كمال جنبلاط مات.. بل شُبّه لهم
لكم حيرني إلحاح وجيه من قريتي على الحديث مع والدي عن كمال جمبلاط. كلما كنا عائدين من دكان القرية، قبيل الغروب، الى بيوتنا، وأنا متعلق بذيل أبي خوفاً، من لا شيء، لم يكن في قرانا وقتها ما يخيف سوى الأفعى والضبع التي لم تقتل ولم تأكل أحداً.. وهناك دائماً خوف عميق من اسرائيل، والظالم، ثم حدث ما حدث ويحدث.. وصار الواحد منا يخاف من الآخر، جاره أو شقيقه، أكثر من الضبع.. أما الواوية والثعالب فقد (كانوا) حرامية لطفاء. ونشتاق إلى أصوات كورالهم الآن أكثر من الماضي.
وكان لي ترب يجيء من بيروت صيفاً من أجل التين والعنب وأعشاش العصافير، يعرف في الأخبار أكثر مني، ويتحدث كما سمع من جاره، عن كمال جنبلاط، وأنه نحيف جداً، ضعيف الجسد قوي العقل جداً، وعنيد جداً، ومحيِّر جداً، وإن بدا حائراً جداً.. ثابت مقيم على الزمان المطلق، على المطلق :« بأني أزل». «أنا المطلق».. متغير أكثر من المتغير، حيث يصبح المتغير حافظاً للثابت، ونسبي أكثر من النسبية، ومن أي نسبة، طالما أن النسبية هي شرط المطلق، والمقام الذي يستبين به المطلق لأنه يباينه، ليغدو المباين، المختلف، شرطاً وجودياً ومعرفياً لمباينه.. هذه تعبيراتي الآن عما فهمته قبل ستين سنة أو أكثر بقليل، من حديث تربي.. بعد عشرين سنة أو أكثر، عندما قرأت وسمعت ورأيت وبدأت أسأل، وحلمت بفلسطين والعدالة الاجتماعية والتقدم والحرية، وأنا على حذر شديد، ولأسباب (حوزوية) من أن أقول (اشتراكية) لأنها مربوطة بالإلحاد. ولكني في الفقراء، هنا وهناك، ومنهم، والنجف كحوزة، أكدت لي أن المسافات الطبقية مسلمة تاريخية، ولم تستطع تدجيني وإن لطفتني، مع حسن نيتي وميلي الى السلام، وعشقي للنجف والكوفة والبصرة، والعراق حتى كردستان.. وعندما سقطت أو زمّت أو انكشفت، احزاب الكادحين، بقي الكادحون يكدحون. صاروا يكدحون أكثر ويأكلون أقل. وهنا يحلو أن أنتظر كمال جمبلاط، ولكنه لا يأتي، قد يأتي وقد لا يأتي. وأنا لن أصبر طويلاً، لأن المنظور الطبقي لم يعد في وعيي مدخلاً مجدياً في حل المسألة، وصارت قناعتي أن التنوير (أي العصرنة) هي الحل.
الجذاب
في شبابي.. شدني كمال جنبلاط، شداً خفيفاً، كنت أخشى على إيماني، من أهل الأسئلة والقلق المعرفي، لا من أهل الأجوبة الإلحادية السهلة. ولا أرى ان الخلاص الأخروي، فضلاً عن الدنيوي، محصور بجماعتي المذهبية أو خياراتها العقدية.. وكنت حائراً- انتهت حيرتي- بهذه المليارات من البشر، كيف تذهب جميعها الى الجحيم، من دون تفريق بين صالح وطالح، أو بين مبدع ومجرم؟ وهو، كمال جنبلاط، الزعيم العالم، درزي، وأنا هاني فحص طالب العلم الآن وغداً والى الأبد، شيعي إثنا عشري. درزي دلف من الإثنا عشرية الى الإسماعيلية فوصل الى إخوان الصفا، ووجد في رسائلهم فضاء معرفياً مركباً، متعدد الآفاق والأمداء، يتعدد إذ يتوحد، ويتوحد إذ يتعدد.. وطار الى الهند جامعاً كل شيء في بقجة الحب، من دون أن يتخطى صين (لاوتسو) وما قبله وما بعده، عابراً حدود (الفتوحات المكية) مطلاً منها على بودا والطاو والشنتو وبراهما، كائناً كل شيء في لا شيء، الذي إمّا بلغته، وهداك الله، عرفت وعاينت الشيء في اللاشيء.. وعرفت الواحد في كثير مطابقاً لكثير في واحد..
وعندما تحرر كمال جنبلاط، أو تحرروا (رهطه الموحدون) بالطريقة، جانحين الى الحقيقة، ليدركوا وإن لم يصلوا، وظلوا في مسيس الحاجة الى أن يدركوا، لأن كل إدراك هو إغراء أو إلزام بإدراك آخر، وإلا ذوى، واتخذوا اسماً لهم من التوحيد.. وعاشوا، حائرين حيرة الذي يراود المعارف، قلقين قلق الباحث عن تعريف.. فمرة هنا ومرة هناك ومرة هنالك. وهم هنا دائماً، في هذا المشرق، المطرز بالثقافات والرسالات واللغات والهجرات والإبداعات والبدع والهرطقات والفلسفات واللوحات والأيقونات والشرائع والأساطير والخرافات والمعلقات، الذي- المشرق- ينتظر يومياً، شمساً، تسافر الى الغرب يحمّلها شكاواه وأوجاعه وأحلامه وأسئلته وأشواقه، وينتظر عودتها حاملة له شيئاً من حقيقة لا تنمو إلا بالتواصل والتبادل.
موجودون في هذا الإيمان الذي كان التوحيد الإبراهيمي ناظمه، وكانت التوحيديات اللاحقة تجليات ومسالك للخلق، كل الخلق، الى الخالق.. وفي هذا الإسلام، الذي لو كان فيه سائد غالب قاهر، لكان يابساً، لا مكان فيه لشك لا يحلو اليقين إلا به.. وفي هذه العروبة، عروبة الانتماء، العروبة التي ترقى الى مستوى الوظيفة الحضارية، عندما تستخدم وجدانها ومخزونها المعرفي وبصيرتها في تجديد وعيها بذاتها وبالآخر.. وهم الدروز الموحدون.. وهو كمال جنبلاط، في هذا اللبنان البدعة البديعة التي يحسن للعرب جميعاً أن يتبعوها لا أن يزعزعوها. وفي هذا الجبل، ذي العمة البيضاء شتاءً، والعمة الخضراء ربيعاً وصيفاً.. وانتظار المطر خريفاً.. وتد الوطن، الذي به يثبت على الهزاهز، لأنه القمة التي يرى الناظر منها كل شيء دونه، ويرى الناظر اليها كل شيء فوقه. وهو، كمال جنبلاط، تقدمي، وأنا أريد أن أتقدم.. قال لي رسول الله (ص) «من تساوى يوماه فهو مغبون».. وأرى عوائق في وجهي وعلى طريقي، عرفت ما سموه لي إقطاعاً قياساً على مصطلح الغرب وتاريخه، قلت اسلم بأنه إقطاع ولكنه إقطاع مشرقي، على طريقة ماركس في الكلام عن أسلوب الإنتاج الآسيوي. ولكن المفهوم الطبقي لا يصلح وحده للإحاطة بالحقيقة ورسم الاحتمال أو مسار حركة التاريخ والمجتمع، والاختيار الشخصي، الفرادة، حاسمة في كثير من الأحيان، وكثيرون من أسلاف كمال جنبلاط، استمتعوا وأمتعونا باختيارات شجاعة سميت خيانات طبقية. واتفق أهل النظر ورضي أهل النضال بهذا الاتفاق، على أن الكادحين ليسوا هم الذين يبدعون نظريات خلاصهم، لأن أسباب ومستلزمات المعرفة لا تتوفر لهم، فيبدعها أولئك الذين هم فوق ولكن بصائرهم مفتوحة وضمائرهم عاملة دائبة.. من هذا الصنف كان كمال جنبلاط.
جان فولاذ أو بولاد
لاحقاً، وعندما سمعته بعيني بليغاً، ورأيته بأذني صامتاً، كان يرخي عينيه في صدره، كأنه سليل الحلاج، يرى الى النور الداخل.. تذكرت حيرتي في تفسير لقبه (جنبلاط). وكان عليّ أن أنتظر الذهاب الى طهران بعد نجاح الثورة لأتعلم الفارسية لزوم الثورة، التي تمحو ذاتها إن لم تجددها، لأفكك اللقب (جان بولاد) الفولاذي.. أو الروح الفولاذية.. القوي.. الصلب واللين الملمس. وعندما قتل كمال جنبلاط، كان بإمكانه أن لا يقتل، وأنا هنا أقترب من الاعتزال وأظنه أقرب الى الاعتزال مني، لأنه عقل عقلاني، أي يؤثر العقل الذي خلقه ربه وقال له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر (لأنه يعلم حقيقة الألوهة) فقال له: اي قال الله للعقل: إذهب، بك أثيب وبك أعاقب.. ولكنه كان يخاف أن يموت، فبقي على فولاذه، وقتل ليبقى حياً. ولكن لا تشعرون. هم لا يشعرون.. أي الذين قتلوه.
مواعيد وجدل
اقتربت منه وإليه من حقل التبغ.. وسهر الليالي وعذاب الأيام ومرارة الطعام وظلم الظلاّم وآكلي الحرام، ومستغلي الأنام. وعشت معه أياماً وهو مهتم ومهموم ومستبشر بترشيحي للانتخابات الفرعية في النبطية. مستأنساً برأي ورؤية محسن ابراهيم وحسيب عبد الجواد لهذا الأمر.. واعتذرت وأسلفته في بيان اعتذاري حباً وشكراً. فتكرم بالتنويه بي في مؤتمر الحزب العام بعدها.. أما أين وجدته أو شاهدته أو عاينته أو واعدته أكثر، ففي فلسطين، مع أبي عمار وأبي جهاد وسائر الأشباه والنظائر، يحب ويختلف، يحب ويخالف، يحب ويعترض، يحب ويخلص.. ووجدته في الحبكة الحائرة المحيرة بين السياسي والثقافي، بين السياسي المحترف، والمثقف القلق، الذي يرى ولا يكتفي بالنظر.
كيف وفـّق.. وفرض ظله هنا وهناك؟ حتى شعرنا بفراغ ثقافي في المجال السياسي، وبفراغ سياسي في المجال الثقافي، بعد أن تجرأ الأموات على حياته فاستقر في حياتنا. وكيف وفق؟ وبهذا المستوى الدرامي المفاجئ والذي لا يمكن تفسيره أحياناً.. وأنا لم أقطع في الثقافة ما قطع من مسافة. أما في السياسة فما زلت وسوف أبقى في أول الدرب. ومع ذلك فإن الحيرة تأكلني والقلق يساورني في كل شيء. لولا أني ثابت على أصول وأسس وأحلام، معضوداً بواقعية، وحس نقدي، ولا أصل الى واقعيته، لأني أقل قوى عضلية ونفسية منه، لأنه لم يكن يقبل على أكل اللحم وكان مفتوناً بالقمح الأخضر، وأحبّ اليوغا وأحبّ التأمل وأحبّ المعنى ومعنى المعنى.. أحبّ الحب وأنا أسلّم بأنه دين يدان به. ولكني أخاف من الذهاب الى الهند، ولا يمكن أن أتصور نفسي في شوارع نيويوك، وأحب القاهرة التي أحبها وأحبته كثيراً، وأهديه سلاماً، من ميدان التحرير، وأتذكر أنه في افتتاح دورة نيابية في مجلس الشعب المصري أواسط السبعينيات، وفي ذكرى وفاة جمال عبد الناصر (28 سبتمبر) ذكرى الانفصال أيضاً، وكنت في القاهرة، توجه الرئيس المصري الى كمال جنبلاط الجالس في الصف الأمامي وقال: يشرفني حضور رفيق درب جمال عبد الناصر، المناضل الكبير الاستاذ كمال جنبلاط. وأراه الآن في ميدان التحرير، وفي أمكنة اخرى كثيرة، لا يغادر إلا عندما يطمئن الى أن الديموقراطية والعدالة في البلاد العربية قد وجدتا طريقهما الصعب والمتعرج والباهظ.
القتل وموجباته
هذا الرجل.. من هذا البلد الصغير، من هذه الجماعة المذهبية الصغيرة.. من هذا الإرث الأرستقراطي الجميل وهذا الحنان الإنساني العميق. هذا اليتيم (وفي لغتنا اليتم هو الفرادة) يتجاوز ظروفه ويصبح شخصية عالمية!
إذن فيجب أن يقتل. لأن لبنان المطلوب يجب أن يكون بلا ذاكرة ولا حلم. وهنا تذكرت السيد موسى الصدر. سبحان الله! وهذا لبنان الآن على قلقه تصب ذاكرته في أحلامه وتنبع أحلامه من ذاكرته. ومن غده. من مشهد الربيع العربي الذي في كل وردة من وروده لون وعطر من لبنان. ووعد للبنان بلبنان. للعرب بلبنان. وللبنان بالعرب. وللبنان والعرب والربيع.. لكمال جنبلاط الذي نلقي على ضريحه كلماتنا. فإذا ما لامسته تفتحت زهوراً من بابونج وزوفى وجوري وإكليل الجبل وشعر كثير الشعر وإن كان أقل شعراً من الشاعر «كيف لهمس عطر الياسمين، مغنى الشعراء، أن يكون إلا شمِّي وأحساسي به، عند فيض الشعر مني، أنا الجمال؟» كمال جنبلاط.. هذا الكون من الحب.
مات؟
ابداً.. لقد شُبّه لهم.
زعيم الحب
» وهل الدين إلا الحب» الإمام جعفر الصادق
العبور إلى جنبلاط
»ولكن في الصمت الذي لا يوصف، تحت الأنا المضمحل، تحت كومة الرماد، تسكن الذات الراسخة في ليل حبي» (ص 32).
» وضعت على باب قلبي مشكاتين» . (ص 49).
»سيكون طريق الحب مفتوحاً أبداً ، لكل من يريد التغلغل في حجرة الكنز» (ص 59).
هذا البحر من الحب، هذا الكون من الحب مات!! لا .. بل شُبّه لهم.
(أناندا) لكمال جنبلاط
»
يا حاصد النار من أشلاء، قتلانا منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا
إن العيون التي طفَّأتَ أنجمها عجّلن بالشمس أن تختار دنيانا»
بدر شاكر السياب
أمير المعنى
» لأجلك عشت، لأجلك أعطيت، كما يعطى الفرح لكل الناس» (ص 28).
» ليس النسيان من الوردة سوى أريج محض، فالأغنية لا الشكل، هي روح القيثارة» (ص 64).
» أن تتأمـل ذاتـك، هكذا في العري الأعـظم، هو أن تكون في السكيـنة دون بـدء ودون ختام» (ص 66).
» أنت الحقيقة خلف ورقة الشجر، أنت غلاف الحياة في الثمرة الفجة» (ص 98).
عابر الزمان والمكان
» ليكن إدراكك بأني قلب القلب، بأني أزل، لم يقطع جسراً، بين ظاهر وباطن، لكن مغلِّف ذلك، بثوب مولاك، أنا المطلق.. أنا الكل، أنا الجزء أنا نور عينيك، أنا سمع أذنيك، أنا المستيقظ أبداً ».
أناندا (ص 100(.
الخميس، 15 ديسمبر 2011
عادل عبد المهدي: فساد المجتمع لا يقل عن فساد الدولة
فساد المجتمع لا يقل عن فساد الدولة
لا نتناول هنا النظام الاخلاقي رغم انه جزء من الكل، فما يهمنا فساد العلاقات الاجتماعية المنتجة للقيم المادية والمعنوية والمسلكية. فـ"النظام" هو قدرة انتاج العلاقات بتدوير نفسها او ارقى منها. والمجتمع المصاب بالفساد هو عندما يتعطل "نظام" انتاج القيم البناءة والمنافع المتنامية. والكلام كله كقاعدة وظاهرة وليس كمواطنين ومجموعات.
مجتمعنا –كأساس- يأخذ اكثر مما يعطي، مما ورثناه.. ومن ثروة نقف عليها.. فاصبحنا اسرى لها، تتوقف الحياة بدونها. اننا نستورد مقومات عيشنا. نظامنا –كقاعدة- هو صراع لتقاسم البترودولار.. فالاغنياء قلة تأخذ اكثر واكثر.. والفقراء اغلبية تنقصهم الوسيلة، وعند توفرها تضغط اتجاهات الفرهدة والتمرد.. بلادنا تتراجع، فاختزلنا طموحاتنا وسلوكياتنا بالتحزب العشائري والطائفي والقومي.. والتعيش غير المنتج.. والتوظف ولو بشهادات مزورة باختامها.. او بمقومات مؤسساتها، التي –كظاهرة- باتت "مزورة" بالمعاني القياسية والعلمية.
اصبحنا –بالتعريف- نظاماً قسرياً اتكالياً تبريرياً ينظم علاقاته بالقوة والغش والتهديد من جهة.. واللاانتاجية وعدم الثقة والتسقيط والتلون والخنوع من جهة اخرى.. نتكل على الدولة المالكة لكل شيء.. المستقوية على مجتمعها. تصنعه ولا يصنعها. فتراجعت –كاتجاه- مقومات السمعة والخبرة والنزاهة لتحل مكانها قلة الكفاءة وسوء الاداء ونقص الامانة.. فنمت عناصر الاحباط وفقدان الثقة والامل. عندها سيتم الفساد باسم القيم والشعارات الكبرى بما فيها الدينية والوطنية.
هل جف شريان الحياة؟ نعم، عند النظر للسطح.. ولكن العراق –بعمقه- يشق طريقه.. وان ظهور الاصلاح والقسط سيخترق الفساد والظلم والاحتكار.. فوعي عوامل الاخير هو جزء من تمهيد الاول. فالمرجعية.. والمصلحون.. والجمهور المنتفض.. ينبهون للمخاطر. فالامة ما زالت تنبض بالحياة، وطاقاتها البشرية والمادية المبعثرة المبددة هائلة.. وتراثها عظيم وهي سائرة قطعاً لاعادة بناء نظامها المنتج للقيم والمكاسب.
"النظام" يرتبط بالدوافع والحقوق. وعندما تمسك الدولة بكل الحقوق، تنعدم كل الدوافع الايجابية. فالدولة ضيقة، والمجتمع منفتح.. والدولة غير قابلة للقسمة، لذلك الاستفراد والمحاصصة والفساد.. والمجتمع مركب قابل للتنوع والتعدد، لذلك المنافسة والشفافية والجدوى والمساحة المتاحة للجميع.
الخطوة الاولى للاصلاح.. نزع الاحتكار واعادة الحقوق للشعب وتمكينه وتمليكه وحمايته. ليعود الاساس النشاط والتعلم والعمل والابداع، وليس مجرد العيش على بطاقة تموينية او رعاية اجتماعية او وظيفة مقنعة.. ليستعيد المجتمع والشعب دورهما.. ولتكون الدولة خادمة وراعية لنشاطاتهما. دولة المواطن.. وواجب المسؤول الوحيد خدمته.
لا نتناول هنا النظام الاخلاقي رغم انه جزء من الكل، فما يهمنا فساد العلاقات الاجتماعية المنتجة للقيم المادية والمعنوية والمسلكية. فـ"النظام" هو قدرة انتاج العلاقات بتدوير نفسها او ارقى منها. والمجتمع المصاب بالفساد هو عندما يتعطل "نظام" انتاج القيم البناءة والمنافع المتنامية. والكلام كله كقاعدة وظاهرة وليس كمواطنين ومجموعات.
مجتمعنا –كأساس- يأخذ اكثر مما يعطي، مما ورثناه.. ومن ثروة نقف عليها.. فاصبحنا اسرى لها، تتوقف الحياة بدونها. اننا نستورد مقومات عيشنا. نظامنا –كقاعدة- هو صراع لتقاسم البترودولار.. فالاغنياء قلة تأخذ اكثر واكثر.. والفقراء اغلبية تنقصهم الوسيلة، وعند توفرها تضغط اتجاهات الفرهدة والتمرد.. بلادنا تتراجع، فاختزلنا طموحاتنا وسلوكياتنا بالتحزب العشائري والطائفي والقومي.. والتعيش غير المنتج.. والتوظف ولو بشهادات مزورة باختامها.. او بمقومات مؤسساتها، التي –كظاهرة- باتت "مزورة" بالمعاني القياسية والعلمية.
اصبحنا –بالتعريف- نظاماً قسرياً اتكالياً تبريرياً ينظم علاقاته بالقوة والغش والتهديد من جهة.. واللاانتاجية وعدم الثقة والتسقيط والتلون والخنوع من جهة اخرى.. نتكل على الدولة المالكة لكل شيء.. المستقوية على مجتمعها. تصنعه ولا يصنعها. فتراجعت –كاتجاه- مقومات السمعة والخبرة والنزاهة لتحل مكانها قلة الكفاءة وسوء الاداء ونقص الامانة.. فنمت عناصر الاحباط وفقدان الثقة والامل. عندها سيتم الفساد باسم القيم والشعارات الكبرى بما فيها الدينية والوطنية.
هل جف شريان الحياة؟ نعم، عند النظر للسطح.. ولكن العراق –بعمقه- يشق طريقه.. وان ظهور الاصلاح والقسط سيخترق الفساد والظلم والاحتكار.. فوعي عوامل الاخير هو جزء من تمهيد الاول. فالمرجعية.. والمصلحون.. والجمهور المنتفض.. ينبهون للمخاطر. فالامة ما زالت تنبض بالحياة، وطاقاتها البشرية والمادية المبعثرة المبددة هائلة.. وتراثها عظيم وهي سائرة قطعاً لاعادة بناء نظامها المنتج للقيم والمكاسب.
"النظام" يرتبط بالدوافع والحقوق. وعندما تمسك الدولة بكل الحقوق، تنعدم كل الدوافع الايجابية. فالدولة ضيقة، والمجتمع منفتح.. والدولة غير قابلة للقسمة، لذلك الاستفراد والمحاصصة والفساد.. والمجتمع مركب قابل للتنوع والتعدد، لذلك المنافسة والشفافية والجدوى والمساحة المتاحة للجميع.
الخطوة الاولى للاصلاح.. نزع الاحتكار واعادة الحقوق للشعب وتمكينه وتمليكه وحمايته. ليعود الاساس النشاط والتعلم والعمل والابداع، وليس مجرد العيش على بطاقة تموينية او رعاية اجتماعية او وظيفة مقنعة.. ليستعيد المجتمع والشعب دورهما.. ولتكون الدولة خادمة وراعية لنشاطاتهما. دولة المواطن.. وواجب المسؤول الوحيد خدمته.
عادل عبد المهدي: الدولة رجل أعمال فاشل
الدولة "رجل اعمال" فاشل
عندما تترهل الدولة، وتحتكر، وتفقد اية معيارية لجدوى اعمالها فانها تتحول الى رجل اعمال فاشل.. وتاجر فاسد.. وصناعي او زراعي او خدمي خاسر. ففي الوضع المعروف تقود الخسائر لتوقف نشاط رجل الاعمال.. اما الدول فهي لا تشهر افلاسها او تُصَادر،الا بمعاني اخرى.
والدولة التي تعتقد ان معيارية الجدوى تحققها الهيئات والرقابة واللجان والتعليمات والضوابط هي كالتاجر الفاشل الغارق في ديونه، يكرر اخطاءه، الى ان يعطله ويطرده الافلاس. فالمعيارية من داخلها لا تكفي.. لابد ان تكون من خارجها. فانت الاول والاطول والاذكى والاقوى عندما تحاكي نفسك.. ولن تعرف حقيقتك الا امام غيرك.. بل لا جدوى في المعيارية ان لم تكشف كيف تنجح واين تفشل في تقدمك وتراجعك عن الاخرين.. لذلك عندما نتكلم عن معيارية خارجية نقصد -من بين امور اخرى- اقتصاديات السوق، والمنافسة الداخلية والخارجية على حد سواء.
وضع الاتحاد السوفياتي -وقتذاك- تسعة معايير لجودة اعماله ونتاجاتها.. ووضعت الصين ضعف ذلك.. فنجحوا في فترات الحماس والرقابة الشديدة.. وحالما ضعفت القبضة الحديدية.. وبدأ الارهاق وامتيازات الدولة والتحايل والكذب وانجازات التقارير الرسمية، حتى انهارت معايير الكفاءة الداخلية.. وتكشفت الكلف العظيمة البشرية والمادية.. والاسس الرخوة التي تقف عليها.. فظهرت عوامل التفكك واضحة في الدولة السوفياتية والكتلة الشرقية معلنة "افلاسها" عبر تفككها، بينما سارعت الصين لتتعلم من التجربة.. فوضعت لاقتصادها -على الاقل- معايير خارجية ليس اقلها المنافسة ومعايير اقتصاديات السوق.. فحققت اعلى معدلات النمو والتقدم.
يخطىء من يعتقد ان الدولة بشكلها الحالي ستقدم حلاً تنموياً، ينقلنا من الترهل والعطل والفساد الى حالة نافعة ومنتجة.. فالدولة ليست مؤسسة حيادية عديمة المصلحة والنفعية لتشكيلات –ظاهرة وخفية- تعمل داخلها وخارجها.. فمنذ ان احتكرت البلاد تحولت الى "الشخص الاقتصادي" المتفرد.. فطردت اية منافسة وفقدت اية معيارية لقياس جدوى اعمالها.. فاشهر "افلاسها" داخلياً ودولياً منذ التسعينات.. واستمرت تراكم الخسائر والفساد والمديونيات.. ليدفع اثمانها وتبعاتها الشعب والاقتصاد والموازنة.. ولتعشعش "اقطاعات ادارية" و "مافيات" انانية، تعرف جيداً مصالحها والفوائد العظيمة التي تحققها من الازمات والحرمان والفوضى والفساد والعطل، لتتاجر بمآسي الناس.. رافعة الشعارات الكبيرة الاصلاحية والوطنية والقانونية.. لتعطل، بوعي او جهل، اي جهد لتصحيح المسارات. فالدولة "رجل اعمال" نافع لقلة داخلها وخارجها.. و"رجل اعمال" فاشل للشعب والبلاد.
عندما تترهل الدولة، وتحتكر، وتفقد اية معيارية لجدوى اعمالها فانها تتحول الى رجل اعمال فاشل.. وتاجر فاسد.. وصناعي او زراعي او خدمي خاسر. ففي الوضع المعروف تقود الخسائر لتوقف نشاط رجل الاعمال.. اما الدول فهي لا تشهر افلاسها او تُصَادر،الا بمعاني اخرى.
والدولة التي تعتقد ان معيارية الجدوى تحققها الهيئات والرقابة واللجان والتعليمات والضوابط هي كالتاجر الفاشل الغارق في ديونه، يكرر اخطاءه، الى ان يعطله ويطرده الافلاس. فالمعيارية من داخلها لا تكفي.. لابد ان تكون من خارجها. فانت الاول والاطول والاذكى والاقوى عندما تحاكي نفسك.. ولن تعرف حقيقتك الا امام غيرك.. بل لا جدوى في المعيارية ان لم تكشف كيف تنجح واين تفشل في تقدمك وتراجعك عن الاخرين.. لذلك عندما نتكلم عن معيارية خارجية نقصد -من بين امور اخرى- اقتصاديات السوق، والمنافسة الداخلية والخارجية على حد سواء.
وضع الاتحاد السوفياتي -وقتذاك- تسعة معايير لجودة اعماله ونتاجاتها.. ووضعت الصين ضعف ذلك.. فنجحوا في فترات الحماس والرقابة الشديدة.. وحالما ضعفت القبضة الحديدية.. وبدأ الارهاق وامتيازات الدولة والتحايل والكذب وانجازات التقارير الرسمية، حتى انهارت معايير الكفاءة الداخلية.. وتكشفت الكلف العظيمة البشرية والمادية.. والاسس الرخوة التي تقف عليها.. فظهرت عوامل التفكك واضحة في الدولة السوفياتية والكتلة الشرقية معلنة "افلاسها" عبر تفككها، بينما سارعت الصين لتتعلم من التجربة.. فوضعت لاقتصادها -على الاقل- معايير خارجية ليس اقلها المنافسة ومعايير اقتصاديات السوق.. فحققت اعلى معدلات النمو والتقدم.
يخطىء من يعتقد ان الدولة بشكلها الحالي ستقدم حلاً تنموياً، ينقلنا من الترهل والعطل والفساد الى حالة نافعة ومنتجة.. فالدولة ليست مؤسسة حيادية عديمة المصلحة والنفعية لتشكيلات –ظاهرة وخفية- تعمل داخلها وخارجها.. فمنذ ان احتكرت البلاد تحولت الى "الشخص الاقتصادي" المتفرد.. فطردت اية منافسة وفقدت اية معيارية لقياس جدوى اعمالها.. فاشهر "افلاسها" داخلياً ودولياً منذ التسعينات.. واستمرت تراكم الخسائر والفساد والمديونيات.. ليدفع اثمانها وتبعاتها الشعب والاقتصاد والموازنة.. ولتعشعش "اقطاعات ادارية" و "مافيات" انانية، تعرف جيداً مصالحها والفوائد العظيمة التي تحققها من الازمات والحرمان والفوضى والفساد والعطل، لتتاجر بمآسي الناس.. رافعة الشعارات الكبيرة الاصلاحية والوطنية والقانونية.. لتعطل، بوعي او جهل، اي جهد لتصحيح المسارات. فالدولة "رجل اعمال" نافع لقلة داخلها وخارجها.. و"رجل اعمال" فاشل للشعب والبلاد.
الخميس، 8 ديسمبر 2011
رياض الترك: ليتوقف حزب الله عن دعم الأسد وليلتزم الصمت إزاء الثورة السورية
دعا المعارض السوري البارز رياض الترك الخميس 8 ديسمبر حزب الله ، الى التوقف عن دعم نظام بشار الاسد، مؤكدا أن سقوطه أمر حتمي، مطالبا الحزب في التزام الصمت إزاء الثورة السورية.
وقال الترك في بيان تلقت وكالة "فرانس برس" نسخة منه: "يفترض أن يكون العدو الاستراتيجي لحزب الله هو اسرائيل وليس الثورات العربية وبالاخص منها الثورة السورية"، معتبرا أن "أي تدخل لهذا الحزب في مجريات الثورة السورية لن يفيد في المدى البعيد لا الثورة السورية ولا الحزب نفسه ولا مستقبل العلاقات التي ستربطه بالدولة السورية".
وأضاف: "كم كنت أتمنى على قيادات هذا الحزب بدلا من أن تمعن في تأييد سلطة مستبدة وساقطة حتما، أن تلتزم الصمت ازاء الثورة السورية كما فعل حلفاؤها في قيادة حماس".
أما بخصوص الموقف الايراني المؤيد للاسد فقد القى الترك باللوم على "من يتعامى في السلطة الايرانية الحاكمة عن مطالب الشعب السوري المحقة ويمعن في دعمه غير المشروط للسلطة الديكتاتورية السورية وممارساتها الاجرامية بحق شعبها".
وتابع الترك (82 عاما) الذي يعتبر احد المعارضين التاريخيين لنظام الاسد "يمكنني القول انه في اللحظة التي توقف فيها السلطة الايرانية ويوقف حزب الله دعمهما للسلطة الاستبدادية في سوريا ويحترمان ارادة ورغبات الشعب السوري، فليس هناك من مشكلة معهما، بل يمكنني القول أنه سيكون في صالح الدولة السورية الجديدة".
كما أكد الترك ان الشعب السوري سيكون قادرا "عندما تؤول الامور لممثليه المنتخبين ديموقراطيا، على تحديد طبيعة العلاقات التي ستجمعه بمختلف الدول والأطراف الدولية والاقليمية، وفقا لمصالحه الوطنية ولموقف هذه الدول والأطراف من ثورته الوطنية".وشدد على أن الشعب السوري قادر على التصدي "لاي مؤامرات تستهدف لحمته الوطنية ووحدة ترابه وسيادته واستقلاله" في اشارة الى المخاوف من نشوب حرب اهلية بين الاغلبية السنية والطائفة العلوية التي ينتمي اليها الاسد.
كما أكد أن الشعب السوري "لا تربطه اي علاقة عداء او نزاع مع اي من دول المنطقة" سوى اسرائيل، وأنه "من حق الشعب السوري وواجبه ان يناضل بكل الوسائل المشروعة لاعادة الجولان المحتل إلى الوطن الام".
وأمضى الترك أكثر من 17 عاما في السجون السورية أبان حكم الرئيس الراحل حافظ الاسد، وتم سجنه ايضا من 2001 الى 2003 بعد وصول بشار الاسد الى السلطة.
وقال الترك في بيان تلقت وكالة "فرانس برس" نسخة منه: "يفترض أن يكون العدو الاستراتيجي لحزب الله هو اسرائيل وليس الثورات العربية وبالاخص منها الثورة السورية"، معتبرا أن "أي تدخل لهذا الحزب في مجريات الثورة السورية لن يفيد في المدى البعيد لا الثورة السورية ولا الحزب نفسه ولا مستقبل العلاقات التي ستربطه بالدولة السورية".
وأضاف: "كم كنت أتمنى على قيادات هذا الحزب بدلا من أن تمعن في تأييد سلطة مستبدة وساقطة حتما، أن تلتزم الصمت ازاء الثورة السورية كما فعل حلفاؤها في قيادة حماس".
أما بخصوص الموقف الايراني المؤيد للاسد فقد القى الترك باللوم على "من يتعامى في السلطة الايرانية الحاكمة عن مطالب الشعب السوري المحقة ويمعن في دعمه غير المشروط للسلطة الديكتاتورية السورية وممارساتها الاجرامية بحق شعبها".
وتابع الترك (82 عاما) الذي يعتبر احد المعارضين التاريخيين لنظام الاسد "يمكنني القول انه في اللحظة التي توقف فيها السلطة الايرانية ويوقف حزب الله دعمهما للسلطة الاستبدادية في سوريا ويحترمان ارادة ورغبات الشعب السوري، فليس هناك من مشكلة معهما، بل يمكنني القول أنه سيكون في صالح الدولة السورية الجديدة".
كما أكد الترك ان الشعب السوري سيكون قادرا "عندما تؤول الامور لممثليه المنتخبين ديموقراطيا، على تحديد طبيعة العلاقات التي ستجمعه بمختلف الدول والأطراف الدولية والاقليمية، وفقا لمصالحه الوطنية ولموقف هذه الدول والأطراف من ثورته الوطنية".وشدد على أن الشعب السوري قادر على التصدي "لاي مؤامرات تستهدف لحمته الوطنية ووحدة ترابه وسيادته واستقلاله" في اشارة الى المخاوف من نشوب حرب اهلية بين الاغلبية السنية والطائفة العلوية التي ينتمي اليها الاسد.
كما أكد أن الشعب السوري "لا تربطه اي علاقة عداء او نزاع مع اي من دول المنطقة" سوى اسرائيل، وأنه "من حق الشعب السوري وواجبه ان يناضل بكل الوسائل المشروعة لاعادة الجولان المحتل إلى الوطن الام".
وأمضى الترك أكثر من 17 عاما في السجون السورية أبان حكم الرئيس الراحل حافظ الاسد، وتم سجنه ايضا من 2001 الى 2003 بعد وصول بشار الاسد الى السلطة.
عن الفاشية
مقنطفات من كتاب لدانيال غيران (1904-1988)
ترجمة واختصار سعود المولى
الغيبية الصوفية هي أول شيء تقدمه الفاشية لجمهورها...
أولاً: لأن مجنديها الجدد ينقصهم التجانس ولأن لكل فئة من الفئات التي تتوجه اليها الفاشية مطالبها ومطامحها الخاصة... ولا شك ان ديماغوجية معادية للراسمالية تخدم في مثل هذه الحالة... الا ان هذه الديماغوجية المتناقضة في الغالب لا تكفي لربط كافة هؤلاء المتذمرين فيما بينهم..ومن هنا ضرورة ايجاد الوثاق الذي يوحدهم: غيبية صوفية يراد لها ان تكون غامضة يشترك فيها الجميع كائنة ما كانت التناقضات في مصالحهم ومفاهيمهم وتجعلهم مندمجين في وحدة شعورية روحية..
ثانياً:لأن الفاشية تفضل اثارة الايمان على التوجه نحو الذكاء..اذ ان حزبا يعيش على الاعانات المالية للراسمال الكبير ويستهدف سرا الدفاع عن مصالح المالكين لا يملك اية مصلحة في التوجه نحو ذكاء المنتسبين اليه ما لم يسحرهم بشكل كامل..وما ان يصبح المنتسب مؤمنا حتى يسهل التلاعب بالحقيقة والمنطق اذ لا يعود هذا المؤمن يرى سوى النار..واذا فتح عينيه صدفة يمكن اعادة اغلاقهما بالحجة السامية التالية: هذا ما يريده الزعيم!! بالاضافة الى ان الفاشية تتمتع بحظ التوجه للبؤساء والمستائين..والمعروف ان ظاهرة البؤس مع الاستياء هي ما يمهد للغيبية الصوفية..وهذه ظاهرة قديمة قدم العالم...فبعد حد معين من البؤس لا يعود الانسان يفكر ولا يعود يطالب بحلول منطقية لمصائبه ولا يعود يملك شجاعة انقاذ نفسه..فهو ينتظر معجزة ويطلب مخلصاً ويبدي استعداداً للحاق بهذا المخلص والتضحية بنفسه من اجله..
ثالثاً: لأن الفاشية على عكس الاشتراكية تحتقر الجماهير ولا تتأخر في النظر اليها من زاوية ضعفها.. كان موسوليني يفاخر بتجربته مع الشعب التي "خدمته كثيراً" و"سمحت له بمعرفة نفسية الجماهير"... وكان يردد بعض أحكام كتاب غوستاف لوبون "نفسية الجماهير": الجماهير غير جديرة بالرأي الحر ولا بأية آراء سوى تلك المفروضة عليها من خارج.. لا يمكن قيادة الجماهير وفق قواعد مؤسسة على الانصاف النظري الحالص بل بالبحث عما يمكنه التأثير عليها وسحرها... لا تعرف الجماهير سوى العواطف البسيطة والمتطرفة... ولا يمكن التأثير عليها الا بواسطة الصوَر....
أما هتلر فكان يقول: ان الغالبية الكبرى للشعب تجد نفسها في وضعية وحالة نفسية أنثوية الى حد ان آراءها وافعالها محددة بواسطة الانطباع الجاري على مستوى الحواس اكثر مما هي محددة بواسطة التفكير..كما ان الجمهور قليل التأثر بالافكار المجردة وبالمقابل يمكن التأثير عليه بسهولة اكثر في ميدان العواطف والمشاعر"..
خدعة الفاشية الكبرى هي في نبش الشعور الديني في شكله الأكثر قدماً : تمجيد رجل العناية الالهية.
فتحت غطاء الحضارة بقي الانسان يعبد الأصنام.. في الماضي كان البشر يتخيلون الهة ليست سوى الانعكاس الوهمي لكائناتهم..اما اليوم فهم يشعرون بالحاجة الى خلق أسطورة منقذة يسقطون فيها أنفسهم.. إلا أنها بالمقابل أسطورة تحمل وزر أحقادهم وحاجاتهم وافكارهم وحتى حياتهم اليومية...وهم يضعفون أمام الإله الذي خلقوه على صورتهم... فينتظرون الخلاص على يد الفوهرر أو الدوتشي أو الزعيم...
بيد أن هذه الشخصية الأسطورية لم تتشكل دفعة واحدة: لقد صنعتها الفاشية كلياً وخلال عمل إيحائي طويل وصبور.. ففي البداية نرى بعض الدجالين المهرة وبينهم المعبود المقبل يحاولون أن يخلقوا لدى الشعب حاجة غامضة الى مسيح مخلّص..إلى ديكتاتور منقذ...الى زعيم..
هذا ما فعله موسوليني وهتلر وما يفعله كل من لف لفهم...
ترجمة واختصار سعود المولى
الغيبية الصوفية هي أول شيء تقدمه الفاشية لجمهورها...
أولاً: لأن مجنديها الجدد ينقصهم التجانس ولأن لكل فئة من الفئات التي تتوجه اليها الفاشية مطالبها ومطامحها الخاصة... ولا شك ان ديماغوجية معادية للراسمالية تخدم في مثل هذه الحالة... الا ان هذه الديماغوجية المتناقضة في الغالب لا تكفي لربط كافة هؤلاء المتذمرين فيما بينهم..ومن هنا ضرورة ايجاد الوثاق الذي يوحدهم: غيبية صوفية يراد لها ان تكون غامضة يشترك فيها الجميع كائنة ما كانت التناقضات في مصالحهم ومفاهيمهم وتجعلهم مندمجين في وحدة شعورية روحية..
ثانياً:لأن الفاشية تفضل اثارة الايمان على التوجه نحو الذكاء..اذ ان حزبا يعيش على الاعانات المالية للراسمال الكبير ويستهدف سرا الدفاع عن مصالح المالكين لا يملك اية مصلحة في التوجه نحو ذكاء المنتسبين اليه ما لم يسحرهم بشكل كامل..وما ان يصبح المنتسب مؤمنا حتى يسهل التلاعب بالحقيقة والمنطق اذ لا يعود هذا المؤمن يرى سوى النار..واذا فتح عينيه صدفة يمكن اعادة اغلاقهما بالحجة السامية التالية: هذا ما يريده الزعيم!! بالاضافة الى ان الفاشية تتمتع بحظ التوجه للبؤساء والمستائين..والمعروف ان ظاهرة البؤس مع الاستياء هي ما يمهد للغيبية الصوفية..وهذه ظاهرة قديمة قدم العالم...فبعد حد معين من البؤس لا يعود الانسان يفكر ولا يعود يطالب بحلول منطقية لمصائبه ولا يعود يملك شجاعة انقاذ نفسه..فهو ينتظر معجزة ويطلب مخلصاً ويبدي استعداداً للحاق بهذا المخلص والتضحية بنفسه من اجله..
ثالثاً: لأن الفاشية على عكس الاشتراكية تحتقر الجماهير ولا تتأخر في النظر اليها من زاوية ضعفها.. كان موسوليني يفاخر بتجربته مع الشعب التي "خدمته كثيراً" و"سمحت له بمعرفة نفسية الجماهير"... وكان يردد بعض أحكام كتاب غوستاف لوبون "نفسية الجماهير": الجماهير غير جديرة بالرأي الحر ولا بأية آراء سوى تلك المفروضة عليها من خارج.. لا يمكن قيادة الجماهير وفق قواعد مؤسسة على الانصاف النظري الحالص بل بالبحث عما يمكنه التأثير عليها وسحرها... لا تعرف الجماهير سوى العواطف البسيطة والمتطرفة... ولا يمكن التأثير عليها الا بواسطة الصوَر....
أما هتلر فكان يقول: ان الغالبية الكبرى للشعب تجد نفسها في وضعية وحالة نفسية أنثوية الى حد ان آراءها وافعالها محددة بواسطة الانطباع الجاري على مستوى الحواس اكثر مما هي محددة بواسطة التفكير..كما ان الجمهور قليل التأثر بالافكار المجردة وبالمقابل يمكن التأثير عليه بسهولة اكثر في ميدان العواطف والمشاعر"..
خدعة الفاشية الكبرى هي في نبش الشعور الديني في شكله الأكثر قدماً : تمجيد رجل العناية الالهية.
فتحت غطاء الحضارة بقي الانسان يعبد الأصنام.. في الماضي كان البشر يتخيلون الهة ليست سوى الانعكاس الوهمي لكائناتهم..اما اليوم فهم يشعرون بالحاجة الى خلق أسطورة منقذة يسقطون فيها أنفسهم.. إلا أنها بالمقابل أسطورة تحمل وزر أحقادهم وحاجاتهم وافكارهم وحتى حياتهم اليومية...وهم يضعفون أمام الإله الذي خلقوه على صورتهم... فينتظرون الخلاص على يد الفوهرر أو الدوتشي أو الزعيم...
بيد أن هذه الشخصية الأسطورية لم تتشكل دفعة واحدة: لقد صنعتها الفاشية كلياً وخلال عمل إيحائي طويل وصبور.. ففي البداية نرى بعض الدجالين المهرة وبينهم المعبود المقبل يحاولون أن يخلقوا لدى الشعب حاجة غامضة الى مسيح مخلّص..إلى ديكتاتور منقذ...الى زعيم..
هذا ما فعله موسوليني وهتلر وما يفعله كل من لف لفهم...
الشعائر الحسينية بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي
عصام الطائي
يوجد هناك نمطين من المرجعية حيث ان الشيعة الامامية لها مرجعيتين وليس مرجعية واحدة ونفس القضية في الشعائر الحسينية ينطبق عليها نفس الحالة اذ هي تتراوح بين تشيعين التشيع العلوي والتشيع الصفوي ويتضح هذا الكلام من خلال وجود مجموعة من المنطلقات والتصرفات التي تجعلنا نميز كلا النوعين.
أولا : ففي مجال الشعائر يركز التشيع الصفوي على احياء الشعائر الحسينية من منطلق الشكل وليس المضمون من خلال اقتباسه مجموعة من الشعائر لا تنسجم مع منطلقات العقيدة الإسلامية منها التطيير والضرب بالسلاسل وكثير من الممارسات الأخرى المقتبسة في كثير من الأحيان من مصادر غير إسلامية لذلك من الصعوبة ان تكتسب المشروعية وخصوصا اذ ما نظرنا اليها من ناحية العناوين الثانوية التي قد تكتسب هذه الشعائر الحرمة خصوصا مع الإساءة الى الإسلام من خلال بناء صورة سلبية للإسلام.
ثانيا : نظرنا الى نوعية الخطاب من قبل التشيع الصفوي فلا يعير هؤلاء أهمية لقيمة الكلمة ومدى فاعليتها في التأثير على النفس باعتبار ان نوع الكلام يعبر عما يعتقد صاحبه فالتشيع الصفوي لا يعير أهمية للمضمون بل مجرد أي كلام شكلي حتى لو لم يكن له محتوى فكري اما أصحاب الاتجاه العلوي حينما يحيون تلك المجالس يركزون على المضمون الفكري مما يجعل نوع من التفاعل الواقعي مع الأحداث فتكون هناك تفاعل الكثير مع أصحاب هذا الاتجاه بخلاف التشيع الصفوي فيظهر صورة سلبية وبالتالي يؤدي الى النظر الى تلك الشعائر بصورة تظهر التشيع يحمل أفق ضيق.
ثالثا : أسلوب الخطاب في التشيع الصفوي يتسم الاهتمام بالأمور الثانوية وليس الجوهرية في ثورة الامام الحسين ع لذلك يذكر الخطباء كل من يجول بخاطرهم حتى بدون النظر الى الأفكار التي تطرح من حيث مصداقيتها او عدم مصداقيتها لذلك نلاحظ في كثير من الأحيان ينسبوا أمورا ليس لها واقعية وقد ذكر جملة من المفكرين بعض تلك الممارسات السلبية وأثره السلبي على التشيع وبالتالي على الإسلام منها كتاب مرتضى مطهري في الملحمة الحسينية والسيد من محمد الصدر في كتاب شذرات من فلسفة تاريخ الحسين وكذلك كتابه أضواء على الثورة الحسينية وعلي شريعتي في جملة من كتابته خصوصا كتابه التشيع الصفوي والتشيع العلوي والعلامة محسن الأمين في رسالته المعروفة والمشهورة رسالة التنزيه للشعائر الحسينية الا ان البعض وقف ضده متهمن إياه بشتى الاتهامات مع علميته الواسعة والاحترام الكبير له من قبل الفقهاء اما بالنسبة الى كتاب الملحمة الحسينية للمطهري حاول البعض من إظهار جمل من الادعاءات الواهية ان الكتاب ليس لمرتضى مطهري وبعض الفقهاء تعرضوا الى الإعدام المعنوي من خلال الإساءة اليهم من خلال اتهامهم بشتى الاتهامات كل ذلك بسبب سيطرة اتجاه التشيع الصفوي على كثير من الفعاليات في الساحة الشيعية اما محمد الصدر فتهم كذلك بشتى الاتهامات الا ان كل هذه الأمور لا تطفئ النور الساطع للتشيع العلوي .
رابعا : اما بالنسبة الى الجمهور قد تلاحظ جملة من التصرفات التي قد تسيء الى الآخرين من جراء تعاملهم مع الآخرين بينما لو لاحظنا أخلاق الامام الحسين ع وأصحابه لرأينا تلك الأخلاق السامية والمثل العليا ومدى تحلي هؤلاء بالروح الإسلامية والتي من خلالها نلاحظ تفاعل هؤلاء مع معطيات الرسالة بصورة يجسدون فيها من خلال مضامين الرسالة بكل ما تحمل من قيم ومثل ومبادئ الا ان البعض نتيجة لاهتمامه بالشكل أي مجرد تأدية الشعائر حتى لو جرح الآخرين بكلام او سلوك لذلك نرى أصحاب التشيع العلوي يركزون على المضمون لأنهم يشعرون ان الأساس هي تلك القيم العليا التي لا بد من الذي يحي تلك الشعائر ان يتحلى بها بخلاف أصحاب التشيع الصفوي الذي ترى قد يكون بعض الناس ليس له أي التزام ديني او أخلاقي لذلك نلاحظ تركيز هؤلاء على تأدية تلك الشعائر بدون النظر الى المضمون الفكري والأخلاقي والعقائدي.
خامسا يوجد صراع فكري بين هذين المنهجين لان كل اتجاه يحاول او يقدم أجندته ومن خلال رؤيتنا للفكر نلاحظ عظمة المباني الفكرية والعقائدية لمدرسة أهل البيت ع من حيث وصولها الى أفاق عليا في النضوج الفكري الا ان المرجعية التقليدية لم تمارس دورها المطلوب في توجيه الناس باعتبار لها فهم ساذج للأمور لأنها تتصور ان دورها يقتصر على ابداء الفتاوى كحكم كلي فليس من وظيفتها التدخل في الموضوعات علما ان الموضوعات لها درجات مختلفة فهناك أمور يتوجب على الفقيه التدخل بها وهناك أمور أخرى يمكن إرجاعها للمكلف نفسه وليس بالضرورة ان يتدخل الفقيه كما في تشخيص النجاسة الخارجية والشعائر الحسينية من الأمور الجوهرية التي يتطلب موقف حاسم من قبل المرجعية منها عدم تصوير التطيير عبر القنوات الفضائية وحصره كمرحلة أولى في اماكن مغلقة الى ان تتوفر الظروف لمنعه نهائيا .
سادسا : المشكلة الأخرى لدى البعض هو المبالغة في تصورهم للأحداث بصورة تتسم بالمبالغة وسوء الفهم مما يجعل ان يستعمل البعض الرمزية أكثر مما هو متعارف مما يخلق حصول ضبابية في الأحداث وبالتالي تصورهم الخاطئ للواقع الخارجي مما يسبب سوء معالجة للأمور وبالتالي الى زيادة المشاكل والأزمات لذلك نلاحظ من قبل البعض انه لا يركز الا على نقل الروايات التي بها نوع من المبالغة من دون التأكيد من صحتها.
ثامنا ان مشكلة التشيع اليوم تكمن في التشيع الصفوي فله شبكة واسعة من وسائل الاعلام لا يعرف من أين مصادرها وكثير ومن وسائل التأثير على الجمهور وبالتالي نتيجة ذلك لا تظهر تلك الممارسات السلبية الصورة الايجابية للتشيع علما ان الفكر الشيعي وصل الى أفاق عليا في شتى المجالات في الفقه والأصول والعقائد والمنطق والفلسفة وعلم الكلام والتفسير وشتى العلوم بفضل ما يتصف التشيع من وجود إمكانيات هائلة له لقد وقف الكثير من رموز التشيع الصفوي حجر عثرة بوجه التشيع العلوي لذا المطلوب اليوم زيادة فعالية الفرز بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي لتتبين للناس حقائق الإسلام الناصعة وذلك يحتاج التركيز على هذا الفرز لأنه عنصر مهم في الإصلاح والتغير والبناء وبالتالي الى بناء كتلة تعمل على جعل تلك الشعائر تنطلق من تصورات ومفاهيم صحيحة لا لبس فيها . ملاحظ : التشيع الصفوي وان كان ينسب للصفويين ان كل من يتصف بأمور معينة يحسب على هذا الاتجاه حتى لو كان عربيا او كرديا او تركمانيا او غيرهم..
يوجد هناك نمطين من المرجعية حيث ان الشيعة الامامية لها مرجعيتين وليس مرجعية واحدة ونفس القضية في الشعائر الحسينية ينطبق عليها نفس الحالة اذ هي تتراوح بين تشيعين التشيع العلوي والتشيع الصفوي ويتضح هذا الكلام من خلال وجود مجموعة من المنطلقات والتصرفات التي تجعلنا نميز كلا النوعين.
أولا : ففي مجال الشعائر يركز التشيع الصفوي على احياء الشعائر الحسينية من منطلق الشكل وليس المضمون من خلال اقتباسه مجموعة من الشعائر لا تنسجم مع منطلقات العقيدة الإسلامية منها التطيير والضرب بالسلاسل وكثير من الممارسات الأخرى المقتبسة في كثير من الأحيان من مصادر غير إسلامية لذلك من الصعوبة ان تكتسب المشروعية وخصوصا اذ ما نظرنا اليها من ناحية العناوين الثانوية التي قد تكتسب هذه الشعائر الحرمة خصوصا مع الإساءة الى الإسلام من خلال بناء صورة سلبية للإسلام.
ثانيا : نظرنا الى نوعية الخطاب من قبل التشيع الصفوي فلا يعير هؤلاء أهمية لقيمة الكلمة ومدى فاعليتها في التأثير على النفس باعتبار ان نوع الكلام يعبر عما يعتقد صاحبه فالتشيع الصفوي لا يعير أهمية للمضمون بل مجرد أي كلام شكلي حتى لو لم يكن له محتوى فكري اما أصحاب الاتجاه العلوي حينما يحيون تلك المجالس يركزون على المضمون الفكري مما يجعل نوع من التفاعل الواقعي مع الأحداث فتكون هناك تفاعل الكثير مع أصحاب هذا الاتجاه بخلاف التشيع الصفوي فيظهر صورة سلبية وبالتالي يؤدي الى النظر الى تلك الشعائر بصورة تظهر التشيع يحمل أفق ضيق.
ثالثا : أسلوب الخطاب في التشيع الصفوي يتسم الاهتمام بالأمور الثانوية وليس الجوهرية في ثورة الامام الحسين ع لذلك يذكر الخطباء كل من يجول بخاطرهم حتى بدون النظر الى الأفكار التي تطرح من حيث مصداقيتها او عدم مصداقيتها لذلك نلاحظ في كثير من الأحيان ينسبوا أمورا ليس لها واقعية وقد ذكر جملة من المفكرين بعض تلك الممارسات السلبية وأثره السلبي على التشيع وبالتالي على الإسلام منها كتاب مرتضى مطهري في الملحمة الحسينية والسيد من محمد الصدر في كتاب شذرات من فلسفة تاريخ الحسين وكذلك كتابه أضواء على الثورة الحسينية وعلي شريعتي في جملة من كتابته خصوصا كتابه التشيع الصفوي والتشيع العلوي والعلامة محسن الأمين في رسالته المعروفة والمشهورة رسالة التنزيه للشعائر الحسينية الا ان البعض وقف ضده متهمن إياه بشتى الاتهامات مع علميته الواسعة والاحترام الكبير له من قبل الفقهاء اما بالنسبة الى كتاب الملحمة الحسينية للمطهري حاول البعض من إظهار جمل من الادعاءات الواهية ان الكتاب ليس لمرتضى مطهري وبعض الفقهاء تعرضوا الى الإعدام المعنوي من خلال الإساءة اليهم من خلال اتهامهم بشتى الاتهامات كل ذلك بسبب سيطرة اتجاه التشيع الصفوي على كثير من الفعاليات في الساحة الشيعية اما محمد الصدر فتهم كذلك بشتى الاتهامات الا ان كل هذه الأمور لا تطفئ النور الساطع للتشيع العلوي .
رابعا : اما بالنسبة الى الجمهور قد تلاحظ جملة من التصرفات التي قد تسيء الى الآخرين من جراء تعاملهم مع الآخرين بينما لو لاحظنا أخلاق الامام الحسين ع وأصحابه لرأينا تلك الأخلاق السامية والمثل العليا ومدى تحلي هؤلاء بالروح الإسلامية والتي من خلالها نلاحظ تفاعل هؤلاء مع معطيات الرسالة بصورة يجسدون فيها من خلال مضامين الرسالة بكل ما تحمل من قيم ومثل ومبادئ الا ان البعض نتيجة لاهتمامه بالشكل أي مجرد تأدية الشعائر حتى لو جرح الآخرين بكلام او سلوك لذلك نرى أصحاب التشيع العلوي يركزون على المضمون لأنهم يشعرون ان الأساس هي تلك القيم العليا التي لا بد من الذي يحي تلك الشعائر ان يتحلى بها بخلاف أصحاب التشيع الصفوي الذي ترى قد يكون بعض الناس ليس له أي التزام ديني او أخلاقي لذلك نلاحظ تركيز هؤلاء على تأدية تلك الشعائر بدون النظر الى المضمون الفكري والأخلاقي والعقائدي.
خامسا يوجد صراع فكري بين هذين المنهجين لان كل اتجاه يحاول او يقدم أجندته ومن خلال رؤيتنا للفكر نلاحظ عظمة المباني الفكرية والعقائدية لمدرسة أهل البيت ع من حيث وصولها الى أفاق عليا في النضوج الفكري الا ان المرجعية التقليدية لم تمارس دورها المطلوب في توجيه الناس باعتبار لها فهم ساذج للأمور لأنها تتصور ان دورها يقتصر على ابداء الفتاوى كحكم كلي فليس من وظيفتها التدخل في الموضوعات علما ان الموضوعات لها درجات مختلفة فهناك أمور يتوجب على الفقيه التدخل بها وهناك أمور أخرى يمكن إرجاعها للمكلف نفسه وليس بالضرورة ان يتدخل الفقيه كما في تشخيص النجاسة الخارجية والشعائر الحسينية من الأمور الجوهرية التي يتطلب موقف حاسم من قبل المرجعية منها عدم تصوير التطيير عبر القنوات الفضائية وحصره كمرحلة أولى في اماكن مغلقة الى ان تتوفر الظروف لمنعه نهائيا .
سادسا : المشكلة الأخرى لدى البعض هو المبالغة في تصورهم للأحداث بصورة تتسم بالمبالغة وسوء الفهم مما يجعل ان يستعمل البعض الرمزية أكثر مما هو متعارف مما يخلق حصول ضبابية في الأحداث وبالتالي تصورهم الخاطئ للواقع الخارجي مما يسبب سوء معالجة للأمور وبالتالي الى زيادة المشاكل والأزمات لذلك نلاحظ من قبل البعض انه لا يركز الا على نقل الروايات التي بها نوع من المبالغة من دون التأكيد من صحتها.
ثامنا ان مشكلة التشيع اليوم تكمن في التشيع الصفوي فله شبكة واسعة من وسائل الاعلام لا يعرف من أين مصادرها وكثير ومن وسائل التأثير على الجمهور وبالتالي نتيجة ذلك لا تظهر تلك الممارسات السلبية الصورة الايجابية للتشيع علما ان الفكر الشيعي وصل الى أفاق عليا في شتى المجالات في الفقه والأصول والعقائد والمنطق والفلسفة وعلم الكلام والتفسير وشتى العلوم بفضل ما يتصف التشيع من وجود إمكانيات هائلة له لقد وقف الكثير من رموز التشيع الصفوي حجر عثرة بوجه التشيع العلوي لذا المطلوب اليوم زيادة فعالية الفرز بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي لتتبين للناس حقائق الإسلام الناصعة وذلك يحتاج التركيز على هذا الفرز لأنه عنصر مهم في الإصلاح والتغير والبناء وبالتالي الى بناء كتلة تعمل على جعل تلك الشعائر تنطلق من تصورات ومفاهيم صحيحة لا لبس فيها . ملاحظ : التشيع الصفوي وان كان ينسب للصفويين ان كل من يتصف بأمور معينة يحسب على هذا الاتجاه حتى لو كان عربيا او كرديا او تركمانيا او غيرهم..
التشيع العلوى والتشيع الصفوي
بقلم نبيل الحيدري-العراق
صدرت كتب عديدة قيمة لكتاب ومتخصصين عن هذا الموضوع الحساس ومنها كتاب (التشيع العلوى والتشيع الصفوى) لعالم الإجتماع الإيرانى على شريعتى، أيضا أشار إليها فقهاء كثيرون منهم محسن الأمين العاملى وجعفر كاشف الغطاء وزين الدين العاملى ومكى العاملى ومحمد حسين كاشف الغطاء ومهدى الحيدرى ومحمد باقر الصدر ومحمد الصدر وصدر الدين شرف الدين وعبد الحسين شرف الدين ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدى شمس الدين ومحمد جواد مغنية وعلى نقى الحيدرى وهاشم معروف الحسينى وموسى الصدر ومحمد رضا المظفر ومحمد سعيد الحبوبى وباحثون كثر منهم على الوردى وإبراهيم الحيدرى وجواد على وغيرهم، هؤلاء كلهم المذكورون آنفا من الشيعة، أما غيرهم فالأبحاث أكثر من تحصى وسأشير إلى بعضها فى غضون البحث.
ليس المقصود ب( التشيع الصفوى) هو الإيرانيون أو الفرس أصلا وأبدا بل يتناول تأثير الدولة الصفوية (1501-1736م) فى زمن سطوتها وسلطتها منذ استلام الشاه إسماعيل حيدر الصفوى (1478م-1524م) الحكم سنة 907ه (1501م) وجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية ونظر إليه كممثل للمهدى المنتظر والولي الهادى حصرا وتحويل إيران إلى دولة شيعية بالقهر والقوة والسلطان وقيامه بإحداث نقلة فى التشيع وتحويله إلى عقائد وفقه وثقافة وتقاليد وأعراف وممارسات لتحرفه عن (التشيع العلوى) ومبادئ الإمام على وحركته الثقافية الفكرية العقائدية الإجتماعية السياسية، إلى ما بات معروفا ب(التشيع الصفوى)، ومن هنا قد تجد عربا انحازوا إلى التشيع الصفوى بل ربما هاجر بعضهم إلى الدولة الصفوية وحجوا إليها وأيدوها واستفادوا منها كثيرا، ومن الجانب الآخر تجد فرسا وأتراكا وقوميات أخرى نقدت الصفوية وحكومتها وفسادها وجرائمها وانحرافها وانحازوا إلى الإمام على ومبادئه وما يسمى ب (التشيع العلوى) مثل علي شريعتى ومحمد تقى القمى ومحمد صالح المازندرانى وإبراهيم جناتى وغيرهم كثيرون كما قد يأتى لاحقا.
ومن أهم ذلك محاضرات المفكر الإيرانى على شريعتى المشهورة والمتميزة فى (حسينية إرشاد) بطهران (اشترك شريعتى فى تأسيس حسينية إرشاد عام 1969 بعد عودته من فرنسا حاملا شهادتى الدكتوراه فى تاريخ الإسلام وعلم الإجتماع لكنها أغلقت عام 1973 واعتقل مع والده ثم سافر إلى لندن وقتل عام 1977 والإتهامات بين جهاز الإستخبارات السافاك الإيرانية وجهاز المخابرات البريطانية والأجهزة الشيعية الصفوية). جمعت محاضراته لاحقا من أشرطة التسجيل فى كتاب (التشيع العلوى والتشيع الصفوى) طبع مرارا وتكرارا بالفارسية وترجم إلى لغات عديدة منها العربية دار الأمير فى بيروت. وقد أثار الكتاب جدلا كبيرا واسعا فى إيران لأهميته ودوره وأثره النقدى والتحليلى والواقعى. كان مركز الإشعاع والتنوير فى إيران هو عاصمتها طهران، وفى طهران كانت حسينية إرشاد محورا أساسيا فى ذلك الحراك والجدل الكبير. ثلاثة رموز بارزة كانت تحاضر فى الإرشاد مرتضى مطهرى وحسين نصر وعلى شريعتى، وهو أفضلهم وأميزهم وأقواهم فى الفكر والعرض والنقد فقد شمل نقده إضافة للشاه وظلمه أيضا رجال الدين وسطوتهم ودجلهم وجبروتهم وما سماه (الإستحمار الدينى) فى كتابه (النباهة والإستحمار) حتى قيل (إذا تكلم شريعتى، سكت مطهرى ونصر وغيرهما فهو أرقى منهم بكثير) وكان لشريعتى دور كبير فى التنوير على صعيد الجامعات والمثقفين والأحرار خصوصا فى إيران.
المقصود بالتشيع العلوى هو تشيع الإمام علي بن أبى طالب (559 م-661 م) صهر الرسول وناصره الأكبر تربى على يديه مذ كان صبيا تابعا له كما قال (ولقد علمتم موضعى من رسول الله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعنى فى حجره وأنا ولد يضمنى فى صدره ويكتنفنى فى فراشه ويمسنى جسده ويشمنى عرفه، ماوجد لى كذبة فى قول ولا خطلة فى فعل، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه يرفع لى فى كل يوم من أخلاقه علما يأمرنى بالإقتداء به) نهج البلاغة-الخطبة 192 وله مناقب جمة خصوصا فى الحروب ومبيته فى فراش النبى عندما قصدت قريش قتله وغيرها. قال جلال الدين السيوطى (هو أخو رسول الله بالمؤاخاة وصهره على فاطمة والسابق إلى الإسلام وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكرين والخطباء المعروفين ولم يعبد الأوثان قط …) تاريخ الخلفاء/ جلال الدين السيوطى/ ص185
هو الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين الأربعة وهو الإمام الأول لمن يعتقد بالإمامة من المذاهب الشيعية المختلفة كالإمامية الإثنى عشرية أو الزيدية أو الإسماعيلية أو غيرها. كان الإمام يمثل رمزا للكثير من الفرق والشخصيات على مر التاريخ فالشيعة يرجعون إليه، كما أن السنة أحبوه ويعتبرون أنفسهم شيعة على (الصواعق المحرقة/إبن حجر/ص 92) ورجوع فقهاء السنة إليه (عبقرية الإمام/عباس العقاد/ ص43)، كذلك المتصوفة يرجعون إليه كرائد لهم (عبقرية الإمام/ العقاد/ص 43). قال إبن أبى الحديد المعتزلى فى شرحه لنهج البلاغة يقول: (ما أقول فى رجل تعزى إليه كلّ فضيلة ، و تنتهى إليه كلّ فرقة ، و تتجاذبه كلّ طائفة. فهو رئيس الفضائل و ينبوعها و أبو عذرها و سابق مضمارها و مجلى حلبتها، كلّ من بزغ فيها بعده فعنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى) وقال آخر ( لم أعجب من راهب ترك دنياه و عبد فى صومعته، و لكن أعجب ممّن صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها حتى صار راهبا، واصفا لها بعفطة عنز أو خصف نعل إلاّ ان يقيم حقّاً او يدحض باطلاً)، وقال أحمد ابن حنبل (ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلى) فجر الإسلام/أحمد أمين/ص149 وقال الخليل الفراهيدى (إستغناؤه عن الكل واحتياجهم إليه دليل كونه إماما لهم) وقال عمر بن الخطاب (لولا علي لهلك عمر). كما كتب عنه مسيحيون كشبلى شمل وجبران خليل جبران، وجورج جرداق موسوعة أسماها (علي صوت العدالة الإنسانية)، وبولس سلامة فى غديريته قائلا:
لاتقل شيعة هواة علي إن فى كل منصف شيعيا
جلجل الحق فى المسيحي حتى عد من فرط حبه علويا
هو فخر التاريخ لافخر شعب يدعيه ويصطفيه وليا
كان رب الكلام من بعد طه ما رأى الكون مثله آدميا
فيا سماء اشهدى ويا أرض قرى واخشعى فإنى ذكرت عليا
يدعى شريعتى بأن كل المبادئ التى حملها الإمام علي كان لها أصل فى مبادئ القرآن وروحه وكذلك سيرة الرسول وسنته وهو مطبق لهذه المبادئ غير منحرف عنها.
يقول فيليب حتى (إن عليا يقوم فى التراث العربى مقام سليمان الحكيم حتى تجمع حول اسمه عدد لايحصى من الحكم والمواعظ والأمثال بل وجد اسمه محفورا على الكثير من السيوف العربية فى القرون الوسطى وأصبح قدوة ومثالا للكثير من الفتيان والصوفية وغيرهم) لذلك يرجع ابن خلدون التصوف إليه قائلا (إن الصوفية لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم ورفعوه إلى علي...) المقدمة/ابن خلدون/ ص470 ولكثرة العلوم المنسوبة إليه تعجب أحمد أمين قائلا (كأن العقول كلها أجدبت وأصيبت بالعقم إلا على ابن أبى طالب...) فجر الإسلام/أحمد أمين/ص 276
فقد قال ابن أبى الحديد أن عليا كان أبا لعلم الكلام، ونسب العقاد فقه أبى حنيفة وفقه مالك إلى سلسلة ترجع إليه، وأرجع أحمد أمين أسس علم النحو إليه وغيرها.
عالم الإجتماع العراقى على الوردى يشرح ظروف وأسباب فضائله ومناقبه وحب الناس له قائلا (إن عليا بدأ سيرته الإجتماعية وهو محاط بهالة من الأحاديث النبوية المشيدة بفضله وشاء القدر أن ينهض على لمكافحة قريش ولمقاومة نزعتها الطبقية فى الإسلام فأصبحت ذكراه من جراء ذلك ملجأ روحيا لكل من يشكو من الظلم أو الإستعباد، وهذا أدى بدوره إلى انهماك الناس فى حب علي والإشادة بفضله) وعاظ السلاطين/ على الوردى/ 247
لذلك كان الإمام علي فى أقواله وأفعاله وسيرته يمثل التشيع العلوى الأصيل معتبرا الإمام عليا أصله، بينما التشيع الصفوى الذى أسسته الدولة الصفوية منذ استلام الشاه إسماعيل الصفوى الحكم فى سنة 1501 م متأخرا عنه، أى بعد أكثر من ثمانمائة وأربعين سنة بعد وفاة الإمام علي، ويعد دخيلا عليه ومغايرا له فى المبادئ والقيم فيسميه (التشيع العلوى الأصيل والتشيع الصفوي)..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)