الحياة- الخميس 17 نوفمبر 2011
محمد جمال باروت
يشير مسار الحركات الاحتجاجية السورية وتطوره (على مستوى وعي حركات الاحتجاج المتركزة في المدن الصغيرة والمتوسطة وفي أطراف بعض المدن الكبيرة) إلى نمطين مهيمنين من الوعي، أو هكذا يظهران، الأول: وعي الفئات الوسطى الحديثة الشبابية الذي تنمذجه الكوادر الديناميكية في الهيئة العامة للثورة السورية عموماً، ويتمثل نشاطها الأساسي الإعلامي والسياسي برؤية ديموقراطية ومتلبرلة حديثة، ومحاولة السيطرة عبر» الركائز»على حركة اللافتات ومضامينها، وتمثل هذه جزءاً من شكل انخراط بعض الفئات المدينية الوسطى الحديثة في الحركات، لكنه حضور مرافق وليس محرّكاً أو قائداً لحركة الاحتجاجات، وإن كانت مساهمته في تشكيل الرأي العام قوية ومميزةً عبر تقنية» اليوتيوب» والتأثير بالصورة.
والثاني هو: تدين شعبي شبابي احتجاجي أو اعتراضي يقع في فضاء التدين السلفي الشعبوي العام. وإن كان بعض قادته المركزيين ينحدر من صلب مجموعة الآلاف الخمسة التي قاتلت في العراق، وكان معظمهم من ريف دمشق وجبل الزاوية وإدلب ونسبياً مركز حلب ( ظاهرة تنظيم غرباء الشام السابق بقيادة أبي القعقاع) الواصل بين جبل الزاوية والمنطقة الشمالية الشرقية وبين العراق.
نتوقف هنا عند النمط الثاني من الوعي بسبب حضوره الفعليّ في دفع وتائر حركة الاحتجاجات، أو ثورة «المجتمعات المحلية» بلغة التنمية في مرحلة أزمة النموذج التنموي التسلطي المتلبْرل، بالقياس إلى الافتراضية المهيمنة على نشاط «الفايسبوكيين»، ومحدودية الانخراط المباشر لهؤلاء في الحركات الاحتجاجية نفسها التي باتت تتغذى من قوى دفع ذاتي ليس لها قيادات حركية تستطيع ادعاء قيادتها، كما لا تستطيع أية قوة معارضة أن تدعي قيادتها، لكن يمكن لبعضها أن يقول إنه في داخلها وقلبها ميدانياً. وهذا محصور بحركات معارضة من أبرزها حركة السابع عشر من نيسان(أبريل) في درعا التي يوجهها هيثم مناع، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي الذي يحضر ميدانياً عبر حركات ريف دمشق بدرجة أساسية ثم في درعا وإلى حد ما في حلب، في شكل حركات البؤر الجوالة في بعض أطراف مدينة حلب وريف المركز قبل أن تفكك الأجهزة الأمنية قيادات هذه البؤر.
ضمور الحركات الحديثة
وعلى العكس من ضمور الحركات المعارضة الحديثة في قيادة الحركة فإن القيادات التقليدية والمشيخية انتعش دورها التعبوي بشكل» مفاجئ»، لا سيما في بعض مساجد مدينة دمشق والأحياء الشعبية وشبه العشوائية المنحدرة من أصول عشائرية في حمص ومدنها الصغيرة مثل الرستن وتلبيسة التي يشكل حجمها السكاني ما لا يقلّ عن نصف سكان عدد المدينة، وهي معقل التظاهرات الأكثر شدّة ومقاومةً، والتي غدت الفروق فيها بين السلفية الشعبوية والطائفية هشّةً جداً.
يجب هنا تمييز هذا التدين السلفي الشعبوي العام عن التدين السلفيّ المعهود، ولا عقيدة لاوهابية. وبهذا المعنى كانت السلفية التقليدية من أضعف التيارات الإسلامية حركياً وفكرياً في تاريخ العمل الإسلامي السوري في القرن العشرين. وظلت الانفعالات الجدية معها محدودةً، ليس بسبب تطويقها من جماعة الإخوان المسلمين ومن جماعة علماء دمشق بقيادة الشيخ البوطي، ومن السلطة أيضاً فحسب بل لـ «تنافرها» مع خصائص التدين الشاميّ التاريخيّ المعتدل وذي الخصائص الوسطيّة. لهذا كان تأثير» الرذاذ» الشعبوي السلفي في المدن الصغيرة والمتوسطة وفي المناطق الطرفية المهمشة والمفقرة أشدّ من تأثيره في المدن. فالتدين «الريفي» المحدث في ظل تأثير الفضائيات السلفية التبشيرية أو الدعوية هو عموماً تدين احتجاجي واعتراضي، ويقدم لها التدين السلفي المتشدد العام نوعاً من وظيفة «تنهيدة المقهور، وقلب عالم بلا قلب» بتعبير ماركس، احتجاجاً على تدهور حياتها. بينما في المدن المليونية والكبيرة عموماً ولدى الفئات الوسطى المدينية هو تدين تكيفي ومدني الطابع مع المجتمع.
وتكفي المقارنة بين تدين «القبيسيات» المدني الدمشقي المندمج بأساليب الخدمة التعليمية والاجتماعية وبين التدين الريفي المتمدين في ريف دمشق، أو في جبل الزاوية ومدن محافظة إدلب عموماً أو في أحياء حمص الشعبية وشبه العشوائية، أو في حي السكنتوري العشوائي في مدينة اللاذقية الذي ينحدر من «الشريقية» أي من محافظة إدلب حيث تجري فيها أعنف الاحتجاجات.
لذلك تسيطر الشعارات الإيمانية لا السياسية على هتافات أبناء البلد المحتجين من طراز: «عالجنة رايحين شهداء بالملايين» وظاهرة الاحتجاج بلباس الأكفان في بانياس والصنمين وغيرهما. وقيام المحتج بأداء ركعتين على نيّة الشهادة قبل انخراطه في تظاهرة يمكن أن تودي بالفعل بحياته.
ورداً على العنف الأمني المفرط وبروز عنف مواجه آخر يتجلى في عسكرة الاحتجاجات، والذي سقط في دورته الدموية المؤسية آلاف من الطرفين وآلاف من الجرحى وعشرات الألوف من المعتقلين ينهض الوعي الزائف بتصوير الصراع على أنه طائفي، وهو نمط من الوعي المقلوب الذي يعي تناقضه عبر المنظار الطوائفي وليس عبر المنظار السياسي للعلاقات المعقدة بين التنمية والديموقراطية. وفي دورة العنف والعنف المضاد تبرز الغرائزية الشعبوية في شكل شعارات تصدر عن ثقافة الكراهية، وتساهم في» جرائمها» على حد تعبير عزمي بشارة، لا سيما في إطار ظاهرة تكريس مصطلح» الشبيحة» الذين ارتبطوا بميليشات طائفية محلية لكنها تعمل في مجال الجريمة والتهريب في الأصل، ثم عمل جيل جديد منها كحراب في مواجهة المتظاهرين.
هذا التوتير الطائفي حضر في مناطق التماس مثل حمص وحماة وبانياس وغيرها التي تتميز بتعقدها المذهبي والطوائفي والديني، ويغذي العامل الطائفي هنا العامل الشعبوي المتسلفن في آلية تغذية راجعة، وقد بدأت مقاطع الاصطدام الأهلي هنا، وهو صدام لا بدّ واقع إن استمرّ الوضع الراهن، بينما حيث شبيحة حلب هم من أبناء أطراف المدينة نفسها لم يبرز ذلك. لكن هذا التدين العنيف والشديد، مثّل النسغ الروحي التعبويّ لشباب ومناطق ومجتمعات محلية مهمشة صبغت احتجاجاتها بالدم والثأر. وهذا هو مفتاح تفسير الإرادة البطولية الملحمية والتراجيدية لإقدام أبناء البلد أو المجتمعات المحليّة على التظاهر، مع معرفة بأن الموت احتمال أكيد.
قوة روحية ... لا غير
السلفية لا تشرح لا من قريب ولا من بعيد ثورة المجتمعات المحلية السورية، لكنها تشرح شكل الوعي العام الدافع بعوامل هذه الثورات، وتشكيل قوة روحية دافعة في المواجهة و»التضحية»، وكيفية تحويل التناقض الاجتماعي - السياسي إلى تناقض طوائفي حادٍّ مقلوب عن التناقض الفعليّ. وهذه هي السلفية الشعبوية والمتطيّفة (من الطائفية) المهيمنة على اتجاهات كثير من ثورات المجتمعات المحلية السورية، وتجد نموذجها في النسخة العرعورية من التحريض لا سيما في أحياء حمص الشعبية وشبه العشوائية حيث تختلط السلفية الشعبوية مع الطائفية الحادة بصورة لا فكاك فيها. وتشكل هذه النسخ في حد ذاتها تحريضاً طوائفياً يعزز ديناميكيات الوعي المقلوب الزائف، تنفّر المدينة السورية وفئاتها الوسطى العريضة منها، في ضوء أن بعض الدعاة السلفيين المحرضين الشعبويين يعتبرون أن الله لم يخلقهم سوى لمواجهة الشيعة، وعبر ذلك يتم طرح قصة الباطنية مثل العلوية، وربما المسيحية في بعض لحظات التوتير. ويتقهقر الوعي الاجتماعي في طوائفية تناسب الهيئات الاجتماعية في مراحل انحطاطها المجتمعي، وتجذّر الشروخ ما بين مكوّناتها.
إن السلفية سلفيات، ولعل الشكل الأكثر حضوراً منها اليوم في دفع الديناميكية اليومية أو شبه اليومية لثورات المجتمعات المحلية يتسم مظهره العام بما أطلقنا عليه وصف السلفية الشعبوية. وهذا النوع تحريض تعبوي وسلوكي مباشر، بمعنى أنه يحكم الموقف من القضايا والاتجاهات، ويدفع بهذا الموقف في ميدان الممارسة العملية الميدانية في ثورات المجتمعات المحلية. أما العوامل الاجتماعية - الاقتصادية - السياسية، أو بشكل أدق عوامل التنمية في تكوينه الأصلي، فقصة مختلفة، لكن يحضر استيعابها في شكل الوعي المقلوب، الذي يغذيه سكوت الإخوانية السورية بوصفها تياراً وليس بوصفها تنظيماً محظوراً في سورية، ويعمل من خلال أساليب «الركائز» و «السياج» التي ميزت تجارب أميركا اللاتينية اللاحقة في مرحلة الدكتاتوريات، لكن الإخوان يعرفونها من إمامهم حسن البنا، أحد أهم البنائين الكبار والمميزين للتنظيمات في خبرة أحزاب القرن العشرين العربية.
ماتشير إليه السلفية الشعبويّة هو ضمور الإخوانية التي كان من شأن حضورها أن يعقلن تلك السلفية، فحتى تأثير الشيخ يوسف القرضاوي في ثورات المجتمعات المحلية السورية يذوب في إطار ذلك النوع من السلفية وليس في إطار تكوين رؤية إسلامية وسطية معتدلة تناسب في حقيقتها وعي الفئات الوسطى المدينية المتعددة.
إن ضرب جماعة الإخوان المسلمين وتجريمها طيلة ثلاثة بل أربعة عقود من المحنة الكبرى قد ساهم في هيمنة السلفية الشعبوية، وأفقد المجتمع السوري قوة التوازن والعقلنة في تدينه العام.
وضمور دور «الجماعة» في التنوير الإخواني للسلفية الشعبوية، ليس بسبب ضمورها التنظيمي في الميدان، بل بسبب تواطئها في مناطق نفوذها الكبيرة مع السلفية الشعبوية، لا سيما في جبل الزاوية وجسر الشغور وعموماً في إدلب التي تصدر فيها وفق استقصائنا الميداني أبناء ضحايا الإخوان في محنة الثمانينات الحركات الاحتجاجية الأشد عنفاً وتهوراً، وتسلحاً بشكل مبكر، وتحويلاً للانتفاضة السلمية إلى انتفاضة معسكرة على غرار ثورات الريف في التاريخ، وهي أخذت شكل غزو مدن أريحا وجسر الشغور ومعرة النعمان وخان شيخون، ثم حاولت أن تمتد إلى مدينة إدلب نفسها.
هنا لم تلعب الجماعة سوى دور محدود أفلت منها في مركز كفرنبل في جبل الزاوية، لتغزل على دافعية السلفية الشعبوية في الاحتجاجات. ويثير ذلك السؤال عن قصة الإخوان والسلفية السورية العامة عموماً، وتطور الاختراق السلفي والسلفوي لها، وتمخض ذلك كله عن تراجع تأثير الخطاب الإخواني النمطي الأقرب في تحوله إلى مقاصدية الشريعة، والتكيف مع المجتمع لمصلحة نسخ متعددة، من أبرزها السلفية الشعبوية التي نكثف خلاصتها بأنها نسغ روحي تعبوي دافع ومعبئ ومحرّض أكثر منها سلفية متسقة بمعاني السلفيات المعهودة. إن الإخوان السوريين يركبون موجة السلفية الشعبوية أكثر مما يصوبونها على غرار وعي قيادة الإخوان في مصر أو النهضة في تونس، وهذا محور يحتاج معالجة خاصة.
إظهار الرسائل ذات التسميات سوري. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات سوري. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 25 نوفمبر 2011
ناشطو «ثورة حمص» العلويون والمسيحيون جيل يرث معارضة أمضت حياتها في السجون
الحياة- الجمعة 18 نوفمبر 2011
باسل محمد
أن تكون ثائراً في حمص، فهذا أمر طبيعي جداً، فالمدينة بمعظم أحيائها باتت ثائرة اليوم، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن تكون علوياً أو مسيحياً، وتكون إلى جانب الثورة أو ناشطاً بارزاً في التظاهرات، بخاصة إن كنت تقطن في حي يشبه كانتوناً طائفياً محمياً من جانب حواجز أمنية أو «شبيحة».
في حي الزهراء في حمص (الجزء الشرقي للمدينة)، وهو ذو غالبية علوية، يوجد عدد كبير من المعارضين التقليديين، وهم من معتقلي رابطة العمل الشيوعي السابقين، أو من معتقلي بعث العراق والبعث السوري، أو من الحزب الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً. وعلى رغم كثرة أعدادهم، فإن أعمارهم الكبيرة والمرارة التي كابدوها في سجون النظام لأعوام وعقود في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيدتهم نوعاً ما عن حراك الشارع المنتفض، ما كرس حالة الانفصال بين الأحياء الموالية وتلك المعارضة.
لكن ومنذ اليوم الأول للثورة، بدأت بوادر معارضات شبابية نابعة من وعي للظروف السياسية بعيداً من التأطير الحزبي.
شباب غير حزبيين
شباب مسرحيون ومثقفون وصحافيون وموسيقيون شاركوا منذ التظاهرة الأولى، لكن بحذر شديد. ففي البداية كانت الأحياء التي ينتمون إليها لا تعارض بشدة مشاركتهم، إلى أن بدأت حملات التخويف والرعب المنظمة التي قادها النظام على حد تعبير أحد النشطاء المعارضين، وبإقرار الكثير من الموالين، في تلك الأحياء بدءاً بالسيارات المجهولة التي تمر بأحياء النزهة وعكرمة (وسط المدينة وإلى الجنوب منها بمحاذاة باب السباع والفاخورة) وأحياء الزهراء والأرمن (شرق المدينة بمحاذاة أحياء البياضة وجب الجندلي ودير بعلبة وعشيرة)، وصارت هذه السيارات تطلق الرصاص في الشوارع، وتحديداً على الأحياء العلوية والمسيحية، وسط انسحاب كامل للأمن والشرطة خلال أسبوعين كاملين، وذلك في الشهر الأول للاحتجاجات في حمص. تبع ذلك انتشار فوبيا العرعور وإشاعات يومية وتقويله ما لم يقله.
عزز ذلك قيام الأحياء الثائرة بالتكبير بعد انتهاء حلقته على إحدى القنوات الفضائية. وهنا لا بد من التذكير باعتصام حمص الشهير الذي دام حوالى 9 ساعات، والذي انتهى بمجزرة تبعتها تكبيرات من مساجد حمص وشوارعها ودعوات لـ «الجهاد»، ويظن معظم الثوار أن مطلقي هذه الدعوات «الجهادية» هم من أجهزة الأمن، اذ إن إحدى السيارات التي أطلقت العنان لدعوات الجهاد كانت سيارة إطفاء موجودة مع الأمن، الهدف منها وسم المحتجين بالسلفية، وصولاً إلى قصص الخطف مجهولة الجهة المنفذة، والتي راح ضحيتها عشرات الشباب العلويين تنكيلاً وقتلاً. وهي وإن أثارت شكوكاً حول هوية منفذها، فإنها تطرح تساؤلاً عن أهلية وفعالية الحل العسكري والأمني المتبع مع حمص منذ الشهر الثاني للثورة.
لهذا كله بات الشباب العلوي والمسيحي اليوم أمام خيارين: إما ان يتخلوا عن مشاركتهم بالحراك في حمص، أو الطرد والتنكيل، وحتى التهديد الفعلي بالقتل على يد شبيحة الحارات التي يعيشون فيها. ولا يقتصر التهديد على النشطاء وحدهم، بل يصل الى حد تهديد الأهل والأقارب. فالبيئة المحيطة كالزهراء والأرمن وعكرمة تعيش حالة غضب وخوف ورعب من عمليات الخطف والقتل والتنكيل، وتشهد على ذلك مقبرة الفردوس (مقبرة لموتى الطائفة العلوية) الممتلئة بالقبور، كما تشهد على ذلك حالة الريبة والخوف الواضحة في شوارع الزهراء والأرمن وغيرها، مع تجييش إعلامي وحملة إشاعات باتت معها الحقيقة مختلفة بين حي وآخر.
وتعرض عدد من الشباب العلويين في الزهراء للاعتقال كالشاب دُمّر سليمان، صهر عضو مجلس الشعب السوري لأربع دورات متتالية شحادة كامل ميهوب، وذلك على خلفية مواقفه المعارضة. وسبَب اعتقاله إطلاق حملة إشاعات في الزهراء ابسط ما ورد فيها اتهامه بالتموّل من «الخليج»، والأخطر إلصاق تهمة تسهيل خطف العلويين لحساب المعارضة، وهذا طبعاً عار عن الصحة لكون الناشط السياسي دمّر السليمان يسارياً وعلوياً في الأساس. ولم يكتف شبيحة النظام بكيل الاتهامات للشاب دمر سليمان، بل طاولت تلفيقاتهم والد زوجته، عضو مجلس الشعب شحادة ميهوب وأقرباءه، مما تسبب بانتقال عدد من أفراد عائلته الى خارج حمص مخافة ردود الفعل. يضاف إلى ذلك اعتقال الشاب محمد ابراهيم في الحي نفسه، وإطلاق إشاعات تطاول سمعته وسمعة عائلته ومقاطعة شبه كاملة من معظم أهالي الحي للعائلة، بسبب اعتقال محمد أو مخافة تفسير العلاقة مع عائلته كتعاطف مع مواقف محمد. كما تم اعتقال شخصيات معارضة علوية معروفة كالمعارض نايف سلوم وأبو علي محمد صالح الذي اعتقل لساعات عدة، وهو أحد أعضاء ما يعرف بلجنة التضامن الأهلي التي أخذت على عاتقها تهدئة نفوس الأهالي من كل الطوائف عقب عمليات استفزاز طائفي وتقريب وجهات النظر والحفاظ على التضامن بين أطياف المجتمع الحمصي.
وبسبب حملات التخوين والاعتقال، فقد غادر عدد كبير من النشطاء العلويين والمسيحيين حمص، وبخاصة المسيحيين في أحياء الحميدية وباب السباع.
الاستهداف المضاعف
الفترة الأخيرة شهدت حوادث عدة قاسية بحق الناشطين من الأقليات. فقبل أسابيع تعرض منزل لآل ملحم، وهم من العائلات العلوية المعروفة في قرية أبو حكفة التابعة لمنطقة المخرم (شرق حمص) للحرق وتحطيم إحدى السيارات الخاصة بأحد أفراد العائلة بسبب مواقف عدد من أفراد العائلة المعارضة للنظام. كما تم اعتقال الطبيب علي ملحم من منزله من طرف أجهزة الاستخبارات، وعلي ملحم شاب في العشرينيات صرح عن مواقفه المعارضة للنظام مرات عدة.
وللمفارقة، فإن علي ملحم تخرج في كلية الطب البشري في حلب قبل أشهر قليلة، وكان الأول في دفعته، كما تخرج في العام نفسه في كلية الترجمة، قسم التعليم المفتوح، وبدرجات عالية. وكانت عائلة ملحم ذاقت الويلات أيام حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد حيث اعتقل عدد من الإخوة بتهمة الانتماء الى رابطة العمل الشيوعي في الثمانينات. وعلى رغم أن عائلة ملحم هي من اكبر العائلات العلوية، وتحوي عدداً كبيراً من المثقفين من أطباء ومهندسين، فإن حياتهم مهددة.
كما تعرض الناشط المعارض ومراسل تلفزيون «الدنيا» السابق في مدينة حمص، يامن حسين، لحملة تشهير وتخوين في أحياء الزهراء وعكرمة على خلفية استقالته من هذا التلفزيون، ومواقفه من الثورة والنظام، ما اضطره الى مغادرة حمص. وعلى رغم ذلك، فإن عائلته تتعرض لمضايقات يومية وتهديدات.
ويتذكر كثيرون المعارض المعروف محمود عيسى، وكيف هجمت قطعان من الشبيحة، مدفوعين بأمر أمني على منزله في حي الأرمن على رغم وجود أطفاله داخله، وذلك على خلفية حديث هاتفي له على قناة «الجزيرة». فكان أن اضطر بعض أصدقائه للاتصال بالجهات الأمنية وطلب حمايته. فقام فرع الأمن العسكري باعتقاله وإلصاق تهم عدة به، منها استخدامه هواتف الثريا وفبركة فيديوات وأخبار.
في حادثة أخرى أعقبت اعتصام الساحة في حمص، تعرض الطبيب منصور العلي من حي عكرمة لمضايقات وتهديدات هو وابنته الصحافية ديمة العلي على خلفية مشاركتهما باعتصام حمص، واتصال الصحافية ديمة بقناة «الجزيرة». طبعاً كان الاعتصام الحمصي الشهير علامة فارقة في تاريخ ثورة حمص وسورية، من خلال حجم المشاركة وتنوعها فيه وحالة التفاعل الأهلي معه، وميزه خيمة وسط ساحة الاعتصام، سميت خيمة الوحدة الوطنية، تم فيها استقبال الناشطين والمشاركين من مختلف الطوائف.
اختراق الطوق
بعد جهد مضن قمنا بجولة سرية في حمص زرنا خلالها عدداً من النـــشطاء العلويين، الذين بدت حركتهم خفيفة قياساً بالأسابيع السابقة بسبب ما تعرضوا له. وخلال الجولة التقينا عدداً من النشطاء الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 24 والـ 30 عاماً، وبينهم عدد كبير من الشابات، هم بمعظمهم غير حزبيين، وطلاب جامعات.
يرفض هؤلاء الشباب إلصاق تهمة التشبيح بالطائفة كلها، فمعظم أبناء الطائفة تم دوسهم من النظام على حد قولهم، وعانت الطائفة من الإفقار والتهـــميش، وهو واضح في شكل جلي في أحياء المهاجرين والزهراء ووادي الذهب، التي لا تختلف بشيء عن الأحياء الثائرة من حيث الأبنية العشوائية وغياب أبسط الخدمات.
تروي ندى، وهذا اسم مستعار لإحدى الشابات العلويات من حي عكرمة، أنها تشارك في التظاهر، وتقوم مع عدد من زميلاتها بإيصال الدواء والمساعدات العينية والطبية إلى الأحياء المنتفضة، كما تقوم مع صديقاتها وأصدقائها بعقد حوارات سرية مع شبان وشابات من الثائرين، وأغلب هذه الحوارات يتم في أحياء الإنشاءات والخالدية والحمراء والقصور وباب السباع، وموضوعها السعي لتطويق أي أزمة طائفية. وغالباً ما يتوصل هؤلاء الشباب إلى حلول لتلك الأزمات التي يفتعلها في رأيهم النظام، أو بعض الأشخاص المتطرفين الذين دفعهم النظام دفعاً إلى روح الانتقام. من جهة أخرى، يبرز على الأرض في حمص تجمع «نبض» للشباب المدني السوري، والذي استطاع جذب عدد كبير من شبان وشابات جامعيين ومن مختلف الطوائف والملل، وتمكن من بلورة حالة حراك مدني حقيقي في مدينة حمص.
وفي إحدى التظاهرات التي نظمها التجمع في حي الخالدية خرج شاب من الطائفة العلوية ليلقي بياناً باسمه وباسم الشباب العلويين. وعلى رغم رفض التجمع خطاباً يعرف الأفراد بطوائفهم، لكن «اقتضت ضرورات الحفاظ على السلم الأهلي التساهل في هذا الأمر». كما قام التجمع بتوزيع مناشير تحض على الثورة والابتعاد عن الغريزة الطائفية في كل الأحياء الثائرة في حمص، وحقق شباب هذا التجمع معجزة حقيقية، فقد قام عدد من الناشطين والناشطات بتوزيع تلك البيانات والمنشورات في الأحياء المحسوبة على الموالاة في حيي عكرمة والزهراء وغيرهما، على رغم الحواجز الأمنية الكثيفة وكثرة المخبرين. وسببت تلك المناشير استنفاراً امنياً من جانب أركان الشبيحة الذين أمسوا أدوات قمع الأحياء العلوية قبل غيرها.
ويعزو النشطاء العلويون أسباب عدم وجود أحياء علوية ثائرة بكاملها الى ما اتبعه النظام منذ اليوم الأول للثورة، من حملات تخويف مركزة وتجييش غرائزي أسس له الإعلام الرسمي. فكان أن غاب الحاضن الاجتماعي للثورة في الأحياء العلوية، وفي مدينة حمص تحديداً. هذا مع وجود عدد كبير من أبناء هذه الأحياء المنخرطين في سلك الأمن والشرطة أو في الجيش، بفعل سياسة ممنهجة اتبعها النظام منذ 40 عاماً. وبالنتيجة أصبحت الأحياء العلوية معتقلة تماماً طوال 40 عاماً.
باسل محمد
أن تكون ثائراً في حمص، فهذا أمر طبيعي جداً، فالمدينة بمعظم أحيائها باتت ثائرة اليوم، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن تكون علوياً أو مسيحياً، وتكون إلى جانب الثورة أو ناشطاً بارزاً في التظاهرات، بخاصة إن كنت تقطن في حي يشبه كانتوناً طائفياً محمياً من جانب حواجز أمنية أو «شبيحة».
في حي الزهراء في حمص (الجزء الشرقي للمدينة)، وهو ذو غالبية علوية، يوجد عدد كبير من المعارضين التقليديين، وهم من معتقلي رابطة العمل الشيوعي السابقين، أو من معتقلي بعث العراق والبعث السوري، أو من الحزب الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً. وعلى رغم كثرة أعدادهم، فإن أعمارهم الكبيرة والمرارة التي كابدوها في سجون النظام لأعوام وعقود في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيدتهم نوعاً ما عن حراك الشارع المنتفض، ما كرس حالة الانفصال بين الأحياء الموالية وتلك المعارضة.
لكن ومنذ اليوم الأول للثورة، بدأت بوادر معارضات شبابية نابعة من وعي للظروف السياسية بعيداً من التأطير الحزبي.
شباب غير حزبيين
شباب مسرحيون ومثقفون وصحافيون وموسيقيون شاركوا منذ التظاهرة الأولى، لكن بحذر شديد. ففي البداية كانت الأحياء التي ينتمون إليها لا تعارض بشدة مشاركتهم، إلى أن بدأت حملات التخويف والرعب المنظمة التي قادها النظام على حد تعبير أحد النشطاء المعارضين، وبإقرار الكثير من الموالين، في تلك الأحياء بدءاً بالسيارات المجهولة التي تمر بأحياء النزهة وعكرمة (وسط المدينة وإلى الجنوب منها بمحاذاة باب السباع والفاخورة) وأحياء الزهراء والأرمن (شرق المدينة بمحاذاة أحياء البياضة وجب الجندلي ودير بعلبة وعشيرة)، وصارت هذه السيارات تطلق الرصاص في الشوارع، وتحديداً على الأحياء العلوية والمسيحية، وسط انسحاب كامل للأمن والشرطة خلال أسبوعين كاملين، وذلك في الشهر الأول للاحتجاجات في حمص. تبع ذلك انتشار فوبيا العرعور وإشاعات يومية وتقويله ما لم يقله.
عزز ذلك قيام الأحياء الثائرة بالتكبير بعد انتهاء حلقته على إحدى القنوات الفضائية. وهنا لا بد من التذكير باعتصام حمص الشهير الذي دام حوالى 9 ساعات، والذي انتهى بمجزرة تبعتها تكبيرات من مساجد حمص وشوارعها ودعوات لـ «الجهاد»، ويظن معظم الثوار أن مطلقي هذه الدعوات «الجهادية» هم من أجهزة الأمن، اذ إن إحدى السيارات التي أطلقت العنان لدعوات الجهاد كانت سيارة إطفاء موجودة مع الأمن، الهدف منها وسم المحتجين بالسلفية، وصولاً إلى قصص الخطف مجهولة الجهة المنفذة، والتي راح ضحيتها عشرات الشباب العلويين تنكيلاً وقتلاً. وهي وإن أثارت شكوكاً حول هوية منفذها، فإنها تطرح تساؤلاً عن أهلية وفعالية الحل العسكري والأمني المتبع مع حمص منذ الشهر الثاني للثورة.
لهذا كله بات الشباب العلوي والمسيحي اليوم أمام خيارين: إما ان يتخلوا عن مشاركتهم بالحراك في حمص، أو الطرد والتنكيل، وحتى التهديد الفعلي بالقتل على يد شبيحة الحارات التي يعيشون فيها. ولا يقتصر التهديد على النشطاء وحدهم، بل يصل الى حد تهديد الأهل والأقارب. فالبيئة المحيطة كالزهراء والأرمن وعكرمة تعيش حالة غضب وخوف ورعب من عمليات الخطف والقتل والتنكيل، وتشهد على ذلك مقبرة الفردوس (مقبرة لموتى الطائفة العلوية) الممتلئة بالقبور، كما تشهد على ذلك حالة الريبة والخوف الواضحة في شوارع الزهراء والأرمن وغيرها، مع تجييش إعلامي وحملة إشاعات باتت معها الحقيقة مختلفة بين حي وآخر.
وتعرض عدد من الشباب العلويين في الزهراء للاعتقال كالشاب دُمّر سليمان، صهر عضو مجلس الشعب السوري لأربع دورات متتالية شحادة كامل ميهوب، وذلك على خلفية مواقفه المعارضة. وسبَب اعتقاله إطلاق حملة إشاعات في الزهراء ابسط ما ورد فيها اتهامه بالتموّل من «الخليج»، والأخطر إلصاق تهمة تسهيل خطف العلويين لحساب المعارضة، وهذا طبعاً عار عن الصحة لكون الناشط السياسي دمّر السليمان يسارياً وعلوياً في الأساس. ولم يكتف شبيحة النظام بكيل الاتهامات للشاب دمر سليمان، بل طاولت تلفيقاتهم والد زوجته، عضو مجلس الشعب شحادة ميهوب وأقرباءه، مما تسبب بانتقال عدد من أفراد عائلته الى خارج حمص مخافة ردود الفعل. يضاف إلى ذلك اعتقال الشاب محمد ابراهيم في الحي نفسه، وإطلاق إشاعات تطاول سمعته وسمعة عائلته ومقاطعة شبه كاملة من معظم أهالي الحي للعائلة، بسبب اعتقال محمد أو مخافة تفسير العلاقة مع عائلته كتعاطف مع مواقف محمد. كما تم اعتقال شخصيات معارضة علوية معروفة كالمعارض نايف سلوم وأبو علي محمد صالح الذي اعتقل لساعات عدة، وهو أحد أعضاء ما يعرف بلجنة التضامن الأهلي التي أخذت على عاتقها تهدئة نفوس الأهالي من كل الطوائف عقب عمليات استفزاز طائفي وتقريب وجهات النظر والحفاظ على التضامن بين أطياف المجتمع الحمصي.
وبسبب حملات التخوين والاعتقال، فقد غادر عدد كبير من النشطاء العلويين والمسيحيين حمص، وبخاصة المسيحيين في أحياء الحميدية وباب السباع.
الاستهداف المضاعف
الفترة الأخيرة شهدت حوادث عدة قاسية بحق الناشطين من الأقليات. فقبل أسابيع تعرض منزل لآل ملحم، وهم من العائلات العلوية المعروفة في قرية أبو حكفة التابعة لمنطقة المخرم (شرق حمص) للحرق وتحطيم إحدى السيارات الخاصة بأحد أفراد العائلة بسبب مواقف عدد من أفراد العائلة المعارضة للنظام. كما تم اعتقال الطبيب علي ملحم من منزله من طرف أجهزة الاستخبارات، وعلي ملحم شاب في العشرينيات صرح عن مواقفه المعارضة للنظام مرات عدة.
وللمفارقة، فإن علي ملحم تخرج في كلية الطب البشري في حلب قبل أشهر قليلة، وكان الأول في دفعته، كما تخرج في العام نفسه في كلية الترجمة، قسم التعليم المفتوح، وبدرجات عالية. وكانت عائلة ملحم ذاقت الويلات أيام حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد حيث اعتقل عدد من الإخوة بتهمة الانتماء الى رابطة العمل الشيوعي في الثمانينات. وعلى رغم أن عائلة ملحم هي من اكبر العائلات العلوية، وتحوي عدداً كبيراً من المثقفين من أطباء ومهندسين، فإن حياتهم مهددة.
كما تعرض الناشط المعارض ومراسل تلفزيون «الدنيا» السابق في مدينة حمص، يامن حسين، لحملة تشهير وتخوين في أحياء الزهراء وعكرمة على خلفية استقالته من هذا التلفزيون، ومواقفه من الثورة والنظام، ما اضطره الى مغادرة حمص. وعلى رغم ذلك، فإن عائلته تتعرض لمضايقات يومية وتهديدات.
ويتذكر كثيرون المعارض المعروف محمود عيسى، وكيف هجمت قطعان من الشبيحة، مدفوعين بأمر أمني على منزله في حي الأرمن على رغم وجود أطفاله داخله، وذلك على خلفية حديث هاتفي له على قناة «الجزيرة». فكان أن اضطر بعض أصدقائه للاتصال بالجهات الأمنية وطلب حمايته. فقام فرع الأمن العسكري باعتقاله وإلصاق تهم عدة به، منها استخدامه هواتف الثريا وفبركة فيديوات وأخبار.
في حادثة أخرى أعقبت اعتصام الساحة في حمص، تعرض الطبيب منصور العلي من حي عكرمة لمضايقات وتهديدات هو وابنته الصحافية ديمة العلي على خلفية مشاركتهما باعتصام حمص، واتصال الصحافية ديمة بقناة «الجزيرة». طبعاً كان الاعتصام الحمصي الشهير علامة فارقة في تاريخ ثورة حمص وسورية، من خلال حجم المشاركة وتنوعها فيه وحالة التفاعل الأهلي معه، وميزه خيمة وسط ساحة الاعتصام، سميت خيمة الوحدة الوطنية، تم فيها استقبال الناشطين والمشاركين من مختلف الطوائف.
اختراق الطوق
بعد جهد مضن قمنا بجولة سرية في حمص زرنا خلالها عدداً من النـــشطاء العلويين، الذين بدت حركتهم خفيفة قياساً بالأسابيع السابقة بسبب ما تعرضوا له. وخلال الجولة التقينا عدداً من النشطاء الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 24 والـ 30 عاماً، وبينهم عدد كبير من الشابات، هم بمعظمهم غير حزبيين، وطلاب جامعات.
يرفض هؤلاء الشباب إلصاق تهمة التشبيح بالطائفة كلها، فمعظم أبناء الطائفة تم دوسهم من النظام على حد قولهم، وعانت الطائفة من الإفقار والتهـــميش، وهو واضح في شكل جلي في أحياء المهاجرين والزهراء ووادي الذهب، التي لا تختلف بشيء عن الأحياء الثائرة من حيث الأبنية العشوائية وغياب أبسط الخدمات.
تروي ندى، وهذا اسم مستعار لإحدى الشابات العلويات من حي عكرمة، أنها تشارك في التظاهر، وتقوم مع عدد من زميلاتها بإيصال الدواء والمساعدات العينية والطبية إلى الأحياء المنتفضة، كما تقوم مع صديقاتها وأصدقائها بعقد حوارات سرية مع شبان وشابات من الثائرين، وأغلب هذه الحوارات يتم في أحياء الإنشاءات والخالدية والحمراء والقصور وباب السباع، وموضوعها السعي لتطويق أي أزمة طائفية. وغالباً ما يتوصل هؤلاء الشباب إلى حلول لتلك الأزمات التي يفتعلها في رأيهم النظام، أو بعض الأشخاص المتطرفين الذين دفعهم النظام دفعاً إلى روح الانتقام. من جهة أخرى، يبرز على الأرض في حمص تجمع «نبض» للشباب المدني السوري، والذي استطاع جذب عدد كبير من شبان وشابات جامعيين ومن مختلف الطوائف والملل، وتمكن من بلورة حالة حراك مدني حقيقي في مدينة حمص.
وفي إحدى التظاهرات التي نظمها التجمع في حي الخالدية خرج شاب من الطائفة العلوية ليلقي بياناً باسمه وباسم الشباب العلويين. وعلى رغم رفض التجمع خطاباً يعرف الأفراد بطوائفهم، لكن «اقتضت ضرورات الحفاظ على السلم الأهلي التساهل في هذا الأمر». كما قام التجمع بتوزيع مناشير تحض على الثورة والابتعاد عن الغريزة الطائفية في كل الأحياء الثائرة في حمص، وحقق شباب هذا التجمع معجزة حقيقية، فقد قام عدد من الناشطين والناشطات بتوزيع تلك البيانات والمنشورات في الأحياء المحسوبة على الموالاة في حيي عكرمة والزهراء وغيرهما، على رغم الحواجز الأمنية الكثيفة وكثرة المخبرين. وسببت تلك المناشير استنفاراً امنياً من جانب أركان الشبيحة الذين أمسوا أدوات قمع الأحياء العلوية قبل غيرها.
ويعزو النشطاء العلويون أسباب عدم وجود أحياء علوية ثائرة بكاملها الى ما اتبعه النظام منذ اليوم الأول للثورة، من حملات تخويف مركزة وتجييش غرائزي أسس له الإعلام الرسمي. فكان أن غاب الحاضن الاجتماعي للثورة في الأحياء العلوية، وفي مدينة حمص تحديداً. هذا مع وجود عدد كبير من أبناء هذه الأحياء المنخرطين في سلك الأمن والشرطة أو في الجيش، بفعل سياسة ممنهجة اتبعها النظام منذ 40 عاماً. وبالنتيجة أصبحت الأحياء العلوية معتقلة تماماً طوال 40 عاماً.
الخميس، 24 نوفمبر 2011
انتفاضة شعبيّة (لا شعبويّة) ضدّ السّلطة (لا الدولة)
بدرخان علي(مناقشة مع د. عزيز العظمة حول الانتفاضة السورية
2 - 11 - 2011
)
المثقّف النخبويّ العربيّ والسوريّ في ضائقة شديدة أثناء الأيام العاصفة هذه. فالأنظمة العربيّة التقدميّة والعلمانيّة التي يصطفّ وراءها أو إلى جانبها مثقّفون عرب نخبويّون، آيلة إلى السقوط الواحد تلو الآخر. وتبيّن أنّ العلمانيّة التي من المفروض أن تكون حصن الأنظمة هذه ـ كما جرى التصويرـ لم تسعف الأنظمة العربية التسلطيّة ولم تشفع لها في لحظتها الحرجة. وهذه النظريّة أُسقطت على يد جموع المواطنين المنحدرين من بيئات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة متنوّعة، لا من "الإسلاميّين" وحسب.
لكن المثقف العلماني المفتون بقدرة هذه السلطات الغاشمة على إسكات الإسلامييّن لبرهة من الزمان في حرج شديد وبعضهم يعاني من قلق وحزن بليغين. هل الأمر خطأ في الرهانات وحسب أم أنّه اصطفاف سياسيّ وتموضعٌ قيميّ؟
ينبغي أن نسجّل للدكتور عزيز العظمة جرأته الفائقة في توجيه بعض النقد للنظام السوري هذه الأيام، كمفكّر سوريّ تجنّب هذا الموقع طويلاً، لاعتبارات يعيدها هو إلى بُعد شخصيّته عن السياسة والعمل السياسيّ، وانهماكه في قضايا الفكر والمعرفة. لكن ينبغي أن نضيف هنا أنّ الرجل لم يتجنّب الخوض في سجالات سياسية كما قد يُفهم. بل أنّ "القضية المركزيّة" في فكره وتوجّهه لا تغيب عنها نبرة السجال السياسيّ المباشر أو غير المباشر. أعني قضية العلمانيّة وتحليله لقضايا التراث وحضوره في الخطاب الثقافي والسياسيّ العربيّ، وما يتفرّع من ذلك إلى الممارسة السياسيّة العربيّة. لكن هذا الخوض في مسائل ذات طابع سياسيّ يعاني من ترفّع كبير لدى العظمة على الوقائع والحيثيّات الحافّة بالمسائل ذات الصلة، أو هكذا يوحي.
البعد عن السياسة الواقعيّة ـ لا نقول اليوميّة بالضرورة ـ ليست فضيلة علميّة أو أخلاقيّة وموضع اعتزاز على الدوام كما يتظاهر بعض المفكّرين العرب، ومنهم الدكتور العظمة وهو صاحب كتب هامة وجديرة بالقراءة رغم مرور أعوام على صدورها، وعلى رأسها كتابه القيّم "العلمانيّة من منظور مختلف". ذلك أنّ المعرفة الخالصة والنقيّة الخالية من "الشوائب" الواقعيّة غير موجودة. "السياسة في كلّ مكان" قال الراحل إدوار سعيد.
على أيّة حال ثمّة تطورٌ محمود نسبيّ في مسيرة الرجل الذي لم يكتف بالصمت على غياب الحريات الشخصيّة والعامّة وانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في بلده، بل اقتصرت قراءته النقديّة للواقع السياسيّ السوريّ على توجيه أقسى النقد والتقريع "المعرفيّ" لثلّة من المثقّفين والنشطاء السوريين الذين تداعوا لتشكيل بعض المنتديات غير المرخّصة (في منازلهم) وبعض الجمعيات الحقوقيّة والسياسيّة وإصدار بعض النداءات والبيانات مع ما كابدوه من قمع سافر، أودى بالكثير منهم إلى السجون جرّاء كلمة أو موقف أو مقال. (مقالته في الحياة بالاشتراك مع فيصل دراج إبّان نشاطات المثقفين السوريين في ربيع دمشق ودعواتهم لإعادة السياسة إلى المجتمع، والمقالة تتجنب أية إشارة للقمع السلطويّ كما تثقل كاهل المثقفين بقضايا كبيرة جلّها مفتعل).
غير أنّ في التنظير عن بعد مجازفة أخرى كذلك. ليست أخلاقية أو سياسيّة وحسب، بل معرفيّة وفكريّة هذه المرّة. إذ تختزل المسائل السياسيّة كلّها بصراعات فكريّة من قبيل "علمانيّين وغير علمانييّن". أو التثبّت عند فكرة واحدة "دولة ومن يسعى إلى هدم الدولة". وهذه الفكرة يعاني منها السيد العظمة عميقاً وتكاد تكون محور مساجلاته ومداخلاته في الشأن السياسيّ، والسوري تحديداً. فضلاً عن تحفّظ ثابت لديه على "الحرّيّة" شعاراً ومطلباً، وكذلك مقتاً خاصاً لـ"الشعبويّة" (التي يحبّ أنّ يطلقها على منقوديه). الناظم الأساسي وراء رؤيته يكمن في قراءة الواقع السياسيّ والاجتماعيّ السوريّ من زاوية: صراع العلمانية مع الحركات الإسلامية، والإسلاميين عموماً.
للأستاذ عزيز العظمة افتنان خاص بـ"الدولة" العربيّة (أيّا تكن كما يحبّ أن يضيف ويشرح دوماً) حيث هي الفاعل التاريخيّ الذي "اخترق" المجتمع وأعاد تشكيله على صورة وطنيّة تامّة الأركان، وهي مناط المواطنة والجامع الأساسي للمواطنين. لا يجد العظمة ما ينتقدها عليه أبداً. لا يهمّ هنا آليات انبثاق السلطة واستمرارها. لا تهمّ كيفيّة ممارسة السلطة أو القوانين الناظمة للدولة كي تستحقّ اسمها. لا يهمّ الالتزام بالدستور الذي وضعه الحاكم على هواه. والأهمّ هو مماهاته ـ وهو المفكّر الضليع والمدقّق والناقد ـ بين السلطة والدولة (وإن ميّز مؤخراً) حين يتّهم أيّ معارض سوريّ ـ لم يفرّق يوماً ما بين تياراتهم ـ بتفتيت الدولة حين يطالب هذا الناشط أو ذاك المثقف بدولة القانون والكفّ عن الاعتقال الكيفيّ مثلاً! ومادامت الدولة هذه تقمع الحركات الإسلاميّة فهي تستحقّ ثناءً إضافياً. كما في ثناءه على قمع المملكة الأردنية للإخوان المسلمين (في كتابه""دنيا الدين في حاضر العرب")، وابتهاجه الذي لم يخفيه بقمع حركة الإخوان المسلمين في سوريا (في حوار له مع المثقف السوري ياسين الحاج صالح في موقع الأوان).
إنها الثنائية التي تستحكم في تفكير السيد العظمة: كل ما هو ضد الحركات الإسلامية جيّد، وعلمانيّ، ودولتيّ (من الدولة). وفي ذلك تسطيح كبير للسياسة وحيثيات الصراع السياسيّ. ففي سورية مثلاً: كيف يمكن الاكتفاء بمقولة إنّ الدولة حققت إنجازاً تاريخياً، لوجه العلمانية والتقدّم والتاريخانيّة و"الدولة"، في صراع السلطة والإخوان المسلمين في الثمانينات حين ردّت السلطة على عنف جناح الطليعة المقاتلة الطائفيّة لحركة الإخوان المسلمين بعنف وحشيّ وانتقاميّ للمدن والبشر وقتلت عشرات الألوف من المواطنين شيبة وشباباً، أطفالاً وشيوخاً، وسجنت مئات الألوف وقصفت السجناء في سجن تدمر بوحشيّة قلّ نظيرها؟ قطعاً لا. ثمة في ملف صراع السلطة وحركة الإخوان المسلمين العديد من العوامل التي تقع تماماً خارج محور الصراع العلمانيّ ـ غير العلمانيّ، وخارج محور الصراع بين أنصار الدولة ـ وأنصار هدمها. وتقع تحديداً على محور غياب الدولة الجامعة المتعالية على الحساسيات الأهليّة والطائفيّة، التي يتغنّى بها السيد العظمة ويطالب الجميع بتبجيلها حتى وهي على هذه الصورة من العدائيّة واللاشرعيّة الدستوريّة، ومنخرطة في الصراع الأهليّ كطرف فيه لا متعالٍ عليه. ولم تزد السلطة الحاكمة سوى في شحن المشاعر الدينيّة والطائفيّة وزيادة الانقسام الوطنيّ. فضلاً عن ملف كارثيّ على الصعيد الحقوقيّ والإنسانيّ في حاضر ومستقبل سوريا. ودفعت سورية عقوداً من عمرها وحياة أبناءها بالمعنى البيولوجيّ والمعنويّ بعد انتصار السلطة الساحق على المجتمع بحجة الصراع مع الرجعيّة والعملاء، عقود من استعباد المواطنين ونزع حرياتهم وكرامتهم، واستتباعهم كخدم ورعايا أذلاّء، ترافقاً مع اضمحلال "الدولة" لصالح نواة سلطويّة بدأت تضيق باضطراد، وتتحوّل الدولة إلى ملك شخصيّ عضوض أكثر فأكثر.
الدولتيّة هذه تبدو في فكر العظمة ميتافيزيقاً معلّقاً: "الدولة التي ـ على علاّتها وترهّلها واستتباعها للسلطة ـ تبقى الجامع الأساسي للمواطنة والمواطنين بغض النظر عن الأصول والدم، وإنجازاً تاريخياً غير قابل للمفاوضة". نتساءل لماذا؟ هل بهذا التعميم والإطلاق يجري الكلام عن كيانات سياسية؟ أليست هناك شروط وتعيينات للدول والسلطات؟ هل دولة صدام حسين كانت مثل دولة السويد مثلاً؟ هل دولة القذافي وحافظ الأسد وابنه مثل ألمانيا وسويسرا؟ وهل أشباه الدول القائمة لدينا هي حقاً الجامع الأساسي للمواطنة والمواطنين..؟ يحتاج المرء لأن يفكر في دول أخرى حتى يقتنع بأحكام العظمة عن الدولة العربية، والسوريّة تحديداً.
هي دولة وحسب. ولهذا السبب فإن أيّ قيام في وجه هذه الدولة الموقّرة عبر كتابة مقال أو عقد حلقة نقاش أو احتجاج جماهيريّ، كما يجري اليوم، تعتبر دعوة لتخريب الدولة!! المثير للغرابة أنّ دعوات المثقّفين السوريين السلميّة جداً والواقعيّة تماماً قوبلت باستهجان وسخرية من قبل السيد العظمة ولنفس السبب والحجة: الحرص على الدولة؟ لا ندري أيّ اعتداء على الدولة السورية تأتّى من مطالبة السلطات بالرضوخ للقوانين والدستور السوري نفسه ـ على علاّته ـ والإفراج عن معتقلي الرأي والسماح بصحافة حرّة.
في بضع مواقع لا سيما في كتابه "دنيا الدين في حاضر العرب"، هناك، على سبيل المثال، كلامٌ عن عراق صدّام حسين، فتستوقفه عبارة عابرة لمعارض عراقيّ مغمور تفيد ضرورة كون الدولة صورة عن المجتمع. لكن كلّ الطغيان والإرهاب السلطويّ والحطام المجتمعيّ لم يعني للسيد العظمة أي شيء، حتّى من منظور الحرص على "الدولة" التي يبجّلها مفكّرنا ولو بنيت على أنقاض مجتمعها وأشلاء "المواطنين" الرعيّة؟ كيف يستقيم الأمر فكريّاً وسياسيّاً، كي لا نقول أخلاقياً، ونتّهم بالسذاجة والبساطة من قبل الأستاذ العظمة؟
عند العظمة فتوى شبه ثابتة بهذا الخصوص: أيّ نقد للدولة العربية الراهنة (وهي في الواقع "شبه دولة" بتعبير ياسين الحافظ، أو أقل من ذلك، كي لا نقول مع برهان غليون أنها "دولة ضد الأمة") التي ابتلعت من قبل السلطة الشموليّة وأفضت إلى نتائج كارثية على صعيد الدولة أولاً والمجتمع تالياً، يصنف في خانة "النيل من هيبة الدولة"، وفق لغته العالِمة المتعالِمة؟ (التهمة الأخيرة تطلقها محاكم النظام السوري اللاشرعية الخارجة عن الدستور السوري نفسه ـ على علاّته ـ تطلقها على المعارضين وأصحاب الرأي وتضيف إليها تهم أخرى من قبيل "وهن نفسية الأمة").
في الانتفاضة السورية الرّاهنة:
في مداخلتين له حول الانتفاضة السورية ("الحراك الجماهيري وتأزّم الحسّ السياسيّ" الجمعة 9 أيلول (سبتمبر) 2011، "الانتفاضات العربيّة في لحظتها السوريّة" الجمعة 22 نيسان (أبريل) 2011، موقع الأوان الالكتروني) يقدم الأستاذ عزيز العظمة رؤيته ـ المتوقّعة ـ إلى الحراك الجماهيريّ في سوريا. وهي رؤية موسومة بالكثير من التحفّظ والارتياب على حصيلة الحراك والانتفاضة. لكن الرؤية هذه تنتظم إلى حد بعيد في محور قراءته السياسيّة- الفكريّة للواقع السوريّ، والعربيّ استطراداً.
من غير المستغرب والحال هذه إزاء موقفه من نشاطات المثقفين السوريّين أن ينظّر السيد العظمة للانتفاضة السوريّة كما لو أنّها ثورة دينيّة في سوريا من جهة، وتستهدف "الدولة" في المحصلة من جهة ثانية. ويقف المرء باستغراب على عملية الإسقاط الذاتية الإيديولوجيّة التي يمارسها الدكتور العظمة حيال المنتفضين، والمعارضة عموماً.
"الشعبويّة" و"الشارع":
من غير تدقيق في السياق والواقع والحيثيات الملموسة للحركة الاحتجاجية في سورية يطلق العظمة العنان لأحكامه التي تصلح لأيّ زمان ومكان عن المعارضة السورية. "السياسة لا تُصنع من الشارع" يقول العظمة. والواقع أنّ السياسة الحقيقيّة تُصنع في الشارع اليوم لأنه جرى نزعها من المجتمع والدولة، بل هو المكان الطبيعي لصنع السياسة وهذه العملية ديمقراطية تماماً ومشروعة بعرف الحقّ والعدالة وليس بعرف الطغيان. يفوت منظّرنا أنّ المجال العام هو (ساحة وميدان وشارع وجامعة...) للتداول والمعارضة والنقد والاحتجاج حتّى في الدول الديمقراطيّة المؤسساتيّة، فما بالك بسلطات احتكرت الدولة والثروة والقوة والمجتمع وميادينه العامّة وحياة المواطنين الخاصة. بديل الشارع (=الاحتجاجات والمعارضة) لصنع السياسة هو "مجلس الشعب"، مجلس العبيد ومنبر التصفيق والهتاف والصّغار، أو الجبهة الوطنية التقدميّة (الجثّة السياسيّة الهامدة من لحظة نشوءها) أو الانتساب لحزب السلطة للانتفاع أو وقاية المخاطر الأمنيّة إلى حدٍّ ما. صناعة السياسة الرسميّة (احتكار الدولة والسياسة) تتم في دائرة ضيقة جداً لا يحقّ لأيّ مواطن أن يشارك فيها. وهذه الصناعة الاحتكارية هي بالضبط ما يعترض عليها المحتجّون السوريون اليوم. لا بد من فتح هذه الدائرة المغلقة.
لكن الملفت هو وسم جمهور الحركة الاحتجاجيّة السوريّة بالشعبويّة (فضلاً عن الفتوى الثابتة بالطبع: معاداة الدولة والنيل منها). والواقع أنّ الانتفاضة السوريّة أبعد ما تكون عن الشعبويّة ليس لأسباب "فكريّة" و"رقيّ" المنتفضين أو تأهيلهم الأكاديمي أو تنعّمهم بحياة الغرب الوادعة، بل لأنهم يناضلون ضدّ أوضاع بالغة التعيين والتجسي، لا من أجل مثالات إيديولوجيّة أو أوهام ذاتويّة أو ماضويّة ؛ فالمحتجّون ينتفضون على واقع ملموس ومشخّص: الاعتداء على ذواتهم وآدميتهم واستباحة كرامتهم بالإضافة إلى سرقة لقمة عيشهم. أيّة شعبويّة في جسارة المنتفضين وهم يواجهون موتاً مرجحاً في مطالبتهم بأهداف عيانيّة ومباشرة؟ هل من شعاراتهم الواضحة ضدّ التسلط والطغيان ورموزهما وأعلامهما توصّل السيّد العظمة إلى كونهم "شعبويين"؟ أم أن اصطفاف بعض "النخبة" الاقتصادية والثقافية العلمانوية والدينيّة الرجعيّة مع السلطات الغاشمة يجعل من المعارضين لها "شعبوييّن" بالضرورة؟
نشير هنا أيضاً للمناسبة إلى كمّ الاحتقار والإهانة الذي يقذفها إعلاميّو النظام ومنظّروه إلى المنتفضين (هم حثالة المجتمع السوري بحسب بسام أبو عبدالله، "أستاذ" علوم سياسية)، أو الدعوة الصريحة إلى محوهم عن الوجود فهم يستحقّون الحرق دون رحمة (طالب إبراهيم مدافع عن النظام في الإعلام، وشريف شحادة)، ويجب توجيه ضربة حاسمة وحيدة بحيث تقضي على "الفتنة" مرّة واحدة و"إلى الأبد" لأن إطالة الضربة يستجلب غضب المجتمع الدولي (بحسب "أستاذ" علوم سياسية آخر) . وفي الوسط "الفكريّ" لا تفوتنا الإشارة إلى الدفاع الركيك عن النظام الذي يقدمه فراس السواح (يستغرب المرء من فقره المدقع في التحليل والمقاربة دون أن يستغرب من موقعه السياسيّ طبعاً) عن الانتفاضة؛ إذ عابَ ـ مؤخراً ـ على المنتفضين فقرهم وسوء أوضاعهم المعيشيّة! واعتبر ذلك اختراقاً للثورة! يا للرصانة حقّاً.
"الإسلاميّون":
ليس العلمانويّون بحاجة إلى شعارات تُرفع في الاحتجاجات كـ" لن نركع إلا لله" أو"الله أكبر" و"الشهيد حبيب الله" والخروج من بعد صلاة الجمعة للتظاهرات كي ينعتوا الانتفاضة بالسلفية والدينيّة.
الواقع أن جمهوراً من المتدينين يشارك في فعاليات الانتفاضة كما غير المتدينين، وهذا حقّ للجميع إن لم نقل واجبهم. المتديّنون ليسوا كتلة واحدة. فيهم المتشدد وفيهم المتسامح والديمقراطي. فيهم السلفي ومنهم من يناهض السلفية والطائفية ويعمل لذلك. منهم دعاة لاعنف ونضال سلمي ودولة مدنيّة. ومنهم من يصلي ويصوم فقط، وليس مكترثاً لأكثر من ذلك. أمّا غير المتدينين ففيهم طيف واسع كذلك، لكن ليس بينهم علمانيّون من الصنف الذي يرى في النظام الحالي حجّة في العلمانيّة والحداثة يتعرض لهجوم متخلّفين وسلفيّين.
بيئة الانتفاضة كذلك متنوّعة. فدرعا مثلاً ـ التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات ـ لم تعرف يوماً ما بنزوعها السلفيّ و"الإرهابي"، على العكس كانت درعا بيئة معروفة للعروبة التقليدية وحزب البعث، وخرج منها العديد من الساسة والعسكر ورجال الأمن في ظل النظام الحالي. وفي سوريا، وبدرجة مختلفة عن مصر وتونس، لم تبدأ الانتفاضة من حركات وتيارات إسلاميّة، بل من الريف الذي شكّل قاعدة اجتماعية وإيديولوجية للنظام البعثيّ، "التقدميّ" يوماً ما.
في بقية المناطق المحتجّة يشارك في الاحتجاجات سوريون من مشارب متعدّدة وفيها حضور مدنيّ وعلمانيّ ودينيّ محافظ ، أي كما هي حقيقة المجتمع السوريّ وتكوينه. على جبهة السلطة يمكن العثور على شيء من "التعددية" هذه. لكنها هنا تفقد أيّ معنى ومضمون للتعددية بسبب ارتهانها لنواة السلطة الضيّقة جداً المقررّة لكلّ شيء والمحتكمة لأنانية مفرطة ومصالح متطرفة جداً. لا بدّ من نظرة أخرى للواقع السوري إذن غير التي ترى في الدولة المختزلة في النظام والسلطة معقل الوطنيّة ومناط المواطنة. مجتمعنا السوري لا يتكون من علمانيين وسلفيين أو أنصار الدولة وأنصار هدمها كما هي قراءة الدكتور العظمة.
بصرف النظر عن حجم الهتافات دينية المنبت فإنّها ليست طائفيّة ولا هي ضد المواطنة أو الدولة. شعار "لن نركع إلا لله" يكتسب دلالة ديمقراطية وإنسانية، وعلمانية كذلك، إن وضع في سياق الأحداث. معلوم أنّ السوريين أجبروا على الركوع والسجود، واقعاً لا مجازاً، لأصنام الرئيس وعائلته ورموز السلطة المنتشرة في طول البلاد وعرضها طوال عقود. وبرزت في الأحداث الأخيرة حالات من الاستعباد الذليل للمواطنين بالطلب منهم السجود على صورة الرئيس أو إجبارهم على قول "لا إله إلا بشار". لا يحتاج المرء لأن يكون متديناً وسلفيّاً لينبذ هذا السلوك الأرعن واللاأخلاقي. إلا إذا كان هناك من يعتقد بأن هذا السلوك يخدم تمتين بنية "الدولة" الموقّرة المعرّضة لهجمة السلفيّين الشعبوييّن! وكذلك حال شعار "الله أكبر" الذي يردده السوريون العزّل أمام آلة القتل والتدمير. لكن ماذا يتوجب على مشيّعي القتلى والشهداء والجرحى أو مشاريع الشهداء أن يرددوا في مظاهراتهم؟ "العلمانيّة هي الحل" مثلاً؟ أم تبجيل "الدولة"؟
لا بدّ أنّ عنف النظام الوحشيّ سوف يستجلب كل ما يخطر في البال من مقاومة رمزية ممكنة، ومنها الاتكاء على رموز دينيّة سيما التي تحظى بانتشار شعبي في كافة الأوساط الشعبية المتدينة وغير المتدينة.
الأكراد:
أنتهزُ الفرصة هنا للتدليل على خطأ معرفيّ كبير، واستعلاء عنصريّ مقيت، يقترفه السيد العظمة المرّة تلو المرّة كلّما حلّت المناسبة، كما هو في حديثه عن الانتفاضة السورية. فالدكتور العظمة يندهش ويستفظع وجود أناس يسمّون أنفسهم أكراداً. ودهشته تنبع من علم في التاريخ حسمه العظمة ولخّصه كالتالي: الأكراد اكتشفوا كرديّتهم بعد العام 1991؟ يا للاكتشاف حقاً (التاريخ ذاك يشير إلى وقت إصدار مجلس الأمن الدولي قرار فرض الحظر الجوي على نظام صدام حسين في منطقة كردستان، شمال العراق بعد فرار مليون إنسان إلى الجبال حيث الثلوج إثر انتفاضة شعبية كردية كبيرة ضد سلطة صدام حسين. وقد أعلن الدكتور عن هذه "النظرية" في مؤتمر العلمانية في المشرق العربي في دمشق قبل بضعة أعوام وسمعتها منه مباشرة، وهي مدوّنة في كتيب صدر بنفس العنوان عن منظمي المؤتمر). الحركة القومية الكردية التي نشأت قبل قرن ونيف تقريباً ـ نعم وليس عقد ونيف مثلاً ـ ونادت باستقلال كردستان وناضلت لأجلها وحققت مكاسب هنا وهناك وانتكاسات مريرة، لم تنقطع يوماً ما في ظل الإمبراطورية العثمانيّة وبعد انهيارها. القوميّة الكرديّة ليست شعارا زائفاً اخترعه أبناء اليوم وبتحريض من مؤامرة على العرب والعروبة أو على تركيا وإيران.
إنها حقيقة موجودة لا ينفع معها التعامي والاكتفاء بنظرات من علٍ. لا داعي لتصنّع المفاجأة بوجود مواطنين يزعمون أنهم أكراد ويعرّفون أنفسهم على أنهم غير عرب. لكنهم بنفس الوقت سوريّون ويطالبون بحقوق ديمقراطيّة وإنسانيّة، وكذلك اعترافاً بخصوصيتهم القومية في إطار وحدة البلاد، كما تنادي عموم فصائل الحركة السياسية الكردية في سوريا التي تأسّست رسمياً في صيغة حزب سياسي عام 1957 كامتداد للحركة القوميّة الكرديّة لتمثيل مطالب أكراد سوريا ضمن إطار سورية ديمقراطية. أمّا لماذا ظلّ أناس يقرّون بهوية متخلّفة جداً ومن مستحاثات التاريخ فهذا شأنهم وحقّهم في تقرير مصيرهم. يقول العظمة بعنصرية غير خافية: أن الأكراد يفضلون "إيثار النسب على الحسب اليوم"، والدلالة واضحة طبعاً. العروبة حسبٌ ومباهاة. الكردية نسبٌ معيب.
يُخشى أن يكون الدكتور العظمة قد استقى فكرته عن "حَسَب" الأكراد من بعض الأكراد المندمجين في المجتمع الشاميّ الذي هجروا لغتهم الأم ونالوا حَسَباً راقياً بمجرد تخليهم عن نسبهم المتخلّف. لم يلحظ ولم يقرأ ولم يسمع عن ملايين الأكراد، في تركيا وسوريا والعراق وإيران وغيرها في الشتات الكردي، الذين لا يتكلمون سوى الكردية ولا يعرفون غير الكردية هوية لهم هم وأجدادهم. كيف يقارب المفكر والمؤرخ ( والسياسيّ) هذه الواقعة؟ كي يريح نفسه من عناء التواضع وقراءة التاريخ المزعج له يستحسن أن يقول: هناك عرب أضلّوا حسبهم وبحثوا عن نسب آخر فسمّوا أنفسهم أكراداً! كم هو شبيه كلام الدكتور العظمة بمقولات الفاشية الأتاتوركية في تركيا! حيث تجلّى التجسيد السياسي العنيف والمدجج بجبروت أقوى جيش في المنطقة بغية محو هوية الشعب الكردي منذ ولادة الجمهورية التركية الحديثة. لكنها باءت بفشل ذريع. فلا تمكّنت الفاشيّة التركية من محو قومية ثانية وصهرها في القومية التركية، ولا هي تمكنت من اصطناع دولة ـ أمة متجانسة بلا "شوائب"، كما حلم منظرو تلك الفلسفة والسياسة العنصرية البغيضة على امتداد ما يقارب قرن من الزمان.
ولولا احترام المكانة الأكاديمية والعلمية للدكتور عزيز العظمة لأوردت هنا بعض المراجع والمصادر الرصينة عن تاريخ الأكراد الحديث أو القديم وتاريخ دعوتهم القومية (قبل العام 1991!). لأن تلك المقولة العامة والاستعلائيّة التي يستند إليها بثقة فائقة هزيلة ولا تليق به قطّ.
المواطنة والديمقراطيّة والمستقبل:
الانتفاضات الراهنة تسعى إلى تأميم الدولة وتعميمها. ومن ثمّ فتح المجال كي يعبّر المجتمع عما يعتمل في داخله بإيجابياته وسلبياته، وتراكمات السنوات المنصرمة والتوتّرات الاجتماعيّة.
نفترض مبدئيّاً أن لهذه العملية التحويليّة حصيلة ديمقراطية مرجّحة. بصرف النظر عما ستؤول إليه الأحوال فيما بعد، أو هي خطوة حاسمة على طريق الديمقراطية. لكن لن تحلّ أوضاع البلدان المنتقلة من الأنظمة التسلّطية بصورة أوتوماتيكية بعد سقوط الأنظمة (تونس ـ مصرـ ليبيا)، كذلك في اليمن وسورية بعد إسقاط أنظمتها المستولية. ويبقى الأمر متوقفاً على صراعات القوى السياسية التقليدية والجديدة، وبعض القضايا الخاصّة بكل بلد. لا نتوقع انتقالاً فوريّاً إلى الديمقراطية بعد الدمار الشامل الذي شهدته هذه البلدان، جرّاء الديكتاتورية والنهب والاستيلاء على الفضاء العام، وتغييب السياسة وتصحير المجتمعات.. هناك العديد من المعضلات الوطنية سوف تكون مطروحة على برنامج الانتفاضات المنتصرة، لتتحوّل إلى ثورات تطال مجمل البناء السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ للنظام والدولة. وستبرز خلافات وصراعات. لكن من العسف الاستنتاج من ذلك أن بقاء تلك النظم المستبدّة الفاسدة خير من إسقاطها، لأنّ ذلك يؤدي إلى انكشاف مجتمعاتنا وسيادة فترة من الاضطراب ربما؛ على العكس فإنّ النظام الديكتاتوريّ هو العائق الأكبر أمام تطور المجتمعات والدول. ثم أنّ المشكلات الكبيرة التي تعتمل في داخل هذه الدول موجودة دائماً، لكن بسبب القبضة الحديدية وتجميد الحياة السياسية يبدو وكأنها غير موجودة لمن يأخذ بهذه النظرة التشاؤميّة العدميّة، غير البعيدة عن الاستقطاب السياسيّ.
يبقى السؤال المركزيّ مستقبلاً هنا: كيف يمكن استيعاب التعددية الاجتماعيّة في سوريا الموجودة حقيقة لا افتعالاً في ظل رابطة مواطنة حقيقية، وفي ظل دولة متصالحة مع مجتمعها، لكن تعلو بنفس الوقت على البنى الأهليّة. هذا سؤال راهنيّ وتاريخيّ. نجزم أن النظام السوري ليس في صدد بناء هذه الدولة المنشودة كما يعتقد الدكتور العظمة بثقة دوماً. هذا سؤال لسورية المستقبل الديمقراطية الحرّة، ما بعد حكم العائلة والمخابرات والشبّيحة.
الحركة الاحتجاجية الراهنة ليست حركة ملائكة وأناس مطهّرين بالإطلاق ولا هي فوق النقد والاختلاف، سيما بعض الناطقين باسمها وراكبي الموجة ومقتنصي الفرص.
سورية المستقبل سوف تواجه كافة قضاياها الوطنيّة المتراكمة. النظام الحالي لا يساهم في ذلك أبداً، سياسياً، بل يزيد من أعباء سورية والسوريّين. أمّا أخلاقياً فلا يحبّذ أن نتكلم فيه لأن الدكتور العظمة لا يستسيغ الكلام الأخلاقويّ لأنه ـ ربما ـ يمنح المتدينّين حقّ الصراخ والشعور بألم الرصاص والتعذيب في السجون، وهذا محرّمٌ "علمانيّاً".
2 - 11 - 2011
)
المثقّف النخبويّ العربيّ والسوريّ في ضائقة شديدة أثناء الأيام العاصفة هذه. فالأنظمة العربيّة التقدميّة والعلمانيّة التي يصطفّ وراءها أو إلى جانبها مثقّفون عرب نخبويّون، آيلة إلى السقوط الواحد تلو الآخر. وتبيّن أنّ العلمانيّة التي من المفروض أن تكون حصن الأنظمة هذه ـ كما جرى التصويرـ لم تسعف الأنظمة العربية التسلطيّة ولم تشفع لها في لحظتها الحرجة. وهذه النظريّة أُسقطت على يد جموع المواطنين المنحدرين من بيئات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة متنوّعة، لا من "الإسلاميّين" وحسب.
لكن المثقف العلماني المفتون بقدرة هذه السلطات الغاشمة على إسكات الإسلامييّن لبرهة من الزمان في حرج شديد وبعضهم يعاني من قلق وحزن بليغين. هل الأمر خطأ في الرهانات وحسب أم أنّه اصطفاف سياسيّ وتموضعٌ قيميّ؟
ينبغي أن نسجّل للدكتور عزيز العظمة جرأته الفائقة في توجيه بعض النقد للنظام السوري هذه الأيام، كمفكّر سوريّ تجنّب هذا الموقع طويلاً، لاعتبارات يعيدها هو إلى بُعد شخصيّته عن السياسة والعمل السياسيّ، وانهماكه في قضايا الفكر والمعرفة. لكن ينبغي أن نضيف هنا أنّ الرجل لم يتجنّب الخوض في سجالات سياسية كما قد يُفهم. بل أنّ "القضية المركزيّة" في فكره وتوجّهه لا تغيب عنها نبرة السجال السياسيّ المباشر أو غير المباشر. أعني قضية العلمانيّة وتحليله لقضايا التراث وحضوره في الخطاب الثقافي والسياسيّ العربيّ، وما يتفرّع من ذلك إلى الممارسة السياسيّة العربيّة. لكن هذا الخوض في مسائل ذات طابع سياسيّ يعاني من ترفّع كبير لدى العظمة على الوقائع والحيثيّات الحافّة بالمسائل ذات الصلة، أو هكذا يوحي.
البعد عن السياسة الواقعيّة ـ لا نقول اليوميّة بالضرورة ـ ليست فضيلة علميّة أو أخلاقيّة وموضع اعتزاز على الدوام كما يتظاهر بعض المفكّرين العرب، ومنهم الدكتور العظمة وهو صاحب كتب هامة وجديرة بالقراءة رغم مرور أعوام على صدورها، وعلى رأسها كتابه القيّم "العلمانيّة من منظور مختلف". ذلك أنّ المعرفة الخالصة والنقيّة الخالية من "الشوائب" الواقعيّة غير موجودة. "السياسة في كلّ مكان" قال الراحل إدوار سعيد.
على أيّة حال ثمّة تطورٌ محمود نسبيّ في مسيرة الرجل الذي لم يكتف بالصمت على غياب الحريات الشخصيّة والعامّة وانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في بلده، بل اقتصرت قراءته النقديّة للواقع السياسيّ السوريّ على توجيه أقسى النقد والتقريع "المعرفيّ" لثلّة من المثقّفين والنشطاء السوريين الذين تداعوا لتشكيل بعض المنتديات غير المرخّصة (في منازلهم) وبعض الجمعيات الحقوقيّة والسياسيّة وإصدار بعض النداءات والبيانات مع ما كابدوه من قمع سافر، أودى بالكثير منهم إلى السجون جرّاء كلمة أو موقف أو مقال. (مقالته في الحياة بالاشتراك مع فيصل دراج إبّان نشاطات المثقفين السوريين في ربيع دمشق ودعواتهم لإعادة السياسة إلى المجتمع، والمقالة تتجنب أية إشارة للقمع السلطويّ كما تثقل كاهل المثقفين بقضايا كبيرة جلّها مفتعل).
غير أنّ في التنظير عن بعد مجازفة أخرى كذلك. ليست أخلاقية أو سياسيّة وحسب، بل معرفيّة وفكريّة هذه المرّة. إذ تختزل المسائل السياسيّة كلّها بصراعات فكريّة من قبيل "علمانيّين وغير علمانييّن". أو التثبّت عند فكرة واحدة "دولة ومن يسعى إلى هدم الدولة". وهذه الفكرة يعاني منها السيد العظمة عميقاً وتكاد تكون محور مساجلاته ومداخلاته في الشأن السياسيّ، والسوري تحديداً. فضلاً عن تحفّظ ثابت لديه على "الحرّيّة" شعاراً ومطلباً، وكذلك مقتاً خاصاً لـ"الشعبويّة" (التي يحبّ أنّ يطلقها على منقوديه). الناظم الأساسي وراء رؤيته يكمن في قراءة الواقع السياسيّ والاجتماعيّ السوريّ من زاوية: صراع العلمانية مع الحركات الإسلامية، والإسلاميين عموماً.
للأستاذ عزيز العظمة افتنان خاص بـ"الدولة" العربيّة (أيّا تكن كما يحبّ أن يضيف ويشرح دوماً) حيث هي الفاعل التاريخيّ الذي "اخترق" المجتمع وأعاد تشكيله على صورة وطنيّة تامّة الأركان، وهي مناط المواطنة والجامع الأساسي للمواطنين. لا يجد العظمة ما ينتقدها عليه أبداً. لا يهمّ هنا آليات انبثاق السلطة واستمرارها. لا تهمّ كيفيّة ممارسة السلطة أو القوانين الناظمة للدولة كي تستحقّ اسمها. لا يهمّ الالتزام بالدستور الذي وضعه الحاكم على هواه. والأهمّ هو مماهاته ـ وهو المفكّر الضليع والمدقّق والناقد ـ بين السلطة والدولة (وإن ميّز مؤخراً) حين يتّهم أيّ معارض سوريّ ـ لم يفرّق يوماً ما بين تياراتهم ـ بتفتيت الدولة حين يطالب هذا الناشط أو ذاك المثقف بدولة القانون والكفّ عن الاعتقال الكيفيّ مثلاً! ومادامت الدولة هذه تقمع الحركات الإسلاميّة فهي تستحقّ ثناءً إضافياً. كما في ثناءه على قمع المملكة الأردنية للإخوان المسلمين (في كتابه""دنيا الدين في حاضر العرب")، وابتهاجه الذي لم يخفيه بقمع حركة الإخوان المسلمين في سوريا (في حوار له مع المثقف السوري ياسين الحاج صالح في موقع الأوان).
إنها الثنائية التي تستحكم في تفكير السيد العظمة: كل ما هو ضد الحركات الإسلامية جيّد، وعلمانيّ، ودولتيّ (من الدولة). وفي ذلك تسطيح كبير للسياسة وحيثيات الصراع السياسيّ. ففي سورية مثلاً: كيف يمكن الاكتفاء بمقولة إنّ الدولة حققت إنجازاً تاريخياً، لوجه العلمانية والتقدّم والتاريخانيّة و"الدولة"، في صراع السلطة والإخوان المسلمين في الثمانينات حين ردّت السلطة على عنف جناح الطليعة المقاتلة الطائفيّة لحركة الإخوان المسلمين بعنف وحشيّ وانتقاميّ للمدن والبشر وقتلت عشرات الألوف من المواطنين شيبة وشباباً، أطفالاً وشيوخاً، وسجنت مئات الألوف وقصفت السجناء في سجن تدمر بوحشيّة قلّ نظيرها؟ قطعاً لا. ثمة في ملف صراع السلطة وحركة الإخوان المسلمين العديد من العوامل التي تقع تماماً خارج محور الصراع العلمانيّ ـ غير العلمانيّ، وخارج محور الصراع بين أنصار الدولة ـ وأنصار هدمها. وتقع تحديداً على محور غياب الدولة الجامعة المتعالية على الحساسيات الأهليّة والطائفيّة، التي يتغنّى بها السيد العظمة ويطالب الجميع بتبجيلها حتى وهي على هذه الصورة من العدائيّة واللاشرعيّة الدستوريّة، ومنخرطة في الصراع الأهليّ كطرف فيه لا متعالٍ عليه. ولم تزد السلطة الحاكمة سوى في شحن المشاعر الدينيّة والطائفيّة وزيادة الانقسام الوطنيّ. فضلاً عن ملف كارثيّ على الصعيد الحقوقيّ والإنسانيّ في حاضر ومستقبل سوريا. ودفعت سورية عقوداً من عمرها وحياة أبناءها بالمعنى البيولوجيّ والمعنويّ بعد انتصار السلطة الساحق على المجتمع بحجة الصراع مع الرجعيّة والعملاء، عقود من استعباد المواطنين ونزع حرياتهم وكرامتهم، واستتباعهم كخدم ورعايا أذلاّء، ترافقاً مع اضمحلال "الدولة" لصالح نواة سلطويّة بدأت تضيق باضطراد، وتتحوّل الدولة إلى ملك شخصيّ عضوض أكثر فأكثر.
الدولتيّة هذه تبدو في فكر العظمة ميتافيزيقاً معلّقاً: "الدولة التي ـ على علاّتها وترهّلها واستتباعها للسلطة ـ تبقى الجامع الأساسي للمواطنة والمواطنين بغض النظر عن الأصول والدم، وإنجازاً تاريخياً غير قابل للمفاوضة". نتساءل لماذا؟ هل بهذا التعميم والإطلاق يجري الكلام عن كيانات سياسية؟ أليست هناك شروط وتعيينات للدول والسلطات؟ هل دولة صدام حسين كانت مثل دولة السويد مثلاً؟ هل دولة القذافي وحافظ الأسد وابنه مثل ألمانيا وسويسرا؟ وهل أشباه الدول القائمة لدينا هي حقاً الجامع الأساسي للمواطنة والمواطنين..؟ يحتاج المرء لأن يفكر في دول أخرى حتى يقتنع بأحكام العظمة عن الدولة العربية، والسوريّة تحديداً.
هي دولة وحسب. ولهذا السبب فإن أيّ قيام في وجه هذه الدولة الموقّرة عبر كتابة مقال أو عقد حلقة نقاش أو احتجاج جماهيريّ، كما يجري اليوم، تعتبر دعوة لتخريب الدولة!! المثير للغرابة أنّ دعوات المثقّفين السوريين السلميّة جداً والواقعيّة تماماً قوبلت باستهجان وسخرية من قبل السيد العظمة ولنفس السبب والحجة: الحرص على الدولة؟ لا ندري أيّ اعتداء على الدولة السورية تأتّى من مطالبة السلطات بالرضوخ للقوانين والدستور السوري نفسه ـ على علاّته ـ والإفراج عن معتقلي الرأي والسماح بصحافة حرّة.
في بضع مواقع لا سيما في كتابه "دنيا الدين في حاضر العرب"، هناك، على سبيل المثال، كلامٌ عن عراق صدّام حسين، فتستوقفه عبارة عابرة لمعارض عراقيّ مغمور تفيد ضرورة كون الدولة صورة عن المجتمع. لكن كلّ الطغيان والإرهاب السلطويّ والحطام المجتمعيّ لم يعني للسيد العظمة أي شيء، حتّى من منظور الحرص على "الدولة" التي يبجّلها مفكّرنا ولو بنيت على أنقاض مجتمعها وأشلاء "المواطنين" الرعيّة؟ كيف يستقيم الأمر فكريّاً وسياسيّاً، كي لا نقول أخلاقياً، ونتّهم بالسذاجة والبساطة من قبل الأستاذ العظمة؟
عند العظمة فتوى شبه ثابتة بهذا الخصوص: أيّ نقد للدولة العربية الراهنة (وهي في الواقع "شبه دولة" بتعبير ياسين الحافظ، أو أقل من ذلك، كي لا نقول مع برهان غليون أنها "دولة ضد الأمة") التي ابتلعت من قبل السلطة الشموليّة وأفضت إلى نتائج كارثية على صعيد الدولة أولاً والمجتمع تالياً، يصنف في خانة "النيل من هيبة الدولة"، وفق لغته العالِمة المتعالِمة؟ (التهمة الأخيرة تطلقها محاكم النظام السوري اللاشرعية الخارجة عن الدستور السوري نفسه ـ على علاّته ـ تطلقها على المعارضين وأصحاب الرأي وتضيف إليها تهم أخرى من قبيل "وهن نفسية الأمة").
في الانتفاضة السورية الرّاهنة:
في مداخلتين له حول الانتفاضة السورية ("الحراك الجماهيري وتأزّم الحسّ السياسيّ" الجمعة 9 أيلول (سبتمبر) 2011، "الانتفاضات العربيّة في لحظتها السوريّة" الجمعة 22 نيسان (أبريل) 2011، موقع الأوان الالكتروني) يقدم الأستاذ عزيز العظمة رؤيته ـ المتوقّعة ـ إلى الحراك الجماهيريّ في سوريا. وهي رؤية موسومة بالكثير من التحفّظ والارتياب على حصيلة الحراك والانتفاضة. لكن الرؤية هذه تنتظم إلى حد بعيد في محور قراءته السياسيّة- الفكريّة للواقع السوريّ، والعربيّ استطراداً.
من غير المستغرب والحال هذه إزاء موقفه من نشاطات المثقفين السوريّين أن ينظّر السيد العظمة للانتفاضة السوريّة كما لو أنّها ثورة دينيّة في سوريا من جهة، وتستهدف "الدولة" في المحصلة من جهة ثانية. ويقف المرء باستغراب على عملية الإسقاط الذاتية الإيديولوجيّة التي يمارسها الدكتور العظمة حيال المنتفضين، والمعارضة عموماً.
"الشعبويّة" و"الشارع":
من غير تدقيق في السياق والواقع والحيثيات الملموسة للحركة الاحتجاجية في سورية يطلق العظمة العنان لأحكامه التي تصلح لأيّ زمان ومكان عن المعارضة السورية. "السياسة لا تُصنع من الشارع" يقول العظمة. والواقع أنّ السياسة الحقيقيّة تُصنع في الشارع اليوم لأنه جرى نزعها من المجتمع والدولة، بل هو المكان الطبيعي لصنع السياسة وهذه العملية ديمقراطية تماماً ومشروعة بعرف الحقّ والعدالة وليس بعرف الطغيان. يفوت منظّرنا أنّ المجال العام هو (ساحة وميدان وشارع وجامعة...) للتداول والمعارضة والنقد والاحتجاج حتّى في الدول الديمقراطيّة المؤسساتيّة، فما بالك بسلطات احتكرت الدولة والثروة والقوة والمجتمع وميادينه العامّة وحياة المواطنين الخاصة. بديل الشارع (=الاحتجاجات والمعارضة) لصنع السياسة هو "مجلس الشعب"، مجلس العبيد ومنبر التصفيق والهتاف والصّغار، أو الجبهة الوطنية التقدميّة (الجثّة السياسيّة الهامدة من لحظة نشوءها) أو الانتساب لحزب السلطة للانتفاع أو وقاية المخاطر الأمنيّة إلى حدٍّ ما. صناعة السياسة الرسميّة (احتكار الدولة والسياسة) تتم في دائرة ضيقة جداً لا يحقّ لأيّ مواطن أن يشارك فيها. وهذه الصناعة الاحتكارية هي بالضبط ما يعترض عليها المحتجّون السوريون اليوم. لا بد من فتح هذه الدائرة المغلقة.
لكن الملفت هو وسم جمهور الحركة الاحتجاجيّة السوريّة بالشعبويّة (فضلاً عن الفتوى الثابتة بالطبع: معاداة الدولة والنيل منها). والواقع أنّ الانتفاضة السوريّة أبعد ما تكون عن الشعبويّة ليس لأسباب "فكريّة" و"رقيّ" المنتفضين أو تأهيلهم الأكاديمي أو تنعّمهم بحياة الغرب الوادعة، بل لأنهم يناضلون ضدّ أوضاع بالغة التعيين والتجسي، لا من أجل مثالات إيديولوجيّة أو أوهام ذاتويّة أو ماضويّة ؛ فالمحتجّون ينتفضون على واقع ملموس ومشخّص: الاعتداء على ذواتهم وآدميتهم واستباحة كرامتهم بالإضافة إلى سرقة لقمة عيشهم. أيّة شعبويّة في جسارة المنتفضين وهم يواجهون موتاً مرجحاً في مطالبتهم بأهداف عيانيّة ومباشرة؟ هل من شعاراتهم الواضحة ضدّ التسلط والطغيان ورموزهما وأعلامهما توصّل السيّد العظمة إلى كونهم "شعبويين"؟ أم أن اصطفاف بعض "النخبة" الاقتصادية والثقافية العلمانوية والدينيّة الرجعيّة مع السلطات الغاشمة يجعل من المعارضين لها "شعبوييّن" بالضرورة؟
نشير هنا أيضاً للمناسبة إلى كمّ الاحتقار والإهانة الذي يقذفها إعلاميّو النظام ومنظّروه إلى المنتفضين (هم حثالة المجتمع السوري بحسب بسام أبو عبدالله، "أستاذ" علوم سياسية)، أو الدعوة الصريحة إلى محوهم عن الوجود فهم يستحقّون الحرق دون رحمة (طالب إبراهيم مدافع عن النظام في الإعلام، وشريف شحادة)، ويجب توجيه ضربة حاسمة وحيدة بحيث تقضي على "الفتنة" مرّة واحدة و"إلى الأبد" لأن إطالة الضربة يستجلب غضب المجتمع الدولي (بحسب "أستاذ" علوم سياسية آخر) . وفي الوسط "الفكريّ" لا تفوتنا الإشارة إلى الدفاع الركيك عن النظام الذي يقدمه فراس السواح (يستغرب المرء من فقره المدقع في التحليل والمقاربة دون أن يستغرب من موقعه السياسيّ طبعاً) عن الانتفاضة؛ إذ عابَ ـ مؤخراً ـ على المنتفضين فقرهم وسوء أوضاعهم المعيشيّة! واعتبر ذلك اختراقاً للثورة! يا للرصانة حقّاً.
"الإسلاميّون":
ليس العلمانويّون بحاجة إلى شعارات تُرفع في الاحتجاجات كـ" لن نركع إلا لله" أو"الله أكبر" و"الشهيد حبيب الله" والخروج من بعد صلاة الجمعة للتظاهرات كي ينعتوا الانتفاضة بالسلفية والدينيّة.
الواقع أن جمهوراً من المتدينين يشارك في فعاليات الانتفاضة كما غير المتدينين، وهذا حقّ للجميع إن لم نقل واجبهم. المتديّنون ليسوا كتلة واحدة. فيهم المتشدد وفيهم المتسامح والديمقراطي. فيهم السلفي ومنهم من يناهض السلفية والطائفية ويعمل لذلك. منهم دعاة لاعنف ونضال سلمي ودولة مدنيّة. ومنهم من يصلي ويصوم فقط، وليس مكترثاً لأكثر من ذلك. أمّا غير المتدينين ففيهم طيف واسع كذلك، لكن ليس بينهم علمانيّون من الصنف الذي يرى في النظام الحالي حجّة في العلمانيّة والحداثة يتعرض لهجوم متخلّفين وسلفيّين.
بيئة الانتفاضة كذلك متنوّعة. فدرعا مثلاً ـ التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات ـ لم تعرف يوماً ما بنزوعها السلفيّ و"الإرهابي"، على العكس كانت درعا بيئة معروفة للعروبة التقليدية وحزب البعث، وخرج منها العديد من الساسة والعسكر ورجال الأمن في ظل النظام الحالي. وفي سوريا، وبدرجة مختلفة عن مصر وتونس، لم تبدأ الانتفاضة من حركات وتيارات إسلاميّة، بل من الريف الذي شكّل قاعدة اجتماعية وإيديولوجية للنظام البعثيّ، "التقدميّ" يوماً ما.
في بقية المناطق المحتجّة يشارك في الاحتجاجات سوريون من مشارب متعدّدة وفيها حضور مدنيّ وعلمانيّ ودينيّ محافظ ، أي كما هي حقيقة المجتمع السوريّ وتكوينه. على جبهة السلطة يمكن العثور على شيء من "التعددية" هذه. لكنها هنا تفقد أيّ معنى ومضمون للتعددية بسبب ارتهانها لنواة السلطة الضيّقة جداً المقررّة لكلّ شيء والمحتكمة لأنانية مفرطة ومصالح متطرفة جداً. لا بدّ من نظرة أخرى للواقع السوري إذن غير التي ترى في الدولة المختزلة في النظام والسلطة معقل الوطنيّة ومناط المواطنة. مجتمعنا السوري لا يتكون من علمانيين وسلفيين أو أنصار الدولة وأنصار هدمها كما هي قراءة الدكتور العظمة.
بصرف النظر عن حجم الهتافات دينية المنبت فإنّها ليست طائفيّة ولا هي ضد المواطنة أو الدولة. شعار "لن نركع إلا لله" يكتسب دلالة ديمقراطية وإنسانية، وعلمانية كذلك، إن وضع في سياق الأحداث. معلوم أنّ السوريين أجبروا على الركوع والسجود، واقعاً لا مجازاً، لأصنام الرئيس وعائلته ورموز السلطة المنتشرة في طول البلاد وعرضها طوال عقود. وبرزت في الأحداث الأخيرة حالات من الاستعباد الذليل للمواطنين بالطلب منهم السجود على صورة الرئيس أو إجبارهم على قول "لا إله إلا بشار". لا يحتاج المرء لأن يكون متديناً وسلفيّاً لينبذ هذا السلوك الأرعن واللاأخلاقي. إلا إذا كان هناك من يعتقد بأن هذا السلوك يخدم تمتين بنية "الدولة" الموقّرة المعرّضة لهجمة السلفيّين الشعبوييّن! وكذلك حال شعار "الله أكبر" الذي يردده السوريون العزّل أمام آلة القتل والتدمير. لكن ماذا يتوجب على مشيّعي القتلى والشهداء والجرحى أو مشاريع الشهداء أن يرددوا في مظاهراتهم؟ "العلمانيّة هي الحل" مثلاً؟ أم تبجيل "الدولة"؟
لا بدّ أنّ عنف النظام الوحشيّ سوف يستجلب كل ما يخطر في البال من مقاومة رمزية ممكنة، ومنها الاتكاء على رموز دينيّة سيما التي تحظى بانتشار شعبي في كافة الأوساط الشعبية المتدينة وغير المتدينة.
الأكراد:
أنتهزُ الفرصة هنا للتدليل على خطأ معرفيّ كبير، واستعلاء عنصريّ مقيت، يقترفه السيد العظمة المرّة تلو المرّة كلّما حلّت المناسبة، كما هو في حديثه عن الانتفاضة السورية. فالدكتور العظمة يندهش ويستفظع وجود أناس يسمّون أنفسهم أكراداً. ودهشته تنبع من علم في التاريخ حسمه العظمة ولخّصه كالتالي: الأكراد اكتشفوا كرديّتهم بعد العام 1991؟ يا للاكتشاف حقاً (التاريخ ذاك يشير إلى وقت إصدار مجلس الأمن الدولي قرار فرض الحظر الجوي على نظام صدام حسين في منطقة كردستان، شمال العراق بعد فرار مليون إنسان إلى الجبال حيث الثلوج إثر انتفاضة شعبية كردية كبيرة ضد سلطة صدام حسين. وقد أعلن الدكتور عن هذه "النظرية" في مؤتمر العلمانية في المشرق العربي في دمشق قبل بضعة أعوام وسمعتها منه مباشرة، وهي مدوّنة في كتيب صدر بنفس العنوان عن منظمي المؤتمر). الحركة القومية الكردية التي نشأت قبل قرن ونيف تقريباً ـ نعم وليس عقد ونيف مثلاً ـ ونادت باستقلال كردستان وناضلت لأجلها وحققت مكاسب هنا وهناك وانتكاسات مريرة، لم تنقطع يوماً ما في ظل الإمبراطورية العثمانيّة وبعد انهيارها. القوميّة الكرديّة ليست شعارا زائفاً اخترعه أبناء اليوم وبتحريض من مؤامرة على العرب والعروبة أو على تركيا وإيران.
إنها حقيقة موجودة لا ينفع معها التعامي والاكتفاء بنظرات من علٍ. لا داعي لتصنّع المفاجأة بوجود مواطنين يزعمون أنهم أكراد ويعرّفون أنفسهم على أنهم غير عرب. لكنهم بنفس الوقت سوريّون ويطالبون بحقوق ديمقراطيّة وإنسانيّة، وكذلك اعترافاً بخصوصيتهم القومية في إطار وحدة البلاد، كما تنادي عموم فصائل الحركة السياسية الكردية في سوريا التي تأسّست رسمياً في صيغة حزب سياسي عام 1957 كامتداد للحركة القوميّة الكرديّة لتمثيل مطالب أكراد سوريا ضمن إطار سورية ديمقراطية. أمّا لماذا ظلّ أناس يقرّون بهوية متخلّفة جداً ومن مستحاثات التاريخ فهذا شأنهم وحقّهم في تقرير مصيرهم. يقول العظمة بعنصرية غير خافية: أن الأكراد يفضلون "إيثار النسب على الحسب اليوم"، والدلالة واضحة طبعاً. العروبة حسبٌ ومباهاة. الكردية نسبٌ معيب.
يُخشى أن يكون الدكتور العظمة قد استقى فكرته عن "حَسَب" الأكراد من بعض الأكراد المندمجين في المجتمع الشاميّ الذي هجروا لغتهم الأم ونالوا حَسَباً راقياً بمجرد تخليهم عن نسبهم المتخلّف. لم يلحظ ولم يقرأ ولم يسمع عن ملايين الأكراد، في تركيا وسوريا والعراق وإيران وغيرها في الشتات الكردي، الذين لا يتكلمون سوى الكردية ولا يعرفون غير الكردية هوية لهم هم وأجدادهم. كيف يقارب المفكر والمؤرخ ( والسياسيّ) هذه الواقعة؟ كي يريح نفسه من عناء التواضع وقراءة التاريخ المزعج له يستحسن أن يقول: هناك عرب أضلّوا حسبهم وبحثوا عن نسب آخر فسمّوا أنفسهم أكراداً! كم هو شبيه كلام الدكتور العظمة بمقولات الفاشية الأتاتوركية في تركيا! حيث تجلّى التجسيد السياسي العنيف والمدجج بجبروت أقوى جيش في المنطقة بغية محو هوية الشعب الكردي منذ ولادة الجمهورية التركية الحديثة. لكنها باءت بفشل ذريع. فلا تمكّنت الفاشيّة التركية من محو قومية ثانية وصهرها في القومية التركية، ولا هي تمكنت من اصطناع دولة ـ أمة متجانسة بلا "شوائب"، كما حلم منظرو تلك الفلسفة والسياسة العنصرية البغيضة على امتداد ما يقارب قرن من الزمان.
ولولا احترام المكانة الأكاديمية والعلمية للدكتور عزيز العظمة لأوردت هنا بعض المراجع والمصادر الرصينة عن تاريخ الأكراد الحديث أو القديم وتاريخ دعوتهم القومية (قبل العام 1991!). لأن تلك المقولة العامة والاستعلائيّة التي يستند إليها بثقة فائقة هزيلة ولا تليق به قطّ.
المواطنة والديمقراطيّة والمستقبل:
الانتفاضات الراهنة تسعى إلى تأميم الدولة وتعميمها. ومن ثمّ فتح المجال كي يعبّر المجتمع عما يعتمل في داخله بإيجابياته وسلبياته، وتراكمات السنوات المنصرمة والتوتّرات الاجتماعيّة.
نفترض مبدئيّاً أن لهذه العملية التحويليّة حصيلة ديمقراطية مرجّحة. بصرف النظر عما ستؤول إليه الأحوال فيما بعد، أو هي خطوة حاسمة على طريق الديمقراطية. لكن لن تحلّ أوضاع البلدان المنتقلة من الأنظمة التسلّطية بصورة أوتوماتيكية بعد سقوط الأنظمة (تونس ـ مصرـ ليبيا)، كذلك في اليمن وسورية بعد إسقاط أنظمتها المستولية. ويبقى الأمر متوقفاً على صراعات القوى السياسية التقليدية والجديدة، وبعض القضايا الخاصّة بكل بلد. لا نتوقع انتقالاً فوريّاً إلى الديمقراطية بعد الدمار الشامل الذي شهدته هذه البلدان، جرّاء الديكتاتورية والنهب والاستيلاء على الفضاء العام، وتغييب السياسة وتصحير المجتمعات.. هناك العديد من المعضلات الوطنية سوف تكون مطروحة على برنامج الانتفاضات المنتصرة، لتتحوّل إلى ثورات تطال مجمل البناء السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ للنظام والدولة. وستبرز خلافات وصراعات. لكن من العسف الاستنتاج من ذلك أن بقاء تلك النظم المستبدّة الفاسدة خير من إسقاطها، لأنّ ذلك يؤدي إلى انكشاف مجتمعاتنا وسيادة فترة من الاضطراب ربما؛ على العكس فإنّ النظام الديكتاتوريّ هو العائق الأكبر أمام تطور المجتمعات والدول. ثم أنّ المشكلات الكبيرة التي تعتمل في داخل هذه الدول موجودة دائماً، لكن بسبب القبضة الحديدية وتجميد الحياة السياسية يبدو وكأنها غير موجودة لمن يأخذ بهذه النظرة التشاؤميّة العدميّة، غير البعيدة عن الاستقطاب السياسيّ.
يبقى السؤال المركزيّ مستقبلاً هنا: كيف يمكن استيعاب التعددية الاجتماعيّة في سوريا الموجودة حقيقة لا افتعالاً في ظل رابطة مواطنة حقيقية، وفي ظل دولة متصالحة مع مجتمعها، لكن تعلو بنفس الوقت على البنى الأهليّة. هذا سؤال راهنيّ وتاريخيّ. نجزم أن النظام السوري ليس في صدد بناء هذه الدولة المنشودة كما يعتقد الدكتور العظمة بثقة دوماً. هذا سؤال لسورية المستقبل الديمقراطية الحرّة، ما بعد حكم العائلة والمخابرات والشبّيحة.
الحركة الاحتجاجية الراهنة ليست حركة ملائكة وأناس مطهّرين بالإطلاق ولا هي فوق النقد والاختلاف، سيما بعض الناطقين باسمها وراكبي الموجة ومقتنصي الفرص.
سورية المستقبل سوف تواجه كافة قضاياها الوطنيّة المتراكمة. النظام الحالي لا يساهم في ذلك أبداً، سياسياً، بل يزيد من أعباء سورية والسوريّين. أمّا أخلاقياً فلا يحبّذ أن نتكلم فيه لأن الدكتور العظمة لا يستسيغ الكلام الأخلاقويّ لأنه ـ ربما ـ يمنح المتدينّين حقّ الصراخ والشعور بألم الرصاص والتعذيب في السجون، وهذا محرّمٌ "علمانيّاً".
السبت، 3 سبتمبر 2011
أيها السوريون.. ماذا أنتم فاعلون؟
ميشيل كيلو
باختصار شديد، تجاوز التناقض بين الخارج الدولي والنظام السوري نقطة اللاعودة، ولم يعد هناك من غطاء عربي أو إقليمي أو دولي لسياسات النظام الراهنة، بعد قرار الجامعة العربية حول الوضع السوري، ومطالبات إيران وحزب الله بإصلاحات جدية وعميقة في سوريا تتجاوز ما أعلنه النظام من إصلاحات، أملاها موقف يرى البلاد بدلالة السلطة بدلا من أن يرى السلطة بدلالة المجتمع والدولة، وإلا فإنه لن يخرج من الأزمة اليومية التي تعصف بنا منذ قرابة ستة أشهر، دون أن تبدو لها نهاية، بل تزداد تعقيدا وتفجرا بعد كل تدبير «إصلاحي» سلطوي. لم يعد هناك دولة غير روسيا والصين لم تغلق أبوابها الخلفية، التي قد تعيد ذات يوم علاقاتها إلى ما كانت عليه قبل شهر آذار من العام الحالي مع النظام في دمشق. وليس هناك حتى داخل روسيـا والصين تأييد جدي لسياسات النظام الراهنة، التي ترى في الحدث السوري مؤامرة يجب مواجهتها بالقوة من أجل الحفاظ على النظام الذي تستهدفه وليس من أجل تغييره، وإلا تحققت أهداف المؤامرة بيد أهل السلطة، إن هم أجروا تغييرا جديا وعميقا كالذي طالبهم بإنجازه وزير الخارجية الإيراني السيد علي صالحي والسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله.
في أجواء كهذه، لا سؤال للسوريين غير التالي: كيف يفكر أهل النظام، وهل يعون حقيقة ما يجري؟ ألا يرون أن سياساتهم لا يجوز أن تقتصر على الحل الأمني، أو على استعادة الأمن أو فرضه ـ سمها ما شئت ـ وأن هذا الحل فشل، بدلالة المرات الكثيرة التي تم فيها اقتحام درعا على سبيل المثال لا الحصر، دون إخماد حراكها الشعبي فيها، وتكرار اقتحام منطقة بعيدة نسبيا كالرستن بالدبابات خلال عشرين يوما لم يتحقق خلاله أمن، ربما يكون أثار قدرا هائلا من الفوضى في حياة السكان هناك، وتسبب بقدر كبير من الغضب والرغبة في الثأر لديهم، وأدى في كل مكان تقريبا إلى عكس ما أريد به، والدليل: تلك المظاهرات التي لا تلبث أن تتجدد وتتسع في كل مكان يتراجع فيه الحضور الأمني الكثيف أو يمر وقت طويل على وجود الجيش فيه.
بإغلاق معظم دول العالم أبوابها الخلـفية التي كانت تصلها بالنظام وراءها، وبالإجماع العربي والإقليمي والدولي الشامل على رفض الحل الأمني كخيار بوسعه حل الأزمة الداخلية، وبتصـاعد الصراع الداخلي، بلغنا نقطة جعلت التناقض الخارجي مع النظام يبلغ حدا من الضخامة يحتم حدوث أي حل داخلي في إطاره، ويجعل من المحال بلوغ أي حل داخلي خارج أو ضد إرادات وسياسات ومصالح خارجية: أميركية / أوروبية. وضع الحل الأمني أقدار سوريا بين يديها، الأمر الذي حذرنا منه مرارا وتكرارا خلال الأشهر الستة الماضية، وقلنا إن حدوثه سيكون حتميا، ليس فقط لأن المنطقة بأسرها تمر في لحظة تحول تاريخية استثنائية المقومات والهوية والنتائج، بل كذلك لأن سوريا ليست خارج العالم، ولأن نظامها ليس فوق التاريخ أو قادرا على فرض إرادته عليه، كما توهم كثيرون من أهله وما زالوا يتوهمون، مع أنه كان قد دخل في تحالفات إقليمية تتجاوز قدراته، سيجد صعوبة كبيرة في السيطرة عليها خلال الشدائد والأزمات، بإمكاناته الذاتية، علما بأن الحليف الإيراني يفتقر بدوره إلى القوة التي تمكنه من حمايته، وسياسة التحالف مع المتشددين في طهران والمعتدلين في اسطنبول تتطلب طاقات يفتقر إليها تمكنه من احتواء هؤلاء وأولئك، وإقامة توازن دائم بينهم يكون هو مركزه، وأن قيام فرنسا بفك طوق العزلة الدولية عنه عام 2008 لم يكن يعني أنه صار قادرا على منع تجديدها في أي وقت، لأن وضعه الذاتي لم يكن هو الذي أجبر باريس على القيام بخطوتها، بل سعيها المعلن إلى فك روابطه مع إيران وحزب الله وحماس، ولإجباره على التخلي عن مواقفه بقوة الضغوط والسياسات الخارجية والدولية... الخ.
إذا كان حل الأزمة السورية سيكون محكوما أكثر فأكثر من الآن فصاعدا بالخارج، فمن الواضح أن هذه الواقعة تطرح سؤالين:
ـ هل يستهدف الخارج أهل النظام جميعهم أم أن هدفه يقتصر على رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد، الذي يطالبه الأميركيون والأوروبـيون بالتنحي. ويبدو من سير الأحداث أنهم يعدون تدريجا ما يلزم لتحقيق مطلبهم هذا، وأنهم يتقــدمون بخطى ثابتة نحو خلق غطاء شرعي عربي ودولي يبرر خطواتهم اللاحقة، بما في ذلك ما قد يكون غير سلمي ودبلوماسي منها، علما بان تدخلــهم في الشأن السوري بات شاملا وفاضحا، وإلا فما معنى قيام سفراء أجانب بزيارة مدن وقرى سورية دون إذن من وزارة الخارجية، وإبلاغ الوزارة بالزيارات بعد وقوعها، على ما في ذلك من استهتار بالسلطة وتحد لقراراتها؟
عربيا: جمدت معظم دول الخليج علاقاتها مع دمشق. ثم حددت معظم الدول العربية من خلال قرار اتخذته جامعة الدول العربية سبل إصلاح الوضع السوري الداخلي، إن قبلها النظام كانت نهايته أكيدة، وإن لم يقبلها قد يفتح الباب أمام قرار عربي بالتدخل الإنساني الدولي، كما حدث في ليبيا. بينما أعلنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن المدنيين السوريين بحاجة إلى حماية دولية، وبدأ الحديث حول العمل على استصدار قرار بذلك من مجلس الأمن الدولي، ويقال إن روسيا بعثت برسالة إلى النظام تطالبه فيها بوقف سياساته الراهنة، مع أنه يكاد يكون من المؤكد أن وقفها يعني اتساع حجم ونطاق التظاهرات إلى درجة غير مسبوقة، ووضع النظام في موقف لا يحسد عليه، يعني قيامه إقرارا صريحا بفشله، مع ما سيترتب على ذلك من فتح الأبواب أمام احتمالات داخلية لا تحمد عقباها بالنسبة إليه. يقال إن موسكو نبهت إلى أن عدم قبول طلبها سيجبرها على المشاركة في القرار المطلوب حول حماية المدنيين والتدخل الإنساني، وليقلع النظام عندئذ شوكه بيديه.
دوليا: تصاعدت العقوبات وصار كل يوم يشهد المزيد منها، وتزايدت إدانات الدول والمنظمات الدولية لسياسات النظام الأمنية، بينما بدأت تتصاعد لهجة تهديد ووعيد عسكرية المضامين، كقول ساركوزي: إن وقت التدخل العسكري في سورية لم يحن بعد، وقول كاميرون: إن إنكلترا لن تتدخل إلا بقرار دولي: تصريحات تذكر بدورها بما سبق التدخل العسكري في ليبيا.
ـ ما هي انعكاسات هذا الوضع على المعارضة السورية في الداخل والخارج؟. وما هي نقاط التقاطع والتعارض بينها وبين الجهات التي تمسك الآن بالقسم الأكبر من ورقة سوريا، والتي يبدو أن لديها أجندة خاصة تجاه المعارضة، تقوم على عزلها عن الحدث وتهميشها لصالح تيار معارض يتخلق اليوم عبر مؤتمرات خارجية تبدو عبثية، لكنها تفضي إلى مزيد من إزاحة المعارضة الداخلية جانبا، بينما تتصرف هذه كأنها لا تفهم ما يجري، ولا تفعل شيئا ضده، في حين يدور حديث متزايد حول ضرورة السلاح في الصراع الداخلي، مع ما يعنيه هذا من تهميش للحراك السلمي، المدني والأهلي، وللقائمين فيه، ومن شد للمجتمع الأهلي، حامل الحراك الشعبي الرئيس، إلى العنف والتطرف السياسي والاقتتال الانتحاري؟
هل يعني بروز دور الخارج وبناء معارضة خارجية واللجوء إلى السلاح تبلور وضع يسد الطرق أمام فرص أية حلول داخلية وطنية، وهي تكاد تكون معدومة الآن، وإقصاء المعارضة عن مستقبل سوريا وتصغير دورها إلى أدنى حد ممكن، وإخراج الحراك عن سياقه الحالي، وبالتالي وضع اليد على سوريا مختلفة عن تلك التي يريدها قطاع هائل من الشعب: سوريا بعيدة عن فلسطين والجولان، بعيدة عن الديموقراطية وإن نال شعبها بعض الحرية، ليس حكمها بيد مجتمعها المدني المتحد مع مجتمعها الأهلي، وليست بالتالي سوريا العدالة والديموقراطية والمساواة.
ماذا ستفعل المعارضة؟ وماذا سيفعل الشباب الثائر والمجتمع الأهلي؟ وماذا سيفعل النظام؟ وهل سيواصل سياساته الحالية التي تخدم هذا الخطر وتقويه، عوضا عن أن تقوم بخطوة إنقاذية تضع مصالح البلاد فوق مصالح أشخاصه، وتخرجها من الكارثتين: الراهنة والآتية، الكارثة التي يديرها هو بأكثر الطرق والأساليب فشلا وخدمة لأعداء سوريا، والكارثة التي تحاك خيوطها بدهاء شديد في الخارج، وتشبه شبكة تحاك حول بلادنا ستلقى عليها في وقت غير بعيد، كي لا تبلغ الحرية وتبني الدولة الديموقراطية / المدنية، وتحرر الجولان وتعود إلى فلسطين والوحدة العربية والنفط وثروات العرب، بل تذهب إلى مكان غير الذي تموت من أجل أن تبلغه؟
نحن في فترة انعطافية ومفصلية: بعد أن انهار الحل الأمني وتحول إلى نفق لا مخرج منه، تنتظر سوريا في نهايته كارثة قاتلة بكل الأبعاد والمعاني. وبانت الحقيقة ساطعة، وهي أن هذا الحل انتحاري بالنسبة إلى النظام أيضا، وأنه يقتل الشعب: الجهة الوحيدة القادرة على حماية البلاد مما يدبر لها. بينما تتراكم إشارات الاستعداد لهجوم الخارج العام، وعلامات حيرة المعارضة وضياع النظام، وانكشاف المجتمع والدولة.
سادتي في كل مكان وموقع: هذا هو واقع الحال، فماذا أنتم فاعلون كي تنقذوا وطنكم؟.
باختصار شديد، تجاوز التناقض بين الخارج الدولي والنظام السوري نقطة اللاعودة، ولم يعد هناك من غطاء عربي أو إقليمي أو دولي لسياسات النظام الراهنة، بعد قرار الجامعة العربية حول الوضع السوري، ومطالبات إيران وحزب الله بإصلاحات جدية وعميقة في سوريا تتجاوز ما أعلنه النظام من إصلاحات، أملاها موقف يرى البلاد بدلالة السلطة بدلا من أن يرى السلطة بدلالة المجتمع والدولة، وإلا فإنه لن يخرج من الأزمة اليومية التي تعصف بنا منذ قرابة ستة أشهر، دون أن تبدو لها نهاية، بل تزداد تعقيدا وتفجرا بعد كل تدبير «إصلاحي» سلطوي. لم يعد هناك دولة غير روسيا والصين لم تغلق أبوابها الخلفية، التي قد تعيد ذات يوم علاقاتها إلى ما كانت عليه قبل شهر آذار من العام الحالي مع النظام في دمشق. وليس هناك حتى داخل روسيـا والصين تأييد جدي لسياسات النظام الراهنة، التي ترى في الحدث السوري مؤامرة يجب مواجهتها بالقوة من أجل الحفاظ على النظام الذي تستهدفه وليس من أجل تغييره، وإلا تحققت أهداف المؤامرة بيد أهل السلطة، إن هم أجروا تغييرا جديا وعميقا كالذي طالبهم بإنجازه وزير الخارجية الإيراني السيد علي صالحي والسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله.
في أجواء كهذه، لا سؤال للسوريين غير التالي: كيف يفكر أهل النظام، وهل يعون حقيقة ما يجري؟ ألا يرون أن سياساتهم لا يجوز أن تقتصر على الحل الأمني، أو على استعادة الأمن أو فرضه ـ سمها ما شئت ـ وأن هذا الحل فشل، بدلالة المرات الكثيرة التي تم فيها اقتحام درعا على سبيل المثال لا الحصر، دون إخماد حراكها الشعبي فيها، وتكرار اقتحام منطقة بعيدة نسبيا كالرستن بالدبابات خلال عشرين يوما لم يتحقق خلاله أمن، ربما يكون أثار قدرا هائلا من الفوضى في حياة السكان هناك، وتسبب بقدر كبير من الغضب والرغبة في الثأر لديهم، وأدى في كل مكان تقريبا إلى عكس ما أريد به، والدليل: تلك المظاهرات التي لا تلبث أن تتجدد وتتسع في كل مكان يتراجع فيه الحضور الأمني الكثيف أو يمر وقت طويل على وجود الجيش فيه.
بإغلاق معظم دول العالم أبوابها الخلـفية التي كانت تصلها بالنظام وراءها، وبالإجماع العربي والإقليمي والدولي الشامل على رفض الحل الأمني كخيار بوسعه حل الأزمة الداخلية، وبتصـاعد الصراع الداخلي، بلغنا نقطة جعلت التناقض الخارجي مع النظام يبلغ حدا من الضخامة يحتم حدوث أي حل داخلي في إطاره، ويجعل من المحال بلوغ أي حل داخلي خارج أو ضد إرادات وسياسات ومصالح خارجية: أميركية / أوروبية. وضع الحل الأمني أقدار سوريا بين يديها، الأمر الذي حذرنا منه مرارا وتكرارا خلال الأشهر الستة الماضية، وقلنا إن حدوثه سيكون حتميا، ليس فقط لأن المنطقة بأسرها تمر في لحظة تحول تاريخية استثنائية المقومات والهوية والنتائج، بل كذلك لأن سوريا ليست خارج العالم، ولأن نظامها ليس فوق التاريخ أو قادرا على فرض إرادته عليه، كما توهم كثيرون من أهله وما زالوا يتوهمون، مع أنه كان قد دخل في تحالفات إقليمية تتجاوز قدراته، سيجد صعوبة كبيرة في السيطرة عليها خلال الشدائد والأزمات، بإمكاناته الذاتية، علما بأن الحليف الإيراني يفتقر بدوره إلى القوة التي تمكنه من حمايته، وسياسة التحالف مع المتشددين في طهران والمعتدلين في اسطنبول تتطلب طاقات يفتقر إليها تمكنه من احتواء هؤلاء وأولئك، وإقامة توازن دائم بينهم يكون هو مركزه، وأن قيام فرنسا بفك طوق العزلة الدولية عنه عام 2008 لم يكن يعني أنه صار قادرا على منع تجديدها في أي وقت، لأن وضعه الذاتي لم يكن هو الذي أجبر باريس على القيام بخطوتها، بل سعيها المعلن إلى فك روابطه مع إيران وحزب الله وحماس، ولإجباره على التخلي عن مواقفه بقوة الضغوط والسياسات الخارجية والدولية... الخ.
إذا كان حل الأزمة السورية سيكون محكوما أكثر فأكثر من الآن فصاعدا بالخارج، فمن الواضح أن هذه الواقعة تطرح سؤالين:
ـ هل يستهدف الخارج أهل النظام جميعهم أم أن هدفه يقتصر على رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد، الذي يطالبه الأميركيون والأوروبـيون بالتنحي. ويبدو من سير الأحداث أنهم يعدون تدريجا ما يلزم لتحقيق مطلبهم هذا، وأنهم يتقــدمون بخطى ثابتة نحو خلق غطاء شرعي عربي ودولي يبرر خطواتهم اللاحقة، بما في ذلك ما قد يكون غير سلمي ودبلوماسي منها، علما بان تدخلــهم في الشأن السوري بات شاملا وفاضحا، وإلا فما معنى قيام سفراء أجانب بزيارة مدن وقرى سورية دون إذن من وزارة الخارجية، وإبلاغ الوزارة بالزيارات بعد وقوعها، على ما في ذلك من استهتار بالسلطة وتحد لقراراتها؟
عربيا: جمدت معظم دول الخليج علاقاتها مع دمشق. ثم حددت معظم الدول العربية من خلال قرار اتخذته جامعة الدول العربية سبل إصلاح الوضع السوري الداخلي، إن قبلها النظام كانت نهايته أكيدة، وإن لم يقبلها قد يفتح الباب أمام قرار عربي بالتدخل الإنساني الدولي، كما حدث في ليبيا. بينما أعلنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن المدنيين السوريين بحاجة إلى حماية دولية، وبدأ الحديث حول العمل على استصدار قرار بذلك من مجلس الأمن الدولي، ويقال إن روسيا بعثت برسالة إلى النظام تطالبه فيها بوقف سياساته الراهنة، مع أنه يكاد يكون من المؤكد أن وقفها يعني اتساع حجم ونطاق التظاهرات إلى درجة غير مسبوقة، ووضع النظام في موقف لا يحسد عليه، يعني قيامه إقرارا صريحا بفشله، مع ما سيترتب على ذلك من فتح الأبواب أمام احتمالات داخلية لا تحمد عقباها بالنسبة إليه. يقال إن موسكو نبهت إلى أن عدم قبول طلبها سيجبرها على المشاركة في القرار المطلوب حول حماية المدنيين والتدخل الإنساني، وليقلع النظام عندئذ شوكه بيديه.
دوليا: تصاعدت العقوبات وصار كل يوم يشهد المزيد منها، وتزايدت إدانات الدول والمنظمات الدولية لسياسات النظام الأمنية، بينما بدأت تتصاعد لهجة تهديد ووعيد عسكرية المضامين، كقول ساركوزي: إن وقت التدخل العسكري في سورية لم يحن بعد، وقول كاميرون: إن إنكلترا لن تتدخل إلا بقرار دولي: تصريحات تذكر بدورها بما سبق التدخل العسكري في ليبيا.
ـ ما هي انعكاسات هذا الوضع على المعارضة السورية في الداخل والخارج؟. وما هي نقاط التقاطع والتعارض بينها وبين الجهات التي تمسك الآن بالقسم الأكبر من ورقة سوريا، والتي يبدو أن لديها أجندة خاصة تجاه المعارضة، تقوم على عزلها عن الحدث وتهميشها لصالح تيار معارض يتخلق اليوم عبر مؤتمرات خارجية تبدو عبثية، لكنها تفضي إلى مزيد من إزاحة المعارضة الداخلية جانبا، بينما تتصرف هذه كأنها لا تفهم ما يجري، ولا تفعل شيئا ضده، في حين يدور حديث متزايد حول ضرورة السلاح في الصراع الداخلي، مع ما يعنيه هذا من تهميش للحراك السلمي، المدني والأهلي، وللقائمين فيه، ومن شد للمجتمع الأهلي، حامل الحراك الشعبي الرئيس، إلى العنف والتطرف السياسي والاقتتال الانتحاري؟
هل يعني بروز دور الخارج وبناء معارضة خارجية واللجوء إلى السلاح تبلور وضع يسد الطرق أمام فرص أية حلول داخلية وطنية، وهي تكاد تكون معدومة الآن، وإقصاء المعارضة عن مستقبل سوريا وتصغير دورها إلى أدنى حد ممكن، وإخراج الحراك عن سياقه الحالي، وبالتالي وضع اليد على سوريا مختلفة عن تلك التي يريدها قطاع هائل من الشعب: سوريا بعيدة عن فلسطين والجولان، بعيدة عن الديموقراطية وإن نال شعبها بعض الحرية، ليس حكمها بيد مجتمعها المدني المتحد مع مجتمعها الأهلي، وليست بالتالي سوريا العدالة والديموقراطية والمساواة.
ماذا ستفعل المعارضة؟ وماذا سيفعل الشباب الثائر والمجتمع الأهلي؟ وماذا سيفعل النظام؟ وهل سيواصل سياساته الحالية التي تخدم هذا الخطر وتقويه، عوضا عن أن تقوم بخطوة إنقاذية تضع مصالح البلاد فوق مصالح أشخاصه، وتخرجها من الكارثتين: الراهنة والآتية، الكارثة التي يديرها هو بأكثر الطرق والأساليب فشلا وخدمة لأعداء سوريا، والكارثة التي تحاك خيوطها بدهاء شديد في الخارج، وتشبه شبكة تحاك حول بلادنا ستلقى عليها في وقت غير بعيد، كي لا تبلغ الحرية وتبني الدولة الديموقراطية / المدنية، وتحرر الجولان وتعود إلى فلسطين والوحدة العربية والنفط وثروات العرب، بل تذهب إلى مكان غير الذي تموت من أجل أن تبلغه؟
نحن في فترة انعطافية ومفصلية: بعد أن انهار الحل الأمني وتحول إلى نفق لا مخرج منه، تنتظر سوريا في نهايته كارثة قاتلة بكل الأبعاد والمعاني. وبانت الحقيقة ساطعة، وهي أن هذا الحل انتحاري بالنسبة إلى النظام أيضا، وأنه يقتل الشعب: الجهة الوحيدة القادرة على حماية البلاد مما يدبر لها. بينما تتراكم إشارات الاستعداد لهجوم الخارج العام، وعلامات حيرة المعارضة وضياع النظام، وانكشاف المجتمع والدولة.
سادتي في كل مكان وموقع: هذا هو واقع الحال، فماذا أنتم فاعلون كي تنقذوا وطنكم؟.
السبت، 20 أغسطس 2011
كيف كان إدوارد سعيد سيرى الثورات العربية؟
حسام عيتاني
تصلح الثورات العربية مدخلاً لعملية تقديم وإعادة نظر في الكثير من الأفكار والأحكام التي هيمنت على الثقافة والفكر السياسيين العربيين في العقود الممتدة منذ هزيمة 1967 إلى اليوم.
صدمت تلك الحرب، على ما تقول السردية التي انتشرت بعدها، الوعي العربي الذي أدخلته الأيديولوجيا القومية العربية «الرسمية» حالاً سكونية حالت دون رؤيته الأبعاد الحقيقية للصراع مع إسرائيل وتشعب الصلات التي تقيمها هذه مع الغرب وارتقاءها جزءاً عضوياً من مصالحه وآليات الدفاع عنها. وبعدما كان «الاستعمار» هو الاسم المعتمد في وصف السياسات الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط، حلت كلمة «الإمبريالية» التي جاءت إلى الأدبيات السياسية العربية بجهود مثقفي اليسار الذين لاحظوا أن فارقاً شاسعاً بات يفصل بين الاستعمار بالصورة التي جاء فيها إلى المنطقة في القرن التاسع عشر ومطالع العشرين كعملية نهب مباشر لثروات البلدان المحتلة، وبين ما تنطوي عليه الإمبريالية من مكونات اقتصادية وسياسية تهدف إلى الاستتباع والإلحاق وصولاً إلى تغيير المفاهيم الثقافية والاجتماعية.
ربما كان إدوارد سعيد هو من خطف الأضواء في نقده علاقاتِ الشرق والغرب، في الجانب الثقافي خصوصاً في عدد من الكتب التي نالت شهرة واسعة خصوصاً «الاستشراق» و «الثقافة والإمبريالية». أصبح سعيد الصوت الأعلى في الدوائر الأكاديمية الأميركية (وبدرجة أقل الأوروبية)، المنافح عما يراه مصالح شعوب المنطقة العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. بيد أن سعيد وقع في عدد من المآزق. وبصرف النظر عن جملة من الأخطاء المعرفية الكبيرة (التي ناقشنا بعضها في مكان آخر)، انزلق سعيد إلى «جوهرانية ثقافوية» تقسم العالم إلى شرق مُضطَهَد يحمل القيم الروحية الراقية، وغرب مضطَهِد تسيّره شهوته إلى المادة والثروة والغزو. اعتقد البعض من تلامذة الرجل أن إدوارد سعيد إنما يساهم في الفكر اليساري التقدمي. وذهبوا إلى تكريسه بطريركاً يسارياً وهو ما لم يزعمه سعيد طوال حياته.
كان إدوارد سعيد أستاذاً للأدب المقارن معدوم الصلة تقريباً بمجالات العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي التي تشكل الساحات الحقيقية للآراء اليسارية. مقاربته الثقافية للصراعات الكبرى قادته إلى تجاوزات غير بسيطة للدقة التاريخية وللبحث الموضوعي وجعلته منحازاً إلى رؤية غير نقدية لتاريخ العرب وعلاقتهم بالعالم، على قلة ما كان يعرف من تاريخ قديم ومعاصر للشرق الأوسط. هذه الرؤى يمكن العثور على مثيلاتها عند كتّاب عرب تناولوا صلات الشرق والغرب بأدوات معرفية أكثر تواضعاً من تلك التي استخدمها سعيد، كالصادق النيهوم، على سبيل المثال.
لكن سعيد كان، قبل ذلك وبعده، يتمتع بقدر لا يستهان به من الذكاء والقدرة على تعديل الموقع الذي يقف فيه. وتبرز من بين أسطر كتاباته الأخيرة محاولات لتدارك الزلل الذي وقع فيه في «الاستشراق» خصوصاً، من دون أن ينسى تغليف ذلك بعدد وفير من المبررات، ليعود في المقال الطويل الذي كتبه لمجلة «ذي نايشن» الأميركية بعنوان «صدام الجهل» بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، إلى فكرته الأصلية عن الانقسام العمودي للعالم، وإن بدا كمن ينقد تصور صامويل هانتنغتون عن صدام الحضارات الذي ينبع من فكرة لا تختلف كثيراً، في العمق، عن مصادر أفكار سعيد الذي يرى متوازيات في دوافع الحركات الدينية، بين أسامة بن لادن وحركة «الفرع الداوودي»، على سبيل المثال، تؤسس لـ «صدام الجهل» بين المتطرفين... إلخ. وهو المنهج ذاته الذي اتبعه تلميذه حميد دباشي في محاولته ردم الهوة بين سعيد وبين المستشرق المجري البارز غولدتسيهر، الذي رفعه دباشي إلى مستوى قريب من القداسة ثم انتهى بالقول إن سعيد محق في وضعه كل المستشرقين في خانة العمالة للمشروع الكولونيالي الغربي (بحسب المقدمة التي وضعها دباشي للجزء الأول من كتاب غولدتسيهر الشهير «دراسات في الاسلام»).
أتقن إدوارد سعيد السير في دوائر، فيما كان يبدو من بعيد لمن لا يدقق في عمل الرجل أنه يبتكر مفاهيم وآراء جديدة في نظرته التبخيسية للغرب ولسياسته وعلمه. وأسست الدوائر التي أمضى الباحث يسير فيها لموقف عام وعريض بات في صلب المواقف التي يمكن وصفها، براحة ضمير، بأنها رجعية وشديدة المحافظة في شأن علاقة العالمين العربي والإسلامي بالغرب وبالإشكاليات المعاصرة.
ويمكن القول إن سعيد وفّق في نشر آرائه وأفكاره. لكن ما لم يوفق به هو مجموعة تلامذته ومريديه أو من يقولون عن أنفسهم أنهم كذلك. وباستثناء حفنة قليلة من التلامذة اللامعين، كدباشي الذي أدرك أوجه القصور في فكر سعيد من دون أن يجرؤ على كسرها وتجاوزها، أفرط القسم الأكبر من مريدي الكاتب الفلسطيني - الأميركي بالمبالغة في حمل استنتاجاته إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه خصوصاً بعدما أضفوا عليها أبعاداً عالمثالثية نضالية، وجوهرانية، لا تمت بصلة إلى كل ما يمكن أن يوضع في خانة الفكر النقدي.
هؤلاء التلاميذ وجدوا أنفسهم في مواجهة الثورات العربية التي تشكل تحدياً سياسياً واجتماعياً لناحية استعصاء تصنيفها ووضعها في الخانات المعدّة مسبقاً للثورات وحركات التغيير، إضافة إلى الصعوبات الجدية في استشراف المآلات التي ستؤول إليها هذه الحركة التاريخية العربية. انقسم تلامذة المدرسة السعيدية إلى فرقتين كبيرتين. ساندت الأولى الثورات العربية محتفظة بتأييدها للمقاومة والممانعة في وجه إسرائيل وبالعداء للولايات المتحدة والغرب (كظواهر مطلقة غير قابلة للتبدل بتبدل موضوع الخلاف، أي السلطة في العالم العربي)، وبالرهان على قيام الأنظمة العربية التي بدأت تتشكل في تونس ومصر، ولاحقاً في سورية واليمن وليبيا، بإنجاز المهمة القومية العربية بحسم الصراع ضد إسرائيل. وجليٌ أن رؤية كهذه تتجاهل احتلال الأسباب الداخلية المكان الأول في لائحة الأسباب التي حملت الشبان العرب على النزول إلى الشوارع والسعي إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة.
المجموعة الثانية، تركز في كتاباتها على علاقات الولايات المتحدة بالثورات العربية ولا تلبث أن تصل إلى استنتاج لا ينقصه العرج وهو أن واشنطن تستكمل غزو العراق على طريقة حصان طروادة، بإشعال الثورات العربية.
ربما استطاع إدوارد سعيد أن يتجاوز هزال أفكار مريديه وكاريكاتوريتهم، لو قيد له أن يرى الثورات العربية. ولكن لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الثنائية التي نظر سعيد بواسطتها إلى العالم، قد تجاوزتها الثورات قبل أن تبدأ.
تصلح الثورات العربية مدخلاً لعملية تقديم وإعادة نظر في الكثير من الأفكار والأحكام التي هيمنت على الثقافة والفكر السياسيين العربيين في العقود الممتدة منذ هزيمة 1967 إلى اليوم.
صدمت تلك الحرب، على ما تقول السردية التي انتشرت بعدها، الوعي العربي الذي أدخلته الأيديولوجيا القومية العربية «الرسمية» حالاً سكونية حالت دون رؤيته الأبعاد الحقيقية للصراع مع إسرائيل وتشعب الصلات التي تقيمها هذه مع الغرب وارتقاءها جزءاً عضوياً من مصالحه وآليات الدفاع عنها. وبعدما كان «الاستعمار» هو الاسم المعتمد في وصف السياسات الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط، حلت كلمة «الإمبريالية» التي جاءت إلى الأدبيات السياسية العربية بجهود مثقفي اليسار الذين لاحظوا أن فارقاً شاسعاً بات يفصل بين الاستعمار بالصورة التي جاء فيها إلى المنطقة في القرن التاسع عشر ومطالع العشرين كعملية نهب مباشر لثروات البلدان المحتلة، وبين ما تنطوي عليه الإمبريالية من مكونات اقتصادية وسياسية تهدف إلى الاستتباع والإلحاق وصولاً إلى تغيير المفاهيم الثقافية والاجتماعية.
ربما كان إدوارد سعيد هو من خطف الأضواء في نقده علاقاتِ الشرق والغرب، في الجانب الثقافي خصوصاً في عدد من الكتب التي نالت شهرة واسعة خصوصاً «الاستشراق» و «الثقافة والإمبريالية». أصبح سعيد الصوت الأعلى في الدوائر الأكاديمية الأميركية (وبدرجة أقل الأوروبية)، المنافح عما يراه مصالح شعوب المنطقة العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. بيد أن سعيد وقع في عدد من المآزق. وبصرف النظر عن جملة من الأخطاء المعرفية الكبيرة (التي ناقشنا بعضها في مكان آخر)، انزلق سعيد إلى «جوهرانية ثقافوية» تقسم العالم إلى شرق مُضطَهَد يحمل القيم الروحية الراقية، وغرب مضطَهِد تسيّره شهوته إلى المادة والثروة والغزو. اعتقد البعض من تلامذة الرجل أن إدوارد سعيد إنما يساهم في الفكر اليساري التقدمي. وذهبوا إلى تكريسه بطريركاً يسارياً وهو ما لم يزعمه سعيد طوال حياته.
كان إدوارد سعيد أستاذاً للأدب المقارن معدوم الصلة تقريباً بمجالات العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي التي تشكل الساحات الحقيقية للآراء اليسارية. مقاربته الثقافية للصراعات الكبرى قادته إلى تجاوزات غير بسيطة للدقة التاريخية وللبحث الموضوعي وجعلته منحازاً إلى رؤية غير نقدية لتاريخ العرب وعلاقتهم بالعالم، على قلة ما كان يعرف من تاريخ قديم ومعاصر للشرق الأوسط. هذه الرؤى يمكن العثور على مثيلاتها عند كتّاب عرب تناولوا صلات الشرق والغرب بأدوات معرفية أكثر تواضعاً من تلك التي استخدمها سعيد، كالصادق النيهوم، على سبيل المثال.
لكن سعيد كان، قبل ذلك وبعده، يتمتع بقدر لا يستهان به من الذكاء والقدرة على تعديل الموقع الذي يقف فيه. وتبرز من بين أسطر كتاباته الأخيرة محاولات لتدارك الزلل الذي وقع فيه في «الاستشراق» خصوصاً، من دون أن ينسى تغليف ذلك بعدد وفير من المبررات، ليعود في المقال الطويل الذي كتبه لمجلة «ذي نايشن» الأميركية بعنوان «صدام الجهل» بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، إلى فكرته الأصلية عن الانقسام العمودي للعالم، وإن بدا كمن ينقد تصور صامويل هانتنغتون عن صدام الحضارات الذي ينبع من فكرة لا تختلف كثيراً، في العمق، عن مصادر أفكار سعيد الذي يرى متوازيات في دوافع الحركات الدينية، بين أسامة بن لادن وحركة «الفرع الداوودي»، على سبيل المثال، تؤسس لـ «صدام الجهل» بين المتطرفين... إلخ. وهو المنهج ذاته الذي اتبعه تلميذه حميد دباشي في محاولته ردم الهوة بين سعيد وبين المستشرق المجري البارز غولدتسيهر، الذي رفعه دباشي إلى مستوى قريب من القداسة ثم انتهى بالقول إن سعيد محق في وضعه كل المستشرقين في خانة العمالة للمشروع الكولونيالي الغربي (بحسب المقدمة التي وضعها دباشي للجزء الأول من كتاب غولدتسيهر الشهير «دراسات في الاسلام»).
أتقن إدوارد سعيد السير في دوائر، فيما كان يبدو من بعيد لمن لا يدقق في عمل الرجل أنه يبتكر مفاهيم وآراء جديدة في نظرته التبخيسية للغرب ولسياسته وعلمه. وأسست الدوائر التي أمضى الباحث يسير فيها لموقف عام وعريض بات في صلب المواقف التي يمكن وصفها، براحة ضمير، بأنها رجعية وشديدة المحافظة في شأن علاقة العالمين العربي والإسلامي بالغرب وبالإشكاليات المعاصرة.
ويمكن القول إن سعيد وفّق في نشر آرائه وأفكاره. لكن ما لم يوفق به هو مجموعة تلامذته ومريديه أو من يقولون عن أنفسهم أنهم كذلك. وباستثناء حفنة قليلة من التلامذة اللامعين، كدباشي الذي أدرك أوجه القصور في فكر سعيد من دون أن يجرؤ على كسرها وتجاوزها، أفرط القسم الأكبر من مريدي الكاتب الفلسطيني - الأميركي بالمبالغة في حمل استنتاجاته إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه خصوصاً بعدما أضفوا عليها أبعاداً عالمثالثية نضالية، وجوهرانية، لا تمت بصلة إلى كل ما يمكن أن يوضع في خانة الفكر النقدي.
هؤلاء التلاميذ وجدوا أنفسهم في مواجهة الثورات العربية التي تشكل تحدياً سياسياً واجتماعياً لناحية استعصاء تصنيفها ووضعها في الخانات المعدّة مسبقاً للثورات وحركات التغيير، إضافة إلى الصعوبات الجدية في استشراف المآلات التي ستؤول إليها هذه الحركة التاريخية العربية. انقسم تلامذة المدرسة السعيدية إلى فرقتين كبيرتين. ساندت الأولى الثورات العربية محتفظة بتأييدها للمقاومة والممانعة في وجه إسرائيل وبالعداء للولايات المتحدة والغرب (كظواهر مطلقة غير قابلة للتبدل بتبدل موضوع الخلاف، أي السلطة في العالم العربي)، وبالرهان على قيام الأنظمة العربية التي بدأت تتشكل في تونس ومصر، ولاحقاً في سورية واليمن وليبيا، بإنجاز المهمة القومية العربية بحسم الصراع ضد إسرائيل. وجليٌ أن رؤية كهذه تتجاهل احتلال الأسباب الداخلية المكان الأول في لائحة الأسباب التي حملت الشبان العرب على النزول إلى الشوارع والسعي إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة.
المجموعة الثانية، تركز في كتاباتها على علاقات الولايات المتحدة بالثورات العربية ولا تلبث أن تصل إلى استنتاج لا ينقصه العرج وهو أن واشنطن تستكمل غزو العراق على طريقة حصان طروادة، بإشعال الثورات العربية.
ربما استطاع إدوارد سعيد أن يتجاوز هزال أفكار مريديه وكاريكاتوريتهم، لو قيد له أن يرى الثورات العربية. ولكن لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الثنائية التي نظر سعيد بواسطتها إلى العالم، قد تجاوزتها الثورات قبل أن تبدأ.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)