الاثنين، 16 يوليو 2012
حوار مع الشيخ حيدر حبّ الله حول المنهج الاجتهادي للإمام شمس الدين
أجرى الحوار شبكة اجتهاد الالكترونية
س: يشير آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدین إلى انعدام الرؤية الاجتماعية في الاجتهاد والاكتفاء بالتطبيق الفردي للأحكام الشرعيّة، كيف يمكننا تقعيد هذه الرؤية وبسطها وتوسعتها؟
الشيخ حيدر حب الله: يمكننا استنباط البنية الأصوليّة لنظرية العلامة شمس الدين في موضوع الفرديّة والاجتماعيّة من نظريّته فيما أسماه خطاب الأمّة وتحليل الوجوب الكفائي بما يرجعه إلى الوجوب العيني، فالمكلّف قد يكون شخصاً حقيقياً، وقد يكون هو الأمّة بما هي أمة، بمعنى أن يكون لكونها أمّة تأثير في التكليف، وهذا ما قد يحوّل الوجوب الكفائي إلى عيني بتغيير نوعية المخاطَب أو المكلف فيه من الأفراد إلى الأمّة والجماعة، وهذا التكليف المتوجّه للأمة إنما يلحق الأفراد كونهم من الأمّة، لا باعتبارهم وجودات حقيقية شخصية.
وينظّر الشيخ شمس الدين عبر هذه النظرية للفقه المجتمعي، إلى جانب الفقه الفردي السائد، وقد انتصرتُ لهذه النظرية في كتابي (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقلت بأنه كما أقرّ المالك الحقوقي، كذلك يمكن تصوّر المكلّف النوعي أيضاً، فإنّ الجعل في العهدة له نحو اعتبار تماماً كما في باب الملكيات، والفرق أنّه في الواجب الكفائي بمعناه المشهور يكون الوجوب من الأوّل منحلاً إلى الأفراد، فيثبت في ذمّة كل فردٍ وجوبٌ لأداء التكليف، ولا تترابط الوجوبات بين المكلّفين، إلاّ من حيث أنّ أداء بعضهم يؤدّي إلى سقوط التكليف عن الآخر، لا أنّ ثبوته على بعضهم مشروط بثبوته أو عدم ثبوته على الآخرين، أمّا على نظرية شمس الدين فيمكن القول بأنّ الوجوب الداخل في عهدة زيد مشروط في مقام الجعل بوجوب آخر مماثل ثابت في ذمة عمرو، فالوجوبات مترابطة، لا أن السقوط مربوط بأداء الآخرين، ومعنى ذلك أنّ الجاعل والمشرّع قد تصوّر جملة وجوبات مشروطة في مقام ثبوتها على المكلّفين، فبدل أن يجعلها وجوبات حصل له منها تصوّر مجموعي، هو ما نسميّه بخطاب الجماعة أو تكليف الجماعة، فبالمآل نحن لم نتجاهل ذمم الأفراد، لكننا لاحظناها على نحو المجموع.
فالمشرّع في الواجبات العينية يلاحظ في مقام الجعل والاعتبار الأفرادَ والآحاد، ثم يدخل في عهدة الفرد الذي لاحظه الحكمَ الإلزامي، وإدخاله هذا الحكم في عهدة الفرد بما هو فرد لم يلاحظ فيه إطلاقاً في مقام الجعل انضمام الفرد الآخر إليه، بل تمّ تصوّر صدور الوضوء من الفرد بصرف النظر عن صدوره أو عدم صدوره من الفرد الآخر؛ لأنّ مبادئ الحكم من المصلحة وغيرها مركّزة على فعل الفرد، فالوضوء مصلحته الإلزامية يكفي فيها فعل الفرد له، وهي تتحقّق بفعل زيد مع عمرو أو فعله الوضوء من دون عمرو، فهذا هو البُعد الفردي في الواجبات الفردية العينية.
أمّا في الواجبات الكفائية المجتمعية، فالأمر مختلف، فإنه لا مصلحة في فعل الفرد لوحده؛ لأنّ الغرض لا يتحقّق به، فوجوب الجهاد على زيد لا قيمة له لوحده؛ إذ من الطبيعي في العادة أن لا يكون هذا الوجوب محقّقاً للغرض؛ لأنّ الجهاد ظاهرة جماعية لا يحصل الغرض منها بفعل فردٍ واحدٍ عادةً، لهذا فإنّ المشرّع عندما يشرّع فريضة الجهاد، فهو يقوم بملاحظة أكثر من فرد، وملاحظة المصلحة في فعل الجماعة لا في فعل الفرد، فيريد فعل الجماعة، فيصدر الحكم على فعل الجماعة.
وفعلُ الجماعة الذي يتحقّق به الغرض ليس سوى أفعال مترابطة، فصلها عن بعضها يلغيها، فلابد من فرضها بمقدار تحقّق الغرض، وهو ما يسمّونه مقدار من به الكفاية، لهذا عندما يجعل المولى الحكم بوجوب الجهاد، فهو لا يلاحظ زيداً لوحده، وإنما يلاحظ فعلَه منضماً إلى فعل عمرو، لهذا يربط الوجوب على زيد بالوجوب على عمرو؛ لأنّ فعلهما مترابط على مستوى تحقيق الملاكات والأغراض، بخلاف الوضوء والصلاة والصيام، فهي وإن كانت لها مصالحها بملاحظة واقعها الجماعي لكنّ مصلحتها بملاحظة واقعها الفردي كافية في إثباتها الوجوب عليها.
لكن كيف نعرف أنّ الوجوب هنا أو هناك فردي أو مجتمعي؟ أعتقد أنّ هذه مسألة مهمّة حتى لا نتوه في الفرضيات، فالخطابات الدينية متشابهة من حيث البنية والصورة، فلماذا كان الوضوء وجوباً فردياً فيما الجهاد عند شمس الدين مجتمعياً؟ وهذا السؤال بعينه يمكن أن نوجّهه إلى الاتجاه المشهور، فكيف نميّز بين الكفائي والعيني إثباتاً؟
أعتقد أنّ الحلّ يكمن في التحليل العقلاني العقلائي للموضوع تماماً كما فعل العلماء في التمييز بين الكفائي والعيني، وأزعم أنّ الوعي العقلائي يميّز بين تكليف فردي ومجتمعي مما يكون تحقّقه من الفرد الواحد غير ممكن عادة مثل تشكيل دولة إسلامية، ولزوم المشاركة في بلوغ الحاكم العادل سدّة الحكم، ووجوب الجهاد، وأمثالها مما يراه العقل العقلائي تكاليف موجّهة للجماعة، يُراد منها ذاتها وتحقّقها في الخارج.
وشاهد ذلك أننا نشعر بوجداننا بالفرق بين خطاب «صلّوا» الذي نحسّ أنه موجّه للفرد، وخطاب «أقيموا دولةً إسلامية» الذي يُشعر الفرد أنه لا يخاطبه بما هو هو، بل بما هو جزء من جماعة هي المخاطبة به، ولهذا تجد حسّ الجماعة حاضراً عنده في النوع الثاني، بينما تجده في النوع الأوّل غير معنيّ بالجماعة، وهو يمتثل أمر «صلّ» أو «طهّر الثوب قبل الصلاة».
إنّ هذا الارتكاز العقلائي في فهم أنواع النصوص هو الذي يشكّل قرينة فهم الفردية أو المجتمعية، وطبعا ليس كل وجوب كفائي هو مجتمعي فتغسيل الميت كفائي لكن لا يفهم عقلائياً كوجوب الجهاد.
من هنا يخرج العلامة شمس الدين بتنويع لخطابات القانونية في الكتاب والسنّة، إلى خطابات فردية وأخرى مجتمعيّة، بما يولد لنا الفقه الخاص والفقه العام، ويمكننا أن نضيف نوعاً ثالثاً من الخطابات هي خطابات حكوميّة ربما تتصل بالفرد الحاكم تارةً وبالمجتمع أخرى لا مجال للحديث عنها هنا، وهناك إمكانية لفتح تحليلات متعدّدة بعد ثبوت طبيعة الوجوب المجتمعي هنا أو هناك، من نوع أنّه لو لم يقم المجتمع بوظيفته فهل يجب على الفرد القيام بذلك بالقدر الذي يمكنه أم أنّ الوجوب يسقط عنه؟ وربما يثبت في حقّه وجوب أمر المجتمع بالمعروف فقط، فإذا اقتنع المجتمع بذلك تمّ إجراء التكليف خارجاً، وليس من البعيد أن يلتزم العلامة شمس الدين بمثل ذلك فيُسقط وجوب اقامة الدولة الإسلامية أو وجوب الجهاد عندما يتخلّى المجتمع ككل عن هذه الفريضة، ويثبت في هذه الحال وجوبٌ آخر مرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لابدّ لمن تبقّى من المؤمنين أن يأمر سائر الناس بالاندفاع والانبعاث نحو تحقيق هذا التكليف المجتمعي أو ذاك، وهذا أمر له نتائج هامّة على صعيد التكاليف المجتمعيّة.
س: حبذا لو توضحون لنا حقيقة الاتجاه التقريبي الذي كان عند آية الله شمس الدين، وكيف كان ينظر لقضايا العالم الإسلامي من منظار تقريبي؟
الشيخ حب الله: يعتقد العلامة شمس الدين بأنّ مبدأ الوحدة الإسلامية والاخوّة الدينية مبدأ أصيل في التشريع الإسلامي، ويحسب أدلّتَه في ضمن ما يسمّيه الأدلّة العليا للتشريع، ويقصد شمس الدين بهذا النوع من الأدلّة أنّ التشريعات القانونية الإسلامية وكذلك منهج فهم الشريعة الإسلامية ينطلقان من مبادئ وأساسيات لا تقبل التغيير ولا التبديل، وتعبّر عنها نصوص حاسمة ورد الكثير منها في القرآن الكريم، إنّ هذه المبادئ تمثل بالنسبة للشيخ شمس الدين الأسس التي نستطيع من خلالها فهم أهداف الشريعة ومسلّماتها ومقاصدها، وعندما يقوم الفقيه من الانتهاء من مرحلة الاجتهاد في أصول الشريعة هذه يتجه نحو الفروع التفصيلية في الفقه الإسلامي، ويعمد إلى ممارسة الاجتهاد وفقاً لما تفرضه أدلّة التشريع العليا، فمثلاً يرى العلامة شمس الدين أنّ مثل قوله تعالى: (إنّما المؤمنون إخوة) يعبّر عن نصّ حاسم يقدّم لنا أحد الأدلّة العليا للتشريع، ويجعل مبدأ الأخوة الإسلامية مبدأ حاكماً في الفقه الإسلامي، لا يقبل التخصيص ولا التقييد بهذه البساطة، فإذا جاء الفقيه إلى مفردة تشريعية تفصيلية، مثل جواز غيبة المخالف أو بهتانه أو نحو ذلك، فإنّ النص القرآني أعلاه يشكّل دليلاً تشريعياً عالياً يسقط قيمة الأدلّة التفصيلية المعارضة له؛ لأنّ المبادئ الأساسية لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة.
وفقاً لهذه النظرية في الاجتهاد، أي نظرية الشروع من الأدلّة العليا للتشريع والخروج بنتائجها ثم الذهاب في المرحلة اللاحقة إلى الأدلّة التفصيلية وجعل أدلّة التشريع العليا حاكمةً على الأدلّة التفصيلية بما يشبه هيمنة الدستور على تفاصيل القوانين المدنية والجزائية والجنائية وغيرها، هذه النظرية عندما يتمّ تطبيقها على مبدأ الوحدة الإسلامية عند العلامة شمس الدين ستنتج ـ تلقائيّاً ـ أنّ هذا المبدأ مبدأ أصيل ثابت في العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية بالعنوان الأوّلي، ممّا سيضع العلامة شمس الدين في سياق الذين جعلوا الوحدة الإسلامية عنواناً أولياً في العلاقات الداخل ـ إسلامية، وبهذا فهو يرفض أن يكون التقريب بين المذاهب ناشئاً من الظروف الطارئة ومن العنوان الثانوي الذي قد يزول عندما تزول مبرّراته الاستثنائيّة، من هنا لا يكون المدخل السياسي في بلاد المسلمين في فترات معينة هو المدخل الصحيح للتقريب بين المذاهب؛ لأنّ السياسي متغيّر ولا يمكن ربط الثوابت الأوّلية ـ كالتقريب بين المذاهب ـ بالمتغيرات، فإنّ التابع للمتغيّر سيكون متغيّراً بشكل تلقائي. إنّ العلامة شمس الدين يرى التقريب نتاجاً طبيعيّاً لعملية اجتهادية داخل ـ نصيّة، وليس نتاجاً لوضع خارجي هنا أو هناك فحسب.
المسالة الأخرى التي تشكّل أساساً آخر للتقريب في وعي العلامة شمس الدين هو مسألة المواطنة؛ فإنّ مفهوم المواطنة عند العلامة شمس الدين يجعل كلّ المنضوين تحت الدولة الإسلامية متساوين في الحقوق والواجبات في الأعم الأغلب، والشيخ شمس الدين لا يميل في قضايا المواطنة إلى تكثير التمايزات بين المسلم وغيره ـ فضلاً عن أبناء المذاهب الأخرى ـ في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، والمواطنة عنده لا تنشاً من الجانب العقدي فقط لكي تكون معياراً في منح الحقوق، وإنما من المساهمة في صناعة الاجتماع البشري ككل.
الأمر الآخر الذي أودّ الإشارة إليه هنا هو أنّ كتابات العلامة شمس الدين في المجال الفكري الإسلامي أو في مجال الاجتهاد الشرعي، تُظهر لنا حضور التراث الإسلامي بمدارسه ومذاهبه في أعماله، فعندما يعالج العلامة شمس الدين موضوعةً فقهيّة معينة فإنّه يرصدها في أعمال الباحثين والفقهاء والعلماء المسلمين على انتماءاتهم المذهبيّة، ليس بقصد الانتصار المذهبي بالضرورة، بل غالباً بقصد التدليل على أنّ الاجتهادات الإسلامية ـ على اختلافها ـ تمثل تراثاً ينبغي للفقيه وغيره وضعه أمامه، من هنا دعا العلامة شمس الدين إلى ما وصفه بالاجتهاد الإسلامي مقابل الاجتهادات المذهبية، وقال بأنّنا لا نريد مجتهداً حنفياً أو مجتهداً على المذهب الإمامي بقدر ما نريد اجتهاداً إسلاميّاً يضع الموروث الإسلامي أمامه بكلّ مدارسه، دون أن تكونه لديه عقدة من تيار دون آخر، مع حفظ حقّ الباحث أو الفقيه في النقد هنا أو هناك، أمّا عزل نتاجات المذاهب الأخرى وكأنها غير موجودة فإنّه من وجهة نظر العلامة شمس الدين غير صحيح إطلاقاً بل إنّه يعيق التنمية المنشودة في فكرنا الديني.
انطلاقاً ممّا تقدّم، ومن رؤية معمّقة للفقه والسياسة، آمن العلامة شمس الدين بالتقريب، وكان من دعاته، بل نحن نجد في تاريخه الشخصي ممارسةً عملية تقريبية، فرغم كونه في قمّة الهرم في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وهو مجلس مذهبي قد يسجّل عليه ـ كما فعل بعض العلماء ـ أنّه يكرّس الطائفيةّ في لبنان بدل أن يتلافاها، إلا أنّ العلامة شمس الدين استطاع في موقعه هذا أن يمارس دوراً تقريبياً مميزاً، حتى أنّه اختار ـ بصرف النظر عن موافقته في اختياره هذا ـ للمقاومة في لبنان اسم (المقاومة المدنية الشاملة) بدل أيّ اسم آخر ذو طابع مذهبي أو ديني، انطلاقاً من الخصوصيّة اللبنانية في التنوّع الطائفي والمذهبي، ومع ذلك كلّه لا نجد العلامة شمس الدين يتخلّى عن مبادئه العقدية في الاعتقاد المذهبي حيث يسوقه الدليل، فكتاباته تزخر بالتحليل التاريخي والعقدي المنتمي مذهبياً مثل ما جاء في كتابه (نظام الحكم والإدارة).
س: بماذا تختلف الدولة العلمانية في المنظومة الفكرية لآية الله شمس الدين عن نظريّة ولاية الأمّة ونظارة المراجع وإشرافهم؟
الشيخ حب الله: يميّز العلامة شمس الدين ـ من خلال تحليل نظريّته في الفكر السياسي ـ بين شرعيّة الدولة وإسلاميّتها، فشرعيّة الدولة بمعنى عدم صدق حكومة الجور والغصب عليها تكمن في كونها صادرةً من إرادة شعبيّة، فأيّ حكومة تأتي بها أصوات الجماهير ـ بصرف النظر عن كيفية العلم بهذه الأصوات سواء عبر الانتخاب أم غيره ـ ستكون حكومةً شرعيّة، لكنّ هذا لا يعني أنّها حكومة إسلاميّة؛ لأنّ إسلاميّة الدولة تكمن في إسلامية الدستور والقوانين، إذا لم نرد التدخّل في إسلامية الممارسة العمليّة.
والسبب في تمييز العلامة شمس الدين بين هذين الأمرين، أي الشرعيّة والإسلاميّة، هو أنّه يرى شرعيّة الدولة وولايتها أمراً بشريّاً غير إلهي، بمعنى أنّ الولاية الأصليّة عنده هي للمجتمع والأمّة والشعب، حيث لم يثبت عنده أيّ دليل نصّي على غير ذلك بما في ذلك نظرية ولاية الفقيه العامّة، وكما أنّ الفرد له ولاية على نفسه وسلطنة على تصرّفاته وأعماله، كذلك للجماعة التي هي الأمّة ولاية على نفسها بوصفها أمراً جمعيّاً له كيانه وظهوره الخارجي، ولكي تقوم الأمّة بممارسة ولايتها على نفسها تمنح هذا الأمر لمن تنتخبهم مثلاً ليمارسوا هذا الدور بالنيابة عنها دون أن تغيب الأمّة في فترة النيابة هذه؛ لأنّ تخلّف النائب عن القيام بما أوكل إليه يسمح للمنوب عنه أو للموكّل بعزله أو رفضه أو وضع بدائل مكانه. فالمقدّس عند العلامة شمس الدين ليس هو الدولة ولا النظام ولا السلطة، وإنّما المقّدس هو الأمّة عندما تكون مسلمةً، وفعل السلطة وممارسة الولاية تعبير بالواسطة عن قيام الأمّة بتولي أمور نفسها وتقرير مصيرها عند العلامة شمس الدين.
لكن إذا اختارت الأمّة خياراً غير إسلامي في السلطة، كان من المنطقي تخطئتها في ذلك من وجهة النظر الإسلامية، وكان من اللازم على العاملين في الخط الإسلامي السعي للأسلمة في القوانين والدساتير والممارسات، بيد أنّ هذا السعي ـ من وجهة نظر العلامة شمس الدين ـ لا يصحّ أن يكون قهريّاً أو عبر استخدام القوّة أو العنف، فالحركات الإسلامية والأحزاب الدينية ليس لها أن تمارس انقلاباً عسكريّاً مثلاً تفرض من خلالها الإسلام على الناس، كما ليس لها الدخول في ثورات دمويّة مسلّحة أيضاً، والسبيل المتعيّن هو القيام بتغييرات عبر الجمعيات الأهليّة ومؤسّسات المجتمع المدني ودوائر الدولة وعبر الإعلام وسلطاته وعبر التظاهرات السلميّة وأمثال ذلك، أي التغيير السلمي لا العنفي، فإذا استطاعت الحركة الإسلاميّة تغيير قناعات الأمّة لاختيار من هو الأصلح إسلاميّاً لتولّي السلطة من الاتجاهات الفكرية والعقديّة، كان من حقّها الحكم بإرادة شعبية عارمة، أمّا إذا فشلت فإنّ عليها أن تواصل جهدها السلمي هذا.
إنّ إسلامية الدولة يجب أن لا تعارض شرعيّتها، لأنّ الشرعية عند العلامة شمس الدين لا تنزل من الأعلى عبر نصب الحاكم من قبل الله بالاسم أو العنوان، وإنما تصعد من الأدنى إذا صحّ التعبير، أي من الأمّة نفسها، فإسلامية النظام لا تساوي شرعيّته، كما أنّ شرعيّته لا تعني إسلاميّته بالضرورة،. والعلامة شمس الدين يدعو إلى الإسلامية والشرعية معاً، فبدعوته إلى الشرعيّة يرفض الدكتاتورية والاستبداد وكلّ سبل الوصول إلى السلطة من غير طريق اختيار الشعب، وبدعوته إلى الإسلاميّة يرفض العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لا بمعنى أنّه يرى عدم شرعيّة الدولة العلمانية، بل بمعنى أنّه يرى عدم إسلاميتها، وهذا التمييز الدقيق هو الذي يجعل العلامة شمس الدين غير علماني في نظريته حول ولاية الأمّة على نفسها؛ لأنّ إعطاء الحقّ للأمّة في تقرير مصيرها السياسي شيء، وتصويب قرارها فيما اختارته شيء آخر، فنحن نعطيها الحق في اختيار أيّ مذهب سياسي ولو كان علمانيّاً، لكننا في الوقت عينه نخطؤها في اختيارها الخطّ غير الإسلامي.
طبعاً هناك مجال واسع لتحليل ونقد بعض جوانب نظرية العلامة شمس الدين وغيره، لا يسعه هذا الحوار، لكنّني أعتقد بأنّه حاول أن يصوغ نظريّةً متوازنة نابعة من اجتهاد فقهي هادئ، بل وقد تقدّم على كثيرٍ غيره في تحليلاته هنا، وشكّلت محاولته في هذا المضمار رغبةً في التوفيق بين الدين والعصر، وجواباً عن مشكلة الاستبداد في العالم الإسلامي والعربي. لقد أراد شمس الدين الربط بين مفاهيم الديمقراطية والانتخاب والتعددية والشعب وغير ذلك مع مفاهيم الشورى والبيعة، إلى جانب أساسيات التشريعات الإسلاميّة
السيّد محمد خاتمي: الحرية والعدالة لا تنفصلان والإمام علي(ع) نموذج للحوار
الأربعاء، 11 يوليو 2012
كمـال جنبـلاط : في ما يطور ويستكمل الماركسية
نـص الخطـاب الـذي ألقــاه
كمـال جنبـلاط
رئيس الحزب التقدمي الإشتراكيفي المهرجان الذي أقيم
يوم الأحد في 27 / تشرين الأول /1974
في ذكرى نشوء الحزب الشيوعي اللبناني
حضرة الأمين العام وأعضاء اللجنة المركزية ،
أيها الأخوان ،
في عيدكم الخمسين، يطيب لنا باسم الحزب التقدمي الإشتراكي وباسمنا الشخصي أن نرفع إليكم أفضل التهاني بعبوركم المستمر لهذا الجسر الزمني من ” التعب ” على حد تعبير شاعرنا العربي ، ومن الالام والتحديات في مختلف المجالات .
وبالحقيقية كيف يستطيع الإنسان أن يعيش ، أو أن تنمو طاقاته الجسدية والفكرية والنفسية ، إن لم يواجه وتواجه التحدي الدائب الذي يبرز وظائف العقل والجسد ، ويجعلها تتطور وتنشط … وقد تكون أكبر مشاكل البشرية، في المستقبل الوسيط أو البعيد ، أن يجد الإنسان نفسه ــ بعد أن تصبح الآلة تنتج كل شيء، ويغرق هو في بحبوبة الرفاهية أن يجد الإنسان نفسه بدون عامل للتحدي يتصدى له ، أو يتجاوزه … فكل ما في الكون من أحداث وكائنات جماد أو حيَّة يقوم في كنهه على هذا التوازن بين الطاقات الداخلية للكائن أو الخاصة بصورته ومثاله ، وبين الإنفعالات التي يتلقاها من الخارج في مجرى مسيرته في الحياة .
إن نضالكم العامر بالجهد وبالتضحيات يستحق كل تقدير . وقد أسهم في توعية الناس وخاصة الفئات الكادحة إلى بعض مصالحهم الأساسية في العيش . ولكن يبقى أن تتوضح لنا جميعاً ــ في ضوء تقدم العلم الحديث ودراسة الإنسان في العالم الغربي والإشتراكي على السواء ـ المصالح التي تنتسب إلى حقيقة الإنسان إلى طبيعته ، وتلك التي لا تشكل إلا هوامش وعوائق ونفايات في طريق تقدمه وتحقق إنسانيته ومؤسساته …
إن الحياة تنقية واختيار واختبار ، ثم تجاوز واستدامة … فما هو الذي يجب أن نختاره ، وما هو الذي يتوجب أن نودعه سلة مهملات التاريخ …
تواجهنا ولا شك ، على الصعيد العربي مشاكل عديدة ، وقضايا معقدة وصعبة ، وأهمها الخروج بالقضية الفلسطينية بحل يرضي الضمير، ويتوافر فيه حق تقرير المصير، واستعادة الأرض العربية والفلسطينية كلها …
والوضع القائم يختلف اليوم، بشكل أساسي، مع الوضع السابق لحرب تشرين … فقد انقلبت إلى حد كبير المقاييس المعنوية، وأظهر العرب في مصر وفي سوريا قدرتهم على الصمود وكفاءتهم في القتال ومكنتهم من التقدم والتحرير، إذا توفر لهم السلاح الضروري لأجل ذلك، وإذا كان لهم المال الوافر لأجل تمويل المعركة، ولأجل دعمها إقتصادياً …
وإننا نرجو، بالنسبة للسلاح، أن تعود فتتوثق العلاقات بين مصر والاتحاد السوفياتي، وأن تتوطد الصداقة والتعاون، كما كانت عليه في عهد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، لكي يحصل العرب على كل ما يحتاجونه من عون وعتاد بما يتفوقون به كلياً على إسرائيل، فتفتح أمامهم مجالات التحرير الواسعة لجميع أرضهم المغتصبة سنة 1967 وسنة 1948 …
فالظروف قد تغيرت كثيراً في مدى سنة ونيف من التاريخ، إذ خرج العرب، في الشق المتعلق ببلدان النفط، كأقوى قوة مالية في العالم، من حيث المال المتجمع والفائض الذي سيبلغ هذه السنة ما لا يقل ــ مـالاً فائضـاً عن الحاجـات وعن التنمية فحسب ــ أكثر من خمس وأربعين ملياراً من الدولارات . كما يتوقع الخبراء أن يبلغ مجموع المال العربي المتراكم والفائض حتى سنة 1980 الستماية ملياراً من الدولارات …
لقد أضحى للعرب طاقة يستطيعون بها، ليس فقط أن يحرروا إسرائيل واحدة، بل ربما ثلاثة دول في قوة إسرائيل ..
فالمقاييس قد تبدلت منذ حرب تشرين ، فيجب أن يدرك العرب طاقتهم الهائلة ، وأن يستوعب حكام النفط مسؤوليتهم التاريخية التي تتوجب عليهم في دعم المجهود العربي كلياً ، وفي إعانة وعون العالم الثالث ، وفي إقراض أوروبا والإتحاد السوفياتي ما يحتاجونه ، لأجل التنمية المستمرة ، من مال ، ولرفع الإرتهان الصهيوني عن وسائل الإعلام العالمية وخاصة في الولايات المتحدة وفي أوروبا .
ولنقف صامدين، غير عابئين، ولا مكترثين في وجه التهديدات الإميركية باحتلال منابع النفط، لأن جميع هذه التهديدات هي عناوين سياسية لا أكثر … ولنسلك سياسية العون المادي للعالم الثالث ولأوروبا فوراً، لكي نعزل الولايات المتحدة عن العالم كله . فلتكن لنا سياسة كبيرة وعلى قدر حجمنا الحقيقي ولو مرة واحدة …
فالمطلوب، بالنسبة لدول المجابهة، هو إعطاء مصر وسوريا ما لا يقل عن عشرة مليارات من الدولارات، في مقابل وفي موازنة الخمس مليارات تقريباً التي تتألف منها موازنة إسرائيل هذه السنة والخمسة مليارات أخرى للقرض الأميركي الطويل المدى .
والمطلوب، بالنسبة للعالم الثالث، توفير مبلغ معادل أي عشرة مليارات أيضاً للهبات والإعانات المجانية، ومصرف عربي كبير للإقراض الدولي، يتجاوز، في حجمه ومكناته، المصرف الدولي العالمي .
والمطلوب، هو تمكين دول العالم الثالث ــ في افريقيا وآسيا بشكل خاص، الدول الفقيرة والنامية ــ من استرداد نصف ثمن مشتريات النفط … وإذا ما قسنا ذلك على مداخيل سنة 1974 المقدرة للعائدات النفطية ، لا تبلغ صادرات النفط العربي لدول العالم الثالث النامية أكثر من 9.3 بالماية من مجموع الصادرات العربية ، أي ما يوازي الست مليارات من الدولارات ، من مجموع الـ 64 ملياراً من الدولارات المقدر للعائدات النفطية العربية .
ويجب أخيراً لا آخراً تخصيص مليار من الدولارات لرفع الإرتهان الصهيوني والسيطرة الصهيونية عن الاعلام الأوروبي والاميركي .. وإذاك تسقط الضغوط، التي تتعرض إليها جميع دول العالم تقريباً، من الصهيونية الدولية، ويقف تيار الهجرة من جميع الأقطار إلى إسرائيل، هذه الهجرة التي تشكل باستمرارها عبئاً ثقيلاً على العرب وعلى الفلسطينيين .
وإذا ما فكرنا بالعلاقات السوفياتية الأميركية في بعض الشؤون المتعلقة بتنمية المساحات الهائلة السيبرية، نرى أن ما يحتاجه الإتحاد السوفياتي لأجل تحقيق هذه التنمية لا يتجاوز الست مليارات من الدولارات، وأن هذا المال متوفر لدى دول النفط، فلماذا لا تقدمه قرضاً للدولة الكبرى الصديقة التي كادت تكون السند الوحيد ــ وعملياً السند الوحيد ــ للعرب أبَّان محنتهم ونكبتهم باسرائيل .
ولماذا لا يتعاون العرب والاتحاد السوفياتي من الوجهة التقنية في استنبات محاصيل الحبوب الزراعية في السودان، وفي المساحات الواسعة القابلة للزراعة في العالم العربي، فيسهم العرب في مد العالم بما أسميه ” النفط الأصفر “، ــ وتبلغ مساحة السودان الزراعية أو القابلة للزراعة ضعفي ونصف مساحة فرنسا ــ فنلبي بذلك حاجة نصف دول العالم العربي للحبوب، وحاجة الدول الإشتراكية كلها للحبوب، ونشترك في تخفيف عبء الحرمان والجوع عن العالم الثالث . ألا يدرك حكام دول النفط العربي أن مئات الألوف يموتون هذه السنة من الجوع، وأن عدداً من الملايين الآخرين يتضورون جوعاً ؟ . وتدل تقارير الأمم المتحدة أن ملياراً من البشر سيلقون حتفهم حتى سنة 1992 نتيجة لحرمان لقمة الغذاء . ألا تتوجب الزكاة لهؤلاء، ألا يتوجب العون، ألا تتوجب النصرة باسم الإسلام، باسم المسيحية، باسم البرهمانية والبوذية، باسم كل دين، باسم حق مشاركة الإنسان لأخيه على وجه الأرض .
فلنناضل جميعنا لأجل تحقيق هذه المطالب التي يفرضها الواقع العربي المعاصر ويقضي بها الواجب ؟.
فلنناضل جميعنا لأجل إستعادة كامل الأرض العربية والوطن الفلسطيني السليب كله …
فلنناضل جميعاً لأجل الوحدة العربية الفيدرالية التي تضمن توزيع الموارد والطاقات وتمكن من وضع وتنفيذ خطة عامة لاستخدامها على الصعيد العربي، وعلى الصعيد الدولي .
فلنناضل لأجل توطيد الصداقة العربية السوفياتية، والصداقة والتعاون مع شعوب ودول العالم الثالث .
أما بالنسبة للمشاكل التي تعترض توجهاتنا، وتطرح نفسها على الصعيد النظري والعملي فلا بدَّ أنها اختلفت عما كانت عليه منذ خمسين سنة … وتطوير العقيدة الاشتراكية الماركسية أصبح متوجباً لاستيعاب هذه القضايا الجديدة . ولا أجد بدّاً من الإشارة إلى ذلك لماماً لكي ندرك جميعاً التبدلات التي طرأت ولكي نستطيع الرد عليها .
إننا نواجه في عصرنا المتقدم، وفي مرحلة تسارع نمو الإقتصاد والعلم والتطبيق التقني والمواصلات والثقافة، وتواجه الحركات الإشتراكية والدول الإشتراكية، بل الإنسان في معناه الواسع، تحدياً لم نطلع على مثيله عبر تاريخ البشرية كله، ويتشخص بألوان من الرفض، غير الرفض الناجم عن الصراع الطبقي، يتوجب علينا الجواب عليها :
أولاً : هل نقبل بإقتصاد حضـارة الإسـتهلاك لأجل الاستهلاك ــ أية كانت نوعية الأنظمة ــ أم سنرفضها ؟ إن هذا التساؤل لم يطرح نفسه على الماركسيين في القرن التاسع عشر، أو في بداية القرن العشرين ؟ .
ثانياً : كيف يكـون الرد الموافق على ما كان يعنيه ابن خلدون بظاهرة تضاد الأجيال البشرية ــ الأبن والوالد، الأجيال القديمة والجديدة ــ وأثر ذلك في المجتمع ونعني مشاكل الشباب المعاصر ومظاهر رفضهم ؟ .
ثالثاً : كيف يكون الحل لظاهرة الرفض التي يشعر بها سكان المدن وما تثيره في نفوسهم من نفـور وتشـتت ومن حساسيات فردية وجمـاهيرية ، ومن أمراض جسدية ونفسية ؟ .
رابعاً : كيف سيرد الإنسان المعاصر، والحكم الإشتراكي على استمرار إستخدام الآلة للإنسان واستعبادها إياه في أبشع صور للإرتهان شرحها وسبق أن ندد بها، بعد تصويرها لنا، كارل ماركس وسواه من علماء الإقتصاد ؟ .
خامساً : كيف سيكون ردنا على الفئات الإجتماعية الجديدة التي تولدت من هذا الرفض وفي طليعتها الطلاب والمثقفين وتلك الفئات التي انبثقت من نمو مجتمع وإقتصاد الخدمات والخبرة العلمية المتقدمة ؟ .
سادساً : كيف سيكون الرد على تفشي السلاح النووي والسلاح الجرثومي والتلاعب العلمي بالخلايا الوراثية لبعض الحشرات التي فضح أخطاره أخيراً بعض كبار العلماء ؟.
سابعاً : كيف سيرد الإنسان المعاصر على التقدم التقني، وملابساته وأخطاره، أم سيحاول إيقاف هذا التقدم، ويضع حداً لإيمانه بهذا الصنم ؟ .
ثامناً : كيف ســـنحل مشـكلة الحريـة التي تطرح نفسها بأشـكال مختلفة في العالم الإشتراكي وفي العالم الديمقراطي الغربي لكي يبرز نظام الحكم السياسي الجديد بكل مكناته التحررية ولكي يتلاءم مع الإشتراكية ويرفع الإرتهان عن حقوق الفرد والجماعة ؟.
تاسعاً : ما هو مصير التضامن الإفريقي الآسيوي ومصير العالم الثالث، في منطق ملابسات المنتصف الأول من النصف الأخير للقرن العشرين؟.
عاشراً : ما هو شكل الحكم السياسي الديمقراطي الذي يجب أن تتميز به وتحاول تحقيقه الأنظمة الإشتراكية في المقبل من هذا الجيل لكي تتحرر من بروقراطية وتستطيع باستمرار إبراز النخبة ؟.
إحدى عشر: كيف نجعل الحضارة أقل تعقيداً وأكثر عفوية وبساطة ، وأقرب من الطبقية، وأوفق للوظائف التكييفية للإنسان ــ الجسدية والنفسية ــ ؟.
إثنا عشر : ما هو مصير الإنسان المعاصر في ضوء العلم الحديث وهل يمكن ترقيته وتبديله، أم أننا سنظل، كما يرشدنا إلى ذلك العلماء، نواجه الإنسان ذاته، الذي لم يتغير أبداً عبر التاريخ، وعلينا إذن أن نحتاط للأمر في خلق المحيط المتوافق والبيئة الملائمة لهذا الإنسان ولطبيعته ؟.
ثالث عشر : ما هو ردنا الملائم، والشامل في تطبيقه، على مشكلة التلوث التي أضحت الخطر الأكبر على حياة الإنسان، وعلى بقائه واستمراره على وجه الأرض ؟ . وهل سنخلق جهازاً دولياً للرد على هذه المشكلة الخطيرة التي تهددنا ؟ .
رابع عشر: ما هو ردنا على مشكلة تكاثر السكان، التي أصبحت أيضاً خطر العالم المداهم، وقد انقضى عصر المجادلة في صحة أو عدم صحة نظريات مالتوس الشهيرة ، وأثبت الواقع أنه كان على حق ؟ إذْ المهم هو التوفيق بين الموارد الطبيعية للغذاء وحاجة الإنسان ، لا ابتكار الموارد الإصطناعية ــ بما فيها منتوجات النفط ومنتوجات الأسمدة الكيماوية ــ الذي أثبت الطب المعاصر خطرها على حياة جسد الإنسان ____! .
خامس عشر: كيف سنعالج قضية التغذية على نطاق عالمي، ومئات الملايين لا يزالون يتضورون جوعاً، وهل سنعمد إلى إنشاء وكالة عالمية للزراعة تعنى مباشرة بهذا الشأن كما يقترح علينا ذلك المؤرخ طوينبي وذلك قبل فوات الآوان ؟ .
سادس عشر: كيف سنعالج مشكلة ضرورة تحقيق الدولة العالمية التي تفترضها المشاكل العالمية المطروحة، والتي لها شمول عالمي ؟ .
سابع عشر: كيف يكون الرد على مـوجة الرفـض المتزايد للإلتزام الإجتماعي والقومي ؟ . وهل يمكن للإنسان ، في مجـال إستقامة حيـاته وتصويب تصـرفه واستقطاب ذهنيته وتوحيـدها ، أن يعيـش بدون مثل هـذا الإلـتزام الإجتمـاعي والقـومي والأخلاقي ..؟.
ثامن عشر: هل سنكتفي باقتصاد الكفاية والعدل ـ أي توفير الغذاء والثياب والمسكن للمواطن ـ
أم سنعتمد الطريق الخطر والمسلك الوعر في زيادة دخل الفرد المستمر وفي زيادة طاقته الإستهلاكية بتصاعد مثابر، فيغرق هذا الإنسان في الترف وفي البحبوحة وفي الكسل . وينجم عن ذلك ــ كما رأينا سـابقاً في التـاريخ ــ إنحلال العنصر البشـري وخاصة بـين سـكان المدينة ، وانتشار الفـوضى الفـرديـة والإجرام والأمراض ، وإنقراض الحضـارة ؟ .
تاسع عشر: كيف سنرد على سياسة التبذير الإستهلاكية للمعادن، للموارد، للطاقات، كما كان يجري ولا يزال بدون حسبان، وهي كلها محدودة محصورة، ولا يفيد أبداً تبذيرها ؟.
عشرين : كيف سنواجه العلم الحديث في إستيعاب تقريره بأن العائلة والمجتمع والقومية والنظام الأخلاقي والدين، هي ثوابت تاريخية ومفاهيم نفسية واجتماعية يفرزها كل إجتماعي بشري متقدم ..؟
واحد وعشرين: كيف سنستوجب، في عقيدتنا الفلسفية والإجتماعية، التقرير المذهل لعلماء أميركا وأوروبا والاتـحاد السوفياتي بأن المعرفة ، أي الوعي ، كانت في صميم التكوين والإبداع تواكبه وتقوده وتلازمه، وكأن الآية الشهيرة ” في البدء كان العقل وبه أبدع كل شيء” أصبحت حقيقة علمية ثابتة ؟.
هذه أسئلة عديدة ودقيقة وخطيرة تطرح نفسها علينا، وتلاحقنا إلى أي نظام انتسبنا، لأن الآلة قد فرضت نفسها وتقنيتها واقتصادها الموحد على جميع الأنظمة ..
فلنناضل جميعاً لحل هذه المعضلات .
وفقكم الله، وسدد خطانا جميعاً، وجعلنا أقرب من الواقع باستمرار قرب النظرية التي اتخذت لها من الواقع إنطلاقاً وارتكازاً ومحكاً وعودة دائمة …
وفي النهاية إن العقيدة الصحيحة العلمية يجب أن لا تتحول في أي حال إلى تمذهب، أو تحزب، أو عقدة في النفس أو تركيب إنفعالي في نطاق العاطفية … بل هي تجربة مستمرة وعودة دائمة إلى حقيقة الإنسان وإلى الواقع، وإلى إستياغة هذه الحقيقة وتحليل العلاقات التي تربط الإنسان بالمحيط، وتوفير البيئة الموافقة للإنسان ــ جسداً وحساً ونفساً ــ …
الماركسية هي نهج في التحليل والتفكير أكثر مما هي إلتزام في التعبير … ولذا توجب تطوير واستكمال الماركسية ذاتها … ألم يقـل ماركس :
” الإنسان أضخم وأثمن رأسمال في العالم “
نص الوثيقة النهائية لمؤتمر المعارضة السورية في القاهرة
يوليو 4, 2012
1- اسقاط السلطة الحاكمة :
يبدأ الحل السياسى فى سورية باسقاط بشار الاسد ورموز السلطة ومحاسبة المتورطين منهم فى قتل السورين –سيستمر الاصرار الثورى والارادة الشعبية والثورة حتى هذا سقوط السلطة الحاكمة – ضرورة توحيد جهود المعارضة على كافة الاصعدة من اجل تحقيق اسقاط النظام باسرع وقت ممكن – دعم الحراك الثورى والجيش السورى الحر والعمل على توحيد قواه وقياداته وخدمة لاهداف الثورة – دعم كافة الاطراف للعمل بأشد الحرص على حماية السلم الاهلى والوطنى 2- المرحلة الانتقالية تبدأ عند لحظة سقوط بشار الاسد ورموز السلطة الاساسين وتنتهى بانتخاب مجلس تشريعى حر على اساس دستور دائم جديد • المرجعية السياسية والقانونية فور سقوط بشار الاسد ورموز السلطة تتم اقالة الحكومة وحل مجلس الشعب الحالى وتشكيل حكومة تسيير اعمال بالتوافق بين قوى المعارضة السياسية والثورية وسلطة الامر الواقع – فور استلام حكومة تسير الاعمال يتم حل حزب البعث الحاكم والمؤسسات التابعة له والتحفظ على املاكه واعادتها للدولة على ان يسمح لاعضائه بممارسة العمل السياسى وفق القوانين الجديدة – تتم الدعوة الى مؤتمر وطنى واسع فى دمشق يشمل كل القوى السياسية بهدف اقرار تشكيل جسم تشريعى مؤقت ( هئية عامة للدفاع عن اهداف الثورة والانتقال الديمقراطى ) وحكومة انتقالية من شخصيات مشهود لها بالكفاءة – تتولى الحكومة الانتقالية ادارة شؤون البلاد – مطالبة المجتمع الدولى فور سقوط بشار الاسد بالغاء كافة العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا ومؤسساتها
* المؤسسة العسكرية والأمن
* عند سقوط بشار الأسد ورموز السلطة يتم التوقيع بين العناصر الشريفة من الجيش النظامى ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين وبين الجيش السورى الحروالمقاومة المسلحة على وثيقة تفاهم تنظم عمليات وقف إطلاق النار وسحب الجيش إلي ثكناته وضبط الأمن وحفظ السلم الأهلى والوطنى إشراف مجلس المن إذا اقتضى الأمر.
تشكل الحكومة الانتقالية مجلسا للأمن الوطنى بقيادة رئيس السلطة التنفيذية يضم فى عضويته قادة عسكريين شرفاء ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين ومن الجيش السورى الحر والمقاومة المسلحة وشخصيات مدنية ذات صلة ويخضع للقواعد التى يضعها الجسم التشريعي المؤقت.
يتولى مجلس الأمن الوطنى عمليات إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بعد إخضاعها لسلطته بغية تطهير الأجهزة ممن ثبت تورطه وحل الميليشيات المسلحة «الشبيحة»، وسحب السلاح من المدنيين وضم من يرغب من الثوار إلي القوات المسلحة كما يحرص المجلس على الحفاظ على السجلات والوثائق من أجل تسهيل تحقيق العدالة الانتقالية وحماية السجون والحفلظ على سلامة الممتلكات العامة والخاصة من أى عبث.
* العدالة الانتقالية
* يتم تشكيل هيئة عامة للمحاسبة والمصالحة الوطنية تعمل تحت إشراف الجسم التشريعي المؤقت ثم البرلمان انطلاقا من أسس العهد الوطنى على:
تحقيق العدالة لجميع الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات منهجية لحقوقهم الإنسانية لإساءة المعاملة وتعويضهم ومحاسبة الفاعلين وإيجاد دآليات تعويض إضافية إجتماعية تمنع تفاقم النزاعات الاجتماعية.
تحقيق الشفافية فى نشر وثائق وحقائق تتعلق بسلوك مرتكبي الجرائم بالإضافة إلي تجارب الضحايا.
خلق آليات المحاسبة والشفافية ومنع حصول انتهاكات جديدة أثناء تطبيق العدالة الانتقالية واستعادة إيمان وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والمساهمة فى تعزيز سلطة القانون والمؤسسات الديمقراطية ومشروعيتها بغية ترسيخ بيئة خصبة لترميم الصدوع وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة على الصعيد الوطنى والمحلى.
معالجة التاثيرات الفردية والجماعية للعنف والقمع والاستبداد وتوفير الدعم النفسى للاطفال والنساء وضحايا العنف ازالة اثار السياسات التمييزية السابقة بما فيها الغاء القانون 49 لعام 1980 وازالة الاجحاف بحق نازحى الجولان وضحايا احداث الثمانينيات وانتفاضة 2004 الكردية والمصادرات وتداعياتها ،وتعويض المتضررين وايجاد حلول عادلة للمشاكل المتراكمة ازالة اثار السياسات والقوانين التمييزية والمجحفة بحق الشعب الكردى فى سوريا وتداعياتها وتعويض المتضررين من ابناء العشب السورى كافة واعادة الحقوق لاصحابها تتضمن الهيئة العامة للمحاسبة والمصالحة الوطنية اصحاب اختصاصات مختلفة قانونية واجتماعية وحقوقية ونفسية وثقافية وشخصيات وطنية واجتماعية وفنية تتمتع بالمصداقية والقدرة على التاثير من اجل تنفيذ اليات العدالة الانتقالية عبر الخطوات التالية :
- هيئة قضائية مستقلة للبت فى الجرائم المرتكبة من قبل النظام وتشمل مسؤولى النظام الكبار بحيث تكون نزيهه وموضوعية وتحقق السرعة المنطقية فى عمليات المحاسبة – لجنة تقصى حقائق تعمل على جمع الافادات والتحقيق فى جرام النظام اثناء الثورة واحالتها للهئية القضائية وتشمل القيادات العليا والصفوف الاولى من النظام.
- لجنة تاريخية تهدف الى التحقيق فى الجرائم طويلة المدى وكشف الحقائق بما يتعلق بجرائم النظام ضد العشب السورى مثل مجزرة حماه وملف الاعتقالات السياسية والاعدامات الميدانية وملف المهجرين قسريا والمسرحين بشكل تعسفى.
- لجان مصالحة محلية تتضمن الشخصيات الوطنية والاجتماعية المؤثرة بالاستفادة من الطبيعة المجتمعية تبدأ العمل غلى عمليات المصالحة الوطنية والحوار الوطنى عبر وسائلها المتنوعة وتراعى فى تشكيلها الخصوصيات المحلية للتركيبة المجتمعية السورية – لجان تحكيم لحل النزاعات الصغيرة الاهلية الناشئة عن مرحلة الثورة فيما يتعلق بالافراد وتراعى القانون فى حل القضايا الصغيرة والخلافات الاهلية وتعمل على المصالحة الوطنية – تشكل الهئية مكتبا لتخليد الذكرى يقوم بتكريم ذكرى الشهداء والمعتقلين وانشاء الصروح التذكارية من اجل التعويض المعنوى والنفسى للمجتمع .
- ادخال مفاهيم العدالة الانتقالية ضمن العمل التربوى والمناهج الدراسية والمؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية .
- اصدار عفو على بعض الجرائم الصغيرة المرتبطة بالأحداث الأخيرة.
- فيما يتعلق بالجرائم المرتبطة بأحداث الثورة والتي تشمل الأفراد والعصابات «الشبيحة» يستمر عمل المحاكم العادية وفق القانون السوري متمشايًا مع اصلاحها بالطبع في عملية النظر في هذه الجرائم مع ضمان السرعة المنطقية في البت بها وضمان حق كل المواطنين باللجوء إلى القانون والادعاء الشخصي والمحاكمة العادلة.
- تشكيل فرق دعم نفسي واجتماعي تتبع لمكتب متخصص في الهيئة وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المتخصصة من أجل علاج حالات الصدمة المرتبطة بكل أنواع العنف الذي مورس على النساء والأطفال والمعتقلين من اجل غعادة تأهيلهم وتقديم الرعاية الصحية الضرورية والنقاهة اللازمة لإعادة الدمج.
J تعمل هذه الهيئة بالتعاون مع القضاء على وضع قواعد المحاسبة والمصالحة بما يخص اعضاء السلطة السابقة والمجموعات المسلحة «الشبيحة» وضمان حق جميع المواطنين في محاكمة عادلة تؤمن حقوقهم.
ـ فور إسقاط بشار الأسد ورموز السلطة يتم التحفظ والحجر على أملاك أعضاء السلطة السابقة وعائلتهم أقاربهم المتورطين في نهب المال العام بالداخل والخارج كي يعالج الموضوع ضمن قواعد يضعها الجسم التشريعي المؤقت أو البرلمان بما في ذلك الأموال المحتجزة في الخارج.
*الوضع الاقتصادي والاجتماعي:
ـ يتم تشكيل هيئة عامة للتعويضات الاجتماعية وإعادة الإعمار تعمل تحت إشراف الجسم التشريعي المؤقت ثم البرلمان، انطلاقًا من أسس العهد الوطني، على:
- إعانة المنكوبين من الأحداث الحالية، وإعادة إعمار ما تهدم لهم من املاك خاصة.
- إعانة أهالي جميع الشهداء والمعتقلين والجرحى والمعاقين وتعويضهم بشكل عادل.
- إعادة النازحين والمهجرين في الداخل والخارج وتسوية اوضاعهم.
- المساهمة مع الحكومة في غعادة إعمار البنى التحتية والمنشآت العامة المتأثرة من الأحداث، وفي تمويل افجراءات الاقتصادية والاجتماعية العاجلة.
ـ توضع تحت سلطة هذه الهيئة جميع المعونات الخارجية والدولية بالتنسيق مع الجهات المانحة وتصرف من مخصصاتها مخصصات هيئة المحاسبة والمصالحة الوطنية.
مطالبة المجتمع الدولى فور سقوط بشار الأسد بإلغاء كافة العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا ومؤسساتها ،وأن يساعد على إستعادة الدولة لأموال السلطة المحتجزة فى الخارج.
-تعمل الحكومة الانتقالية على القيام بسياسات تعالج سريعا خاصة :
- إعادة إطلاق الإنتاج الاقتصادى على كافة الصعد – تضخم الاسعار – تأمين المواد التموينية الاساسية – الفقر وتفاقمه فى المناطق المتضررة من الأحداث
الاثنين، 9 يوليو 2012
في الموقف الروسيّ من الأزمة السورية
الشيخ محمد مهدي شمس الدين :الكرامة البشرية وعلاقتها بثورة الشعوب
من الدروس القرآنية
مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام. هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح.
ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة.
هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70).
...هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً.
درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا.
ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان.
الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي.
التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة.
الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي.
الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها.
الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه.
حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً.
الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع.
في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.
الحواريون وأخوة المسيح في المصادر الانجيلية
سعود المولى
في الأناجيل القانونية (أي المعتمدة رسمياً وهي أربعة: متى، مرقس، لوقا، يوحنا) يصل عدد الحواريين إلى أربعة عشر، وهذه هي اللائحة:
في انجيل متى هم: أندراوس وبطرس-سمعان ويوحنا ويعقوب ابنا زبدي ، و"فيليبُس وبرثولماوس وتوما ومتى العشّار ويعقوب بن حلفى ولباوس الملقب تداوس وسمعان القانوني (الغيور) ويهوذا الإسخريوطي الذي سلّمه" .
وفي انجيل مرقس هم: " بطرس- سمعان، ويوحنا ويعقوب ابنا زبدي (وجعل لهما اسم بوانرجس أي ابني الرعد) وأندراوس وفيلبس وبرثولماوس ومتى وتوما ويعقوب ابن حلفى وتداوس ( لا يذكر اسمه الآخر الذي ذكره متى: لباوس) وسمعان القانوني (أو الغيورZealot) ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه" .
وفي انجيل لوقا هم: سمعان- بطرس وأندراوس أخوه ويعقوب ويوحنا (لا يذكر أنهما أبناء زبدي) وفيلبس وبرثولماوس ومتى وتوما ويعقوب بن حلفى وسمعان الذي يدعى الغيور (يسميه الغيور فيما بقية الأناجيل تسميه القانوني والمقصود غيرته على تطبيق القوانين أو ناموس موسى) ويهوذا أخو يعقوب ويهوذا الإسخريوطي"..فنجد هنا عدم ذكر تداوس أو لباوس المذكور عند متى ومرقس، كما نجد اضافة اسم "يهوذا أخي يعقوب" (بحسب النص العربي المترجم، وفي الأصل اللاتيني واليوناني يسمى يهوذا المنسوب الى يعقوب = Judas de Jacques).
وفي انجيل يوحنا هم: أندراوس وأخوه سمعان-بطرس وهما بحسب الإنجيل ابنا يونا، ومعهما نثنائيل (الذي كان من قانا الجليل وهو واندراوس كانا من تلامذة يوحنا المعمدان، ونثنائيل هذا غير مذكور في الأناجيل الأخرى) ويوحنا ويعقوب ابنا زبدي وفيلبس (من صيدا الجليل) وتوما (يقول عنه: الذي يسمى التوأم) ويهوذا الإسخريوطي (ويسميه يهوذا سمعان الإسخريوطي) ويهوذا "ليس الإسخريوطي" (هكذا يسميه ولعله يهوذا من يعقوب المار ذكره) ، فيكون العدد عند يوحنا تسعة حواريين... وهو في حادثة الصلب يتحدث عن تلميذين يسميهما: "التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه"، و"يوسف من الرامة وهو تلميذ يسوع ولكن خفية" .
فالمشترك بين انجيل يوحنا والأناجيل الأخرى المسماة الإزائية 6 فقط من أصل 12 هم: أندراوس وأخوه سمعان-بطرس، ويعقوب وأخوه يوحنا ابنا زبدي، وتوما ويهوذا الإسخريوطي..وهناك 2 يرد اسمهما في انجيل ولا يرد في غيره..
فلنر إلى أولئك الذين لا يحظون بالاجماع أولاً.. فهناك تداوس ويسميه مرقس لباوس أيضاً ولا يذكره يوحنا ولوقا..وهناك يهوذا "أخو يعقوب" الذي يذكره لوقا هكذا، ويذكره يوحنا بأنه ليس الإسخريوطي، ولا يذكره متى ولا مرقس... ولكن يرد اسمه في أعمال الرسل .فهل هو نفسه تداوس؟ ولكن لماذا يحمل اسماً عند مرقس ومتى واسماً آخر عند لوقا ويوحنا، علماً أن العلماء يتفقون على كون لوقا يأخذ كل معلوماته من نفس مصدر معلومات متى أساساً ثم مرقس.. وعلماً أيضاً بأن عبارة "يهوذا الذي من يعقوب" تعني ابن يعقوب بخلاف ما ذهبت اليه الترجمة العربية ..
ولا يذكر متى ومرقس اسم يعقوب ابن حلفى.. ويوحنا وحده يذكر نثنائيل الذي من قانا الجليل..
ويعقوب ابن حلفى هو أخو لاوي- متى العشار بحسب مرقس فيكون متى هو أيضاً ابن حلفى.. والغريب أن نثنائيل الذي يرد ذكره في انجيل يوحنا في رواية طويلة تُظهر أهميته وتعاطف عيسى معه، لا يحظى بأدنى ذكر في بقية الأناجيل..
في القرن الخامس للميلاد صدر مرسوم البابا جيلاسيوس الذي حدد الأناجيل القانونية بأربعة فقط وألغى أو أخفى البقية (التي صارت تُعرف باسم الأناجيل المخفية أو الأبوكريفا)..وبدءاً من القرن التاسع انتشرت قصة تُماهي بين نثنائيل وبرثولماوس من خلال القول بأن الاسم الأخير هو لقب أصله بار ثولماي وتعني ابن ثولماي.. ولا يوجد ما يؤكد هذا الزعم علماً أنه من غير المفهوم أن يلجأ انجيل يوحنا لذكره بالاسم وكذلك أعمال الرسل، في حين تذكره بقية الأناجيل باسم أسرته أو لقبه؛ ما يدل على هشاشة هذا الاستنتاج المتسرع..
أما يهوذا أخو يعقوب، فهو في الحقيقة وبحسب الأناجيل (الأصول اليونانية واللاتينية) ابن يعقوب.. أما مصدر القول بأنه أخو يعقوب فيعود الى رسالة في الأناجيل منسوبة الى يهوذا "عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب" .. ولكننا هنا نقع على اشكالية أخرى تتمثل في الكلام عن أخوة للمسيح هم يعقوب وسمعان ويوسي ويهوذا كما يرد حرفياً في انجيل متى، وفي انجيل مرقس. كما يؤكد يوحنا أن كلمة أخوة يجب أن تؤخذ حرفياً، فهم فعلاً أخوة عيسى أبناء يوسف النجار. وبحسب الانجيل الأبوكريفي المسمى بالانجيل البدئي ليعقوب protoevangilium والمسمى أيضاً "انجيل ولادة مريم" (كما في غيره من الأناجيل والرسائل الأبوكريفية ومنها قصة يوسف النجار )، فإن يوسف كان متعلماً وعالماً في فقه الشريعة وكاهناً في المعبد إضافة الى ممارسته لمهنة نجار خشب.. وكان تزوج وهو في سن الأربعين ثم صار أرملاً وله ستة أولاد: أربعة بنين (يهوذا، يعقوب، يوسف، وسمعان) وبنتان (ليديا وآسيا) .. أما مريم فقد نذرها أبواها لخدمة الرب في المعبد منذ كانت طفلة في الثالثة من عمرها.. وحين بلغت الثانية عشرة اجتمع الكهنة في الهيكل ليدرسوا وضعها "خوفاً من أن تعاني قداسة هيكل الرب دنساً ما"... ونزل عليهم ملاك الرب يخبرهم باستدعاء الأرامل ليختاروا واحداً منهم بالقرعة ليكون زوجاً لها ليحفظها..فوقع الاختيار الرباني على يوسف الذي اعترض قائلاً: "لي أولاد وأنا شيخ بينما هي فتية جداً".. ومن الأناجيل الأبوكريفية أيضاً أن عمر يوسف حين ترمل كان 89 سنة وحين تزوج مريم كان عمره 90 سنة. . وفي الأناجيل القانونية تأكيد على وجود أخوة لعيسى من يوسف النجار... ففي انجيل متى نقرأ على لسان أهل قرى الجليل الفلسطيني: "أليس هذا ابن النجار. أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا. أوليست أخواته جميعهن عندنا" .وفي مقطع سابق يقول متى: "وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وأخوته قد وقفوا خارجاً طالبين أن يكلموه" .. ونجد نفس الإشارة عند مرقس "فجاءت حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجاً وأرسلوا اليه يدعونه" . وقد حاول البعض القول بأن الأخوة هنا تعني التلاميذ ولكن يوحنا بدد هذا الزعم حين ميّز بوضوح بين الأخوة والتلاميذ: "وبعد هذا انحدر الى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه" .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)