إظهار الرسائل ذات التسميات الشيعة اليوم. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات الشيعة اليوم. إظهار كافة الرسائل
السبت، 2 فبراير 2013
محمد مهدي شمس الدين: حول الخدمة المنزلية
الأربعاء، 2 يناير 2013
إبراهيم محمد مهدي شمس الدين:في الدولة والشيعة والمقاومة والطائف
الشيعة بين ولاية الفقيه والدولة المدنية
الأحد، 26 أغسطس 2012
إلى كل محب للقطيف
جعفر الشايب،كاتب وناشط حقوقي، راعي منتدى الثلاثاء الثقافي، وعضو المجلس البلدي بمحافظة القطيف
كانت قراءات ممتعة للعديد من المقالات التي قرأتها مؤخراً وخلال الفترة الماضية لكتاب وشخصيات من مختلف مناطق المملكة اتسمت بالهدوء والاتزان تجاه ما يجري في القطيف من أحداث. وعكست وعياً بوحدة الوطن، ونضجا في التفكير، وعقلانية في الخطاب والمعالجة لجرح يقلقنا جميعا وقضية تهمنا كلنا. سبق وأن دعوت في هذه الزاوية قبل أشهر قليلة إلى ضرورة أخذ مبادرة وطنية عاجلة لمعالجة الموقف تتجاوز الحالة الفئوية والمناطقية، لنقف جميعا شركاء في المعالجة، كما وقفنا يداً بيد في كل الأزمات التي مرت على وطننا.
يتفق أهالي القطيف على إدانة العنف بكل أشكاله، وهو ما بينه قولاً وفعلاً شخصيات وأعيان القطيف من على منابر الخطابة أو في البيانات والخطابات والتصريحات المتتابعة. كما يؤكدون على احترام المشتركات الوطنية التي تجمعهم مع بقية المواطنين وأبرزها القيادة السياسية ووحدة الوطن. لعله مطلوب أن تتوضح هذه المواقف بصورة أكثر جلاءً ودون أي لبس أو مواربة فيها، من أجل ألا تعطي لأي واهم دليلاً أو حجةً يتخذها ذريعة للتشنيع بأبناء القطيف المخلصين. فهنالك من يريد تعميم مواقف أفراد أو مجموعات محدودة على بقية أهالي المحافظة، لأهداف مبيتة ومغرضة.
الحريصون على أمن الوطن والمخلصون والواعون من أبنائه، أراهم يتجاوزون كتابات المجاملة ومواقف الإدانة إلى البحث عن معالجات لهذه الأزمة التي أضحت مقلقة، وخاصة في ظل التجارب التي تمر بها المجتمعات العربية الأخرى. فلا أحد يرتضي أن تتصاعد وتيرة الصدامات المسلحة بصورة تهدد الأمن والاستقرار وتضيّع كل المكتسبات والإنجازات. إذاً تعالوا يا من تحبون القطيف وأهلها، من علماء دين وأكاديميين متخصصين وشخصيات اجتماعية وثقافية، ساهموا ليكون لكم دور في الحل وليس في المشكلة. بألا تعمم الأخطاء على الجميع، فالتعميم سلاح العاجز والجاهل. وأن تهيأ أجواء مناسبة للحوار بين مختلف الأطراف لأن في قطيعته خسارة للجميع. وأن يمارس الواعون من أبناء الوطن دوراً إيجابياً فاعلاً في احتواء الأزمة، فالكل مسؤول مهما تباعدت المسافات واختلفت التوجهات.
من يراجع منكم – أيها المحبون – ما كتبه أبناء هذه المنطقة من مراجعات ودراسات وخطابات ير فيها الأبعاد المختلفة لهذه المشكلة، والحلول المقترحة لها أيضاً. ولا أظن أننا في ظل وطن بحجم وطننا، وقيادة بمستوى حكامنا، ورجال واعين بإخلاص أمثالكم سنكون عاجزين عن الوصول لمخارج مناسبة لهذه القضية. تحيتي لكل مخلص غيور عبر عن حبه للقطيف، ودعوتي لكل مؤمن بوحدة هذا الوطن وسلامته، بأن يكون الانفتاح والصدق منهجاً في سبيل المعالجة، ورهاني على أهالي القطيف بأن يواصلوا مد أيديهم لشركائهم في الوطن رافضين أي مزايدة أو تجديف.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٩) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-٠٨-٢٠١٢)
نداء من اللقاء العلمائي اللبناني والمركز العربي للحوار إلى خاطفي اللبنانيين في سوريا .
بيان السيدين وخزعبلات التفوق
سناء الجاك – ملحق النهار- الأحد 26 آب 2012
بين مواقف "حزب الله" التي تصدر بشكل رسمي في خطب أمينه العام السيد حسن نصر الله، وبيان السيدين محمد حسن الامين وهاني فحص مسافات ومساحات. واذ يطيب لبعض المحللين المجتهدين ان يُنذروا من لم يفهم بعد، ان هناك من بدأ جدياً بالعمل لتكريس انفلات كامل وشامل للوضع في لبنان، نجد ان السيدين يدعوان أبناء الطائفة الشيعية إلى "الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية والاطمئنان إليها والخوف العقلاني الأخوي عليها، وخاصة الانتفاضة السورية المحقة".
هناك من يقول للبنانيين ان ما شهدناه حتى ساعتنا من آل المقداد و"كتيبة المختار الثقفي" سيصبح نسمة ربيعية امام ما يمكن ان نشهده ويشهده مناصرو المعارضة السورية سواء على صعيد الانظمة او الناس العاديين، سواء في لبنان او حيث تصل أيديهم ليعيثوا فتنة وفساداً، والسبب الوحيد هو تأييد النظام الأسدي المجرم لأن لمرجعية الحزب الايرانية مصلحة في ذلك.
هذه المصلحة جعلت للعشائر أجنحة ومجالس، خارج النطاق العشائري المعهود، وجعلت البشر طرائد، ووظفت فائض القوة والقدرة على التحرك وتكريس الفلتان الأمني فشة خلق محقة لعشيرة لها أجنحتها التي تحط وتطير بمعزل عن السلوكيات العشائرية الموروثة من بطون العادات العربية.
لذا لا أحد في مأمن من التداعيات، ولا حظوة لـ"الرعايا"، سواء أكانوا لبنانيين أم خليجيين أم اتراكاً أم أجانب من دول العملة الصعبة. لا تسألوا الحزب الإلهي عن الموضوع، فهو مشغول من خلال مواسم التهديد والوعيد وعرض العضلات، ببث الرعب في قلوب الصهاينة على أمل ان ينقرضوا نتيجة اصاباتهم بالجلطة او السكتة القلبية او يحفروا الارض ويكملوا ما بقي من حياتهم في سراديب مظلمة حتى لا تصيبهم الصواريخ المكدسة.
ولا يهم اذا بقي من لبنان جهاز رسمي او جيش او درك او إدارة ترضى بالعمل من تحت الدلف الى تحت المزراب.
بالطبع يستطيع حلفاء النظام السوري هذه الأيام نسف البلد ومن فيه، ما دام هناك من تجرأ وكشف مستور النظام الأسدي المجرم ومتفجراته، وحدد بالاسم المسؤولين المباشرين ومَن خلفهم، وادعى عليهم. بعد ذلك، لا بد من تكبير الخطر الاسرائيلي واستثماره واستهلاكه لتغطية الجرائم الفعلية في انتظار الخطط "أ" و"ب" و"ت". لا يهم اذا اقتصر التضخيم والكلام المكرر على المنابر للتداول الاعلامي وتحسين الصورة، في حين تتواصل العمليات الانتحارية على الأرض لتخريب البلد بغية خلط الأوراق، ويتواصل العمل حثيثاً حيث أمكن لإقحام كل العوامل لفتح كوة للنظام السوري الذي ينازع، حتى لا يخرّ صريعاً بضربة شعبه القاضية.
بعيداً من طق الحنك في شأن الأجنحة العسكرية العشائرية والخطف الذي لا يجد من يقول لمن يرتكبه: "ما أحلى الكحل في عينك"، ليس صعباً الاستنتاج ان كل ما يتحرك له مرجعيته. وليس صحيحاً ما قيل ان عمليات الخطف التي يقوم بها مجلس العشيرة خارجة على سيطرة الحزب الإلهي. فلا عفوية او ردود فعل في كل ما نشهده. يشي بذلك الشريط التي تم الترويج له وعرضه على اساس انه قنبلة الموسم لـ"معارض سوري" في "ضيافة" العشيرة المقدادية، ولم يكن الا نسخة سيئة الصنع والمضمون لما نشاهده على شاشتي "الاخبارية السورية" و"الدنيا". الصحيح ايضا ان الفتنة الطائفية تجاوزت الخطوط الحمر بين شيعة وسنّة، بفضل الاطماع الايرانية والنظام الأسدي الذي لم يوفر جريمة او مذبحة لإثارة الأحقاد والغرائز وايقاظ الشياطين واستدراجها الى ساحته، حتى يجعل مسيرة الثورة دموية قد تهدد الكيان السوري برمته، مع انه بغبائه لن ينجو منها.
في هذا الإطار ومن منطلق هذا الخوف، يأتي بيان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص من باب الضرورة القصوى التي يحتاجها السنّة والشيعة معاً، حتى يصار الى سماع صوت عاقل وعادل، ربما يحسب البعض ان صوتهما قد يضيع في خضم القرف الذي يحاول فريق الاستقواء بالسلاح فرضه. لكن بين بيان السيدين وخزعبلات التفوق لشعب الله المختار، لن يصح الا الصحيح.
سوريا: كل يوم عاشوراء.. كل شبر كربلاء
هوشنك أوسي- المستقبل- نوافذ- 26 آب 2012
(الى أحفاد الإمام الحسين في لبنان: سماحة السيّدين هاني فحص ومحمد حسن الأمين)
"الشعب السوري مابينذل"، هذا أول الشعارات التي رددها المتظاهرون السوريون في مطلع ربيع ثورتهم على "طاغية الشام"، على حدّ تعبير الزعيم اللبناني وليد جنبلاط.
رفض الذلّ والمهانة وهدر الكرامة وهتك الاعراض، والسعي نحو التحرر والانعتاق من جبروت الاستبداد وأذرع اخطبوطه الأمنيّة في سورية، كان ولا يزال لسان حال السوريين، رغم كل ما عانوه من ظلم وطغمة واجرام وإبادة وخنق ونحر وإحراق وتدمير ونهب وسلب للبلاد والعباد. وهذا ما يجعل الثورة السوريّة أنبل ثورات شعوب المنطقة وأشجعها. ذلك ان النظام الذي يواجهه السوريون، هو حتى أبشع من النظام الذي يواجهه الفلسطينيون، وابشع من نظام صدّام حسين الذي استخدم السلاح الكيمياوي ضدّ شعبه، وابشع من النظام الذي واجهه الامام الحسين، عليه السلام. وحين ردد السوريون شعارهم السالف الذكر، فقد كان قدوتهم في ذلك الإمام الحسين، في كربلاء، وهو تحت الحصار والتهديد بالموت، مع صحبه وعياله القلائل، مواجهاً اعتى عتاة الشرّ والإجرام آنئذ، فقال في خطبة عاشوراء: "ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك منّي، هيهات منا الذلة. أَبى الله ذلك لنا ولرسوله والمؤمنون، وحجور طهرت، وجدود طابت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام". وعليه، خيار الشعب السوري في ثورته على نظام الأسد هو خيار الامام الحسين ضد الظلم والعدوان، الرافض للاستسلام للمهانة والذلّ. ولكن ثمّة من في لبنان والعراق وايران، لا يكتفي بدعوة الشعب السوري للاستسلام والاذعان لـ"يزيد العصر"، وفي الوقت عينه، يعلن هؤلاء؛ انهم من شيعة الامام علي بن أبي طالب، وبل يدعمون ويساندون نظام يزيد - الأسد بالعدّة والعتيد، ويسفكون دماء السوريين! يكفي الردّ عليهم، بما ردّ الحسين على أفراد من جيش الكوفة، الذين طلبوا الانصياع لحكم يزيد لكي ينعم بالسلامة قائلاً: "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا إقرار العبيد" (مقتل الحسين للمقرّم: 280، تاريخ الطبري 323:4).
لم يعد خافياً لكل ذي ضميرٍ حيّ؛ أن سورية، في كل لحظة عاشوراء، وكل شبر من ترابها تحوّل الى كربلاء، نتيجة الحصار والذبح والتعذيب والتجويع والتدمير والأرض المحروقة الممارس عليها، وإزهاق أرواح النساء والشيوخ والاطفال والشباب، والتمثيل بجثثهم، على أيدي نظام الأسد وجلاوزته من شبّيحة وأمن وجيش!. ان ما يحدث في سورية، ينقطع له قلب التاريخ، ويهزّ أركان الوجود وأقطاره، فما بالكم من إيلامه ذوي القلوب الرقيقة والعقول الراحجة من أقطاب الفكر الشيعي، ورجالاته الأصلاء في لبنان. وعلى خطى نصرة الحسين في كربلاء ومشايعته ومبايعته إماماً وليّاً، مظلوماً شهيداً، أصدر سماحة السيّدين هاني فحص ومحمد حسن الأمين بيانهما "التاريخي"، معلنين فيه تضامنهما مع الثورة السورية والشعب السوري. وقالا فيه: "تواصلاً مع موروثنا الشيعي في مقارعة الظالمين، أياً كانوا، ونصرة المظلوم أياً واينما كان، والتزاماً منا بموجبات موقعنا الديني المنتقص من دون ان ينقص، بالقوة والجمهرة والكلام التعبوي اليومي والزبائنية السياسية والعلاقة الريعية". وأشارا الى دورهما الفكري الشيعي الاسلامي العربي والتنويري "الذي لا ينكره الا مكابر او غوغائي ووقوفهما الى جانب المقاومين للاحتلال الصهيوني لفلسطين ولبنان، والاحتلالات الوطنية، التي استخدمت فلسطين والعروبة والممانعة ضد شعوبها فقط". ودعا الأمين وفحص الشيعة في البيان "إلى الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية والاطمئنان إليها والخوف العقلاني الاخوي عليها.. وبخاصة الانتفاضة السورية المحقة والمنتصرة باذن الله والمطالبة بالاستمرار وعدم الالتفات الى الدعوات المشبوهة بالتنازل من أجل تسوية جائرة في حق الشعب السوري ومناضليه وشهدائه مع ما يجب ويلزم ويحسن ويليق بنا وبالشعب السوري الشاهد الشهيد من الغضب والحزن والوجع والدعم والرجاء والدعاء، أن يتوقف هذا الفتك الذريع بالوطن السوري والمواطن السوري". مؤكدين أن "من أهم ضمانات سلام مستقبلنا في لبنان ان تكون سوريا مستقرة وحرة تحكمها دولة ديموقراطية تعددية وجامعة وعصرية". وتابع فحص والامين: "إننا نفصح بلا غموض أو عدوانية عن موقفنا المناصر غير المتردد للانتفاضة السورية، كما ناصرنا الثورة الفلسطينية والإيرانية والمصرية والتونسية واليمنية والليبية وتعاطفنا مع التيار الاصلاحي والحركة الشعبية المعارضة في ايران وحركة المطالبة الاصلاحية في البحرين وموريتانيا والسودان". وأبدى الأمين وفحص "استعدادهما لمناصرة أي حركة شعبية ضد أي نظام لا يسارع إلى الاصلاح العميق تفادياً للثورة عليه واسقاطه"، معتبرين ان "الباطل الذي كان دائما زهوقاً قد زهق، اما احقاق الحق فطريقه طويل ومعقد ومتعرج، وفيه كمائن ومطبات كثيرة، ويحتاج إلى صبر وحكمة ويقظة وحراسة لدم الشهداء، حتى لا يسطو عليه خفافيش الليل وقطعان الكواسر.. ويحتاج الى شفافية وحوار وود ونقد. ولن نبخل بالود الخالص والنقد المخلص، آتين الى الحق والحقيقة والنضال والشهادة من ذاكرتنا الإسلامية النقية ومن رجائنا بالله ومن كربلاء الشهادة التي تجمع الموحدين وتبرأ الى الله من الظالمين".
الحقّ أنه لخطابٌ كربلائيٌّ أصيل، لا يصدر إلاّ من حفيدين حقيقيين لسيّد شباب الجنّة، أبا عبدالله الحسين. انه الخطاب الخالص المخلص للإرث الحسيني الكربلائي في المقاومة ومقارعة الظلم والظالم، أيّاً كان، وأين كان. وهو ليس بجديد عن هذين العالمين الإسلاميين الجليلين، بل أتى تتمّة لمواقف وتصريحات سابقة، مؤيّدة للثورة السوريّة، وناقدة لكلّ توجّه لبناني، مؤيّد وداعم للنظام السوري.
بيان السيّدين فحص والأمين، هو لسان حال قطاعات واسعة من النخب الثقافيّة والدينيّة الشيعيّة اللبنانيّة والعراقيّة، غير التابعة للسلطة الإيرانية. ولا يتسع هنا المقام لذكر عشرات الأدباء والشعراء والمثقفين والساسة اللبنانيين والعراقيين ممن يدعمون الثورة السوريّة، وينتقدون موقف ايران ودكاكينها السياسيّة في لبنان والعراق. ولعمري أنه لو كان سماحة السيّد محمد حسين فضل الله وسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين على قيد الحياة، لكانا الى جانب الأمين وفحص في بيانهما التاريخي السالف الذكر. ذلك أنه أقلّ ما يقال في هذا البيان، انه اصطفاف مع المظلوم كائناً من كان، ضدّ الظالم الذي ربما يمتّ بآصرة بالمذهب او الطائفة، وعدم ترجيح العصبيّة المذهبيّة والطائفيّة على مناصرة المظلوم ضدّ الظالم. هذا البيان، كان له وقع البلسم والمرهم لجراح السوريين، وسط ما يقترفه حزب الله وباقي الزواريب السياسيّة (السوريّة - الايرانيّة) في لبنان والعراق من جور وظلم بحقّ الثورة السوريّة، ونصرتهم لنظام القتل والاجرام الاسدي. هذا البيان، هو بمثابة انشقاق عمّن يريد زجّ الطائفة الشيعيّة الكريمة في هذه الحرب القذرة والدنيئة ضد الشعب السوري وثورته على طغمة الآسد وشبّيحته. انه بيان العقل والروح الشيعي الأصيل، الذي لن ينساه الشعب السوري، بكل مكوّناته الدينيّة المذهبيّة والقوميّة والعرقيّة. وسيكون مادّة للدراسة والتحليل، كوثيقة دالّة عن عمق تنويري - ثقافي معرفي، وحساسيّة وطنيّة ديموقراطيّة، وبُعد تاريخي حضاري، لدى فحص والامين تأكيداً على المواقف الحازمة والحاسمة في مواجهة الدوغما العقيديّة التي تدفع بالمحازبين نحو التورّط في الحروب الظالمة. انه نداء العقل والروح لكل من تورّط في سفك دماء السوريين، بأن يعود الى صواب كربلاء الحسين، وألاّ يكون مع الظالم، لأن الأخير من قومه أو دينه أو مذهبه أو طائفته!. انه بيان العقلانيّة الدينيّة، في أرقى أشكال حساسيّتها وتنبّهها لمخاطر التحزّب الأعمى للدين او المذهب او الطائفة. لذا، لا غرابة في اعتبار الدوغمائيين والطائفيين لفحص والامين على انهما "خائنان" و"مارقان"، لكونهما شقّا عصا الطاعة لايران وحزب الله اللبناني، المنخرطين في قمع الثورة السوريّة الى جانب نظام الأسد.
نشرت صحيفة "الحياة" لكاتب هذه الأسطر، مقالاً بعنوان: "آن للسيّد السيستاني أن يخرج عن صمته" (الثلاثاء 20/03/2912). وكان المقال، نداء موجّهاً لسماحة السيّد علي السيستاني، كي يعلن عن موقف حيال المجازر الوحشيّة التي يرتكبها نظام الأسد بحق ابناء الشعب السوري، وان يبدي موقفه من التورّط الايراني وحزب الله اللبنانيّ وبعض الاحزاب العراقيّة الايرانيّة في هذه ارتكاب هذه المذابح الى جانب نظام الأسد. إلاّ ان السيستاني لا زال على صمته!. والى جانب استمرار هذا الصمت المريب، يظهر مدى نبل وعظمة وسموّ صرخة فحص الأمين في بيانهما.
قصارى الكلام: إذا كانت وثيقة فحص الأمين بيان دعم للثورة السوريّة، فيه في الوقت عينه، بيان تنديد وشجب وإدانة لكل من يدعم نظام الأسد. وعليه، هكذا يكون الاخلاص لنهج الحسين، عبر إدانة المعايير المزدوجة بأن يكون المرء مع ثورة المظلومين في مكان ما، وضدّ هذه الثورة في مكان آخر، لكون الظالم المستبدّ هنا، من نفس طينة الملّة او الطائفة او الحزب. بيان الأمين فحص، أكّد ان حزب الوطن، أكبر وأعظم وأسمى من حزب الدين والملّة والطائفة. وأن حزب الإنسان المظلوم، كائناً من كان، هو الأكثر قوّةً من حزب البنادق والسلاح والصواريخ. كما أكّد البيان؛ ألاّ مكان للشيعة إلاّ في محيطهم الوطني الديموقراطي، بعيداً من المحاور السياسيّة الطائفيّة، اللاوطنيّة.
() كاتب كردي سوري
أوليغارشية" ومحاصصة.. أم افضل تمثيل ممكن؟
عادل عبد المهدي
النظام التمثيلي ليس مجرد اغلبية واقلية تتداول السلطة.. بل الحرص ايضاً على فتح الفرص -وليس حجزها- لكل من يقف خارج التكتلات المغلقة والقوى الكبرى، وفي التقليل من الاصوات الضائعة، ومنع الواطئة -المحمية بقوائمها- ان تأخذ اصوات من يفوقها كفاءة وعدداً. فينعكس ذلك على اخلاقيات السياسيين وطرق صعودهم، واداء البرلمان وواقعه التمثيلي.. ولنمنع التطور لـ"اوليغارشية" الاحزاب الكبرى التي قد تبدأ بشرعية وتمثيلية عالية، لتفقدها بالتدريج.. فتصبح اغلبية بقوانينها فقط، عازلة نفسها عن غالبية المواطنين وتوجهاتها ومصالحها.
لم نتطور بعد لنظام "اوليغارشي" بتوصيفات افلاطون وارسطو، لانتخاب الحكام من الاقلية المالكة.. او تطوراته المعاصرة لحكم العوائل او المافيات او الاحزاب المتشرنقة حول بعضها بعيداً عن حراك الشعب وواقعه. لكننا نختزن استعداداً لذلك، بعد تحول المحاصصة لعلة شبه وحيدة لحركة النظام وفاعليته. فشهية القوى الكبيرة لضمان الفوز، واستيلائها على ما يفوق حاجتها من المقاعد، يعكس الخلفية "الاوليغارشية" او "التحاصصية" التي تحكم الطبقة السياسية. فحرصاً على هذه القوى وتاريخها المشرف، والشرعية التي بنتها بدمائها الغالية واصواتها الحقيقية.. نرى اهمية مراجعة فلسفتها وخلفياتها، لتواكب التطورات. ففوز قوى والوان كبيرة ومركزة ضرورة وشرط لاي نظام ديمقراطي، لكن حضور الالوان الاخرى لا يقل اهمية. كذلك فان ضياع نسبة من الاصوات هو امر طبيعي، لكن النظام الجيد هو الذي يقلل من ذلك، لا الذي يزيده.
يتحجج البعض بتجارب انظمة الحزبين.. متناسياً التاريخ الطويل لهذه الاحزاب.. وتبنيها تقاليد عمل داخلية شفافة.. وتحالفات واجنحة.. واطارات مفتوحة ومرنة، تجعلها اقرب للبرلمانات المصغرة، تسمح للكفاءات والمستقلين والاطياف المختلفة للوصول عبرها لمواقع التمثيل. تقابلها قوائمنا واحزابنا المأسورة بساحاتها.. المحجوزة بفئوياتها.. الوارثة لتقاليد فترات المعارضة.. والمغلقة على كوادرها ومنتسبيها. مما يوصد الابواب امام جزء مهم من مراكز الحراك الشعبي الايجابي والفعال ليجلس في مواقع التمثيل والتعبير.
فان لم نراجع الامور وعياً، فسيصدمنا الواقع قسراً. فحسب الظرف والوقائع، لابد من توازنات صحيحة تقودنا لمرحلة اكثر نضجاً وتقدماً. توازنات تشجع –اولاً- اللملمة في احزاب وتكتلات كبرى بابعاد وطنية، وبجمهور عابر لحواجزها.. وتسمح –ثانياً- للتيارات والكفاءات والاطياف بتمثيل يحرمها منه القانون، يوازي مكانتها وتأثيراتها الاجتماعية/السياسية. فهدف الطبقة السياسية والاحزاب الكبرى –بكلماتها ذاتها- اصلاح النظام وتمثيل الشعب، كل الشعب، وليس مجرد حكم البلاد.
شيعة عرب مع الحرية
اصدرت مجموعة من الناشطين في الطائفة الاسلامية الشيعة بيانا عبروا فيه عن دعمهم المطلق لكل الشعوب العربية التي تبحث عن حريتها بعد سنوات من القمع و الظلم الممارس بحقها و شددوا على ان الطائفة الشيعة لا يمكن لا الا ان تكون مع المظلوم في وجه الظالم.
الجمعة 24 آب (أغسطس) 2012
وفي ما يلي نص البيان مع اسماء التواقيع:
الموقف الشيعي بشرط الحرية
لو افترضنا أن الجمهور الشيعي تمكن من التعبير عن رأيه بحرية، فماذا يمكن أن يقول بعيداً عن أساليب الترغيب والترهيب؟
سوف يجاهر بأنه يريد دولة مواطنة في لبنان، لا خائفة ولا مخيفة، ودولة جامعة مستقلة ومنفتحة على الجميع في العراق، ودولة ديموقراطية عصرية واصيلة بديلة في سورية، بعدما فقدت سلطتها الحاكمة بالاستبداد المزمن والمجازر المتعاقبة، أهليتها للإصلاح. ويريد للعقلاء من السنة والشيعة في السعودية، حكاماً ومحكومين، أن لا يكرروا تبادل الأخطاء والانفعالات، كما حصل سابقاً.. ويريد حواراً جاداً من أجل الإصلاح في البحرين وسوف يتساءل هذا الجمهور عما اذا كان يناسب صورة الشيعة وسمعتهم التاريخية أن لا يمر نهر الحزن والغضب الانساني الكربلائي بالحولة والتريمسة؟
إن موقفاً شيعياً معبَّراً عنه بقوة وحكمة ومحبة ورحمة واعتدال وتوازن، مع الشعب السوري، من شأنه أن يسهم بقوة في تلافي الفتن الطائفية ، في كل البلاد العربية ، وخاصة في سوريا ، حيث لم يعد هناك مجال لإخفاء الوقائع المقلقة والممهدة للفتنة، والتي يرتكبها أشقياء وأغبياء بثياب مذهبية مهلهلة وأدوات جريمة مسمومة .
إن الحريصين على الحفاظ على الصورة الحقيقية والمتوارثة للشيعة، باعتبارهم مكوناً أصيلاً وشريكاً في أوطانهم، مدعوون الى تصحيح المشهد، لجهة تظهير الموقف الشجاع والصحيح المتعاطف مع انتفاضات الشعوب العربية وحقوقها، من دون تفريق بين مستبد هنا أو هناك، وأن يعبروا بشجاعة عن موقف عقلاني، ثوري وواقعي، آخذين في اعتبارهم أن للشعب السوري حقاً عليهم، كما هو حقهم عليه، وأن هذه اللحظة هي لحظة الوفاء بالحقوق، وهي لا تتحمل تأجيلاً أو تسويفاً أو صمتاً أو تهرباً أو تهوراً ، أو خضوعاً لابتزاز السائد السياسي الشيعي بالقوة ، والحافل باحتمالات الخطر على سلامة الوجود الشيعي والحضور الشيعي في أي حركة نهوض وطني ، والمؤثر سلبياً على أمثالهم من مكونات الاجتماع الوطني في البلاد العربية .. هذه المكونات التي لا تقل مطالبتها بالانحياز النهائي للديموقراطية والتغيير إلحاحاً عن مطالبة غيرها، نفياً للشبهات التي تأتي من مواقف وخطابات تجير مكونات دينية بعينها لصالح الاستبداد من دون أن يكون ذلك مطابقاً للواقع أو حائزاً على رضا الجماعات المعنية بدورها الوطني وتاريخها في المشاركة وشوقها الى الحرية والعدالة.
إننا بحاجة الى أمثال عبد القادر الجزائري ليطفئوا الفتنة بالتعاون مع علماء دمشق وفاعلياتها، وبحاجة الى عقل وفكر عبد الرحمن الكواكبي، وخط ابراهيم هنانو ورفاقه، وشجاعة الشيخ صالح العلي وريادته وسلطان باشا الأطرش وفريقه الذي لا ننسى أن أدهم خنجر الآتي من وسط نضالي شيعي في جبل عامل كان ضيفه الآمن وشريكه في النضال.. إننا بحاجة الى التذكير بعالم الشام المرجع الديني الشيعي السيد محسن الأمين، الذي شهد له الجميع بالريادة في الإصلاح والوحدة، ونتخيله خطيباً للجمعة في المسجد الأموي أو مسجد السيدة زينب، في جماعة من كل المذاهب، كما كان يحدث، يقرأ الفاتحة، في نهاية الصلاة، بصوت جهير وجريح، على أرواح شهداء التريمسة، ويختمه بدموع حسينية طاهرة مطهِّرة.. وهل يمكن للسوري.. المسلم أو المسيحي أن ينسى الشامخ الباذخ علماً وعملاً فارس الخوري.. أو السلسلة الذهبية من الأمراء ال ارسلان وبالاخص الامير شكيب وعجاج نويهض وأمثالهم من علامات سوريا وبلاد الشام؟ وماذا كان يمكن أن يفعلوا لو بعثوا؟ سوف ينهمكون قطعاً بسد ذرائع الفتنة .
وإننا إذ ندعو الى استيعاب بعض المواقف وتجاوزها من الطرف السوري والى إعادة النظر فيها من الطرف اللبناني المعني، نؤكد أننا لن نفرط بالدم السوري، ونطالب بإطلاق سراح أخوتنا المحتجزين تطبيقاً لسد ذرائع الفتنة.
وهذا بياننا موقعاً بأسمائنا من دون مواربة لأننا منحازون كجميع أهلنا للحق والحقيقة في سوريا ومستقبلها الذي يعنينا.
العلامة السيد محمد حسن الامين، العلامة السيد هاني فحص، الشيخ حسان رطيل ، الشيخ عباس الحايك ، الشيخ عباس الجوهري ، السيد ياسر ابراهيم، الشيخ محمد حجازي . الشيخ محمد علي الحاج
والنشطاء في الشان السياسي و الاجتماعي، مع حفظ الألقاب :
احمد مطر ، اكرم عليق ، اسماعيل شرف الدين ، بادية فحص ، حنين غدار ، حبيبة درويش ، حارث سليمان ، حسن عباس ، حيدر اللقيس ، حامد السيد ، حسن بزيع ، حسن محسن ، حسين حركة ، حسن فحص ، حسن هزيمة ، حسين قاسم ، خليل الزين ، خليل شقير ، راشد حمادة ، زينة الرز ، سناء الجاك ، سامي منصور ، سعود المولى ، صلاح الحركة ، علي الامين ، عبد الله رزق ، علي عميص ، عمر حرقوص ، علي عبد الامير عجام ، عماد قميحة ، علي حيدر شعيب ، علي الحارث ، عماد الامين ، علي حسين ، علي عطوي ، علي شرف الدين ، غالب ياغي ، فادي الطفيلي ، فادي توفيق ، فادي يونس ، فؤاد حطيط، فادي كنج ، كاظم عكر ، كريم صالح ، لقمان سليم ، ماجد فياض ، مجيد مطر ، مصطفى الكاظمي ، مصطفى فحص ، مياد حيدر ، ميرنا المقداد ، محمد المقداد ، محمد الشامي ، مروان كنج، مالك كلوت ، ، نضال ابو شاهين ، نوفل الجلبي ، نبراس الكاظمي ، هادي الأسعد ، هاني امهز ، وائل الأسعد ، ياسر اياد مكي
حوار حول السلفية الشيعية مع العلامة الدكتور حيدر حب الله
أجرى الحوار وأعدّه: سلوى فاضل
نشر هذاالحوار في العدد 118 من مجلة شؤون جنوبية، في لبنان، لشهر نيسان من عام 2012م.
يُعتبر العلاّمة الدكتور حيدر حب الله من أبرز العاملين في مجال التجديد في الفكر الاسلامي المعاصر، ومن أبرز الدعاة إلى مواجهة التطرف حيث يقول في احدى مقابلاته: "إن التيار النصّي في الوسط الشيعي المعاصر (وبعضهم يسمّيه تيّار السلفيين الجدد) تيار جديد في صورته المعاصرة، لهذا يأخذ وقته في التبلور، وعندما يتبلور ينفصل تماماً، إن ظواهر الإقصاء المتبادل تعزز هذا الانقسام وتقوّيه".
كان لـ(شؤون جنوبية) لقاءاً مع حبّ الله حيث حاولنا فيه الاطلالة على الوضع الديني الشيعي العام.
1 ـ يشهد الواقع الاسلامي ظاهرة التشدد الديني (السلفية السنية) في مرحلة (الربيع العربي)، في ظل تسلّم السلفيين الحكم في عدد من الدول التي شهدت تغييرا سياسيا، هل تعتبر كباحث معني بالفكر الاسلامي ان هذه الظاهرة نوع من ردة أم عودة الى الاصول ام انها ليست الا عبارة عن حركة سياسية لا أكثر؟
ج1ـ لعلّه يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها تعبيراً عن فشل الحركة الإسلامية النهضويّة التي انطلقت مع الأفغاني وعبده في تحقيق منجزات بمستوى المرحلة، كما يمكن فهمها في سياق أوسع يعبّر عن إحساس الخوف على الذات والهويّة والشعور بعقدة النقص أمام الآخر الحضاري (الغرب)، وهو ما حصل بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ودخولنا مدار العولمة، فإنّ الحركات الماضويّة حالها حال الاتجاهات الصوفيّة، يمكن أن تظهر في مناخ إحباط عام وفي وسط أحزمة البؤس الاقتصادي، وبهذا المعنى نستطيع أن نعتبر العقل السلفي بواقعه الجديد (النسخة الأخيرة المعاصرة) رغبةً في الفرار من الحاضر نحو الماضي الذي يعيد للإنسان إحساسه بالذات والهويّة المنسية، وردّةً عن مقولات عصر النهضة الإسلامي مع رموز التجديد الكبار، حتى رأينا بعض رموز تيار التجديد اليوم ينقلب سلفيّاً يكفر بكل ما كان قد آمن به أو نظّر له من قبل.
2 ـ ثمة تيارين داخل الطائفة الشيعية، الأول ينفتح على المذهب السني ويدعو الى الوحدة والتقريب، والثاني يؤكد على المذهبيّة الحادة أو ما يعرف بالشيرازية. برأيك لمن المستقبل؟ وكيف سيكون عليه الحال المجتمع الاسلامي في حال أخذت ما يعرف بـ(السلفية الشيعية) طريقها نحو الانتشار؟
3 ـ بعد مرور اكثر من عقدين على انتصار الثورة الاسلامية في ايران، هل تعتقد ان للتشدد الديني الشيعي، دوره في انتشار السلفية السنية، ولو متأخرة في القرن الحادي والعشرين؟
ج2 و3ـ بعد إبداء تحفظي على استخدام تعبير (الشيرازية) في هذا السياق؛ حيث لا يتماهى مع كافّة تيارات هذه الجماعة لاسيما منها ما ظهر منذ التسعينيات والتحوّلات التي طرأت عليها في بلدان الخليج، أرى أنّ الجواب عن أصل السؤال رهين طبيعة المتغيّر السياسي؛ لأنّ التاريخ الشيعي الحديث شهد نهوضاً لتيار التقارب مع العلماء: محسن الأمين وموسى الصدر وفضل الله وشمس الدين وكاشف الغطاء والبروجردي و.. وكانت هذه هي السمة البارزة للحركة الشيعية النهضوية منذ بداياتها في النجف، وقد حقّقت نتائج جيدة في الحضور الشيعي العربي منذ تجربة دار التقريب في القاهرة ثلاثينيات القرن الماضي، ولو رصدنا الحركة المتشدّدة التي لا تملك حتى الآن زمام الأمور في تقديري، فإنّها ولدت كردّ فعل على التيار التقريبي من جهة ونتيجة لارتدادات أزمة الهوية التي جاءت مع العولمة من جهة ثانية إلى جانب مؤثرات سياسية محدّدة، ولهذا وجدنا حركة التشدّد بارزة منذ التسعينيات، لاسيما في محاربة العلامة فضل الله الذي وضع بنظرهم العقائد الشيعيّة على مذبح التقريب بين المذاهب، فإذا انتهى الملفّ السياسي المتشنّج اليوم يمكن أن نتوقّع تراجعاً نسبيّاً لنفوذ الجوّ المتشدّد شيعيّاً، وانقلابه إلى صراع فكري داخل ـ شيعي، وهذا على الخلاف من السلفية السنيّة المعاصرة، فإنّها ولدت من مأزق الشعور بتراجع الإسلام السنّي بعد تدهور حال الإخوان منذ الثمانينيات في الجزائر ومصر والمغرب وتونس وسوريا وغيرها، وتقدّم معاصر للحركة الشيعية في منجزاتها في إيران ولبنان، لقد شكّل هذا المزدوج إحساساً بضعف المارد السنّي الذي بدأت قاعدته الشعبيّة تتقاسمها التيارات الفكرية والمذهبية والدينية الأخرى، فكان التشدّد تعبيراً عن رغبة عميقة في نهوض هذا المارد لكي يعيد الاعتبار والإحساس بالثقة أمام سيول المؤثرات الخارجيّة على أهل السنّة من أطراف عدّة، وهو ما يفسّر الإحساس الديني السنّي المتزايد اليوم بالأمان مع التيارات السلفيّة بوصفها مصدر قوّة في حماية الجماعة السنيّة، الخائفة أو المخوّفة من الآخر. وهذا لا ينفي أنّ بعض أشكال التشدّد الشيعي قد ساهم في التشدّد السنيّ والعكس صحيح؛ لأنّ العلاقة تبدو لي هنا جدلية لا من طرف واحد فقط، وأولئك الذين أذكوا نار التشدّد بحجّة خدمة المذهب هنا أو هناك يتحملون قسطاً من المآسي التي نشهدها اليوم.
4 ـ ما هم ابرز السلفيين الشيعة في العالم الاسلامي، بحسب رأيك؟ وبالخلاصة الى ماذا يهدفون من وراء تكريس هذه الحالة: الى حياة دنيوية تحكمها اقلية شيعية في عالم اسلامي ذي أكثرية سنية؟ ام الى حياة اخروية، لكن في الوقت عينه يتهدد فيه المجتمع الاسلامي برمته ويتجه نحو التقسيم والتفتيت؟
ج4ـ ما تريده أغلب هذه الجماعات التي بدأت تتخذ من بعض المرجعيات الدينية ظلاً لها، هو تحقيق الحدّ الأعلى من الخصوصيّة المذهبية في الفكر والاجتماع الإنساني، لهذا نجدها تقدّم القطيعة والتقوقع داخل الذات الجماعيّة على الاندماج الإيجابي في المحيط السنّي، ونجدها أيضاً تركّز على ظاهرة الشعائر بوصفها المُفْصِح الحقيقي عن الخصوصيّة، إنّ تحدّيات هذه الجماعات تكمن في الآخر الداخل ـ إسلامي، لهذا لا تولي أهميّة كبيرة للآخر الحضاري، ولا للتحدّيات المعاصرة الأخرى التي يواجهها الدين.
ولا يبدو لي مطروحاً اليوم الحديث الجادّ عن انفصال شيعي عن المحيط سوى ما أثير في العراق قبل سنوات، لكنّ هذه التيارات تفضّل القطيعة مع أهل السنّة بالمعنى الاجتماعي والفكري، وهي ترى أنّ تقدّم القوّة الشيعية أخرج الشيعة من حالة الضعف إلى حالة القوّة، وأنّه لم يعد يصحّ أن نتعامل بذهنيّة الأقليّة الضعيفة بعد تحوّلنا إلى سلطة قويّة، وهذا ما نلاحظه في الأدبيات الدينية لهذه التيارات فيما يتحدثون فيه عن انتهاء عصر التقيّة.
وأمّا الحديث عن التشظّي الإسلامي، فإنّ كثيراً من هذه الجماعات قد لا تعنيها هذه الكلمة شيئاً؛ لأنّ المهم عندها هو الإطار المذهبي الذي باتت تجتهد أكثر فأكثر للتنظير لحصر الإسلام به، وهو ما يجعل كافّة القضايا الأخرى لا تندرج ضمن أولويّات هذه الجماعات. إنّ فهم هذه الجماعات يجب أن يكون بتحليل قناعاتها من الداخل لا بإسقاط قناعاتنا وأولويّاتنا عليها.
5 ـ يتجه شيعة لبنان، المنضوي بعضهم، اما تحت اطارات حزبية دينية متشددة، وأخرى اكثر تشددا صوب مزيد من الارتكاز نحو القضايا المذهبية الانفصالية بالمعنى الديني، حيث لا نجد للوحدة من مقر سوى في الاحتفالات. بحسب رأيك من ينميّ هذه الظاهرة؟ ويمولها؟ ولصالح من؟ وهل يمكن ان نطلق عليها تعريف (السلفيّة الشيعية) مقارنة بالسلفيّة السنية؟
ج5ـ هناك جماعات دينية على المستوى الشيعي في المنطقة ترى أنّ آليات العمل السياسي المنطلقة من مفهوم المصلحة قد تركت تأثيرات سلبية على البُعد العقدي للجماعة الشيعية، وأنّه تمّ تقديم السياسي على المذهبي، وخلق حالة ازدواجيّة، ويذهب هؤلاء إلى أنّ هذه الظاهرة قد أبعدت وظيفة علماء الدين عن مجالها الديني والأخلاقي ليتحوّلوا إلى موظفي سلطة سياسية، وشيئاً فشيئاً ظهر تيارٌ على الهامش يعيد رسم أولوياته في سياق القضيّة العقديّة المؤجّلة سياسياً برأيه والالتزام الديني الصارم الذي لمس تهاوناً فيه مجاراةً للواقع المعاصر، وبعد أن شعرت القاعدة الشعبية بأنّ هذه الجماعات أكثر تعبيراً عن قيم الدين والتصاقاً بها على خلاف تيارات أخرى بدت لهم أنّها توظف الدين لخدمة مصالح سياسية أو تؤجّله للغرض عينه.. بعد ذلك بدأ الالتفاف حول هذه الجماعات الصغيرة التي قد تجد لها بعض الشخصيات الكبيرة الداعمة في مناخات بعضها متضرّر أو غير متوالم مع الحركة السياسيّة الشيعية التي جاءت منذ الستينيات، وبعد ظهور ما صنّف من قبل المعارضين أنّه انهيارات قيمية وأخلاقية في الحركة الإسلاميّة هنا أو هناك، وحصول تشظّيات داخلها خلال العقدين الأخيرين، ازداد نفوذ هذه الجماعات التي ظلّت تبدي نفسها تارةً من خلال تيارات ماضوية مذهبية ذات منطلق عقدي وتاريخي، وأخرى من خلال جماعات صوفية روحية ذات طابع مذهبي أيضاً، إنّ هذه الجزر الدينية لم تصل بعدُ إلى مستوى امتلاك القرار الشيعي، لكنّها بدأت بالتدريج بالنفوذ إلى داخل الجسم السياسي الشيعي بوصفها حركات دينيّة ثقافية، وقد ينذر ذلك ـ إن لم يجر الاشتغال الواعي عليه ـ بحدوث إرباكات في الحركة الإسلامية عبر اختراقها وتفتيت أولويّاتها من الداخل، في شيء يشبه ما حصل بين السلفية السنيّة والحركة الإخوانية في أكثر من بلد عربي.
أمّا التسمية، فيختلف الموقف منها تبعاً لاختلاف تفسيرنا للمصطلح، فإذا قصدنا منه تيار العودة إلى السلف الأوّل أو الاتجاه الماضوي الاستنساخي عموماً فيمكن تصحيح التسمية، أما إذا قصدنا منه التيار التكفيري بشكله السائد ومبادئه وآلياته فمن الصعب جداً حتى اليوم تبنّي مثل هذا المصطلح في المناخ الشيعي، وإذا كان هناك أفراد لديهم هذه العقليّة فإنّ غالبية الرموز الدينية الكبيرة في العالم الشيعي لا تحمل هذا النمط من التفكير بوصفه منهجاً نشطاً في الرؤية والممارسة.
العلاّمة الدكتور حيدر حب الله
لبناني من مدينة صور الجنوبية، انهى الدراسات الدينية في المراحل التي تُسمَّى بـ"المقدمات والسطوح" في لبنان، وانتقل إلى الدراسة العليا في الحوزة العلمية في "قم" عام 1995. وتتلمذ على أبرز الشخصيات المتخصّصة في مجال الفقه وأصول الفقه والتفسير وعلوم الحديث والرجال. وساهم بتأسيس مجلة "أصداء"، كما تولى رئاسة تحرير بعض المجلات مثل "المنهاج" و"نصوص معاصرة" و"الاجتهاد والتجديد". وصدر له عدة كتب منها: "مسألة المنهج"، و"التعدّدية الدينية"، و"بحوث في الفقه الزراعي". وترجم حب الله بعضا من الكتب الإيرانية الهامة، مثل "بين الطريق المستقيم والطرق المستقيمة" و"المجتمع الديني والمدني" و"الأسس النظرية للتجربة الدينية".
الخميس، 23 أغسطس 2012
الشيخ الطفيلي: هنالك "بَطَر شيعي" ومن خطف إبن المقداد ليس المعارضة السورية
سلاح المقاومة أصبح مخزياً بعد انغماسه في وحول سوريا والداخل
رأى الأمين العام الأسبق لـ"حزب الله" الشيخ صبحي الطفيلي أن النظام السوري حتما راحل، مشيرا الى أنه لا يجوز ربط الناس وشرائح المجتمع بأمر زائل، مطالبا أهالي باب التبانة وجبل محسن أن يبقوا جيرانا لأنهم سيبقوا بعد زوال النظام.
وأضاف الطفيلي في حديث للـ"المستقبل" أن سوريا تحترق من أقصاها إلى أقصاها والقادم أعظم، لافتا الى أن هناك مسعى من قبل النظام لإستخدام كل من يمكن استخدامه في لبنان.
وقال: "ليس من مصلحة "8 آذار" انفجار الوضع في لبنان لأن ذلك كمن يدمر البيت فوق رأسه فهم من يمسكون زمام الأمور في البلاد، وأتخوف من إمكان حصول "14 آذار" على قدرة عسكريّة قادرة على الوقوف بوجه القوّة العسكري لـ"8 آذار" لأن عندها سيدخل لبنان في حال الحرب".
وتابع الطفيلي: "الإيرانيون لا يريدون حرباً أهليّة في سوريا وإنما يريدون الحفاظ على النظام وهم مخطئون في ذلك لأن هذا النظام ساقط، وجل ما يفعلمونه اليوم هو تأجيج الحرب الأهليّة التي يمكن أن تتجاوز سوريا، وهناك دول من جملتها إيران وبعض الدول في الخليج تعتقد أن من مصلحتها الحرب المذهبية التي إن كانت تشعل المنطقة إلا أنهم يعتقدون أتهم سيسلمون وهذا الأمر قبيح".
وتطرق الطفيلي لقضية المخطوفين اللبنانيين في سوريا والسوريين والأتراك في لبنان، لافتا الى أنه سمع كلام إبن المقداد، وأن كلامه والتعابير التي استعملها تدل على أن ليس علاقة له بـ"حزب الله" ومن اختطف ابن المقداد يعرف أنه ليس في الحزب وهم قوّلوه ما قال. وقال: "لذا أنا أعتقد أن من فعلوا هذا الأمر ليسوا من المعارضة الكريمة في سوريا والمختطف أحد إثنين إما مجموعة مسلّحة من اللصوص والقتلة المرتبطين بدولة خارجيّة أو مجموعة تابعة للنظام ونحن نعلم أن النظام يرغب في نشر الفوضى في المنطقة لعله يخوّف الداعمين للمعارضة".
وأضاف: "أنا مطمئن أن من خطف إبن المقداد ليست المعارضة السورية وإنما مجموعة تابعة إما لدولة خارجيّة أو للنظام من أجل تأزيم الوضع في لبنان. واللبنانييون المخطوفون في اعزاز بعضهم مع المعارضة السوريّة وأنا أعرفهم جيّداً، وأنا أسأل آل المقداد هل ما تفعلوه يخدم ولدكم؟ إنكم تشجعون الخاطف على خطف المزيد من أجل أن تكبر الفتنة".
وشدّد على أن خطف المواطنين السوريين في لبنان لا يجوز شرعاً وما يحصل ضد الأخلاق حتى لو خالف بعضهم في سوريا الدين وارتكب المحرّم، ويجب أن يفرج عن كل السوريين في لبنان، مضيفا أنه لا يجوز أن تقول الدولة أنها عاجزة، وهو مستعد للذهاب إلى كل الخاطفين من أجل محاورتهم وإقناعهم بتحرير المخطوفين.
وسأل الطفيلي: "إذا صح أن طيران النظام السوري هو من قصف أعزاز فماذا أراد النظام من وراء هذه الفعلة عبر قتل المخطوفيين اللبنانيين؟" هو أراد أن يستثير الناس.
وتابع: "من قصف أعزاز أراد إشعال لبنان، وأقول لأهالي المخطوفين في أعزاز ألا تعتقدون أن تصرفاتكم قد تسبب بمقتل أبنائكم؟ ولا أحد في لبنان لا يعرف أن سبب الرجوع عن إطلاق صراح المخطوفين يوم كان يقال إنهم سيطلقون هو تصرفات بعضنا لأن هناك حال "بَطَرْ" في الشارع الشيعي".
ورأى أنه لا يجوز على حساب دماء أولادنا المخطوفين أن نلعب سياسية، سائلا: "هل يجوز مهاجمة من يعمل على إطلاق أبنائهم؟".
وأشار الى أن هناك "بطر المجنون" وأي تصرّف خاطئ ممكن أن يتم إعادتهم إلى لبنان في أي لحظة، فهناك شيعة أين مكان وإن كانوا يتغنون بـ"الخرطوشتين" اللتين يملكونها فـ"إن بني عمّك فيهم رماح".
أنا لم أسمح بخطف أي رهينة أجنبية وهذا الموضوع لا علاقة لنا به لا جملة ولا تفصيلاً
وتابع: "نحن نسعى ونحاول ما استطعنا وأكرر وأدعو آل المقداد أن يعيدوا النظر ويطلقوا سراح الجميع، لأن هؤلاء مظلومون لجأوا إلى هنا هرباً من الظلم وإن كانوا من "الجيش السوري الحر"، فهذا الجيش يدافع عن نفسه، وأنا لم أسمح ولا للحظة واحدة أن ينغمس "حزب الله" في خطف أي رهينة أجنبيّة، وهذا الموضوع لا علاقة لنا به لا جملة ولا تفصيلاً".
ولفت الى أن "السلاح الذي استخدمناه ضد العدو الإسرائيلي وسمينا نفسنا مقاومة انغمس في وحول الداخل وأنا أتخوّف من انغماسه في الوحول السوريّة ما يزيدنا عاراً وخزية أمام الله".
ورأى أن هناك مقولة في الشارع الشيعي تقول إن "حزب الله" مضطر للوقوف إلى جانب النظام السوري والدفاع عنه والقتال عنه، متمنيا التفكير مالياً. قائلا لأهله وأحبائه: "نحن هنا منذ مئات السنين وسنبقى فالأنظمة راحلة أما الشعوب باقيّة ومسألة أن صلاح الدين والمماليك تعرّضوا للشيعة هنا أم هناك فهي مسألة سياسيّة بامتياز ولها حيثياتها القديمة ويمكن لنا التحدث عنها كي نستبين الحق من الباطل".
وقال: "أنا أعرف أن المعارضة السوريّة حاولت في أكثر من مرّة طمأنة المقاومة مقابل وقوفها فقط على الحياد، وأنا أدرك أن هؤلاء صادقون".
واضاف: "الأقباط في مصر وضعهم أفضل من زمن الرئيس حسني مبارك وقيل الكثير عندما حصلت الثورة في تونس ومصر عن إمكان وصول المتطرفين، هناك استعمال لفزاعة لا وجود لها وهناك من يمسكون برقاب العباد ويحاولون إيخاف الناس كي يكونوا على منأى من الثورة. وأنا أعرف أن مصلحة الأقليات هي في إزاحة هذه الحكومات الظالمة، والديمقراطيات تحمي لأن الحاكم بحاجة الى أصوات".
وتابع الطفيلي: "أنا قلت لإخواني في "حزب الله" أنتم لديكم علاقات جيّدة مع النظام فلما لا تنشئون علاقات مع المعارضة وتدخلون مغيثون إلى المدن وتجدوا حلاً سياسياً للأزمة، لأن الحل العسكري يضر الجميع".
وأشار الى أنه عندما يقول "كونوا مصلحين" فيعني أن هذا الاصلاح يخدم النظام لأنه يطالب بالحوار، موضحا أنه إذا ما دخل "حزب الله" كمعاون في الموضوع فهل في الأمر ضيم؟ وقال: "لنفترض أن الحزب لم يستطع فإن بقي النظام فأنت صديقه وخدمته بما تستطيع وإن أتت المعارضة فهي صديقتك وأنت خدمتها أيضاً".
وأكّد أن في العالم العربي لا دولاً ممانعة حتى النظام السوري، مستذكرا معاناته في المقاومة مع النظام السوري، لافتا الى أنه عانى عندما كان أميناً عاماً لحزب الله، موضحا أن يمكنه أن يكتب ملفات عن الموضوع. وقال: "أنا أتكلم عن المقاومة وهي بحاجة لتتنفس والنظام السوري كان كثير الضغط وكنا نتألم جداً جداً جداً، وإذا سمح الوقت في مكان آخر سنتكلم عن الموضوع".
واضاف: "نعم، النظام السوري سلّح "حزب الله" إلا أنه فعل ذلك بعد انتهاء المقاومة وعندما لم تعد قبلة "حزب الله" هي القدس، وأتمنى أن تتوجه الصواريخ التي عند "حزب الله" إلى مكان غير الداخل اللبناني".
وتابع الطفيلي: "هناك مؤامرة على سوريا وليس في سوريا ثورة، وهذه لغة القيادة الإيرانيّة والكثير من الإخوة في لبنان. هم مع الثورات في الدول العربيّة إلا في سوريا. يقولون إن الأميركي يتدخل وأنا أقول إن الأميركي لم يسمح حتى الآن بتسليح المعارضة وهو دخل إلى العراق بتهليل وتصفيق إيران".
وسأل: "كيف يمكن أن نقبل أن التدخل الأميركي في العراق عمل شريف فيما الدعم الإعلامي لا أكثر للمعارضة السوريّة هو مؤامرة؟ اوليس الأميركي هو من أخرج مصر من العمالة إلى صفوف الأشراف فيما يعيد سوريا من بين أيدي الأحرار إلى صفوف العمالة؟ هذا كلام غير منطقي".
وقال: "أصحاب المشاريع ومن جملتهم إيران يريدون حرق المنطقة وهذا أمر لا يخدم سوى الصهاينة والأميركي، وأنا أحببت الطرح المصري في موضوع الأزمة السوريّة، لأنه لا يجوز أن تبقى الأنظمة التوتاليتاريّة ولا حق لأحد في الدفاع عنها، ويجب تحويل سوريا دولة ديمقراطيّة تحكمها إرادة الشعب".
ورأى أن الإمام الخميني لم يفكر يوماً بعقليّة مذهبية إلا أن النظام الإيرانيّ اليوم يفكّر بعقليّة مذهبيّة بحتة.
وأضاف: "النظام اللبناني بشكل عام نقمة، والطائفية كارثة في لبنان وأدعو الى المواطنية وأن يكون هناك قانون في لبنان أن يخرجنا من كل الطوائف، ولبنان طوائفه عشائر وكل إنسان يستصرخ عشيرته وهذا منطق جاهلي ومن المفترض أن تحكم العدالة وكلنا ضد الظلم والجريمة".
وتابع: "سقوط النظام السوري سيكون له أثر مدوٍّ في لبنان، وستتبدل الأدوار. إن بوابة لبنان على العالم أجمع هي سوريا واي جهة تريد أن يكون لها علاقات غير غربيّة ينبغي أن تمر عبر حدودنا البريّة مع سوريا، لذا يجب أن يفتش اللبنانييون عن علاقة مع الدولة السوريّة أياً تكن هذه الدولة، وإلا فالبديل هو إسرائيل".
وأشار الى أنه يذكر عندما أرادت "القوّات اللبنانيّة" إقامة علاقة مع الغرب قالوا لهم مرّوا عبر إسرائيل، وحتى إيران عندما أرادت أن تشتري قطع غيار في حربها ضد العراق قاموا بإجبارهم على شرائها من إسرائيل. إن القاعدة عند الغرب هي أن بوابة العلاقة معهم هي إسرائيل.
وقال: "أخطأنا جداً عندما دخلنا بيروت بالسلاح في 7 أيار، ونخطئ عندما نتكلم أننا يمكننا أن نحسم الأمور في الداخل بالقوّة لأننا بذلمك ندعوا الجميع إلى التسلح من أجل حماية أنفسهم من سلاحي. ويجب أن يكون في لبنان سلاح واحد هو سلاح الجيش وأن يكون القرار السياسي بيد الدولة إلا أنه ليس في ظل هذه الدولة".
وأضاف الطفيلي: "لبنان أبعد ما يكون عن الدولة الإسلاميّة لطبيعته وتكوينه ونحن لم ننظر بهذه الفكرة وهذا الأمر لا مصداقيّة له. نحن بحاجة لبناء دولة حقيقيّة تحكمها القوانين المواطنين فيها متساوين وهذا الأمر يمكن أن يقوم به أهل الحوار".
وتابع: "ميشال عون وميقاتي وجنبلاط يتدللون و"حزب الله" مضطرون على إرضائهم حتى حليفهم الشيعي، هم يبتزون من الجميع وهم مضطرون على القبول بذلك بسبب سياستهم. ونحن ضيّعنا الفرصة بسبب انغماسنا في المتاهات الطائفيّة و"شكراً سوريا".
ورأى أن "بعد سقوط النظام السوري نحن أمام خيارات أحلاها مرّ، إما أن نحمل سلاحنا للدفاع عن موقعنا، أما أن يحاول الآخر نزع سلاحنا أو تبدأ مرحلة الإضعاف وتقوية الآخرين من قبل الأقوى".
وأشار الى أنه لا يتصوّر أن النظام في مصر سعيد من سياسة "حزب الله" في الأزمة السوريّة، وكذلك الأنظمة الأخرى وأستغرب الإكمال في هذه السياسة المجنونة. هناك من يحاول أن يصبح براكش بالنسبة لأهله وأدعو إلى إعادة النظر بسرعة لأن هذا الأمر لا يجوز.
وأضاف: "الغربة والوطنيّة لها علاقة بالعدل والظلم، وأتمنى على كل مستمع ألا يؤخذ بكلام لا طعم له أنا مطلوب للدولة اللبنانيّة لأنني كنت أدافع عن لقمة عيش الجائعين وقد أجابتنا الدولة على الأمر برصاصها. والحكام في لبنان مجموعة لصوص ونهاب ومجرمين".
ولفت الى أن "كلنا بالهوا سوا" فكل لبنان عشائر، هناك الكثير من آل المقداد في "حزب الله" كما أن الكثير من بينهم ضد الحزب وما يجري من خطف أبرياء في لبنان وسوريا جريمة من قبل الإثنين".
وقال: "من الممكن أن تكون قضيّة توقيف ميشال سماحة هي سبب التوتير في المنطقة، ولا أظن أن شعبة المعلومات كان ليقدم على إلقاء القبض على سماحة لو لم تكن القضيّة محكمة ضده".
وطالب اليوم قبل الغد بانعقاد طاولة الحوار وأن يتم وضع أسس لدولة جديدة مدنيّة لا ريحة فيها للطوائف وتسلم إدارة شؤون الناس، وموضوع تسليم سلاح "حزب الله" هو عملي لأن لا حل آخر لنا.
وختم الطفيلي: "أنا لست طائفياً ولا أتحرك في حياتي من موقعي الطائفي أنا داعية للعدل وأنا أدافع عن المظلوم. ونحن حركة المستضعفين في العالم في المفهوم القرآني، والمسلمون ليسوا مذاهب وإنما هم أمّة واحدة، والمذهبيات صنع السياسة. عودوا إلى قرآنكم من دون سنة وشيعة والسنيّة الحديثة والشيعيّة الحديثة مصطنعة".
طاولة الحوار: الأزمة والحل
سعود المولى
حدث منذ اتفاق الطائف أن تأزمت الأوضاع وحصلت تدخلات خارجية وصراعات داخلية بين طوائف وأحزاب، ولكن ولا مرة وصل فيها الوضع إلى حدّ التهديد بالفوضى والدمار والخراب كما هو حاصل اليوم.. ولا مرة كان هناك طرف يرفع جهاراً نهاراً صوت التهديد والوعيد، وشعار التخوين والتكفير، ويقود حملة التوتير دافعاً بالبلاد نحو حافة الحرب الأهلية، بلا وازع من دين أو ضمير، وبلا رادع من دولة وقانون..
ونحن اليوم أمام هكذا وضع ندعو إلى إعادة الوعي الوطني إلى سويته الطبيعية، وعياً دستورياً ديموقراطياً لا إنقلابياً إرهابياً، وإلى تخليص اللبنانيين من ذلك الوعي الشقي (الذي ما زال يُمثله الجنرال عون) ومن الذاكرة المثقوبة الاستنسابية الدمارية (التي ما تزال خزاناً للشحن الطائفي والمذهبي)..
لقد أخرج الاحتلال السوري اللبنانيين جميعاً من المشاركة في الوطن والدولة، وأخضعهم للوصاية الأمنية الارهابية تحت عنوان "وحدة المسار والمصير" في مواجهة العدو الصهيوني. إلا ان إنجاز التحرير في 25 أيار 2000 جاء ليحرر كل اللبنانيين من هذا الشرط- القيد، وهو ما أعلنه بوضوح البيان الأول للمطارنة الموارنة في 20 أيلول من نفس العام، ومصالحة الجبل في 5 آب 2001، ثم موقف الزعيم وليد جنبلاط ضد قرار التمديد للحود 2004، وصولاً إلى انتفاضة 14 آذار المجيدة.
اليوم يدعو رئيس الجمهورية إلى استمرار الحوار الوطني لتأكيد ما جرى التوافق عليه سابقاً، مع السعي لتجنيب البلاد حالة الحرب الأهلية المتنقلة.
ولكن بعض اللبنانيين ما زال يصر أن علينا أن نكون في صف "المحور" الممتد من طهران الى دمشق مروراً بالضاحية الجنوبية من بيروت، وأن ما سوى ذلك عمالة للأميركان ولإسرائيل. وبهذا الاعتبار يرى هذا الفريق أن موقع الرئاسة يعكس هذا الصراع بين الخطين وأنه كان الأولى وجود رئيس يحافظ على نهج إميل لحود في البقاء تحت ظل الوصاية السورية.. ولذلك نراهم يستهدفون موقع الرئاسة وشخص الرئيس من خلال ما جرى الأسبوع الفائت ومن خلال فضيحة ميشال سماحة... ويبدو من وراء ذلك أيضاً هدف إبقاء موقع رئاسة الجمهورية أسيراً لهم ما يساعد على استمرار حجز حرية رئاسة المجلس النيابي وشلّ المجلس نفسه والحكومة معه. وهذا كله يعني في ما يعنيه نسف النظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي وإدخال البلاد في هاوية التفكك والاضمحلال دولة ومؤسسات واجتماعاً مدنياً وأهلياً.
أمام خطر كهذا ينبغي أن نعيد تأكيد أمور أساسية:
1 ـ إن السلم الأهلي والمصالحة الوطنية والتسوية العادلة المتوازنة هي أسس العقد الاجتماعي اللبناني ما يعني نبذ لغة التخوين والتكفير وعمليات نبش الذاكرة واستحضار الماضي استنسابياً.
2 ـ إن العقد الاجتماعي اللبناني يتأسس على مقولة الحياد الإيجابي: نحن قلب العرب ومعهم ولكننا لسنا ساحة أو ملعباً. نحن نلتزم التضامن العربي والاستراتيجية العربية الموحدة، والمشروع العربي الواحد، للسلم كما للحرب، ولإعادة موضعة العرب في عالم اليوم، وفي النظام العالمي الجديد الذي نريده عادلاً متوازناً.
3 ـ إن إعادة تحديد ورسم دور لبنان وموقعه في المعادلة العربية اليوم هو الأساس لصوغ الاستراتيجية الدفاعية التي كثر الحديث عنها. وهذا الأمر يُشارك فيه رئيس الجمهورية ويعكسه.
4 ـ إن سلاح المقاومة صار اليوم موضع نقاش باتجاه حل يعتبر السلاح قوة للبنان تحت سقف الدستور والمؤسسات وفي إطار التوافق الميثاقي. فيكون قرار السلم والحرب قرار الدولة في لبنان ضمن إطار استراتيجيتها الدفاعية.
5 ـ إن طاولة الحوار ، قد تكون محطة لحفظ التسوية على الأسس المذكورة أعلاه. ولكنها قد تكون أيضاً محطة لتدمير التسوية وتدمير لبنان إذا لم يتغلب منطق المصلحة الوطنية والوحدة والوفاق، منطق العقل وبُعد النظر. وبذا فإن طاولة الحوار هي في الآن نفسه عنوان الأزمة وعنوان الحل.
كلمة الدكتور سعود المولى في حفل إفطار المركز العربي للحوار واللقاء العلمائي اللبناني
فندق البريستول غروب الثلثاء 14 آب 2012
السادة أصحاب الدولة والمعالي والسعادة...السادة أصحاب السماحة والفضيلة والسيادة.. أيها الأخوة ، أيتها الأخوات... السلام عليكم جميعاً في هذه الأمسية التي أحببنا أن تكون جامعة لمعنى الوطن الذي نعيش فيه ولمعنى الدولة المدنية التي نطمح أن تكون لنا...
أهلاً بكم جميعاً وتقبل الله صيام الصائمين منكم وطاعاتهم، وحفظكم الله جميعاً مسلمين ومسيحيين، متدينين وعلمانيين، في هذا اليوم الفضيل من أيام الله.
أود بداية أن أحيي باسمكم كل من ساهم بانجاح هذا الحفل وكل من واكب ونظم ودعم..
أحيي معكم أولاً الأخوة في اللقاء العلمائي اللبناني.. وأحيي معكم ثانياً الأخوة والأخوات في المنتديات والتجمعات الثقافية والمدنية في الجنوب والبقاع والضاحية.. وأحييكم جميعاً ثالثاً لأن تلبيتكم هذه الدعوة تقيم علينا الحجة وتلزمنا بالأمانة وبمسؤولية الوفاء.ونحن نعاهدكم بأن نكون معكم على مستوى هذه المسؤولية...
أيها الأخوة، أيتها الأخوات
اليوم تولد شعوبنا العربية من المحيط إلى الخليج ولادة جديدة بعد عقود من الموت والقمع والعقم على يد أنظمة سياسية استبدادية ، جاءت إلى الحكم باسم فلسطين والوحدة فلم تحقق لنا بعد حوالي الستين عاماً من قيامها سوى استباحة كل القيم والمقدسات وأولها وأهمها قيمة الإنسان ذلك المقدس الأساس..
اليوم تتقدم شعوبنا العربية على خط امتلاك وجودها ومستقبلها بنفسها واستعادة حقوقها المستباحة واستعادة إنسانيتها المنتهكة، واستعادة أوطانها المحتلة المغتصبة..
اليوم تعيد الشعوب العربية التي أضناها القمع والاستبداد السلطوي والمافيوي، والانقسام الطائفي والقبلي، والتنازع الحزبي والفئوي، تعيد تشكيل نفسها على أسس جديدة ليست اليوم ناجزة مكتملة ولكنها بداية مخاض حقيقي كان ينبغي أن يحصل منذ النهضة الأولى التي أجهضتها نكبة فلسطين وانقلابات الظباط الأشاوس.. وفي أتون هذه التحولات تغلبت الشعوب على الخوف واليأس والاستلاب والتهميش والمهانة والعطالة والإحباط وفقدان الهوية وضياع الذات..فاكتشفت القوة الحقيقية للوحدة والوعي والتنظيم والقيمة الحقيقية للحق والعدل..
هذه الانتفاضات والتحولات المواكبة لها تعيد تشكيل عالمنا العربي ونظامنا الإقليمي وهي فاتحة عهد جديد عنوانه العام والأساس: صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على حكم القانون والمؤسسات، وعلى إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الاستبدادية، وعلى إقامة نظم سياسية لا إلغائية فيها ولا فئوية عائلية مافيوية، وعلى إقامة مجالس منتخبة تحقق تمثيل المواطنين ومساهمتهم المتساوية في حياة بلادهم، وعلى تداول السلطة سلمياً، وهي تحولات ذات أفق مفتوح على شتى الاحتمالات.. ويكفي أن المنعطف السياسي الأهم تمثل في مطلب إقامة الدولة المدنية.. لا دولة دينية ولا دولة علمانية، لا دولة فاشية أو شيوعية أو بعثية أو قومية من أي لون... الدولة المدنية... الدولة المدنية هذه هي المسألة والقضية الأساس التي ستحكم المجادلات والسياسات للعقود القادمة... وفي هذا فليتنافس المتنافسون..
ونحن دعاة دولة مدنية لا دين لها، دولة الحق وسيادة القانون والمؤسسات وفصل السلطات واستقلال السلطة القضائية وقانون انتخابي عادل وتمثيلي وقانون أحزاب وطني علماني..وهذه الدولة المنشودة تحتاج إلى جهودنا جميعاً..
لقد نجح اللبنانيون، وفي أحلك الأيام والمحن، وبتصميم قوي على الحياة، في إنتاج صيغة مميزة حفظت لهم استقلالهم وانتماءهم الى محيطهم، كما نجحوا في تجديد هذه الصيغة عند كل المنعطفات. ويكفي هنا أن نستعيد محطات الثوابت الوفاقية الميثاقية وخصوصاً محطة وثيقة المجلس الشيعي 1977 التي قالت أن لبنان وطن نهائي لجميع بنيه، ومحطة الاجتماع الإسلامي في 18 آب 1982 وقد جاء في بيانه الختامي: «لبنان لا يساس بحكم العدد (...) ولو شاء المسلمون أن يحكموا العدد لتبدل وجه لبنان وتبدلت صيغته لئلا نقول هويته». ومحطة بيان الثوابت الاسلامية في 19 أيلول 1983 التي صاغها الشيخان محمد مهدي شمس الدين وحسن خالد..ومحطة وصايا الامام شمس الدين في كانون الثاني 2001.. دون أن ننسى محطات احتضان كل لبنان للمقاومة من اتفاق الطائف 1989 إلى بيان القمة الدينية اللبنانية الجامعة في 2 آب 1993 إلى الموقف الحكومي والشعبي في نيسان 1996 وفي صد اعتداءات 1998 و1999 وفي يوم استعادة الجنوب من الاحتلال عام 2000 وصولاً إلى الموقف الوطني الجامع في يوم 14 آذار 2005 وكذلك في عدوان تموز 2006 حيث أكد لبنان كله موقفه في التصدي للظلم وللعدوان وفي مقاومته بشتى السبل والوسائل، وفي احتضان اللبنانيين لبعضهم البعض من الجنوب والبقاع والضاحية إلى العاصمة والشمال والجبل ...
ونحن دعاة أن لا يكون للشيعة أو لأي مكون من مكونات هذا الوطن نظام مصالح خاصاً به يتناقض أو يتجاوز على نظام مصالح الوطن والدولة الجامعة للجميع..ونحن دعاة أن لا يكون للشيعة أو لأي مكون من مكونات هذا الوطن ما سوى الولاء للوطن وللدولة التي نقيمها معاً. ونحن دعاة مصالحة وطنية شاملة وسلم أهلي دائم وحماية حقوق الجميع والانماء المتوازن والسياسة العادلة للجميع..وأن لا يكون هناك أي احساس بظلم أو غبن أو تهميش لأي فئة ولأي منطقة من لبنان..
ولكن يهمنا اليوم بالتحديد أن نقول بأن على المواطن الشيعي والجماعة الشيعية أن لا تمثل نظام غلبة واستقواء... نقول لكل اللبنانيين وللشيعة خصوصاً: اندمجوا في دولكم، واندمجوا في شعوبكم، واندمجوا في أنظمة مصالح هذه الدول والمجتمعات، لكن لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً بكم..التزموا بقوانين بلادكم! وهذا نقوله عن قناعة فقهية دينية اسلامية عامة وشيعية خاصة.. ونقوله عن قناعة وفقاهة سياسية وطنية لبنانية..
الشيعة كائناً من كانوا، أو في أي مكان كانوا، هم ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم، ولا ينتمون إلى دولة ولاية الفقيه أو إلى حزب أو طائفة....الشيعة موجودون في بلدان وأوطان وهم جزء منها ومن شعبها ومجتمعها.. أما على صعيد التمذهب الخاص، فالتمايز موجود، وهو تمايز ثقافي. وهو تمايز ندعو إلى حفظه وصيانة مقوماته، لكن على أساس عدم إنشاء الشيعة نظام مصالح خاصاً بهم داخل الوطن. فنحن نقول بتحطيم هذا النظام من المصالح، وأن يستبدل بنظام مصالح وطني، اقتصادي سياسي تنظيمي، وأن يبقى التنوع الثقافي والتمذهب الخاص.
وفي لبنان وبعد اتفاق الطائف لم يعد هناك من مسوغ لادعاء أو لشكوى الغبن أو التهميش لدى الشيعة أو لدى سواهم... فالمسألة من الناحية السياسية هي من حيث المبدأ في الصيغة الأفضل لما يمكن أن يوجد... وكل اللبنانيين، سواء كانوا شيعة أو سواهم، عليهم أن يلتزموا الدولة الواحدة، ولا يوجد بديل من الدولة.... وفي يومنا هذا فإن منطق أقلية وأكثرية في لبنان بالمعنى الطائفي لا يجوز استخدامه ولا يمكن استخدامه...إن إعادة تكوين مفهوم الدولة المدنية الجامعة المانعة السيدة الحامية والضامنة لأمن لبنان واللبنانيين، هو الأفق الوحيد الذي يتطلع المسلمون الشيعة إليه. وفي سياق هذا السعي الذي يتقاسمونه مع لبنانيين من شتى الانتماءات الطائفية والأهواء السياسية، يبقى اتفاق الطائف، الذي جعله اللبنانيون سبيلاً إلى تحديث نظامهم السياسي، وإلى تأمين العدالة والمساواة في حقوق المواطنة، للجميع وبين الجميع، يبقى الميثاق الملزم لجميعهم، والناظم لشأنهم العام وحياتهم المواطنية وذلك بمعزل عن كونه نصٍّاً يحتمل النقاش والتعديل باتفاق اللبنانيين وبما يلبي طموحات التحديث.
لكن سيادة الدولة ما زالت تصطدم بعائق بنيوي يتمثل في القيد الطائفي الذي يلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، ويحول دون بناء نظام فاعل يضمن في آن معاً المساواة بين حقوق المواطنين وبين حفظ التعدد الطائفي. ومثل هذا النظام المطلوب يستجيب لمعنى المواطنة، من خلال مساهمته في جلاء طبيعة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه حياتنا الوطنية، وفي تعيين طبيعة الدولة التي تستطيع تجسيد هذا العقد.
إن حق لبنان في الدفاع عن نفسه في وجه الإعتداءات مسؤولية وواجب وطني تستلزمه أصلاً مفاهيم سيادته وأمن شعبه، وتضمنه المواثيق الإقليمية والدولية.
إن مهمة الدفاع عن لبنان هي صلاحية سيادية للدولة اللبنانية وسلطاتها المنتخبة التي تمثل الأمة، وبواسطة كافة أشكال العمل السياسي والعسكري ولكن ضمن سقف المصلحة اللبنانية الوطنية المنزهة عن أية مصالح إقليمية أو أجندات أجنبية.
إن تسليح الجيش اللبناني وتعزيز قواه هو أولوية وطنية لحماية لبنان من التهديدات الصهيونية ولصيانة سيادته وسلمه الأهلي.
وإن مساهمة أي تنظيم سياسي لبناني، بالأمس أو اليوم، في الجهد المبذول للدفاع عن لبنان شأن إيجابي يمكن الإستفادة منه والبناء عليه بحيث يكون قوة إضافية للدولة إذا أصبح جزءاً من جهوزيتها وعمل ضمن كنفها وتحت سقف الوطن الواحد.
إن غاية الدفاع عن لبنان وشعبه هو قيام دولةٍ مدنيةٍ تحدد السياسة الدفاعية في عداد ما تخطط من سياساتها.
إن المقاومة واجب ديني وأخلاقي إنساني ووطني في مواجهة الإحتلال وهو ما تكفله المواثيق الدولية كافة..ولكن المقاومة ليست غاية في ذاتها... المقاومة هي أداة أو وسيلة في خدمة هدف أو أهداف الإنسان والمجتمع والأمة.. المقاومة هي وظيفة نضالية محددة محكومة بأسلوب وبضوابط ، وبسقف سياسي واضح من حيث حفظ المصالح وجلبها ومن حيث درء المفاسد وتجنبها.. وفي المعنى الوطني، أو السياسي الوضعي، فان المقاومة، أية مقاومة، هي قوة سياسية مسلحة تلتزم سقفاً ناظماً شاملاً وعميقاً هو ميثاق البلاد ودستورها وما اتفق عليه أهلها من نظام حكم ومؤسسات، وما تعاهدوا عليه من أهداف عليا وغايات..
أيها الأخوة والأخوات: إننا نؤكد لكم التزامنا المسلمين اللبنانيين ووحدتهم وذلك ضمن الالتزام الأعمق بالشعب اللبناني وقضاياه الوطنية .وإن انتماءنا إلى الوسط الإسلامي الشيعي لا يعني اختزال عملنا في الوظيفة المذهبية أو الطائفية الخاصة بل يعني تجاوز المهمة الداخلية الخاصة لحمل هموم الوطن والشعب ومعالجة كل القضايا من موقع وطني جامع وعلى قاعدة الإسلام السمح والتشيع العادل والمواطنة المدنية المتساوية.
إن هدفنا هو تحقيق الاندماج الواعي والقوي ومن موقع إسلامي شيعي في عملية بناء الوطن والدولة وفي عملية إعادة تشكيل الشخصية الثقافية والسياسية للمواطن والمجتمع في لبنان.
إننا ننطلق من كون الطوائف والجماعات المكونّة للمجتمع ، نوافذ ثقافية لا كهوفاً يحتبس فيها أتباعها ، ومن حقيقة أن تنوع وتعدد المجتمع الأهلي هو قوتنا التي لا يجوز التنازل عنها ، كما لا يجوز المبالغة في صنميتها.
إن مسؤوليتنا ليست في الحفاظ على التنوع فهو حقيقة قائمة ، بل أن المسؤولية هي في الحؤول دون تحول هذا التنوع إلى تعدد نزاعي أو إلى أدوات لنزاعات غقليمية أو دولية أو إلى انغلاق فوقي استعلائي. إن واجبنا هو حفظ التنوع في المجتمع الأهلي ووضعه في سياق بناء العيش الواحد والدولة الواحدة والثقافة الوطنية الواحدة.
إن بناء مجتمع سياسي واحد لمجتمع أهلي شديد التنوع لهو مهمة شاقة. إن قيام الدولة المدنية العادلة المتكاملة والمجتمع السياسي الوطني الموحد على أساس المواطنة دون توسيط لمذهب أو طائفة أو انتماء مناطقي أو عائلي في علاقة المواطن بالوطن وبالدولة، يتمثل في قيام صيغة متوازنة للعلاقة بين الدولة والمجتمع وبين الدولة والدين.
إننا جزء من المجتمع الأهلي والمدني ونلتزم حمل هموم وتطلعات اللبنانيين على قاعدة الحق والعدل ، دون الوقوع في نزعات الغائية أو إقصائية. إن إطلالتنا على الشؤون الإسلامية الشيعية الخاصة تتم من موقع وطني جامع يبحث عن العام المدني ولا يغفل الخاص المتفاعل المندمج. وإن إطلالتنا على الشؤون الوطنية تتم من موقع إسلامي شيعي أصيل يعيد إلى التشيع وجهه الحقيقي، وللوطنية الحقة نكهتها المميزة، ضمن الانتماء الإسلامي والقومي العام.
وفقكم الله وسدد خطانا جميعاً لما فيه مصلحة هذا الشعب وهذا الوطن.. عشتم وعاش لبنان..
المركز العربي للحوار والعدالة والتنمية والديموقراطية
المركز العربي للحوار والعدالة والتنمية والديموقراطية واللقاء العلمائي اللبناني يطلقان مبادرة حوارية.
خلال الأسبوعين الماضيين، وفي أجواء شهر رمضان الكريم، وفي إطار السعي المنهجي الدؤوب لتعزيز الحوار والتواصل بين اللبنانيين وترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، قام الدكتور سعود المولى، رئيس المركز العربي للحوار والعدالة والتنمية والديموقراطية، والشيخ عباس الجوهري، رئيس اللقاء العلمائي اللبناني، على رأس وفد ضم السيد ياسر إبراهيم والأستاذ عماد قميحة والأستاذ كاظم عكر والأستاذ فادي يونس، بجولة زيارات ولقاءات وطنية شملت على التوالي: الرئيس حسين الحسيني، الرئيس أمين الجميل، الرئيس فؤاد السنيورة، السيدة بهية الحريري، شيخ عقل الموحدين الدروز نعيم حسن، الدكتور حسن منيمنه، حركة التجدد الديموقراطي، الأمانة العامة لقوى 14 آذار، تجمع لبنان المدني، المدير العام لقوى الأمن الداخلي، المدير العام للأمن العام، المديرية العامة لمخابرات الجيش، إلى عدد من الشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية من قادة وكوادر المجتمع المدني اللبناني... وقد جرى خلال هذه اللقاءات والحوارات التركيز على النقاط التالية:
1- إن الحريصين على الحفاظ على الصورة الحقيقية والمتوارثة للشيعة ، باعتبارهم مكوناً أصيلاً وشريكاً في أوطانهم ، مدعوون الى تصحيح المشهد ، لجهة تظهير الموقف الشجاع والصحيح المتعاطف مع انتفاضات الشعوب العربية وحقوقها ، من دون تفريق بين مستبد هنا أو هناك ، وأن يعبروا بشجاعة عن موقف عقلاني، ثوري وواقعي ، آخذين في اعتبارهم أن للشعب السوري حقاً عليهم ، كما هو حقهم عليه ، وأن هذه اللحظة هي لحظة الوفاء بالحقوق ، وهي لا تتحمل تأجيلاً أو تسويفاً أو صمتاً أو تهرباً أو تهوراً ، أو خضوعاً لابتزاز السائد السياسي الشيعي بالقوة ..
2- إن الوضع الراهن يحفل باحتمالات الخطر على سلامة الوجود الشيعي والحضور الشيعي في أي حركة نهوض وطني ، وهذا يؤثر سلبياً على الشيعة وأمثالهم من مكونات الاجتماع الوطني في لبنان والبلاد العربية ..الأمر الذي يقتضي المسارعة إلى تدارك هذه الاحتمالات الخطرة من قبل العقلاء ولدرء المخاطر الوجودية وذلك من خلال التأكيد على الاندماج الوطني الكامل وعدم وجود أي مشروع شيعي خاص وعدم جواز هكذا مشروع وعدم تحمل الشيعة العرب لتبعات هكذا مشروع.
3- من الضروري السعي إلى تحويل سياسة النأي بالنفس الرسمية إلى استراتيجية صحية عنوانها الحياد الايجابي وذلك لتجنيب البلاد انعكاسات الوضع الإقليمي واعلان رفض المحاور والاصطفافات الخارجية التي تجرنا الى سياسات الاستقواء والشعور بالغلبة وقد دفعنا أثماناً باهظة للخلاص منها..
4- إننا نرفض الوقوع في ثلاث خطايا كبرى: أ- محاولة تحقيق الغلبة على الطرف الآخر، وهو ما يناقض أساس العيش المشترك. ب- استخدام العنف وسيلة لتحقيق المطالب السياسية ، وهو ما لا يحل مشكلة في الواقع اللبناني. ج- الاستعانة بالخارج على الخصم الداخلي، وهو ما أدى الى ضياع السيادة والاستقلال، فضلاً عن أن مثل هذه الاستعانة لا يمكن أن تتم الا بشروط الخارج ووفقاً لمصالحه بحيث يكون الداخل مجرد "أداة" للاستخدام.
5- إن الوضع المقبل يحمل الكثير من الأخطار وهو مصدر قلق لنا جميعاً...ولكننا نستطيع أن نجعله مصدر أمل: إذا عرفنا كيف نصون نموذج العيش المشترك الذي اخترناه لأنفسنا؛ وهو نموذج قام أصلاً على قبول الآخر شريكاً مختلفاً، كامل الشراكة، وجزءاً من الذات، ولم يقم على مجرّد المجاورة والمهادنة.
إذا عرفنا كيف ندير الاختلاف بالحوار الدائم، وبالتسويات الحضارية النبيلة.
إذا عرفنا كيف نحصّن أسلوب عيشنا بثقافة الانفتاح والتوسّط والاعتدال، وبقيم الديمقراطية وحقوق الانسان في مختلف الأحوال.
إذا عرفنا كيف نكبح جماح التطرف في بيئتنا، أكانت هذه البيئة سياسية أو مناطقية أو طائفية، فنقطع بذلك الطريق على استنفار عصبيتها ضد البيئات الأخرى، ونحمي بيئتنا من خطر المصادرة الفئوية أو خطر التقوقع، ونؤهلها تالياً لأن تكون جزءاً من المشروع الوطني المشترك.
6- لقد بتنا نعرف، بالاختبار، أن استقلالنا وسيادتنا يتوقفان قبل أي شيء على وحدتنا، وعلى إرادتنا في أن نظل متّحدين. وقد أثبتت تجربة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وتحرير الجنوب ثم تجربة التضامن الوطني في يوم الرابع عشر من آذار أهمية وحدتنا الداخلية في استعادة سيادتنا الوطنية.
لقد بتنا نعرف مدى حاجتنا المصيرية الى دولة مستقرّة، غير مرتهنة للتغيرات الاقليمية، وغير مقيّدة بالتجاذب الطائفي. دولةٌ لجميع مواطنيها دون تفرقة أو تمييز.
لقد بتنا مقتنعين ومدركين أن صيغتنا الميثاقية التوافقية، في وطن نهائي لجميع أبنائه، هي المنطلق الأفضل لتطور وطننا وتفاعله مع مستجدات العصر في إطار الحرية والديموقراطية، وأن الاحترام العميق لموجباتها يضمن تطوراً آمناً بعيداً عن منطق موازين القوى المتغيرة..
7- من الضروري اليوم إحتضان اخواننا النازحين واللاجئين السوريين والسعي الى توفير أقصى الرعاية والعناية لهم مع حفظ حقوقهم وكراماتهم وذلك التزاماً منا بالمواثيق الدولية وبالمبادئ القانونية والأخلاقية والانسانية وبحقوق الجوار وبواجب التضامن العربي ..
8- من الضروري اليوم الإعلان عن دعمنا لجيشنا الوطني وللأجهزة الأمنية كافة في تطبيق القانون وحفظ الأمن والسلم والاستقرار، ولكن من الواجب أيضاً الاعلان عن نصيحتنا الأخوية بأن زمن الأجهزة والوصاية والفبركات والاستهانة بالحقوق واستباحة الحريات قد انتهى الى غير رجعة ولن نقبل بأي مساس بمقتضيات الحق والعدل وخضوع كافة الأجهزة والمؤسسات للسلطات الدستورية.
9- إننا إذ ندعو الى استيعاب بعض المواقف وتجاوزها من الطرف السوري الحر والى إعادة النظر فيها من الطرف اللبناني المعني ، نؤكد أننا لن نفرط بالوحدة المصيرية ، ونعتبر إطلاق سراح أخوتنا وأهلنا من المحتجزين تطبيقاً لسد ذرائع الفتنة وتجسيداً لشرف قضية الحرية والعدالة والكرامة.
10- على الجميع اليوم الابتعاد عن كل خطاب توتيري وتحريضي يستفز مشاعر ومقدسات ومسلمات الآخرين والحرص على التواضع والتقوى في الله والوطن ودماء وأعراض وكرامات الناس ونبذ كل استعلاء أو شعور بالغلبة والقوة واستعراضات فائض القوة، والسعي الى بلورة خطاب المحبة والتضامن والأمان، خطاب العيش الواحد والسلم الأهلي والثوابت الميثاقية والمشتركات الوطنية والانسانية، لا بلقلقة اللسان وإنما بالممارسة الصادقة المخلصة.
11- السعي الى المشاركة، جميعاً، وكل من موقعه، في اطلاق حوار وطني شفاف صادق مخلص لا حوار التكاذب والنفاق واللغة المزدوجة، لنساهم في بلورة رؤية وطنية جامعة، ومشروع وطني ديموقراطي مشترك، تحت عنوان إقامة الدولة المدنية.
السبت، 21 يوليو 2012
تصريح للعلامة السيد هاني فحص عضو الهيئة الشرعية في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان حول الشيعة والوضع في سوريا
الاثنين، 16 يوليو 2012
حوار مع الشيخ حيدر حبّ الله حول المنهج الاجتهادي للإمام شمس الدين
أجرى الحوار شبكة اجتهاد الالكترونية
س: يشير آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدین إلى انعدام الرؤية الاجتماعية في الاجتهاد والاكتفاء بالتطبيق الفردي للأحكام الشرعيّة، كيف يمكننا تقعيد هذه الرؤية وبسطها وتوسعتها؟
الشيخ حيدر حب الله: يمكننا استنباط البنية الأصوليّة لنظرية العلامة شمس الدين في موضوع الفرديّة والاجتماعيّة من نظريّته فيما أسماه خطاب الأمّة وتحليل الوجوب الكفائي بما يرجعه إلى الوجوب العيني، فالمكلّف قد يكون شخصاً حقيقياً، وقد يكون هو الأمّة بما هي أمة، بمعنى أن يكون لكونها أمّة تأثير في التكليف، وهذا ما قد يحوّل الوجوب الكفائي إلى عيني بتغيير نوعية المخاطَب أو المكلف فيه من الأفراد إلى الأمّة والجماعة، وهذا التكليف المتوجّه للأمة إنما يلحق الأفراد كونهم من الأمّة، لا باعتبارهم وجودات حقيقية شخصية.
وينظّر الشيخ شمس الدين عبر هذه النظرية للفقه المجتمعي، إلى جانب الفقه الفردي السائد، وقد انتصرتُ لهذه النظرية في كتابي (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقلت بأنه كما أقرّ المالك الحقوقي، كذلك يمكن تصوّر المكلّف النوعي أيضاً، فإنّ الجعل في العهدة له نحو اعتبار تماماً كما في باب الملكيات، والفرق أنّه في الواجب الكفائي بمعناه المشهور يكون الوجوب من الأوّل منحلاً إلى الأفراد، فيثبت في ذمّة كل فردٍ وجوبٌ لأداء التكليف، ولا تترابط الوجوبات بين المكلّفين، إلاّ من حيث أنّ أداء بعضهم يؤدّي إلى سقوط التكليف عن الآخر، لا أنّ ثبوته على بعضهم مشروط بثبوته أو عدم ثبوته على الآخرين، أمّا على نظرية شمس الدين فيمكن القول بأنّ الوجوب الداخل في عهدة زيد مشروط في مقام الجعل بوجوب آخر مماثل ثابت في ذمة عمرو، فالوجوبات مترابطة، لا أن السقوط مربوط بأداء الآخرين، ومعنى ذلك أنّ الجاعل والمشرّع قد تصوّر جملة وجوبات مشروطة في مقام ثبوتها على المكلّفين، فبدل أن يجعلها وجوبات حصل له منها تصوّر مجموعي، هو ما نسميّه بخطاب الجماعة أو تكليف الجماعة، فبالمآل نحن لم نتجاهل ذمم الأفراد، لكننا لاحظناها على نحو المجموع.
فالمشرّع في الواجبات العينية يلاحظ في مقام الجعل والاعتبار الأفرادَ والآحاد، ثم يدخل في عهدة الفرد الذي لاحظه الحكمَ الإلزامي، وإدخاله هذا الحكم في عهدة الفرد بما هو فرد لم يلاحظ فيه إطلاقاً في مقام الجعل انضمام الفرد الآخر إليه، بل تمّ تصوّر صدور الوضوء من الفرد بصرف النظر عن صدوره أو عدم صدوره من الفرد الآخر؛ لأنّ مبادئ الحكم من المصلحة وغيرها مركّزة على فعل الفرد، فالوضوء مصلحته الإلزامية يكفي فيها فعل الفرد له، وهي تتحقّق بفعل زيد مع عمرو أو فعله الوضوء من دون عمرو، فهذا هو البُعد الفردي في الواجبات الفردية العينية.
أمّا في الواجبات الكفائية المجتمعية، فالأمر مختلف، فإنه لا مصلحة في فعل الفرد لوحده؛ لأنّ الغرض لا يتحقّق به، فوجوب الجهاد على زيد لا قيمة له لوحده؛ إذ من الطبيعي في العادة أن لا يكون هذا الوجوب محقّقاً للغرض؛ لأنّ الجهاد ظاهرة جماعية لا يحصل الغرض منها بفعل فردٍ واحدٍ عادةً، لهذا فإنّ المشرّع عندما يشرّع فريضة الجهاد، فهو يقوم بملاحظة أكثر من فرد، وملاحظة المصلحة في فعل الجماعة لا في فعل الفرد، فيريد فعل الجماعة، فيصدر الحكم على فعل الجماعة.
وفعلُ الجماعة الذي يتحقّق به الغرض ليس سوى أفعال مترابطة، فصلها عن بعضها يلغيها، فلابد من فرضها بمقدار تحقّق الغرض، وهو ما يسمّونه مقدار من به الكفاية، لهذا عندما يجعل المولى الحكم بوجوب الجهاد، فهو لا يلاحظ زيداً لوحده، وإنما يلاحظ فعلَه منضماً إلى فعل عمرو، لهذا يربط الوجوب على زيد بالوجوب على عمرو؛ لأنّ فعلهما مترابط على مستوى تحقيق الملاكات والأغراض، بخلاف الوضوء والصلاة والصيام، فهي وإن كانت لها مصالحها بملاحظة واقعها الجماعي لكنّ مصلحتها بملاحظة واقعها الفردي كافية في إثباتها الوجوب عليها.
لكن كيف نعرف أنّ الوجوب هنا أو هناك فردي أو مجتمعي؟ أعتقد أنّ هذه مسألة مهمّة حتى لا نتوه في الفرضيات، فالخطابات الدينية متشابهة من حيث البنية والصورة، فلماذا كان الوضوء وجوباً فردياً فيما الجهاد عند شمس الدين مجتمعياً؟ وهذا السؤال بعينه يمكن أن نوجّهه إلى الاتجاه المشهور، فكيف نميّز بين الكفائي والعيني إثباتاً؟
أعتقد أنّ الحلّ يكمن في التحليل العقلاني العقلائي للموضوع تماماً كما فعل العلماء في التمييز بين الكفائي والعيني، وأزعم أنّ الوعي العقلائي يميّز بين تكليف فردي ومجتمعي مما يكون تحقّقه من الفرد الواحد غير ممكن عادة مثل تشكيل دولة إسلامية، ولزوم المشاركة في بلوغ الحاكم العادل سدّة الحكم، ووجوب الجهاد، وأمثالها مما يراه العقل العقلائي تكاليف موجّهة للجماعة، يُراد منها ذاتها وتحقّقها في الخارج.
وشاهد ذلك أننا نشعر بوجداننا بالفرق بين خطاب «صلّوا» الذي نحسّ أنه موجّه للفرد، وخطاب «أقيموا دولةً إسلامية» الذي يُشعر الفرد أنه لا يخاطبه بما هو هو، بل بما هو جزء من جماعة هي المخاطبة به، ولهذا تجد حسّ الجماعة حاضراً عنده في النوع الثاني، بينما تجده في النوع الأوّل غير معنيّ بالجماعة، وهو يمتثل أمر «صلّ» أو «طهّر الثوب قبل الصلاة».
إنّ هذا الارتكاز العقلائي في فهم أنواع النصوص هو الذي يشكّل قرينة فهم الفردية أو المجتمعية، وطبعا ليس كل وجوب كفائي هو مجتمعي فتغسيل الميت كفائي لكن لا يفهم عقلائياً كوجوب الجهاد.
من هنا يخرج العلامة شمس الدين بتنويع لخطابات القانونية في الكتاب والسنّة، إلى خطابات فردية وأخرى مجتمعيّة، بما يولد لنا الفقه الخاص والفقه العام، ويمكننا أن نضيف نوعاً ثالثاً من الخطابات هي خطابات حكوميّة ربما تتصل بالفرد الحاكم تارةً وبالمجتمع أخرى لا مجال للحديث عنها هنا، وهناك إمكانية لفتح تحليلات متعدّدة بعد ثبوت طبيعة الوجوب المجتمعي هنا أو هناك، من نوع أنّه لو لم يقم المجتمع بوظيفته فهل يجب على الفرد القيام بذلك بالقدر الذي يمكنه أم أنّ الوجوب يسقط عنه؟ وربما يثبت في حقّه وجوب أمر المجتمع بالمعروف فقط، فإذا اقتنع المجتمع بذلك تمّ إجراء التكليف خارجاً، وليس من البعيد أن يلتزم العلامة شمس الدين بمثل ذلك فيُسقط وجوب اقامة الدولة الإسلامية أو وجوب الجهاد عندما يتخلّى المجتمع ككل عن هذه الفريضة، ويثبت في هذه الحال وجوبٌ آخر مرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لابدّ لمن تبقّى من المؤمنين أن يأمر سائر الناس بالاندفاع والانبعاث نحو تحقيق هذا التكليف المجتمعي أو ذاك، وهذا أمر له نتائج هامّة على صعيد التكاليف المجتمعيّة.
س: حبذا لو توضحون لنا حقيقة الاتجاه التقريبي الذي كان عند آية الله شمس الدين، وكيف كان ينظر لقضايا العالم الإسلامي من منظار تقريبي؟
الشيخ حب الله: يعتقد العلامة شمس الدين بأنّ مبدأ الوحدة الإسلامية والاخوّة الدينية مبدأ أصيل في التشريع الإسلامي، ويحسب أدلّتَه في ضمن ما يسمّيه الأدلّة العليا للتشريع، ويقصد شمس الدين بهذا النوع من الأدلّة أنّ التشريعات القانونية الإسلامية وكذلك منهج فهم الشريعة الإسلامية ينطلقان من مبادئ وأساسيات لا تقبل التغيير ولا التبديل، وتعبّر عنها نصوص حاسمة ورد الكثير منها في القرآن الكريم، إنّ هذه المبادئ تمثل بالنسبة للشيخ شمس الدين الأسس التي نستطيع من خلالها فهم أهداف الشريعة ومسلّماتها ومقاصدها، وعندما يقوم الفقيه من الانتهاء من مرحلة الاجتهاد في أصول الشريعة هذه يتجه نحو الفروع التفصيلية في الفقه الإسلامي، ويعمد إلى ممارسة الاجتهاد وفقاً لما تفرضه أدلّة التشريع العليا، فمثلاً يرى العلامة شمس الدين أنّ مثل قوله تعالى: (إنّما المؤمنون إخوة) يعبّر عن نصّ حاسم يقدّم لنا أحد الأدلّة العليا للتشريع، ويجعل مبدأ الأخوة الإسلامية مبدأ حاكماً في الفقه الإسلامي، لا يقبل التخصيص ولا التقييد بهذه البساطة، فإذا جاء الفقيه إلى مفردة تشريعية تفصيلية، مثل جواز غيبة المخالف أو بهتانه أو نحو ذلك، فإنّ النص القرآني أعلاه يشكّل دليلاً تشريعياً عالياً يسقط قيمة الأدلّة التفصيلية المعارضة له؛ لأنّ المبادئ الأساسية لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة.
وفقاً لهذه النظرية في الاجتهاد، أي نظرية الشروع من الأدلّة العليا للتشريع والخروج بنتائجها ثم الذهاب في المرحلة اللاحقة إلى الأدلّة التفصيلية وجعل أدلّة التشريع العليا حاكمةً على الأدلّة التفصيلية بما يشبه هيمنة الدستور على تفاصيل القوانين المدنية والجزائية والجنائية وغيرها، هذه النظرية عندما يتمّ تطبيقها على مبدأ الوحدة الإسلامية عند العلامة شمس الدين ستنتج ـ تلقائيّاً ـ أنّ هذا المبدأ مبدأ أصيل ثابت في العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية بالعنوان الأوّلي، ممّا سيضع العلامة شمس الدين في سياق الذين جعلوا الوحدة الإسلامية عنواناً أولياً في العلاقات الداخل ـ إسلامية، وبهذا فهو يرفض أن يكون التقريب بين المذاهب ناشئاً من الظروف الطارئة ومن العنوان الثانوي الذي قد يزول عندما تزول مبرّراته الاستثنائيّة، من هنا لا يكون المدخل السياسي في بلاد المسلمين في فترات معينة هو المدخل الصحيح للتقريب بين المذاهب؛ لأنّ السياسي متغيّر ولا يمكن ربط الثوابت الأوّلية ـ كالتقريب بين المذاهب ـ بالمتغيرات، فإنّ التابع للمتغيّر سيكون متغيّراً بشكل تلقائي. إنّ العلامة شمس الدين يرى التقريب نتاجاً طبيعيّاً لعملية اجتهادية داخل ـ نصيّة، وليس نتاجاً لوضع خارجي هنا أو هناك فحسب.
المسالة الأخرى التي تشكّل أساساً آخر للتقريب في وعي العلامة شمس الدين هو مسألة المواطنة؛ فإنّ مفهوم المواطنة عند العلامة شمس الدين يجعل كلّ المنضوين تحت الدولة الإسلامية متساوين في الحقوق والواجبات في الأعم الأغلب، والشيخ شمس الدين لا يميل في قضايا المواطنة إلى تكثير التمايزات بين المسلم وغيره ـ فضلاً عن أبناء المذاهب الأخرى ـ في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، والمواطنة عنده لا تنشاً من الجانب العقدي فقط لكي تكون معياراً في منح الحقوق، وإنما من المساهمة في صناعة الاجتماع البشري ككل.
الأمر الآخر الذي أودّ الإشارة إليه هنا هو أنّ كتابات العلامة شمس الدين في المجال الفكري الإسلامي أو في مجال الاجتهاد الشرعي، تُظهر لنا حضور التراث الإسلامي بمدارسه ومذاهبه في أعماله، فعندما يعالج العلامة شمس الدين موضوعةً فقهيّة معينة فإنّه يرصدها في أعمال الباحثين والفقهاء والعلماء المسلمين على انتماءاتهم المذهبيّة، ليس بقصد الانتصار المذهبي بالضرورة، بل غالباً بقصد التدليل على أنّ الاجتهادات الإسلامية ـ على اختلافها ـ تمثل تراثاً ينبغي للفقيه وغيره وضعه أمامه، من هنا دعا العلامة شمس الدين إلى ما وصفه بالاجتهاد الإسلامي مقابل الاجتهادات المذهبية، وقال بأنّنا لا نريد مجتهداً حنفياً أو مجتهداً على المذهب الإمامي بقدر ما نريد اجتهاداً إسلاميّاً يضع الموروث الإسلامي أمامه بكلّ مدارسه، دون أن تكونه لديه عقدة من تيار دون آخر، مع حفظ حقّ الباحث أو الفقيه في النقد هنا أو هناك، أمّا عزل نتاجات المذاهب الأخرى وكأنها غير موجودة فإنّه من وجهة نظر العلامة شمس الدين غير صحيح إطلاقاً بل إنّه يعيق التنمية المنشودة في فكرنا الديني.
انطلاقاً ممّا تقدّم، ومن رؤية معمّقة للفقه والسياسة، آمن العلامة شمس الدين بالتقريب، وكان من دعاته، بل نحن نجد في تاريخه الشخصي ممارسةً عملية تقريبية، فرغم كونه في قمّة الهرم في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وهو مجلس مذهبي قد يسجّل عليه ـ كما فعل بعض العلماء ـ أنّه يكرّس الطائفيةّ في لبنان بدل أن يتلافاها، إلا أنّ العلامة شمس الدين استطاع في موقعه هذا أن يمارس دوراً تقريبياً مميزاً، حتى أنّه اختار ـ بصرف النظر عن موافقته في اختياره هذا ـ للمقاومة في لبنان اسم (المقاومة المدنية الشاملة) بدل أيّ اسم آخر ذو طابع مذهبي أو ديني، انطلاقاً من الخصوصيّة اللبنانية في التنوّع الطائفي والمذهبي، ومع ذلك كلّه لا نجد العلامة شمس الدين يتخلّى عن مبادئه العقدية في الاعتقاد المذهبي حيث يسوقه الدليل، فكتاباته تزخر بالتحليل التاريخي والعقدي المنتمي مذهبياً مثل ما جاء في كتابه (نظام الحكم والإدارة).
س: بماذا تختلف الدولة العلمانية في المنظومة الفكرية لآية الله شمس الدين عن نظريّة ولاية الأمّة ونظارة المراجع وإشرافهم؟
الشيخ حب الله: يميّز العلامة شمس الدين ـ من خلال تحليل نظريّته في الفكر السياسي ـ بين شرعيّة الدولة وإسلاميّتها، فشرعيّة الدولة بمعنى عدم صدق حكومة الجور والغصب عليها تكمن في كونها صادرةً من إرادة شعبيّة، فأيّ حكومة تأتي بها أصوات الجماهير ـ بصرف النظر عن كيفية العلم بهذه الأصوات سواء عبر الانتخاب أم غيره ـ ستكون حكومةً شرعيّة، لكنّ هذا لا يعني أنّها حكومة إسلاميّة؛ لأنّ إسلاميّة الدولة تكمن في إسلامية الدستور والقوانين، إذا لم نرد التدخّل في إسلامية الممارسة العمليّة.
والسبب في تمييز العلامة شمس الدين بين هذين الأمرين، أي الشرعيّة والإسلاميّة، هو أنّه يرى شرعيّة الدولة وولايتها أمراً بشريّاً غير إلهي، بمعنى أنّ الولاية الأصليّة عنده هي للمجتمع والأمّة والشعب، حيث لم يثبت عنده أيّ دليل نصّي على غير ذلك بما في ذلك نظرية ولاية الفقيه العامّة، وكما أنّ الفرد له ولاية على نفسه وسلطنة على تصرّفاته وأعماله، كذلك للجماعة التي هي الأمّة ولاية على نفسها بوصفها أمراً جمعيّاً له كيانه وظهوره الخارجي، ولكي تقوم الأمّة بممارسة ولايتها على نفسها تمنح هذا الأمر لمن تنتخبهم مثلاً ليمارسوا هذا الدور بالنيابة عنها دون أن تغيب الأمّة في فترة النيابة هذه؛ لأنّ تخلّف النائب عن القيام بما أوكل إليه يسمح للمنوب عنه أو للموكّل بعزله أو رفضه أو وضع بدائل مكانه. فالمقدّس عند العلامة شمس الدين ليس هو الدولة ولا النظام ولا السلطة، وإنّما المقّدس هو الأمّة عندما تكون مسلمةً، وفعل السلطة وممارسة الولاية تعبير بالواسطة عن قيام الأمّة بتولي أمور نفسها وتقرير مصيرها عند العلامة شمس الدين.
لكن إذا اختارت الأمّة خياراً غير إسلامي في السلطة، كان من المنطقي تخطئتها في ذلك من وجهة النظر الإسلامية، وكان من اللازم على العاملين في الخط الإسلامي السعي للأسلمة في القوانين والدساتير والممارسات، بيد أنّ هذا السعي ـ من وجهة نظر العلامة شمس الدين ـ لا يصحّ أن يكون قهريّاً أو عبر استخدام القوّة أو العنف، فالحركات الإسلامية والأحزاب الدينية ليس لها أن تمارس انقلاباً عسكريّاً مثلاً تفرض من خلالها الإسلام على الناس، كما ليس لها الدخول في ثورات دمويّة مسلّحة أيضاً، والسبيل المتعيّن هو القيام بتغييرات عبر الجمعيات الأهليّة ومؤسّسات المجتمع المدني ودوائر الدولة وعبر الإعلام وسلطاته وعبر التظاهرات السلميّة وأمثال ذلك، أي التغيير السلمي لا العنفي، فإذا استطاعت الحركة الإسلاميّة تغيير قناعات الأمّة لاختيار من هو الأصلح إسلاميّاً لتولّي السلطة من الاتجاهات الفكرية والعقديّة، كان من حقّها الحكم بإرادة شعبية عارمة، أمّا إذا فشلت فإنّ عليها أن تواصل جهدها السلمي هذا.
إنّ إسلامية الدولة يجب أن لا تعارض شرعيّتها، لأنّ الشرعية عند العلامة شمس الدين لا تنزل من الأعلى عبر نصب الحاكم من قبل الله بالاسم أو العنوان، وإنما تصعد من الأدنى إذا صحّ التعبير، أي من الأمّة نفسها، فإسلامية النظام لا تساوي شرعيّته، كما أنّ شرعيّته لا تعني إسلاميّته بالضرورة،. والعلامة شمس الدين يدعو إلى الإسلامية والشرعية معاً، فبدعوته إلى الشرعيّة يرفض الدكتاتورية والاستبداد وكلّ سبل الوصول إلى السلطة من غير طريق اختيار الشعب، وبدعوته إلى الإسلاميّة يرفض العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لا بمعنى أنّه يرى عدم شرعيّة الدولة العلمانية، بل بمعنى أنّه يرى عدم إسلاميتها، وهذا التمييز الدقيق هو الذي يجعل العلامة شمس الدين غير علماني في نظريته حول ولاية الأمّة على نفسها؛ لأنّ إعطاء الحقّ للأمّة في تقرير مصيرها السياسي شيء، وتصويب قرارها فيما اختارته شيء آخر، فنحن نعطيها الحق في اختيار أيّ مذهب سياسي ولو كان علمانيّاً، لكننا في الوقت عينه نخطؤها في اختيارها الخطّ غير الإسلامي.
طبعاً هناك مجال واسع لتحليل ونقد بعض جوانب نظرية العلامة شمس الدين وغيره، لا يسعه هذا الحوار، لكنّني أعتقد بأنّه حاول أن يصوغ نظريّةً متوازنة نابعة من اجتهاد فقهي هادئ، بل وقد تقدّم على كثيرٍ غيره في تحليلاته هنا، وشكّلت محاولته في هذا المضمار رغبةً في التوفيق بين الدين والعصر، وجواباً عن مشكلة الاستبداد في العالم الإسلامي والعربي. لقد أراد شمس الدين الربط بين مفاهيم الديمقراطية والانتخاب والتعددية والشعب وغير ذلك مع مفاهيم الشورى والبيعة، إلى جانب أساسيات التشريعات الإسلاميّة
السيّد محمد خاتمي: الحرية والعدالة لا تنفصلان والإمام علي(ع) نموذج للحوار
الاثنين، 9 يوليو 2012
عادل عبد المهدي: المحاصصة والتعطيل والتزوير.. ومفوضية الانتخابات
عادل عبد المهدي: المحاصصة ضد مصلحة الشيعة.. وضرر لغيرهم
الجمعة، 15 يونيو 2012
آية الله السيد رضا الصدر
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)