لبنانيّو أستراليا يريدون إسقاط النظام
ويوجّهون ملاحظة أوّليّة إلى "رسل الطائفيّة"
نشطاء في الجالية اللبنانيّة الأستراليّة تنادوا إلى مركز تجمّع سانت جورج ـ سيدني للتداول في الحراك الدائر على أرض لبنان من أجل إسقاط النظام الطائفي والبحث في أشكال النصرة والدعم سياسياً، معنويّاً، ثقافيّاً وماليّاً.
وأجمعت الآراء أن النظام الطائفي في لبنان هو مفسدة أي أبعد ما يكون عن العدالة والإنسانيّة والشفافيّة والديمقراطيّة وأنه لا ينتج سوى التجزئة التي تبيّن الأيّام دائماً أنّها "حركة سخيفة ومنحطّة" حيث مرّة هناك "بيروت شرقيّة وبيروت غربيّة" ومرّة هناك "إبن الشمال وابن الجنوب" وإقطاع مالي، وإقطاع ديني.
وتوافق الحضور أن النظام الطائفي في لبنان له ارتدادات آثارها المدمّرة تصل إلى اللبنانيين في أستراليا حيث أنّ الأستراليين من أصل لبناني هم الوحيدون بين مكوّنات المجتمع الأسترالي الذين يهتم أي أسترالي وهو في حديث إليهم أن يعرف إلى أي دين أو مذهب أو منطقة ينتمي هذا أو ذاك منهم. واقترح البعض أن يكون في حيّز النشاط لإسقاط النظام الطائفي الدعوة على نحو متتابع إلى ندوات ثقافيّة تكشف مثالب هذا النظام السيء الصيت والسمعة، وأن إسقاط النظام الطائفي لا يعني إسقاط الطوائف التي هي نعمة وإنّما إسقاط الطائفيّة التي هي نقمة، وإسقاط الهدر ونزيف الهجرة والإفقار والتهميش والتمييز العنصري بين الجنسين حيث مثالاً لا حصراً يحق للبناني أن يمنح أبناءه من سيّدة أجنبيّةٍ الجنسيّةَ اللبنانيّة فيما تُحرم السيّدة اللبنانيّة الأصل من حق أن تمنح جنسيّتها لأبنائها من زوج غير لبناني.
وجرى التأكيد أنّ كلّ الجماعات الأقلويّة في لبنان تعاني بسبب هذا النظام الطائفي العفن إجحافاً عظيماً لا يجب القبول به بعدُ مثلما لا قبول بعدُ أن يعتبر كل سياسي أن لبنان له ولأبنائه وأقاربه إلى أبد الآبدين. وأوضح بعض آخر أهميّة التسلّح بالوعي لتبيان أن النظام اللبناني الطائفي هو نظام أثبت فشله، وأن النظام البديل الذي يستدعي الدولة المدنيّة القويّة العادلة هو فائدة لغالبيّة اللبنانيين.
وتمنى المجتمعون أن يصل صوتهم إلى الأهل في لبنان بأن لهم أبناء في المغتربات ومنها أستراليا يساندونهم في حراكهم المبارك لإسقاط النظام الطائفي وأنهم يحيّون جميع الذين شاركوا في التظاهرات الثلاث الأخيرة في بيروت ويخصّون بالتحيّة رجال الدين الذين شاركوا في هذه التظاهرات، مع التأكيد أن "رسل الطائفيّة" إلى أستراليا من نوّاب ووزراء وشخصيّات سيكونون مستقبلاً في محل ترحيب أقل، وربّما تنديد، ما لم يكونوا مجاهرين في الدعوة إلى إسقاط النظام الطائفي ومتقيّدين عمليّاً بهذه المجاهرة.
لجنة المتابعة لإسقاط النظام الطائفي في لبنان
سيدني ـ أستراليا
الثلاثاء، 29 مارس 2011
عقد إجتماعي عربي جديد: أين لبنان؟
د. سعود المولى
يعيش اللبنانيون فرحة غامرة تملأ قلوبهم وهم يشهدون قيام الحركات الإجتماعية والشبابية والثورات الشعبية في طول البلاد العربية وعرضها، تدعو إلى الحرية والديموقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية... وقد إرتفع في كل بلد عربي صوت التغيير وشعاراته، وتضافرت جهود كل المواطنين المندمجين في أوطانهم والعاملين بمسؤولية عالية، في سبيل إعلاء شأن حقوق الإنسان وكرامته، وتحقيق المواطنة المتساوية في دولة مدنية تعزز المشاركة السياسية الشعبية في تقرير شؤون ومصائر البلاد وفي بناء التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
لقد كان اللبنانيون السباقين في التوكيد على كل معاني الدولة المدنية وعلى كل مندرجات الحوار والتنوع والتعددية في إطار العيش المشترك والشراكة الوطنية، وعلى كل مستلزمات بناء المواطنة السليمة، وعلى أن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة هي الشروط الرئيسة لا بل الوحيدة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ومعضلات التنمية المستدامة في عالم شديد الإضطراب والتحول..كما لمواجهة الإمبريالية والصهيونية ومؤامراتهما!.
إلا أن السنوات الماضية قد شهدت إنتكاسة مخيفة لكل الإنجازات التي حققها اللبنانيون الذين باتوا اليوم يشعرون بأنهم مطالبون بأكثر من مجرد الإنتظار فيما العالم العربي يتغير ويتقدم من حولهم، في حين أنهم يتقهقرون بشكل مريع وعلى كل المستويات..
إن ربيع الشعوب العربية يدعونا إلى إستعادة مقومات العمل المشترك البناء الذي كنا السباقين إليه منذ تلمسنا الحاجة إلى بلورة مشتركات ينعقد عليها إجماع وطني يعيد تأسيس الوطن والكيان على قاعدة إتفاق الطائف، ويفتح في الآن نفسه آفاق التطوير والإصلاح..
اليوم تولد الشعوب العربية من جديد بعد عقود من الموت السريري على يد أنظمة سياسية إستبدادية وقهرية، جاءت إلى الحكم بإسم فلسطين والتحرر والوحدة العربية فلم تورثنا بعد أكثر من نصف قرن سوى الذل والعار وإحتقار حرية الإنسان وكرامته لا بل وحياته البائسة..ها هي الشعوب العربية تتقدم على طريق امتلاك مصيرها بنفسها أي إستعادة حقوقها المهدورة ، وإستعادة إنسانيتها المنتهكة ، وإستعادة حريتها وكرامتها المغتصبة..
هذه الثورة العربية الجديدة أعادت وتعيد تشكيل الشعوب العربية التي أضناها القمع الوحشي والإستبداد السلطوي-المافيوي والإنقسام الطائفي-العشائري والتنازع الحزبي والفئوي..
وفي أتون هذه الثورات تغلبت الشعوب العربية على الخوف واليأس والإستلاب والتهميش والمهانة والعطالة والإحباط وفقدان الهوية وضياع الذات..فإكتشفت القوة الحقيقية للوحدة والقدرة الحقيقية للوعي والتنظيم والقيمة الحقيقية للحرية والديموقراطية..
هذه الثورات العربية هي فاتحة عهد عربي جديد عنوانه العام والرئيس: صياغة عقد إجتماعي جديد يقوم على الكرامة والحرية والعدالة ، وعلى حكم القانون والمؤسسات، وعلى إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الديكتاتورية، وعلى إقامة نظم سياسية تشاركية لا إلغائية فيها ولا حصرية عائلية مافيوية، وعلى إقامة برلمانات منتخبة ديموقراطياً تحقق مشاركة جميع الأفراد في القرارات عبر ممثليهم ، وعلى تداول السلطة سلمياً، وعلى إطلاق الحريات العامة للناس دون تمييز أو غلبة..
في خضم ما يجري من حولنا نتذكر الشهيد المعلم كمال جنبلاط ونتذكر برنامجه للإصلاح السياسي في لبنان..كما نتذكر برنامج الإمام السيد موسى الصدر ودعواته المتكررة للوحدة والتضامن كأساس لكل مقاومة..ونتذكر أخيراً دور لبنان العربي الرائد في حمل رايات التحرر والتقدم في كل المجالات....فهل فات أوان النضال الوطني والتجديد الديموقراطي والإصلاح والتغيير والتنمية والتحرير؟؟ هل صرنا أسرى الأسماء/الطواطم التي نحملها والتي ما أنزل الله بها من سلطان؟؟ متى نعيد وصل ما إنقطع بين حاضرنا وماضينا نؤسس عليه مستقبلنا؟..وكيف نستعيد تلك اللحظات الماضية التي كان فيها القول عملاً، وكان فيها السيف قلماً، وكان فيها الموقف سلاحاً، وكانت فيها الثقافة إنفتاحاً، وكانت فيها العروبة إنتماءً حضارياً وسماحة فكرية وحواراً دائماً..
يعيش اللبنانيون فرحة غامرة تملأ قلوبهم وهم يشهدون قيام الحركات الإجتماعية والشبابية والثورات الشعبية في طول البلاد العربية وعرضها، تدعو إلى الحرية والديموقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية... وقد إرتفع في كل بلد عربي صوت التغيير وشعاراته، وتضافرت جهود كل المواطنين المندمجين في أوطانهم والعاملين بمسؤولية عالية، في سبيل إعلاء شأن حقوق الإنسان وكرامته، وتحقيق المواطنة المتساوية في دولة مدنية تعزز المشاركة السياسية الشعبية في تقرير شؤون ومصائر البلاد وفي بناء التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
لقد كان اللبنانيون السباقين في التوكيد على كل معاني الدولة المدنية وعلى كل مندرجات الحوار والتنوع والتعددية في إطار العيش المشترك والشراكة الوطنية، وعلى كل مستلزمات بناء المواطنة السليمة، وعلى أن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة هي الشروط الرئيسة لا بل الوحيدة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ومعضلات التنمية المستدامة في عالم شديد الإضطراب والتحول..كما لمواجهة الإمبريالية والصهيونية ومؤامراتهما!.
إلا أن السنوات الماضية قد شهدت إنتكاسة مخيفة لكل الإنجازات التي حققها اللبنانيون الذين باتوا اليوم يشعرون بأنهم مطالبون بأكثر من مجرد الإنتظار فيما العالم العربي يتغير ويتقدم من حولهم، في حين أنهم يتقهقرون بشكل مريع وعلى كل المستويات..
إن ربيع الشعوب العربية يدعونا إلى إستعادة مقومات العمل المشترك البناء الذي كنا السباقين إليه منذ تلمسنا الحاجة إلى بلورة مشتركات ينعقد عليها إجماع وطني يعيد تأسيس الوطن والكيان على قاعدة إتفاق الطائف، ويفتح في الآن نفسه آفاق التطوير والإصلاح..
اليوم تولد الشعوب العربية من جديد بعد عقود من الموت السريري على يد أنظمة سياسية إستبدادية وقهرية، جاءت إلى الحكم بإسم فلسطين والتحرر والوحدة العربية فلم تورثنا بعد أكثر من نصف قرن سوى الذل والعار وإحتقار حرية الإنسان وكرامته لا بل وحياته البائسة..ها هي الشعوب العربية تتقدم على طريق امتلاك مصيرها بنفسها أي إستعادة حقوقها المهدورة ، وإستعادة إنسانيتها المنتهكة ، وإستعادة حريتها وكرامتها المغتصبة..
هذه الثورة العربية الجديدة أعادت وتعيد تشكيل الشعوب العربية التي أضناها القمع الوحشي والإستبداد السلطوي-المافيوي والإنقسام الطائفي-العشائري والتنازع الحزبي والفئوي..
وفي أتون هذه الثورات تغلبت الشعوب العربية على الخوف واليأس والإستلاب والتهميش والمهانة والعطالة والإحباط وفقدان الهوية وضياع الذات..فإكتشفت القوة الحقيقية للوحدة والقدرة الحقيقية للوعي والتنظيم والقيمة الحقيقية للحرية والديموقراطية..
هذه الثورات العربية هي فاتحة عهد عربي جديد عنوانه العام والرئيس: صياغة عقد إجتماعي جديد يقوم على الكرامة والحرية والعدالة ، وعلى حكم القانون والمؤسسات، وعلى إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الديكتاتورية، وعلى إقامة نظم سياسية تشاركية لا إلغائية فيها ولا حصرية عائلية مافيوية، وعلى إقامة برلمانات منتخبة ديموقراطياً تحقق مشاركة جميع الأفراد في القرارات عبر ممثليهم ، وعلى تداول السلطة سلمياً، وعلى إطلاق الحريات العامة للناس دون تمييز أو غلبة..
في خضم ما يجري من حولنا نتذكر الشهيد المعلم كمال جنبلاط ونتذكر برنامجه للإصلاح السياسي في لبنان..كما نتذكر برنامج الإمام السيد موسى الصدر ودعواته المتكررة للوحدة والتضامن كأساس لكل مقاومة..ونتذكر أخيراً دور لبنان العربي الرائد في حمل رايات التحرر والتقدم في كل المجالات....فهل فات أوان النضال الوطني والتجديد الديموقراطي والإصلاح والتغيير والتنمية والتحرير؟؟ هل صرنا أسرى الأسماء/الطواطم التي نحملها والتي ما أنزل الله بها من سلطان؟؟ متى نعيد وصل ما إنقطع بين حاضرنا وماضينا نؤسس عليه مستقبلنا؟..وكيف نستعيد تلك اللحظات الماضية التي كان فيها القول عملاً، وكان فيها السيف قلماً، وكان فيها الموقف سلاحاً، وكانت فيها الثقافة إنفتاحاً، وكانت فيها العروبة إنتماءً حضارياً وسماحة فكرية وحواراً دائماً..
الخميس، 24 مارس 2011
بيتيريم سوروكين أحد عمالقة الفكر السوسيولوجي للقرن العشرين
سعود المولى
فمؤسس ورئيس قسم علم الإجتماع في جامعة هارفارد الأميركية، وصاحب الثلاثين مؤلفاً (بعضها من عدة مجلدات في مئات الصفحات)، كان أيضاً صاحب معرفة موسوعية وذكاء خلاق، إلى جانب تمرسه الأكاديمي العميق في ست لغات أوروبية على الأقل، وفي تاريخ العالم القديم والحديث، وتاريخ الديانات والأفكار والفلسفات والحضارات.. وهو يقف إلى جانب أوغست كونت وكارل ماركس وماكس فيبر وألكسيس دوتوكفيل كعملاق سوسيولوجي من حيث كمية ونوعية كتاباته، والميادين الكثيرة التي عالجها، ومن حيث النظريات التي بلورها وصاغها..لا بل أنه يتفوق عليهم جميعاً.. وهو أضاف إلى التحليلات الإجتماعية تلك اللمسات التاريخية والإنسانية حول الحضارات وحول الموقع الرئيس للقيم الثقافية في النسق الإجتماعي الكلي..
إلا أنه كان فوق ذلك وقبل ذلك أحد كبار الثوريين الإشتراكيين الذين شاركوا في ثورة الشعب الروسي ضد القيصرية..ودفعوا ثمن مبدئيتهم وإستقامتهم سجناً وعذاباً وتشريداً ونفياً..
فهل يعقل أن لا نعرف نحن العرب شيئاً عن بيتيريم سوروكين، أو أن لا نعيره أدنى إهتمام في معاهد وكليات العلوم الإجتماعية عندنا ؟
نعم كان ذلك ممكناً طوال العقود الماضية (للأسف)! وأنا أقول ذلك عن خبرة ومعرفة وبعد دراسة فاحصة لبرامج ومقررات العلوم الإجتماعية ولمجلات ومؤسسات الدراسات السوسيولوجية في البلدان العربية وفي لبنان خصوصاً..لا بل أن موقع ويكيبيديا الكبير يخصص خمسة أسطر لا أكثر لبيتيريم سوروكين!!..هذا في حين لا تذكره مراجع وكتب علم الإجتماع الفرنسية والألمانية والبريطانية..يكفي أن نقرأ الكتاب الضخم لعالم الإجتماع البريطاني أنتوني غيدنز وعنوانه "علم الإجتماع" (وقد صدر في عشر طبعات حتى اليوم؛ وصدرت ترجمته العربية في 3 طبعات حتى اليوم) لنكتشف خلوه من مجرد ذكر إسم سوروكين؟؟؟ فهل يعقل هذا ؟
Sociology by Anthony Giddens (5th Edition, Polity press, UK, 2006).
نعم يعقل!! ولعل السبب هو أن سوروكين كان روسياً، مؤمناً متديناً، ومناضلاً ديموقراطياً، شارك في ثورة شباط المجيدة، وشارك في حكومتها إلى جانب كيرينسكي، قبل أن ينقلب عليهم البلاشفة .. تاريخه "الهرطوقي" إذن ، وموقعه "الثوري الفلاحي"، و"الإشتراكي الديموقراطي"، أسقطاه في نظر التيار الماركسي-اللينيني الذي هيمن لعقود على مجال العلوم الإجتماعية في جامعاتنا وعلى التفكير اليساري أيضاً... فهو خائن مرتد عمل مع كيرينسكي "البورجوازي"، ثم وقف ضد الثورة البلشفية، وسُجن وأُضطهد قبل أن يهرب إلى أميركا !! ولكن مصيره في الجانب الآخر لم يكن أفضل حالاً.. فلم يحظ سوروكين في حياته في جامعات أميركا (وفي الغرب الأوروبي) بالتقدير الذي يتناسب مع عبقريته وعظمته.. ولكن سوروكين برغم ذلك هو عالم إجتماع كبير ومبدع: فهو من نقل المدرسة السلوكية والأمبيريقية إلى علم الإجتماع الأميركي.. وهو نفسه من قاد عملية النقد السوسيولوجي الحاد والذكي للمجتمع الأميركي ولعلم إجتماعه ومدارسه، ولثقافته وتحولاتها في القرن العشرين..وهو من كان له المشاركة الكبيرة في نهضة العلوم الإجتماعية في الإتحاد السوفياتي ، بعد سنوات الدمار التي إستمرت من العام 1922 وحتى مطلع الستينيات...
ولكن ما يدعونا اليوم إلى إستذكار سوروكين أنه صاحب نظرية حوار وتفاعل وإنفتاح الثقافات والحضارات لا صدامها أو هيمنة واحدة عليها..فهو كان واحداً من القلائل جداً من علماء الإجتماع الذين عاشوا وكتبوا في النصف الأول من القرن العشرين وكان عندهم في تلك الايام رؤية تحليلية عميقة تشبه النبوءة حول كل التحولات التي شهدتها أميركا في الثلث الأخير من ذلك القرن، بحيث أن أفكاره ونظرياته التي صاغها وطرحها مطلع القرن وجدت مصاديقها في أواخره.. وها نحن اليوم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نستعيدها ونستعيد معها عظمة ذلك المفكر والفيلسوف والسوسيولوجي والإنساني المبدع.
فمؤسس ورئيس قسم علم الإجتماع في جامعة هارفارد الأميركية، وصاحب الثلاثين مؤلفاً (بعضها من عدة مجلدات في مئات الصفحات)، كان أيضاً صاحب معرفة موسوعية وذكاء خلاق، إلى جانب تمرسه الأكاديمي العميق في ست لغات أوروبية على الأقل، وفي تاريخ العالم القديم والحديث، وتاريخ الديانات والأفكار والفلسفات والحضارات.. وهو يقف إلى جانب أوغست كونت وكارل ماركس وماكس فيبر وألكسيس دوتوكفيل كعملاق سوسيولوجي من حيث كمية ونوعية كتاباته، والميادين الكثيرة التي عالجها، ومن حيث النظريات التي بلورها وصاغها..لا بل أنه يتفوق عليهم جميعاً.. وهو أضاف إلى التحليلات الإجتماعية تلك اللمسات التاريخية والإنسانية حول الحضارات وحول الموقع الرئيس للقيم الثقافية في النسق الإجتماعي الكلي..
إلا أنه كان فوق ذلك وقبل ذلك أحد كبار الثوريين الإشتراكيين الذين شاركوا في ثورة الشعب الروسي ضد القيصرية..ودفعوا ثمن مبدئيتهم وإستقامتهم سجناً وعذاباً وتشريداً ونفياً..
فهل يعقل أن لا نعرف نحن العرب شيئاً عن بيتيريم سوروكين، أو أن لا نعيره أدنى إهتمام في معاهد وكليات العلوم الإجتماعية عندنا ؟
نعم كان ذلك ممكناً طوال العقود الماضية (للأسف)! وأنا أقول ذلك عن خبرة ومعرفة وبعد دراسة فاحصة لبرامج ومقررات العلوم الإجتماعية ولمجلات ومؤسسات الدراسات السوسيولوجية في البلدان العربية وفي لبنان خصوصاً..لا بل أن موقع ويكيبيديا الكبير يخصص خمسة أسطر لا أكثر لبيتيريم سوروكين!!..هذا في حين لا تذكره مراجع وكتب علم الإجتماع الفرنسية والألمانية والبريطانية..يكفي أن نقرأ الكتاب الضخم لعالم الإجتماع البريطاني أنتوني غيدنز وعنوانه "علم الإجتماع" (وقد صدر في عشر طبعات حتى اليوم؛ وصدرت ترجمته العربية في 3 طبعات حتى اليوم) لنكتشف خلوه من مجرد ذكر إسم سوروكين؟؟؟ فهل يعقل هذا ؟
Sociology by Anthony Giddens (5th Edition, Polity press, UK, 2006).
نعم يعقل!! ولعل السبب هو أن سوروكين كان روسياً، مؤمناً متديناً، ومناضلاً ديموقراطياً، شارك في ثورة شباط المجيدة، وشارك في حكومتها إلى جانب كيرينسكي، قبل أن ينقلب عليهم البلاشفة .. تاريخه "الهرطوقي" إذن ، وموقعه "الثوري الفلاحي"، و"الإشتراكي الديموقراطي"، أسقطاه في نظر التيار الماركسي-اللينيني الذي هيمن لعقود على مجال العلوم الإجتماعية في جامعاتنا وعلى التفكير اليساري أيضاً... فهو خائن مرتد عمل مع كيرينسكي "البورجوازي"، ثم وقف ضد الثورة البلشفية، وسُجن وأُضطهد قبل أن يهرب إلى أميركا !! ولكن مصيره في الجانب الآخر لم يكن أفضل حالاً.. فلم يحظ سوروكين في حياته في جامعات أميركا (وفي الغرب الأوروبي) بالتقدير الذي يتناسب مع عبقريته وعظمته.. ولكن سوروكين برغم ذلك هو عالم إجتماع كبير ومبدع: فهو من نقل المدرسة السلوكية والأمبيريقية إلى علم الإجتماع الأميركي.. وهو نفسه من قاد عملية النقد السوسيولوجي الحاد والذكي للمجتمع الأميركي ولعلم إجتماعه ومدارسه، ولثقافته وتحولاتها في القرن العشرين..وهو من كان له المشاركة الكبيرة في نهضة العلوم الإجتماعية في الإتحاد السوفياتي ، بعد سنوات الدمار التي إستمرت من العام 1922 وحتى مطلع الستينيات...
ولكن ما يدعونا اليوم إلى إستذكار سوروكين أنه صاحب نظرية حوار وتفاعل وإنفتاح الثقافات والحضارات لا صدامها أو هيمنة واحدة عليها..فهو كان واحداً من القلائل جداً من علماء الإجتماع الذين عاشوا وكتبوا في النصف الأول من القرن العشرين وكان عندهم في تلك الايام رؤية تحليلية عميقة تشبه النبوءة حول كل التحولات التي شهدتها أميركا في الثلث الأخير من ذلك القرن، بحيث أن أفكاره ونظرياته التي صاغها وطرحها مطلع القرن وجدت مصاديقها في أواخره.. وها نحن اليوم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نستعيدها ونستعيد معها عظمة ذلك المفكر والفيلسوف والسوسيولوجي والإنساني المبدع.
الجماعة الإسلامية المصرية تستعد لإطلاق حزب
الجماعة الإسلامية المصرية تستعد لإطلاق حزب وتقبل برئاسة قبطي للجمهورية
أكد الشيخ الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية بمصر أن من حق الأقباط الترشح للرئاسة، قائلاً إنهم "شركاء في الوطن والفيصل بيننا وبينهم هو القانون والدستور، ونؤمن بمبدأ المواطنة".
في الوقت نفسه، برأ الشيخ ناجح الرئيس السابق حسني مبارك من اغتيال سلفه الرئيس الراحل أنور السادات، نافياً بذلك بلاغاً تقدمت به ابنته رقية السادات إلى النيابة العامة مؤخراً مستندة على أقوال للوزير السابق حسب الله الكفراوي.
يذكر أن ناجح إبراهيم هو أحد أبرز القيادات التاريخية لتلك الجماعة التي كانت وراء اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكان ضمن الذين وضعوا مراجعاتها أثناء وجوده في السجن.
وأضاف ناجح في حوار مع قناة "الحياة" المصرية أن مبارك كان رجلاً عادياً في وقت اغتيال السادات، ولم يفكر أن يصبح رئيساً، ولكن الأمور جاءت قدراً". ووصف الاتهامات بأنها "تهريج تاريخي وشو إعلامي".
واستطرد بأن الجماعة الإسلامية أبدت ندمها بعد أن قامت بالاغتيال بخمس سنوات، "فكل المفاسد جاءت من اغتياله، حيث ضاعت الدولة والحريات وعاد قانون الطوارئ وصبت كل الإيجابيات لصالح اليساريين، في الوقت الذي أوقف السادات التعذيب وألغى قانون الطوارئ، ونحن كشباب لم ندرك قيمة السادات إلا بعد موته".
وقال ناجح إبراهيم إن الجماعة تستعد حالياً لتشكيل حزب إسلامي، وأنه سيكون عملاً سياسياً بعيداً عن العمل العقائدي والدعوي، مؤكداً أن الجماعة لن تستخدم العنف أو القتال بعد اليوم، وكانت سباقة في حل الجناح العسكري دون إراقة قطرة دم واحدة".
من جهة أخرى، تدرس الكنيسة الأرثوذكسية برئاسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية طلب الدكتور محمد بديع مرشد جماعة الإخوان المسلمين، زيارة المقر البابوي، لعقد حوار مع الشباب المسيحي لتبديد أي مخاوف من وصول الجماعة إلى الحكم في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.
أكد الشيخ الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية بمصر أن من حق الأقباط الترشح للرئاسة، قائلاً إنهم "شركاء في الوطن والفيصل بيننا وبينهم هو القانون والدستور، ونؤمن بمبدأ المواطنة".
في الوقت نفسه، برأ الشيخ ناجح الرئيس السابق حسني مبارك من اغتيال سلفه الرئيس الراحل أنور السادات، نافياً بذلك بلاغاً تقدمت به ابنته رقية السادات إلى النيابة العامة مؤخراً مستندة على أقوال للوزير السابق حسب الله الكفراوي.
يذكر أن ناجح إبراهيم هو أحد أبرز القيادات التاريخية لتلك الجماعة التي كانت وراء اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكان ضمن الذين وضعوا مراجعاتها أثناء وجوده في السجن.
وأضاف ناجح في حوار مع قناة "الحياة" المصرية أن مبارك كان رجلاً عادياً في وقت اغتيال السادات، ولم يفكر أن يصبح رئيساً، ولكن الأمور جاءت قدراً". ووصف الاتهامات بأنها "تهريج تاريخي وشو إعلامي".
واستطرد بأن الجماعة الإسلامية أبدت ندمها بعد أن قامت بالاغتيال بخمس سنوات، "فكل المفاسد جاءت من اغتياله، حيث ضاعت الدولة والحريات وعاد قانون الطوارئ وصبت كل الإيجابيات لصالح اليساريين، في الوقت الذي أوقف السادات التعذيب وألغى قانون الطوارئ، ونحن كشباب لم ندرك قيمة السادات إلا بعد موته".
وقال ناجح إبراهيم إن الجماعة تستعد حالياً لتشكيل حزب إسلامي، وأنه سيكون عملاً سياسياً بعيداً عن العمل العقائدي والدعوي، مؤكداً أن الجماعة لن تستخدم العنف أو القتال بعد اليوم، وكانت سباقة في حل الجناح العسكري دون إراقة قطرة دم واحدة".
من جهة أخرى، تدرس الكنيسة الأرثوذكسية برئاسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية طلب الدكتور محمد بديع مرشد جماعة الإخوان المسلمين، زيارة المقر البابوي، لعقد حوار مع الشباب المسيحي لتبديد أي مخاوف من وصول الجماعة إلى الحكم في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.
رسالة جميلة الى نوري المالكي
ضياء الشكرجي
كتبت هذه الأسطر صباح اليوم، وبعد عودتي من ساحة التحرير وجدت أنها لم تنشر بعد، لذا أراجع بعض ما كتبت، وأضيف ما أجعل الإضافات بين قوسين قامين [...]. قلت صباح هذا اليوم: إني ذاهب يا أبا إسراء إلى ساحة التحرير مشيا على القدمين، إذا كنت حقا قد منعت اليوم السيارات ووسائل النقل الأخرى. [لم اكن متأكدا من الخبر] سأذهب، لكن يا أبا إسراء أنا لست بعثيا. سأذهب، ولكني لست من أعداء العملية السياسية. سأذهب، ولكني لن أنادي بإسقاط النظام، بل بإصلاحه، حتى لو كان إصلاحه يكون بالتمهيد لاستبدالك وطاقمك بمن هم خير. لكننا لن نطالب اليوم بإسقاط أحد، ولا باستبدال أحد. الذي سنرفع صوتنا به هو مجموعة مطالب مشروعة، أعيد سردها، ولو باختصار هذه المرة:
1. تقليص مجلس الوزراء إلى ما لا يزيد على 20 وزارة.
2. اعتماد نائب واحد فقط لكل من الرئاستين.
3. تخفيض رواتبكم بنسبة 70%.
4. إناطة الوزارات التي تحتاج إلى اختصاص، إلى تكنوقراط معروفين بخبرتهم ونزاهتهم.
5. وضع حد للمحسوبية الحزبية، والطائفية، والقومية، والعشائرية، والمناطقية، والأسرية.
6. تقديم وجبة أولى من كبار الفاسدين إلى القضاء العادل
7. تعديل قانون الانتخابات.
8. تشريع قانون للأحزاب.
9. الكف كليا عن كل الممارسات التي تحد من الحريات.
10. التعجيل الجاد في وضع خطط استراتيجية حقيقية لمعالجة الخدمات.
11. عرض البرنامج الحكومي على الشعب مع تحديد توقيتات واضحة للإنجاز.
12. حل مشكلة البطاقة التموينية.
أخبرني بالله عليك يا أبا إسراء، أخبروني يا حيدر العبادي وكمال الساعدي وبقية (الدعاة) الأشاوس: هل هذه بالله عليكم مطالب بعثية؟ هل هي فعلا غير مشروعة؟ لماذا كل هذا الخوف؟ لماذا أنتم مرعوبون، ولماذا أنت بالذات يا رئيس وزرائنا مرعوب إلى هذا الحد؟ لماذا هذا النداء المتشنج بالدعوة إلى عدم المشاركة في هذه التظاهرات بتهمة أنها (مريبة)؟ هل سمعت بالله عليك يوما رئيس سلطة تنفيذية في دولة ديمقراطية يطلب من الناس عدم التظاهر؟ لماذا منع الحافلات هذا اليوم؟ نحن المتظاهرين اليوم أحرص من غيرنا على الحيلولة دون عودة البعث الصدامي وغير الصدامي، ولكننا لا نرضى أن يقود سفينة العراق قادة لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا يؤمنون بالحرية، ولا يلتزمون بمبدأ النزاهة، ولا يتحسسون معاناة الإنسان العراقي. وصلت إلى هذه العبارة، وجاءني نداء هاتفي من الأصدقاء من وسط التيار الديمقراطي، علمت منهم إنهم أو إن معظمهم لن يذهب لانقطاع السبل للوصول. [تغير الموقف بعد ذلك إلى حد ما والحمد لله] حققت انتصارك يا أبا إسراء. [ظنا مني أنه حال دون التظاهر إلى حد كبير] لكنه انتصار موقت. فإرادة الشعب، إرادة الوطنيين، إرادة المؤمنين بالديمقراطية، ستنتصر في آخر المطاف، هذا وعد علينا غير مكذوب. صدقني، يا أبا إسراء، إنك وقّعت اليوم بنفسك على الحكم بسقوطك، حتى لو حكمت مدة ما حكم زين العابدين بن علي، بل حسني مبارك، بل القذافي، دون أن أشبهك بأي منهم أعاذك الله. حكمت بسقوطك، لأنك سقطت في أعين ونفوس وقلوب كل الذين كانوا يختلفون معك، لكنهم كانوا يكنّون ثمة احترام لك. وعلى ذكر الاحترام، أمس قلت لوفد زارك إنك لا تحترم من يشارك في تظاهرة 25/2. ونحن بناءً على ذلك لا نحترمك. لأننا أحرار، ولأننا نملك نفوسا أبية، وإحساسا عميقا بالكرامة يصل إلى درجة الغرور، بل والتكبر تجاه من يتكبر علينا، لأن تكبر المتواضع على المتكبر هو أرقى أنواع العبادة، ولأننا بناءً على ذلك لا نستطيع أن نحترم من لا يحترمنا. أما قبل ذلك فكنا نختلف معك ولكننا نحترمك إلى حد ما. لن تنطلي اللعة علينا إذا أخرجتم أشخاصا يحملون صور الطاغية المقبور صدام، لتمرروا دعوى أن التظاهرة بعثية. [لم يحصل ذلك، مما كان بعضنا يتوقعه، وربما لأنهم عرفوا أنهم سيفتضح أمرهم إذا فعلوه] وأخيرا، وليس تحريفا للقرآن والمعاذ بالله، بل استعارة من وحي الآيات 8 إلى 16 من سورة البقرة، أختم بهذه العبارات صرخة غضبي هذه: ومن الإسلاميين من يقول آمنا بالديمقراطية والحريات، وما هم بمؤمنين بها، يخادعون الشعب والذين آمنوا بالديمقراطية، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، يعانون من مرض فزادهم طغيانهم مرضا، ولهم غضب الشعب غدا بما كانوا يكذبون ويسرقون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الوطن، قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم آمنوا بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والحريات كما آمن الديمقراطيون، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، ألا إنهم هم كما يصفون ولكن لا يعلمون، وإذا لقوا الذين آمنوا بالديمقراطية قالوا آمنا بها، وإذا خلوا إلى أقرانهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون، الشعب والتاريخ سيستهزئان بهم إذا ما تمادوا في طغيانهم يعمهون، ألائك الذين اشتروا المناصب والسلطة والثروة بالوطنية، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. هذا ما كنت كتبته قبل خروجي إلى ساحة التحرير، لكن بعد التواصل مع بعض الأصدقاء العلمانيين، قررت الخروج، ولحسن حظي فإن سكني ليس ببعيد كل البعد، فقطعت المسافة بأقل من الساعة والنصف الساعة بقليل. لم أجد (حزب البعث العربي الاشتراكي) لا الصدامي ولا البشاري، بل وجدت شبابا، وجدت عراقيين من الجنسين ومن مختلف الطبقات والشرائح والثقافات والأعمار والأديان والمذاهب. صحيح صدرت بعض الهتافات التي تنادي بإسقاط النظام، لكن التوجه العام كان باتجاه المطالبة بـ: 1) إصلاح النظام، 2) اجتثاث الفساد، 3) توفير الخدمات، وغيرها من المطالب المشروعة. وجدنا الشباب الريفي البغدادي بهوسات الريف، ووجدنا الشباب المدني بهتافات مدنية حديثة، ووجدنا الكثير من أصدقائنا السياسيين العلمانيين والمثقفين والفنانين والإعلاميين، ووجدنا طلبة الجامعة، ووجدنا شباب الفيسبوك. التظاهرة كانت صحيح ليست بالحجم الذي كنا نتأمله، والسبب واضح، وذلك بفرض منع تنقل الحافلات، ومع هذا قدم أشخاص، ومنهم من تجاوز عمر الشباب قد قطعوا أربع ساعات مشيا ليصلوا إلى التظاهرة، ووجدت أحدهم مقطوع إحدى ساقيه وعلى عكازة وقد تجاوز متوسط العمر، فكانت التظاهرة بالآلاف، وإلا ولولا هذه الإجراءات، وتخويف الناس بكون التظاهرة مستهدفة من قبل القاعدة وغير القاعدة، لكانت التظاهرة بعشرات الآلاف، بل لا أستبعد أنها كانت قد وصلت إلى مئات الآلاف، إلم نقل مليونية. أقول إذا كان المالكي قد ربح هذا الشوط، فالشوط الأخير سيكون للجماهير.
كتبت هذه الأسطر صباح اليوم، وبعد عودتي من ساحة التحرير وجدت أنها لم تنشر بعد، لذا أراجع بعض ما كتبت، وأضيف ما أجعل الإضافات بين قوسين قامين [...]. قلت صباح هذا اليوم: إني ذاهب يا أبا إسراء إلى ساحة التحرير مشيا على القدمين، إذا كنت حقا قد منعت اليوم السيارات ووسائل النقل الأخرى. [لم اكن متأكدا من الخبر] سأذهب، لكن يا أبا إسراء أنا لست بعثيا. سأذهب، ولكني لست من أعداء العملية السياسية. سأذهب، ولكني لن أنادي بإسقاط النظام، بل بإصلاحه، حتى لو كان إصلاحه يكون بالتمهيد لاستبدالك وطاقمك بمن هم خير. لكننا لن نطالب اليوم بإسقاط أحد، ولا باستبدال أحد. الذي سنرفع صوتنا به هو مجموعة مطالب مشروعة، أعيد سردها، ولو باختصار هذه المرة:
1. تقليص مجلس الوزراء إلى ما لا يزيد على 20 وزارة.
2. اعتماد نائب واحد فقط لكل من الرئاستين.
3. تخفيض رواتبكم بنسبة 70%.
4. إناطة الوزارات التي تحتاج إلى اختصاص، إلى تكنوقراط معروفين بخبرتهم ونزاهتهم.
5. وضع حد للمحسوبية الحزبية، والطائفية، والقومية، والعشائرية، والمناطقية، والأسرية.
6. تقديم وجبة أولى من كبار الفاسدين إلى القضاء العادل
7. تعديل قانون الانتخابات.
8. تشريع قانون للأحزاب.
9. الكف كليا عن كل الممارسات التي تحد من الحريات.
10. التعجيل الجاد في وضع خطط استراتيجية حقيقية لمعالجة الخدمات.
11. عرض البرنامج الحكومي على الشعب مع تحديد توقيتات واضحة للإنجاز.
12. حل مشكلة البطاقة التموينية.
أخبرني بالله عليك يا أبا إسراء، أخبروني يا حيدر العبادي وكمال الساعدي وبقية (الدعاة) الأشاوس: هل هذه بالله عليكم مطالب بعثية؟ هل هي فعلا غير مشروعة؟ لماذا كل هذا الخوف؟ لماذا أنتم مرعوبون، ولماذا أنت بالذات يا رئيس وزرائنا مرعوب إلى هذا الحد؟ لماذا هذا النداء المتشنج بالدعوة إلى عدم المشاركة في هذه التظاهرات بتهمة أنها (مريبة)؟ هل سمعت بالله عليك يوما رئيس سلطة تنفيذية في دولة ديمقراطية يطلب من الناس عدم التظاهر؟ لماذا منع الحافلات هذا اليوم؟ نحن المتظاهرين اليوم أحرص من غيرنا على الحيلولة دون عودة البعث الصدامي وغير الصدامي، ولكننا لا نرضى أن يقود سفينة العراق قادة لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا يؤمنون بالحرية، ولا يلتزمون بمبدأ النزاهة، ولا يتحسسون معاناة الإنسان العراقي. وصلت إلى هذه العبارة، وجاءني نداء هاتفي من الأصدقاء من وسط التيار الديمقراطي، علمت منهم إنهم أو إن معظمهم لن يذهب لانقطاع السبل للوصول. [تغير الموقف بعد ذلك إلى حد ما والحمد لله] حققت انتصارك يا أبا إسراء. [ظنا مني أنه حال دون التظاهر إلى حد كبير] لكنه انتصار موقت. فإرادة الشعب، إرادة الوطنيين، إرادة المؤمنين بالديمقراطية، ستنتصر في آخر المطاف، هذا وعد علينا غير مكذوب. صدقني، يا أبا إسراء، إنك وقّعت اليوم بنفسك على الحكم بسقوطك، حتى لو حكمت مدة ما حكم زين العابدين بن علي، بل حسني مبارك، بل القذافي، دون أن أشبهك بأي منهم أعاذك الله. حكمت بسقوطك، لأنك سقطت في أعين ونفوس وقلوب كل الذين كانوا يختلفون معك، لكنهم كانوا يكنّون ثمة احترام لك. وعلى ذكر الاحترام، أمس قلت لوفد زارك إنك لا تحترم من يشارك في تظاهرة 25/2. ونحن بناءً على ذلك لا نحترمك. لأننا أحرار، ولأننا نملك نفوسا أبية، وإحساسا عميقا بالكرامة يصل إلى درجة الغرور، بل والتكبر تجاه من يتكبر علينا، لأن تكبر المتواضع على المتكبر هو أرقى أنواع العبادة، ولأننا بناءً على ذلك لا نستطيع أن نحترم من لا يحترمنا. أما قبل ذلك فكنا نختلف معك ولكننا نحترمك إلى حد ما. لن تنطلي اللعة علينا إذا أخرجتم أشخاصا يحملون صور الطاغية المقبور صدام، لتمرروا دعوى أن التظاهرة بعثية. [لم يحصل ذلك، مما كان بعضنا يتوقعه، وربما لأنهم عرفوا أنهم سيفتضح أمرهم إذا فعلوه] وأخيرا، وليس تحريفا للقرآن والمعاذ بالله، بل استعارة من وحي الآيات 8 إلى 16 من سورة البقرة، أختم بهذه العبارات صرخة غضبي هذه: ومن الإسلاميين من يقول آمنا بالديمقراطية والحريات، وما هم بمؤمنين بها، يخادعون الشعب والذين آمنوا بالديمقراطية، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، يعانون من مرض فزادهم طغيانهم مرضا، ولهم غضب الشعب غدا بما كانوا يكذبون ويسرقون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الوطن، قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم آمنوا بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والحريات كما آمن الديمقراطيون، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، ألا إنهم هم كما يصفون ولكن لا يعلمون، وإذا لقوا الذين آمنوا بالديمقراطية قالوا آمنا بها، وإذا خلوا إلى أقرانهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون، الشعب والتاريخ سيستهزئان بهم إذا ما تمادوا في طغيانهم يعمهون، ألائك الذين اشتروا المناصب والسلطة والثروة بالوطنية، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. هذا ما كنت كتبته قبل خروجي إلى ساحة التحرير، لكن بعد التواصل مع بعض الأصدقاء العلمانيين، قررت الخروج، ولحسن حظي فإن سكني ليس ببعيد كل البعد، فقطعت المسافة بأقل من الساعة والنصف الساعة بقليل. لم أجد (حزب البعث العربي الاشتراكي) لا الصدامي ولا البشاري، بل وجدت شبابا، وجدت عراقيين من الجنسين ومن مختلف الطبقات والشرائح والثقافات والأعمار والأديان والمذاهب. صحيح صدرت بعض الهتافات التي تنادي بإسقاط النظام، لكن التوجه العام كان باتجاه المطالبة بـ: 1) إصلاح النظام، 2) اجتثاث الفساد، 3) توفير الخدمات، وغيرها من المطالب المشروعة. وجدنا الشباب الريفي البغدادي بهوسات الريف، ووجدنا الشباب المدني بهتافات مدنية حديثة، ووجدنا الكثير من أصدقائنا السياسيين العلمانيين والمثقفين والفنانين والإعلاميين، ووجدنا طلبة الجامعة، ووجدنا شباب الفيسبوك. التظاهرة كانت صحيح ليست بالحجم الذي كنا نتأمله، والسبب واضح، وذلك بفرض منع تنقل الحافلات، ومع هذا قدم أشخاص، ومنهم من تجاوز عمر الشباب قد قطعوا أربع ساعات مشيا ليصلوا إلى التظاهرة، ووجدت أحدهم مقطوع إحدى ساقيه وعلى عكازة وقد تجاوز متوسط العمر، فكانت التظاهرة بالآلاف، وإلا ولولا هذه الإجراءات، وتخويف الناس بكون التظاهرة مستهدفة من قبل القاعدة وغير القاعدة، لكانت التظاهرة بعشرات الآلاف، بل لا أستبعد أنها كانت قد وصلت إلى مئات الآلاف، إلم نقل مليونية. أقول إذا كان المالكي قد ربح هذا الشوط، فالشوط الأخير سيكون للجماهير.
الأحد، 20 مارس 2011
في الهوية الشيعية
مقتطفات من دراسة للدكتور جابر حبيب جابر
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، نائب في البرلمان
المشكلة الشيعية الراهنة تكمن أولاً في أن ولاية الفقيه ليست جواباً شيعياً يقبله جميع الشيعة وبالتالي فإن أصل الإشكال الأساسي المتمثل بغياب جواب شيعي لسؤال السلطة بعد الغيبة مازال قائماً لدى جزء كبير من الشيعة لا سيما في العراق. ثم أن ممكنات ولاية الفقيه ليست متاحة في العراق ولبنان والبحرين كما هي في إيران وبالتالي على الهوية السياسية الشيعية أن تعرِّف نفسها بمخارج أخرى. ثانياً إذا كانت كل الهويات الإجتماعية متغيرة وقابلة للصعود والهبوط فإن الهوية الطائفية – الدينية هي أكثر عرضة لهذا التقلب والتغير لأنها لا تقوم على عناصر إثنية أو عرقية محسومة وبالتالي فإن الهوية الشيعية مازالت تتداخل مع عناصر هوية أخرى مثل الإنتماء القومي أو الإثني أو حتى القبلي، مما يصبح لزاماً معه علاقة هذه الهويات ببعضها.. واذا ما كانت تراتبية التعريف تقضي بثانوية الهوية الطائفية مقابل الهوية الوطنية تغدو الشيعية السياسية مجرد أيديولوجية بما يعنيه ذلك من قابلية الإندثار مع تقادم الزمن أو تغير علاقات السلطة وبما يعنيه أيضاً من إمكانية توظيفها لخدمة مشروع السلطة أيضاً. مع ذلك فإن وجود وجدان شيعي يتعالى على الفروق القومية والإثنية يشي بوجود هوية شيعية حية.. أزمة هذه الهوية تكمن في حل معضلة العلاقة مع الوطن الذي لا يتطابق بالضرورة معها.. وهل يكمن الجواب في إيجاد وطن ينسجم معها عبر ما يعنيه من الإنفصال عن الآخر الذي لا تحتويه الهوية أو بتعريف الشيعية تعريفاً غير سياسي يعيدها إلى الدائرة المذهبية والتوقف عن إستنطاق تلك الدائرة حول سؤال السلطة بقبول مصدر شرعية بديل هو الدولة الديمقراطية التعددية كما في الحالتين العراقية واللبنانية... إننا هنا بصدد تحد كبير يرتبط به مصير أوطان بقدر ما يرتبط به مصير الهوية الشيعية نفسها.
لقد كان صعود الشيعية السياسية مجدداً مرتبط بسياق تاريخي لا يصح أبداً قراءته بطريقة لا تاريخية.. إنه مرتبط بأزمة مشروع الحداثة وإنغلاق المشروع القمومي وتهميش الغالبيات والأقليات الشيعية وحتمية سؤال الهوية.. لكنه ليس القاعدة وليس الجواب النهائي.. إنه كأي طرح أيديولوجي يولد وينمو ويخبو وقد يموت.. والخطر الذي أعتقد وجوده هو في النظر إلى الصعود خارج سياقه التاريخي وبالتالي الإرتماء في حضن الإغراء الأيديولوجي لتبسيط الواقع وفك العلاقة مع الإطار الزماني والمكاني معبراً عنه في فكر الثورة الدائمة. من هنا لابد من موضعة التشيع السياسي في أطره الوطنية والنظر إليه إرتباطاً بخصوصية كل بلد دون أن يعني ذلك تفكيك الوجدان الشيعي أو إلغاؤه. إن ما يشكل خطراً على الهوية الشيعية هو محاولة البعض إعطاءهاً طابعاً رسالياً وبالتالي رهنها بصراع دائم سيستنزف تدريجاً قدرة أبنائها ويرهن مصائرهم بتحولات ذلك الصراع في الوقت الذي يعمد الآخر بكل ما لديه من موارد هائلة وشبكة تحالفات إقليمية ودولية وأدوات صناعة الرأي العام والتعبئة والتحشيد إلى مواجهة شاملة ومكلفة يتم عبرها إحياء نمط الطائفية السنية التي تستمد وجودها وزخمها من شيطنة الشيعة ومن أسطورة المؤامرة الشيعية.
ليس في هذا الكلام دعوة لتحييد مطلق للبعد السياسي في الهوية الشيعية بل لعقلنته كي يكون قادراً على تمثيل مصالح من يتم تهميشهم وطنياً أو إقليماً لأنهم شيعة دون أن يهدد مصالح الآخرين الذين سيظلون ينظرون الى الشيعية السياسية بتوجس ويوظفون صعودها لإسباغ مصادر شرعية على علاقات السلطة والهيمنة القائمة لا سيما في النظام الرسمي العربي وبتوظيف الأصولية السنية بإسم مواجهة المرتدين الشيعة والأصولية القومية بإسم مواجهة المد الفارسي.
لذلك مثلما يصعب للهوية الوطنية العراقية أن تحيد الحسين أو تتجاهله ومثلما أن رمزية الحسين ستظل قادرة على الفعل في الوجدان العراقي وضاغطة على أي تكوين حقيقي للهوية الإجتماعية العراقية فإن المبالغة في تشييع السياسة وعدم مساومة الآخر الشريك في الوطن والممتلك لرموزه الخاصة وقراءته المختلفة للتاريخ ستؤدي إلى إستقطاب طائفي دائم ليس الشيعة في وضع يؤهلهم لتحمل أكلافه السياسية والمادية والإنسانية وثقله المؤذي لهويتهم كما يراها الآخر.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، نائب في البرلمان
المشكلة الشيعية الراهنة تكمن أولاً في أن ولاية الفقيه ليست جواباً شيعياً يقبله جميع الشيعة وبالتالي فإن أصل الإشكال الأساسي المتمثل بغياب جواب شيعي لسؤال السلطة بعد الغيبة مازال قائماً لدى جزء كبير من الشيعة لا سيما في العراق. ثم أن ممكنات ولاية الفقيه ليست متاحة في العراق ولبنان والبحرين كما هي في إيران وبالتالي على الهوية السياسية الشيعية أن تعرِّف نفسها بمخارج أخرى. ثانياً إذا كانت كل الهويات الإجتماعية متغيرة وقابلة للصعود والهبوط فإن الهوية الطائفية – الدينية هي أكثر عرضة لهذا التقلب والتغير لأنها لا تقوم على عناصر إثنية أو عرقية محسومة وبالتالي فإن الهوية الشيعية مازالت تتداخل مع عناصر هوية أخرى مثل الإنتماء القومي أو الإثني أو حتى القبلي، مما يصبح لزاماً معه علاقة هذه الهويات ببعضها.. واذا ما كانت تراتبية التعريف تقضي بثانوية الهوية الطائفية مقابل الهوية الوطنية تغدو الشيعية السياسية مجرد أيديولوجية بما يعنيه ذلك من قابلية الإندثار مع تقادم الزمن أو تغير علاقات السلطة وبما يعنيه أيضاً من إمكانية توظيفها لخدمة مشروع السلطة أيضاً. مع ذلك فإن وجود وجدان شيعي يتعالى على الفروق القومية والإثنية يشي بوجود هوية شيعية حية.. أزمة هذه الهوية تكمن في حل معضلة العلاقة مع الوطن الذي لا يتطابق بالضرورة معها.. وهل يكمن الجواب في إيجاد وطن ينسجم معها عبر ما يعنيه من الإنفصال عن الآخر الذي لا تحتويه الهوية أو بتعريف الشيعية تعريفاً غير سياسي يعيدها إلى الدائرة المذهبية والتوقف عن إستنطاق تلك الدائرة حول سؤال السلطة بقبول مصدر شرعية بديل هو الدولة الديمقراطية التعددية كما في الحالتين العراقية واللبنانية... إننا هنا بصدد تحد كبير يرتبط به مصير أوطان بقدر ما يرتبط به مصير الهوية الشيعية نفسها.
لقد كان صعود الشيعية السياسية مجدداً مرتبط بسياق تاريخي لا يصح أبداً قراءته بطريقة لا تاريخية.. إنه مرتبط بأزمة مشروع الحداثة وإنغلاق المشروع القمومي وتهميش الغالبيات والأقليات الشيعية وحتمية سؤال الهوية.. لكنه ليس القاعدة وليس الجواب النهائي.. إنه كأي طرح أيديولوجي يولد وينمو ويخبو وقد يموت.. والخطر الذي أعتقد وجوده هو في النظر إلى الصعود خارج سياقه التاريخي وبالتالي الإرتماء في حضن الإغراء الأيديولوجي لتبسيط الواقع وفك العلاقة مع الإطار الزماني والمكاني معبراً عنه في فكر الثورة الدائمة. من هنا لابد من موضعة التشيع السياسي في أطره الوطنية والنظر إليه إرتباطاً بخصوصية كل بلد دون أن يعني ذلك تفكيك الوجدان الشيعي أو إلغاؤه. إن ما يشكل خطراً على الهوية الشيعية هو محاولة البعض إعطاءهاً طابعاً رسالياً وبالتالي رهنها بصراع دائم سيستنزف تدريجاً قدرة أبنائها ويرهن مصائرهم بتحولات ذلك الصراع في الوقت الذي يعمد الآخر بكل ما لديه من موارد هائلة وشبكة تحالفات إقليمية ودولية وأدوات صناعة الرأي العام والتعبئة والتحشيد إلى مواجهة شاملة ومكلفة يتم عبرها إحياء نمط الطائفية السنية التي تستمد وجودها وزخمها من شيطنة الشيعة ومن أسطورة المؤامرة الشيعية.
ليس في هذا الكلام دعوة لتحييد مطلق للبعد السياسي في الهوية الشيعية بل لعقلنته كي يكون قادراً على تمثيل مصالح من يتم تهميشهم وطنياً أو إقليماً لأنهم شيعة دون أن يهدد مصالح الآخرين الذين سيظلون ينظرون الى الشيعية السياسية بتوجس ويوظفون صعودها لإسباغ مصادر شرعية على علاقات السلطة والهيمنة القائمة لا سيما في النظام الرسمي العربي وبتوظيف الأصولية السنية بإسم مواجهة المرتدين الشيعة والأصولية القومية بإسم مواجهة المد الفارسي.
لذلك مثلما يصعب للهوية الوطنية العراقية أن تحيد الحسين أو تتجاهله ومثلما أن رمزية الحسين ستظل قادرة على الفعل في الوجدان العراقي وضاغطة على أي تكوين حقيقي للهوية الإجتماعية العراقية فإن المبالغة في تشييع السياسة وعدم مساومة الآخر الشريك في الوطن والممتلك لرموزه الخاصة وقراءته المختلفة للتاريخ ستؤدي إلى إستقطاب طائفي دائم ليس الشيعة في وضع يؤهلهم لتحمل أكلافه السياسية والمادية والإنسانية وثقله المؤذي لهويتهم كما يراها الآخر.
شيعة البحرين
مقتطفات من دراسة للباحث البحراني الدكتور نادر كاظم
"شيعة البحرين" يمثلون حالة خاصة أو متفردة تمييزهم تاريخياً عن شيعة القطيف ولبنان وإيران.. ويمثل شيعة العراق منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين المثال الأقرب شبهاً بشيعة البحرين. ويتمثل هذا التفرد في حالة الشتات البحريني الجماعي، وهو شتات إمتدت حركته على مدى قرن ونصف من الزمان. ومن المعروف أن الشتات يخلق حالة نفسية معينة تطبع هوية ومزاج الجماعات التي تعاني منه. إلا أنه من اللافت أن هؤلاء المشتتين كانوا يندمجون في الأقطار التي تشتتوا فيها في القطيف والإحساء والبصرة وكربلاء والنجف والمحمرة وأصفهان وشيراز وبهبهان والنجف وبوشهر وغيرها، بحيث تتناسى الأجيال اللاحقة أصولها البحرينية التي لم يتبق من شيء يذكر بها إلا لقب من بقابا بلده الأصلي مثل: "البحراني" أو "الغريفي" أو "البلادي" أو "الساري" أو "الستري" أو "التوبلاني" أو غيرها من الألقاب المنسوبة إلى منطقة معينة في البحرين، وفي كثير من الأحيان تنقرض الألقاب ويجري تناسي الأصول وخصوصاً في الشتات الهائل الذي يكون عادة إبان الحروب والهجمات المتعاقبة والتي لم تهدأ من القرن الثامن عشر.
ولعل أقدم إشارة جاء فيها وصف الحرين بأنها "بلد الإيمان"، وأن أهلها هم "أهل الإيمان" هي تلك التي جاءت في مكتوب الشيخ عبيد آل مذكور الذي حرّره إلى الشاه عباس الصفوي يستنهض به همته ويحثّه على القيام لطرد البرتغاليين من البحرين. وقد جاء فيه: "أما بعد فكيف رضيت همته العلية وشيمته القدسية بالجلوس في دار أصفهان والإغضاء عن جلب على أهل الإيمان".
وتعود هذه الإشارة إلى القرن السابع عشر الميلادي، إلا أنها سوف تتعزز في القرن الثامن عشر الذي يعد قرن الشتات الأعظم في تاريخ البحرين، ولقد كان لهجمات العُمانيين الإباضية (اليعاربة) الأثر الأكبر في هذا الشتات العظيم. وفي هذا السياق يذكر الشيخ ياسين بن صلاح الدين البلادي البحراني في ديباجة رسالته المسماة بـ "القول السديد في شرح كلمة التوحيد"، قال بعد كلام طويل في وصف الشتات البحريني: "فأضرمت نيران الفتن، في مرابع أهل الإيمان، وشنّت الغارات والمحن في معالم ذوي العلم والإحسان". وفي فترة قريبة من هذا كتب الشيخ علي البلادي كتاباً في تراجم علماء البحرين، وقال: "ومن هؤلاء وأضرابهم سميت البحرين ببلاد المؤمنين والإيمان، واشتهرت بذلك في كل مكان". ويذكر ناصر الخيري أن البحرين "في عرف الشيعيين من الأماكن المقدسة".والمرجّح أن يكون القرن السابع عشر هو الزمن المرجعي لهذه الإشارة، ويعود ترجيحنا هذا إلى حقيقة تاريخنا وهي أن البحرين دخلت في مدار النفوذ الصفوي في هذا القرن تحديداً (1602م). وهذا يعني أنه لأول مرة في التاريخ يظهر حليف إقليمي قوي لأهل البحرين، وأكثر من هذا فهو حليف شريك لهم في المذهب مما يعني أنه لن يألو جهداً في حمايتهم والذوذ عنهم ضد الهجمات المتعاقبة التي تستهدفهم.. والعلة في هذا كما يذكر محمد علي التاجر هو "أن عواطف العقائد الدينية هي أقوى رابطة تربط أهالي البحرين لذلك العهد بشاهات الدولة الصفوية".
وقد بادر أهل البحرين إلى مكاتبة الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) من أجل التخلّص من البرتغاليين ومن الهجمات المتعاقبة التي تشيع الفوضى والإضطراب في البلاد، ويذكر ناصر الخيري أن ظهور الدولة الصفوية واشتهارها "بعطفها على المذهب الشيعي" ومناصرته قد حمل أهل البحرين على "مكاتبة ملوكها واستصراخهم بها سرّاً وعلانية". وإذا عرفنا أن تعبير "أهل الإيمان" يتطابق مع "الشيعة" في الإستخدام اللغوي العرفي لدى الشيعة في هذه الحقبة حيث يكون معنى "الذين آمنوا هم الشيعة أهل الولاية"، أقول إذا كان ذلك كذلك فإنه لن يكون من العسير الإستنتاج بأن تعبير "أهل الإيمان" كان جزءاً من حيلة خطابية تستهدف استنهاض الدولة الصفوية لإنقاذ أهل البحرين "وعقيدة التشيع" التي يصور حالها عبيد آل مذكور في خطابه إلى الشاه عباس بقوله: "فحسبك بتشتّت شملها وإضمحلال أثرها وإندراس معالمها (...) ولم يبق من أطلالها إلا عروش خاوية وآثار متداعية، ومع ذلك فقد اكتفينا من عمرها بالخراب، ومن مائها بالتراب".
وفي القرن السابع عشر أيضاً عادت الإمامة إلى مجتمع الأباضية في عمان، حيث عقدت الإمامة في العام 1034 هـ (1624م) لناصر بن مرشد اليعربي، وهو أول إمام يعربي في عمان، وفي عهده دخلت عمان في "حقبة إستثنائية من تاريخها الحديث، وهي حقبة إستعادت فيها الإمامة بناء ذاتها وتحققت خلالها وحدة البلاد الإجتماعية". ومن نسل هذا الإمام سيخرج سلطان بن سيف الذي عقدت له الإمامة في العام 1711. وقد صرف هذا الإمام عنايته لحرب الدولة الصفوية، وانتزع من أيديها جزيرة قشم ولارك وجاش وبندر عباس وهرمز والبحرين بعد حروب طاحنة، وأهمها وقعة البحرين في العام 1717م.
وعلى هذا، فقد كتبت على أهل البحرين ان يتواجهوا ـولأول مرة أيضاً ـ مع عدو إقليمي قوي، ونجح في التغلب على بلادهم لأكثر من مرة، وهذا العدو المختلف عنهم مذهبياً هو إمام مسقط واليعاربة الإباضيون (أو الخوارج بتعبير مؤرخي البحرين في تلك الفترة). لقد تأجج هذا العداء في سياق التنافس على النفوذ الإقليمي مع الدولة الصفوية، إلا أنه لم يكن يخلو من تعصب مذهبي متبادل، وكما يقول ناصر الخيري: "وأنّى للأباضي أن يتفق مع الشيعي، وذلك يبالغ ويسرف في بغض علي بن أبي طالب بينما هذا يبالغ في مودته ويكاد أن يجعله إلهاً، فهم لهذا على طرفي نقيض، ومحال أن يجتمع الضدان ويأتلف النقيضان".
وإذا تذكرنا إشارة ألبرت حوراني عن دور الثورة في إيران وحرب الخليج الأولى في استثارة الإحساس القوي بالهوية الشيعية وإهتزاز نظام هذه المجتمعات، فإنه علينا أن نتذكر كذلك بأن هذه الإستثارة لم تكن هي الأولى من نوعها، كما لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يهتز فيها "نظام المجتمع" في البحرين. فقد شهدت بنية المجتمع البحريني إهتزازاً عميقاً في القرن الثامن عشر. والحفر "الأركيولوجي" في تاريخ هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز كفيل بإضاءة الكثير من المناطق المظلمة والمجهولة فيما يتعلق بمعضلة الولاء وإزدواجه، وفي ما يتعلق بدور هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز في صياغة الوجدان الجماعي و "المزاج العام" تجاه فكرة "الوطن" أو "اللاوطن/الشتات" لدى شيعة البحرين. كما ان هذا النوع من الحفر كفيل بأن يكشف لنا حقيقة أن هذا التاريخ رازح بقوة في حاضرنا، وأنّ كثيراً من هواجسنا ومخاوفنا وعقدنا النفسية اليوم إنما تضرب بجذورها في هذا التاريخ البعيد والقريب الذي يتحرك من تحت أقدامنا دون توقف. ووالمفارقة هنا أنه في كل مرة تظهر دولة شيعية قوية في المنطقة يكون نصيب شيعة البحرين من ذلك مزيداً من البلاء والضرّ والتضييق والشتات، حدث هذا حين قامت الدولة الصفوية ودخلت البحرين ضمن مناطق نفوذها في القرن السابع عشر، وحدث هذا عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م. فما أشبه الليلة بالبارحة!
وكأن من مصلحة شيعة البحرين ألا توجد دولة شيعية قوية في هذا الإقليم.
"شيعة البحرين" يمثلون حالة خاصة أو متفردة تمييزهم تاريخياً عن شيعة القطيف ولبنان وإيران.. ويمثل شيعة العراق منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين المثال الأقرب شبهاً بشيعة البحرين. ويتمثل هذا التفرد في حالة الشتات البحريني الجماعي، وهو شتات إمتدت حركته على مدى قرن ونصف من الزمان. ومن المعروف أن الشتات يخلق حالة نفسية معينة تطبع هوية ومزاج الجماعات التي تعاني منه. إلا أنه من اللافت أن هؤلاء المشتتين كانوا يندمجون في الأقطار التي تشتتوا فيها في القطيف والإحساء والبصرة وكربلاء والنجف والمحمرة وأصفهان وشيراز وبهبهان والنجف وبوشهر وغيرها، بحيث تتناسى الأجيال اللاحقة أصولها البحرينية التي لم يتبق من شيء يذكر بها إلا لقب من بقابا بلده الأصلي مثل: "البحراني" أو "الغريفي" أو "البلادي" أو "الساري" أو "الستري" أو "التوبلاني" أو غيرها من الألقاب المنسوبة إلى منطقة معينة في البحرين، وفي كثير من الأحيان تنقرض الألقاب ويجري تناسي الأصول وخصوصاً في الشتات الهائل الذي يكون عادة إبان الحروب والهجمات المتعاقبة والتي لم تهدأ من القرن الثامن عشر.
ولعل أقدم إشارة جاء فيها وصف الحرين بأنها "بلد الإيمان"، وأن أهلها هم "أهل الإيمان" هي تلك التي جاءت في مكتوب الشيخ عبيد آل مذكور الذي حرّره إلى الشاه عباس الصفوي يستنهض به همته ويحثّه على القيام لطرد البرتغاليين من البحرين. وقد جاء فيه: "أما بعد فكيف رضيت همته العلية وشيمته القدسية بالجلوس في دار أصفهان والإغضاء عن جلب على أهل الإيمان".
وتعود هذه الإشارة إلى القرن السابع عشر الميلادي، إلا أنها سوف تتعزز في القرن الثامن عشر الذي يعد قرن الشتات الأعظم في تاريخ البحرين، ولقد كان لهجمات العُمانيين الإباضية (اليعاربة) الأثر الأكبر في هذا الشتات العظيم. وفي هذا السياق يذكر الشيخ ياسين بن صلاح الدين البلادي البحراني في ديباجة رسالته المسماة بـ "القول السديد في شرح كلمة التوحيد"، قال بعد كلام طويل في وصف الشتات البحريني: "فأضرمت نيران الفتن، في مرابع أهل الإيمان، وشنّت الغارات والمحن في معالم ذوي العلم والإحسان". وفي فترة قريبة من هذا كتب الشيخ علي البلادي كتاباً في تراجم علماء البحرين، وقال: "ومن هؤلاء وأضرابهم سميت البحرين ببلاد المؤمنين والإيمان، واشتهرت بذلك في كل مكان". ويذكر ناصر الخيري أن البحرين "في عرف الشيعيين من الأماكن المقدسة".والمرجّح أن يكون القرن السابع عشر هو الزمن المرجعي لهذه الإشارة، ويعود ترجيحنا هذا إلى حقيقة تاريخنا وهي أن البحرين دخلت في مدار النفوذ الصفوي في هذا القرن تحديداً (1602م). وهذا يعني أنه لأول مرة في التاريخ يظهر حليف إقليمي قوي لأهل البحرين، وأكثر من هذا فهو حليف شريك لهم في المذهب مما يعني أنه لن يألو جهداً في حمايتهم والذوذ عنهم ضد الهجمات المتعاقبة التي تستهدفهم.. والعلة في هذا كما يذكر محمد علي التاجر هو "أن عواطف العقائد الدينية هي أقوى رابطة تربط أهالي البحرين لذلك العهد بشاهات الدولة الصفوية".
وقد بادر أهل البحرين إلى مكاتبة الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) من أجل التخلّص من البرتغاليين ومن الهجمات المتعاقبة التي تشيع الفوضى والإضطراب في البلاد، ويذكر ناصر الخيري أن ظهور الدولة الصفوية واشتهارها "بعطفها على المذهب الشيعي" ومناصرته قد حمل أهل البحرين على "مكاتبة ملوكها واستصراخهم بها سرّاً وعلانية". وإذا عرفنا أن تعبير "أهل الإيمان" يتطابق مع "الشيعة" في الإستخدام اللغوي العرفي لدى الشيعة في هذه الحقبة حيث يكون معنى "الذين آمنوا هم الشيعة أهل الولاية"، أقول إذا كان ذلك كذلك فإنه لن يكون من العسير الإستنتاج بأن تعبير "أهل الإيمان" كان جزءاً من حيلة خطابية تستهدف استنهاض الدولة الصفوية لإنقاذ أهل البحرين "وعقيدة التشيع" التي يصور حالها عبيد آل مذكور في خطابه إلى الشاه عباس بقوله: "فحسبك بتشتّت شملها وإضمحلال أثرها وإندراس معالمها (...) ولم يبق من أطلالها إلا عروش خاوية وآثار متداعية، ومع ذلك فقد اكتفينا من عمرها بالخراب، ومن مائها بالتراب".
وفي القرن السابع عشر أيضاً عادت الإمامة إلى مجتمع الأباضية في عمان، حيث عقدت الإمامة في العام 1034 هـ (1624م) لناصر بن مرشد اليعربي، وهو أول إمام يعربي في عمان، وفي عهده دخلت عمان في "حقبة إستثنائية من تاريخها الحديث، وهي حقبة إستعادت فيها الإمامة بناء ذاتها وتحققت خلالها وحدة البلاد الإجتماعية". ومن نسل هذا الإمام سيخرج سلطان بن سيف الذي عقدت له الإمامة في العام 1711. وقد صرف هذا الإمام عنايته لحرب الدولة الصفوية، وانتزع من أيديها جزيرة قشم ولارك وجاش وبندر عباس وهرمز والبحرين بعد حروب طاحنة، وأهمها وقعة البحرين في العام 1717م.
وعلى هذا، فقد كتبت على أهل البحرين ان يتواجهوا ـولأول مرة أيضاً ـ مع عدو إقليمي قوي، ونجح في التغلب على بلادهم لأكثر من مرة، وهذا العدو المختلف عنهم مذهبياً هو إمام مسقط واليعاربة الإباضيون (أو الخوارج بتعبير مؤرخي البحرين في تلك الفترة). لقد تأجج هذا العداء في سياق التنافس على النفوذ الإقليمي مع الدولة الصفوية، إلا أنه لم يكن يخلو من تعصب مذهبي متبادل، وكما يقول ناصر الخيري: "وأنّى للأباضي أن يتفق مع الشيعي، وذلك يبالغ ويسرف في بغض علي بن أبي طالب بينما هذا يبالغ في مودته ويكاد أن يجعله إلهاً، فهم لهذا على طرفي نقيض، ومحال أن يجتمع الضدان ويأتلف النقيضان".
وإذا تذكرنا إشارة ألبرت حوراني عن دور الثورة في إيران وحرب الخليج الأولى في استثارة الإحساس القوي بالهوية الشيعية وإهتزاز نظام هذه المجتمعات، فإنه علينا أن نتذكر كذلك بأن هذه الإستثارة لم تكن هي الأولى من نوعها، كما لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يهتز فيها "نظام المجتمع" في البحرين. فقد شهدت بنية المجتمع البحريني إهتزازاً عميقاً في القرن الثامن عشر. والحفر "الأركيولوجي" في تاريخ هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز كفيل بإضاءة الكثير من المناطق المظلمة والمجهولة فيما يتعلق بمعضلة الولاء وإزدواجه، وفي ما يتعلق بدور هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز في صياغة الوجدان الجماعي و "المزاج العام" تجاه فكرة "الوطن" أو "اللاوطن/الشتات" لدى شيعة البحرين. كما ان هذا النوع من الحفر كفيل بأن يكشف لنا حقيقة أن هذا التاريخ رازح بقوة في حاضرنا، وأنّ كثيراً من هواجسنا ومخاوفنا وعقدنا النفسية اليوم إنما تضرب بجذورها في هذا التاريخ البعيد والقريب الذي يتحرك من تحت أقدامنا دون توقف. ووالمفارقة هنا أنه في كل مرة تظهر دولة شيعية قوية في المنطقة يكون نصيب شيعة البحرين من ذلك مزيداً من البلاء والضرّ والتضييق والشتات، حدث هذا حين قامت الدولة الصفوية ودخلت البحرين ضمن مناطق نفوذها في القرن السابع عشر، وحدث هذا عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م. فما أشبه الليلة بالبارحة!
وكأن من مصلحة شيعة البحرين ألا توجد دولة شيعية قوية في هذا الإقليم.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)