مهمات واقعية وملحة،ّ وهذا الاستخدام شائع، ولا يستند إلى رؤية واقعية للأمور في بلادنا التي يسود فيها الاستبداد. والمهمة الأولى بالنسبة لي بناء الدولة التي يلتقي حولها الفقراء والمستنيرون من الطبقة الرأسمالية، رغم ما بين هؤلاء من تناقض في المصالح! فالفقراء بحاجة لدولة ذات مؤسسات لكي يطالبوها بحقوقهم عبر النضال، وأصحاب رأسمال بحاجة إلى دولة لكي يحققوا بواسطتها مصالحهم. من هنا كانت قضيتي الأساسية في الكتاب بناء الدولة. كما تضمّن البرنامج المقترح عندي كل ما له علاقة بحياة الناس. وبالتالي إذا كانت قضية بناء الدولة تهمة إصلاحية فلا أتبرأ منها. وأزعم أن القضايا العشرين التي وضعتها تحتاج إلى نضال لتحقيقها في بلادنا خلال زمن طويل!
هل سقط الفكر الإشتراكي عموماً والفكر الماركسي خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أم أن هناك إمكانية لإعادة الروح للفكر اليساري؟
الفكر الاشتراكي هو فكر إنساني، له تاريخ، وهو سابق على الماركسية. لكن أهمية مشروع ماركس لتغيير العالم أنه فتح باباً حقيقياً لإحداث تغيير جوهري في مسار حركة التاريخ. والنقطة الجوهرية في مشروع ماركس أنه يعطي لحركة التاريخ اتجاهاً محدداً وفق قوانين وضعية تقود إلى تحقيق التقدم والحرية والعدالة الإجتماعية كأقانيم متحدة وفق الشروط التاريخية الملموسة. بهذا المعنى أستطيع القول بأن الفكر الإشتراكي المرتبط بمشروع ماركس لا يمكن أن يفقد مبرر وجوده واستمراره. لكن المشكلة تتحدد في القوى التي حملت هذا الفكر، وحاولت أن تدخله إلى الواقع في مراحل تاريخية تمتدّ إلى ما يقرب من القرن ونصف القرن منذ البيان الشيوعي حتى اليوم، وبالتالي يتحملون مسؤولية فشل التجربة التي ارتبطت باسم ماركس، وأعني فشل التجربة الاشتراكية التي تمثلت بسقوط الاتحاد السوفياتي كأول دولة اشتراكية في التاريخ. وأعتقد أن علينا التوقف عند "إشكالية العلاقة بين الفكر والممارسة"، أي بين الفكر والذين يمارسونه! فهؤلاء تعاملوا مع أفكار ماركس كما لو أنها أفكار ثابتة غير قابلة للتغيير على طريقة الفكر الديني. وبالإضافة إلى عجزهم عن تطوير هذا الفكر وتطوير المشروع المرتبط به لكي يتطابق مع التحولات التي تجري عبر التاريخ فأساؤوا إلى هذا كله من خلال سلوكهم العملي. وخلاصة ما أود قوله إن الفكر الاشتراكي يجب أن يتغير مع تغير الشروط التاريخية، وعندما تتوفر القوى التي تتعامل معه على هذا النحو سيستعيد مكانه ودوره في إحداث التغيير في حركة التاريخ.
كيف يمكن تجاوز الأزمة التي يعاني منها اليوم اليسار اليوم؟
عندما نتحدث عن اليسار اليوم فهو يختلف عن اليسار الذي كان سائداً منذ ثورة أكتوبر 1917 حتى سقوط الإتحاد السوفياتي عام 1991. ويكمن جوهر الاختلاف في الأثر الذي تركه انهيار التجربة السابقة، وتغير القاعدة الاجتماعية والسياسية لليسار المعاصر. وبحكم قناعتي، يعتبر التاريخ حلقة تواصل بين مراحل وحقبات مختلفة. والجديد إنما يولد دائماً من القديم ثم يتخذ لنفسه شخصية مستقلة عنه دون أن يفقد صلته بالرحم الذي ولد منه، على قاعدة دعوة ماركس بعدم تحنيط الأفكار وتأبيدها بل تجاوزها مع مرور الزمن وتطور الوقائع. من هنا أدعو إلى إعادة إحياء المشروع الاشتراكي ضمن شروط العصر، مع الأخذ بالاعتبار أن في تاريخ الحركة الاشتراكية ما هو مجيد ينبغي التمسك به. وأن في هذا التاريخ أخطاء لا بد من نقدها وتجاوزها.
هل هناك معوقات معينة تقف أمام تطور اليسار العربي غير تلك مرتبطة بالأزمة الدولية التي يعاني منعها الفكر اليساري عموماً؟
لا فرق جوهرياً عندي بين أزمة اليسار في العالم العربي وأزمة اليسار في العالم، لأن طبيعة الأزمة هنا وهناك هي ذاتها وكذلك أسبابها التاريخية والراهنة. لذلك عندما أدعو إلى نهضة جديدة لليسار في عالمنا العربي فإنني ألتقي مع إيريك أورلو الذي تحدث عن تشابه أزمة اليسار في العالم العربي مع أزمة اليسار في أوروبا، مع فارق غير قليل الأهمية أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا تحكم الآن في بعض البلدان رغم أنها تراجعت من 15 دولة إلى 5 دول! لذلك مفهومي لليسار اليوم أشمل مما كان عليه كشيوعي سابق. ذلك أننا كشيوعيين في فترات سابقة كنا نعتبر أن أحزابنا الشيوعية هي وحدها الممثل للإتجاه الإِشتراكي. في حين أن التاريخ أثبت أن الشيوعيين لا يحتكرون اسم الإشتراكية ولا اليسار، ولا اسم ماركس والماركسية. من هنا إصراري على أن اليسار المعاصر أشمل بمكوناته وقاعدته الإجتماعية وتياراته الفكرية.
بمناسبة عيد العمال: أين أصبح دور الطبقة العاملة؟ وهل مازال للبروليتاريا رسالة تاريخية؟
تعتبر الطبقة العاملة القوى المعنية بمشروع ماركس. لكن الوقائع التاريخية والتحولات التي شهدها العصر، والمنجزات العلمية الكبرى، والتقنيات على اختلافها أعطت لمفهوم الطبقة العاملة معنى مختلف عما كان عليه الأمر في زمان ماركس، وحتى في الزمن الذي انتصرت فيه ثورة أكتوبر الاشتراكية. وجوهر التغيير هنا في مفهوم الطبقة العاملة هو دور هذه الطبقة في عملية الإنتاج. إذ حلّ العمل الذهني محل العمل اليدوي. وأدى ذلك إلى ضعف تمركز الطبقة العاملة في المراكز الصناعية على اختلافها، وإلى تحول أعداد كبيرة ممن كانوا يعتبرون جماهير الطبقة العاملة إلى فئات مهمشة، وإلى جماهير غفيرة من العاطلين عن العمل. إلا أن هذا لا يعني أن تلك الفئات الواسعة من العمال والمستضعفين أي الأجراء بمختلف ميادين عملهم قد كفوا عن أن يكونوا قوى أساسية في عملية التغيير باسم الاشتراكية أو باسم اليسار، لكن عدداً كبيراً من قوى اجتماعية أخرى بما في ذلك ما يُسمّى بالطبقة الوسطى مضافاً إليهم العاملون ذهنياً وفكرياً وعملياً في عملية الإنتاج باتوا يشكلون اليوم القاعدة الاجتماعية الأوسع والأكبر لليسار، حامي مستودع التغيير باسم الاشتراكية. وعلى قاعدة مشروع ماركس الأساسي ينبغي أن ننظر إلى الطبقة العاملة بمنظور مختلف عن السابق. وإذ نستمر بالاحتفال بعيد أول أيار كعيد للطبقة العاملة فإننا نحتفل بالجمهور الذي يحمل هذا الاسم، ومعه فئات واسعة ذات مصلحة في إحداث التغيير باسم اليسار.
مع تنامي الحركات الإسلامية والإنتصارات التي حققتها المقاومة في لبنان والعراق والإنتفاضة الفلسطينية: هل بات اليسار العربي غير قادر على إجراء مصالحة مع هذه الحركات؟
على اليسار بالمعنى الذي أشرت إليه وبالفكر الذي يرتبط به أن يكون مستقلاً. وبهذا المعنى أرى أن ثمة فارقاً نوعياً بين اليسار الذي أتحدث عنه وبين الحركات الإسلامية ذات المرجعيات الدينية، رغم التقائهما في ظروف ما حول قضايا معينة. وأشير هنا إلى أن ماركس وأنغلز توجّها في البيان الشيوعي إلى الأحزاب المنتمية إلى عصبة الشيوعيين لكي تتحالف في ظروف ما مع خصمها الطبقي حول قضايا معينة.
ويهمني في هذا السياق أن أشير إلى أن ضرورة إلتقاء جميع القوى بمعزل عن الخلاف الفكري والسياسي والطبقي في ظروف الإحتلال والعدوان. لكن سيكون من الخطأ بالمقابل أن لا يأخذ اليسار بعين الاعتبار في نضاله من أجل التغيير أن جماهير المؤمنين ذات مصلحة في النضال من أجل التغيير. أي أن بإمكانها أن تلتقي مع اليسار في هذا المضمار دون أن تفقد علاقتها بإيمانها ومرجعيتها الدينية. وبالطبع لا يعني اليسار أن يتخذ موقفاً معادياً للدين، لكنه معني بأن لا تصبح المرجعيات الدينية صاحبة الرأي والقرار في العمل السياسي والنضالي، لا سيما إذا تعلق الأمر ببناء الدولة. فمن شعارات اليسار الأساسية الفصل بين الدين والدولة. لكن إذا عدنا إلى الوقائع التاريخية خصوصاً في المرحلة الأخيرة من وجود الإتحاد السوفياتي وبالأخص بعد انهياره، فسنجد أن انهيار التجربة الاشتراكية قد ترك فراغاً كبيراً في العمل السياسي، وأحدث ما يشبه الإحباط واليأس من قدرة الاشتراكية واليسار على متابعة النضال للتغيير! لذلك ملأ الفراغ الإسلام السياسي بتنويعاته المختلفة، لا سيما الإسلام المناضل ضد العدوان الخارجي والاحتلال الأجنبي. من هنا يطرح السؤال حول نوع العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين اليسار بمكوّناته المختلفة وبين بعض الحركات الإسلامية المعاصرة؟ والجواب البسيط: أن ثمة حاجة موضوعية في الوقت الراهن لالتقاء محدد بين اليسار وبين بعض هذه القوى في بعض القضايا وبشكل خاص في القضية الوطنية، شرط أن يبقى هذا اليسار محافظاً على استقلاليته كيسار علماني لبناء دولة قائمة على الفصل بين الدين والدولة التي يسود فيها الديموقراطية والحق والقانون ضمن مجتمع مدني تعددي.
ما هو تصنيفك لليسار واليمين اليوم في ظل التداخل في الممارسة السياسية بينهما؟
حددت في السؤال الأول مفهومي لليسار، بالنسبة لاتساع قاعدته الاجتماعية وتعدد مكوناته ومشروعه لإحداث التغيير في المجتمع القائم على تحقيق التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية. وفي رأيي فإن ما يمكن أن نسميه اليمين متعدد ومختلف حيث يسود رأس المال. إلا أن اليسار يمكن أن يلتقي مع اليمين في مهمات محددة عندما يصبح ذا قوة فاعلة، ويحمل مشروعه للتغيير، ويجند وراءه الجماهير، أو أن اليسار بحكم قوته سيفرض على اليمين الحاكم بمكوناته المختلفة تحقيق بعض القضايا. ولكن على اليسار أن لا يكون يساراً شعبوياً. أي أن لا يطرح شعارات غير قابلة للتحقيق، بل عليه أن يحدد بدقة المهمات الراهنة التي لا بد من النضال لتحقيقها. وعندما يفعل ذلك إنما يستجيب لرأي ماركس الذي يقول بأن على الحزب الإشتراكي حامل مشروع التغيير أن يكون دقيقاً في تحديد المهمات المطلوب تحقيقها بواقعية، لكي يستطيع تجنيد الجماهير من اجل تحقيقها، لأن طرح أي مهمة غير متوفرة شروط تحقيقها سيؤدي إلى إحباط الجماهير، والانكفاء عن النضال تحت قيادة اليسار.
هناك من يتحدث عن سقوط الرأسمالية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية: فهل سيشهد العالم عودة الروح إلى الفكر الاشتراكي أم سيظهر نظام ثالث؟
هذا كلام إنشائي ليس له علاقة بالواقع، بل كلام شعبوي، لأن النظام الرأسمالي هو السائد. ولا يوجد نظام بديل عنه أو شريك له، وكان لدينا وهم له أساس موضوعي خلال وجود الإتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي العالمي، أن المنظومة الاشتراكية هي شريك فعلي للنظام الرأسمالي العالمي. لكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وما كان يسمى نظاماً اشتراكياً عالمياً لم يبق إلا النظام الرأسمالي حتى إشعار آخر. لكن الذين ينظرون لأبدية النظام الرأسمالي مثل فوكوياما الذي تحدث عن نهاية التاريخ بعد سقوط الإتحاد السوفياتي مخطئون، لأنهم يتصورون أن البشر سيستسلمون لنظامهم القائم على القهر والإستغلال والظلم مدى الحياة. وهذا أمر مخالف للطبيعة. فالتاريخ القديم والحديث مليء بالحركات والثورات التي وإن لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها وأحلامها في الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية فإنها ستولد حركات وثورات من نوع جديد تتابع هذا النضال لتحقيق أهدافها وأحلامها. ولكن هنا أطرح فكرة إعادة تجديد حركة اليسار في بلادنا لكي تحمل راية النضال ضمن شروط تاريخية معاصرة لتحقيق هذه الأهداف. وهي مهمة إذا لم تتحقق الآن لا بدّ أن تتحقق ذات يوم. وهي مهمة الأجيال الشابة التي تناضل لصنع مستقبلها. وبالإشارة للأزمة الرأسمالية القائمة حالياً لا بد من القول إنه رغم آثارها الكبيرة والخطيرة فإنها لن تزعزع النظام الرأسمالي العالمي. وقد سبقت هذه الأزمة أزمات كبيرة. لذلك علينا أن لا نراهن على شعارات شعبوية لا تستند إلى وقائع تبشر بنهاية سريعة للنظام الرأسمالي!
قدمت في كتابك "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" برنامجاً لليسار الجديد ارتكز على معالجة 20 قضية مستعصية في عالمنا العربي. فما الذي يميز هذا البرنامج عن أي برنامج إصلاحي لا يحمل صبغة اليسار؟
للأسف تستخدم أحياناً كلمة "إصلاحي" كتهمة لليسار الذي يناضل من أجل تحقيق مهمات واقعية وملحة،ّ وهذا الاستخدام شائع، ولا يستند إلى رؤية واقعية للأمور في بلادنا التي يسود فيها الاستبداد. والمهمة الأولى بالنسبة لي بناء الدولة التي يلتقي حولها الفقراء والمستنيرون من الطبقة الرأسمالية، رغم ما بين هؤلاء من تناقض في المصالح! فالفقراء بحاجة لدولة ذات مؤسسات لكي يطالبوها بحقوقهم عبر النضال، وأصحاب رأسمال بحاجة إلى دولة لكي يحققوا بواسطتها مصالحهم. من هنا كانت قضيتي الأساسية في الكتاب بناء الدولة. كما تضمّن البرنامج المقترح عندي كل ما له علاقة بحياة الناس. وبالتالي إذا كانت قضية بناء الدولة تهمة إصلاحية فلا أتبرأ منها. وأزعم أن القضايا العشرين التي وضعتها تحتاج إلى نضال لتحقيقها في بلادنا خلال زمن طويل!
السبت، 17 أبريل 2010
قانا وأخواتها : متى العقاب؟؟
بقلم سعود المولى
في 18 نيسان 1996 ارتكبت دولة اسرائيل العنصرية أبشع الجرائم بحق الانسانية وبحق المجتمع الدولي قاطبة حين قصفت طائراتها ومدفعيتها مركزاً للأمم المتحدة كانت تختبئ فيه عشرات العائلات التي هربت من قراها وهي تظن أن علم الامم المتحدة يحميها من جنون العنف الوحشي الإجرامي الذي برع به الصهاينة منذ وطأوا أرض فلسطين... لم تكن مجزرة قانا هي الأولى ولا الأخيرة في تاريخ المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب..ولكن حرب نيسان 1996 تميّزت بثلاث مجازر أخرى ضد الأطفال والنساء: في سحمر يوم 12 نيسان وفي المنصوري يوم 13 وفي النبطية يوم 17.. ولم تنفع صور الظباط والجنود من قوات الطوارئ الدولية وهم يبكون أثناء رفعهم أشلاء الجثث المحترقة للأطفال والنساء والشيوخ في قانا، ولم تنفع صور مراسلي التلفزة العالمية وهم يبكون ويرتجفون أمام هول ما كانوا يصورون في المنصوري وسحمر والنبطية، لم ينفع ذلك كله ولا غيره في إثارة عطف المجتمع الدولي على تلك الضحايا البريئة وهي تذوي وتحترق على مذبح الحقد والهمجية التوسعية العنصرية...
والحال أن الضمير الإنساني في أوروبا واميركا معطل في ثلاجة الهولوكوست ومعاداة السامية..
كلما ارتكب العدو مجزرة وجدوا له ألف سبب تخفيفي وألف عذر حربي (من النوع الذي تبرع به عسكريتاريا الدول الاستعمارية في كل عصر وكل أرض).. فلم يفعل الصهاينة شيئاً لا أو لم تفعله أميركا أو فرنسا أو بريطانيا في مسيرتها الاستعمارية الطويلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية...لم يفعل الصهاينة أكثر من تكرار مذابح النازية والحلفاء في الحرب العالمية الثانية...نعم الحلفاء وليس فقط النازية والفاشية.. نعم تلك الدول الديمقراطية التي أحرقت الحرث والنسل في المانيا واليابان تحقيقاً لشهوة الانتقام والإذلال ضد من قاتلوها وهزموها..وإلا فكيف نفسّر قصف وتدمير وإبادة مدينة دريسدن الألمانية بعد استسلام ألمانيا( 350 ألف قتيل)؟؟ وكيف نفسر قنبلتي هيروشيما وناكازاكي بعد استسلام اليابان ؟؟ وكيف نفسر مجزرة سطيف بحق الجزائريين الذين خرجوا يحتفلون بانهزام النازية في الحرب (سقدط فيها 45 الف شهيد)؟؟؟ وكيف نفسر القاء الفرنسيين لمئات الجزائريين في نهر السين حين خرجوا بتظاهرة باريسية تطالب بالاستقلال ؟؟ وكيف نفسر مجازر الانكليز في الهند والعراق وفلسطين ، ومجازر الفرنسيين في جزائر المليون شهيد وفي الهند الصينية كما في دمشق وجبل الدروز وجبل عامل والبقاع؟؟ وكيف نفسر مجازر فيتنام وكمبوديا وأفغانستان والعراق المجانية ؟؟
حين يصبح مسموحاً لدول الديمقراطية أن تفعل ما فعلته بحجة التمدين والدمقرطة فكيف لا يغض هؤلاء الطرف عما يفعله الصهاينة؟؟
منذ العام 1917 (تاريخ وعد بلفور المشؤوم) والصهاينة لا يُسألون عما يفعلون، فكيف يستقيم صيف وشتاء تحت سقف واحد؟ كيف سيقتنع الناس بأن العقوبات على إيران هي بسبب مسعاها لامتلاك سلاح نووي في حين يعرف القاصي والداني أن البلد الوحيد في الشرق الأوسط المدجج بالرؤوس النووية هو اسرائيل؟ كيف سيقتنع الناس بمكافحة الارهاب في حين أن الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس الارهاب علانية هي اسرائيل التي تتبجح بعملياتها لاغتيال قادة فلسطينيين في كل مكان؟؟ كيف سيقتنع الناس بادانة الشيشان والداغستان والقاعدة وطالبان ممن قاموا ويقومون باعمال قتل ارهابية اجرامية إن لم تتم إدانة ومعاقبة اسرائيل على جرائمها الارهابية كما في قانا وأخوات قانا؟؟؟
إننا من هذا المنبر نوجه الدعوة لجميع العرب والمسلمين ولجميع الشرفاء والمناضلين وخصوصاً في الكنائس المسيحية المحبة للسلام والعدالة، للعمل معاً على بناء حركة عقوبات عالمية ضد الكيان الصهيوني تعمل بوحي من حركة الحصار العالمية ضد الأقلية البيضاء العنصرية في جنوب أفريقيا ، ومن أجل العدالة والسلام..فقط وليس إلا.. ولا غير العدالة والسلام لشعوب أضناها القهر والظلم والعدوان والاستباحة الوقحة لكل القيم الانسانية..
في 18 نيسان 1996 ارتكبت دولة اسرائيل العنصرية أبشع الجرائم بحق الانسانية وبحق المجتمع الدولي قاطبة حين قصفت طائراتها ومدفعيتها مركزاً للأمم المتحدة كانت تختبئ فيه عشرات العائلات التي هربت من قراها وهي تظن أن علم الامم المتحدة يحميها من جنون العنف الوحشي الإجرامي الذي برع به الصهاينة منذ وطأوا أرض فلسطين... لم تكن مجزرة قانا هي الأولى ولا الأخيرة في تاريخ المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب..ولكن حرب نيسان 1996 تميّزت بثلاث مجازر أخرى ضد الأطفال والنساء: في سحمر يوم 12 نيسان وفي المنصوري يوم 13 وفي النبطية يوم 17.. ولم تنفع صور الظباط والجنود من قوات الطوارئ الدولية وهم يبكون أثناء رفعهم أشلاء الجثث المحترقة للأطفال والنساء والشيوخ في قانا، ولم تنفع صور مراسلي التلفزة العالمية وهم يبكون ويرتجفون أمام هول ما كانوا يصورون في المنصوري وسحمر والنبطية، لم ينفع ذلك كله ولا غيره في إثارة عطف المجتمع الدولي على تلك الضحايا البريئة وهي تذوي وتحترق على مذبح الحقد والهمجية التوسعية العنصرية...
والحال أن الضمير الإنساني في أوروبا واميركا معطل في ثلاجة الهولوكوست ومعاداة السامية..
كلما ارتكب العدو مجزرة وجدوا له ألف سبب تخفيفي وألف عذر حربي (من النوع الذي تبرع به عسكريتاريا الدول الاستعمارية في كل عصر وكل أرض).. فلم يفعل الصهاينة شيئاً لا أو لم تفعله أميركا أو فرنسا أو بريطانيا في مسيرتها الاستعمارية الطويلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية...لم يفعل الصهاينة أكثر من تكرار مذابح النازية والحلفاء في الحرب العالمية الثانية...نعم الحلفاء وليس فقط النازية والفاشية.. نعم تلك الدول الديمقراطية التي أحرقت الحرث والنسل في المانيا واليابان تحقيقاً لشهوة الانتقام والإذلال ضد من قاتلوها وهزموها..وإلا فكيف نفسّر قصف وتدمير وإبادة مدينة دريسدن الألمانية بعد استسلام ألمانيا( 350 ألف قتيل)؟؟ وكيف نفسر قنبلتي هيروشيما وناكازاكي بعد استسلام اليابان ؟؟ وكيف نفسر مجزرة سطيف بحق الجزائريين الذين خرجوا يحتفلون بانهزام النازية في الحرب (سقدط فيها 45 الف شهيد)؟؟؟ وكيف نفسر القاء الفرنسيين لمئات الجزائريين في نهر السين حين خرجوا بتظاهرة باريسية تطالب بالاستقلال ؟؟ وكيف نفسر مجازر الانكليز في الهند والعراق وفلسطين ، ومجازر الفرنسيين في جزائر المليون شهيد وفي الهند الصينية كما في دمشق وجبل الدروز وجبل عامل والبقاع؟؟ وكيف نفسر مجازر فيتنام وكمبوديا وأفغانستان والعراق المجانية ؟؟
حين يصبح مسموحاً لدول الديمقراطية أن تفعل ما فعلته بحجة التمدين والدمقرطة فكيف لا يغض هؤلاء الطرف عما يفعله الصهاينة؟؟
منذ العام 1917 (تاريخ وعد بلفور المشؤوم) والصهاينة لا يُسألون عما يفعلون، فكيف يستقيم صيف وشتاء تحت سقف واحد؟ كيف سيقتنع الناس بأن العقوبات على إيران هي بسبب مسعاها لامتلاك سلاح نووي في حين يعرف القاصي والداني أن البلد الوحيد في الشرق الأوسط المدجج بالرؤوس النووية هو اسرائيل؟ كيف سيقتنع الناس بمكافحة الارهاب في حين أن الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس الارهاب علانية هي اسرائيل التي تتبجح بعملياتها لاغتيال قادة فلسطينيين في كل مكان؟؟ كيف سيقتنع الناس بادانة الشيشان والداغستان والقاعدة وطالبان ممن قاموا ويقومون باعمال قتل ارهابية اجرامية إن لم تتم إدانة ومعاقبة اسرائيل على جرائمها الارهابية كما في قانا وأخوات قانا؟؟؟
إننا من هذا المنبر نوجه الدعوة لجميع العرب والمسلمين ولجميع الشرفاء والمناضلين وخصوصاً في الكنائس المسيحية المحبة للسلام والعدالة، للعمل معاً على بناء حركة عقوبات عالمية ضد الكيان الصهيوني تعمل بوحي من حركة الحصار العالمية ضد الأقلية البيضاء العنصرية في جنوب أفريقيا ، ومن أجل العدالة والسلام..فقط وليس إلا.. ولا غير العدالة والسلام لشعوب أضناها القهر والظلم والعدوان والاستباحة الوقحة لكل القيم الانسانية..
13 نيسان... لكي تنذكر ولا تنعاد
سعود المولى
لكي تنذكر ولا تنعاد علينا نحن أن نتذكر وأن لا ننسى وأن نتعلم من دروس 13 نيسان..
لقد اندلعت الحرب الأهلية عند تقاطع عوامل إقليمية ودولية محددة أشعلت فتيل الانفجار وأمدته بالوقود للاستمرار..ولكن هل كانت الحرب لتندلع لولا أن كنا مهيئين لها...
المهم أن الحرب الأهلية انتهت، فهل انتهت عقلية الحرب الأهلية وممارسات الحرب الأهلية ؟
هل انتهى التكفير والتخوين؟ هل انتهى الاصطفاف الطائفي والمذهبي؟ هل انتهى الشعور بالغلبة والاستقواء بالخارج؟ هل انتهى الشعور بالغبن والاستنجاد بالخارج؟ هل تحققت المشاركة الفعلية والتوازن الفعلي بين جميع مكونات هذا الكيان؟ هل تحقق التوازن في العلاقات الخارجية (لا ممراً للاستعمار ولا مقراً له، لا شوكة في خاصرة سوريا ولا تابعاً لها)؟
هل صرنا الى فهم واحد موحد حول العروبة الحضارية الجامعة وحول اللبنانية العربية المنفتحة وحول التسامح والتضامن وحول قبول الآخر والاعتراف به آخراً مختلفاً ؟؟ وهل تحققت المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة للجميع دون استئثار أو نبذ أو إلغاء أو استعلاء أو تشبيح ودون صهر وتطابق وتماهي وفرض وقهر ؟
إننا اليوم وبعد 35 سنة على 13 نيسان نحتاج أكثر من أي يوم مضى الى الانتهاء من لعبة الاستقواء بالخارج، أياً كان هذا الخارج، شقيقاً أو صديقاً أو حتى خصماً أو عدواً..
نحتاج الى الاقتناع بأن القوة الحقيقية هي في الوحدة الداخلية أولاً ، ثم في التعاون والتضامن مع الأشقاء العرب ثانياً، ثم في العلاقات الطبيعية والمعافاة مع سوريا ثالثاً....لقد حسم اتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لبنان عربي الهوية والانتماء،لا توجد أدوار سياسية-أمنية-عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً) ولن يكون لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو ممراً للهجوم عليها..وتكرس مبدأ الندية والاعتماد المتبادل وآليات التعاون والتنسيق في المجالات التي تهم البلدين وتطورهما المشترك..وما نحتاجه هو إعادة التأكيد على هذه المبادئ التي شكلت أساس الطائف..
نحتاج الى الشراكة الحقيقية وهي تكمن في صدق القول والفعل، لا بلقلقة اللسان، وإنما بالإعتراف للآخر بحقوقه الكاملة وبثقافته المميزة، وبخصوصياته كلها، ضمن إطار الوطن الواحد والديمقراطية البرلمانية والنظام التوافقي... ونحتاج الى الاعتراف بأن الغلبة الحقيقية هي في تغليب الحق والعدل ولو على النفس أو ذي قربى،وأن التوازن الحقيقي هو في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع، وعلى اساس النزاهة والكفاءة والشفافية والرقابة والمحاسبة..
نحتاج الى بناء دولة وطنية ديمقراطية حقيقية: دولة لا تكون غائبة عن الوعي ولا مغيبة عن الحضور، دولة لا تكون ضائعة ما بين تركة ثقيلة وتصفية حسابات وما بين تسيب وتردد وفساد كارثي..دولة تحقق الانماء المتوازن الذي نتحدث عنه منذ العام 1920..دولة تحقق الفصل الفعلي للسلطات والتوازن بينها...دولة تنهض بالجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي والخدمات الاساسية للمواطن من ماء وكهرباء وطبابة ...
نحتاج الى نقد ذاتي حقيقي ومراجعة فكرية عميقة، لتجديد الحياة السياسية وتجديد الثقافة السياسية وتجديد النخب السياسية، مراجعة لا تصادر تاريخ الآخرين ومشاعرهم، ولا تتعامل مع الآخر تعامل المنتصر مع مهزوم أو تعامل وطني مع عميل، بحيث يكون واجب الآخر تقديم الاعتذار والتوبة في حين ننتفخ نحن غروراً وزهواً حاملين مفاتيح الجنة وموزعين صكوك الوطنية ..
نحتاج الى جرأة المصارحة العارية ونبل الوجدان والضمير...
والحال أن الشعور بالمسؤولية عن هذا الوطن وشعبه والحرص على مستقبل البلاد والعباد، يدعونا الى استعادة أنصع وأجمل ما في تراثنا الحضاري المشترك وتاريخنا الوطني المشترك من قيم انسانية نبني عليها حوارنا الدائم ونعمر بها حياتنا لنفتح ابواب الأمل أما الأجيال القادمة..
وإلا فلا معنى لكل ما نكتبه أو نقوله في مناسبة 13 نيسان...
لكي تنذكر ولا تنعاد علينا نحن أن نتذكر وأن لا ننسى وأن نتعلم من دروس 13 نيسان..
لقد اندلعت الحرب الأهلية عند تقاطع عوامل إقليمية ودولية محددة أشعلت فتيل الانفجار وأمدته بالوقود للاستمرار..ولكن هل كانت الحرب لتندلع لولا أن كنا مهيئين لها...
المهم أن الحرب الأهلية انتهت، فهل انتهت عقلية الحرب الأهلية وممارسات الحرب الأهلية ؟
هل انتهى التكفير والتخوين؟ هل انتهى الاصطفاف الطائفي والمذهبي؟ هل انتهى الشعور بالغلبة والاستقواء بالخارج؟ هل انتهى الشعور بالغبن والاستنجاد بالخارج؟ هل تحققت المشاركة الفعلية والتوازن الفعلي بين جميع مكونات هذا الكيان؟ هل تحقق التوازن في العلاقات الخارجية (لا ممراً للاستعمار ولا مقراً له، لا شوكة في خاصرة سوريا ولا تابعاً لها)؟
هل صرنا الى فهم واحد موحد حول العروبة الحضارية الجامعة وحول اللبنانية العربية المنفتحة وحول التسامح والتضامن وحول قبول الآخر والاعتراف به آخراً مختلفاً ؟؟ وهل تحققت المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة للجميع دون استئثار أو نبذ أو إلغاء أو استعلاء أو تشبيح ودون صهر وتطابق وتماهي وفرض وقهر ؟
إننا اليوم وبعد 35 سنة على 13 نيسان نحتاج أكثر من أي يوم مضى الى الانتهاء من لعبة الاستقواء بالخارج، أياً كان هذا الخارج، شقيقاً أو صديقاً أو حتى خصماً أو عدواً..
نحتاج الى الاقتناع بأن القوة الحقيقية هي في الوحدة الداخلية أولاً ، ثم في التعاون والتضامن مع الأشقاء العرب ثانياً، ثم في العلاقات الطبيعية والمعافاة مع سوريا ثالثاً....لقد حسم اتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لبنان عربي الهوية والانتماء،لا توجد أدوار سياسية-أمنية-عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً) ولن يكون لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو ممراً للهجوم عليها..وتكرس مبدأ الندية والاعتماد المتبادل وآليات التعاون والتنسيق في المجالات التي تهم البلدين وتطورهما المشترك..وما نحتاجه هو إعادة التأكيد على هذه المبادئ التي شكلت أساس الطائف..
نحتاج الى الشراكة الحقيقية وهي تكمن في صدق القول والفعل، لا بلقلقة اللسان، وإنما بالإعتراف للآخر بحقوقه الكاملة وبثقافته المميزة، وبخصوصياته كلها، ضمن إطار الوطن الواحد والديمقراطية البرلمانية والنظام التوافقي... ونحتاج الى الاعتراف بأن الغلبة الحقيقية هي في تغليب الحق والعدل ولو على النفس أو ذي قربى،وأن التوازن الحقيقي هو في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع، وعلى اساس النزاهة والكفاءة والشفافية والرقابة والمحاسبة..
نحتاج الى بناء دولة وطنية ديمقراطية حقيقية: دولة لا تكون غائبة عن الوعي ولا مغيبة عن الحضور، دولة لا تكون ضائعة ما بين تركة ثقيلة وتصفية حسابات وما بين تسيب وتردد وفساد كارثي..دولة تحقق الانماء المتوازن الذي نتحدث عنه منذ العام 1920..دولة تحقق الفصل الفعلي للسلطات والتوازن بينها...دولة تنهض بالجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي والخدمات الاساسية للمواطن من ماء وكهرباء وطبابة ...
نحتاج الى نقد ذاتي حقيقي ومراجعة فكرية عميقة، لتجديد الحياة السياسية وتجديد الثقافة السياسية وتجديد النخب السياسية، مراجعة لا تصادر تاريخ الآخرين ومشاعرهم، ولا تتعامل مع الآخر تعامل المنتصر مع مهزوم أو تعامل وطني مع عميل، بحيث يكون واجب الآخر تقديم الاعتذار والتوبة في حين ننتفخ نحن غروراً وزهواً حاملين مفاتيح الجنة وموزعين صكوك الوطنية ..
نحتاج الى جرأة المصارحة العارية ونبل الوجدان والضمير...
والحال أن الشعور بالمسؤولية عن هذا الوطن وشعبه والحرص على مستقبل البلاد والعباد، يدعونا الى استعادة أنصع وأجمل ما في تراثنا الحضاري المشترك وتاريخنا الوطني المشترك من قيم انسانية نبني عليها حوارنا الدائم ونعمر بها حياتنا لنفتح ابواب الأمل أما الأجيال القادمة..
وإلا فلا معنى لكل ما نكتبه أو نقوله في مناسبة 13 نيسان...
الجمعة، 9 أبريل 2010
عن فائض التدّين عند المثقفين
عن فائض التدّين عند المثقفين
بقلم سعود المولى
في إحدى مداخلاته النابهة تحدث الدكتور هشام جعفر (وهو مدير موقع اسلام اون لاين الالكتروني في مصر، وعضو في الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي) فلفت النظر الى مسألة "فائض التديّن" في المجتمع المصري (ولعله العربي أيضاً)..كما أن زميله القبطي الدكتور سامح فوزي (النابه ايضاً) لفت النظر الى ظاهرة "تديين المجال العام"..(أو تطييف المجال العام إن أردتم) ..والمقصود بذلك أنه لم يعد هناك مساحات مدنية للتفاعل الانساني بين الناس كمواطنين وكأفراد وكمنتجين وكمبدعين لحياتهم....الفاعلون الأساسيون في المجتمعات العربية (ومصر هي حالة بارزة) هم اليوم القادة الدينيون..ويحدث في المجتمعات العربية عموماً اصطفاف ديني (أو طائفي أو مذهبي، ناهيك عن القبلي العشائري) والكل صار يُعرّف نفسه في الإطار الديني..الهوية الوطنية أو المدنية لم تعد هي بطاقة التعريف والتحديد للمواطن والفرد وإنما حلت محلها هوية الجماعة الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو غيرها..وتصاعد السجال الديني حتى داخل كل طرف، والأجندات الدينية صارت هي المطروحة على الساحة العامة وفي المحافل والمجالس وفي الصحافة والإعلام، ما أدى الى مصادرة الأجندات الوطنية.. وكل هذا يؤدي الى تشتيت جهد النخب والقوى الوطنية في بناء الدولة والمجتمع..
غير أن ما يثير القلق أكثر من اي شيء آخر هو اختفاء فكرة القانون... ويتوارى موضوع الدولة نفسها ومدى جديتها وقدرتها..لم يعد هناك تمييز عضوي ووظيفي بين المجال السياسي والديني والدعوي بحيث يمكن الحكم عليها وفق قواعد تحكمها.. كما انه تم استدعاء اسوأ الخطابات الدينية ما زاد الوضع تأزيماً وتأزماً.... ورغم سيل الكلام عن الحوار والعيش المشترك والوحدة الوطنية، فاننا بالمقابل لا نرى أي جهد في اتجاه بناء توافقات استراتيجية بين القوى المحلية لإنجاز مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والعدالة الاجتماعية..
بالأمس كنا في مصر ولفت انتباهنا حدة خطابات التشكيك والتخوين حتى بين أطراف الفريق العربي للحوار من مسلمين وأقباط..وهم المفترض أن يكونوا طليعة التهدئة والحوار العقلاني وضبط النزاعات وإطفاء الحرائق..
وعلى مقلب آخر وجدنا المكتبات المصرية تعج بالكتب السخيفة التافهة والحقيرة التي تحرّض على الحقد والكراهية وتبرر سفك دماء كل مسلم مخالف لعقيدة أو مزاج صاحب الكتاب..والأشد غرابة وجود كتب صادرة عن دور نشر محترمة (دار الشروق ودار الحرية مثلاً) وعن كتاب محترمين من اليساريين والتقدميين، أبسط ما يقال فيها أنها تنم عن جهل وعن ضيق افق وعن عقل مذهبي تكفيري أصحابه من أهل الفتن ليس إلا...فهذا الشيخ عبد المنعم النمر (عضو مجمع البحوث الاسلامية وأكاديمية البحث العلمي والمجلس الأعلى للثقافة الخ..) يكتب عن "الشيعة والمهدي والدروز" خالطاً شعبان برمضان،ومقترفاً أبشع صوَر الجهل والتجهيل، والتزوير والتشويه والتحقير والدعوة الى الفتنة وسفك الدماء.. وهذا المثقف الجهبذ والكاتب الفهامة جمال بدوي يكتب عن الدولة الفاطمية "دولة التفاريح والتباريح" ناسفاً كل ما هو جميل ومجيد في تاريخ مصر المعز والأزهر وبيت الحكمة..جاعلاً من المرحلة الفاطمية مرحلة فرض المذهب الشيعي والدرزي على الناس باسنة الرماح؟؟؟ خلاصة المقال أن فائض التدين الذي تحدث عنه هشام جعفر، وتديين المجال العام الذي تحدث عنه سامح فوزي، يبرزان أكثر ما يكون في هذه الأمثلة التي ذكرناها عن كتابات مصرية، حيث أن عدداً من مثقفي التسامح والوعي والعقلانية والانفتاح صاروا يسابقون عصابات التكفير في إبراز فائض تدينهم" المزعوم ، وفي محاولة تديين مجال الثقافة الوطنية والبحث العلمي ...
وتلك لعمري هي المصيبة الكبرى التي اصابت مصر منذ عقدين من الزمان..
بقلم سعود المولى
في إحدى مداخلاته النابهة تحدث الدكتور هشام جعفر (وهو مدير موقع اسلام اون لاين الالكتروني في مصر، وعضو في الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي) فلفت النظر الى مسألة "فائض التديّن" في المجتمع المصري (ولعله العربي أيضاً)..كما أن زميله القبطي الدكتور سامح فوزي (النابه ايضاً) لفت النظر الى ظاهرة "تديين المجال العام"..(أو تطييف المجال العام إن أردتم) ..والمقصود بذلك أنه لم يعد هناك مساحات مدنية للتفاعل الانساني بين الناس كمواطنين وكأفراد وكمنتجين وكمبدعين لحياتهم....الفاعلون الأساسيون في المجتمعات العربية (ومصر هي حالة بارزة) هم اليوم القادة الدينيون..ويحدث في المجتمعات العربية عموماً اصطفاف ديني (أو طائفي أو مذهبي، ناهيك عن القبلي العشائري) والكل صار يُعرّف نفسه في الإطار الديني..الهوية الوطنية أو المدنية لم تعد هي بطاقة التعريف والتحديد للمواطن والفرد وإنما حلت محلها هوية الجماعة الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو غيرها..وتصاعد السجال الديني حتى داخل كل طرف، والأجندات الدينية صارت هي المطروحة على الساحة العامة وفي المحافل والمجالس وفي الصحافة والإعلام، ما أدى الى مصادرة الأجندات الوطنية.. وكل هذا يؤدي الى تشتيت جهد النخب والقوى الوطنية في بناء الدولة والمجتمع..
غير أن ما يثير القلق أكثر من اي شيء آخر هو اختفاء فكرة القانون... ويتوارى موضوع الدولة نفسها ومدى جديتها وقدرتها..لم يعد هناك تمييز عضوي ووظيفي بين المجال السياسي والديني والدعوي بحيث يمكن الحكم عليها وفق قواعد تحكمها.. كما انه تم استدعاء اسوأ الخطابات الدينية ما زاد الوضع تأزيماً وتأزماً.... ورغم سيل الكلام عن الحوار والعيش المشترك والوحدة الوطنية، فاننا بالمقابل لا نرى أي جهد في اتجاه بناء توافقات استراتيجية بين القوى المحلية لإنجاز مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والعدالة الاجتماعية..
بالأمس كنا في مصر ولفت انتباهنا حدة خطابات التشكيك والتخوين حتى بين أطراف الفريق العربي للحوار من مسلمين وأقباط..وهم المفترض أن يكونوا طليعة التهدئة والحوار العقلاني وضبط النزاعات وإطفاء الحرائق..
وعلى مقلب آخر وجدنا المكتبات المصرية تعج بالكتب السخيفة التافهة والحقيرة التي تحرّض على الحقد والكراهية وتبرر سفك دماء كل مسلم مخالف لعقيدة أو مزاج صاحب الكتاب..والأشد غرابة وجود كتب صادرة عن دور نشر محترمة (دار الشروق ودار الحرية مثلاً) وعن كتاب محترمين من اليساريين والتقدميين، أبسط ما يقال فيها أنها تنم عن جهل وعن ضيق افق وعن عقل مذهبي تكفيري أصحابه من أهل الفتن ليس إلا...فهذا الشيخ عبد المنعم النمر (عضو مجمع البحوث الاسلامية وأكاديمية البحث العلمي والمجلس الأعلى للثقافة الخ..) يكتب عن "الشيعة والمهدي والدروز" خالطاً شعبان برمضان،ومقترفاً أبشع صوَر الجهل والتجهيل، والتزوير والتشويه والتحقير والدعوة الى الفتنة وسفك الدماء.. وهذا المثقف الجهبذ والكاتب الفهامة جمال بدوي يكتب عن الدولة الفاطمية "دولة التفاريح والتباريح" ناسفاً كل ما هو جميل ومجيد في تاريخ مصر المعز والأزهر وبيت الحكمة..جاعلاً من المرحلة الفاطمية مرحلة فرض المذهب الشيعي والدرزي على الناس باسنة الرماح؟؟؟ خلاصة المقال أن فائض التدين الذي تحدث عنه هشام جعفر، وتديين المجال العام الذي تحدث عنه سامح فوزي، يبرزان أكثر ما يكون في هذه الأمثلة التي ذكرناها عن كتابات مصرية، حيث أن عدداً من مثقفي التسامح والوعي والعقلانية والانفتاح صاروا يسابقون عصابات التكفير في إبراز فائض تدينهم" المزعوم ، وفي محاولة تديين مجال الثقافة الوطنية والبحث العلمي ...
وتلك لعمري هي المصيبة الكبرى التي اصابت مصر منذ عقدين من الزمان..
سينودس فاتيكاني أم وقفة مسيحيين عرب ؟
سينودس فاتيكاني أم وقفة مسيحيين عرب ؟
بقلم سعود المولى
خلال زيارته "الأرض المقدسة" (المقصود فلسطين المحتلة) في الفترة من 8 الى 15 أيار 2009، استمع البابا بينيديكتوس السادس عشر إلى شكاوى مسيحيي فلسطين (وعلى رأسهم مطارنة وكهنة) الذين استعرضوا أمامه هموم الشعب الفلسطيني ومعاناته: من جدار الفصل العنصري الذي صادر الأرض وحوّل المدن والقرى سجوناً وكانتونات، الى المستوطنات التي تسيطر على كل الموارد وتقتل البشر وتدمّر الحجر، الى المذلّة والهوان عند الحواجز العسكرية، الى قضية اللاجئين في بلدان الشتات...
ولم يكتفِ المسيحيون الفلسطينيون بهذه الوقفة الأولى مع البابا، فتنادى عدد من الأساقفة والآباء من مختلف الكنائس (كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية) ليطرحوا أمام الرأي العام العالمي، وكنائس الغرب خصوصاً، وثيقة عُرفت باسم وثيقة "وقفة حق"... قدمت الوثيقة قراءة نقدية شجاعة في المواقف الفلسطينية المتنوعة والمختلفة حيال أسلوب مقاومة الاحتلال: أكان موقف السلطة الوطنية التفاوضي أم موقف "حماس" المسلّح. كما أخذت مسافة واعية مُحبة وناقدة للموقفين معاً، إذ هما تسلّما زمام قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، ووصلا معاً (وأوصلا الشعب) إلى الحائط المسدود. إلا ان الوثيقة حملت المجتمع الدولي مسؤولية الانقسام الفلسطيني وتداعياته حين لم يقبل هذا المجتمع بالتعامل مع نتائج انتخابات 2006 برغم تغنّيه بالديموقراطية وتداول السلطة.
كانت الوثيقة بحق "كلمة إيمان مسيحي" حملت الهمّ الفلسطيني إلى مستوى اللاهوت حين قدّمت فهماً فلسطينياً ومسيحياً لمسألة "الوعد بالأرض"، فقالت إنه لم يكن عنواناً لبرنامج سياسي، بل مشروع لخلاص كوني شامل حمل رسالته كل الأنبياء وتجسد في الديانات التوحيدية الثلاثة. وفلسطين هي اليوم مكانٌ وزمانٌ لظلم مزدوج اذ ان التكفير عن الظلم الذي لحق باليهود لا يكون بظلم أشنع على حساب فلسطين. والوثيقة في جانبها المسكوني نداء للوقوف مع المظلوم ولقول كلمة حق ولاتخاذ موقف حق، من الاحتلال وتبعاته. ولذلك فهي تتوجه أيضاً إلى المجتمع الدولي للكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وتدعوه إلى تطبيق نظام عقوبات على الكيان المحتل لفلسطين، ليس للإنتقام بل من أجل عمل جدي في سبيل السلام العادل والنهائي الذي ينهي كل أشكال الاحتلال ويضمن السلام والأمن للجميع.
ملاحظاتنا على الوثيقة:
-1 يجب ألا يغيب عن بالنا أنها وثيقة صادرة عن مجموعة من مسيحيي فلسطين، دعمها مجلس الكنائس العالمي: فهي إذن ليست وثيقة سياسية حزبية أو إسلامية جهادية. وهي من ناحية أخرى تأتي ضمن سياق المواقف المسيحية المسكونية (أي العالمية الموحدة) فهي بالتالي خلاصة الحد الأدنى لنقاط الاتفاق بين مختلف الكنائس المسيحية في العالم بما فيها موقف الفاتيكان.
-2 الا انها في الآن نفسه تنطلق من الانتماء الفلسطيني لأصحابها إذ هي تحمل الهمّ الوطني الفلسطيني والايمان الديني المسيحي معاً. ومن هنا تركيز الوثيقة على التوجه إلى الكنائس في العالم وإلى القادة السياسيين والمجتمع الدولي، ولكن أيضاً إلى "المجتمعين والشعبين" في فلسطين (المقصود الفلسطيني والإسرائيلي).
-3 سقفها السياسي هو إذن سقف الموقف العربي الرسمي المتجسّد في قرارات قمة بيروت أي مبادرة السلام العربية: الدعوة للسلام والعدالة بين شعبين ودولتين (فلسطين وإسرائيل).
-4 سبب وجود الوثيقة أو المسوغ الأساس هو الأزمة الفلسطينية العميقة: لا حل سيأتي من "فتح" أو "حماس"، والصمت الدولي بإزاء خطر الضياع الكامل لأي أمل بسلام ما.
-5 لا تقدم الوثيقة حلولاً إلا انها تتبنى ضمناً دعوة إلى إعادة توجيه فوائد ونتائج العمل المسلح وخصوصاً العمليات الاستشهادية وقصف الهاون، وإلى تبني المقاومة المدنية السلمية دون التخلي عن حق الدفاع (ولو المسلح) إنما الدفاع وليس أية سياسة أصولية تفاقم أزمة الشعب الفلسطيني.
-6 تدعو الوثيقة إلى استنهاض داخلي وإلى حشد دولي لعزل العدو. وتتبنى الدعوة الى فرض حصار على الكيان الصهيوني شبيه بالحصار الذي فرض على الأقلية العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا.
-7 غموض موضوع الحلول السياسية حول القدس، المستوطنات، حق العودة، لعله يعود إلى عدم الدخول في السياسة التفصيلية وترك ذلك للسياسيين. أو لعله يعود إلى عدم وجود موقف كنسي موحد حول ذلك أو حتى عدم وجود موقف فلسطيني أو عربي موحد.
من "وقفة حق"
إلى "شركة وشهادة"
صدرت وثيقة "وقفة حق" في أيام عيد الميلاد 2009 ولقيت فوراً تأييداً كنسياً عالمياً رفع لواءه مجلس الكنائس العالمي (مركزه جنيف) وعدد من الكنائس البروتستانتية في أميركا وأوروبا.
سبق ذلك إعلان البابا بينيديكتوس السادس عشر خلال اجتماعه مع بطاركة الشرق الأوسط ورؤساء الأساقفة (19 ايلول 2009) الدعوة الى عقد "جمعية خاصة لسينودس الأساقفة حول الشرق الاوسط". وهو شكّل لهذه الغاية مجلساً من سبعة بطاركة يمثلون ست كنائس شرقية (الموارنة، السريان، الكلدان، الملكيين، الأرمن، الأقباط) وبطريركية القدس للاتين، يعاونهم عدد من كبار العاملين في الفاتيكان. قام هذا المجلس بإعداد وثيقة أولى تعرف باسم "الخطوط العريضة" (صدرت في 8 كانون الاول 2009) أرفقت كل فصل منها بعدد من الأسئلة "بهدف إثارة النقاشات في كنائس الشرق الأوسط"، على أن تصل الأجوبة كلها قبل عيد الفصح (4 نيسان 2010) ليتم بعدها إعداد "ورقة العمل" التي سيسلمها البابا "لممثلين مؤهلين" من أساقفة الشرق الأوسط الكاثوليك، خلال زيارته الى قبرص في حزيران 2010.
وقد اجتمع الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي (محمد السماك، رياض جرجور، عباس الحلبي، حارث شهاب، كميل منسى، سعود المولى، هاني فحص، جورج مسوح) بممثل عن اللجنة الخاصة بالسينودس (سيادة المطران سليم غزال) وطرح أمامه ملاحظاته الكثيرة على الوثيقة وأبرز نقاطها باختصار شديد:
-1 عنوان السينودس هو حول الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط وليس عن مسيحيي الشرق أو المسيحيين العرب. فيما المطلوب هو التركيز على المشاكل التي يواجهها المسيحيون في الشرق العربي تحديداً. والمطلوب إبراز دورهم، وتاريخهم، والحديث عن مستقبلهم المشترك مع إخوانهم المسلمين العرب.
-2 لقد استمر التحضير لسينودس لبنان أكثر من أربع سنوات (من 12 حزيران 1991 الى آخر كانون الأول1995) برغم إلحاح وضغط المسألة اللبنانية أيام ما كان يسمى الإحباط المسيحي، في حين فاجأنا أن التحضير لهذا السينودس الخاص بالشرق الأوسط أعطي اقل من سنة (من تاريخ الدعوة في 19 أيلول2009 الى تاريخ الإنعقاد في 10 تشرين الأول 2010). فما هو المبرر لهذا الاستعجال؟
-3 كان من المطلوب الكلام تفصيلاً عن معاناة الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين. وإبراز الالتزام بقضية الشعب الفلسطيني ومعاناته. والانطلاق على الأقل من وثيقة "وقفة حق" المسيحية.
-4 في موضوع هجرة المسيحيين لا بد من الحديث عن أسباب الهجرة المسيحية وأهمها الحروب والنزاعات والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية. وأخطرها ما يجري في فلسطين.
-5 هل الهدف من السينودس إصدار وثيقة تدين المسؤولين عن معاناة مسيحيي الشرق أم البحث عن حل لمشكلة مسيحيي الشرق؟ وهل الحل خارج الشرق أم ينبع من أهله؟
-6 مسيحيو الشرق جزء من ثقافة المنطقة وهويتها وهم يفهمون هذه الأمور فلماذا لم يُستشاروا في الأمر عند صوغ الوثيقة والإعداد لها؟
-7 هناك خطورة في طرح خيار الهجرة وكأنه الخيار الوحيد أمام المسيحيين في حين أن المطلوب استبداله بخيار البقاء والتجذر وطرح المسائل التي تساعد عليه ومسؤولية المسلمين فيه ودورهم. المطلوب إثارة مواضيع الحرية والديموقراطية والقهر والتمييز والمواطنة وهذه هي القضايا التي توحّد المسلمين والمسيحيين للعمل معاً في بلادهم.
-8 ضرورة التأكيد والتشديد على التمييز بين المسيحية والغرب. فلا يجوز أن يستمر الخلط بين المسيحية (الكاثوليكية تحديداً) والدول الغربية.
إضافة الى هذه الملاحظات القيَّمة التي شاركتُ في إعدادها أتمنى على الهيئة المسؤولة عن أعمال السينودس النظر في الملاحظات التالية النابعة من حرص إسلامي على الحوار:
-1 إن هذا المجمع هو مجمع خاص بالفاتيكان وليس بنا (مسلمين ومسيحيين غير كاثوليك) فلا نستطيع تغيير عنوانه أو أهدافه. وانما فلنحاول الاستفادة ما أمكن من إلتزام الفاتيكان بهذا الموضوع للتقدم معاً على طريق الخير لشعوبنا، مستذكرين مشاركتنا كمسلمين في السينودس الخاص بلبنان.
-2 أعتقد أن الملاحظة الأهم تتعلق بصيغة "الشرق الأوسط". فالخطوط العريضة واضحة حين تتحدث عن هذا الشرق الأوسط باعتباره يشمل المسيحيين "في وسط مجتمعاتهم الاسلامية: العربية - التركية - الاسرائيلية - الايرانية" (هكذا بالنص)، فنحن هنا نتحدث عن شرق أوسط ليس للعرب فيه (وتحديداً للمسيحيين العرب) أي وزن أو دور. وهو شرق أوسط لا يتسع فقط لإسرائيل (حيث يوجد مسيحيون بالطبع) ما يفرض بالتالي التعامل مع اليهود (إذ هم جزء من الشرق الأوسط - إسرائيل- وليس فقط باعتبارهم الديني)، وإنما يقيم تساوياً بين مختلف أضلاع هذا المربع السياسي الإقليمي: تركيا - إيران-إسرائيل - العرب... وبالتالي فإن المسألة تتعلق بالهدف من السينودس: هل هو الشرق الأوسط (وهي تسمية مطاطة قد تشمل أيضاً أفغانستان وباكستان وليس فقط تركيا وايران) أم العالم العربي؟ وهل المقصود بالشرق الأوسط صيغة ملتبسة لضمان الكلام مع الإسرائيليين؟ وهل مطلوب من المسيحيين العرب أن يكونوا عرّابي الحوار والتسوية مع إسرائيل؟ هل هكذا يفهم البابا الدور الجديد للمسيحيين في الشرق؟ ثم ألا يوجد خصوصية للمسيحيين العرب في هذا المجال؟ هل يتساوون في قضاياهم وهمومهم ووزنهم ودورهم مع مسيحيي تركيا وإيران؟ وأين ضاع مسيحيو فلسطين (الأرض المقدسة)؟
-3 ومن هنا ربما أيضاً ما سمعناه عن أن البابا سيقوم بتسليم الكنائس وثيقة "أداة العمل" في قبرص وليس في أي مكان آخر (لبنان أو سوريا مثلاً). فقبرص أيضاً هي جزء من هذا الشرق الأوسط. ومركز مجلس كنائس الشرق الأوسط كان طوال 30 سنة في قبرص (والقس الدكتور رياض جرجور كان هناك أميناً عاماً للمجلس). حين تأسس مجلس كنائس الشرق الأوسط (1974) كان الهاجس الأساسي وراء تأسيسه له علاقة بالمشكلة القبرصية وبالقضية الأرمنية (وهما تتصلان بتركيا). ناهيك عن انخراط البروتستانت في دور متعاظم في المنطقة من خلال القضية الفلسطينية، وبروز الدور القبطي من خلال الصراع بين البابا شنودة والرئيس السادات وانطلاقة الشرارة الطائفية في مصر أولاً (أحداث 1971) ثم في لبنان (منذ 1973). وصعود الوزن الارثوذكسي نسبة الى صعود دور وقوة الاتحاد السوفياتي في المنطقة بعد تبنيه لمنظمة التحرير الفلسطينية رسمياً(1974). وكان الارثوذكس دخلوا مجلس الكنائس العالمي العام 1961 ولم يدخله الكاثوليك. ولا ننسى أن الكنيسة الكاثوليكية لم تنضم الى مجلس كنائس الشرق الأوسط إلا في العام 1990 أي عشية سقوط الاتحاد السوفياتي ودخول العالم مرحلة جديدة. أما اليوم فهل هناك ما يستدعي التوجه الى "كنائس الشرق الأوسط الكاثوليكية" وليس الى كنائس العالم العربي؟
-4 حين نقرأ وثيقة الخطوط العريضة لهذا السينودس نرى الفرق الكبير بينها وبين وثيقة الخطوط العريضة للسينودس من أجل لبنان. ولكن ما لفت انتباهي في الوثيقة في القسم الخاص بوضع المسيحيين في الشرق الأوسط (نظرة تاريخية، الفقرات 8 الى 11، ص6-7) القول بأن الكنائس الكاثوليكية في الشرق (وهي سبع) ذات أصول ثقافية وبالتالي أيضاً طقسية، مختلفة، وينبع غناها من تنوعها. "لكن التمسك الزائد بالطقس وبالثقافة الخاصة يمكن أن تكون سبباً لفقرها جميعاً" (ص7). ولا يوجد بعد ذلك ما يشير الى ضرورة نقاش هذا الكلام الخطير أو الى معناه وهدفه ويمكننا الاستنتاج أن هناك دعوة الى جعل الكنائس الشرقية لاتينية رومانية في طقسها وثقافتها فهل هذا ما يقصده النص؟
-5 ورد أيضاً في الوثيقة دعوة واضحة الى تجديد التبشير!! هذا ما فهمته على الأقل من النص الذي يتحدث عن "الرسالة الخاصة بكنائسنا" والمتمثلة "بحمل الانجيل الى العالم أجمع"، وأن هذا الدافع الرسالي الرسولي كان "ملهماً للعديد من كنائسنا عبر التاريخ: في بلاد النوبة والحبشة وفي شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند، وحتى الصين". ومن قول النص بأن "هذا الدافع الانجيلي قد تباطأ اليوم غالباً وخبت شعلة الروح" (الصفحة 8، الفقرة 13)؟ ألا يعرف كاتبو الوثيقة من المطارنة والآباء الأجلاء خطورة هذا الكلام في هذه المرحلة؟ وهل الشهادة للمسيح في عالم اليوم تعني التبشير كما كان في القرون الغابرة أم هي تعني بالضبط الحوار والعيش المشترك والاحترام المتبادل والتعاون على الخير والبر والعدل والسلام، ورد الإثم والظلم والعدوان؟
-6 افهم أن يكون هناك همّ مسيحي كاثوليكي بالعلاقة مع اليهود. فالفاتيكان بدأ منذ فترة مسيرة الاعتذار والتوبة. وأفهم أن تتضمن الوثيقة (كما وثيقة وقفة حق بالمناسبة) دعوة للمصالحة مع اليهود وللسلام في المنطقة. ولكن ألفت الانتباه الى أن المسلمين والعرب سينظرون الى الوثيقة بمنظار الواقع السياسي وليس بمنظار لاهوتي أو فلسفي. فالمطلوب الانتباه كثيراً الى الصياغات والى الإشكالية الرئيسية التي يريد السينودس التعبير عنها. إذا لم يكن هناك تضامن صريح وواضح مع آلام وعذابات الشعب الفلسطيني وإذا لم يكن هناك كلام صريح وواضح حول مستقبل القدس من زاوية إسلامية مسيحية وزاوية وطنية فلسطينية (إسترشاداً على الأقل بوثيقة وقفة حق)، وإذا لم يكن هناك حوار صريح وشفاف مع العالم العربي والإسلامي حول العمل معاً من أجل التنمية والعدالة والسلام، فإن كل كلام آخر سيصب في طاحونة المواقف الإسرائيلية خصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تجتازها القضية الفلسطينية.
-7 يجب الانتباه إلى كيفية مقاربة موضوع هجرة المسيحيين من المنطقة أو قضية التعديات الواقعة على المسيحيين في بعض البلدان العربية. المسألة ليست مسألة "إضطهاد ديني" وإنما هي مسألة جرائم سياسية إرهابية تقع على المسلمين أيضاً وربما بقسوة أكبر، كما هو الحال في العراق على سبيل المثال. إن تصاعد الإرهاب "الإسلامي" التكفيري ضد الآخر ليس إضطهاداً دينياً تعيشه المجتمعات المسلمة أو تقوم به الدولة أو المجتمع بحق أقلية دينية. إنما هو من نوع الأزمات التي تطول مجمل المجتمع وتصيب كل أبنائه وتهدد نسيجه ووحدته في غياب الحلول العادلة والشاملة وفي غياب الدولة الحاضنة والضامنة للحرية والديموقراطية والعدالة والمواطنة.
أما في فلسطين فإن هناك سياسات تمييز عنصري وديني وسياسات احتلال واستيطان تمارسها الدولة الصهيونية.
-8 لا أدري لماذا قفزت الوثيقة (والأعمال التحضيرية لهذا السينودس) عن منجزات ومكتسبات تحققت خلال الخمسين سنة الماضية من الحوار والعيش معاً في هذا الشرق العربي؟ أقصد بالتحديد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وبيانه التاريخي (نوسترا آيتاتي)، والسينودس الخاص بلبنان (حزيران1991- كانون الأول1995) والإرشاد الرسولي الصادر عن البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته التاريخية للبنان لتسليم الإرشاد (10 ايار 1997)، ومؤتمرات بطاركة الشرق الكاثوليك (انعقد المؤتمر التاسع عشر في تشرين الاول 2009) وبياناتها ومقرراتها؟ ولنأخذ بعض الأمثلة من هذه الوثائق:
"إن حواراً حقيقياً بين مؤمني الأديان التوحيدية الكبرى، يرتكز على الاحترام المتبادل والعمل معاً على حفظ العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية وتنميتها لجميع الناس" (المجمع الفاتيكاني الثاني، بيان في العلاقات مع الأديان غير المسيحية، الفقرة3).
"إن الكنيسة الكاثوليكية منفتحة على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان، وتريد أن تكون منفتحة على الحوار والتعاون مع مسلمي سائر البلدان العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها. وفي الواقع إن مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة. وكل ثقافة خاصة لا تزال تحمل طابع ما رفدتها به على الصعيد الديني وغير الديني الحضارات المختلفة التي تعاقبت على أرضهم" (سينودس الأساقفة الخاص بلبنان، وثيقة العمل، الفقرة 99).
"ومسيحيو لبنان وكامل العالم العربي فخورون بتراثهم، يساهمون مساهمة نشطة في التطور الثقافي... بودي أن أشدد بالنسبة الى مسيحيي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها، وأدعوهم الى اعتبار انضوائهم في الثقافة العربية التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، موقعاً مميزاً لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيي البلدان حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين. إن مسيحيي الشرق الأوسط ومسلميه، وهم يعيشون في المنطقة ذاتها، وقد عرفوا في تاريخهم أيام عز وأيام بؤس، مدعوون الى أن يبنوا معاً مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف الى تطوير شعوبهم تطويراً انسانياً وأخلاقياً، وعلاوة على ذلك قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان أخرى" (الإرشاد الرسولي، الفقرة 93 وعنوانها "التضامن مع العالم العربي").
-9 إن التحدي الرئيسي الذي يواجه أهل هذه البلاد يتعلق بدور المسيحيين العرب ومساهمتهم الفريدة في مجتمعاتهم وبالمسؤولية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة هجرة المسيحيين من الشرق، ناهيك عن المسؤولية المشتركة في تجديد الحياة السياسية والثقافة السياسية وفي بناء أفق عربي إسلامي مسيحي علماني للعيش معاً وللتطور الديموقراطي لمجتمعاتنا العربية المأزومة.
-10 وفي هذا المجال لا أدري ما الحكمة من تجاهل مواقف رجال مثل السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان والشيخ محمد الغزالي في مصر والشيخ حسن الترابي في السودان والشيخ راشد الغنوشي في تونس والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني في العراق؟
ألا يمكن أن نتقدم إلى السينودس على أساس ما قاله الشيخ شمس الدين في وصاياه؟ "أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
باعتقادي أن هذه الكلمة الطيّبة الصادقة هي التي كان ينبغي أن تجسّد معنى عنوان السينودس "شركة وشهادة". شراكة كاملة مع المسلمين، وشهادة للحق والعدل قبل أي شيء آخر!
النهار- الأحد 04 نيسان 2010 - السنة 77 - العدد 2400
بقلم سعود المولى
خلال زيارته "الأرض المقدسة" (المقصود فلسطين المحتلة) في الفترة من 8 الى 15 أيار 2009، استمع البابا بينيديكتوس السادس عشر إلى شكاوى مسيحيي فلسطين (وعلى رأسهم مطارنة وكهنة) الذين استعرضوا أمامه هموم الشعب الفلسطيني ومعاناته: من جدار الفصل العنصري الذي صادر الأرض وحوّل المدن والقرى سجوناً وكانتونات، الى المستوطنات التي تسيطر على كل الموارد وتقتل البشر وتدمّر الحجر، الى المذلّة والهوان عند الحواجز العسكرية، الى قضية اللاجئين في بلدان الشتات...
ولم يكتفِ المسيحيون الفلسطينيون بهذه الوقفة الأولى مع البابا، فتنادى عدد من الأساقفة والآباء من مختلف الكنائس (كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية) ليطرحوا أمام الرأي العام العالمي، وكنائس الغرب خصوصاً، وثيقة عُرفت باسم وثيقة "وقفة حق"... قدمت الوثيقة قراءة نقدية شجاعة في المواقف الفلسطينية المتنوعة والمختلفة حيال أسلوب مقاومة الاحتلال: أكان موقف السلطة الوطنية التفاوضي أم موقف "حماس" المسلّح. كما أخذت مسافة واعية مُحبة وناقدة للموقفين معاً، إذ هما تسلّما زمام قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، ووصلا معاً (وأوصلا الشعب) إلى الحائط المسدود. إلا ان الوثيقة حملت المجتمع الدولي مسؤولية الانقسام الفلسطيني وتداعياته حين لم يقبل هذا المجتمع بالتعامل مع نتائج انتخابات 2006 برغم تغنّيه بالديموقراطية وتداول السلطة.
كانت الوثيقة بحق "كلمة إيمان مسيحي" حملت الهمّ الفلسطيني إلى مستوى اللاهوت حين قدّمت فهماً فلسطينياً ومسيحياً لمسألة "الوعد بالأرض"، فقالت إنه لم يكن عنواناً لبرنامج سياسي، بل مشروع لخلاص كوني شامل حمل رسالته كل الأنبياء وتجسد في الديانات التوحيدية الثلاثة. وفلسطين هي اليوم مكانٌ وزمانٌ لظلم مزدوج اذ ان التكفير عن الظلم الذي لحق باليهود لا يكون بظلم أشنع على حساب فلسطين. والوثيقة في جانبها المسكوني نداء للوقوف مع المظلوم ولقول كلمة حق ولاتخاذ موقف حق، من الاحتلال وتبعاته. ولذلك فهي تتوجه أيضاً إلى المجتمع الدولي للكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وتدعوه إلى تطبيق نظام عقوبات على الكيان المحتل لفلسطين، ليس للإنتقام بل من أجل عمل جدي في سبيل السلام العادل والنهائي الذي ينهي كل أشكال الاحتلال ويضمن السلام والأمن للجميع.
ملاحظاتنا على الوثيقة:
-1 يجب ألا يغيب عن بالنا أنها وثيقة صادرة عن مجموعة من مسيحيي فلسطين، دعمها مجلس الكنائس العالمي: فهي إذن ليست وثيقة سياسية حزبية أو إسلامية جهادية. وهي من ناحية أخرى تأتي ضمن سياق المواقف المسيحية المسكونية (أي العالمية الموحدة) فهي بالتالي خلاصة الحد الأدنى لنقاط الاتفاق بين مختلف الكنائس المسيحية في العالم بما فيها موقف الفاتيكان.
-2 الا انها في الآن نفسه تنطلق من الانتماء الفلسطيني لأصحابها إذ هي تحمل الهمّ الوطني الفلسطيني والايمان الديني المسيحي معاً. ومن هنا تركيز الوثيقة على التوجه إلى الكنائس في العالم وإلى القادة السياسيين والمجتمع الدولي، ولكن أيضاً إلى "المجتمعين والشعبين" في فلسطين (المقصود الفلسطيني والإسرائيلي).
-3 سقفها السياسي هو إذن سقف الموقف العربي الرسمي المتجسّد في قرارات قمة بيروت أي مبادرة السلام العربية: الدعوة للسلام والعدالة بين شعبين ودولتين (فلسطين وإسرائيل).
-4 سبب وجود الوثيقة أو المسوغ الأساس هو الأزمة الفلسطينية العميقة: لا حل سيأتي من "فتح" أو "حماس"، والصمت الدولي بإزاء خطر الضياع الكامل لأي أمل بسلام ما.
-5 لا تقدم الوثيقة حلولاً إلا انها تتبنى ضمناً دعوة إلى إعادة توجيه فوائد ونتائج العمل المسلح وخصوصاً العمليات الاستشهادية وقصف الهاون، وإلى تبني المقاومة المدنية السلمية دون التخلي عن حق الدفاع (ولو المسلح) إنما الدفاع وليس أية سياسة أصولية تفاقم أزمة الشعب الفلسطيني.
-6 تدعو الوثيقة إلى استنهاض داخلي وإلى حشد دولي لعزل العدو. وتتبنى الدعوة الى فرض حصار على الكيان الصهيوني شبيه بالحصار الذي فرض على الأقلية العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا.
-7 غموض موضوع الحلول السياسية حول القدس، المستوطنات، حق العودة، لعله يعود إلى عدم الدخول في السياسة التفصيلية وترك ذلك للسياسيين. أو لعله يعود إلى عدم وجود موقف كنسي موحد حول ذلك أو حتى عدم وجود موقف فلسطيني أو عربي موحد.
من "وقفة حق"
إلى "شركة وشهادة"
صدرت وثيقة "وقفة حق" في أيام عيد الميلاد 2009 ولقيت فوراً تأييداً كنسياً عالمياً رفع لواءه مجلس الكنائس العالمي (مركزه جنيف) وعدد من الكنائس البروتستانتية في أميركا وأوروبا.
سبق ذلك إعلان البابا بينيديكتوس السادس عشر خلال اجتماعه مع بطاركة الشرق الأوسط ورؤساء الأساقفة (19 ايلول 2009) الدعوة الى عقد "جمعية خاصة لسينودس الأساقفة حول الشرق الاوسط". وهو شكّل لهذه الغاية مجلساً من سبعة بطاركة يمثلون ست كنائس شرقية (الموارنة، السريان، الكلدان، الملكيين، الأرمن، الأقباط) وبطريركية القدس للاتين، يعاونهم عدد من كبار العاملين في الفاتيكان. قام هذا المجلس بإعداد وثيقة أولى تعرف باسم "الخطوط العريضة" (صدرت في 8 كانون الاول 2009) أرفقت كل فصل منها بعدد من الأسئلة "بهدف إثارة النقاشات في كنائس الشرق الأوسط"، على أن تصل الأجوبة كلها قبل عيد الفصح (4 نيسان 2010) ليتم بعدها إعداد "ورقة العمل" التي سيسلمها البابا "لممثلين مؤهلين" من أساقفة الشرق الأوسط الكاثوليك، خلال زيارته الى قبرص في حزيران 2010.
وقد اجتمع الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي (محمد السماك، رياض جرجور، عباس الحلبي، حارث شهاب، كميل منسى، سعود المولى، هاني فحص، جورج مسوح) بممثل عن اللجنة الخاصة بالسينودس (سيادة المطران سليم غزال) وطرح أمامه ملاحظاته الكثيرة على الوثيقة وأبرز نقاطها باختصار شديد:
-1 عنوان السينودس هو حول الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط وليس عن مسيحيي الشرق أو المسيحيين العرب. فيما المطلوب هو التركيز على المشاكل التي يواجهها المسيحيون في الشرق العربي تحديداً. والمطلوب إبراز دورهم، وتاريخهم، والحديث عن مستقبلهم المشترك مع إخوانهم المسلمين العرب.
-2 لقد استمر التحضير لسينودس لبنان أكثر من أربع سنوات (من 12 حزيران 1991 الى آخر كانون الأول1995) برغم إلحاح وضغط المسألة اللبنانية أيام ما كان يسمى الإحباط المسيحي، في حين فاجأنا أن التحضير لهذا السينودس الخاص بالشرق الأوسط أعطي اقل من سنة (من تاريخ الدعوة في 19 أيلول2009 الى تاريخ الإنعقاد في 10 تشرين الأول 2010). فما هو المبرر لهذا الاستعجال؟
-3 كان من المطلوب الكلام تفصيلاً عن معاناة الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين. وإبراز الالتزام بقضية الشعب الفلسطيني ومعاناته. والانطلاق على الأقل من وثيقة "وقفة حق" المسيحية.
-4 في موضوع هجرة المسيحيين لا بد من الحديث عن أسباب الهجرة المسيحية وأهمها الحروب والنزاعات والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية. وأخطرها ما يجري في فلسطين.
-5 هل الهدف من السينودس إصدار وثيقة تدين المسؤولين عن معاناة مسيحيي الشرق أم البحث عن حل لمشكلة مسيحيي الشرق؟ وهل الحل خارج الشرق أم ينبع من أهله؟
-6 مسيحيو الشرق جزء من ثقافة المنطقة وهويتها وهم يفهمون هذه الأمور فلماذا لم يُستشاروا في الأمر عند صوغ الوثيقة والإعداد لها؟
-7 هناك خطورة في طرح خيار الهجرة وكأنه الخيار الوحيد أمام المسيحيين في حين أن المطلوب استبداله بخيار البقاء والتجذر وطرح المسائل التي تساعد عليه ومسؤولية المسلمين فيه ودورهم. المطلوب إثارة مواضيع الحرية والديموقراطية والقهر والتمييز والمواطنة وهذه هي القضايا التي توحّد المسلمين والمسيحيين للعمل معاً في بلادهم.
-8 ضرورة التأكيد والتشديد على التمييز بين المسيحية والغرب. فلا يجوز أن يستمر الخلط بين المسيحية (الكاثوليكية تحديداً) والدول الغربية.
إضافة الى هذه الملاحظات القيَّمة التي شاركتُ في إعدادها أتمنى على الهيئة المسؤولة عن أعمال السينودس النظر في الملاحظات التالية النابعة من حرص إسلامي على الحوار:
-1 إن هذا المجمع هو مجمع خاص بالفاتيكان وليس بنا (مسلمين ومسيحيين غير كاثوليك) فلا نستطيع تغيير عنوانه أو أهدافه. وانما فلنحاول الاستفادة ما أمكن من إلتزام الفاتيكان بهذا الموضوع للتقدم معاً على طريق الخير لشعوبنا، مستذكرين مشاركتنا كمسلمين في السينودس الخاص بلبنان.
-2 أعتقد أن الملاحظة الأهم تتعلق بصيغة "الشرق الأوسط". فالخطوط العريضة واضحة حين تتحدث عن هذا الشرق الأوسط باعتباره يشمل المسيحيين "في وسط مجتمعاتهم الاسلامية: العربية - التركية - الاسرائيلية - الايرانية" (هكذا بالنص)، فنحن هنا نتحدث عن شرق أوسط ليس للعرب فيه (وتحديداً للمسيحيين العرب) أي وزن أو دور. وهو شرق أوسط لا يتسع فقط لإسرائيل (حيث يوجد مسيحيون بالطبع) ما يفرض بالتالي التعامل مع اليهود (إذ هم جزء من الشرق الأوسط - إسرائيل- وليس فقط باعتبارهم الديني)، وإنما يقيم تساوياً بين مختلف أضلاع هذا المربع السياسي الإقليمي: تركيا - إيران-إسرائيل - العرب... وبالتالي فإن المسألة تتعلق بالهدف من السينودس: هل هو الشرق الأوسط (وهي تسمية مطاطة قد تشمل أيضاً أفغانستان وباكستان وليس فقط تركيا وايران) أم العالم العربي؟ وهل المقصود بالشرق الأوسط صيغة ملتبسة لضمان الكلام مع الإسرائيليين؟ وهل مطلوب من المسيحيين العرب أن يكونوا عرّابي الحوار والتسوية مع إسرائيل؟ هل هكذا يفهم البابا الدور الجديد للمسيحيين في الشرق؟ ثم ألا يوجد خصوصية للمسيحيين العرب في هذا المجال؟ هل يتساوون في قضاياهم وهمومهم ووزنهم ودورهم مع مسيحيي تركيا وإيران؟ وأين ضاع مسيحيو فلسطين (الأرض المقدسة)؟
-3 ومن هنا ربما أيضاً ما سمعناه عن أن البابا سيقوم بتسليم الكنائس وثيقة "أداة العمل" في قبرص وليس في أي مكان آخر (لبنان أو سوريا مثلاً). فقبرص أيضاً هي جزء من هذا الشرق الأوسط. ومركز مجلس كنائس الشرق الأوسط كان طوال 30 سنة في قبرص (والقس الدكتور رياض جرجور كان هناك أميناً عاماً للمجلس). حين تأسس مجلس كنائس الشرق الأوسط (1974) كان الهاجس الأساسي وراء تأسيسه له علاقة بالمشكلة القبرصية وبالقضية الأرمنية (وهما تتصلان بتركيا). ناهيك عن انخراط البروتستانت في دور متعاظم في المنطقة من خلال القضية الفلسطينية، وبروز الدور القبطي من خلال الصراع بين البابا شنودة والرئيس السادات وانطلاقة الشرارة الطائفية في مصر أولاً (أحداث 1971) ثم في لبنان (منذ 1973). وصعود الوزن الارثوذكسي نسبة الى صعود دور وقوة الاتحاد السوفياتي في المنطقة بعد تبنيه لمنظمة التحرير الفلسطينية رسمياً(1974). وكان الارثوذكس دخلوا مجلس الكنائس العالمي العام 1961 ولم يدخله الكاثوليك. ولا ننسى أن الكنيسة الكاثوليكية لم تنضم الى مجلس كنائس الشرق الأوسط إلا في العام 1990 أي عشية سقوط الاتحاد السوفياتي ودخول العالم مرحلة جديدة. أما اليوم فهل هناك ما يستدعي التوجه الى "كنائس الشرق الأوسط الكاثوليكية" وليس الى كنائس العالم العربي؟
-4 حين نقرأ وثيقة الخطوط العريضة لهذا السينودس نرى الفرق الكبير بينها وبين وثيقة الخطوط العريضة للسينودس من أجل لبنان. ولكن ما لفت انتباهي في الوثيقة في القسم الخاص بوضع المسيحيين في الشرق الأوسط (نظرة تاريخية، الفقرات 8 الى 11، ص6-7) القول بأن الكنائس الكاثوليكية في الشرق (وهي سبع) ذات أصول ثقافية وبالتالي أيضاً طقسية، مختلفة، وينبع غناها من تنوعها. "لكن التمسك الزائد بالطقس وبالثقافة الخاصة يمكن أن تكون سبباً لفقرها جميعاً" (ص7). ولا يوجد بعد ذلك ما يشير الى ضرورة نقاش هذا الكلام الخطير أو الى معناه وهدفه ويمكننا الاستنتاج أن هناك دعوة الى جعل الكنائس الشرقية لاتينية رومانية في طقسها وثقافتها فهل هذا ما يقصده النص؟
-5 ورد أيضاً في الوثيقة دعوة واضحة الى تجديد التبشير!! هذا ما فهمته على الأقل من النص الذي يتحدث عن "الرسالة الخاصة بكنائسنا" والمتمثلة "بحمل الانجيل الى العالم أجمع"، وأن هذا الدافع الرسالي الرسولي كان "ملهماً للعديد من كنائسنا عبر التاريخ: في بلاد النوبة والحبشة وفي شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند، وحتى الصين". ومن قول النص بأن "هذا الدافع الانجيلي قد تباطأ اليوم غالباً وخبت شعلة الروح" (الصفحة 8، الفقرة 13)؟ ألا يعرف كاتبو الوثيقة من المطارنة والآباء الأجلاء خطورة هذا الكلام في هذه المرحلة؟ وهل الشهادة للمسيح في عالم اليوم تعني التبشير كما كان في القرون الغابرة أم هي تعني بالضبط الحوار والعيش المشترك والاحترام المتبادل والتعاون على الخير والبر والعدل والسلام، ورد الإثم والظلم والعدوان؟
-6 افهم أن يكون هناك همّ مسيحي كاثوليكي بالعلاقة مع اليهود. فالفاتيكان بدأ منذ فترة مسيرة الاعتذار والتوبة. وأفهم أن تتضمن الوثيقة (كما وثيقة وقفة حق بالمناسبة) دعوة للمصالحة مع اليهود وللسلام في المنطقة. ولكن ألفت الانتباه الى أن المسلمين والعرب سينظرون الى الوثيقة بمنظار الواقع السياسي وليس بمنظار لاهوتي أو فلسفي. فالمطلوب الانتباه كثيراً الى الصياغات والى الإشكالية الرئيسية التي يريد السينودس التعبير عنها. إذا لم يكن هناك تضامن صريح وواضح مع آلام وعذابات الشعب الفلسطيني وإذا لم يكن هناك كلام صريح وواضح حول مستقبل القدس من زاوية إسلامية مسيحية وزاوية وطنية فلسطينية (إسترشاداً على الأقل بوثيقة وقفة حق)، وإذا لم يكن هناك حوار صريح وشفاف مع العالم العربي والإسلامي حول العمل معاً من أجل التنمية والعدالة والسلام، فإن كل كلام آخر سيصب في طاحونة المواقف الإسرائيلية خصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تجتازها القضية الفلسطينية.
-7 يجب الانتباه إلى كيفية مقاربة موضوع هجرة المسيحيين من المنطقة أو قضية التعديات الواقعة على المسيحيين في بعض البلدان العربية. المسألة ليست مسألة "إضطهاد ديني" وإنما هي مسألة جرائم سياسية إرهابية تقع على المسلمين أيضاً وربما بقسوة أكبر، كما هو الحال في العراق على سبيل المثال. إن تصاعد الإرهاب "الإسلامي" التكفيري ضد الآخر ليس إضطهاداً دينياً تعيشه المجتمعات المسلمة أو تقوم به الدولة أو المجتمع بحق أقلية دينية. إنما هو من نوع الأزمات التي تطول مجمل المجتمع وتصيب كل أبنائه وتهدد نسيجه ووحدته في غياب الحلول العادلة والشاملة وفي غياب الدولة الحاضنة والضامنة للحرية والديموقراطية والعدالة والمواطنة.
أما في فلسطين فإن هناك سياسات تمييز عنصري وديني وسياسات احتلال واستيطان تمارسها الدولة الصهيونية.
-8 لا أدري لماذا قفزت الوثيقة (والأعمال التحضيرية لهذا السينودس) عن منجزات ومكتسبات تحققت خلال الخمسين سنة الماضية من الحوار والعيش معاً في هذا الشرق العربي؟ أقصد بالتحديد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وبيانه التاريخي (نوسترا آيتاتي)، والسينودس الخاص بلبنان (حزيران1991- كانون الأول1995) والإرشاد الرسولي الصادر عن البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته التاريخية للبنان لتسليم الإرشاد (10 ايار 1997)، ومؤتمرات بطاركة الشرق الكاثوليك (انعقد المؤتمر التاسع عشر في تشرين الاول 2009) وبياناتها ومقرراتها؟ ولنأخذ بعض الأمثلة من هذه الوثائق:
"إن حواراً حقيقياً بين مؤمني الأديان التوحيدية الكبرى، يرتكز على الاحترام المتبادل والعمل معاً على حفظ العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية وتنميتها لجميع الناس" (المجمع الفاتيكاني الثاني، بيان في العلاقات مع الأديان غير المسيحية، الفقرة3).
"إن الكنيسة الكاثوليكية منفتحة على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان، وتريد أن تكون منفتحة على الحوار والتعاون مع مسلمي سائر البلدان العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها. وفي الواقع إن مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة. وكل ثقافة خاصة لا تزال تحمل طابع ما رفدتها به على الصعيد الديني وغير الديني الحضارات المختلفة التي تعاقبت على أرضهم" (سينودس الأساقفة الخاص بلبنان، وثيقة العمل، الفقرة 99).
"ومسيحيو لبنان وكامل العالم العربي فخورون بتراثهم، يساهمون مساهمة نشطة في التطور الثقافي... بودي أن أشدد بالنسبة الى مسيحيي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها، وأدعوهم الى اعتبار انضوائهم في الثقافة العربية التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، موقعاً مميزاً لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيي البلدان حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين. إن مسيحيي الشرق الأوسط ومسلميه، وهم يعيشون في المنطقة ذاتها، وقد عرفوا في تاريخهم أيام عز وأيام بؤس، مدعوون الى أن يبنوا معاً مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف الى تطوير شعوبهم تطويراً انسانياً وأخلاقياً، وعلاوة على ذلك قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان أخرى" (الإرشاد الرسولي، الفقرة 93 وعنوانها "التضامن مع العالم العربي").
-9 إن التحدي الرئيسي الذي يواجه أهل هذه البلاد يتعلق بدور المسيحيين العرب ومساهمتهم الفريدة في مجتمعاتهم وبالمسؤولية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة هجرة المسيحيين من الشرق، ناهيك عن المسؤولية المشتركة في تجديد الحياة السياسية والثقافة السياسية وفي بناء أفق عربي إسلامي مسيحي علماني للعيش معاً وللتطور الديموقراطي لمجتمعاتنا العربية المأزومة.
-10 وفي هذا المجال لا أدري ما الحكمة من تجاهل مواقف رجال مثل السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان والشيخ محمد الغزالي في مصر والشيخ حسن الترابي في السودان والشيخ راشد الغنوشي في تونس والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني في العراق؟
ألا يمكن أن نتقدم إلى السينودس على أساس ما قاله الشيخ شمس الدين في وصاياه؟ "أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
باعتقادي أن هذه الكلمة الطيّبة الصادقة هي التي كان ينبغي أن تجسّد معنى عنوان السينودس "شركة وشهادة". شراكة كاملة مع المسلمين، وشهادة للحق والعدل قبل أي شيء آخر!
النهار- الأحد 04 نيسان 2010 - السنة 77 - العدد 2400
الجيش الأميركي في أساس الأزمة الأميركية - الإسرائيلية الراهنة
الجيش الأميركي في أساس
الأزمة الأميركية - الإسرائيلية الراهنة
بقلم منير شفيق
كثير من الخبراء في الشؤون الأميركية الداخلية يستثنون الجيش (يضمّ القوات المسلحة والأجهزة الأمنية) من لعب أي دور في صوغ السياسات الأميركية، فهو في نظرهم لا يتدخل في السياسة ولا علاقة له بمراكز القرار أو اللوبيات المؤثرّة فيها. هؤلاء ليسوا على خطأ حين يتعلق الأمر بكثير من السياسات الأميركية التفصيلية عموماً، ولا سيما في الحالات العادية حيث لا يكون فيها الجيش منخرطاً في حروب، أو في الحالات التي ليس له علاقات عسكرية مباشرة بها (قواعد عسكرية أو ما شابه ذلك). وهذا ينطبق، عموماً، على الديموقراطيات الغربية كافة، ولكن الأمر ليس كذلك في كل الأوضاع والأوقات.
الجيوش في الديموقراطيات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، لها دور رئيس في تحديد الإستراتيجية العسكرية المتبعة وفي تحديد أولوياتها، بل إن هذه الإستراتيجية غالبا ما تفرض نفسها على صانع القرار السياسي كأولوية مطلقة على ما عداها من أولويات في المجالات الأخرى سواء في السياسة أو الاقتصاد وغيرها. فدور الجيوش في الغرب يظل أهم بكثير مما يلقى عليه الضوء في اتجاهات السياسة التي يفترض فيها أن تخدم الإستراتيجية أو تترجمها، فلولا الجيوش التي تخوض الحروب أو تهدّد بخوضها، ومن ثم تحدّد مناطق النفوذ وموقع كل دولة كبرى في ميزان القوى العالمي، ومن ثم أدوارها السياسية والاقتصادية والثقافية، لما كانت هنالك هيمنة غربية على العالم منذ مئات السنين حتى اليوم.
صحيح أن دور الجيش في ضبط النظام الديموقراطي نفسه وفي حماية الرأسمالية نفسها، لا يظهر على حقيقته ضمن اللعبة الديموقراطية، ولكن ذلك لا يعني إسقاطه من الحساب أو عدم أخذه في الاعتبار، عندما يبدأ بالتململ أو الاعتراض على سياسات معينة، بل يجب أن يُحسب له ألف حساب عندما يبدأ بإرسال الإشارات التي يجب أن يفهمها الرئيس ومن حوله، بل كل من يهمّه أمر إدارة أوضاع البلد المعني.
عندما جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما كان وضع الجيش الأميركي مأزوماً في العراق وأفغانستان وباكستان، وكانت سمعة أميركا قد تدهورت إلى حد كبير، وأخذ يضعف دورها على المستوى الدولي بصورة متزايدة. وقد فقدت القدرة على بناء نظام القطب الواحد عالمياً، ووجدت نفسها غير قادرة على قيادة نظام عالمي متعدّد القطب.
هذا إلى جانب الفشل في "إعادة بناء الشرق الأوسط الكبير"، ونشوء نوع من الفراغ فيه بسبب انحسار النفوذ الأميركي وتزعزع مكانة الدول العربية التي راهنت على السياسات الأميركية، وعملية التسوية. وكان الأمر كذلك بالنسبة إلى الحليف الأول في المنطقة؛ إذ خسر الجيش الإسرائيلي حربَيْ 2006 في لبنان و2008-2009 في قطاع غزة، فيما كبر الدور الإيراني والسوري ودور المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية والأفغانية. وهذا كله شكل، ومازال يشكل قلقاً أميركياً، ويحفر في أخاديد تدهور الوضع الأميركي العام. ثم انفجرت الفقاعة المالية التي تداعت إلى أزمة اقتصادية شاملة في ما بعد، مما أخذ يزيد من تدهور قوّة الدولار، وتعاظم الأدوار الاقتصادية الإنتاجية للصين والهند والبرازيل، وعدد من الدول الأخرى من الدرجتين الثانية والثالثة.
هذه الأزمة الأميركية التي لم يسبق لها مثيل منذ نيل الولايات المتحدة الأميركية استقلالها وتحقيق وحدتها، ولا سيما أزمة الوضع العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان، فرضت دوراً متزايدا للجيش والـ"سي.آي.إي" والـ"أف.بي.آي"، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السياسات الأميركية في المنطقة التي يسّمونها "الشرق الأوسط الكبير"، وهي الممتدّة من فلسطين إلى باكستان.
لوحظ هذا الدور منذ اليوم الأول لوصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأميركية. وذلك من خلال جملة من زيارات لجنرالات من الجيش الأميركي وفي مقدّمهم رئيس هيئة الأركان مايكل مولن لمعظم دول المنطقة. وقد صدرت تصريحات عدّة تعتبر بأن تحقيق التسوية للصراع في فلسطين (النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي) يشكل مصلحة أميركية، خصوصاً للجيش الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان. وكتب توماس فريدمان يحذر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو بأن إفشال جورج ميتشل يتعارض مع رغبة الجيش و"السي.آي.إي" وذلك لأهمية إنجاز تسوية ما من شأنها أن تسهل مهمة الجيش الأميركي في جبهات العراق وأفغانستان وباكستان، ولكن كما يبدو لم تصل الرسالة، ولم تجد آذانا صاغية من جهة نتنياهو و"اللوبيات اليهودية" القريبة منه.
لا شك في أن توماس فريدمان ومعه عدد غير قليل من مؤيدّي إسرائيل و"اللوبي الصهيوني" الأميركي، يشعرون بقلق شديد عندما يذهب نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل إلى حدّ تحدّي إرادة الجيش الأميركي في ما يعتبره مصلحة أميركية عليا، وهذا القلق مشروع تماماً. وقد زاد الأمر تعقيدا بعدما أُفشلت مهمة ميتشل الأولى، وأُجبِر أوباما على التراجع والخضوع لمشروع نتنياهو الخاص بوقف جزئي للاستيطان في الضفة الغربية واستثناء القدس تماماً، في مقابل إطلاق المفاوضات؛ الأمر الذي أطاح هيبة أوباما وأضعف سياساته الخاصة بتحسين صورة أميركا الخارجية، لا سيما في نظر العالم الإسلامي.
ربما اعتبر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو أن إفشال مهمة ميتشل ستمرّ مرّ الكرام، ولن تكون لها آثار سلبية عليهما. وهو ما شجع حكومة نتنياهو على الإعلان عن قرار بناء 1600 وحدة سكنية استيطانية جديدة في القدس أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وقد جاء إلى القدس ليدعم مهمة جورج ميتشل في مرحلتها الثانية في إطلاق مفاوضات غير مباشرة لمدة أربعة أشهر.
جاء ردّ فعل جو بايدن شديداً أقوى مما كان يمكن أن يتوقعه نتنياهو. مما اضطرّه للاعتذار عن التوقيت وليس القرار، ولكن ذلك لم يُنهِ الأزمة. وقد تدخلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لتصعِّد في الاحتجاج والنقد. مما يكشف أن ردود بايدن وكلينتون والناطق الرسمي عبّرت عن احتقان وغضب حقيقيين، بعد أن فاض الكيل بسبب عدم تعاون نتنياهو وامتناعه عن المساعدة في إنجاز طلب أميركي يمسّ مصلحة أميركية عليا لا يمكن التهاون بشأنها.
على أن التقرير الذي أبرزه مارك بيري في 17 آذار 2010 تحت عنوان "تقرير بترايوس وإحراج بايدن لا يغطيّان كل القصة"، يُظهر ما يكمن وراء موقف بايدن وكلينتون وإدارة أوباما. كما أن صدوره في هذا التاريخ بعد ثلاثة أشهر من تقرير بترايوس وكشْف ما تضمنه يحمل دلالة مشحونة برسالة لكل من نتنياهو و"اللوبي اليهودي" الأميركي. وخلاصتها أن اللعب الآن ليس مع أوباما ويخرج عن حدود اللعبة السياسية الأميركية الداخلية. يتعلق الأمر الآن بمواجهة مع الجيش وهي تمسّ الدم الأميركي والمصلحة العليا الأميركية.
ما كشفته مقالة مارك بيري من تقرير فريق ضباط القيادة المركزية (آسيا الوسطى) المسؤولين عن النظر في المصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط التي يقودها الجنرال ديفيد بترايوس، قُدِّم في 16 كانون الأول 2010 إلى هيئة الأركان برئاسة الأدميرال مايكل مولن في البنتاغون. وقد عبّر التقرير عن شدة قلقه بسبب عدم التقدّم في الصراع العربي الإسرائيلي، وجاء التقرير صادماً لمولن. فقد أكد كاتبو التقرير على ازدياد الاقتناع لدى الزعماء العرب بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل، وأن القادة العرب في "المنطقة الوسطى" التي يُشرف عليها بترايوس فقدوا، في الغالب، الثقة بالوعود الأميركية. وأن التجاوزات الإسرائيلية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني راحت تشكل خطراً على الموقف الأميركي في المنطقة.
إن التقرير المقدَّم لمولن لا سابق له من قِبَل قائد المنطقة الوسطى من حيث التعبير عن رأيه في مسألة سياسية. فقد أكد الفريق الذي قابل معظم الزعماء العرب في كانون الاول 2009 بأنه حيثما ذهب كانت الرسالة واضحة: "ليست أميركا ضعيفة فحسب، وإنما أيضاً سمعتها العسكرية آخذة في التآكل في المنطقة".
هذا وقد سُرِّبت أنباء، نُفيت لاحقاً، ولكنها تدخل ضمن إطار التقرير ومن ذلك أن بترايوس طالب بضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مجال المنطقة الوسطى وليس للقيادة الأميركية في أوروبا. وذلك ليقتنع القادة العرب بأن القيادة العسكرية الأميركية منخرطة في أشدّ الصراعات المعقدّة في المنطقة. لقد نزل التقرير على إدارة أوباما نزول الصاعقة، وكان ردّها مضاعفة جهودها، مرّة أخرى، والضغط على إسرائيل حول موضوع المستوطنات وإرسال ميتشل إلى عدد من الدول العربية ثم إرسال رئيس هيئة الأركان مولن لمقابلة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غابي أشكينازي.
وبعد الإهانة التي تلقاها بايدن بعث إلى نتنياهو يقول "ما تفعله يُهدّد أمن قواتنا التي تقاتل في العراق وأفغانستان وباكستان، كما أنها تُعرضنا للخطر وتعرّض السلام في المنطقة للخطر". عاد بترايوس وصرّح علناً بما ورد في التقرير المذكور، ثم كرّره وزير الدفاع روبرت غيتس. وكان ذلك في 23-25 آذار الماضي أثناء زيارة نتنياهو لواشنطن. وقيل إنه رجع بعد لقاء مطوّل مع أوباما ولقاءات مجهدة بين وفديْهما إلى إسرائيل، وهو يحمل، أي نتنياهو مجموعة من الطلبات التي لم يستطع أن يبّت فيها، وطلب أن يردّ عليها بعد عودته.
خلاصة
صحيح أن هذه ليست أول أزمة تحدث بين حكومة إسرائيلية وإدارة أميركية، بل ربما ما حدث من أزمات سابقا كان أشدّ. ولكن هذه الأزمة تحدث في ظل تراجع وضع كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في ميزان القوى الدولي، وفي ظروف تمسّ أمن القوات الأميركية المقاتلة، وشبه المهزومة، في العراق وأفغانستان وباكستان. مما يعني أن التناقض هذه المرّة يحمل خصوصية تختلف عن كل ما سبقها. فالجيش الأميركي هو الذي يصرخ وهو الذي يطلب، وليس من اليسير على الرئيس، كما كان يحدث في المرّات السابقة، أن يتجاوزه ويطالبه بتجاوز الإشكال.
من هنا سيكون لهذه الأزمة بُعدان أساسيّان:
الأول: إذا لم يستجب نتنياهو و"اللوبي الصهيوني" لما يطلبه الجيش الأميركي وهو ينزف الدماء، فالتناقض سيتعمّق بين الجيش وفئات واسعة من "الواسبس" (البيض البروتستانت الأنكلوسكسون الأميركيون) ضدّ "النفوذ الصهيوني" في الولايات المتحدة وليس ضد إسرائيل فقط. إنه امتحان شديد لحنكة القيادة "الصهيونية" في الولايات المتحدة، حتى لو كانت بوسائل الضغوط المختلفة قادرة على ليّ ذراع الإدارة وتجاهل ما يريده الجيش. ذلك لأنها إن فعلت كما فعلت أول مرة مع مشروع ميتشل عام 2009، فسوف تبدأ بتخريب بيتها في الولايات المتحدة نفسها.
أما إذا تراجعت فهذا يعني أن آفاق الوصول إلى تسوية تصبح أقوى من أيّة فترة سابقة لا سيما مع وجود قيادة عباس-فياض في السلطة الفلسطينية في رام الله ووجود القيادة المصرية الحالية. ولكن إذا تمّ ذلك وسيكون، لا محالة، مرفوضاً من الشعب الفلسطيني ومن العرب والمسلمين عامّة، فمعنى ذلك الدخول في صراع في المنطقة أشدّ من ذي قبل. إن سقف التسوية الذي يعمل ميتشل تحته، على نحو ما عبَّر عنه بيان الرباعية من موسكو يقتطع في طريقه جزءاً كبيراً من الحقوق الفلسطينية في القدس ولا سيما شرقيها في المدينة القديمة بما في ذلك من المسجد الأقصى نفسه. هذا إلى جانب ما تُرِك للمفاوضات من تبادل أراضٍ في الضفة الغربية قد
يصل إلى ابتلاع معظم ما ضمّه الجدار والمستوطنات وحتى الأغوار.
الثاني: ثمة أثر عميق تحقق منذ الآن على هامش الأزمة الحالية، وما عكسته من انطباعات على الرأي العام الأميركي والغربي. فنتائج هذه الأزمة على الرأي العام الأميركي والغربي عموماً ستكون شديدة السلبية على الموقف من إسرائيل، مما سيضيف عاملاً جديداً إلى ما تركته حرب العدوان على غزة من آثار سلبية في نظر ذلك الرأي العام إليه. إن خسارة إسرائيل لتعاطف الرأي العام الأميركي والغربي عموماً معه ستكون لها أبعاد إستراتيجية على مجرى الصراع. علماً أن تعاطف الرأي العام الأميركي والأوروبي مع المشروع الصهيوني منذ 1948 كان له أثر كبير في ما حققه من إنجازات ظالمة وغير شرعية على الأرض. وبهذا يكون السحر قد أخذ ينقلب على الساحر في مجال من المجالات المهمّة جداً في الصراع على أرض فلسطين.
النهار-- الثلاثاء 06 نيسان 2010
الأزمة الأميركية - الإسرائيلية الراهنة
بقلم منير شفيق
كثير من الخبراء في الشؤون الأميركية الداخلية يستثنون الجيش (يضمّ القوات المسلحة والأجهزة الأمنية) من لعب أي دور في صوغ السياسات الأميركية، فهو في نظرهم لا يتدخل في السياسة ولا علاقة له بمراكز القرار أو اللوبيات المؤثرّة فيها. هؤلاء ليسوا على خطأ حين يتعلق الأمر بكثير من السياسات الأميركية التفصيلية عموماً، ولا سيما في الحالات العادية حيث لا يكون فيها الجيش منخرطاً في حروب، أو في الحالات التي ليس له علاقات عسكرية مباشرة بها (قواعد عسكرية أو ما شابه ذلك). وهذا ينطبق، عموماً، على الديموقراطيات الغربية كافة، ولكن الأمر ليس كذلك في كل الأوضاع والأوقات.
الجيوش في الديموقراطيات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، لها دور رئيس في تحديد الإستراتيجية العسكرية المتبعة وفي تحديد أولوياتها، بل إن هذه الإستراتيجية غالبا ما تفرض نفسها على صانع القرار السياسي كأولوية مطلقة على ما عداها من أولويات في المجالات الأخرى سواء في السياسة أو الاقتصاد وغيرها. فدور الجيوش في الغرب يظل أهم بكثير مما يلقى عليه الضوء في اتجاهات السياسة التي يفترض فيها أن تخدم الإستراتيجية أو تترجمها، فلولا الجيوش التي تخوض الحروب أو تهدّد بخوضها، ومن ثم تحدّد مناطق النفوذ وموقع كل دولة كبرى في ميزان القوى العالمي، ومن ثم أدوارها السياسية والاقتصادية والثقافية، لما كانت هنالك هيمنة غربية على العالم منذ مئات السنين حتى اليوم.
صحيح أن دور الجيش في ضبط النظام الديموقراطي نفسه وفي حماية الرأسمالية نفسها، لا يظهر على حقيقته ضمن اللعبة الديموقراطية، ولكن ذلك لا يعني إسقاطه من الحساب أو عدم أخذه في الاعتبار، عندما يبدأ بالتململ أو الاعتراض على سياسات معينة، بل يجب أن يُحسب له ألف حساب عندما يبدأ بإرسال الإشارات التي يجب أن يفهمها الرئيس ومن حوله، بل كل من يهمّه أمر إدارة أوضاع البلد المعني.
عندما جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما كان وضع الجيش الأميركي مأزوماً في العراق وأفغانستان وباكستان، وكانت سمعة أميركا قد تدهورت إلى حد كبير، وأخذ يضعف دورها على المستوى الدولي بصورة متزايدة. وقد فقدت القدرة على بناء نظام القطب الواحد عالمياً، ووجدت نفسها غير قادرة على قيادة نظام عالمي متعدّد القطب.
هذا إلى جانب الفشل في "إعادة بناء الشرق الأوسط الكبير"، ونشوء نوع من الفراغ فيه بسبب انحسار النفوذ الأميركي وتزعزع مكانة الدول العربية التي راهنت على السياسات الأميركية، وعملية التسوية. وكان الأمر كذلك بالنسبة إلى الحليف الأول في المنطقة؛ إذ خسر الجيش الإسرائيلي حربَيْ 2006 في لبنان و2008-2009 في قطاع غزة، فيما كبر الدور الإيراني والسوري ودور المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية والأفغانية. وهذا كله شكل، ومازال يشكل قلقاً أميركياً، ويحفر في أخاديد تدهور الوضع الأميركي العام. ثم انفجرت الفقاعة المالية التي تداعت إلى أزمة اقتصادية شاملة في ما بعد، مما أخذ يزيد من تدهور قوّة الدولار، وتعاظم الأدوار الاقتصادية الإنتاجية للصين والهند والبرازيل، وعدد من الدول الأخرى من الدرجتين الثانية والثالثة.
هذه الأزمة الأميركية التي لم يسبق لها مثيل منذ نيل الولايات المتحدة الأميركية استقلالها وتحقيق وحدتها، ولا سيما أزمة الوضع العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان، فرضت دوراً متزايدا للجيش والـ"سي.آي.إي" والـ"أف.بي.آي"، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السياسات الأميركية في المنطقة التي يسّمونها "الشرق الأوسط الكبير"، وهي الممتدّة من فلسطين إلى باكستان.
لوحظ هذا الدور منذ اليوم الأول لوصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأميركية. وذلك من خلال جملة من زيارات لجنرالات من الجيش الأميركي وفي مقدّمهم رئيس هيئة الأركان مايكل مولن لمعظم دول المنطقة. وقد صدرت تصريحات عدّة تعتبر بأن تحقيق التسوية للصراع في فلسطين (النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي) يشكل مصلحة أميركية، خصوصاً للجيش الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان. وكتب توماس فريدمان يحذر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو بأن إفشال جورج ميتشل يتعارض مع رغبة الجيش و"السي.آي.إي" وذلك لأهمية إنجاز تسوية ما من شأنها أن تسهل مهمة الجيش الأميركي في جبهات العراق وأفغانستان وباكستان، ولكن كما يبدو لم تصل الرسالة، ولم تجد آذانا صاغية من جهة نتنياهو و"اللوبيات اليهودية" القريبة منه.
لا شك في أن توماس فريدمان ومعه عدد غير قليل من مؤيدّي إسرائيل و"اللوبي الصهيوني" الأميركي، يشعرون بقلق شديد عندما يذهب نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل إلى حدّ تحدّي إرادة الجيش الأميركي في ما يعتبره مصلحة أميركية عليا، وهذا القلق مشروع تماماً. وقد زاد الأمر تعقيدا بعدما أُفشلت مهمة ميتشل الأولى، وأُجبِر أوباما على التراجع والخضوع لمشروع نتنياهو الخاص بوقف جزئي للاستيطان في الضفة الغربية واستثناء القدس تماماً، في مقابل إطلاق المفاوضات؛ الأمر الذي أطاح هيبة أوباما وأضعف سياساته الخاصة بتحسين صورة أميركا الخارجية، لا سيما في نظر العالم الإسلامي.
ربما اعتبر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو أن إفشال مهمة ميتشل ستمرّ مرّ الكرام، ولن تكون لها آثار سلبية عليهما. وهو ما شجع حكومة نتنياهو على الإعلان عن قرار بناء 1600 وحدة سكنية استيطانية جديدة في القدس أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وقد جاء إلى القدس ليدعم مهمة جورج ميتشل في مرحلتها الثانية في إطلاق مفاوضات غير مباشرة لمدة أربعة أشهر.
جاء ردّ فعل جو بايدن شديداً أقوى مما كان يمكن أن يتوقعه نتنياهو. مما اضطرّه للاعتذار عن التوقيت وليس القرار، ولكن ذلك لم يُنهِ الأزمة. وقد تدخلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لتصعِّد في الاحتجاج والنقد. مما يكشف أن ردود بايدن وكلينتون والناطق الرسمي عبّرت عن احتقان وغضب حقيقيين، بعد أن فاض الكيل بسبب عدم تعاون نتنياهو وامتناعه عن المساعدة في إنجاز طلب أميركي يمسّ مصلحة أميركية عليا لا يمكن التهاون بشأنها.
على أن التقرير الذي أبرزه مارك بيري في 17 آذار 2010 تحت عنوان "تقرير بترايوس وإحراج بايدن لا يغطيّان كل القصة"، يُظهر ما يكمن وراء موقف بايدن وكلينتون وإدارة أوباما. كما أن صدوره في هذا التاريخ بعد ثلاثة أشهر من تقرير بترايوس وكشْف ما تضمنه يحمل دلالة مشحونة برسالة لكل من نتنياهو و"اللوبي اليهودي" الأميركي. وخلاصتها أن اللعب الآن ليس مع أوباما ويخرج عن حدود اللعبة السياسية الأميركية الداخلية. يتعلق الأمر الآن بمواجهة مع الجيش وهي تمسّ الدم الأميركي والمصلحة العليا الأميركية.
ما كشفته مقالة مارك بيري من تقرير فريق ضباط القيادة المركزية (آسيا الوسطى) المسؤولين عن النظر في المصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط التي يقودها الجنرال ديفيد بترايوس، قُدِّم في 16 كانون الأول 2010 إلى هيئة الأركان برئاسة الأدميرال مايكل مولن في البنتاغون. وقد عبّر التقرير عن شدة قلقه بسبب عدم التقدّم في الصراع العربي الإسرائيلي، وجاء التقرير صادماً لمولن. فقد أكد كاتبو التقرير على ازدياد الاقتناع لدى الزعماء العرب بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل، وأن القادة العرب في "المنطقة الوسطى" التي يُشرف عليها بترايوس فقدوا، في الغالب، الثقة بالوعود الأميركية. وأن التجاوزات الإسرائيلية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني راحت تشكل خطراً على الموقف الأميركي في المنطقة.
إن التقرير المقدَّم لمولن لا سابق له من قِبَل قائد المنطقة الوسطى من حيث التعبير عن رأيه في مسألة سياسية. فقد أكد الفريق الذي قابل معظم الزعماء العرب في كانون الاول 2009 بأنه حيثما ذهب كانت الرسالة واضحة: "ليست أميركا ضعيفة فحسب، وإنما أيضاً سمعتها العسكرية آخذة في التآكل في المنطقة".
هذا وقد سُرِّبت أنباء، نُفيت لاحقاً، ولكنها تدخل ضمن إطار التقرير ومن ذلك أن بترايوس طالب بضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مجال المنطقة الوسطى وليس للقيادة الأميركية في أوروبا. وذلك ليقتنع القادة العرب بأن القيادة العسكرية الأميركية منخرطة في أشدّ الصراعات المعقدّة في المنطقة. لقد نزل التقرير على إدارة أوباما نزول الصاعقة، وكان ردّها مضاعفة جهودها، مرّة أخرى، والضغط على إسرائيل حول موضوع المستوطنات وإرسال ميتشل إلى عدد من الدول العربية ثم إرسال رئيس هيئة الأركان مولن لمقابلة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غابي أشكينازي.
وبعد الإهانة التي تلقاها بايدن بعث إلى نتنياهو يقول "ما تفعله يُهدّد أمن قواتنا التي تقاتل في العراق وأفغانستان وباكستان، كما أنها تُعرضنا للخطر وتعرّض السلام في المنطقة للخطر". عاد بترايوس وصرّح علناً بما ورد في التقرير المذكور، ثم كرّره وزير الدفاع روبرت غيتس. وكان ذلك في 23-25 آذار الماضي أثناء زيارة نتنياهو لواشنطن. وقيل إنه رجع بعد لقاء مطوّل مع أوباما ولقاءات مجهدة بين وفديْهما إلى إسرائيل، وهو يحمل، أي نتنياهو مجموعة من الطلبات التي لم يستطع أن يبّت فيها، وطلب أن يردّ عليها بعد عودته.
خلاصة
صحيح أن هذه ليست أول أزمة تحدث بين حكومة إسرائيلية وإدارة أميركية، بل ربما ما حدث من أزمات سابقا كان أشدّ. ولكن هذه الأزمة تحدث في ظل تراجع وضع كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في ميزان القوى الدولي، وفي ظروف تمسّ أمن القوات الأميركية المقاتلة، وشبه المهزومة، في العراق وأفغانستان وباكستان. مما يعني أن التناقض هذه المرّة يحمل خصوصية تختلف عن كل ما سبقها. فالجيش الأميركي هو الذي يصرخ وهو الذي يطلب، وليس من اليسير على الرئيس، كما كان يحدث في المرّات السابقة، أن يتجاوزه ويطالبه بتجاوز الإشكال.
من هنا سيكون لهذه الأزمة بُعدان أساسيّان:
الأول: إذا لم يستجب نتنياهو و"اللوبي الصهيوني" لما يطلبه الجيش الأميركي وهو ينزف الدماء، فالتناقض سيتعمّق بين الجيش وفئات واسعة من "الواسبس" (البيض البروتستانت الأنكلوسكسون الأميركيون) ضدّ "النفوذ الصهيوني" في الولايات المتحدة وليس ضد إسرائيل فقط. إنه امتحان شديد لحنكة القيادة "الصهيونية" في الولايات المتحدة، حتى لو كانت بوسائل الضغوط المختلفة قادرة على ليّ ذراع الإدارة وتجاهل ما يريده الجيش. ذلك لأنها إن فعلت كما فعلت أول مرة مع مشروع ميتشل عام 2009، فسوف تبدأ بتخريب بيتها في الولايات المتحدة نفسها.
أما إذا تراجعت فهذا يعني أن آفاق الوصول إلى تسوية تصبح أقوى من أيّة فترة سابقة لا سيما مع وجود قيادة عباس-فياض في السلطة الفلسطينية في رام الله ووجود القيادة المصرية الحالية. ولكن إذا تمّ ذلك وسيكون، لا محالة، مرفوضاً من الشعب الفلسطيني ومن العرب والمسلمين عامّة، فمعنى ذلك الدخول في صراع في المنطقة أشدّ من ذي قبل. إن سقف التسوية الذي يعمل ميتشل تحته، على نحو ما عبَّر عنه بيان الرباعية من موسكو يقتطع في طريقه جزءاً كبيراً من الحقوق الفلسطينية في القدس ولا سيما شرقيها في المدينة القديمة بما في ذلك من المسجد الأقصى نفسه. هذا إلى جانب ما تُرِك للمفاوضات من تبادل أراضٍ في الضفة الغربية قد
يصل إلى ابتلاع معظم ما ضمّه الجدار والمستوطنات وحتى الأغوار.
الثاني: ثمة أثر عميق تحقق منذ الآن على هامش الأزمة الحالية، وما عكسته من انطباعات على الرأي العام الأميركي والغربي. فنتائج هذه الأزمة على الرأي العام الأميركي والغربي عموماً ستكون شديدة السلبية على الموقف من إسرائيل، مما سيضيف عاملاً جديداً إلى ما تركته حرب العدوان على غزة من آثار سلبية في نظر ذلك الرأي العام إليه. إن خسارة إسرائيل لتعاطف الرأي العام الأميركي والغربي عموماً معه ستكون لها أبعاد إستراتيجية على مجرى الصراع. علماً أن تعاطف الرأي العام الأميركي والأوروبي مع المشروع الصهيوني منذ 1948 كان له أثر كبير في ما حققه من إنجازات ظالمة وغير شرعية على الأرض. وبهذا يكون السحر قد أخذ ينقلب على الساحر في مجال من المجالات المهمّة جداً في الصراع على أرض فلسطين.
النهار-- الثلاثاء 06 نيسان 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)