‏إظهار الرسائل ذات التسميات ربيع الشعوب العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ربيع الشعوب العربية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 فبراير 2013

عفيف أبي فراج : في ذكراه يضيء قنديل المعرفة كلمة الدكتور سعود المولى في ندوة تكريم المرحوم الدكتور عفيف فراج- بعلشميه 25/11/2012


التحية الأولى أوجهها قوية من القلب والعقل معاً إلى السيدة عائدة وإلى عائلة عفيف الذين لولاهم لما كان هذا اللقاء حول كتاب جديد هو السادس منذ وفاته التي كانت مؤلمة لنا جميعاً. والتحية الثانية أوجهها قوية من القلب والعقل معاً إلى أصدقاء وزملاء ورفاق عفيف الذين يلتقون هنا اليوم حول كتابه كما كانوا يلتقون في السنوات الثماني الماضية منذ وفاته. في الحديث النبوي الشريف أنه "إذا مات الانسان ينقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية (وهي الوقف بحسب أغلب المفسرين) وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له"... وقد حقق عفيف هذه الثلاث من خلال السيدة عائدة خداج أبي فراج، وأولادهما، وقد وقفوا أنفسهم ومالهم ووقتهم وعلاقاتهم على نشر وتعميم علمه النافع ما جعلنا جميعاً ندعو له بالحسنى والثواب وندعو لهم بطول البقاء.. واليوم يتجدد هذا العطاء صدقة جارية وعلماً نافعاً ودعاء له وللعائلة، يتجدد بكتاب جديد (القمع السياسي، دار الآداب، بيروت، 2012) هو بحد ذاته مَعلم من معالم وعينا وفكرنا ونضالنا ولو أنه جاء بعد 30 سنة على كتابته...والكتاب هو أطروحته لنيل الدكتوراه عام 1982 وقد قامت السيدة عائدة وابنهما طارق بترجمتها الى العربية.. وأنا سأحاول في هذه العجالة أن أموضع الكتاب الجديد في سياقه التاريخي الذي حمل تحولات وتطلعات عاشها عفيف وعشناها معه وواكبناها سوية وشكلت زاداً له ولنا في فهمه وفهمنا المتجدد للواقع وفي جهاده وجهادنا الدائم من أجل المستضعفين والفقراء الكادحين، ومن أجل المعرفة المفيدة والعلم النافع، وهذا ما ميزه كمثقف مناضل ملتزم، أي كمجاهد، شاهد وشهيد... عفيف الزميل والصديق والأخ والزوج والأب ورفيق النضال والمعاناة في سبيل الحق والعدل، هو مجاهد حر، بالعلم والعمل، من أجل وطن أفضل، من أجل لقمة عيش حلال، من أجل حرية وكرامة، ومواطنة ومساواة.. وهو شاهد على عصره، وشهيد على ما قاله وكتبه.. وهذا أيضاً من الحديث النبوي الشريف: من مات دون أهله فهو شهيد، من مات دون أرضه فهو شهيد... ومن الحديث النبوي أيضاً: أن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء.. وعفيف الشاهد الشهيد كان أولنا وأسبقنا في كل شيء.. بعد نكسة حزيران 67 وكان يومها في مصر ومنتمياً الى حركة القوميين العرب ذات الهوى الناصري الاشتراكي، كان عفيف من الذين شاركوا في نقد التجربة المريرة وفي بلورة طروحات التحول اليساري لحركة القوميين العرب الى جانب محسن ابراهيم ومحمد كشلي ورفاقهما.. وكان كتاب لماذا منظمة الاشتراكيين اللبنانيين (دار الطليعة، بيروت، 1970) باكورة انتاج هذا التطور اليساري في الحركة القومية العريقة... وأولى ثمار تحول عفيف كانت كتابه الأول ( دراسات يسارية في الفكر اليميني) (دار الطليعة 1970)، وفيه انتقد الفكر اليميني اللبناني بتجلياته المارونية الكتائبية كما القومية السورية، وصولاً الى التحريفية الماركسية للحزب الشيوعي اللبناني الموسكوبي، الى مثالية المعلم كمال جنبلاط، "ذات الفكر العتيق" (على حد وصفه لها)... كان سلاح النقد الثوري الجذري هو زاده الأول في تمّيزه بين اقرانه ، وهو سلاح ماركسي أساسي ولكننا امتطيناه على صهوة ربيع طلاب أوروبا الغربية في أيار 1968، وربيع براغ التي دمرتها الدبابات الروسية في آب 1968، الى ربيع الثورة الفيتنامية (هجوم الربيع 1968) ، فربيع الثورة الثقافية الصينية... وقد أسهم كتابه الأول ذاك في استثارة الحوارات والنقاشات داخل يسار الحزب القومي السوري الخارج من السجون، وأثمر انشقاق عشرات الشباب المتمركس من الحزب العتيق.. كما كان للكتاب دور كبير في النقاش الماركسي بين منظمة الاشتراكيين اللبنانيين (وريثة حركة القوميين العرب) وجماعة لبنان الاشتراكي (وضاح شرارة، أحمد بيضون، حسن قبيسي، وجيه كوثراني، محمود سويد، فواز طرابلسي).. ولكن الأثر الأكبر كان في الوسط الطلابي حيث أنه ساعدنا على بلورة صيغة (لجان العمل الطلابي) في المدارس والجامعات، كصيغة نضال مشترك تجمع قوى اليسار الجديد غير المتشكل بعد في إطار تنظيمي محدد.. الا ان الأهم في ذلك الكتاب أنه حمل مبكراً مقاربتين لم يسبقه اليهما أحد من ابناء جيله ورفاقه في اليسار.. المقاربة الأولى تتمثل في تشخيصه البنيوي لتمزق المواطن اللبناني والمجتمع اللبناني ما بين ثقافتين وهويتين ، ما بين "جذوره الحضارية والطبقية وحمى احتراق الحضارة الغربية الأخلاقي والمعنوي"، ما بين مجتمعه والمجتمعات العصرية، وما بين الطائفية السياسية والمواطنة المتساوية، وما بين مناهج التعليم المتعددة وضرورات الوحدة الثقافية الوطنية، وما بين كلنا للوطن وكلنا للطائفة والعائلة والطبقة الحاكمة... وقد أشار عفيف بعمق يومها الى ذلك الاغتراب والاقتلاع الذي يعانيه المواطن اللبناني.. ولكن الشيء الجديد يومها، بالنسبة ليساري ماركسي، لم يكن فقط في فهمه لمعنى المواطنة والدولة المدنية، وانما فهمه للتناقض الحضاري بين شرق وغرب، وللمسألة الثقافية تحديداً، ومسألة الهوية بالتالي، وهو الموضوع الذي سيستأثر بتفكيره وأبحائه وعناوين كتبه اللاحقة.. أما المقاربة الثانية المبدعة والمبكرة لعفيف فتمثلت في فهمه الماركسي الجديد للمسألة الدينية في بلادنا. وبرغم أنه لم يكن قد قرأ غرامشي يومها (على ما يبدو) إلا أنه استطاع مبكراً أن يقدم قراءة جديدة نراها تتكرر وتتطور لاحقاً في فهمه للشرق وللاسلام، ثم في فهمه للمسألة اليهودية وللصهيونية وحاضنتهما الحضارية والثقافية، على ما نراه في إثنين من كتبه اللاحقة على الأقل (اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية) و (رؤية آينشتين لليهودية ودولة اليهود).. ناهيك عن حضور هذه المقاربة في كتابيه (ثنائية شرق غرب) و(إشكالية النهضة). وقد استخدم عفيف في مقاربته للمسألة الدينية عدة نظرية وثقافية وفكرية كانت جديدة بالنسبة الى أبناء جيله وتياره السياسي والفكري تمثلت بكتابات ماكس فيبر واللاهوتي بولتمان (وهما غير ماركسيين بل ملعونان عند الماركسيين) إضافة الى كتاب كارل ماركس الرائع حول المسألة اليهودية (وهو كتاب يتم تجهيله ونفيه من تراث ماركس)، وكتابات الماركسيين اليهود أمثال أبراهام ليون ومكسيم رودنسون..ناهيك عن استشهاده بكتاب لكاوتسكي (الأمر الخطير يومها لأننا درجنا على تجاهل "المرتد كاوتسكي"، بحسب تصنيف لينين له). وقد عالج عفيف المسألة الدينية من زاوية المادية الجدلية الفلسفية (علاقة الفكر بالكائن، الإنسان بالطبيعة، وأيهما الأسبق)، كما من زاوية المادية التاريخية والسوسيولوجيا الماركسية الجديدة (لويس آلتوسير كمثال، وكان في بداية اكتشاف الماركسيين العرب له) .. فتكشّف عفيف فراج منذ ذلك التاريخ المبكر عن عالِم موسوعي مفكر مثقف مطلع وعن باحث سوسيولوجي واعد.. وفي كتابه الثاني (كمال جنبلاط المثالي الواقعي 1976) تميّز عفيف أيضاً عنا جميعاً وقد سبقنا الى التقاط خصوصية المسألة اللبنانية، والى فهم الأشخاص والأدوار خارج إطار التنصيف الطبقي الماركسوي التبسيطي .. عفيف الذي كان انتقد بشدة كمال جنبلاط ( في الكتاب الأول فصل بعنوان: الأستاذ جنبلاط مثالي يتجاوز الماركسية بفكر عتيق)، أجرى مراجعة نقدية شجاعة (أشبه بنقد ذاتي لفكرنا اليساري الراديكالي "الطفولي" آنذاك) شفافة وأخلاقية في آن، ولكن أيضاً وأساساً علمية وبحثية عميقة... وكنا جميعاً نترنح يومذاك تحت وطأة هول الواقع الذي اكتشفناه بصدمة 13 نيسان 1975 ، وكنا جميعاً من ضحاياه... في مقال له بعنوان "عمومية المثال الثقافي النضهوي، خصوصية الواقع اللبناني الطائفي" (منشور في كتابه إشكالية النهضة 2006) يستعيد عفيف فراج جملة كتبها الياس خوري في روايته (رحلة غاندي الصغير): "الرجال الحقيقيون باتوا أول من مات ، ليبقى الأنذال سرّاق الثورات، وهي ستقتل أول من تقتل، كل الذين يتفلسفون ويتحدثون عن حرب الشعب والجماهير، والحرب ستستمر من دونهم"... وقد استمرت الحرب من دوننا... وهي لم تكن طبعاً حرب تحرير شعبية... بل حرباً أهلية مدمّرة ... في لحظة الحرب الأهلية تلك، فارق عفيف فراج تراث "الجماهيرية" أو "الشعبوية اليسارية"، وانكفأ الى موقعه ووضعه كمثقف شاهد وشهيد.. ولعل في انتمائه الأصلي (الأهلي الدرزي، ولو العلماني الماركسي مدنياً) واضطراره للانقطاع الى الجبل في حياة عائلية واجتماعية وتعليمية وثقافية، بسبب الحرب وابان الحرب، ما يفسر تلك العزلة الثقافية، القدَرية، التي تظهر لنا بوضوح اذا عرفنا أنه لم ينشر أي كتاب بعد العام 1976 وحتى العام 2002 حيث كان كتاباه السابق ذكرهما: (اليهودية بين حضارة الشرق الثقافية وحضارية الغرب السياسية)، و (رؤية آينشاتن لليهودية ودولة اليهود)... وما ينبغي قوله هنا أنه بين 1976 (كتابه عن جنبلاط) و2002 (عودته للكتابة) كانت أطروحته/المرجع التي أنجزها إبان الإجتياح الاسرائيلي 1982 (وهي هذا الكتاب الذي بين أيدينا).. وبالتالي فان كتاب القمع السياسي هو المحطة الثالثة في تطور فكر وأدب عفيف السياسي ولو أنه التاسع إصداراً ونشراً.. واسمحوا لي هنا بالعودة والتوقف عند كمال جنبلاط.. عام 76 اذن عاد عفيف ليطل اطلالة جديدة، أكثر عمقاً وأكثر تسامحاً على شخصية وفكر كمال جنبلاط ، المثالي الواقعي.. يبدأ عفيف كتابه بجملة لجنبلاط تقول "واعلمي أن الانسان لم يخلق لمعنى من المعاني ألا للعلم والعمل به".. وبجملة أخرى : "الكشف عن الحقيقة وتحقيقها هو الهدف الذي يستحق وحده أن نعيش له ونسعى اليه في هذا الوجود".. ولم يكن عفيف ليكتب أو ينطق علماً الا ليعمل به ويطبقه على نفسه وفي حياته أولاً... وفي بحثه عن الحقيقة لا يخجل عفيف من تقديم نص جديد فيه تقويم عميق وسياسي وسوسيولوجي لفكر وممارسة كمال جنبلاط، ينطلق من موقف فلسفي وفكري جديد نجده مبثوثاً بقوة في هذا الكتاب، ومن نقد ذاتي جذري لمسلماتنا "وأساطيرنا" المؤسِّسَة حول المسألة الطائفية والطوائف والواقع اللبناني... في العام 75 كان اليسار الجديد قد توزع اتجاهات عدة ما بين ملتحق بالثورة الفلسطينية أو مشارك معها، وما بين ملتحق بالخط السوفياتي التحريفي الدولي، أو بالتيارات اليسارية الثورية العالمية (ماوية- تروتسكية- فوضوية- مجالسية)... أما نحن فكنا نخوض تجربة مميزة من داخل العلاقة المتوترة بين 3 مكونات رئيسة: موسى الصدر وكمال جنبلاط وحركة فتح... فقد قادتنا ماويتنا الى الارتباط مبكراً بالإمامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين من جهة، وتمتين العلاقة مع الشهيدين الكبيرين كمال جنبلاط وأبو جهاد خليل الوزير من جهة ثانية... وهكذا بدأنا نقاشات مطولة حول الماركسية والدين، والاشتراكية والانسان، انطلاقاً من كتابات كمال جنبلاط وعلي شريعتي ومالك بن نبي وروجيه غارودي ومن محاوراتنا مع موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.. وكان عفيف أبرز من اشتغلوا خلال تلك السنوات 1975-1977 على اكتشاف العلاقة ما بين الفلسفة والسياسة، بين المثال والواقع، بين الماركسية والصوفية، وذلك على قاعدة اكتشافه لأولوية ومحورية الانسان، حياته، وحريته، وكرامته، وحقوقه، قبل أي شيء وفوق كل شيء... وقد صاغ عفيف فهمه الفلسفي الجديد بقوله إن الفلسفة هي الإمكان، والسياسة هي وسيلة تحقيقة، والانسان هو الغاية، والحزب هو هيئة معنوية توحد غايتها مع غايات التحقق المعنوي للانسان ... وهنا اكتشف عفيف أهمية كمال جنبلاط والاشتراكية الانسانية، ناقداً بقوة لا انسانية الماركسية وقد تكشفت وانهار اندهاشنا بها منذ اندلاع الحرب الأهلية... أعاد عفيف اكتشاف كمال جنبلاط في السياسة والاقتصاد، في الفلسفة والدين، في التصوف والأخلاق، فأعاد اكتشاف ذاته وهدفه في هذه الحياة... ولعل أهم ما اكتشفه عفيف في ذاته وهو المثالي الأخلاقي الانساني، هو أن وسائل بلوغ الأهداف السياسية يجب أن تكون موصولة بالغايات الأخلاقية، وأن النضال في الدنيا يهدف الى تحقيق غايات الدين ومضمونه الأخلاقي بوسائل لا تجافي تلك الغايات.. فالطريق هو ذاته الهدف.. واذا كان الطريق ملتوياً فإن الهدف نفسه يفسد... وما قيمة أن تربح الدنيا وتخسر روحك، معناك، ذاتك... وفي هذه المقدمات الفلسفية الأخلاقية صاغ عفيف فهمه لجنبلاط السياسي (المثالي الذي يخاطب الواقع الطائفي).. فأمام ما يبدو للناس انه مساومات وصفقات وتنازلات وقفزات جعلت الكثير من المثقفين والمفكرين يقولون بأن جنبلاط براغماتي في ألأصل والمتن فيلسوف وصوفي على الهامش، وبأنه توقف عند المنحى السكوني المحافظ من معادلة هيفل: كل ما هو واقعي، معقول.. اكتشف عفيف الوجه الآخر وهو أن جنبلاط كان يقف على الضفة التقدمية من معادلة هيغل: كل ما هو معقول، يجب أن يصبح واقعاً... وبحسب عفيف فإن جنبلاط كان يجيد التقاط علامات واشارات ومعطيات الواقع، ويحسن التعامل معه، واصطياد الفرص فيه، أو اللحظة المناسبة، لا لغاية ذاتية مادية او كسب مادي شخصي، (ومعلوم كم كان جنبلاط زاهداً عفيف النفس ما أشاد له سماء لا يطالها متطاول ، ويشهد لها، العدو قبل الصديق) ولكن هذا الاستغلال او الانتهاز للفرص والذي كان واقعهن الطائفي يتيحها كان دائماً لدفع قضية التقدم على شتى الأصعدة والمستويات... كان جنبلاط على حد وصف عفيف ينساب بليونة بين تعاريج مجرى الواقع الخدماتي المفسد، والواقع الطائفي المعطل، ليُحول الزيادة الكمية في عدد الانجازات البسيطة الى وعي اجتماعي نوعي جديد.. ومن ثىائية المثال والواقع، عالج عفيف عدة تنائيات تشطر وعينا الوطني وفكرنا السياسي : ثنائية العنف الثوري التغييري والسلم الأهلي المحافظ، ثنائية الطائفية السياسية واللاوعي الطائفي (ويسميها جوزيف مغيزل الحاسة السادسة عند اللبنانيين)، ثنائية التنافي والتدمير المتبادل في صيغة الكيان اللبناني (ويسميها عفيف الصليبية الهلالية)، ثنائية العلمانية والاسلام (وهنا ابتدأ أو عاد اهتمام عفيف بدراسة الاسلام الحضاري والثقافي والسياسي) ثنائية الوطنية اللبنانية والعروبة.. ومن خلال غوصه في عمق فكر وممارسة كمال جنبلاط أطل عفيف على القضايا التي ستشكل مفاتيح وعيه ونقده اللاحق للفكر السائد.. فقد عالج مسألة القومية بحسب الفهم الجنبلاطي الانساني وقارن بين القوميات المختلفة (بما فيها المارونية والسورية والعربية) وبين الصهيونية، متوقفاً عند خلو مساهمة جنبلاط في تعريف القومية من أي كلام عن التكوّن الطبقي والمصلحة الاقتصادية الخاصة بالفئات الحاكمة.. وقارن بينه وبين كلام فرانز فانون عن تخلف بورجوازية العالم الثالث دوراً وفكراً وامكانات، أي تشديد جنبلاط على الجانب المعنوي على حساب الجانب الاقتصادي... وهو في تلك المرحلة المبكرة كان يناقش المفكر الفلسطيني منير شفيق المسيحي الماركسي الماوي (المتحول لاحقاً الى الاسلام) الذي كان يومها يحاول بلورة أطروحة ماركسية قومية عربية جديدة لقيت رواجاً في أوساطنا التقى مع تيار درزي سوري تمثل بالحزب الشيوعي العربي ومؤسسه المرحوم هلال رسلان.. وقد تحدث عفيف في كتابه عن جنبلاط، عن القمع السياسي الناصري كسبب إضافي داخلي لفشل الوحدة العربية وفشل المواجهة مع الصهيونية.. فبذور فهمه لمركزية مسألة القمع في تطور النظام السياسي العربي بدأت مع فهمه المتجدد لكمال جنبلاط. في تلك المرحلة 1975-1977 كنا نخوض جدالات ونقاشات وحوارات واسعة وعميقة حول حركة التحرر الوطني العربية، وحول النموذج الفيتنامي والكمبودي في حرب الشعب القومية بقيادة ماركسية، وحول الوحدة العربية والتجزئة الاستعمارية والتخلف ومركزية القضية الفلسطينية في حركة التحرر الوطني العربية ، وحول الماركسيات السوفياتية والصينية في بناء الاشتراكية... وحول تجارب كوبا وفيتنام وكمبوديا وحركات المقاومة في فلسطين وافريقيا الخ..وانضاف الى نقاشاتنا التاريخية تلك حضور الاسلام الثقافي والسياسي... وكانت المناقشات تدور حول اشكاليتين: الاولى هي الهوية الحضارية الخاصة وهل تشكل قاعدة لصياغة وبلورة نظريات ثورية وفكر سياسي خاص مستقل عن الماركسيات التقليدية التي كنا نتبناها؟. وفي هذا الاطار كانت الماوية قد شكلت لفترة ما منقذاً لنا سرعان ما انهار في أعوام 76-77 بعد وفاة ماو ونشوب الصراع على السلطة في الصين ، ثم اندلاع الحروب بين فيتنام وكمبوديا، وبين الصين وفيتنام ... فكان بحثنا عن أدوات وأطر نظرية جديدة على قاعدة التجربة الفلسطينية من جهة، وتجربة الحركة الوطنية الللبنانية بقيادة كمال جنبلاط من جهة ثانية، هو ما ميّز فكرنا وممارستنا، حتى كان استشهاد كمال جنبلاط في آذار 77، ثم انهيار التضامن العربي وبدء الانقسام بعد زيارة السادات للقدس وكمب دايفيد، ثم انطلاق الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام الخميني... وبين هذه وتلك كانت عملية الاجتياح الكبير لجنوب لبنان في آذار 1978 (وكنا يومها في خندق القتال الأول في منطقة بنت جبيل وتلالها وسقط لنا كوكبة من الشهداء كانوا من كل طوائف لبنان). والاشكالية الثانية تعلقت بمسألة النهضة ، والوعي الحضاري، وبناء الذات الحضارية، والاستقلال السياسي والاقتصادي، ومواجهة الآخر.. وكنا قد بدأنا نقرأ مالك بن نبي وفرانر فانون وعلي شريعتي وأنور عبد الملك ونتفاعل مع موسى الصدر وأحمد بن بللا، ونعيد النظر في الاطروحات الماركسية اللينينية، التروتسكية والماوية والفيتنامية على حد سواء، باتجاه البحث عن ماركسية عربية جديدة.. وهنا أيضاً كان كمال جنبلاط مفيداً لنا الى جانب أنور عبد الملك في اكتشاف رؤية حضارية بديلة لا تكون مقلدة للغرب ولا تكون خاضعة للشيوعية المادية، وانما تنبني على تراثات حضارات الشرق الغنية، كالصين والهند والاسلام.. وقد أعاد عفيف فراج موضعة فكر جنبلاط الانساني هذا في إطار الموقف من الماركسية من جهة، ومن العرفان الصوفي من جهة ثانية، وصولاً الى صياغة تجمع بين الحكمة القديمة والعلم الحديث، وتجعل الحدس الصوفي يستكمل نظرية المعرفة الماركسية... في تلك السنوات المفصلية كانت الصين وروسيا وفيتنام وكمبوديا وكوبا ( وكل الدول الاشتراكية) قد تحولت بالنسبة الينا الى دول قمعية سلطوية استبدادية يموت فيها الانسان ويذبل فيها الضمير الحر والوجدان... لا بل أننا كنا نتبنى التسمية الماوية للاتحاد السوفياتي على أنه "امبريالية اشتراكية" وليس فقط مجرد "تحريفية"... وحين انطلقت ثورة ايران الاسلامية (آخر عام 77- مطلع عام 78) كنا نعيش جدالات وحوارات ونقاشات أفضت بالكثيرين منا الى الالتحاق بالاسلام الصاعد يومذاك كتعبير عن حالة حضارية نهضوية مقاومة وممانعة.. ويمكن القول هنا ان كتابات أنور عبد الملك ومنير شفيق ومحجوب عمر ومحمد عمارة وعادل حسين وطارق البشري وعادل عبد المهدي وفاضل رسول وحسن حنفي وأحمد عباس صالح (وهم من الماركسيين اللينينيين والماويين الذين انتقلوا الى أرض الاسلام انطلاقاً من مقولة تأسيس يسار اسلامي أو وجود يسار في الاسلام)، ثم كتاب ادوارد سعيد (الاستشراق) قد لعبت الدور الأهم في تحديد سياقات وأطر التحولات التي عصفت بجيلنا وجيل عفيف اليساري المناضل.. وفي كتاب (القمع السياسي) يبدو واضحاً كم كان لهذه الكتابات من وزن ومن دور في صياغة توجهات ومحاججات عفيف.. تلازم صعود الثورة الاسلامية الايرانية وعودة الاسلام السياسي الى ساحة الفعل العربي، مع تصاعد حدة الصراع العربي الاسرائيلي، وتصاعد حدة الأحادية الثقافية الامبريالية الغربية في شيطنتها للآخر، المسلم أو الشرقي، مع تصاعد الأزمة العميقة التي ضربت الماركسية وأقعدتها عن أن تكون أداة نظرية لفهم الواقع وممارسة التغيير ، وذلك قبل سقوطها الأخير مع سقوط الاتحاد السوفياتي وكل المنظومة الاشتراكية... في تلك الفترة كنت من بين الذين أعادوا اكتشاف الأمير شكيب أرسلان، ومن خلاله كل فكر النهضة الاسلامية وخصوصاً محمد عبده وجمال الدين الافغاني ورفاعة رافع الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي.. وشهدت تلك الفترة كتابات لوجيه كوثراني (الاتجاهات السياسية الاجتماعية في جبل لبنان) وسهيل القش (في البدء كانت الممانعة) ومنير شفيق (الاسلام في معركة الحضارة) وادوارد سعيد ( الاستشراق، و: تغطية الاسلام) وحسن الضيقة ( في نقد الماركسية ، ونقد سمير أمين) ونظير جاهل (في انتروبولوجيا الاسلام) ورضوان السيد (في الجماعة والسلطة والأمة) والياس خوري وحازم صاغية ووليد نويهض (في نقد التجارب اليسارية، وفي مسألة المثقف والسلطة، ومسألة الدولة والحزب الخ..).. وقد صدرت مجلة الوحدة (1980-1981) تحمل هذه الكتابات وغيرها، ومنها مقالة لعفيف في العدد الأول من المجلة (15 كانون الثاني 1980) بعنوان (جنبلاط: حين نتكلم عنه يضيء قنديل المعرفة ). فتحت مجلة الوحدة نقاشات وجدالات كان لها أثر كبير في فكر ووعي عفيف فراج كما يظهر من استشهاده بها في كتابيه: القمع السياسي، واشكالية النهضة.. ناهيك عن استشهاده بأنور عبد الملك ومحمد عابد الجابري ومحمد عمارة وهشام جعيط وكمال عبد اللطيف وغالي شكري وعبد الله العروي وادوارد سعيد ومنير شفيق.. لكن المهم في مقاربة عفيف لهذه الإشكاليات هو إطلالاته النقدية التي تربط ماضي هذا الفكر الاسلامي التجديدي بحاضره.. فيقارن ما بين عبده والطهطاوي والعقاد وطه حسين والرافعي والزيات من جهة وما بين ادوارد سعيد ومنير شفيق وأنور عبد الملك وبقية مؤسسي ما سماه عفيف (الاستشراق معكوساً) من جهة أخرى.. ولا ينسى أن يتوقف وقفة خاصة عند أدونيس الذي كتب في مدح الخميني مقالته الشهيرة: "شمس الحقيقة وسيف الغضب" (وهي عبارة يستخدمها بعض الشيعة لوصف الامام المهدي)، وقد استشهد عفيف بما كتب أدونيس في مجلته مواقف ( العدد 34-1979) من أنه " وفي المجتمع العربي القائم كلياً على الدين والذي لم تتطور فيه وسائل وأشكال الانتاج لتشكل وعياً طبقياً، يبقى الدين المرتكز الأساس".... تلك هي الأطر والسياقات التي واكبت اشتغال عفيف على أطروحته للدكتوراه (القمع السياسي) والتي انطلقت من ظاهرة (النظرة الغربية الاستعمارية الانتقاصية للشرق) ، وهي ظاهرة جرى لفت الانتباه اليها مع كتابات المفكرين المشار اليهم سابقاً والذين قدموا قراءة اعتبرها عفيف فراج اسشتراقاً معكوساً حين اعترف أمثال ادوارد سعيد وأنور عبد الملك ومنير شفيف (وحتى أدونيس الذي كتب أن انقسام العالم الى قطبين شرق/غرب هو حقيقة قائمة وأن الغرب تميّز بالتكنولوجيا وليس بالابداع، وأن الشرق ابداعي خيالي، الخ.).. وبحسب عفيف فإن هؤلاء المفكرين الذين اندفعوا يومها في تبني الخيار الحضاري الاسلامي اعترفوا فعلياً بالثنائية العرقية القومية وأقروا بها "فتساوى القامع والمقموع مع تعديل وهو أن المقموع قد عكس هوية من هو الأرفع ومن هو الأدنى فيدعي المسلم تفوقه الروحي على الغرب الطامع بالسلطة والربح المادي ويصبح الاسلام شعاراً للتحرير"... وهنا تبرز استثائية عفيف وسبقه لنا في مضمار استخلاص الدروس والتنائج من ذلك التحول الفكري والنظري الذي دخلنا فيه بعد عام 1980... فهو قد ماهى بيننا نحن (أي هذا الجيل من المثقفين اليساريين العرب المنفتحين على الاسلام الحضاري والسياسي) وبين فرانز فانون من حيث الكلام عن (ردة فعل) وعن انقسام العالم الى جنسين مختلفين (أبيض مستوطن وأسمر ملون) يقطنان في مدينتين مختلفتين .. الخ؟.. هذا التقسيم الى عالمين، شرق وغرب ، نحن وهم، هو أساس التقسيم اللاحق الذي أجراه بن لادن الى فسطاطين ، وأسماه جورج دبليوبوش محور الشر ومحور الخير، وهو ينطلق من نظرية توينبي في أن التاريخ هو (تحدي وردّ على التحدي)... ولكن عفيف يتميز أيضاً في قراءته لتلك المرحلة ومفكريها عن الموقف الأصولي العلماني الذي عبرّ عنه أفضل تعبير كتاب مهدي عامل (نقد الفكر اليومي) والذي تناول نفس المفكرين والأفكار وانما بنظرة احتقارية تدميرية نزقة، على عكس عفيف فراج الذي تناولهم بنظرة مُحِبّة ونقدية في آن مع الاعتراف لهم بفضل في أمور كثيرة خصوصاً تقديره لدور هذه الكتابات وهؤلاء المفكرين في إغناء عملية الانبعاث الاسلامي الجديد بمعطيات تنويرية هائلة.. وعلى الرغم من كون هذه الحركة الاستشراقية المعكوسة متطرفة في عدائها للغرب "بحيث تقفز فوق حقيقة أن الغرب في موقفه من الاسلام ليس واحداً متجانساً وان الثقافة الغربية ليست كلها متهمة بالمشاركة في العداء للاسلام والشرق"، إلا أن هذه الحركة "تبقى في المحصلة النهائية ردة فعل مناهضة للغزو البورحوازي الغريب لبلاد وعقول المسلمين"... ويحاول عفيف فراج أن يأخذ موقفاً وسطياً ما بين هؤلاء ومنتقديهم من غلاة العلمانيين الذين يتهمهم عفيف بتغربهم عن الثقافة الوطنية وعجزهم عن الانخراط مع الجماهير العريضة واغترابهم الاجتماعي الثقافي وعجز الماركسيين من بينهم عن انجاز أيديولوجية ثورية تتلاءم مع العصر دون القطع مع الماضي، أي دون التضحية بالاستمراية الثقافية التاريخية... وبرغم الاعتراف بصحة وعمق النقاشات التقدمية التي طرحها ماركسيون وعلمانيون تقدميون (صادق جلال العظم مثالاً) إلا أن عفيف لا ينسى أن يختم باستعارة مقولة غالي شكري: "يجب أن نهدم ثم نعيد بناء تراثنا الثقافي من منظور ثوري مقتبسين من تراثنا ومن الغرب ما يتناسب وحاجتنا الموضوعية"... وهذا الاستنتاج الخلاصة هو الذي جمع بيني وبين عفيف في المرحلة الأخيرة من حياته حين كنت أعمل مع سماحة الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين على مقولة استنباط وصياغة حداتثنا الخاصة بنا وعلمانيتنا النابعة من سياقاتنا التاريخية والحضارية الخاصة، وهو ما أسماه عفيف في مقولة أتبناها بالكامل وأدعو الى تعميمها والعمل بموجبها حين يقول: "إننا نحتاج الى فلسفة جديدة للنهضة.. وهذه قضية ملحة دائماً".. نعم فلسفة جديدة لنهضتنا المعوقة والناقصة..تستعيد تراثنا الحضاري ولا تموت غرقاً فيه، وتأخذ من الحضارة الغربية ولا تكون تابعة ذيلية لها..إنها اليوم (وكما كانت بالأمس) أكثر من قضية ملحة.. إنها هي القضية! وبعد فإن عفيف فراج أعطى في أطروحته عن القمع السياسي بين الشرق والغرب، قراءة علمية ناقدة حول المصادر المعرفية لتلك النظرة الغربية الاستعمارية للشرق والتي لخصها في مقولتي: الهمجية الشرقية والاستبداد الشرقي، دون أن يقع في فخ المصادرة والتعميم ... وقد حاول الدفاع عن بعض المواقف الماركسية واللينينية تجاه الشرق وتمييزها عن المنحى الانتقاصي والاحتقاري للغرب البورجوازي، وكان ذلك منه آخر سهام محاولة الجمع بين الاسلام والماركسية، وهي المحاولة التي عشنا تجربتها معاً خلال تلك المرحلة (1977-1980) قبل أن تطغى علينا فكرة المفاصلة الكاملة مع الغرب بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، والتي كانت على ما يبدو من منبع ماوي صيني وليس من منبع إسلامي تقليدي.. ذلك أن الاسلاميين من جيل عبده والافغاني والطهطاوي وأرسلان، ثم من جيل العقاد والرافعي وطه حسين، كانوا قد حاولوا الجمع والتأليف ما بين شرق وغرب على قاعدة الخصوصية الحضارية السمحة المنفتحة التي تأخذ الحكمة والعلم أنى وجدتهما... غير أن الإشكالية في عصرنا الراهن وفي حاضرنا المعيش هي أعمق وأبعد من ذلك... وعفيف حاول مقاربتها من خلال استعادة أسئلة عبد الله العروي دون أصولية العلمانيين اليساريين، وخارج أصولية الاسلاميين الجدد المبهورين بالصعود النضالي للحركة الاسلامية الجديدة بعد 1980.. فقدّم عفيف قراءة مميّزة في الفكر الغربي القديم والحديث من منظار (فكرة وممارسة القمع السياسي) وأعاد سبب تخلفّنا وتراجعنا أو عدم تقدمنا الى قوة الاستبداد والقمع السياسي في حضارتنا وثقافتنا وسياستنا.. فاستعاد بذلك موقف الافغاني التاريخي الذي وجد أن الاستبداد هو علة هذا الشرق، دون أن يغرق في التأبيد الذي اصطنعه الغرب والذي جعل من الاستبداد الشرقي جوهراً أزلياً ثابتاً يسم الشرق ، ودون أن يغرق في الاستشراق المعكوس الذي يجعل الاحتقار والانتقاص الغربي جوهراً أزلياً ثابتاً.. إن محاولة عفيف فراج بناء أسس فلسفة جديدة للنهضة العربية كانت المدماك الأول في ما صار لاحقاً يعرف باسم حوار الحضارات والتعددية الثقافية.. فعلاً كان عفيف هنا أيضاً سباقاً ومبكراً في استشراف ما ستصل اليه تجربتنا الفكرية والسياسية، وما سيتكشف عنه الاسلام السياسي: الثوري في كفاحه ضد الاستعمار، والقمعي حين وصوله الى السلطة.. وهذا من أبلغ دورس تجربتنا الثورية الماضية، ومن أوضح وصايا الربيع العربي الراهن..

VOLKER PERTHES : Looking Past Assad


AFTER almost two years of civil war, there are no longer two options for Syria, political or military. Both sides now rely on force. The opposition activists who try to maintain the originally peaceful character of their uprising are still there, but the armed rebels are calling the shots. Those in the regime who wanted to engage the opposition in some form of dialogue were marginalized early on, when Bashar al-Assad chose to respond to the protests with force. Eventually there will have to be a political process. But the conditions under which such a process will come about now largely depend on military developments on the ground — plus, to some extent, on the signals and actions of international players. But if both sides are now using military means for political ends, the ends differ. For the opposition, the military struggle is a means to support the initially civilian uprising. It considers the civilian population, even in regime-controlled territory, as its base, and it aims to depose the regime by gaining military and political ground. Many government officials are aware that the regime cannot win militarily — Vice President Farouk al-Sharaa said so much in a recent interview. But territorial losses and political setbacks have not made the regime core around Bashar al-Assad and his brother Maher more inclined to negotiate. Power sharing is simply not a concept in the Baathist world view. Nor does Assad seem any more willing than a year ago to negotiate a safe exit from Syria. His political strategy is to stay, but it is no longer about the whole of Syria. Assad believes he can concentrate on retaining a few strategic areas — Damascus; the coastal mountains, which are mainly inhabited by members of his Alawite minority; the port of Tartus; and the land connections between these areas — while inflicting scorched-earth punishments on rebel-held territory. Militarily, Assad is now relying almost totally on loyalists from his Alawite sect who dominate the senior officer corps. The mainly Alawite elite battalions and the air force are still largely intact, and supported on the ground by hastily recruited militias — the so-called shabiha — which have been responsible for most of the atrocities against civilians. With the rising brutality, the war has increasingly turned into a sectarian conflict. Propaganda depicting the Alawites as the enemy has been on the increase among the majority Sunnis, and some extremist groups have targeted Alawites. As a result, many Alawites are now prepared to fight on Assad’s side not out of conviction, but out of fear that if he falls they and their families will be slaughtered. Without assurances for their future, the elite battalions, air force, intelligence services and shabiha will fight on simply to secure the survival of their community, possibly in an Alawite enclave in the coastal mountains. Certainly the regime is to blame for the destruction of Syria’s social fabric, but this does not help to repair the damage. The more the opposition advances, the more it also becomes responsible for rescuing and rebuilding the state. The opposition has taken an important step by forming the National Coalition of Syrian Revolutionary and Opposition Forces. It now has a credible leadership with better contacts to the Local Coordination Committees and other civilian groups inside Syria, and it has made progress toward unifying the diverse forces of the Free Syrian Army and other armed groups under one military command. Parallel with the military struggle, though, the opposition has to present itself as a credible alternative to the regime. Among other things, the Coalition needs to start providing services in liberated areas, particularly by distributing relief aid to residents and refugees. At the same time, the Free Syrian Army needs to distance itself from extremist forces. Opposition leaders obviously appreciate the fighting power of these groups. Politically, however, the opposition cannot win with forces whose actions and propaganda exacerbate the fears of those Syrians who oppose the regime but fear that its fall will lead to more bloodshed and repression. Thanks to their personal histories, leaders of the Coalition such as Ahmad Moaz al-Khatib, Riad Seif and Suhair al-Atassi are well placed to offer a vision of coexistence to those, particularly Alawites, who have so far stuck with the regime. The appointment of an Alawite as ambassador to Paris was a good signal, but it is not enough to reassure the community that it will have a place in a post-Assad Syria. International actors do have an impact in Syria, even in the opposition. The main means of strengthening those who want to build a democratic and inclusive post-Assad Syria is to unify the flow of money and material support. The better the Coalition and the Free Syrian Army are able to pay their soldiers and dispense the necessary equipment, other militias and groups will submit to their leadership. This would increase civilian control over the military component of the rebellion, weaken extremist groups and improve chances for a political transition. Volker Perthes is director of the German Institute for International and Security Affairs (SWP), Berlin.

منى فياض: هل يمكن حماية الثورات؟


بداية أود التعليق على تعبير "نحن كمثقفين". من نحن هذه؟ في ظل التغيرات الجذرية الحاصلة هل يشكل المثقفون جسماً واحداً متجانساً ينفعل ويتخذ مبادرات او مواقف متماثلة تجاه حدث او قضية او ما شابه؟ للمثقفين اتجاهات ومواقف وآراء متباينة ومتناقضة ومتعارضة، فهم ليسوا كتلة متراصة على غرار الاحزاب الدينية الفاشية السائدة. لكن يظل للتساؤل مبرره، إذ إن سؤالاً فرض نفسه تجاه الاحداث الاخيرة في مصر: ما هو موقف الجسم القضائي من قرارات الرئيس المصري؟ هنا قد لا ننتظر اجابة واحدة من هذا الجسم بل متعددة وقراءتنا لها هي التي تسمح ببلورة موقف او بتوضيح الصورة. من هذا المنظار يحق طرح السؤال نفسه عن المثقفين. الطبيعي في الحالتين، وفي غيرهما، بروز التعدد في الاتجاهات أو حتى تناقضها. غالباً ما كان المثقفون - ويكونون- مع السلطة. من هنا صفة "مثقفي السلطان". المثقفون الذين كانوا مع الضعفاء في التاريخ قلة. برهنت الثورات العربية أن المثقف العربي بشكل عام، ما عدا قلة قليلة، لم يكن في الطليعة؛ ونجوم الثقافة وابطالها لم يتوقعوها. على الأقل في ما يخص المثقف - النجم التقليدي. بيّن الحراك الحاصل منذ بدايات العام 2011 ان الفئات الشابة المتعلمة والمعولمة من الطبقة الوسطى هي الوسيط المحرك الذي ساعد على تفجير الثورات وليس المثقف التقليدي، الذي ربما أخّر أو حتى أعاق تطوير آليات مساعدة على التغيير. الكثير منهم كان قد التحق بالأنظمة البائدة واستفاد من فنادقها وجوائزها ودافع عنها. بلغ تزيين الاستبداد والدفاع عنه حد اختراع صفات للتخفيف من بؤس العيش تحت سلطانه الغاشم، من مثل القبول بالمستبد لعلمانيته هرباً من الاصوليات (المضحك المبكي أن من يدافع عن علمانية مثل هذه الأنظمة هو نفسه من يدافع عن حركات أصولية في سياق آخر مقاوم!). أو اللجوء الى الشعار المخاتل مثل الممانعة وما شابه. المرحلة الراهنة لم تعد مرحلة "المثقف النجم" التي يمثلها بامتياز أدونيس وكلنا يعلم مواقفه ومهادنته الطويلة للنظام "العلماني"، "العلوي" للمناسبة، واستسهال انتقاد الله والدين لسهولة النجاة من القصاص (الدنيوي مثلا!) والامتناع عن توجيه أي نقد علني للنظام المستبد. إذاً هذه المرحلة ليست مرحلة "المثقفين النجوم" الذين فقدوا دورهم وبريقهم مع ذهاب الأنظمة الحاكمة. لا دور للمثقفين الآن إلا بمقدار انتمائهم الى التحرك الثوري الجاري في العالم العربي والمساعدة على التخلص من آثار المرحلة الماضية والنضال المتواصل ضد المستبدين الجدد المختبئين تحت عمامة الدين، وتحمل تبعات ذلك. الانحياز الى الشعوب التي برهنت عن طفرة من الوعي غير المسبوق، يفرض نفسه هنا، بعدما اعتبرت طويلاً ميؤوساً منها وبعدما برزت تنظيرات سادت لبرهة من الزمن عن "العقل العربي" الجامد بتكوينه. والانحياز الى الجيل الشاب الذي استوعب معنى الحق في المطلق، الحق في الحرية والحق في الكرامة بمعناها الانساني الشامل، أي الحق في التمتع بالحقوق الانسانية الأساسية بحسب ما تنص عليها شرعة حقوق الانسان. والحق في الحرية بمعناها الرمزي والفعلي. الأرجح أن يبلور هذا الجيل الأمور بطريقة خلاقة تتخطى القيم التقليدية المعيقة في الثقافة العربية. الجديد المهم على الصعيد الثقافي أن حركات الاحتجاج الشعبية اثبتت الشرعية الاخلاقية والاستراتيجية للنضال غير العنفي. الجماهير استفادت من تجارب الشعوب. ففي وقت نجد الكثير من "مثقفينا" يدافعون عن النظام الوحشي الدموي في سوريا ومن خلفه حليفته إيران لمصالح غالباً ما تكون مادية ضيقة، نجد أن الشعوب العربية استفادت من تجربتها مع حكامها الذين امتهنوا كرامتها ووجودها من خلال قوانين "طوارئ" دامت لعقود وعقود! لذا نجد أن الشعب المصري العظيم الذي على أكتافه سوف يتحدد مصير الثورة المصرية ومستقبل الثورات العربية، لم تنطل عليه حيل الرئيس "الإخواني" في أنه يطلب السلطات شبه الإلهية لفترة آنية. سلطت قرارات الرئيس مرسي المفاجئة وإعلاناته الدستورية الضوء على مدى هيمنة جماعة "الإخوان" على آلية صنع القرار السياسي في البلاد، وتسبب إصرار الجماعة على إجراء الاستفتاء على مسوّدة دستور غير توافقية، موجة رفض عارمة خوفاً من أجندة الجماعة الضمنية وانعدام الثقة في مدى قبولها بدولة مدنية ديموقراطية تستوعب تنوع المجتمع المصري بكل مكوناته، ما يهدد بتغيير هوية مصر التعددية فتصبح دولة دينية تخفي تحكم "ولاية المرشد" على شكل "ولاية الفقيه" في النموذج الشيعي الإيراني. يبدو إن هذا أكثر ما يخيف المصريين، أن يغمضوا أعينهم ويفتحوها ليجدوا أنفسهم تحت نظام إسلامي متطرف من النوع الذي شكله آية الله الخميني في إيران منذ 33 سنة. والذي لم ينتخبه الشعب الإيراني رئيسا أو مرشدا أعلى. كان قد وعد الناس أنه سيترك السلطة للشعب بعد نجاح الثورة وسيذهب إلى قم لمتابعة مهنته في التدريس هناك. لكن ما حدث أنه بقي في السلطة ومنح نفسه صفة "الولي الفقيه". الثورة الإيرانية لم تنفذ وعودها. وعلى غرار ما يفعل "الاخوان" في مصر، تم إعداد الدستور في إيران بسرعة ولم يجد الناس المتحمسون فرصة كافية لقراءته بعناية، والذين قرأوه وأرادوا أن يعبّروا عن آرائهم المختلفة كانوا يعتبرون معادين للثورة. الدستور الإيراني بعد الثورة كتبه أنصار الخميني، وكان الخيار الوحيد المتاح للناس أن يصوتوا بـ"نعم" أو "لا" على الدستور. لم يكن هناك مجال لاقتراح أي تغييرات. وبعدما نجح الدستور في الاستفتاء بنسبة 99 في المئة أمر الخميني باعتقالات وإعدامات على نطاق واسع بهدف تصفية وتشتيت المعارضين للثورة الذين تجرأوا على النزول إلى الشارع للاحتجاج على زيادته لسلطاته. كانت الثورة في إيران إنجازا حققته جماعات مختلفة اتحدت على هدف واحد، كما حدث في مصر، وهو إطاحة الاستبداد. لكن سرعان ما اختُطفت الثورة واستغل الخميني محبة الناس له للتخلص من معارضيه وتأسيس أول حكومة إسلامية متطرفة في المنطقة. وهذا ما يحاول تكراره الرئيس مرسي. ثم ما قيمة دستور لا يؤمن استقرارا للبلاد؟ وما قيمة دستور يقسم المصريين؟ والأخطر ماذا سينتج من الاستفتاء من عدم استقرار وعنف؟ لكن المصريين تعلموا الدرس وهم واعون تماماً أن ثورتهم لم تنته بمجرد إجراء انتخابات رئاسية ديموقراطية. وهم يرفضون الادعاء بأن الصلاحيات المطلقة التي يطلبها "آنية" فقط، لأنهم صاروا يعرفون تماماً أنه لا يوجد ديكتاتور موقت. كل الحكام المستبدين زعموا أنهم مضطرون الى إجراءات استثنائية بشكل موقت ثم استبدوا بالسلطة الى الأبد. من إيجابيات الانقضاض السريع والشراهة الاخوانية للهيمنة على مصر، أن هذه الممارسات تقدم نموذجاً لما يمكن أن تسفر عنه ممارسات القوى الإسلاموية في دول الربيع العربي في مرحلة التحول الديموقراطي وبناء مؤسسات الدولة، التي تعني لهم عملية بناء دولة تسلطية باسم الدين الاسلامي، تؤمن بالانتخابات وتحترم نتائج الصندوق من دون أن تحترم بقدر مماثل حقوق الأقليات، والفصل بين السلطات. إنها ممارسة شكلية للديموقراطية جوهرها فرض الإذعان والقبول بدستور هو محل خلاف لكنه يؤسس لدولة إسلامية على غرار دولة "ولاية الفقيه"، من خلال استخدام براغماتي لأدوات ديموقراطية، ولغة مزدوجة، ووعود فارغة وفهم مغلوط لمفهوم الأغلبية نفسه بحيث يساء تفسيره. من حق الأغلبية إدارة الحكومة إذا فازت، لكن لا يحق لها أن تفرض أحكامها على الجميع. هناك فارق شاسع بين الحكم والحكومة. تستطيع الأغلبية إدارة الشؤون العامة المتغيرة وفق أنظمة ثابتة. وهنا الفارق بين الجماعات الفاشية والديموقراطية. الأغلبية في نظام ديموقراطي تدير شؤون الدولة في إطار نظام يقوم على توازن السلطات، ووفق الدستور الذي يفترض أنه توافقي ويمنح الجميع الحقوق نفسها ويحمي الأقليات وكل القوى التي يتشكل منها المجتمع. أمام ممارسات "الاخوان" يصبح من الطبيعي ان ينقسم المجتمع المصري حول نزعة الانفراد والهيمنة للإسلامويين، وان تتضخم مخاوف القوى المدنية والمسيحيين من احتمال أن تكون الانتخابات التي أتت بالرئيس مرسي هي الأخيرة. لكن مناخ الربيع العربي وانطلاق سيرورة التغيير العميقة يمنعان تكرار تلك النماذج. إن الطبقة الوسطى العريضة والقوى الشبابية النشطة التي راكمت خبرات نضالية خلال معاركها خلال العامين المنصرمين، يضاف إليها إعلام قوي مستقل عن الدولة، ونظام قانوني وقضائي مستقر ونخبة قضائية ذات تكوين مهني عريق، قادرة على النضال الطويل من أجل حماية الثورة. غلطة "الإخوان" تأتي من عدم إدراكهم أن مصر قد تغيرت وانتقلت خطوات بعد الثورة في اتجاه الحرية والكرامة الإنسانية على مستوى الإحساس الداخلي عند كل فرد. انها معركة مستقبل مصر بين "الإخوان" وبقية الوطن. ومن ينتصر في هذه المعركة سيرسم ملامح مصر المستقبل. وهذا ما سوف يؤثر في مختلف أنحاء العالم العربي. على كل حال يبدو أن لممارسات "الاخوان" في مصر إيجابية الدفع نحو استيلاد الكتلة المدنية الليبيرالية في وجه ممارسات الاستبداد العائدة باسم الدين. وإظهار أن قوة هذه الكتلة لا تأتي من تنظيمها، بل من قوة تمثيلها الفعلي لأكثر من نصف الشعب الذي ما عاد يرضى لا بالديكتاتورية العسكرية ولا بالديكتاتورية الدينية. هذا النصف يتضمن أيضاً المتدينين الاسلاميين المنفتحين والمعتدلين الذين يريدون إسلاما ليبيراليا يعتمد الفكر المتسامح والمنفتح. وكلما تبلور وعي هذه الفئات بنفسها ككتلة تاريخية ذات وزن وحاولت تنظيم نفسها وبلورة برامجها السياسية الموحدة ورؤيتها المشتركة، نجحت في تغيير التاريخ والتعجيل في بلوغ أهداف الثورات التي اندفعت مثل طوفان في العالم العربي، والتي ستنتصر على المديين المتوسط والطويل مهما تكن الأكلاف. النموذج البطولي السوري النادر ماثل أمام أعيننا.

د. بشير موسى نافع: والعراق أيضاً لن يتغيّر بدون ثورة وطنيّة


http://www.al-aman.com/subpage.asp?cid=17065 ربما كانت الحركة الشعبية المتسعة، التي تشهدها منذ أسابيع مدن الأنبار وديالى وصلاح الدين ونينوى، مفاجأة على نحو ما. روّج بعض العراقيين، من أنصار رئيس الوزراء المالكي، طوال العامين الماضيين، لفكرة أن العراق لا يحتاج ربيعاً عربياً، لأنه كان السباق إلى ربيع الديمقراطية والحرية. وظن آخرون، من المشفقين على العراق وأهله، إن العراقيين منقسمون، طائفياً وإثنياً، وإن أي حراك سياسي معارض لنظام الحكم التمييزي الطائفي الفاسد، الذي يقوده المالكي، سيجر البلاد من جديد إلى هوة الصراع الأهلي - الطائفي. فئة ثالثة من مراقبي الشأن العراقي حسبت أن استمرار الجماعات الإرهابية، مثل، «القاعدة»، في ارتكاب الهجمات الدموية على عموم العراقيين، أغلق الباب، ولو إلى حين، على التحاق العراق بالنهضة الشعبية التي تعيد منذ أكثر من عامين رسم ملامح هذا المشرق العربي القديم. ولكن العراق أيضاً في حاجة ملحة للثورة، بعد أن أغلقت أمام قطاعات واسعة من شعبه طرق التغيير والإصلاح بالتفاوض المعتاد في الديمقراطيات الحرة. يدرك المالكي وحفنة المستفيدين الملتفين حوله حجم التحدي الذي يواجههم، وكما من سبقهم من حكام دول الثورة العربية، يحاولون اليوم إغراق الحراك الشعبي في دعاية سوداء من الاتهامات بالعمالة للخارج والميول البعثية والنزعة الطائفية. مئات الآلاف من العراقيين، الذين شهدناهم في جمعتي العزة والكرامة 28 كانون الأول والصمود 4 كانون الثاني، متهمون بالعمالة والبعثية والطائفية! في البداية، عندما خرجت مظاهرة مدينة الرمادي الأولى، قال المالكي ان حركة الشعب ليست سوى فقاعة (وهو الوصف المجيد الذي سيستعيره بشار الأسد بعد أسبوعين فقط، لينعت به كل حركة الثورة العربية). ولكن العراقيين، كما السوريون والمصريون والتونسيون واليمنيون والليبيون والأردنيون، من قبلهم، كانوا على موعد مع أنفسهم، وظلوا يخرجون كما لم يخرجوا إلى شوارع وساحات مدنهم منذ زمن الحركة الوطنية العراقية في نهاية الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. وما إن استفاق المالكي إلى حقيقة ما يواجهه حتى انطلقت آلته الدعائية في محاولة لمحاصرة الحركة الشعبية وتقسيم العراقيين من جديد. كل أنظمة الاستبداد لا تستطيع العيش باطمئنان دون تقسيم الشعب وزرع الخوف والشك بين أبنائه. والمالكي لم يكن له أن يأتي للحكم أصلاً، ولا أن يستمر في الحكم كل هذه السنوات المظلمة، دون تغذية أمراض ما بعد الغزو والاحتلال، التي أنهكت العراق وأثقلت كاهله. رفع العراقيون في تظاهراتهم مطالب تتعلق بإلغاء قوانين التمييز والاعتداء، التي يستخدمها المالكي لخدمة أهدافه الطائفية والسياسية، فاتهمهم رئيس الوزراء بمحاولة اقتلاع النظام. رفعوا علم الثورة السورية، في استعراض لا يخفى لانحيازهم إلى حركة الثورة العربية، فاتهموا بتنفيذ أجندات «إقليمية وخليجية». ورحبوا بمقتدى الصدر في مسجد عبد القادر الكيلاني ببغداد، وبوفود العشائر الجنوبية في مدن الحراك الشعبي الرئيسة، ورفعوا شعار «كلنا حسينيون من الأنبار إلى كربلاء»، فقال المالكي ان هذه ليست سوى حركة طائفية. والمدهش، أن وكالة مهر للأنباء الإيرانية، تردد في تقرير لها حول الشأن العراقي اتهامات المالكي لشعبه، وتعيد إلى الأذهان بؤس وضيق أفق السياسة الإيرانية تجاه ثورة الشعب السوري. انطلقت شرارة الحركة الشعبية العراقية في الأسبوع الأخير من العام المنصرم بفعل خطوة المالكي الخرقاء ضد د. رافع العيساوي، أحد زعماء القائمة العراقية، وزير المالية في حكومة المالكي، وابن محافظة الأنبار. كرر المالكي الهجمة التي قادها قبل عام ضد نائب رئيس الجمهورية، والقيادي البارز الآخر في القائمة العراقية، طارق الهاشمي، فأصدر أمراً باعتقال عدد من الضباط والجنود المرافقين لعيساوي بتهمة ارتكاب أعمال إرهابية. تهديدات المالكي لعيساوي ليست جديدة؛ وكان رئيس الوزراء أكد خلال فترة التوتر القصوى التي واكبت الهجمة ضد الهاشمي، أن ملف العيساوي جاهز هو الآخر. وتقول مصادر عراقية ان عناصر حماية العيساوي تعرّضوا، كما سبق مع عناصر حماية الهاشمي لتعذيب بشع، وأن المالكي أصدر بالفعل قرار اعتقال للعيساوي بتهمة المساعدة على الإرهاب. ولكن اندلاع المظاهرات الاحتجاجية، وشجاعة العيساوي في مواجهة الخطر الذي كان يتربص به، جعل رئيس الوزراء يتراجع عن قراره. مشكلة المالكي مع العيساوي هي ذاتها مشكلته مع الهاشمي، ومع موقع العراق في حقبة الثورة التي تجتاح العالم العربي من مغربه إلى مشرقه. وهي أيضاً السبب الرئيس خلف انطلاق الحركة الشعبية العراقية، واصطفاف القطاع الأوسع من القوى السياسية العربية، السنية والشيعية، كما الكردية، خلف هذه الحركة. بدأ المالكي حكمه، قبل أكثر من ست سنوات، بإظهار صورة وطنية لسياساته؛ ولكن الحقيقة، التي تطلبت بعض الوقت لتتضح، أنه كان يعمل فقط على تأكيد سلطته وإحكام قبضته على مقدرات الدولة. وما ان حسب أنه نجح بالفعل، حتى انطلق في سياسة الاستحواذ والتحكم الطائفي دون تردّد. انتهج المالكي سياسة إطاحة من يستطيع إطاحته به من ضباط الجيش السنة ومسؤولي أجهزة الدولة، وصنع لنفسه قوة سياسية شيعية في مواجهة شركائه من حزب الدعوة ومن القوى السياسية الشيعية الأخرى. في ولايته الثانية، أصبحت توجهات المالكي الاستحواذية والطائفية أكثر سفوراً؛ بينما تعلق شركاؤه في الحكم بأمل أن يدرك رئيس الوزراء أن سياسة الاستحواذ لن تحقق استقراراً ولا ازدهاراً. ولكن المالكي سرعان ما تفاجأ برياح الثورة العربية. ولكن مشكلة المالكي وإيران بدأت عندما اجتاحت رياح الثورة سورية، الحليف العربي الحيوي لإيران. هنا، لم تعد الثورة العربية مسألة جدل حول مصدر إلهام شبانها، أو حول قواها وتوجهاتها السياسية، بل مسألة مصالح جيوسياسية مصيرية. خاضت قوى المقاومة العربية معركة إفشال المشروع الأمريكي في العراق، ولكن لأسباب تتعلق بسياسات الأمريكيين وبتوازنات القوة العراقية والإقليمية، انتهى العراق إلى منطقة نفوذ إيراني. وفي وقت تواجه فيه إيران مخاطر وتهديدات دولية متصاعدة، لم يكن ثمة جهة في إيران على استعداد للتفريط بهذا المكسب الاستراتيجي الكبير. ولأن المخاطر أحاطت بمصير الحليف السوري، تضاعفت أهمية العراق وحيويته. كان من الممكن، قبل انطلاق حركة الثورة العربية، أن يمضي مخطط السيطرة الشاملة على العراق بصورة تدريجية ومرحلية. لكن بعد انطلاق الثورة العربية، أصبح من الضروري أن يحسم الوضع في العراق بصورة متسارعة، حتى إن بدا الحسم فجاً في بعض الأحيان. لم يعد ثمة ضابط، سنّي أو غير سني، تحوم الشكوك حول ولائه للمالكي، في قيادة فرقة أو لواء من ألوية الجيش الهامة؛ في الوقت الذي يجري فيه بناء سلاح الجو العراقي الجديد من لون سياسي وطائفي واحد. مئات أساتذة الجامعات العرب السنّة تم طردهم من وظائفهم بتهم اجتثاث البعث الجاهزة؛ ولا يكاد يوجد مدير دائرة سنّي واحد في وزارة يقودها وزير شيعي. وباعتراف الأمريكيين أنفسهم، أصبحت بعثات طلاب الدراسات العليا وبعثات التدريب العسكري إلى الخارج شأناً طائفياً بحتاً. وإلى جانب هذا كله، يقبع آلاف من أبناء المناطق العربية السنية، بما في ذلك مئات النساء، في السجون والمعتقلات، بمحاكمات صورية وبدون محاكمات. الشركاء الشيعة في الإئتلاف الوطني، الذي جاء بالمالكي الى الحكم من جديد، جرى تهميشهم، سواء على مستوى الحكم المركزي أو الإدارات المحلية. أما الشركاء في التحالف الكردستاني، فأخذ المالكي ينتهج سياسة تحجيمهم، وربما حتى إشعال مواجهة عسكرية معهم، بعد أن اختاروا الانفلات من المحور الإيراني وإبداء التعاطف مع ثورة الشعب السوري. في لهاثه المتسارع لتحقيق السيطرة الشاملة في العراق، مدعوماً من إيران، نسي المالكي حجمه الحقيقي في الساحة السياسية العراقية، الوطنية والطائفية، ونسي الظروف التي أعادته لحكم العراق. هذه إذن نهاية الطريق لحكم أسس على الطغيان ودولة أقيمت على قواعد غريبة على العراق وتقاليده. لم تكن قضية رافع العيساوي، سوى شرارة أشعلت النار في مخزون متراكم من الخطأ والخراب ومحاولة السيطرة بقوة السلاح والخوف وعصا أجهزة الأمن والعبث بالقضاء. قد يستطيع المالكي إثارة المخاوف الطائفية لدى قطاع من العراقيين. وقد يستطيع محاصرة تعاطف القوى السياسية الشيعية مع أشقائهم في محافظات الأكثرية السنيّة. ولكن ما تعيد الحركة الشعبية العراقية التوكيد عليه أن عراق المحاصصة، والمكونات، والإقصاء، والهيمنة السياسية والطائفية، لا يمكن أن يستقر.

سمير فرنجية:: السقوط الوشيك للنظام السوري يفرض علينا إعادة الاعتبار للدولة


نظمت منسقية طرابلس في "تيار المستقبل" ندوة سياسية لعضو الأمانة العامة لقوى "14 آذار" سمير فرنجية تحت عنوان "خيارات لبنان بعد سقوط النظام السوري"، حضرها النائبان سمير الجسر وبدر ونوس، عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل" مصطفى علوش، وأعضاء مجلس ومكتب المنسقية وحشد من كوادر التيار. بعد النشيد الوطني وكلمة ترحيبية من منسق التثقيف السياسي في طرابلس أحمد الرافعي، كانت كلمة لفرنجية قال فيها: "للمرة الأولى منذ عقود طوال، ها ان لبنان أمام فرصة حقيقية لانكسار القيد الذي كبل حياته الوطنية وحرمه حقه في الاستقرار ومواكبة التطور. فالنظام البعثي السوري الذي عمل كل ما في وسعه منذ سبعينيات القرن الماضي لوضع يده على لبنان، بدعوى "الغاء مفاعيل سايكس - بيكو وإقامة سوريا الكبرى "هو اليوم على حافة السقوط. انه يواجه حركة احتجاج شعبية عارمة، غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث، وتشكل معلما بارزا من معالم "ربيع العرب" الطالع من آلام الناس ومن آمالهم المروعة في الحرية والكرامة" . أضاف: "هذا النظام (السوري) لعب دورا حاسما في تأجيج الحروب التي دمرت بلدنا على مدى عقود. لقد استغل التباينات القائمة في مجتمعنا الشديد التنوع، كما استغل ضعف دولتنا المشلولة بالصراعات الطائفية المقيتة، فأزكى العنف بكل أشكاله، وشمله برعايته الدائمة، وسد أبواب أي تفاهم داخلي، ما استطاع الى ذلك سبيلا". وتابع: "في 14 آذار 2005، وعلى اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كسر اللبنانيون حاجز الخوف، تماما مثلما تكسره الشعوب العربية اليوم، فتجاوزوا انقساماتهم وتوحدوا في ثورة حقيقية، سلمية ديموقراطية، أخرجت الى ساحة الحرية ثلث اللبنانيين في يوم واحد، فأجبرت النظام السوري على سحب قواته من لبنان، كما دفعت المجتمع الدولي الى تشكيل محكمة خاصة لكشف الحقيقة في قضية الاغتيال وإجراء حكم العدالة. غير أن تلك الثورة لم تتمكن من بلوغ كل غاياتها، إذ سرعان ما قاد النظام السوري "ثورة مضادة"، فأطلق حملة اغتيالات منظمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان وربما في تاريخ المنطقة وأشعل حربا فعلية لإسقاط الدولة بواسطة عصاباته المسلحة في مخيم نهر البارد (2007)، كما حاول تعطيل مؤسسات الدولة باقفال المجلس النيابي (2006-2008)، وسعى الى إسقاط الحكومة وإلغاء المحكمة الدولية تحت ضغط السلاح الميليشياوي (كانون الثاني 2007 وأيار 2008). ورغم انتصار التيار الاستقلالي في انتخابات 2009 التشريعية، تمكن النظام السوري من اسقاط الحكومة في 11 كانون الثاني 2011 واعادة الامساك بالسلطة في لبنان، من خلال حكومة موالية له" . وأكد فرنجية ان "السقوط الوشيك لهذا النظام يضعنا جميعا أمام قرار مصيري: إما مواصلة حروبنا الصغيرة، أو التحلي بدرجة عالية من الفضيلة الوطنية والعمل الجاد لإرساء القواعد الثابتة لسلام دائم في ما بيننا"، مشددا على أن "خيارنا هو خيار السلام لأن السلام بات شرطا لبقائنا في وطننا، شرطا لمنع الانهيار، انهيار الدولة وانهيار اقتصادنا، شرطا لحماية بلدنا من تداعيات السقوط المحتوم للنظام السوري". وأردف: "السلام هو أيضا شرط لتأمين دور فاعل للبنان في الجهود المبذولة لبناء عالم عربي جديد، ديموقراطي وتعددي على أساس المواطنة وحقوق الانسان، عالم عربي يشبهنا ونشبهه، وشرط لإقامة وئام حقيقي وثابت بين لبنان اليوم وسوريا الغد، بعد نصف قرن من التوترات المتواصلة، وشرط لتجديد الدور الذي لعبه المشرق العربي في عصر النهضة، خصوصا لجهة تحديد "طريق عربية" نحو الحداثة والديموقراطية" . وأشار الى أن "سقوط النظام السوري يشكل من دون أي شك هزيمة للفريق الذي ربط مصيره بمصيره وتوهم أنه قادر بفعل الدعم الخارجي على تحقيق ما لم يتمكن من تحقيقه كل الذين من قبله حملوا السلاح باسم مقاومة ما، مقاومة "لبنانية" ضد الفلسطينيين، ومقاومة "وطنية" دفاعا عنهم. وصولا الى الاعتقاد بامكانية إعادة تأسيس لبنان بشروط طائفة بعينها واستبدال "المارونية السياسية" التي سقطت مع حرب العام 1975 بـ"شيعية سياسية" تدين بالولاء للنظامين الايراني والسوري"، جازما بأن "أحدا لا يستطيع توظيف هذه الهزيمة الموصوفة لصالحه، وذلك بسبب طبيعة مجتمعنا الذي لا يحتمل غالبا ومغلوبا" . وأوضح أن "حرب لبنان لم تنته في العام 1990 بغالب ومغلوب، وإنما بعودة الجميع الى الدولة وإزالة الدويلات التي بنتها الميليشيات. واليوم، مع سقوط النظام السوري علينا أن نعود الى الدولة وأن نبني حياتنا المشتركة بشروط الدولة، لا بشروط طائفة أو حزب سياسي أو ميليشيا مسلحة". وختم: "لهذه الغاية علينا أولا أن نعيد الاعتبار الى الدولة، بوصفها صاحبة الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة واستخدامها، وأن نضع حدا لهذا التمييز المهين بين اللبنانيين، بين من هم خاضعون للقانون وبين من هم فوق القانون والمحاسبة. وعلينا ثانيا أن نحرر الدولة من الارتهان لشروط المجموعات الطائفية من خارج منطق الدستور واتفاق الطائف، هذا الارتهان الذي يعطل قيامها بواجباتها الأساسية، وأن نعمل على إقامة دولة محررة من الاكراهات الطائفية والمذهبية، دولة مدنية ديموقراطية حديثة تعيد للمواطن حقه في اختيار سلطته ومحاسبتها. وعلينا ثالثا أن نعيد الاعتبار الى السياسة، فنحررها من الاختزال بالطائفية والمذهبية، وأن نعمل من أجل ذلك على إنشاء كتلة مدنية عابرة للطوائف تستطيع وضع ما جاء في اتفاق الطائف موضع التطبيق خصوصا لجهة تجاوز الطائفية وصياغة قانون حديث للأحزاب يحول دون التطابق بين الحزب والطائف، وقانون جديد للانتخابات يفسح في المجال أمام تجديد النخب السياسية بعيدا بالتحديد عن منطق المشروع الأرثوذكسي الذي تبناه البعض منا، إضافة الى تفعيل المجالات غير المحكومة بالاعتبارات الطائفية من خلال إعادة الحياة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي وإقرار اللامركزية الإدارية، وتأمين استقلالية القضاء، وإصلاح الادارة. وعلينا رابعا أن نعمل على "تنقية الذاكرة" من خلال مراجعة شجاعة ونزيهة لتجربة الحرب، والمساهمة في تجاوز ما سببته أحداث السنوات الأخيرة من تناحر خطر بين المذاهب الاسلامية، ووضع حد لنظرية تحالف الأقليات ضد الأكثرية" التي ساهمت في تأجيج العنف الذي شهدته البلاد".

Syrie : le silence des intellectuels français


Jean-Pierre Filiu Universitaire Publié le 23/01/2013 http://blogs.rue89.com/jean-pierre-filiu/2011/12/04/la-poussee-islamiste-dans-les-urnes-nannonce-pas-un-automne-integrist-0 Les mouvements révolutionnaires dans le monde arabe n’ont jamais suscité un enthousiasme débordant dans les milieux intellectuels de France. L’ombre de Michel Foucault, succombant en 1979 aux mirages khomeynistes, a pu inhiber bien des élans de solidarité. Mais qu’on était loin du lyrisme suscité par la chute du mur de Berlin. Une révolution dépréciée On s’enflammait alors pour nos « frères » européens, tandis que les Arabes étaient irrémédiablement « autres ». Il ne restait qu’à réduire leur combat collectif aux variations saisonnières d’un « printemps » pour déjà anticiper « l’automne » islamiste et « l’hiver » intégriste. Et leur « thawra », leur « révolution » dans tous les sens du terme, était ravalée au rang de « révolte » sans lendemain, de « contestation » condamnée à la récupération. La manipulation s’aggrava, dans la cas syrien, de la conjonction de courants disparates : • les « experts » en (contre) terrorisme, pour qui Al Qaeda représente moins une réalité physique que la garantie d’une rémunération stable de leur « expertise » ; • les tenants de la « protection » des chrétiens d’Orient (mission censée être historiquement assignée à notre pays), aveugles au point de lier le sort de ces minorités au destin des despotes ; • les « anti-impérialistes », égarés dans un Orient trop complexe pour leur bipolarisme ravageur. Si on ajoute à cela le très tricolore « on nous cache tout, on nous dit rien », les ingrédients étaient réunis pour une querelle bien française, où la Syrie n’était que prétexte à vider nos rancœurs nationales. Le fait que la dictature syrienne traque avec constance toute forme d’information indépendante aboutissait à jeter le doute sur les sources alternatives et engagées. Cette censure, passive ou active, permet de renvoyer dos à dos les protagonistes d’une « guerre civile » culturalisée, voire folklorisée. Silence médiatique Durant un dimanche d’août 2012, le silence médiatique sur le massacre de Daraya m’amena à lancer un cri d’alarme sur le carnage en cours depuis plusieurs jours. Je me gardais bien de diffuser les images (atroces) des charniers découverts et je précisais que les chiffres avancés par l’opposition (de 320 à 633 victimes) étaient « absolument invérifiables ». Mais ces précautions de forme comme de fond ne m’épargnèrent pas une rafale de réactions d’une agressivité inouïe. Je passe sur les amabilités du genre « BHL au petit pied », « porte-parole de l’Otan » et « agent du Qatar ». Le commentaire au fond le plus révélateur m’accusait de mettre en scène « les cow-boys et les Indiens ». Alors que je n’ai cessé de rapporter et de dénoncer les exactions perpétrées par la guérilla syrienne, j’étais suspecté de travestir les faits, pourtant aussi têtus en Syrie qu’ailleurs. Comme si la dégradation de la réflexion critique conduisait fatalement à idéaliser des « gentils » révolutionnaires contre des « méchants » agents de la dictature. De tels procès d’intention sont une insulte à la pensée libre. En ce sens, la tragédie syrienne révèle le degré de provincialisation d’une partie de notre classe intellectuelle, accaparée par ses polémiques hexagonales. Le peuple syrien saura se libérer par ses propres forces et c’est bien là toute sa grandeur. La révolution vaincra, à Damas et à Alep, non pas contre ses détracteurs français, mais sans eux. Espérons qu’ils émergeront de leur impasse narcissique avant la prochaine révolution arabe.

La poussée islamiste dans les urnes n'annonce pas un « automne intégriste »


Jean-Pierre Filiu Universitaire Publié le 04/12/2011 http://blogs.rue89.com/jean-pierre-filiu/2011/12/04/la-poussee-islamiste-dans-les-urnes-nannonce-pas-un-automne-integrist-0 La Révolution arabe ne fait que commencer et elle va encore se déployer durant de longues années d’un bout à l’autre de cette région. Les succès électoraux remportés par les formations islamistes en Tunisie, au Maroc et en Egypte amènent pourtant certains à considérer que cet épisode est clos et qu’un automne islamiste a déjà succédé au printemps arabe. Rien ne serait plus erroné que de tomber dans ce piège intellectuel, car le soulèvement démocratique a enterré l’alternative entre dictature et islamisme, après des décennies où Ben Ali et Moubarak l’ont martelée pour justifier leur despotisme. Quant aux islamistes, ils savent qu’ils disposent d’une fenêtre d’opportunité, et ils vont tenter d’en tirer le maximum de bénéfices, avant que cette conjoncture favorable n’évolue, peut-être à leur détriment. Ennahda en Tunisie a remporté 89 sièges sur 217 pour l’Assemblée constituante (pour 36% des suffrages exprimés) et elle décroche ainsi la présidence du gouvernement, laissant celle de l’Assemblée à un social-démocrate et celle de la République à un nationaliste. Au Maroc, le Parti de la Justice et du Développement (PJD), avec 29% des votes pour 107 des 385 députés, obtient aussi le poste de Premier ministre. Les Frères musulmans égyptiens gagneraient 40% des voix à la première des trois séquences électorales, sans préjuger du résultat final des législatives, qui ne sera connu qu’en janvier 2012. Vers des coalitions de compromis On s’achemine dans tous les cas vers des gouvernements de coalition, où les islamistes devront nouer des compromis avec des formations laïques, nationalistes ou libérales. Il ne faut jamais oublier que les Frères musulmans jordaniens avaient obtenu 40% des voix en 1989, lors des premières élections libres en un quart de siècle, mais que leur médiocre performance gouvernementale leur avait fait perdre le scrutin suivant. Dans ces trois pays, les partis islamistes n’ont pas fait campagne sur un programme islamique, mais sur des thèmes de moralisation de la vie politique et d’affirmation nationaliste. Ils profitent d’un vote hétérogène, où la composante islamiste n’est pas forcément majoritaire, mais où deux aspirations contradictoires peuvent se retrouver : • la volonté de rupture avec l’ancien régime, d’une part, qui a bénéficié à des formations ciblées par la répression des dictatures en place ; • le désir de normalisation rapide, d’autre part, qui a profité à un « parti de l’ordre », surtout en Egypte, où les Frères musulmans se sont détournés de la contestation de la place Tahrir. L’hétérogénéité de ce vote correspond à la grande diversité de tendances à l’intérieur de ces partis, que la discipline interne, de type léniniste, a jusqu’à présent contenue. Mais Ennahda se révèle incapable de tenir un congrès depuis sa légalisation et les tensions sont multiples au sein des Frères musulmans égyptiens. Les formations islamistes vont partout être obligées de faire l’apprentissage accéléré du pluralisme externe et interne, alors que des années de répression, voire de clandestinité, ont ancré en elles une culture et une pratique du monolithisme. Surenchère salafiste Elles sont en outre contestées sur le même registre par des organisations avec lesquelles elles refusent de collaborer : • la Proposition populaire (populiste), en Tunisie ; • Justice et bienfaisance (alliée des contestataires du Mouvement du 20 Février), au Maroc ; • les salafistes (très conservateurs sur les questions de société), en Egypte. Le jeu est ouvert sur une scène politique structurée, pour la première fois clairement, entre une majorité et une opposition. Les vainqueurs des élections de cet automne vont devoir prouver leur capacité à gérer les affaires du pays. La pente naturelle sera plutôt à la rhétorique patriotique qu’à la surenchère religieuse. Et l’acuité de la crise sociale pourrait, à défaut d’écourter ce moment islamiste, dissiper très vite pour ces formations leur actuel état de grâce.

تحية كبيرة الى الرجل الطيب والامام الأكبر الشيخ أحمد الطيب... هكذا تكون العمائم...


نص وثيقة الأزهر الشريف لنبذ العنف، التي اتفق عليها الحاضرون في لقاء الخميس 31 كانون الثاني/يناير 2013، عقب اجتماع القوى السياسية مع شيخ الأزهر الامام أحمد الطيب. باسمِ جَمهرةٍ من شبابِ الثورة، وفي رِحابِ مَشيَخةِ الأزهرِ، وباسمِ الأزهرِ الشَّريفِ المؤسَّسةِ العلميَّةِ الوَطَنيَّةِ العريقةِ، وبمُشاركةِ طائفةٍ من هَيْئةِ كِبارِ العُلَماءِ وممثلي الكنائس المصرية، نُعلِنُ التِزامَنا بالمبادِئِ الوَطَنيَّةِ والقِيَمِ العُليَا لثَوْرةِ الخامس والعِشرين من يَناير، التي يحرِصُ عليها كلُّ المشتغِلينَ بالسياسةِ والشأنِ الوَطَنِيِّ من السِّياسيِّينَ وقادَةِ الفِكرِ ورُؤَساءِ الأحزابِ والائتِلافاتِ، وسائر الأطيافِ الوَطَنيَّةِ كافَّةً، دُونَ تمييزٍ. الموَقِّعونَ على هذه الوثيقةِ يلتَزِمونَ بما يلي: ١) حقُّ الإنسان في الحياةِ مقصدٌ من أسمَى المقاصِدِ في جميعِ الشَّرائِعِ والأديانِ والقَوانينِ، ولا خَيْرَ في أُمَّةٍ أو مجتمعٍ يُهدَرُ أو يُرَاقُ فيه دَمُ المواطنِ، أو تُبتَذَلُ فيه كَرامةُ الإنسانِ، أو يضيع فيه القصاص العادل وفق القانون. ٢) التأكيدُ على حُرمَةِ الدِّماءِ والمُمتَلكاتِ الوَطَنيَّةِ العامَّةِ والخاصَّةِ، والتَّفرِقةُ الحاسمةُ بين العمَلِ السِّياسيِّ والعملِ التخريبيِّ. ٣) التأكيدُ على واجبِ الدولةِ ومُؤسَّساتِها الأمنيَّةِ في حِمايةِ أمنِ المواطنينَ وسَلامتِهم وصِيانةِ حُقوقِهم وحُريَّاتِهم الدُّستوريَّةِ، والحِفاظِ على المُمتَلكاتِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وضَرورةِ أنْ يَتِمَّ ذلك في إطارِ احترامِ القانونِ وحُقوقِ الإنسانِ دُونَ تجاوزٍ. ٤) نبذُ العُنفِ بكلِّ صُوَرِه وأشكالِه، وإدانتُه الصَّريحةُ القاطعةُ، وتجريمُه وطنيًّا، وتحريمُه دِينيًّا. ٥) إدانة التحريضِ على العُنفِ، أو تسويغِه أو تبريرِه، أو التَّرويجِ له، أو الدِّفاعِ عنه، أو استغلالِه بأي صُورةٍ. 6) إنَّ اللُّجوءَ إلى العُنفِ، والتَّحريضَ عليه، والسكوتَ عنه، وتشويهَ كلِّ طرفٍ للآخَر، وتَرْوِيجَ الشائعاتِ، وكل صُوَرِ الاغتيالِ المعنويِّ للأفرادِ والكياناتِ الفاعلةِ في العمَلِ العامِّ، كلُّها جرائمُ أخلاقيَّةٌ يجبُ أنْ يَنأَى الجميعُ بأنفُسِهم عن الوُقوعِ فيها. ٧) الالتِزامُ بالوسائلِ السِّياسيَّةِ السِّلميَّةِ في العمَلِ الوطنيِّ العامِّ، وتربيةُ الكوادرِ الناشطةِ على هذه المبادئِ، وترسيخُ هذه الثَّقافةِ ونشرِها. ٨) الالتِزامُ بأسلوبِ الحوارِ الجادِّ بين أطرافِ الجماعةِ الوطنيَّةِ، خاصَّةٍ في ظُروفِ التَّأزُّمِ والخلافِ، والعملُ على تَرْسيخِ ثقافةِ وأدبِ الاختلافِ، واحترامُ التعدُّديَّةِ، والبحثُ عن التَّوافُقِ من أجلِ مَصلحةِ الوطَنِ، فالأوطانُ تتَّسِعُ بالتَّسامُحِ وتضيقُ بالتعصُّبِ والانقِسامِ. ٩) حمايةُ النَّسيجِ الوَطَنِيِّ الواحدِ من الفِتَنِ الطائفيَّةِ المصنوعةِ والحقيقيَّةِ، ومن الدَّعواتِ العُنصُريَّةِ، ومن المجموعاتِ المسَلَّحةِ الخارجةِ على القانونِ، ومن الاختِراقِ الأجنبيِّ غيرِ القانونيِّ، ومن كُلِّ ما يُهدِّدُ سَلامةَ الوطَنِ، وتضامُنَ أبنائِه، ووحدةَ تُرابِه. ١٠) حمايةُ كيانِ الدَّوْلةِ المصريَّةِ مَسؤوليَّةُ جميعِ الأطرافِ، حكومةً وشعبًا ومعارضةً، وشَبابًا وكهولاً، أحزابًا وجماعاتٍ وحركاتٍ ومُؤسَّساتٍ، ولا عُذْرَ لأحدٍ إنْ تسبَّبت حالاتُ الخِلافِ والشِّقاقِ السِّياسيِّ في تَفكيكِ مُؤسَّسات الدولةِ أو إضعافِها. ونحنُ إذ نُعلِنُ إيمانَنا بهذه المبادِئِ، وما تُعبِّرُ عنه من أُصولٍ فَرعيَّةٍ، وثَقافةٍ دِيمقراطيَّةٍ، ووحدةٍ وطنيَّةٍ، وتجربةٍ ثوريَّةٍ - ندعو كلَّ السِّياسيِّينَ، قادةً أو ناشطينَ، إلى الالتِزامِ بها، وتطهيرِ حياتِنا السياسيَّةِ من مَخاطِرِ وأشكالِ العُنفِ، أيًّا كانت مُبرِّراتُها أو شعاراتُها، وندعو كلَّ أبناءِ الوطنِ، حُكَّامًا ومحكومينَ، في أقصى الصَّعيدِ والواحاتِ، وفي أعماقِ الدِّلتا والباديةِ، وفي مُدُنِ القناةِ وسَيْناء، إلى المصالحةِ، ونبذِ العنفِ، وتَفعيلِ الحوارِ - والحوار الجادّ وحدَه - في أمورِ الخِلافِ، وتَرْكِ الحُقوقِ للقَضاءِ العادِلِ، واحتِرامِ إرادةِ الشَّعبِ، وإعلاءِ سِيادةِ القانونِ، سَعْيًا إلى استِكمالِ أَهْدافِ ثَوْرةِ الخامس والعشرين كاملةً - بإذْن الله.

الأربعاء، 2 يناير 2013

الحركات الاسلامية والربيع العربي


الدكتور سعود المولى لقد سمحت الأزمة العامة التي عصفت بالدول العربية كنتائج لأزمة العولمة وأزمة الكرامة وأزمة الحرية ، بانطلاق ثورات الربيع العربية وفي قلبها اسلاميون من شتى الأطياف، فهم أبناء هذا المجتمع وهذا الحراك وهذا الوضع الثوري المتأزم. لم يكن التيار الاسلامي على رأس الحراك الاجتماعي والثوري ولكنه لم يكن غريباً عنه بل كان في قلبه. لم يهبط الاسلاميون الى أرض الواقع بالباراشوت من خارج بلادهم بل كانوا في قلب الواقع الثوري... ففي مصر شارك الاسلاميون في تشكيل حركة كفاية وفي اضرابات معظم قطاعات المهن الحرة والجامعات والعمال.. وفي تونس والمغرب وسوريا كانوا الاكثر تعرضاً للقمع والاعتقال.. ومنذ التسعينات تطورت لغتهم وتقدم خطابهم نحو تبني شعارت ومقولات الحوار والتعددية والتسامح والانفتاح والدولة المدنية والسلم الأهلي والديموقراطية... والتيار الاسلامي حمل ويحمل في داخله توجهات وخيارات وبرامج ومشاريع واسعة ومتعددة تبرز فيها تناقضاته وحدوده.. ليس التيار الاسلامي إذن بالظاهرة الغريبة التي تحاول خطف الثورة أو حرفها عن مسارها.. هو إحدى قوى الثورة بل لعله أهمها وأكثرها تنظيمأً وحراكاً وتطوراً وحضوراً.. وليس التيار الاسلامي بالبعبع المخيف. فهو مثله مثل غيره، فيه المحافظ الرجعي والتقدمي الثوري، فيه السلفي التقليدي والمدني الحديث، فيه الديموقراطي والاستبدادي، فيه الإلهي والبشري، فيه من كل تنوعات الثورة والربيع وألوانه . ومن الأمور الأساسية التي تمخض عنها الربيع العربي مشاركة الإسلاميين الفاعلة في عملية التغيير (خصوصاً في مصر وتونس والمغرب). وقد صعد الاسلاميون الى الحكم عبر صناديق الاقتراع وبعد غياب استمر لعقود عملت خلالها السلطات القائمة على قمعهم وتهميشهم وعلى استعداء المجتمع والنخب ضدهم بحجة الظلامية والسلفية والارهاب... ولا ننسى أن النظام التونسي الهالك كان منع العمل السياسي الاسلامي ومنع الحجاب في الأماكن العامة والمدارس والجامعات... وقد تميزت سوريا بتجريم مجرد الانتماء الى الاسلاميين والحكم بالإعدام على كل من يثبت انتسابه إلى الإخوان المسلمين. وكنا قد تابعنا ورصدنا خلال السنوات الماضية بروز اتجاهات قوية وفاعلة لدى الحركات الاسلامية الأساسية للمشاركة السياسية ولتبني الدولة المدنية والمواطنة... ولعل أبرز هذه التطورات حصلت لدى حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية في المغرب ولدى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. كما أننا رصدنا اتجاهات المراجعة (النقد الذاتي) في حركتي الجهاد الاسلامي والجماعة الإسلاميّة في مصر، وقد امتدت هذه المراجعات الى العديد من الحركات الاسلامية الجهادية.. ومن أبرز ما حملته المراجعات تبني خطاب جديد في ضرورة التعايش السلمي داخل المجتمع أولاً ثم مع الدولة ثانياً، ونبذ العنف، والدعوة الى العقل والرشد.. غير أن سقوط الأنظمة القمعية (مصر وليبيا وتونس بالأخص) قد طرح على تلك الحركات (المعتدلة منها كالاخوان، أو صاحبة التجربة الجهادية التي مارست النقد الذاتي والمراجعة وتشكلت في أحزاب سياسية) تحديات جديدة تتعلق بكيفية ادارتها للحكم وتطبيقها لمقولاتها ومبادئها، وكسب ثقة الناس والافساح في المجال أمام الآخرين للمشاركة في التجربة، وكيفية عملها على بناء نموذج ديموقراطي جديد قابل للحياة... لقد كسبت الحركات الاسلامية رهان التأييد الشعبي عبر نجاحها الباهر في انتخابات ديموقراطية حقيقية ، ولكنها لم تكسب بعد رهان تمثيل الجماعة الوطنية وهموم الوطن ومستقبله.. صحيح أن الحركات الاسلامية صارت اليوم تحكم أو تشارك في الحكم، وتتمتع بنشاط حزبي وسياسي علني، الا أنها لم تصل بعد الى بر الأمان في قضايا ادارة الاختلاف والتنوع، والتضحية بالمصالح الحزبية والفئوية لحساب مصلحة الوطن والأمة..ويبرز في هذا المجال النموذج المصري الذي ما زال يتخبط... إن موقف الحركات الإسلامية من الديموقراطية عموماً، وبشكل خاص موقفها من قضية الديموقراطية والمواطنة والأقليات الدينية المسيحية والإسلامية على حد سواء، هو معيار أساسي للحكم على تجربة الاسلاميين في الحكم... فالديموقراطية في وعي وممارسة العديد من قادة وكوادر وجمهور هذه الحركات ليست نظاماً متكاملاً مؤسساً على الحقوق الأساسية للمواطنة، وإنما هي مجرد "لعبة برلمانية" تفوز فيها الأغلبية الانتخابية، أي أنها "وسيلة براغماتية" قد تخفي استبداداً سلطوياً اشد وأدهى من سابقيه.... فالمطلوب من الحركات الاسلامية الحاكمة حمل موقف واضح وممارسة جادة حيال مسألة التعددية الفكرية والسياسية التي تقول بها ، وحيال قضايا المرأة واندماجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي... والمطلوب أيضاً حسم مسألة ومفهوم الدولة المدنية كإطار لتنظيم العلاقة مابين الدين و القانون الدستوري أو الأساسي للدولة... السؤال الرئيسي الذي يجول في خاطر المواطنين العرب يتعلق بقابلية أو قدرة الحركات الإسلاميّة على التحول إلى أحزاب ديموقراطية إسلامية تتعايش مع العلمانية، على غرار التجربة التركية. وما يزيد من الحاح السؤال أن الدول التي نجح فيها الاسلاميون بقوة هي من النوع العلماني الوطني (مصر وتونس والمغرب) ذات التراث الطويل والعميق في الدولة الوطنية والدستور والبرلمان والتعددية الحزبية، رغم مراحل الاستبداد والقمع... والمعنى الأعمق للسؤال يتعلق بقابلية أو قدرة هذه الحركات على التطور الديموقراطي، أي على التحول من شكلها النضالي السري الثوري أو الجهادي أو الاحتجاجي الاجتماعي إلى شكل حزبي ديموقراطي وطني مدني ، وعلى قبول الاختلاف والتعدد الحزبي والفكري (وخصوصاً في داخل هذه الحركات) وحرية الرأي والتعبير (والحرية الدينية تحديداً) ... ويخطر في البال هنا تجربة حركة الأحزاب الديموقراطية المسيحية في إيطاليا وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي كانت وليدة الانهيار التاريخي للنازية والفاشية... ولعل من الواجب تنبيه الحركات الاسلامية الحاكمة الى ضرورة دراسة تلك التجربة... كما أن الحركات الاسلامية تواجه أيضاً قضية العلاقة مع القوى العلمانية في مجتمعها وهي قوى تاريخية ذات وزن واعتبار (خصوصاً في مصر وتونس والمغرب) وبالتالي فإن من واجباتها الملحة المساهمة في صياغة فقه الحوار والتعدد والتعايش والمصالحة والسلم الأهلي أولاً وفقه الدولة الحديثة ثانياً لجهة قضايا المساواة في المواطنة والحريات الدينية وحقوق الإنسان، والمشكلة الطائفية وحماية الأقليات، ومسألة تطبيق الشريعة وقوانين الأحوال الشخصية..الخ.... ولعل في التجارب الدستورية الايرانية والتركية والمصرية والتونسية والمغربية على السواء، كما في التجربة اللبنانية الميثاقية-الدستورية، ما يشكل تراثاً وذخيرة تستحق الدراسة في هذا المجال... إن التحالف مع العلمانيين (من يساريين وقوميين وليبراليين على السواء) يتطلب التخلص من نزعات الغلبة (التي عرفناها في لبنان)، ومن عقلية الاستئثار بالسلطة (كما حدث في مصر) أو استئصال الخصوم (كما في الجزائر). وأمامنا كمثال آخر ايجابي تجربة العدالة والتنمية في المغرب (كما في تركيا)، وتجربة النهضة في تونس، في قيام ائتلافات وطنية واسعة تضم اسلاميين وعلمانيين لادارة الحكم... وهذه التجارب تطرح الكثير من الأسئلة والاشكاليات... فبعض غلاة العلمانيين يرى أن الاسلاميين يطبقون مقولة أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنهم يتمتعون ببراغماتية عملانية كبيرة تصل الى حدود النفاق والانتهازية السياسية الرخيصة... ولذا فإن المطلوب من الحركات الاسلامية اليوم تقديم نموذج صحيح عن قيام توافقات وتحالفات استراتيجية تصون العمليّة السياسية الديموقراطية ومسيرة التغيير من خلال برامج واضحة وتحالفات مبدئية شفافة ومن خلال مواجهة المشاكل المزمنة عبر عقد تسويات نبيلة من صنف تلك التي تؤسس الأوطان والدول، أي أن تكون هذه التوافقات والتفاهمات الاستراتيجية هي أساس العقد الاجتماعي الجديد... وفي مجال العقد الاجتماعي الجديد يطرح الكثيرون قضية موقع ودور الحركات السلفية التي صارت كالفزاعة يستخدمها أعداء الربيع العربي لإفشال رياحه... وما ينبغي توضيحه دائماً هو أن السلفية كالاخوان كالشيوعية كالقومية هي ظواهر سياسية اجتماعية، وأنه ليست هناك سلفية واحدة بل سلفيات متعددة الوهابية واحدة منها لا تختزلها ولا تنوب عنها، والجهادية هي آخر افرازاتها ولكنها ليست التعبير الأول أو الأفضل أو الأكمل عنها... وأنه كان هناك سلفيات وطنية واصلاحية ابطالها أمثال محمد عبده ورشيد رضا وعلال الفاسي وشكيب أرسلان في زمانهم... والمهم هنا ابراز الاختلاف والتضارب بين هذه السلفيات على غرار الاختلاف والتضارب بين شيوعية ماوية وأخرى تروتسكية وثالثة روسية ورابعة فيتنامية أو كوبية .. الخ... والمهم هو فصل السلفية الجهادية والارهابية وحصرها في نطاقها الصحيح وتمييزها عن سلفيات الحديث والسنة والسلف الصالح والتقليد والمحاكاة والسلفيات البرلمانية (كما في مصر والكويت والبحرين مؤخراً).. ولعل ما تحتاجه الحركات الاسلامية اليوم أكثر من اي شيء آخر، هو العمل على الربط الصحيح والخلاق بين عملية بناء نظام سياسي ديموقراطي من جهة وتحقيق تنمية مستدامة في المجتمع من جهة أخرى... وهنا بالضبط يقع معنى عنوان "العدالة والتنمية".. وبالتالي فإن على الحركات الاسلامية العربية أن تدرس أكثر ايجابيات وسلبيات النموذج التركي في هذا المجال.. فالقضاء على البطالة والفقر وعلى التهميش المناطقي والاجتماعي وعلى التمييز القومي والاثني والديني، وتحقيق النمو الاقتصادي المترافق مع نهضة حقيقية للريف وللفقراء ومتوسطي الحال، وللتعليم والتربية، وللطبابة والاستشفاء والضمان الصحي والاجتماعي، هو المعيار الوحيد للنجاح الحقيقي في التحول والتغيير نحو الأفضل.. وهنا بالضبط يكمن معيار المفاضلة بين القوى الاسلامية نفسها وهو معيار البرنامج الاقتصادي الاجتماعي الذي يحقق الاستقلال والحرية والكرامة مع العدالة والتنمية والديموقراطية... ومن المهم والمفيد لكل الحركات السياسية الأخرى التعامل مع التيار الاسلامي كواقع اجتماعي سياسي شرعي له حق الوجود والعمل وحق الوصول الى السلطة كغيره، وعلى قوى اليسار والديمواقراطية والليبرالية التي تخشى على مكتسبات الثورة والربيع أن تعيد تنظيم نفسها ومراجعة خطابها وأدائها وطرح لغة جديدة وبنية جديدة تستطيع معها أن تستعيد حضورها ورياديتها.. ولا تبكي على وصول الاسلاميين الى السلطة، فهذا هو الصح وليس شواذاً أو استثناء.. وكلل وصول الى السلطة (سبقهم اليه القوميون والماركسيون) سيواجه التيار الاسلامي تحديات بناء الدولة والمجتمع، واقامة التحالفات، وصوغ السياسات، وتحديد الاصدقاء والاعداء، وتوضيح البرامج والشعارات، وسيتفاعل معها مثل غيره من التيارات، سلباً وايجاباً.. والنتيجة لن تكون معروفة سلفاً بل هي تتوقف على جهدنا المشترك وعملنا معاً للدفاع عن مكتسبات ثورة الربيع ولصون الأوطان وحفظ وحدة المجتمع ولحماية الديموقراطية والحرية والتعددية ولبناء توافقات وتفاهمات استراتيجية من أجل الوطن والشعب والمواطنة المتساوية في كل بلد، ومن أجل قضايا العرب والمسلمين، وخصوصاً قضية فلسطين، ومن أجل التنمية والتقدم على طريق العدالة الاجتماعية. لذا فان المطلوب هو التركيز على الشفافية والديموقراطية والمحاسبة والرقابة وعلى الحريات الفردية والعامة وعلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة ونبذ العنف بكل أشكاله وعلى التنمية البشرية وعلى المجتمع المدني وعلى تشجيع قيام مراجعات نقدية لدى كل التيارات اسوة بمراجعات جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية في مصر التي تحولت من العنف الجهادي الى الديموقراطية المدنية السلمية.. والمطلوب من كل القوى وعلى رأسها العلمانية القومية واليسارية والليبرالية، مع الاسلامية، التواضع، والنقد الذاتي، ونبذ التطرف والأصولية، ونبذ العنف والتكفير والتخوين، والدخول في مرحلة مصالحة وطنية شاملة، ومراجعة نقدية جذرية، وتحول سلمي ديموقراطي، ولبناء دولة مدنية عادلة لمصلحة تقدم وازدهار مجتمعاتنا وشعوبنا، ولمصلحة الاستقلال الوطني والتنمية والحرية والديموقراطية مع الكرامة....

محاولة الالتفاف على القوى الأكثر تطوراً في الربيع العربي: لبنان ومصر نموذجاً


سمير فرنجية - لبنان تثبت أحداث مصر وتونس يوماً بعد يوم عجز الأحزاب العقائدية التي وصلت الى السلطة عن التعامل مع التحولات العميقة التي أحدثها الربيع العربي. ليس هذا العجز ناجماً فقط عن خيارات هذه القوى السياسية، بل تعود اسبابه الى ما هو أبعد من السياسة وصراعاتها، تعود الى تحول أساسي لم تأخذه هذه القوى في الاعتبار وهو استعادة الفرد العربي لدوره، الأمر الذي أسقط منطق الاختزال الذي كانت تعتمده كل القوى العقائدية، من كان منها حاكماً باسم الأمة او معارضاً باسم الدين، وهو منطق قائم على اختزال الانسان بالجماعة والجماعة بحزب والحزب بقائد. هذه معادلة تؤدّي عملياً الى القول: في البدء كان "القائد"، وليس الانسان، ولا حتى "الكلمة". الربيع العربي هو في أساسه فعل أفراد قبل أن يكون فعل جماعات سياسية. بو عزيزي في تونس ووائل غنيم في مصر وحمزة الخطيب في سوريا وغيرهم، أفراد لا علاقة لهم بجماعات. أثار الظلم الذي طاولهم موجة من التماهي العاطفي تخطت كل الحدود وأحدثت ما لم يكن أحد يتوقعه، مُطلقة عملية محاكاة على مستوى العالم العربي لم يكن أحد يتوقعها. لقد شهدنا في لبنان مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ظاهرة شبيهة من التماهي العاطفي فاجأت الجميع وخصوصاً من كانوا وراء عملية الاغتيال. وقد نبعت قوة الحركة الاستقلالية من كون غالبية الناس الذين شاركوا في انتفاضة الإستقلال إنما تحركوا بقرار ذاتي. لم يأتوا استجابةً لنداء من خارجهم، بل اعتبر كلٌّ منهم نفسه، وعلى طريقته، شريكاً أصلياً في المعركة الدائرة. نعم كانت الأحزاب السياسية حاضرة وفاعلة بالتأكيد. غير أن وجودها كان أقلياً بلا جدال. ولئن كان استقلال 1943 من إنجاز نخبة لبنانية، هي "آباء الإستقلال الأول"، فإن استقلال 2005 هو من إنجاز كل لبناني شارك فيه بشكل أو بآخر. وهنا يكمن الفرق، كل الفرق، بين الإستقلالين. التحوُّلُ الأساسي الذي أحدثه 14 آذار 2005 كان تحوّلاً من طبيعة ثقافية – أخلاقية. لقد أطلق استشهاد رفيق الحريري دينامية مصالحة مدهشة لدى كل لبناني مع نفسه ومع الآخر. إن جوهر تلك الظاهرة، التي لم يقدّر أحدٌ مداها في حينه، لا ينتمي إلى حقل السياسة، بل إلى نظام القيم ومرتبة الأخلاق. ذلك أن تلك الصحوة الوجدانية أعادت اللحمة إلى مجتمع عصفت بتضامنه وقطّعت أوصاله حربان متواليتان، ساخنة (1975 – 1990) ثم باردة (1990 – 2005)، فصيّرته مجرّد رُكام من أفراد مشتتين وغير قادرين على التضامن والفعل. لقد شهد 14 آذار إذاً، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، انبعاثَ هوية وطنية لبنانية لا تُحدِّد مضمونها طائفةٌ بعينها؛ هوية جامعة تتجاوز الانتماءات الطائفية من دون أن تلغيها؛ هويةٌ من شأنها أن تُعيد إرساء العيش المشترك على شروط الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين لا على شروط قوى طائفية سياسية معينة. انبعاث هذه الهوية الوطنية الجديدة عبَّر عن نفسه بولادة رأي عام مدني، وازن ومستنير، ربما أيضاً للمرة الاولى في تاريخ لبنان. وهو أمرٌ في غاية الأهمية لمستقبل الوطن، لأنه أدخل بُعداً جديداً كل الجدّة على الحياة السياسية التي كانت حتى ذاك محكومة بعمليات التحالف والخصومة والنزاع في ما بين زعماء الطوائف وأعيان المناطق. هذا الرأي العام غير طائفي، لأنه غير قابل للإختزال في طائفة بعينها. لكنه أيضاً ليس علمانياً، لأنه لا يضع الهوية الوطنية في مواجهة الانتماءات الطائفية والمناطقية. إنه رأيٌ عام مدني، وهو بذلك أكثر حداثةً وانفتاحاً من الطبقة السياسية التي تحاول تمثيله وتواصل في الوقت نفسه إعطاء الأولوية المطلقة لـ"حقوق" الطوائف، أي عملياً لقيمومتها هي على تلك الحقوق. هذا الرأي العام مستقلٌ بطبيعته، بمعنى أنه لا يشكل احتياطياً ثابتاً لحزب بعينه، بل يمنح تأييده لكل اداء سياسي منسجم مع تطلعاته، ويمنعه عن أي أداء مخالف. لذلك فإنه لا يخضع لمنطق توازن الرعب الذي يحكم العلاقة بين القوى السياسية. فسلاحه هو اللا عنف! حاولت القوى العقائدية من دينية وطائفية تهميش هذا الرأي العام والعودة الى المنطق الذي كان سائداً قبل انتفاضة الاستقلال. كلفة هذا الأمر كانت باهظة؛ إذ باتت البلاد منقسمة انقساماً يصعب تخطيه، والدولة مشلولة شللاً كبيراً، وخطر الفتنة يزداد يوماً بعد يوم. الطريق نفسها يسلكها "الأخوان" في مصر. فهم ارتكبوا خطأً جسيماً عندما تصرفوا كأنهم أصحاب حق مطلق، فحاولوا الحصول على صلاحيات وصفها أحد المعلقين بـ"السلطانية"، الأمر الذي تسبب بانقسام المجتمع نصفين متقابلين، وهو انقسام أكدته نتائج الاستفتاء حول الدستور الجديد الذي نظمته السلطة. فاذا كان من حق "الأخوان المسلمين" في مصر الامساك بالسلطة نتيجة انتخابات نيابية و/ أو رئاسية شارك فيها المصريون بوصفهم مواطنين أفراداً، فليس من حقهم الإمساك بالدولة وتغيير طبيعتها استناداً الى مشروعهم الخاص من دون توافق المجتمع بكل مكوّناته الأساسية. إن أكثر ما يعبّر عن هذا التوافق المجتمعي، بصيغة قانونية تعاقدية، هو الدستور. لذا ينبغي ان يعكس الدستور هذا التوافق المجتمعي، وليس من شأنه التعبير عن ميزان قوى سياسي متغيّر بطبيعته، مثلما لا يحقّ له التعبير عن فئة واحدة في المجتمع، خصوصاً إذا كانت جماعة حزبية. الى ذلك لم يدرك "الاخوان" أمرين اساسيين: الأول أن معارضيهم اليوم "هم الذين أنهوا الحكم السابق بكل قوته وجبروته وواجهوا بطشه ورصاص جنوده". لم يتراجعوا في الأمس ولن يتراجعوا اليوم. الثاني أن من الصعب جداً الارتداد على هذا التحول التاريخي الذي أحدثه الربيع العربي والاستعاضة عن ديكتاتورية "علمانية" بأخرى "دينية". للتذكير فقط، فقد جرى منذ سقوط حسني مبارك تأسيس ما بين 6 و10 آلاف جمعية غير حكومية. إن التحدي الذي يواجه الحركة الاسلامية هو في الخروج من التقابل بين الاسلام والديموقراطية وابتكار "طريق اسلامية" نحو الديموقراطية شبيهة بـ"الطريق المسيحية" نحو الديموقراطية التي تجسدها اليوم الأحزاب الديموقراطية المسيحية في اوروبا. المهمة ملحة نظراً إلى التحديات التي تواجهها على أكثر من صعيد، ولاسيما الصعيد الاقتصادي- الاجتماعي، والتي تتطلب إعادة الوصل مع مكوّنات المجتمع الأكثر تطوراً وانفتاحاً.

حدود للتسليم "الواقعي" بتحوّلات الثورة السورية


أحمد بيضون - لبنان لا بدّ من حدّ للتسليم الواقعي بما تصير إليه حركة تاريخية تبدأ متّخذة لنفسها صورةً بعينها ومتطلعة إلى أفق معلن ثم تجد نفسها، بعد حين، وقد اتّخذت صورةً مغايرة وأصبح إفضاؤها إلى الأفق الذي أرادت فتحه، في البدء، أمراً معلّق الاحتمال أو غير مرجّح الحصول في مدى منظور. نفكّر في الثورة السورية: في ما آلت إليه موازينها العامّة وفي إلزامها المتدرّج لمثقفيها بالتقبّل المتتابع لأطوار وأحوالٍ آلت إليها وكان بعضهم قد عبّر عن أشدّ الخوف من التوجّه نحوها قبل أن تحصل فعلاً. ثمّة حدّ للمنطق الذي يتذرّع بكون النظام الأسدي، بإيغاله في القمع الهمجي وبما تمكّن من استنهاضه من دعم حاسم في النطاقين الإقليمي والدولي، هو الذي فرض هذا أو ذاك من التحوّلات التي شهدتها الثورة وراحت تزيدها غربة عن صورتها الأولى: عن الإلهام الأصلي الذي استنهض، طوال شهور، إعجاب العالم وإن يكن لم يستنهض نخوة قوى كبرى كان معوّلاً على حزمها لترجيح كفّة الثورة. فلم يقيّض لهذه حسم المواجهة لمصلحتها في مهلة مشابهة لما احتاجت إليه، في العامين الأخيرين، أقطار عربية أخرى وبأكلاف قابلة للمقارنة بتلك التي تكبّدتها شعوب تلك الأقطار. النظام فرض "هذا": هذا مؤكّد ولكن المعضلة الجديرة، هي أيضاً، بالنظر وبالعمل هي أن "هذا" قد حصل وأن نتائج بعينها ذات وقع غير هيّن على مستقبل سوريا تترتّب على حصوله. ما نشير إليه من أطوار وأحوال له أسماء معلومة يسهل استذكارها، فلا نبقى في عالم المجرّدات. كانت الثورة في شهورها الأولى سلمية: اتّخذت التظاهر أسلوباً رئيساً لحركتها وتركّزت بؤرها الكبرى في مدن متوسّطة الأهمية إجمالاً، معوّلها الأوّل على الأرياف المحيطة بها وعلى فائض الزراعة في هذه الأخيرة. وهي – أي المدن – تستقبل، إلى ذلك، فيضاً من أهل الريف من غير تهيئة أو توفّر لما يسهّل لها استيعابه. عالجت السلطة الأسدية حركة التظاهر هذه بالبطش الشديد وتمكنت من الحيلولة طويلاً دون غلبة يعتدّ بها للحركة على ساحات العاصمتين، دمشق وحلب، وتركّزها فيهما، على غرار ما تمكنت من تحقيقه، ردحاً من الزمن، في حمص وفي حماه، مثلاً... ولقد بدا، مع تعاقب المجازر، أن المنفذ المتاح من هذا النفق الدموي يتمثّل في تشقق آلة القمع على نحو يضعف ذراع النظام الضاربة مقلّصاً قدرته على البطش، من جهة، ويوفّر حماية للحركة، من جهة أخرى، وحاجزاً في وجه قمع بدا أنه لا يلوي في تصاعده على شيء. وقد حصل هذا التشقق وتوسّع. إلا أنه لم يبلغ حدّاً تشلّ معه آلة النظام القامعة وذلك لأسباب تتّصل بالتكوين التاريخي لهذه الآلة وبما أورثه هذا التكوين من تماسك طائفي لمعظم قياداتها ولأهمّ قطعاتها المقاتلة. وهذا في ظلّ الصفة الطائفية المعلومة للنظام والخشية الطائفية التي راح النظام يسعى إلى تعزيزها، في صفوف الأقليات عموماً، من مغبة سقوطه. هكذا راحت سوية القمع ترتفع إلى ذرى دموية مهولة وراح المكوّن العسكري في الثورة يزداد، مع ارتفاعها، أهمية، ويتوسع مستدرجاً، فضلاً عن النظاميين "المنشقّين"، عناصر من خارج القوّات النظامية، بل أيضاً من خارج سوريا كلها. وكان أن قوّات الثورة هذه قد أفلحت، مع تمادي المثابرة العنيدة، على الرغم من سوء تجهيزها المؤكّد والتبعثر الظاهر لقياداتها وتوجهاتها، في السيطرة على مناطق ومرافق كثيرة وفي التظهير المتزايد لعلامات التضعضع والتراجع في جهة النظام. على أن هذا التطوّر، في جانب الثورة، نحو مواجهة العنف بالعنف كان ينتهي، في الواقع، لا إلى حماية الحركة الشعبية بتنوّع قواها واتساع قواعدها الاجتماعية، بل إلى الدفع بها نحو الهوامش والحلول المتدرّج محلّها. كان ينتهي إلى ما سمّي "عسكرة الثورة" بما يعنيه ذلك من تغليب لأفق العسكر وأسلوبهم في الصراع السياسي ولمسلكيتهم الاجتماعية ولما يحتاجون إليه من أنواع الدعم التي يتعذّر المضيّ في المواجهة المسلّحة إن هي لم تكن متاحةً ولو على شحّ وندرة. اليوم أصبح وقع العسكرة هذا على الثورة أمراً مقضياً. وكان بين أبرز وجوهه نقل هذه الأخيرة من السباحة في مياه إسلام شعبي، غائم الملامح الاجتماعية وضعيف الإلزام في السياسة، إلى إسلام آخر، ضيّق في حركيّته ومتزمّت في شعائريته ولو على نحوين مختلفين كثيراً أحدهما عن الآخر: فواحد تفرضه، على الخصوص، انتقائية تعتمدها مصادر الدعم، الخليجية أساساً، فيعزّز في السياسة تنظيم "الإخوان المسلمين" الذي انتقل من حال الذواء المتأتي عن عقود القمع إلى حال التصدّر والحظوة الواسعة في صفوف العسكر المنشقّ وفي صفوف التمثيل السياسي للثورة سواءً بسواء. وواحد آخر يعتمد السلفية الجهادية هوية وأسلوباً ويستدرج إلى الساحة السورية من أشرنا إليهم من "مجاهدين" مختلفي المنابت على النحو الذي بات مألوفاً منذ بزوغ نجم "القاعدة" في أفغانستان. هذا كله يسّرته سيادة العنف على الساحة كلها ولكن يسّره أيضاً تهالك المعارضة السياسية المتمادي وضعف أطرها وعجزها عن الارتقاء بالعلاقات بين أطرافها وبمسلكية هذه الأطراف، في مهلٍ مقبولة، إلى السوية المصيرية للمواجهة الدائرة على أرض سوريا والسوية الرفيعة لاستعداد السوريين للبذل. يصحب هذه النقلة صراحة متفاقمة في رسمٍ ذي صفة طائفية لخطوط المواجهة السياسية الجارية في ميادين الداخل. والطائفية – وقد أشرنا إلى هذا أيضاً – أمر تسهل نسبته إلى النظام: تاريخاً وانتساباً. ولكن الطائفية شيء يتغير وينقله العنف خصوصاً من حال إلى حال. ولا يمكن القول إنه لا يزال حيث وصلت الثورة السورية اليوم في حاله التي كان عليها عند انبثاق الثورة. ثمّة شرعية لاتّهام النظام بفرض هذه التحوّلات بسائر وجوهها على من يواجهونه. ثمة شرعية للقول إن هذا الذي حصل ويحصل لم يكن منه بدّ بسبب ما أظهره النظام من همجية وبسبب استبسال حلفائه الخارجيين في إسناده. وهذا استبسال لم يتهيّأ ما يوازنه للثائرين وللثورة. ثمة وجه للبحث عن أصل الطائفية المتفاقمة في تكوين النظام ولتحميل قدر جسيم جدّاً من المسؤولية عن تفاقمها لسلوك النظام. بل يمكن أيضاً نسبة حال الخواء والتهاوي التي ظهرت فيها تشكيلات المعارضة السياسية إلى عشرات من السنين جهد النظام خلالها في إخلاء البلاد من السياسة. يصحّ القول أيضاً، من غير شك، أن أسوأ ما يمكن حصوله لسوريا هو بقاء النظام الأسدي محكّماً برقاب شعبها وأن ما سيقدم عليه هذا النظام، إذا استوثق من بقائه وإطلاق يده، نوع من الاستئصال المختلف الوجوه يضيق عن قباحته الخيال. ولكن العزاء الذي ينطوي عليه هذا التوجيه نحو النظام للاتهام، بمختلف شُعَبه، عزاءٌ محدود وإن تولّت تسديده بوصلة سليمة. فالحال أن هذه التحولات الفادحة حصلت وتحصل فعلاً وأنها تحمل على استذكار شعارات الحرّية والكرامة والوحدة الشعبية التي شارك السوريون في رفعها شعوباً عربية أخرى وتحمل على السؤال عن المصير المرجّح لهذه الشعارات في الآفاق التي باتت الثورة الجارية مشرفة عليها. ولا ريب أن الجواب (أو الأجوبة) عن هذا السؤال يفترض أن تترتّب عليه (أو عليها) وجهة (أو وجهات) تقترح، في الأفق الذي فتحته الثورة نفسها، على العمل السياسي. كان وعدُ الربيع العربي كله، والثورة السورية ساحة عزيزة من ساحاته وذروة من ذراه، "فَتْحَ المستقبل". فما العمل، اليوم وغداً، لمنع إغلاق المستقبل من جديد؟

هل يمكن حماية الثورات؟


منى فياض - لبنان بداية أود التعليق على تعبير "نحن كمثقفين". من نحن هذه؟ في ظل التغيرات الجذرية الحاصلة هل يشكل المثقفون جسماً واحداً متجانساً ينفعل ويتخذ مبادرات او مواقف متماثلة تجاه حدث او قضية او ما شابه؟ للمثقفين اتجاهات ومواقف وآراء متباينة ومتناقضة ومتعارضة، فهم ليسوا كتلة متراصة على غرار الاحزاب الدينية الفاشية السائدة. لكن يظل للتساؤل مبرره، إذ إن سؤالاً فرض نفسه تجاه الاحداث الاخيرة في مصر: ما هو موقف الجسم القضائي من قرارات الرئيس المصري؟ هنا قد لا ننتظر اجابة واحدة من هذا الجسم بل متعددة وقراءتنا لها هي التي تسمح ببلورة موقف او بتوضيح الصورة. من هذا المنظار يحق طرح السؤال نفسه عن المثقفين. الطبيعي في الحالتين، وفي غيرهما، بروز التعدد في الاتجاهات أو حتى تناقضها. غالباً ما كان المثقفون - ويكونون- مع السلطة. من هنا صفة "مثقفي السلطان". المثقفون الذين كانوا مع الضعفاء في التاريخ قلة. برهنت الثورات العربية أن المثقف العربي بشكل عام، ما عدا قلة قليلة، لم يكن في الطليعة؛ ونجوم الثقافة وابطالها لم يتوقعوها. على الأقل في ما يخص المثقف - النجم التقليدي. بيّن الحراك الحاصل منذ بدايات العام 2011 ان الفئات الشابة المتعلمة والمعولمة من الطبقة الوسطى هي الوسيط المحرك الذي ساعد على تفجير الثورات وليس المثقف التقليدي، الذي ربما أخّر أو حتى أعاق تطوير آليات مساعدة على التغيير. الكثير منهم كان قد التحق بالأنظمة البائدة واستفاد من فنادقها وجوائزها ودافع عنها. بلغ تزيين الاستبداد والدفاع عنه حد اختراع صفات للتخفيف من بؤس العيش تحت سلطانه الغاشم، من مثل القبول بالمستبد لعلمانيته هرباً من الاصوليات (المضحك المبكي أن من يدافع عن علمانية مثل هذه الأنظمة هو نفسه من يدافع عن حركات أصولية في سياق آخر مقاوم!). أو اللجوء الى الشعار المخاتل مثل الممانعة وما شابه. المرحلة الراهنة لم تعد مرحلة "المثقف النجم" التي يمثلها بامتياز أدونيس وكلنا يعلم مواقفه ومهادنته الطويلة للنظام "العلماني"، "العلوي" للمناسبة، واستسهال انتقاد الله والدين لسهولة النجاة من القصاص (الدنيوي مثلا!) والامتناع عن توجيه أي نقد علني للنظام المستبد. إذاً هذه المرحلة ليست مرحلة "المثقفين النجوم" الذين فقدوا دورهم وبريقهم مع ذهاب الأنظمة الحاكمة. لا دور للمثقفين الآن إلا بمقدار انتمائهم الى التحرك الثوري الجاري في العالم العربي والمساعدة على التخلص من آثار المرحلة الماضية والنضال المتواصل ضد المستبدين الجدد المختبئين تحت عمامة الدين، وتحمل تبعات ذلك. الانحياز الى الشعوب التي برهنت عن طفرة من الوعي غير المسبوق، يفرض نفسه هنا، بعدما اعتبرت طويلاً ميؤوساً منها وبعدما برزت تنظيرات سادت لبرهة من الزمن عن "العقل العربي" الجامد بتكوينه. والانحياز الى الجيل الشاب الذي استوعب معنى الحق في المطلق، الحق في الحرية والحق في الكرامة بمعناها الانساني الشامل، أي الحق في التمتع بالحقوق الانسانية الأساسية بحسب ما تنص عليها شرعة حقوق الانسان. والحق في الحرية بمعناها الرمزي والفعلي. الأرجح أن يبلور هذا الجيل الأمور بطريقة خلاقة تتخطى القيم التقليدية المعيقة في الثقافة العربية. الجديد المهم على الصعيد الثقافي أن حركات الاحتجاج الشعبية اثبتت الشرعية الاخلاقية والاستراتيجية للنضال غير العنفي. الجماهير استفادت من تجارب الشعوب. ففي وقت نجد الكثير من "مثقفينا" يدافعون عن النظام الوحشي الدموي في سوريا ومن خلفه حليفته إيران لمصالح غالباً ما تكون مادية ضيقة، نجد أن الشعوب العربية استفادت من تجربتها مع حكامها الذين امتهنوا كرامتها ووجودها من خلال قوانين "طوارئ" دامت لعقود وعقود! لذا نجد أن الشعب المصري العظيم الذي على أكتافه سوف يتحدد مصير الثورة المصرية ومستقبل الثورات العربية، لم تنطل عليه حيل الرئيس "الإخواني" في أنه يطلب السلطات شبه الإلهية لفترة آنية. سلطت قرارات الرئيس مرسي المفاجئة وإعلاناته الدستورية الضوء على مدى هيمنة جماعة "الإخوان" على آلية صنع القرار السياسي في البلاد، وتسبب إصرار الجماعة على إجراء الاستفتاء على مسوّدة دستور غير توافقية، موجة رفض عارمة خوفاً من أجندة الجماعة الضمنية وانعدام الثقة في مدى قبولها بدولة مدنية ديموقراطية تستوعب تنوع المجتمع المصري بكل مكوناته، ما يهدد بتغيير هوية مصر التعددية فتصبح دولة دينية تخفي تحكم "ولاية المرشد" على شكل "ولاية الفقيه" في النموذج الشيعي الإيراني. يبدو إن هذا أكثر ما يخيف المصريين، أن يغمضوا أعينهم ويفتحوها ليجدوا أنفسهم تحت نظام إسلامي متطرف من النوع الذي شكله آية الله الخميني في إيران منذ 33 سنة. والذي لم ينتخبه الشعب الإيراني رئيسا أو مرشدا أعلى. كان قد وعد الناس أنه سيترك السلطة للشعب بعد نجاح الثورة وسيذهب إلى قم لمتابعة مهنته في التدريس هناك. لكن ما حدث أنه بقي في السلطة ومنح نفسه صفة "الولي الفقيه". الثورة الإيرانية لم تنفذ وعودها. وعلى غرار ما يفعل "الاخوان" في مصر، تم إعداد الدستور في إيران بسرعة ولم يجد الناس المتحمسون فرصة كافية لقراءته بعناية، والذين قرأوه وأرادوا أن يعبّروا عن آرائهم المختلفة كانوا يعتبرون معادين للثورة. الدستور الإيراني بعد الثورة كتبه أنصار الخميني، وكان الخيار الوحيد المتاح للناس أن يصوتوا بـ"نعم" أو "لا" على الدستور. لم يكن هناك مجال لاقتراح أي تغييرات. وبعدما نجح الدستور في الاستفتاء بنسبة 99 في المئة أمر الخميني باعتقالات وإعدامات على نطاق واسع بهدف تصفية وتشتيت المعارضين للثورة الذين تجرأوا على النزول إلى الشارع للاحتجاج على زيادته لسلطاته. كانت الثورة في إيران إنجازا حققته جماعات مختلفة اتحدت على هدف واحد، كما حدث في مصر، وهو إطاحة الاستبداد. لكن سرعان ما اختُطفت الثورة واستغل الخميني محبة الناس له للتخلص من معارضيه وتأسيس أول حكومة إسلامية متطرفة في المنطقة. وهذا ما يحاول تكراره الرئيس مرسي. ثم ما قيمة دستور لا يؤمن استقرارا للبلاد؟ وما قيمة دستور يقسم المصريين؟ والأخطر ماذا سينتج من الاستفتاء من عدم استقرار وعنف؟ لكن المصريين تعلموا الدرس وهم واعون تماماً أن ثورتهم لم تنته بمجرد إجراء انتخابات رئاسية ديموقراطية. وهم يرفضون الادعاء بأن الصلاحيات المطلقة التي يطلبها "آنية" فقط، لأنهم صاروا يعرفون تماماً أنه لا يوجد ديكتاتور موقت. كل الحكام المستبدين زعموا أنهم مضطرون الى إجراءات استثنائية بشكل موقت ثم استبدوا بالسلطة الى الأبد. من إيجابيات الانقضاض السريع والشراهة الاخوانية للهيمنة على مصر، أن هذه الممارسات تقدم نموذجاً لما يمكن أن تسفر عنه ممارسات القوى الإسلاموية في دول الربيع العربي في مرحلة التحول الديموقراطي وبناء مؤسسات الدولة، التي تعني لهم عملية بناء دولة تسلطية باسم الدين الاسلامي، تؤمن بالانتخابات وتحترم نتائج الصندوق من دون أن تحترم بقدر مماثل حقوق الأقليات، والفصل بين السلطات. إنها ممارسة شكلية للديموقراطية جوهرها فرض الإذعان والقبول بدستور هو محل خلاف لكنه يؤسس لدولة إسلامية على غرار دولة "ولاية الفقيه"، من خلال استخدام براغماتي لأدوات ديموقراطية، ولغة مزدوجة، ووعود فارغة وفهم مغلوط لمفهوم الأغلبية نفسه بحيث يساء تفسيره. من حق الأغلبية إدارة الحكومة إذا فازت، لكن لا يحق لها أن تفرض أحكامها على الجميع. هناك فارق شاسع بين الحكم والحكومة. تستطيع الأغلبية إدارة الشؤون العامة المتغيرة وفق أنظمة ثابتة. وهنا الفارق بين الجماعات الفاشية والديموقراطية. الأغلبية في نظام ديموقراطي تدير شؤون الدولة في إطار نظام يقوم على توازن السلطات، ووفق الدستور الذي يفترض أنه توافقي ويمنح الجميع الحقوق نفسها ويحمي الأقليات وكل القوى التي يتشكل منها المجتمع. أمام ممارسات "الاخوان" يصبح من الطبيعي ان ينقسم المجتمع المصري حول نزعة الانفراد والهيمنة للإسلامويين، وان تتضخم مخاوف القوى المدنية والمسيحيين من احتمال أن تكون الانتخابات التي أتت بالرئيس مرسي هي الأخيرة. لكن مناخ الربيع العربي وانطلاق سيرورة التغيير العميقة يمنعان تكرار تلك النماذج. إن الطبقة الوسطى العريضة والقوى الشبابية النشطة التي راكمت خبرات نضالية خلال معاركها خلال العامين المنصرمين، يضاف إليها إعلام قوي مستقل عن الدولة، ونظام قانوني وقضائي مستقر ونخبة قضائية ذات تكوين مهني عريق، قادرة على النضال الطويل من أجل حماية الثورة. غلطة "الإخوان" تأتي من عدم إدراكهم أن مصر قد تغيرت وانتقلت خطوات بعد الثورة في اتجاه الحرية والكرامة الإنسانية على مستوى الإحساس الداخلي عند كل فرد. انها معركة مستقبل مصر بين "الإخوان" وبقية الوطن. ومن ينتصر في هذه المعركة سيرسم ملامح مصر المستقبل. وهذا ما سوف يؤثر في مختلف أنحاء العالم العربي. على كل حال يبدو أن لممارسات "الاخوان" في مصر إيجابية الدفع نحو استيلاد الكتلة المدنية الليبيرالية في وجه ممارسات الاستبداد العائدة باسم الدين. وإظهار أن قوة هذه الكتلة لا تأتي من تنظيمها، بل من قوة تمثيلها الفعلي لأكثر من نصف الشعب الذي ما عاد يرضى لا بالديكتاتورية العسكرية ولا بالديكتاتورية الدينية. هذا النصف يتضمن أيضاً المتدينين الاسلاميين المنفتحين والمعتدلين الذين يريدون إسلاما ليبيراليا يعتمد الفكر المتسامح والمنفتح. وكلما تبلور وعي هذه الفئات بنفسها ككتلة تاريخية ذات وزن وحاولت تنظيم نفسها وبلورة برامجها السياسية الموحدة ورؤيتها المشتركة، نجحت في تغيير التاريخ والتعجيل في بلوغ أهداف الثورات التي اندفعت مثل طوفان في العالم العربي، والتي ستنتصر على المديين المتوسط والطويل مهما تكن الأكلاف. النموذج البطولي السوري النادر ماثل أمام أعيننا.

الثورة، الإسلام، وامتلاك السياسة: في نقد "التيار المدني" والاستقطاب المدني الإسلامي


ياسين الحاج صالح- سوريا لا أرى، بداية، أن الكلام على "تيار مدني" متعدد الألوان يتقابل مع تيار إسلامي متعدد التيارات الفرعية، منتجٌ معرفيا أو سياسيا. من شأن ذلك أن يُغفِل تمايزات كبيرة ضمن كلا التيارين، يتواتر أن تتغلب على التمايز الكبير المفترض بين "مدنيين" و"إسلاميين". محور الاستقطاب الرئيسي في السياق العياني للثورة السورية اليوم هو الذي يفصل بين مَن هم مع الثورة إلى حين إسقاط النظام الأسدي، ومنهم مدنيون" و"إسلاميون"، وبين مَن هم مع النظام، ومنهم "مدنيون" يحصل أن يُعرِّف بعضهم نفسه بالليبيرالية واليسارية، وبالعلمانية خاصة، ومنهم "إسلام" حكومي داجِن ومدجِّن. لعل الأمر لا يختلف جوهريا عن ذلك في مصر وتونس. فليس الاستقطاب المنتج هو ذاك الذي يفصل قطاعين من النخبة تميزهما اعتبارات عقدية، مؤمنين مقابل ملحدين مثلا، أو إسلاميين مقابل علمانيين، أو شرع الله محل القوانين البشرية، على ما قد يفضل طرح الأمر إسلاميون تسلطيون ومدنيون تسلطيون. معيار التمييز اليوم هو الثورة في سوريا إلى حين إسقاط النظام، وهو الكفاح الديموقراطي في مصر وتونس، أي بين مَن يعملون من أجل مساحة اكبر للمبادرات والفاعلية الشعبية في حياتنا السياسية والعامة وبين تسلطيين إسلاميين ومدنيين تفكيرهم متمركز حول الدولة المربية، وحول فرض العقيدة الإسلامية أو "المدنية" عبر الدولة. هل توفر "الإسلامية" أساسا متميزا للطغيان؟ و"المدنية" أساسا تفضيليا للديموقراطية؟ لا أقول إن العكس هو الصحيح، لكن أتشكك كثيرا في هذا التقدير. 1 ليس صحيحا بحال أن "التيار المدني" ديموقراطي لمجرد كونه غير إسلامي، أو مناضل من أجل الديموقراطية. الواقع أن تاريخ متن هذا التيار طول العشرين عاما الماضية على الأقل يضع طيفاً واسعاً منه في موقع أقرب إلى النظم الحاكمة، وإن بتحفظ متفاوت عليها. فإن كان من توجه سياسي يمكن نسبته إلى التيار المدني المزعوم فهو "الاستبداد المستنير"، أي نسخة من الاستبداد أقل انحطاطا مما عرفنا في العقود الماضية، لكنها محبة للثقافة والمثقفين، وتعمل على "تنوير الشعب"، ولا بأس في أن تتعامل معه بغلظة أبوية. لزوم "التربية". والفاشية ليست نهجاً تفضه أجنحة من "التيار المدني" في التعامل مع انتفاضات العامة، على نحو تظهره الثورة السورية أيضا. أما الخصم النوعي لمختلف مكونات هذا التيار فهو "الإسلاميون". يمكن التكلم على تناقض بين الطابع المفتوح لتفكير هذا التيار والطابع المغلق لسياسته. لكن فكره خلال الجيل الأخير ليس منفتحاً في الواقع، ولا يحوز مبدأ انفتاح أصلاً على ما يصير ويتحول. لقد اغتال التيار المدني نفسه بنفسه حين وقف على أعتاب الدولة الاستبدادية المنحطة في مواجهة الإسلاميين وأي "مدنيين ديموقراطيين" (إثبات ذلك ميسور من أعمال مثقفين سوريين مكرسين). في المقابل يحمل التيار الإسلامي المعاصر تناقضاً بين وجه شعبي مكتسب في مقاومة الطغيان، وبين منزع سلطوي متجه نحو الهيمنة والاستئثار. ضمن هذا التيار تيارات فرعية، تشغل مواقع متفاوتة بين طرفي التناقض، مع كونها أقرب جميعا إلى المنزع التسلطي بحكم تكوينها الفكري، المفتقر بدوره إلى مبدأ انفتاح. كلما عرّف الإسلاميون أنفسهم بدلالة معتقدهم الديني حصراً كانوا أميل إلى التسلط (الجماعات السلفية والجهادية) والانعزال عن غيرهم، وكلما عرّفوا أنفسهم بمناهضة الطغيان والمطالب الاجتماعية كانوا أقرب إلى سند لحياة سياسية منفتحة وإلى الشراكة مع غيرهم. وتنجذب قطاعات من الجمهور إلى الإسلاميين اليوم لأنها تجد عندهم طاقة احتجاج نشطة، وانضباطاً أخلاقياً، ومغايرة جذرية للنظم النخبوية التي حكمت بلداننا خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، فيما لم يشكل "مدنيون" غير الجناح المعتدل للنظم النخبوية نفسها، ودون طاقة احتجاج عامة، ودون أن تكون لهم دعوة اجتماعية وأخلاقية عامة من أي نوع. 2 ليس الانطلاق اليوم من استقطاب إيديولوجي مدني إسلامي بالأمر المحايد سياسياً. فهو في الواقع يضع هياكل الحكم النخبوي في موقع الحكم الأعلى بين "تيار مدني" فاقد للعزيمة السياسية ولا مشروع إيجابياً لديه، وبين إسلاميين صاروا تجسيداً للمعارضة السياسية الأكثر جذرية. هذا يناسب تماماً النظم الاستبدادية المنحطة التي اجتهدت في العقدين الأخيرين، وفي سنوات ما بعد أيلول 2001 بخاصة، على تصوير نفسها متراساً "متمدناً" ضد محكوميها المتوحشين، الإسلاميين بخاصة. ليس في الكلام على نظم منحطة انزلاقاً نحو الهجاء، بل محاولة لإظهار افتقار هذه النظم إلى أي مبدأ أو فكرة عليا تسمو على البقاء المؤبد في الحكم وامتلاك كل الأشياء. إنها انحطاط منظّم. يناسب الطرح نفسه "مدنيين" عاجزين عن المبادرة الفكرية والسياسية، ومن شأن بقاء الأوضاع كما هي أن يحجب عجزهم عن تغيير أي شيء في أنفسهم أو في العالم حولهم. لكنه يناسب أيضا التيارات الأكثر تسلطية بين الإسلاميين حين يظهر أنهم المعارضون الحقيقيون والأكثر قرباً من الشعب. الطرف الذي يدفع ثمن هذا التركيب الإيديولوجي- السياسي هو "مدنيون ديموقراطيون"، إن جاز التعبير، مشاركون في مقاومة الطغيان، ومخاصمون للتيار المدني الداعي إلى الاستبداد المستنير، وللإسلاميين ومبادئهم الدينية السياسية التي لا تفيض عن نظام "الاستبداد العادل": نظام "يطبّق الشريعة" و"يُنزل الناس منازلهم" و"يعطي كل ذي حق حقه". ويخسر أيضا إسلاميون ديموقراطيون، مثقفون أفراد ومجموعات صغيرة، لا تشكل تياراً منظماً، حالها في ذلك حال "المدنيين الديموقراطيين". 3 لكن فلنعد إلى جذور المسألة. لماذا شغل إسلاميون هذا الموقع الكبير في المجتمعات العربية الأكثر تحديثاً؟ وكيف حصل أنهم أخفقوا في أي تمردات قادوها بأنفسهم (في سوريا بين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وفي مصر أواسط السبعينات، ثم على نحو متقطع في الثمانينات والتسعينات...)، بينما تقودهم ثورات لم يفجروها والتحقوا بها متأخرين ومترددين إلى مواقع الصدارة السياسية؟ غير ما سبق ذكره من المغايرة السياسية والأخلاقية الجذرية للنظم المنحطة القائمة، وطاقة احتجاج كبيرة، من أهم سوابقها التمردات الفاشلة المشار إليها، شكّل "الإسلام" استراتيجيا كبرى لا مثيل لها لامتلاك السياسة في مجتمعاتنا من جمهور مستبعد ومفقر سياسياً ومادياً. المقصود بامتلاك السياسة امتلاك التنظيم والرأي والقضية الواضحة، حيازة مبدأ عدالة أو تمرد ضد "الظلم"، وطاقة لتشكيل مجتمع مختلف عما هو قائم. قد نختلف قليلاً أو كثيراً في الحكم على "التيار المدني" المتعدد الألوان، لكن هل هناك من يعتقد جديا أنه يحوز مبدأ مغايراً لتنظيم المجتمع والدولة عما نعرف منذ عقود؟ أو أنه حائز قدرات خاصة في مجال التنظيم والتعبئة المجتمعية الواسعة؟ أو أن قضايا الحرية والعدالة للجميع تشغل بال أعلامه وعموم المنتسبين إليه؟ وإذا كانت هذه النظم بلغت المدى الذي نعلمه من الانحطاط، مما لا يكاد يتشكك فيه حتى دعاة "الاستبداد المستنير"، وإن فسّروه غالباً بطريقة تضع عبء الانحطاط على المحكومين لا على الحاكمين، إذا بلغت مدى الانحطاط المعلوم، ألا يقتضي الأمر إعادة نظر جذرية في فلسفتها التحديثية الدولانية (المماهاة بين الدولة والحداثة أو العقل)، وفي أولوية الهدف (التماثل مع النموذج الحداثي) على الممارسة العملية لملايين البشر وحياتهم وصراعاتهم؟ وعلى حساب القضايا الاجتماعية وقضايا القيم؟ لقد توافقت هذه الفلسفة التي يواليها "التيار المدني" وتطبّقها النخب المنحطة مع إنتاج "عالم أول داخلي" صغير، لا يكاد يتعدى عشر السكان، يتمايز عن عالم ثالث داخلي يعتبر متوحشاً ومهدداً للمتحضرين في العالم الأول الداخلي الوكيل، الذي يتماهى مع العالم الأول الأصيل. وينبغي إخضاعه بعنف استعماري نموذجي، مما بلغ فيه النظام الأسدي مرتبة لم يضاهها الاستعمار الفرنسي، ولا إسرائيل. بين العالمين، هناك عالم ثان ليس شريكاً في العالم الأول، لكنه يخاف كثيرا من العالم الثالث، ويغلب أن يكون عوناً للعالم الأول عليه. امتلاك السياسة عنصر مقاومة وتحرر في مواجهة نظم تعتمد في دوامها على تجريد محكوميها من السياسة، من التنظيم والرأي والمغايرة. في سوريا حيث أضحى امتلاك الحرب شرطاً لامتلاك السياسة، توفر تنويعات من "الإسلام"، بين الإسلام الشعبي إلى الإسلام السلفي والسلفي الجهادي، الأرض النفسية والفكرية الأنسب لامتلاك الحرب عبر مفهومَي الجهاد والاستشهاد. 4 قد يوافق "مدنيون" على ما سبق كتحليل لواقع مضى أو هو في سبيله إلى المضي، لكن على الأرجح ليسوا على استعداد للموافقة على ما يتضمنه من سياسة: إن السياسة الصحيحة هي التي تتيح للعالم الثالث الداخلي، للمتوحشين والبدائيين الداخليين، امتلاك السياسة والرأي والتنظيم، والحرب إن لزم الأمر، وإلا فليس من حق أحد أن يمتلك شيئاً. قبل ذلك تنطلق من أن بدائيتهم علائقية، هي الوجه الأخر للعمليات السياسية الفكرية الاقتصادية التي قادت إلى نشوء العالم الأول الداخلي، الطبقات العليا الأكثر تنظيماً وانضباطاً من مجتمعاتنا، والأكثر تحكماً في حياتها وفي حياة غيرها. تالياً لا سبيل إلى تجاوز البدائية والتوحش من دون تجاوز هذا العالم الأول أو الغرب الداخلي في الوقت نفسه. أعني الغرب كمسيطر عالمي لا كثقافة. ليست هذه معركة عقدية أو "ثقافية" (بالمعنى "المدني" للثقافة: "الذهنيات" و"صناديق الرؤوس"، يا للغرابة!). إنها صراع اجتماعي وسياسي من أجل الحرية والتحكم بالحياة. فالغرب الداخلي، خلافاً للغرب الغربي، ليس منتجاً للقيم، ولا يشكل نموذجاً ريادياً يقبل التعميم، ولا هو قوة ديموقراطية ولا "تنويرية". لكن هل من شأن الإسلاميين، الذين يحاولون احتكار تمثيل العالم الثالث الداخلي، أن يحملوا نموذجاً للديموقراطية والحداثة؟ ألا يحتمل أننا، ونحن نواجه الغرب الداخلي، ننزلق إلى التفكير في الغرب كهوية غريبة نواجهها بهوية أصيلة، بدل أن نفكر فيها كسيطرة نواجهها بمقاومة تحررية؟ السؤال في مكانه تماماً، وكانت اعتراضات على الهيمنة الغربية (إدوارد سعيد بخاصة) قادت بدروب متنوعة، إلى تبرير الأصالية، أو إلى تسهيل رد واقعنا إلى الإسلام والهوية الإسلامية، وليس إلى الصراع من أجل الحرية والكفاية والعدالة، الذي يساهم فيه مسلمون وغير مسلمين، مؤمنون وملحدون، إسلاميون وعلمانيون. هذا طريق مسدود لا يفضي إلى التحرر، ويفترض أن لا نهدر وقتاً على السير فيه اليوم. تحررنا لا يتمثل في استعادة طابع إسلامي ماهوي مزعوم لمجتمعاتنا، جرى استلابه من وراء ظهر مجتمعاتنا وفي غفلة عنها، بل في تحرر الأفراد والجماعات، وفي نهوض الشرائح الأشد حرمانا على الخصوص، وفي الحريات السياسية والاجتماعية، بما فيها حريات النساء والمخالفين وغير المؤمنين وكل أقليات محتملة. لا نُعرِّف مجتمعاتنا بـ"الإسلام"، على ما يفعل غربيون وإسلاميون و"مدنيون" ونخب منحطة، بل بصراع الناس من أجل امتلاك السياسة والحياة، والحرب، على نحو ما يفعل الناس في الغرب وغير الغرب، متوسلين بما في متناول اليد من متاع فكري وسياسي وأخلاقي. "الإسلام" استراتيجيا محتملة في هذا الصراع، أهّلته ظروف العقود الأخيرة لإشغال موقع متقدم في سياسة مجتمعاتنا ووعيها الذاتي، لكنه ليس موضوع الصراع، ولا هو الهوية الثابتة والنهائية للمنخرطين فيه. 5 هذا يعيد الموقف من الإسلاميين إلى الأرض الاجتماعية السياسية من قبة السماء التي تتنزل منها العقائد المطلقة، ومن قبب الرؤوس المكتفية بما فيها من نور؟ أليست القبتان قبة واحدة، على كل حال؟ ويعيد إلى النقاش تناقض الإسلاميين الذي سبقت الإشارة إليه: بين كون الإسلام الذي يستندون إليه خطة لامتلاك السياسة في مجتمعات مفقرة منها، وبين كونه عقيدة خاصة لمؤمنين؟ منهج مقاومة، ومنهجاً محتملاً للتحكم السياسي؟ في مصر وتونس نرى بوادر التحول من أحد الدورين إلى الآخر. منطلقنا المبدئي في مواجهة احتمالات استبداد إسلامي جديد، أن هذا لا يطرح تحدياً خاصاً مختلفاً عن تحدي مواجهة الطغيان الذي خبرناه في العقود الماضية، خلافا لما يفضل أن يعتقد "التيار المدني". الفرضية الأساسية لهذا التيار أن التقاء العقيدة الدينية بالاستبداد السياسي يجعل مستحيلاً مقاومة هذا التركيب وتجاوزه. لكن يبدو هذا افترضاً تأملياً لا سند له من الواقع. لا يدوم النظام الإسلامي في إيران لأنه إسلامي، وليس بفضل عقيدة المطلق ومناورات الاستبداد وحدها، بل لأنه يلقى دعماً شعبياً حقيقياً. وتدوم نظم الخليج، وهي غير منتخبة ولا تالية لثورات على كل حال، بفضل الريع النفطي والحماية الأميركية. ولا نرى سبباً لافتراض أن يكون طغيان أي حاكمين إسلاميين أشد، لمجرد كونه إسلامياً، من طغيان النظام الأسدي أو نظام مبارك أو بن علي. بل إن عنصر المقاومة والمغايرة وامتلاك السياسة الديموقراطي في تكوين الإسلاميين المعاصرين يرجح أن التحول نحو الطغيان اعتراض على أعسر بالأحرى، لا أيسر. فيما نعلم من المثال السوري أن حكم هذه النخبة واجه أي اعتراضات اجتماعية منذ شهوره الأولى بالدبابات والإعدامات وقصف الجوامع، وهذا لأنه على الأرجح فاقد للعنصر الشعبي جوهرياً، وبمثابة حكم استعماري غريب. هناك افتراض آخر يقول إن أكثرية سكان بلداننا، ولمجرد كونهم مسلمين، مضمونون للإسلاميين في كل حال. يشارك في هذا الافتراض الإسلاميون التسلطيون الذين يستخلصون وجوب خلوص الحكم لهم من الصفة الإسلامية الماهوية لمجتمعاتنا، ومدنيون يظنون أن شعبية الإسلاميين مستمدة من اعتبارات تتصل بالدين وبـ 15 قرنا...، لا بمقاومة نظم منحطة في أجيالنا الحاضرة، وكذلك هذه النظم المنحطة ذاتها التي ترى أن خصومة محكوميها لها نابعة من قبب رؤوسهم الفاسدة، وليس من انحطاطها هي. ليس هذا الافتراض صحيحاً بحال. وضع الإسلاميين الراهن تاريخي، ولد في تاريخ، وثبت في تاريخ ثابت لم يتغير، وهو متغير حتماً في تاريخ متغير. ولقد مرّت أزمنة لم يكن الإسلاميون فيها التيار المتصدر في مجتمعاتنا "المسلمة". الدلالة البسيطة لذلك أن اشتقاق موقع الإسلاميين السياسي الراهن من الصفة الإسلامية المفترضة لمجتمعاتنا أمر بالغ الزيغ والضلال أياً يكن قائله. نميل إلى أن الإسلاميين في الحكم سيواجهون مشكلات مع الجمهور الذي والاهم وانتخبهم، وليس أساساً من "التيار المدني". ولا يبعد في هذه الحالة أن يتوسلوا بالدين لنزع السياسة الثمينة من الجمهور، والاستئثار بالتنظيم والرأي، والسلطة، لأنفسهم. ولا ينبغي أن يكون أمراً مستغرباً تغير دور الدين بتغير موقعه: مقاوم في مواجهة الطغيان، لكنه نزاع إلى التسلط والطغيان حين يكون في الحكم. والسياسة الصحيحة للمدنيين الديموقراطيين في ما نفترض هي الانخراط في صراع الشعب ضد الطغيان الجديد، وليس الموقف الانعزالي المعادي للشعب والإسلاميين. 6 ماذا بخصوص موقف "المثقفين"؟ نتجاوز أنه ليس هناك حزب أو تيار أو طبقة اسمه "المثقفون". الأسوأ في تقديري هو موالاة "الفلول" تحت لواء الخوف من الإسلاميين، كما يبدو أن "مدنيين" في مصر يفعلون، أو العمل على تغليب استقطاب مصطنع، مدني/ إسلامي، في سوريا على الاستقطاب بين نظام منحط وإجرامي وثورة شعبية. ليس المثقفون سياسيين، لكن لا شيء يغفر للمثقفين افتقارهم للحس السياسي، في زمن الثورات بخاصة. الواقع أننا نرجح أن هناك خللاً جوهرياً في المثال التنويري الذي يصدر عنه التيار المدني وكثير من المثقفين. هذا المثال لا يقود إلا إلى مواقع قريبة من "الغرب الداخلي" (وهذا "طبقة"، وليس نموذجاً) أو الخارجي. ولا يقود إلى تعميم فعلي للنموذج الغربي في بلداننا. وفي ما يتجاوز الشراكة في الصراع ضد الطغيان الحالي، لا شيء يسوّغ الانضمام الثقافي إلى الإسلاميين بذريعة أنهم الممثلون الطبيعيون للشعب. ليس هناك أي مبرر وجيه لهذا الافتراض الأخير، إلا إذا افترضنا، مرة أخرى، أن الناس ينحازون إلى الإسلاميين لأسباب غير عقلانية، تتصل بـ"طبيعة" مجتمعاتنا، لا باعتبارات سياسية واجتماعية تاريخية. وهذا باطل سواء قاله الإسلاميون أو "المدنيون" أو الغربيون، أو النظم المنحطة. الثقافة مهمة لأنها تشرح، أو يفترض أن تشرح، الأوضاع الصراعية في كل حين، وتكشف ما هي الرهانات الفعلية وراءها. وكذلك لأنها تقترح أشياء إيجابية، غايات وضوابط، تشكل جزءاً من الصراع الحالي وتساهم في دفعه نحو الحصائل المرجوة. وأيضا لأن للثقافة بعداً أخلاقياً محرراً وبانياً للضمير، هو الذي أهدر خلال الجيل الأخير على يد المدنيين التنويريين (علامتهم الفارقة: الكلام الكثير على العقل والمعرفة...). المثقفون مهمون لأنهم يقومون بهذه الأشياء، ولأن الوضوح في شأن ما يجري يصنع فرقاً. يقتضي الأمر ألا ينخرط المثقفون في عملية تزوير منهجية للواقع على ما يفعلون كثيرا.