‏إظهار الرسائل ذات التسميات تونس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تونس. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 يوليو 2012

مؤتمر حركة النهضة التونسية التاسع


انطلقت الخميس 12/7/2012 في قصر المؤتمرات بالعاصمة التونسية أشغال المؤتمر التاسع لحركة النهضة التونسية،على مدى أربعة أيام تحت شعار «مستقبلنا بين أيدينا» بحضور حوالى 30 ألف شارك في مقدمتهم وفد من حركة المقاومة الإسلامية حماس بقيادة رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل. راشد الغنوشي وجه راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة كلمة في مقدمة أعمال المؤتمر، أشاد فيها بالثورة التونسية، التي مهدت لاحتضان مؤتمر النهضة التاسع والعلني الأول من نوعه منذ تأسيس حركة النهضة. وأكد الغنوشي في كلمته على وحدة حركة النهضة بكل مكوناتها، وشدد على أهمية دور كل من القياديين في الحركة الشيخ عبد الفتاح مورو والشيخ الدكتور صالح كركر، وبدور كل أبناء النهضة في الداخل والخارج ممن دفعوا ثمن الدكتاتورية في السجون أو في المنافي. كما جدّد الغنوشي تمسكه بالوفاق طريقاً لحكم تونس، وإيمانه بالوحدة المغاربية والعربية والإنسانية، كما وجه التحية إلى فلسطين، وأكد أنها بوتقة الصراع في العالم ومحدد أي ربيع في العالم. كما دعا الغنوشي في كلمته إلى المصالحة الوطنية على أساس المحاسبة، وقال إنه يريد تطمين الشعب بأن «البلاد والثورة في يد آمنة». حمادي الجبالي ثم كانت كلمة الأمين العام لحركة النهضة رئيس الحكومة الحالية حمادي الجبالي، أشاد فيها بفلسطين وضيفها في المؤتمر (خالد مشعل)، قبل أن يتعرض لتحديات الحكم الذي تضطلع به حكومة الترويكا، وعلى رأس ذلك مواجهة الثورة المضادة وانجاز العدالة الانتقالية تحقيق أهداف الثورة في التنمية المتوازنة. وأشار السيّد حمادي الجبالي الى أنه بعد انهيار الديكتاتوريّة الثانية تحت أقدام الثورة والصمود الباسل في وجه السلطة وإرباك النظام البائد، تسعى الحكومة إلى تحقيق أهداف الثورة وتحقيق مطالبها، وهذا لا يكون إلا بالتصدي للثورة المضادة. كما أكّد أنّ النجاح في الانتخابات القادمة شرط لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق العدالة الانتقاليّة. أمّا في ما يتعلق بالوضع الداخلي للحركة فقد قال حمادي الجبالي إن المؤتمر يمثل فرصة حقيقية لإصلاح أوضاع الحركة وانفتاحها على الطاقات الشبابيّة وتوسيع دائرة الشورى داخلها. خالد مشعل من جانبه دعا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الى «بناء استراتيجية عربية-اسلامية لتحرير فلسطين وطيّ صفحة المفاوضات مع اسرائيل». وقال مشعل الذي استقبل استقبال الابطال لدى وصوله الى قصر المعارض إن «جوهر القضية هو تحرير الأرض ، كل الأرض (..) والقدس (..) وطريقنا الوحيد للتحرير هو المقاومة (...) إن أرضاً اغتصبت بالقوة ولا يمكن أن تسترد إلا بالقوة (..) والمقاومة ستظل طريقنا الاستراتيجي». واكد مشعل على اهمية المصالحة بين حماس وفتح. وقال «نحن ماضون في المصالحة وتوحيد الصف الفلسطيني»، مضيفاً: «لا بدّ أن نكون نظاماً سياسياً واحداً (..) نريد إعادة منظمة التحرير الفلسطينية ليشترك فيها الجميع». وقال «أطالب الاخوان في حركة فتح للتعامل معاً لملاحقة الصهاينة على دم ياسر عرفات». من ناحية أخرى حذر خالد مشعل دول الربيع العربي من الخطر الاسرائيلي، وقال «اسرائيل لن تترككم، ستعمل على افشال النهضة العربية وهي قلقة من الربيع العربي». ودعا مشعل دول الربيع العربي إلى «صوغ علاقات فيها احترام ونصائح متبادلة مع الغرب وصولاً الى الندية». إعادة إنتخاب راشد الغنوشي رئيسا لحركة النهضة الإسلامية التونسية أعاد المشاركون في المؤتمر التاسع لحركة النهضة التونسية في ساعة متأخرة من ليل الإثنين-الثلاثاء،إنتخاب راشد الغنوشي رئيسا للحركة الاسلامية. وقال مصدر مسؤول في الحركة التي تقود الإئتلاف الثلاثي الحاكم في تونس إن الغنوشي حصل على 744 صوتا من أصوات المؤتمرين البالغ عددهم 1103 ،أي 72.5% من إجمالي الأصوات ،فيما جاء في المرتبة الثانية منافسه الأبرز صادق الشورو المعروف بميوله السلفية ،والذي يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. وتنافس على رئاسة الحركة خلال المؤتمر العام الذي يُعتبر الأول من نوعه الذي يُعقد بشكل علني ،12 مسؤولا في هذه الحركة منهم الحبيب اللوز، وعبد الحميد الجلاصي،وعبد الكريم الهاروني الذي يتولى حاليا حقيبة النقل في الحكومة التونسية. وكان المؤتمرون قد صدقوا قبل ذلك على أن تكون مدة رئاسة حركة النهضة عامين بدلا من 4 سنوات،حيث قرروا عقد مؤتمر عام إستثنائي في العام 2014 للحسم في بعض القضايا التي لم يتسن حسمها خلال المؤتمر الحالي.

الخميس، 21 يونيو 2012

مبادرة الاتحاد العامّ التونسي للشغل لحماية الثورة وانقاذ البلاد

أعلن حسين العباسي الأمين العام للاتحاد عن أهم محاور المبادرة التي أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل مرحباً بكافة المنظمات والأحزاب مؤكدا أن المبادرة تأتي لإنقاذ البلاد في إطار حوار بين الجميع داعيا إلى مؤتمر وطني بين الفرقاء السياسيين موضحا كذلك أن المبادرة سوف لن تكون ضد أي طرف أو بديلا عن الحكومة أو الشرعية بل هي مبادرة تأتي كقوة اقتراح . وذكّر الأمين العام بالدور التاريخي للاتحاد كمنظمة وطنية دافعت عن الانعتاق من الاستعمار وفي بناء دولة الاستقلال وفي الدفاع عن الديمقراطية والحريات الفردية والعامة وساهمت في ثورة الحرية والكرامة وستواصل القيام بدورها الوطني. وفيما يلي نص المبادرة: انطلاقا من إيماننا بضرورة تكاتف الجهود من أجل تحقيق أهداف الثورة ومتابعة استحقاقاتها ومساهمة منّا في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في ظرف دقيق يفرض مجابهة العديد من التحدّيات ونظرا لما يتسم به هذا الوضع من احتقان سياسي وغياب الحوار بين الفرقاء وتفعيلا للدّور المحوري لمكوّنات المجتمعين المدني والسياسي، وأمام غياب إطار للحوار والتوافق يساعد على تذليل الصعوبات وتقريب وجهات النظر والمساعدة على تامين المرحلة الانتقالية الثانية، وتجنّبا للمنزلقات التي تتهدّد بلادنا، فإنّ الاتحاد العام التونسي للشّغل من موقع مسؤوليته الوطنية ودوره التاريخي يدعو كلّ الأطراف، حكومة وأحزابا وجمعيات ومنظّمات إلى ضرورة عقد مؤتمر وطني جامع يدير حوارا حقيقيّا لصياغة توافقات كبرى تؤمّن إدارة المرحلة الانتقالية تكون على قاعدة المبادئ التالية وبعيدا عن كل التجاذبات: 1- التمسّك بمدنية الدولة وبالنظام الجمهوري الديمقراطي وبالمكاسب المجتمعية التي راكمها الشعب التونسي عبر السنين. 2- احترام حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة والفردية وتكريس المواطنة والعدالة للقطع مع الاستبداد منظومة وممارسة. 3- نبذ العنف بكل أشكاله واحترام الرأي المخالف وقبول الآخر والتصدّي لظاهرة الإرهاب ولكلّ الدعوات التي تغذّي العنف. 4- تحييد الإدارة والمساجد والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والجامعية عن كل نشاط حزبي وضبط آلية لمراقبة ذلك. 5- اعتبار مؤسّسات الدولة وأجهزتها الضامن الوحيد والمسؤول على تطبيق القانون وحماية المؤسّسات والممتلكات والمواطنين واحترام الحقوق والحريات. 6- صياغة منوال تنموي جديد للحدّ من الفوارق الاجتماعية والجهوية ولمجابهة الفقر وذلك بتدعيم الاستثمار ونشر ثقافة العمل والإنتاج. وتنحصر هذه التوافقات في: - التوافق حول ملف جرحى الثورة وعائلات الشهداء بعيدا عن التجاذبات وذلك بتكفّل الدولة بهذا الأمر مع تعزيز جهودها عبر المجهود الوطني. - التوافق حول سبل تكريس الشفافية في التشغيل والانتدابات للمعطلين عن العمل وإيجاد آليات انتقالية لتأمين حدّ أدنى من التغطية الصحية والاجتماعية لمن لم يشملهم الانتداب حفاظا على كرامتهم وحقهم في العيش الكريم. - التوافق حول روزنامة زمنية تتعلّق بتحديد تاريخ نهاية صياغة الدستور الجديد من قبل المجلس التأسيسي وتحديد رسمي لتاريخ الانتخابات العامّة القادمة. - التوافق حول تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بما يضمن استقلاليتها وحياديتها وديمومتها وكذلك حول القانون الانتخابي. - التوافق حول تركيبة الهيئة العليا المستقلة للإعلام. - التوافق حول تركيبة الهيئة الوقتية للقضاء بما يكرّس استقلاليته. - التوافق حول تركيبة لجنة تقصّي الحقائق حول الرشوة والفساد وكذلك بالنسبة للجنة المصادرة. - التوافق حول إرساء منظومة العدالة الانتقالية القائمة على المحاسبة ثم المصالحة. - التوافق حول ضبط آلية للتعيينات الإدارية وإسناد الخطط الوظيفية الكبرى تكرّس حياد الإدارة وديمومة المرفق العام وعدم تحزّبها ،وكذلك الأمر بالنسبة للنيابات الخصوصية في البلديات. - التوافق حول إصلاحات عاجلة للمنظومة البنكية والمصرفية بما يساعد على تشجيع الاستثمار وخلق مواطن الشغل. - التوافق على إصلاح المنظومة الأمنية وإعادة هيكلتها بما يكرس مفهوم الأمن الجمهوري وإعادة الاعتبار لدوره في إشاعة الأمن وحماية أعوانه عند أداء مهامهم ومراجعة وضعهم الاجتماعي. إنّ الحوار حول هذه المسائل وصياغة توافقات وطنية حولها يدخل في صميمتعميق الوحدة الوطنية وحماية الانتقال الديمقراطي والإدارة الجماعية للمرحلة الانتقالية، وهو ما يتطلّب ضبط آليات وهياكل ونقترح في هذا الباب: إحداث مجلس وطني للحوار يجتمع دوريا ويشكّل أداة فعّالة في إدارة الخلافات والتوصل إلى توافقات. مع التأكيد على أن أطر الحوار والتوافق هذه لا تمثّل إلا قوة اقتراح ولا تعوض في شيء السلط الدستورية والشرعية القائمة التي تبقى وحدها صاحبة اتخاذ القرار.

الأحد، 10 يونيو 2012

تونس ما بعد الثورة .. و"النموذج اللبناني"

تونس ـ فادي شامية في الأصل؛ لم يكن ثمة دافع قوي لإجراء مقارنة بين أوضاع تونس ما بعد الثورة والأوضاع في لبنان؛ لولا أن بعض السياسيين اللبنانيين -غير المنصفين- ما فتئوا يسألون عن النموذج التونسي، في طليعة أسئلتهم عن نماذج الربيع العربي المجيد. ليس في ذهن هؤلاء "المرجفين" إجراء مقارنة علمية، ولا تمتين العلاقات الأخوية، ولكن في ذهنهم تخويف اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، من نتائج الثورات على أنظمة الاستبداد، بهدف دعم نظام بشار الأسد القمعي، إضافة إلى حصد النتائج السياسية لتخويف المسيحيين من كل إسلامي يصل إلى الحكم، بوصفه "تكفيرياً، رجعياً، لا يراعي حقوق الإنسان". ثورة لم تأكل أبناءها في واقع الحال؛ فإن النموذج التونسي ناصع إلى درجة أنه كسر القاعدة السياسية المعروفة: "الثورة تأكل أبناءها". ولعله من قبيح التجني طرح الشكوك حول الثورة التونسية المجيدة؛ فقد عانى التونسيون جراء قمع نظام زين العابدين بن علي ومن قبله نظام الحبيب بورقيبة- (اعتباراً من العام 1957). بن علي حكَم طيلة 23 سنة، فحوّل البلد إلى سجن كبير، وابتكر صنوفاً من القمع دُونت باسمه في سجل الطغاة. لا داعي للإطالة في تفصيل فساد وطغيان بن علي، فما وُجد في بيته من كنوز مسروقة ومخدرات مخبوءة، وما صوّرته وسائل الإعلام عن أقبية ووسائل التعذيب يغني عن الشرح. البوعزيزي كان الشرارة التي فجّرت بركان الاحتقان. اندلعت الثورة، واستشهد العشرات، وتدخل الجيش (الذي تعرّض خلال حكم بن علي لإذلال ممنهج وتقييد شديد مخافة أن يقوم انقلاب) فحسم الموقف وأجبر بن علي على الفرار في 14/1/2011. وفي اليوم التالي تولى رئيس مجلس النواب محمد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت، وأصبح الباجي قائد السبسي في 27/2/2011 رئيساً للحكومة المؤقتة، ثم جرت انتخابات المجلس التأسيسي في 23/10/2011. خلال هذه المدة، ورغم الفراغ الأمني والسياسي فإنه لم تحصل انتقامات، ولا إعدامات، خلافاً لأهم الثورات في العالم. لم يقع اقتتال داخلي، ولم تأكل الثورة أبناءها، ولم يحصل فلتان أمني بالمعنى الواسع، بل سادت روح من التسامح، كان أكثر من دعا إليها ضحايا القمع السياسي، ومعظمهم إسلاميون. الجميع في تونس احتكموا إلى صناديق الاقتراع، التي رفعت تمثيل حزب "النهضة" الإسلامي (إخوان مسلمون) من صفر % تمثيل برلماني إلى 41%. فماذا فعل الحزب الذي حل أولاً ونال ثلاثة أضعاف مقاعد أقرب منافسيه؟ ما فعله هو صناعة "النموذج التونسي" في "عصر الربيع العربي"، فبدل أن يشكّل الحكومة منفرداً أو ينال رئاسة البرلمان أو الجمهورية، كما هي العادة في الأنظمة الديمقراطية؛ فضّل حزب "النهضة" أن يشكّل حكومة ائتلافية برئاسته، وأن يتفاهم مع حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" العلماني، بزعامة منصف المرزوقي (حصل على 30 مقعداً)، فتكون رئاسة البلاد للمرزوقي، وأن يتفاهم مع حزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" اليساري بزعامة مصطفى بن جعفر (حصل على 21 مقعداً)، ليكون بن جعفر رئيساًَ لمجلس النواب. وفوق ذلك أعلن زعيم "النهضة" راشد الغنوشي عزوفه عن تولي أي منصب رسمي، فاتحاً المجال للمناضل السياسي حمادي الجبالي (15 سنة في سجون بن علي بينها 10 سنوات من السجن الانفرادي!) ليكون رئيساً للوزراء. في النموذج التونسي أيضاً النموذج التونسي -الذي يخوّف منه من لم يسمع أو يرَ ماهيته- يحفل بما هو أكثر غرابة من ذلك؛ فقد حاول منافسو حزب "النهضة" إحراجه بطرح ترشيح نسبة عالية من النساء في القوائم الانتخابية. "النهضة" كان أول الموافقين، والمفاجأة أن مرشحات "النهضة" كن فائزات في غالبية الدوائر- خلافاً لبقية الأحزاب- بحيث أدخل "النهضة" إلى البرلمان التونسي 42 من أصل 49 امرأة ممن انتخبن أعضاءً في المجلس التأسيسي! لم يغرّ هذا الفوز المبهر قيادة "النهضة"، فما التزمت به مع باقي المعارضين (هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات عام 2005) أيام المحنة، حافظت عليه في زمن المنحة؛ فأعادت الالتزام بالديمقراطية، بما هي "قيم ومبادئ وآليات ومؤسسات"، وأكدت "احترام حقوق وحريات المواطنين الفردية والعامة"، و"قيام دولة مدنية قائمة على مبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وتستمد مشروعيتها من إرادة الشعب". في أدبيات النهضة اليوم؛ تأصيل مكثف لمنهجية العرض دون الفرض، وللتغيير بالإقناع لا الإجبار. درجة الالتزام بهذه المنهجية مذهلة، لدرجة أن الحركة الفائزة في الانتخابات تجد صعوبة اليوم في تغيير موظف حكومي، لئلا يتهمها المنافسون بأنها تفرض لونها على الدولة، مع أن تغيير الإدارات بعد الثورة، وجعلها أكثر قرباً من الحكم الجديد أمر متعارف عليه في أعرق الديمقراطيات الغربية! من يزر تونس اليوم لا يجد أي دليل على أن الإسلاميين يسعون الى فرض قناعاتهم على الناس. لم يفرضوا الحجاب، ولم يقيّدوا حرية المأكل أو المشرب... جل ما فعلوه أنهم نظفوا بلادهم من الفساد السياسي والاقتصادي، وسمحوا للناس أن تعبر عن نفسها، فنشأت آلاف الجمعيات وعشرات الأحزاب ووسائل الإعلام في عام واحد. أكثر من ذلك، فعلى الرغم من أن تونس بلد مسلم 100% تقريباً إلا أن قانون الأحوال الشخصية فيه (صادر عام 1956) يتضمن نصوصاً تخالف الشريعة الإسلامية صراحة، كتغيير أحكام الميراث، وأحكام التبني، والسماح بزواج المسلمة من غير المسلم، وإعطاء أبناء الزنا الحق في حمل اسم الأب والحق في ميراثه كالأبناء الشرعيين، وحظر تعدد الزوجات ولو لأسباب واضحة... ومع ذلك فإن هذا القانون ما زال معمولاً به في ظل حكم الإسلاميين! في تونس أيضاً مثال على احترام الأقليات، إذ يعيش في جربة نحو 2000 يهودي قدموا من إسبانيا قبل قرون خوفاً من الاضطهاد، واندمجوا في المجتمع التونسي؛ لم يتعرض لهم أحد في الماضي، ولم يسئ إليهم أحد بعد صعود نجم الإسلاميين. والأهم أن "النهضة"، هو من يتولى اليوم مكافحة التطرف، عن طريق نشر الوسطية في الفكر والدعوة، وعن طريق القانون، دون إفراط أو تفريط، وذلك عندما يحصل ما يخل بالانتظام العام، وما عدا ذلك فللجميع ان يعبر عن رأيه مهما كان متطرفاً. في تونس اليوم أيضاً اقتصاد ينتعش (من 2-% إلى +2%)، وسياحة تزدهر من جديد، ووزراء ينتظرون نهاية الشهر ليقبضوا رواتبهم، ونواب يركبون في وسائل النقل العامة، ونظافة كف لدى وزراء الحكومة الجديدة، من الإسلاميين وغير الإسلاميين... وخطط واعدة للمستقبل. هذا هو النموذج التونسي، فأين منه خطاب الأحقاد والتحريض في لبنان؟ والسرقات والفساد والتراجع الاقتصادي والوقوف على حافة الحرب الأهلية كل يوم؟!

الأحد، 12 فبراير 2012

حوار موسّع حول تونس الثورة والدولة والإسلام

الغنوشي: لن نعترف باسرائيل
جزم رئيس حزب النهضة التونسي لشيخ راشد الغنوشي أن تونس لن تعترف أبداً بإسرائيل. وقال الغنوشي، في حوار مع المشاركين في «مؤتمر الثورات والانتقال إلى الديموقراطية» الذي ينظمه مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي في الإسكندرية في مدينة الحمامات التونسية، إن حكومة تونس تريد الفصل بين علاقات تونس بالغرب والموقف من إسرائيل.
ورداً على سؤال عن موقفه من الاعتراف بإسرائيل، قال الغنوشي إنه لا يوجد خلاف بين الحركات الإسلامية على أن فلسطين هي القضية المركزية. وأضاف «لن نعترف أبداً لا بالاحتلال ولا بالكيان. ولا داعي للغرابة، ففلسطين موضع إجماع كل الإسلاميين والقوميين».
وعما إذا كان الغرب يوافق على هذا الفصل، قال إنه في كل مرة كان يجتمع فيها إلى المسؤولين الغربيين كانوا يضعون موضوع إسرائيل على الطاولة. وكنا نقول لهم إننا لا نريد الربط بين الموضوعين، وإلا سنضع في المقابل مسألة كوبا على الطاولة.
وعما إذا كان واثقاً من أن الغرب اقتنع بذلك أجاب أنهم في الاجتماعات الأخيرة لم يعودوا يثيرون معنا موضوع إسرائيل، مؤيداً أن الغرب ماكر ومناور. وقال «هذا موقفنا ولن نحيد عنه».
وقال الغنوشي إن من مهمات الثورة تنشيط المساعي لإقامة وحدة عربية ووحدة المغرب العربي وإقامة سوق عربية مشتركة. وأوضح انه في السابق كانت هناك اجتماعات لمجلس وزراء الداخلية العرب برئاسة زين العابدين بن علي على أساس أن الأخطار هي من الداخل وليس من الخارج، في حين لم يكن هناك مجلس لوزراء الخارجية.
ورأى الغنوشي انه «لا عودة إلى الدكتاتورية ومن يحمي الديموقراطية هو وعي الشعوب والشعوب ثارت. لكن الخطر في الصوملة وعدم قدرتنا على تنظيم أنفسنا بالحرية. هناك محاولات لحرق مصانع وقطع طرق، أي الصوملة. هناك فرق بين الحرية والفوضى».
واعتبر الغنوشي انه «ليس هناك من نموذج يحتذى به. كل دولة عليها أن تبتدع نموذجها. نحن في عالم عربي وإسلامي. نحن نتفاعل مع العالم الإسلامي الذي استفاق منذ القرن التاسع عشر على البون الشاسع بينه وبين الغرب وسعى لتلافي الخلل فكانت محاولات الإصلاح في القاهرة واسطنبول وتونس، قوامها المزاوجة بين الإسلام وقيم الحداثة». وأضاف «لكن الاستعمار والاحتلال قضيا على هذا الحلم من خلال تدفيعنا ديننا ثمناً».
واعتبر الغنوشي أن الثورات العربية الحالية استعادت الحلم في المزاوجة بين قيم الإسلام والقيم العالمية. وتساءل «هل نستطيع ذلك؟» وأجاب «نعم، إن الشعوب التي قامت بالثورات مؤهلة لذلك».

ورفض الغنوشي النظرة القائلة بوجود فكر إسلامي واحد. وقال «هذا خارج القانون. الحركة الإسلامية ظاهرة اجتماعية خاضعة للتطور. كنا ننظر بريبة إلى مجلة الأحوال الشخصية، وانتهينا إلى المساواة بين المرأة والرجل. البعض حاول حشر الحركة الإسلامية في زاوية أنها ضد الحداثة والمساواة. لكن في الألفية الجديدة عادت خيوط الحوار بين الحركة الإسلامية والحركة الحداثية وهذه جزئية مهمة. وانتهت في تونس مثلا إلى وثائق أكتوبر (تشرين الأول) عام 2005 مع أحزاب أخرى بينها الحزب الشيوعي وغيره. كان الاتفاق على نموذج ديموقراطي ورفض العنف والمساواة بين الجنسين».
وعن علاقة الدين بالدولة، قال الغنوشي إن «المشكلة في تونس كانت في أن الدولة كانت توظف الدين. الغرب عاش مشكلة كيف يحرر الدولة من سلطة الكنيسة بينما نحن نحاول تحرير الدين من هيمنة الدولة».
وعن الثورة التونسية، قال الغنوشي إنه لم يقدها حزب واحد ولا شخص واحد بل كل الناس رفعوا الشعارات، وعندما انتصرنا لم نضيع وقتاً حول نموذج الدولة الذي نريد بل كنا متفقين عليه.
وحول العلاقة مع الفكر القومي، قال إنه «ليس عندنا مجافاة بين فكرة العروبة والإسلام. نحن في شمال أفريقيا تعرّبنا أولاً ثم أسلمنا». وأضاف إن بعض الأحزاب القومية ترفض الإسلام جزءاً من الهوية العربية، وهذا شكل صدمة لنا فيما يقبله مفكرون مسيحيون.
وعن التحديات التي تواجه الثورة، قال الغنوشي «إننا نرتاد أرضا جديدة. نحن نحاول أن نوفق بين قيمنا والحداثة. البعض خرج من المعسكر الماركسي ولا يحق له أن يعلمنا الديموقراطية. كلنا مبتدئون في الديموقراطية. ونحن في سنة أول ابتدائي من التجربة الديموقراطية، فلا أحد يزايد على أحد، كلنا مبتدئون».
ورفض الغنوشي منطق الانقلابات العسكرية، موضحاً انه «من الخطأ الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري. الطريق الوحيد هو الشورى، والشورى هي الديموقراطية. ألله أعطانا الشورى لكنه لم يعطنا الأدوات فهذا مجال العقل». وقال «إن الخطر الكبير هو كيف نوفق بين الحرية والنظام. النظام في عهد زين العابدين بن علي كان محفوظاً بسوط السلطان. السلطان طار. السؤال هو كيف ننظم أنفسنا بالحرية لا بسوط السلطان. هذا تحد كبير. التحدي الآخر كيف نقبل بنتائج الانتخابات الديموقراطية. البعض لم يهضم نفسياً أن الإسلاميين جزء من البلاد. الإسلاميون أدركوا أن التحديات كبيرة، لذا لا يمكنهم الحكم وحدهم. وكان يجب أن نبتعد عن صورة حكم الحزب الواحد وينسى الناس أنهم كانوا في ظل حكم حزب واحد. وقد أظهرت الثورة انه يمكن للإسلاميين العمل مع العلمانيين المعتدلين. مجتمعاتنا متعددة ولا مناص سوى أن نقبل بعضنا البعض حتى لا تغرق السفينة».
واعتبر أن الأولوية «كيف نوطّن أنفسنا على الديموقراطية والتعايش وعدم الإقصاء والحرية. منذ سقوط الخلافة الراشدية ونحن نحل خلافاتنا بحد السيف. أما التحدي الآخر فهو الاقتصادي حيث لا كرامة من دون عمل».
من جهته، قال وزير الخارجية التونسي الجديد رفيق عبد السلام إن تونس لن تعترف بإسرائيل وبالأمس كنت مع وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله واتفقنا على 90 في المئة من القضايا واختلفنا على إسرائيل.
وبسؤاله عن إعجاب التونسيين بالنموذج التركي وهل يقبلون بدعوة رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان من القاهرة إلى إقامة نظام علماني وعدم الخوف منه، قال الوزير الشاب «إن موقف اردوغان يخصه وحده. وتونس ليست مضطرة لتكون علمانية. تونس نظامها جمهوري ولغتها عربية ودينها الإسلام». وأضاف «إن لتركيا وضعاً خاصاً والقاعدة الشرعية هناك هي اللائيكية. نحن نقدر نجاح التجربة التركية لكننا لسنا مضطرين لاستيراد النماذج. وهناك نماذج حداثة أخرى فرنسية وأميركية. الحداثة انفتاح على إمكانيات متعددة. وتونس منفتحة على كل الحداثات وسوف تتحرك عبر فضائها العربي». وأضاف «إن إيران ليست عدواً، لكنها ليست صديقاً مطلقاً فهناك مساحات التقاء ومساحات خلاف».

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

فهمي هويدي: تقرير من تونس عن الائتلاف الاسلامي-العلماني الناجح

حين تعقد الجمعية التأسيسية التونسية أول اجتماع لها اليوم لبدء خطوات تسليم السلطة إلى قوى الثورة، فإنهم يعلنون نجاحهم في ما فشلت فيه الثورة المصرية، حتى الآن.
ــ1ــ
أتحدث عن الاجتماع الذي يفترض أن يتم فيه انتخاب رئيس المجلس التأسيسي، والاتفاق على ترتيب انتخاب رئيس الدولة وتعيين رئيس الحكومة، وتنظيم الإجراءات التي تنتهي بوضع دستور جديد للبلاد، خلال فترة يرجى لها ألا تتجاوز 18 شهرا.
حين قلت إنهم نجحوا في ما فشلنا فيه، فلم أكن أعنى فقط أنهم بدأوا خطوات إقامة نظامهم الجديد، المتعثر عندنا، وإنما عنيت أنهم دخلوا إلى تلك المرحلة من باب الوفاق والتفاهم الذي يفترض أن يفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية. بعدما تفاهموا على أن يتولى رئاسة الدولة والجمعية التأسيسية اثنان من العلمانيين، وان يرأس الحكومة الأمين العام لحزب النهضة الإسلامي، الذي حاز اكبر نسبة من المقاعد.
التوافق الحاصل في الساحة التونسية ليس من ثمار ثورة 14 يناير، لكنه سابق عليها بعدة سنوات، ذلك أن القوى الوطنية التونسية قررت أن تتحدى ذلك النظام في عام 2005، حيث شكلت في ما بينها تجمعا باسم «18 أكتوبر للحقوق والحريات». وذلك هو التاريخ الذي أعلنت فيه ثماني شخصيات وطنية الإضراب عن الطعام احتجاجات على تدهور على حالة الحريات العامة ــ وقصد أولئك النشطاء أن يعلنوا عن إضرابهم الذي استمر لأكثر من شهر قبل انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات الذي تقرر عقده في 17 نوفمبر من العام ذاته. وأرادوا بذلك فضح النظام وإحراجه أمام الوفود القادمة من مختلف أنحاء العالم، آنذاك تشكلت لجنة وطنية للإضراب ضمت بعض الأحزاب التي كانت حركة النهضة من بينها. وحين لقيت اللجنة تأييدا واسعا من قطاعات مختلفة من المجتمع، قررت أن تقيم منتدى 18 أكتوبر، الذي دعيت مختلف التيارات إلى مناقشة خلافاتها الفكرية، وأعلن رسميا عن تأسيس ذلك المنتدى في 25 يناير من عام 2006.
طوال أربع سنوات ظلت هيئة منتدى 18 أكتوبر تدرس خلافاتها وتسعى إلى تحديد القواسم المشتركة التي يمكن الاتفاق حولها، وانتهت إلى إصدار ثلاثة أوراق شكلت أرضية الاتفاق، واحدة حول المساواة بين الجنسين والثانية خاصة بحرية المعتقد والضمير والثالثة تناولت علاقة الدين بالدولة في مجتمع مسلم ديموقراطي. وصدرت تلك الوثائق في عام 2010 ــ في العام السابق على الثورة ــ في كراسة بعنوان: طريقنا إلى الديمقراطية ــ وكان من نتيجة ذلك التوافق أنه حين قامت الثورة، فإن طريق العمل المشترك بين قوى الاعتدال الإسلامي والعلماني كان ممهدا.

لم يكن مستغربا أن تصاب شرائح الغلاه من الليبراليين والعلمانيين المتحكمة في المجال العام منذ الاستقلال في عام 1956 بصدمة شديدة حين حققت حركة النهضة تقدمها في الانتخابات. وكانت عملية التخويف ومحاولات الاصطياد والإيقاع من أهم الوسائل التي استخدمت في تلك المواجهة.
وكان رئيس اللجنة التي شكلت للحفاظ على الثورة ــ عياض بن عاشور ــ أحد الذين دعوا إلى حذف الإسلام من هوية الدولة (النص موجود في الدستور منذ الاستقلال) ــ وخرجت مجموعة باسم «النساء الديموقراطيات» طالبت بمساواة الرجل بالمرأة في الميراث، وطالبت إحدى السيدات في ندوة عقدها التلفزيون الفرنسي بتدخل فرنسا لإنقاذ السيدات من «براثن» النهضة. وأثارت أخرى ضجة لأن واحدة من نواب النهضة رفضت مشروعها لتقنين وضع الأمهات العازبات (اللاتي أنجبن بغير زواج) وعرضت إحدى القنوات شريطا صور الذات الإلهية وعرضت فتاة أخرى شريطا قبل الانتخابات أعلنت فيه البطلة أنها «كافرة». وكانت الضجة الكبرى حين دعا السيد حمادي الجبالي الأمين العام لحزب النهضة إلى تمثل الخلافة الراشدة السادسة (كان يقصد إشاعة العدل في البلاد كما فعل الخليفة عمر بن عبد العزيز). وقد أثار ذلك غضب غلاة العلمانيين الذين استفزهم استخدام مصطلح الخلافة الراشدة.
ومنذ عاد قادة النهضة من المنفى إلى بلادهم، خصوصا الشيخ راشد الغنوشي، وهو يواجه بأسئلة حول مصير الحانات وغير المحجبات والمايوهات البكيني والسينما والبنوك... إلخ، وفى الأسبوع الماضي اجتمع بعض الفنانين مع أحد المسؤولين عن الثقافة في النهضة (العجمي الوريمي) وكان الاجتماع مكرسا لبحث مصير الرقص الشرقي في ظل الحكومة الجديدة.
للدقة فإن هذا اللغط يثيره المثقفون والفرقاء السياسيون. في حين أنه لا يحتل حيزا يذكر في الشــارع التونـسي. ذلك أن المجتمع يعاني من مشكلة البطالة والكساد، نتيجة لتوقف السـياحة بصـورة نسبية بعد الثورة. الأمر الذي زاد من العاطلين الذين كان عددهم 500 ألف فوصل العدد بعد الثورة إلى 700 ألف، والعدد مرشح لأن يصل إلى مليون عاطل إذا استمر الحال كما هو عليه الآن (لاحظ أن سكان تونس عشرة ملايين).
في الوقت ذاته فإن الجميع لا يكفون عن الحديث عن فضائح النظام السابق التي باتت على كل لسان. وأكثر تلك الفضائح تدور حول علاقات الرئيس السابق وذمته المالية وأطماعه هو وزوجته وأهلها «الطرابلسية»، وما سمعته عن الرئيس السابق يفوق القدرة على التصديق، فعلاقاته مع الموساد الإسرائيلي ودوره في قتل بعض القادة الفلسطينيين محل تحقيق. ثم إن فساد ذمته المالية تجاوز حدود اكتنازه للأموال النقدية والمجوهرات في سراديب قصوره ووصل إلى درجة إتجاره في المخدرات الذي كان يتم بواسطة شقيقه (اتهم بقتله). وقد فوجئ الجميع بأن بعض قصوره احتوت على مخازن كدست فيها الثلاجات والبوتاغازات وأجهزة التلفزيون والغسالات. ويظل ذلك كله أمرا محدودا إلى جانب عمليات النهب العظيم التي طالت الأراضي والغابات والمشروعات الاقتصادية الكبرى التي كان ينتزع بعضها من أصحابها، وقد لجأ عدد منهم إلى الهجرة من البلاد فرارا من ذلك المصير، في حين أقدم آخرون على الانتحار حين اكتشفوا أن شقاء عمرهم اختطفت منهم.
استوقفني فيما سمعت عن فساد العهد السابق المعلومات التي اكتشفت في ملفات وكالة الإعلام الخارجي، حيث تبين مثلا أن الوكالة كانت تدفع شهريا 2 مليون دولار لشراء بعض وسائل الإعلام في لبنان، بينها قناتان تليفزيونيتان شهيرتان. كذلك كانت تدفع مبالغ أخرى لصحافيين عرب، منهم مصريون أشير إلى أحدهم بحرفي (م.ج). كما أشير إلى أن تقارير تلك الوكالة التي كان تمجد بن علي وعهده، كانت تنشر باعتبارها مقالات تحليلية في بعض الصحف المستقلة في مصر وبعض الأقطار العربية الأخرى.

كي استكمل الصورة ذهبت إلى الشيخ راشد الغنوشي في البيت الذي استأجره أخيرا في حي المنزه بعد غيبة استمرت 22 عاما، وكانت السلطة قد استولت على بيته الأصلي بعد اغترابه، وقد عثروا أخيرا على أوراق ملكية بيته المغتصب وردوه إليه. حين سألته عن الحملات التي تشن بصفة يومية على حركة النهضة، ضحك وقال: نحن معتادون على ذلك وأكثر منه، وما يهمنا الآن هو إنقاذ الوطن وليس الدفاع عن الحركة. سألت عن تصريحاته التي تحدث فيها عن عدم التدخل في حريات الناس والسائحين، قال إن لدينا أولوياتنا وهمنا الأول هو طمأنة الجميع وإنقاذ اقتصاد البلد من الكساد. ثم أن موضوع الحريات محسوم عندنا منذ وقت مبكر، سابق على وثائق منتدى 18 أكتوبر. قلت إن مجلة «جون أفريك» في عددها الأخير، وكذلك كتابات محللين غربيين وعرب كثيرين ذكروا أن حركة النهضة طوت أفكارها بسبب هجرة قادتها إلى فرنسا وإنكلترا. عندئذ عاد إلى ضحكته وقال، لو أنهم قرأوا أدبياتنا في الثمانينيات، لاكتشفوا أنهم كانوا يقرأوننا بنظارة سوداء. ولكنهم رأونا على حقيقتنا حين خلعوا النظارة بعد الانتخابات. والطريف أنهم تصوروا أننا تغيرنا، في حين أن المشكلة أنهم هم الذين فتحوا أعينهم على حقيقتنا.
سألته عن علاقة حركة النهضة بالأجهزة الأمنية التي ظلت تنكل بعناصرها طول الوقت. قال إنهم نكلوا بالشعب التونسي كله وكانت حصتنا أكبر. سجنوا وعذبوا 45 ألفاً. وقتلوا أكثر من مائة تحت التعذيب أطلقت أسماؤهم على قاعات مقرات الحركة التي افتتحت هذا العام. ونحن نعرف أسماء الذين عذبوا أخواتنا وعناوينهم. لكننا قلنا إن الحركة لن تدعى على أحد، وستترك كل واحد وشأنه. أما إذا أراد الأفراد أن يقاضوا معذبيهم من جهتهم فهذا شأنهم.
سألته عما إذا كانت الشرطة والأجهزة الأمنية ستبقى على حالها. فنفى ذلك وقال إن 45 من قيادات تلك الأجهزة انهيت خدماتهم وبعضهم تم اعتقالهم. وأنه تم تعين عشرات آلاف شرطي جديد، اخضعوا لدورات تثقيفية في احترام القانون وحقوق الإنسان. وتم استجلاب محاضرين لهذا الغرض من إنكلترا وبلجيكا والولايات المتحدة.
سألته عن الشائعات التي ترددت عن احتمال تدخل الجيش إذا ما فازت حركة النهضة في الانتخابات، فقال إن مصدر الشائعة كان أحد النافذين في عهد بن علي، وما ان وصلت إلى إسماع رئيس الأركان الجنرال رشيد بن عمار، حتى سارع إلى دعوتنا للقائه ونفى الشائعة، مؤكدا على أن الجيش ملتزم باحترام الإرادة الشعبية، علما بأن الرجل رفض طلبا بن على لإطلاق النار على المتظاهرين في الثورة.
سألــته عن زيارته للولايات المتـحدة الأمـيركية في شهر يناير القادم تلبية لدعوة من مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفـيرز) فقال إنه كان ممنوعا من دخول أميركا منذ عام 94، ولكنه قبل الدعوة التي وجهت إليه بعد الثورة. وأضاف ان هناك دعوة مماثلة وجهت إلى السيد حمادي الجبالي سيقوم بها بعد تنصيبه رسميا رئيسا للوزراء.
الملاحظ انه منذ بداية الثورة اتخذت واشنطن سياسة أكثر رشدا وواقعية، في حين أن فرنسا أعلنت عن وقوفها إلى جانب بن على. وذكرت وزيرة الخارجية أمام الجمعية الوطنية في البداية أن فرنسا تضع إمكانياتها تحت تصرف الرئيس السابق، الذي فتح البلد على مصارعها أمام السياسيين الفرنسيين، فتملكوا على شواطئها وقضوا عطلاتهم على نفقته. لكنهم جميعا أداروا ظهورهم له، وأصبحوا يتطلعون إلى علاقة إيجابية مع النظام الجديد. وأجرى الان جوبيه وزير الخارجية اتصالا هاتفيا مع الشيخ راشد الغنوشي ليبدد السحابات التي لاحت في أفق علاقات البلدين.
في إحدى جلسات الحوار تطرق الحديث إلى المقارنة بين ثورتي تونس ومصر، وقلت إن الائتلاف بين قوى الاعتدال الإسلامي والعلماني فارق مهم لصالح الثورة التونسية. التي اعتبرها محظوظة لسببين آخرين، أولهما أنها ليست مجاورة لإسرائيل. لذلك فالديموقراطية فيها يمكن أن تحتمل، بعكس مصر التي يخاف الجميع من إقامة الديموقراطية على أرضها. حينئذ علق أحد التونسيين المطلعين قائلا، إن وفدا أميركيا من خمسة أشخاص جاء إلى تونس قبل عشرة أيام وأراد أن يجس نبض علاقة النظام الجديد بإسرائيل، عبر إشارته إلى أن بعض الأثرياء الإسرائيليين يريدون الاستثمار في تونس، وكان ردنا أن النظام الجديد متضامن مع الفلسطينيين، وأن اهتمامنا منصب على إنجاح التجربة الديموقراطية وتجاوز الأزمة الاقتصادية، وكل ما عدا ذلك مؤجل.
قلت لسامعي إن التونسيين محظوظون أيضا، لأن بن علي غادر البلاد وهرب تاركا فلوله، أما في مصر فمبارك موجود وكذلك فلوله. عندئذ قال مواسيا: الله معكم!

الخميس، 24 نوفمبر 2011

قيادي في حركة النهضة لـ"العربية": لن نغير قانون حظر تعدد الزوجات

أكد أن قانون الإرث في تونس يتسق مع الشرع
أكد القيادي في حركة النهضة التونسية، علي العريض، أن الحركة بعد فوزها في الانتخابات "تريد أن تكون مقاربتها مع أي قضية لا تتعارض مع الدين، وأطروحتنا تقوم على الملاءمة بين الحداثة وبين مقاصد الدين الإسلامي"، موضحا أن الحركة لن تحدث تغييرا في قانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالإرث وتعدد الزوجات الذي اعتبره غير ملائم للمجتمع التونسي، وجاء ذلك في برنامج "نقطة نظام" الذي يقدمه الزميل حسن معوض على شاشة قناة "العربية".
وقال العريض، رئيس الهيئة التأسيسية لحركة النهضة وعضو مكتبها التنفيذي، إن قانون الأحوال الشخصية في تونس "يتعامل مع فرائض الإرث وفقا لما ورد في الشرع الإسلامي".
وأكد أنه "ليس لنا أي نية لمراجعة تعدد الزوجات، لأن التعدد مشروط في الفقه بشروط كثيرة، ولولي الأمر إذا رأى سوء استعمال حق أن يقيده".
وأوضح أن الحركة "تحترم النمط الاجتماعي، وفي تونس جرى العمل على أنه لا وجود للتعدد، وسنحافظ على الأسرة التونسية المكونة من زوج وزوجة وأطفال".
وذكر "أن الدين الإسلامي واحد، وقراءته متعددة، وهو يتأقلم مع كل مجتمع بخصائصه والمرحلة التي يتطور بها، ونحن نريد الحفاظ على المكاسب الموجودة وإصلاح التجاوزات"، مؤكدا أن الحركة تؤيد "الدولة المدنية".
"نحن بعيدون عن النموذج الإيراني"
وتابع: "ليس في الدستور الذي ننوي أن نصوغه من جديد، من تمييز للرجل على المرأة في الحقوق والواجبات، وهذا ينطبق على حقوق الترشح لمختلف المناصب بشرط توافر الشروط المنصوص عليها في القوانين".وأضاف: "النهضة حركة حديثة، ولها قراءتها للحداثة ومكاسبها وخصوصيتها التونسية، ونحن لا نزايد على الآخرين، بل نستلهم من تجربة تركيا ومن تجارب الآخرين في الدول العربية ونستخرج النسخة الصالحة لنا في تونس".وقال إن "إسرائيل دولة احتلال وحرب، وليس لنا علاقات أو تطبيع مع دولة مغتصبة لحقوق الشعب الوطني الفلسطيني".
وأوضح أن "النموذج الإيراني خاص بإيران كشعب وجغرافيا وتاريخ ومذهب"، مضيفا "نحن بعيدون عن النموذج الإيراني، ولنا كامل خصوصيتنا. ننفتح ونستفيد من التجارب الأخرى".
الخطوط الحمر لحركة النهضة
وشدد على أن الخطوط الحمر للنهضة هي: "لا وجود لعلاقات مع إسرائيل، ولا وجود لنظرة دونية للهوية العربية والإسلامية، ولا وجود لصراع طبقي، فهمنا وسطي واختياراتنا وسطية في مختلف المجالات".
وأوضح أن "الخلافة الإسلامية ليست من أصول الدين، ونحن مع اتحاد المسلمين والعرب وتقوية التكامل بينهم، ولسنا من دعاة الخلافة بمفهومها التقليدي".
وتابع: "لم نتلق أموالا من الخارج. نحن تونسيون لغة وهوية، وتمويلنا جاء من قروض من أصحاب اليسر نقوم بسدادها، وحملتنا كانت أقل تكلفة من الآخرين، فقد اعتمدنا التطوع والاتصال المباشر بالمواطنين".
واكد أن "كل العوامل تدخلت في تقدم النهضة بأشواط كبيرة على منافسيهم في كل الأحياء وبين كل الفئات. نحن صورة للمجتمع التونسي".
وقال: "نحن منفتحون على كل القوى والبلدان التي لها علاقات مع تونس، وسنسافر إلى كل بلدان العالم بحثا عن مصالح تونس والاستثمارات الأجنبية".

Minorities Put Faith in Tunisia Islamists

TUNIS – Following the resounding electoral victory of Tunisia's Islamists, religious minorities are putting their faith in the country's nascent democracy.
"The Tunisian people, including the Jews, have understood that democracy is the best solution for everybody," Khelifa Attoun, a Tunis businessman who is vice-president of the local Jewish community, told Reuters.
Islamic-leaning Ennahda party won most votes in last month's election, the first since the ouster of president Zine Al-Abidine Ben Ali in a popular revolt earlier this year.
The election will result in an assembly, which will write the country's new constitution.
"The democratic spirit is there," said the Jordanian-born Roman Catholic Archbishop of Tunis, Maroun Lahham.
"This is not Iran, Pakistan or Saudi Arabia - it's not Switzerland or Sweden either," he said.
"This will be a real Arab democracy, with a Muslim coloring."
Their cautious optimism echoed comments by Muslim analysts who expect Ennahda to substantiate its claim that Islam and democracy are compatible.
"Ennahda is not going to throw away this opportunity that history has given it," said Sofiane Ben Farhat, a senior editor at the daily La Presse de Tunisie.
Tunisia's religious minorities are tiny.
There are only about 30,000 Christians, almost all foreigners of European and sub-Saharan African origin, and fewer than 2,000 Jews in a community that dates back to the Roman Empire.
Reassuring
Religious minorities say that they have no problem with an Islamist-led leadership in Tunisia.
"Ennahda will have to follow the moderate Tunisian tradition," Attoun said.
"Jews have no problem with Ennahda, only with the salafists. But Ennahda won't let them do what they want."
Led by Rachid Ghannouchi, Ennahda says it will not write religion into the country's laws and will focus instead on jobs for the unemployed and justice for all.
"Everybody is watching Ennahda and knows what they have promised," Lahham said.
"If they want to change anything, the street is there to protest."
During the campaign for the October 23 election for Tunisia's new democratic assembly, moderate Islamists in the Ennahda party promised to maintain the country's secular state and respect human rights, women's rights and other freedoms.
Among the 10,000 candidates was one Jew, kosher restaurant owner Gilles Jacob Lellouche from the Tunis port area of La Goulette, where many Jews live.
"I wanted to break the taboo that someone from a minority can't get involved in politics," said Lellouche, who was not elected.
"People saw me as a citizen who was getting involved. It all went very well."
The Ennahda candidate in La Goulette visited the Jewish nursing home to reassure the residents and party leader Ghannouchi met the Tunis community's leader.
"Ennahda has gone out of its way to reassure the Jewish community," said a senior Western diplomat in touch with Jewish communities around the country.
"It's in Ennahda's interest both as a political party and as the leader of the next government of Tunisia to show that this tradition of tolerance continues

Ghannouchi...Tunisia's Reformist Islamist

TUNIS – Seen as a reformist and a champion of public freedoms, Rachid Ghannouchi, the leader of Tunisia's Islamic-leaning Ennahda, sees himself on a mission to advocate "an applied version of Islam".
"There is some confusion in the West about Islamism," Ghannouchi told Reuters.
"Some confuse it with fundamentalism and link it to violence, extremism and takfir" -- the practice of declaring other Muslims infidels.
Ghannouchi's Ennahda party won 41.7 percent of votes in last month's election, the first poll since the ouster of president Zine Al-Abidine Ben Ali in a popular revolution earlier this year.
The election will result in an assembly that will draw up the country's new constitution.
The party says it will not write religion into the country's laws and will focus instead on jobs for the unemployed and justice for all.
Ghannouchi says Ennahda will guarantee individual freedoms, including women's rights.
He compared its approach to that of the Christian Democrats in Europe or United States politicians who invoke God and Christian values while working in a secular democracy.
"We are against the state trying to impose any particular way of life," he said.
"There shouldn't be any law to try to make people more religious. We believe in freedom of religion, including the freedom to change religion."
Ghannouchi was forced into exile in Britain for 22 years because of harassment by Ben Ali's police.
A softly spoken scholar, he dresses in suits and open-necked shirts while his wife and daughter wear the hijab.
Reformist
Ghannouchi's pragmatic policies are often described as being inspired by the moderate Islamists in Turkey's ruling Justice and Development Party (AKP), but they seem to have been just as influenced by him.
"Tunis has been a center of reformist Islamic thought since the 19th century," said Mustafa Akyol, Turkish author of the recent book "Islam Without Extremes: A Muslim Case for Liberty."
"The AKP doesn't have a Ghannouchi," he said, using the name of the ruling party of Turkish Premier Recep Tayyip Erdogan.
"Neither Erdogan nor (President Abdullah) Gul has written books about reform theology."
A rare theoretician among Islamist politicians, Ghannouchi's reformist writings were translated from Arabic into Turkish and read there as early as the 1980s.
His 1993 book "Public Liberties in the Islamic State" is "better known in Turkey than Tunisia," he said.
It was banned until Ben Ali was ousted by Tunisia's Arab Spring protests in January.
Ghannouchi believes that Islam and democracy fit together as all Islamic laws aim to preserve the universal values of life, religion, property, reason and family.
"When we establish democracy, we see that it achieves many of these aims," Ghannouchi said.
"Anything that promotes these aims is Islamic, even if it is not called Islamic.
"That's why we say that Islam and democracy are compatible."
Radwan Masmoudi, Tunisian-born director of the Center for the Study of Islam and Democracy (CSID) in Washington, said democracy was the most suitable political system for putting Ghannouchi's interpretation of Islam into practice.
"There are Islamic values that are universal and the state should uphold, such as justice, freedom and equality," he told Reuters.
"For that you need a separation of powers and an independent judiciary. Those are secular values."
Another pillar of Ghannouchi's thinking -- ijtihad, or reasoned interpretation of Islamic texts -- needs freedom to operate effectively, Masmoudi said.
"You can't practice ijtihad in a dictatorship," he said.
"People used to think we needed to reform Islam to have a democracy. I think we need democracy first, then we can reconcile Islam with modernity."

دلالات الانتخابات التونسية وفوز النهضة

الدكتور عادل عبد المهدي- بغداد

جرت الانتخابات بجو ديمقراطي باشراف الامم المتحدة ومختلف الدول والاعلام العالمي.. وكما عندنا، نظمت الانتخابات "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" واعتمدت خليطاً من النسبية والمفتوحة.. واظهرت النتائج بعد مشاركة واسعة فوز حزب النهضة برئاسة الشيخ راشد الغنوشي، فما هي دلالات هذه الانتخابات.
• بدأ الربيع العربي يعطي ثماره. فكانت تونس اول شرارة، فانها –ايضاً- اول من فتح درب الاصلاحات والديمقراطية والحرية لتؤكد تاريخية الانتفاضات. سيقول قائل ان العراق قد سبق الى ذلك، وهذا صحيح.. لكن دور العراق كان اقرب لدور الديناميت الذي ازاح جبل الافكار المتخلفة المتداولة بحجز الموروثات لطريق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.. بعد ان اصبحت الانقلابات وموت الحاكم هي الوسيلة الوحيدة لذلك. امام هذه الحقيقة التاريخية نتذكر بفخر فتوى المرجع الاعلى السيد السيستاني بلزوم اعداد دستور دائم تكتبه جمعية منتخبة.. وهو ما فرضه الشعب العراقي في نهاية المطاف، رافضاً الحل العسكري او النخبوي. وهو ما قام به –ايضاً- الشعب التونسي بانتخاب مجلس لكتابة الدستور.
• برهن فوز "النهضة" ان ما يسمى بـ"الاسلام السياسي" ليس تياراً هابطاً كما يقولون، بل هو تيار قوي طالما يتبنى الشعارات والبرامج الصحيحة.. وسيكون له موقعاً مؤثراً في اية انتخابات حرة تجري في اي بلد اسلامي، شريطة تبني الاطروحات المناسبة والمناهج واللغة التي يقبل بها الناخبون بحرية ومساواة متاحة للجميع.
• ان التزاوج بين الافكار الاسلامية والديمقراطية الذي دعا اليه الشيخ راشد الغنوشي هو امر ممكن. فالاسلام هو دين التعاقد والبيعة وهو اقرب لاحتواء الممارسات والمفاهيم الديمقراطية من اي فكر انقلابي او نخبوي او طبقي. فلا حاجز في الاسلام لتحقيق ذلك.. الحاجز قد يضعه المسلمون او غيرهم بسلسلة من الافكار التي يخترعونها.. وهي ليست من الاسلام في شيء.
• تبرهن الانتخابات التونسية ان الحرية هي لمصلحة المسلمين ولغيرهم.. وهي ضمانة للدفاع عن دينهم افضل من العنف والارهاب. وجادلهم بالتي هي احسن.. وبالحكمة والموعظة الحسنة.. هي اسلحة من يمتلك الحجة والبرهان. اما الجبر والقسر وفرض الحلول فانه لم يكن طريق الثقلين القائم على الاستماع للرأي.. وقبول رأي المخالفين.. واقرار تعددية الاديان والافكار والجماعات والقوميات ابتداءاً.. والاستناد للشورى.. وهذا امير المؤمنين عليه السلام يخاطب قومه قائلاً "وليس لي ان احملكم على ما تكرهون".
تونس وثقافة الانتخابات.. التعلم من الخسارة.. ومحاذير الفوز
فرحنا ونحن نستمع الى ردود الفعل بعد ظهور النتائج الاولية للانتخابات التونسية موقف الخاسرين وهم يهنئون «النهضة» بفوزها.. والرابحين وهم يتكلمون لغة متواضعة تشدد على الوحدة الوطنية وعدم عزل اي طرف.. فلا تتكلم عن سحق الاخرين او ازاحتهم. وهذه ليست مجرد كلمات.. بل هي ثقافة تفهم التنافس واهمية طرح وجهات النظر المتعددة.. لكنها تفهم الوحدة واهمية الاختلاف في اطارها. وهذه ثقافة يصنعها طرفان وليس طرف واحد.. ولعل اهم ما يهدد الفوز هو ليس مشاعر الغبطة والفرح فهذا امر طبيعي.. لكن ما يعقب ذلك من استنتاجات تعطي الفوز ابعاداً وهمية واستنتاجات منحرفة تنسي الفائزين وعودهم، وتعمي عيونهم عن معادلات الساحة التي احترموها وفازوا بها.. فكم من انتصار قاد الى غرور المنتصر فحوله انتكاسة.. وكم من هزيمة علمت المهزوم هفواته ومهدت له الفوز.
انتصر "النهضة" لانه مثل الانقطاع الكامل عن النظام السابق، بينما شوشت ارتباطات الكثير من معارضيه بالانظمة السابقة من الرؤية الجماهيرية ازاءهم. فالشعب التونسي ذهب الى التجديد الكامل الجذري وليس الى عمليات ترقيع وتجميل لتجربة عانوا منها ودفعوا ثمنها.. انتصر "النهضة" لانه احسن ربط المشاعر الدينية بالقومية بالمدنية. فلم يرفع شعار الحكومة الدينية فكسب القوى المدنية.. لكنه رفض تسميته بالعلمانية، شارحاً ان "العلمانية" التونسية تطرح نفسها كمناهضة للدين.. وهذا ما لا يرتضيه الشعب التونسي، فكسب القوى الدينية. وارتبط بالقضايا القومية فكسب المشاعر الوطنية المعادية للتدخل الاجنبي بكل حساسياته.. انتصر "النهضة" لان زعيمه الشيخ راشد الغنوشي مفكر اسلامي ومتنور من الطراز الاول.. شعبي وترابي ومتواضع.. عميق مبدع في افكاره لا يتعبه الشرح والتوضيح.. قاوم الاستعمار الفرنسي والمرحلة البورقيبية ومرحلة بن علي بجهادية وصبر عاليين. فاستحق ثقة التونسيين وتأييدهم. ولمعرفتنا بالرجل وعمقه الفكري وتاريخه الناصع وسلوكه المعتدل المتوازن، فاننا متفائلون ومطمئنون انه سيساهم مع اخوانه ليس في "النهضة" فقط، بل مع باقي القوى ايضاً بقيادة تونس الى شاطىء البر والامان والنجاح.. فاثار التجربة الايجابية ستؤثر على بقية البلدان العربية.. مما سيعطي للانتفاضات العربية طابعها التجديدي العميق.. لتدخل المنطقة في مرحلة جديدة تماماً، بعيداً عن كل ما عرفناه سابقاً من ظلم وتناحر وتخلف وتبعية وفقر واستبداد.

عن تونس ونهضتها المباركة

سعود المولى
نكتب اليوم عن تونس الجديدة وهي ترسم مستقبلها بالانتخابات الحرة الديموقراطية التي ستُنتج سلطة سياسية جديدة من برلمان وحكومة وأجهزة ومؤسسات قيادية.. نكتب اليوم والتونسيون الأحرار يواجهون حملات التخوين والتشهير والشتم والتحريض على الحقد والكراهية لأنهم اختاروا حزب النهضة الاسلامي... ومرة جديدة نعيد ونكرر جملة من المواقف والبديهيات وندعو المخلصين والشرفاء والحريصين على تونس وشعبها وعلى الأمة العربية واستقلالها وتحررها أن يسمعوا: لقد عانت تونس كما غيرها من البلدان العربية من الظلم والاستبداد ومن القمع والتنكيل...وخلال المحنة التي ضربت تونس (والتي لم توفّر إسلامييها من علمانييها، ولا ثورييها من اصلاحييها) كانت المقاومة الشعبية الحقيقية تتمثل في السعي الدائم نحو الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب التونسي، ونحو بناء دولة القانون والمؤسسات وتحقيق الحرية والاستقرار والعدالة والكرامة للجميع..وكان هذا يعني صوغ سياسات واضحة تُراكم انجازات حقيقية تحت سقف مشروع وطني ديموقراطي حقيقي واستراتيجية وطنية صادقة وبرنامج عمل متكامل، لإعادة بناء المجتمع المتعدد والموحد في آن معاً، ولبناء الدولة الحديثة لتونس الجديدة، دولة تجمّع ولا تفرّق، تصون ولا تبدد، تحمي ولا تهدد، تتقدم بالبلاد والعباد الى بر الأمان ولا تأخذها الى شطآن الظلام. واليوم وبعد تمكن الشعب التونسي من التحرر ومن التقدم على طريق بناء تجربته الجديدة، فإن الوضع التونسي (كما كل الاوضاع العربية) يحتاج الى مقاربة جديدة تخرج عن التهويمات الأيديولوجية الإسقاطية والأوهام القومجية الفارغة والأصوليات الاستقصائية النابذة، أكانت أصوليات علمانية ويسارية أم ظلاميات إسلاموية قاتلة. المطلوب اليوم التفكير الاستراتيجي في ما تواجهه تونس على طريق استكمال حريتها ووحدتها واستقرارها وازدهارها..
تتمزق تونس (وكل بلاد العرب) داخلياً بين فئات تعيش هواجس الماضي وآلامه وترفض عودته وبين فئات أخرى تعيش قلق المستقبل وأخطاره وتريد إعادة الماضي..إلا أن كل هذه الهواجس ليست ولا يجوز أن تكون من النوع الذي يهدد استقرار وأمن وأمان شعبها وإنما ينبغي أن تكون من نوع التحديات التي يتوجب أن نعمل جميعاً وكل من موقعه على وضعها في سياقاتها الفعلية وطرحها ضمن أطرها وإيجاد حلول لها تكون واقعية وعملية ولمصلحة تونس وأهلها أولاً ثم لمصلحة كل العرب والمسلمين ثانياً، ناهيك عن مصالح المجتمع الدولي والسلم العالمي..
إن العملية السياسية الجارية في تونس الجديدة تقوم على ثوابت ينبغي ترسيخها وتعميقها وتعميمها:
أ-بناء الدولة الوطنية الحديثة السيدة الحرة المستقلة ، وإنجاز وحدة وطنية حقيقية وسلم أهلي راسخ بين كل مكونات الشعب.. .
ب-تطوير المشاركة الشعبية والاستفادة من تجارب الشعوب ومن دراسات متخصصة وعدم الوقوع ضحية الارهاب الايديولوجي الذي يمنع الحوار ويقمع الابداع، وإنما إطلاق طاقات الخير الكامنة في الشعب من أجل إيجاد الحلول الصحيحة والمناسبة لقضايا الحكم والإدارة ، مع الانتباه الى ضرورة تعزيز مكتسبات المرأة.
ج-إن الصيغة الأنسب لحكم وإدارة تونس لن تكون صيغة مكررة من الدولة المركزية الاستبدادية ولا ديكتاتورية الفرد أو الحزب ولا غلبة تيار أو فئة، إنها صيغة جديدة مركبة تحتاج الى إعمال الفكر والدراسات وتغليب مصلحة الناس أولاً وأخيراً..فلا مقدس في السياسة والاجتماع سوى الإنسان: حياته وحريته وكرامته وحقوقه...
إن المطلوب اليوم هو الدعوة الى صياغة شراكة استراتيجية حقيقية بين القوى السياسية كافة وبين المجتمع السياسي والمجتمع المدني تضمن دوراً محدداً لكل طرف وحدوداً منطقية معقولة ومقبولة ومتعاهد عليها لكل دور، دون افتئات ولا طغيان، وعلى أسس الحوار الدائم، وحل المنازعات بالوسائل السلمية، والتحكيم في النزاعات، والاحترام المتبادل لمصالح الجميع، والتعاون والتضامن على البر والتقوى ورد الإثم والعدوان، وحسن القول، وعدم الاستعلاء أو الاقصاء..وبإمكان التجربة التونسية أن تلعب دور المحرّض والمحفّز لإقامة مجتمعات عربية جديدة تتحقق فيها الحرية والكرامة والعدالة والمساواة والديموقراطية والتنمية...

السبت، 30 يوليو 2011

علم الاجتماع على محك أسئلة الثورات العربية

تونس – هدى العربي
احتضنت مدينة الحمامات ندوة دولية بحثت في "أسئلة الثورة العربية" بمشاركة مفكرين وباحثين عرب أمثال سعود المولى من لبنان والطاهر لبيب ومحسن البوعزيزي ومنير السعيداني ومنصف القابسي والهادي التيمومي وصلاح الدين الجورشي ومحمد الحداد والصغير أولاد أحمد من تونس، وحلمي الشعراوي من مصر وفيصل دراج وعبد الرحيم الشيخ ومحمد نعيم فرحات من فلسطين، وعروس الزبير من الجزائر وخديجة البسكري من ليبيا. الندوة نظمتها الجمعية العربية لعلم الاجتماع خلال 18 و19 و20 جويلية.
افتتح الأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع الأستاذ محسن البوعزيزي الندوة، تلته كلمة وزير التعليم العالي والبحث العلمي الطيب بكوش ثم كلمة للدكتور الطاهر لبيب .
ثم توالت مداخلات الباحثين في علم الاجتماع والحقوقيين خلال اليوم الأول من الندوة ثم كلمة الفلاسفة والمؤرخين حول ما طرحته الثورة من تحديات لفعل القوى المجتمعية المحركة لهذه الأحداث التاريخية والطامحة لتغيير وجهة التاريخ وهو ما أطلق عليه علم الاجتماع لفظة "التاريخانية" التي تسعى لتحقيقها كل حركة اجتماعية ثورية مستبطنة لميكانزمات التغيير.
تحركت بين المثقفين التفاعلات الفكرية للأسئلة الجديدة التي طرحتها عليهم الثورة (فكريا ومعرفيا وسياسيا ورمزيا، الخ...) وهو ما دفعهم لرؤية امتداداتها أو انعكاساتها في البلدان العربيّة واستشراف مستقبلها وكذلك مكتسباتها وعراقيلها الداخلية والخارجيّة من خلال الخطاب الثوري الذي ترفعه كل حركة احتجاجية على المستوى الوطني والإقليمي ومن خلال مراكمة كل حركة لفعلها التاريخي الحامل لرهانات جديدة والمشكّل لهوية طمست معالمها خلال النظم المهترئة. علاوة على ذلك سعت الندوة للتفرّس جيدا في تركيبة قواها المجتمعية المتمثل في عدة فئات اجتماعية من فنية وسياسية وثقافية وجمعياتية وطلابية وعمالية ومهمشة ونقابية وحقوقية وغيرها. كذلك في ميكانزمات حراكها ورهانات وسيرورة فعلها وأيضا الحركة المضادة لها المتمثلة في حكومات الظل المتماهي فعلها مع الأجهزة القمعية والخلايا الاستعلامية وتأثيراتها في الكيانات العربية.
لم تقتصر الندوة على مداخلات النخبة بل تجاوزت السائد لتكرم الطاقات الشابة في علم الاجتماع من طلبة الماجستير والدكتوراه من الوطن العربي. فقد قدم عدد منهم رؤاهم المتباينة حول مجريات الواقع الأصغر والأكبر من منظور علمي سوسيولوجي. هكذا خصص يوم للشباب من لبنان ومصر وليبيا وتونس وفلسطين والمغرب والجزائر لتحليل الحراك الاجتماعي في المنطقة وإمكانية توجيهه خدمة لقضايا التحرر الوطني. ولتجذير وبث الوعي الاستراتيجي والعمل على نشر سلوك اجتماعي ثقافي رمزي سياسي مسؤول يحفظ حق الأجيال القادمة في صون مصالحها الحيوية وأمنها ويرد على ثقافة الإتباع والتغريب ويكافح سياسات قولبت المجتمع وابتلعته و"دوْلنته"، الأمر الذي خلق أزمة هيكلية مست جل المؤسسات الاجتماعية وأفرغتها من كل مضمون قيمي يوطد علاقتنا بهويتنا وينمّى شعور العزة بانتمائنا إلى حضارتنا ..
الطلبة الذين شاركوا في المداخلات: نور كمال ومي عواد من فلسطين- هنادي حسون وغيدا ضاهر خليفة من لبنان- اسماء بن جبارة وهدى العربي من تونس وسهام الشريف من الجزائر وأحمد محمد بدر من مصر وزهير البحيري من المغرب

دور موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" في الثورة التونسية

ملخص عن بحث أعدته أسماء بن جبارة- تونس-

في سيدي بوزيد؛ شرق غرب البلاد التونسية؛ بائع متجول "محمد البوعزيزي" (26 سنة) أضرم النار في جسده في 17 ديسمبر 2011 أمام مقر الولاية؛ احتجاجا منه عن منعه من الانتصاب في الشارع من قبل عون التراتيب.
لم يدرك يومها هذا الشاب التونسي أنه أحرق نفسه فقط بل أنه أشعل فتيلة الاحتجاجات المطالبة بحق الشغل و الكرامة، و العدالة الاجتماعية.
من يومها بدأت جملة المظاهرات في بعض المناطق الداخلية إلى أن اتسعت رقعة تلك الاحتجاجات إلى مختلف مناطق البلاد التونسية رغم أهمية الأحداث، إلا أن الإعلام الرسمي التونسي قابل هده الاحتجاجات بالتعتيم عما يحدث و ذلك بالتضييق على الصحافيين التونسيين و الأجانب و منعهم من تغطية ما يجري في البلاد (في الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر و أول شهر جانفي).
لقد حاولت السلطات حجب المعلومات و تحويرها من قبل الإعلام الرسمي التونسي إثر الأحداث التي اكتسحت البلاد بعد حادثة البوعزيزي و دلك بوصف تلك الأحداث بأعمال إرهاب و تخريب من قبل مجموعات "ملثمة".
فمع القمع و التضييق الإعلامي الذي كان يعيشه التونسيون كان البديل شبكة الإنترنات و بالتحديد موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" الذي تمكن من خلاله التونسيون الالتفاف على الرقابة و على التعتيم الإعلامي.
فعلى إمتداد سنوات، لم تكن المعلومة متيسرة للتونسيين سوى عبر قنوات الإعلام الرسمية التي كانت بارعة فقط في تمجيد نظام الرئيس المخلوع و طمس الحقائق. هذه الأرضية جعلت من الشباب التونسي يبحث عن فضاء إعلامي آخر متحرر من قيود السلطة الحاكمة؛ ينقل الحقيقة كما هي دون زيف أو تزويق.
فهذا الشباب المتعلم سئم من الاستخفاف به و بوعيه من طرف الحكومة ليشكل من خلال موقع التواصل الاجتماعي "الفايسبوك" على وجه التحديد فضاء إعلاميا موازي للفضاء الإعلامي "التقليدي" متحررا بذلك من الحجب و التعتيم.
فقد جعل الشباب التونسي من هذا الموقع الاجتماعي الذي سخر في البداية للتواصل مع الأصدقاء فضاء إعلاميا بامتياز. فهو يعتبره الوسيلة الأفضل لنشر المعلومة و التعبير عن أرائهم إزاء ما يحدث حولهم بكنف الحرية.
فما هو الدور الذي اضطلع به الموقع الاجتماعي "فايسبوك" في الثورة التونسية؟ و ما هي أبرز مساهماته في تحقيق الهدف المرجو؟ و ما هو الدور الذي اضطلع به بعد تحقيق الثورة التونسية؟
شكل موقع التواصل الاجتماعي 'فايسبوك" طيلة فترة الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها تونس في منتصف شهر ديسمبر وصولا إلى سقوط نظام بن علي أداة للشباب التونسي و وقودهم للانتفاضة على قمع الحريات و القهر و الكبت الاجتماعي و بديلا لوسائل الإعلام التونسية الرسمية التي حجبت حقيقة الأحداث و تميزت بتعتيم إعلامي غير مسبوق و تكذيب و تزيف الحقائق الميدانية.
فقد عهدت أجهزة الحكومة في فترة حكم بن علي على سياسة الحجب على العديد من المواقع الأنترنات (مثل الداليموتشا و اليوتوب). كما شملت هذه عملية موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" لفترة وجيزة في شهر أوت 2008 (ليعود للعمل بقرار رئاسي بعد إحتجاجات "إفتراضية" عن منعه).
فعملية الحجب الحكومي أو ما يعرف بالرقيب الشهير "عمار
404" تعد من أول الاحتجاجات "الافتراضية" عبر المدونات و المجموعات المناهضة لهذا الحجب الإلكتروني عبر الفايسبوك مثل : "نهار على عمار"، "صفحة للدعاء على عمار ليلا نهار"، تلي ذلك صفحات "سيب صالح يا عمار"، إلخ.
رغم عمليات الحجب التي لحقت صفحات المدونين و بعض المواقع الاجتماعية، إلا أن مستخدمي الأنترنات في تونس شكلوا وجهات معارضة لهذه العمليات عبر اختراق و قرصنة بعض المواقع "المحظورة سياسيا"؛ التي كانت تبث حقائق متعلقة بأحداث الرديف 2008 أو ما يعرف بالحوض المنجمي و أحداث بنقردان 2010.
كما تشكلت مجموعات من الشباب تضغط على الحكومة من أجل المزيد من حريات الإبحار على النات و ذلك من خلال التظاهرات "الافتراضية" و الميدانية وعبر مختلف أساليب التعبير الفني (من خلال الرسوم الكاريكاتورية، الموسيقى و الغناء؛ نذكر على سبيل المثال المغني "بيندير مان،...).
فأمام ظل هذا التضييق الإعلامي، وجد الشباب التونسي ملاذهم في موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" لمتابعة التطورات الأمنية و الميدانية للتحركات الشعبية عبر ما يرسله و يتناقله الأهالي من مقاطع فيديو حية و صور توثق لأحداث ميدانية و صراع مباشر بين أجهزة القمع البوليسي لنظام السابق و المتظاهرين العزل مما أشعل شرارة الانتفاضات و ساهم في تأجيجها على نطاق أوسع.
فالشارع التونسي فقد ثقته الكاملة بوسائل الإعلام الرسمية المكتوبة و المسموعة و المرئية و حول وجهته لموقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" الذي أضحى يستقي منه المعلومة و الأخبار الحينية في كامل تراب الجمهورية التونسية.
فحتى من وسائل الإعلام العربية و الأجنبية (من أبرزها قناة الجزيرة و فرنسا 24) استعانت في تغطية أحداث الانتفاضة التونسية بمقاطع فيديو من الفايسبوك التي عوضت المراسلين الإخباريين الذي منعتهم السلطات التونسية في العهد البائد من تغطية الاحتجاجات وضيقت عليهم إعلاميا.
حيث لم يتردد بن علي في أول رد فعل له بعد أحداث سيدي بوزيد على انتقاد وسائل الإعلام العربية (الجزيرة على وجه الخصوص) و الأجنبية منها التي اعتمدت بشكل أساسي على نقل الوقائع مستندة للفيديوهات و الصور التي استقتها من "الفاسبوك" و اتهامها ببث الأكاذيب و المغالطات دون تحر بل اعتمدت التهويل و التحريض و التجني الإعلامي العدائي لتونس.
كما تعرضت بعض الصحف الإلكترونية ، المجموعات على صفحات الفايسبوك و بعض المواقع الشخصية لبعض المدونين و الناشطين على هذه الشبكة مثل المدون التونسي "حمدي كالاتوشة إلى )
anonymous القراصنة التونسيين للمواقع الإلكترونية و أحد منظمي حركة
و المدون "عزيز عمامي" و "صلاح الدين كشوك" و "سليم عمامو"
و مغني الراب "حمدة بن عون" المعروف باسم "الجينيرال" الذي تم اعتقاله إثر أغنيته "رئيس البلاد".
رغم كل هذه التضيقات الهادفة لتغطية الحقائق الميدانية فقد شكلت مجموعات و صفحات على الفايسبوك مثل صفحة "أخبار تونس"، "يوميات الأحداث في سيدي بوزيد"، "أحرار تونس"، "ابتسم أنت لست من سيدي بوزيد"، الخ. هذه الصفحات تحولت إلى وكالات أنباء تورد تقاريرها بالصوت و الصورة اعتمادا على أجهزة و وسائل التكنولوجيا من تناقل الوقائع و الأحداث دون تزيف أو تهويل.
فأيام الانتفاضة التونسية كان الربط بين وسائل الإعلام "الجديد" / "الفايسبوكي" و الإعلامي الفضائي عبر القنوات التلفزية عاملا حاسما في الحفاظ على زخم النضال من اجل تحقيق الثورة. حيث لعبت شبكة التلفزيون "الجزيرة" و "فرنسا 24" دورا هاما في نقل المعلومات، الأحداث، الصور و الفيديوهات إلى أكبر شريحة من المجتمع خصوصا الذي لا يتقن استعمال الأنترنات و إلى العالم بوجه الخصوص. كما أن مستخدمو الموقع الاجتماعي "فايسبوك" يتبادلون فيما بينهم تسجيلات لبرامج تلفزيونية و إذاعية. مما يوفر فضاء إعلاميا حرا و ثريا بالمعلومات التي يمكن أن يتحصل عليها مستعمل الفايسبوك بسهولة و حينية و بتكلفة قليلة.
و كنتيجة لذلك؛ تمكن الفرد من إيجاد فضاء إعلامي متحرر من القيود التي كانت مفروضة على الإعلام من قبل السلطة الحاكمة. كما أنه أصبح من الممكن اليوم إنتاج المعلومة و نشرها و كذلك التعليق عليها بحيث تصبح المعلومة المتوفرة في هذا الفضاء محل نقاش و تحليل من طرف مستخدمي هذه الشبكة.
فمثلما لعبت بعض الإذاعات المحلية و العربية سابقا دورا كبيرا في حركات التحرر من الاستعمار في القرن الماضي، تربع اليوم موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" على عرش وسائل الإعلام.
فنحن اليوم في زمن الصورة و آليات التواصل الحديثة فلذلك من الطبيعي جدا أن يستثمر الشباب مختلف وسائل الاتصال الحديثة من مواقع الاجتماعية، هواتف محمولة و كاميرات في تنظيم الاحتجاجات مخترقة بذلك الأنظمة و الحدود التي يصعب على الحكومات التحكم فيها. لذلك اتجه الشباب إلى الفايسبوك كفضاء موازي يتيح لهم التواصل و التعبير و يعبر عن تأملاتهم و تطلعاتهم و جعلوا منهم منبرا إعلاميا و "سياسيا" تلقائيا بامتياز.
بصفة عامة، تقوم وسائل الإعلام عبر الحملات الإعلامية المكثفة إثارة وعي الجمهور و توجيهه لغاية محددة و ذلك عبر التأثير على آراءه و سلوكه. فالصورة أو الفيديو أصبح لها وقع أكبر على الفرد من المعلومة المكتوبة في زمننا الراهن.
من ناحية أخرى، فإن مستعمل الأنترنات والفايسبوك على وجه الخصوص أصبح ينتج المعلومة و يقوم بنشرها لشريحة كبيرة من مستعملي هذه الشبكات و يسمح لهم بمناقشة تلك المعلومات فيما بينهم. و بالتالي نشهد اليوم تحولا في المشهد الإعلامي وعلاقته بالمتلقي بحيث أصبح هذا الأخير ليس مستهلك فقط للإعلام و إنما منتجا له.
فمع انتشار الإعلام "الجديد" فإنه على الحكومات التي تخصص ميزانيات ضخمة على مؤسستها الإعلامية لتكون في خدمتها و لتبث من خلالها أرائها و مواقفها، أن تفهم بأن هذه الخيارات أصبحت غير مجدية أمام استفحال هذا الإعلام البديل الذي يخول لمستعمل الأنترنات أن يصبح "مواطنا إعلاميا" ينتج المعلومة التي يستقيها من محيطه ليبثها فيما بعد على شبكات التواصل الاجتماعي ليتم تناقلها و نشرها بين كافة المستخدمين.
فمستعملو "الفايسبوك" في تونس تجاوز المليونين محتلا بذلك المرتبة الأولى إفريقيا و مغاربيا، علما و أن هذه النسبة في ارتفاع مستمر أمام تزايد شعبية هذا الموقع الإلكتروني في أوساط الشباب (خاصة بالنسبة للشباب التي تتراوح أعمارهم بين 18 و 34 سنة) .
فقد اضطلع هدا الموقع بدور التعبئة الجماهيرية في الثورة التونسية؛ فهده الشبكة يسرت اللحمة و التواصل بين مختلف أفراد المجتمع التونسي داخل البلاد و خارجه. فقد ساهم بالتعريف بأحداث سيدي بوزيد و غيرها من المناطق للأكبر شريحة من المجتمع التونسي و ذلك عبر تناقل الفيديوهات للمظاهرات الشعبية المنددة بقمع الحريات و بالفساد و خاصة ما يعرف "بالمافيا الطرابلسية".

دور موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك قبل أحداث الثورة التونسية:
تجدر الإشارة إلى أن الفيديوهات ذات الطابع السياسي التي تناقلها مستخدم الفايسبوك شكلت المحرك الرئيسي لانتفاضة الشعب التونسي نظرا لجرأتها الغير المعهودة. هذه الفيديوهات لعبت دورا كبيرا قبل أحداث الثورة في إنارة الرأي العام و تعرية الحقائق التي حاولت جاهدا الحكومة سابقا تغطيتها. فهذه الفيديوهات زادت في مستوى الوعي و رفعت مستوى المعرفة؛ فقد كشفت غطرسة و ديكتاتورية بن علي و عائلته (خاصة أصهاره و عائلة الطرابلسي)، إضافة إلى فيديوهات التي تثبت الترهيب الأمني و القمع البوليسي الذي كانت تمارسه الحكومة في فترة حكم بن علي.
و لعل لهذه الفيديوهات وقع و تأثير كبير على وعي الشعب التونسي لما تتميزت به الفيديوهات من مصداقية و شفافية كونها تبث الحقائق بالصوت و الصورة خاصة و نحن في زمن الصورة التي أصبح وقعها على المتلقي أقوى بكثير من الكلمة أحيانا.
ناهيك عن ذلك، ساهم تناقل هذه الفيديوهات عبر صفحات الفايسبوك تفاعل كبير بين منخرطي في هذه الشبكة مما شكل إعلام تفاعلي ساعد على تأجيج المظاهرات فيما بعد و إحداث التغير السياسي.
دور موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك أثناء أحداث الثورة التونسية:
في البداية، يجب الإشارة بأن الأحداث المتسارعة التي عرفتها البلاد إثر حادثة البوعزيزي كانت غير واضحة الملامح و لم يتخيل أحد في تلك الفترة أن المظاهرات و الاحتجاجات سوف تفضي إلى ما آل إليه اليوم.
فالاحتجاجات المطالبة في الأول على مطالب اجتماعية بحتة و من أولويتها الحق في الشغل، الكرامة و العدالة الاجتماعية تحولت شيئا فشيئا إلى مطالب سياسية بحتة من أولها محاسبة عائلة الطرابلسي ثم مغادرة بن علي للحكم.
هذا و إن دل فإنه يدل عن تراكمات (فردية أو جماعية) لم تأتي من عدم و إنما هي جملة من الترسبات و سنوات القهر و الظلم في شتى الميادين. فقد تناثرت لفترة طويلة أنباء عن فساد زين العابدين بن علي، وزوجته ليلى الطرابلسية، وعائلتيهما، ما أثار مشاعر الكراهية والتحريض في نفوس الشعب.
صحيح أن للفيديوهات التي تناقلها مستعملو الأنترنات قبل أحداث ديسمبر كانت داعما رئيسيا و مهما في تأجج الشارع التونسي، زد على دلك الأوضاع و المشاكل ذات البعد الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي التي هيأت الأرضية لكسر حاجز الصمت و إفتكاك عقدة الخوف من النظام الحاكم. لكن تبقى حادثة البوعزيزي الشرارة الأولى لاندلاع الاحتجاجات في البلاد التونسية كما يبقى لموقع التواصل الإجتماعي "فايسبوك" دور فعال في إيصال المعلومة إلى أكبر عدد من التونسيين و كذلك في تنظيم المظاهرات و في توحيد الشعارات التي تهدف بحرية التعبير، الكرامة، التوزيع العادل للثروات و القضاء على الفساد.
فالدور الذي اضطلع به هذا الموقع الاجتماعي كان على مستوى التنسيق بين الشباب الثائر كتحديد توقيت و أماكن التظاهر بواسطة تنظيم الأحداث و تبادل الرسائل النصية من أجل تجمع الجماهير و ذلك في أقرب الآجال و بتكلفة قليلة جدا.
--- لقد استخدم هذا الموقع الإلكتروني كوسيلة لتنسيق الفعل و توجيه سلوك الأفراد بكل حرفية و دقة و مسؤولية و بأبسط وسائل التعبير الجماعي.
فمستعمل "الفايسبوك"؛ صباحا في الشارع يشارك و يسجل الأحداث عبر عدسات الكاميرات الرقمية أو عبر هاتفه النقال، و ليلا أمام الحاسوب ينقل و يتبادل تسجيلات الفيديوهات و الصور و الأخبار و مقالات. و على صفحات الحائط الافتراضي فايسبوك كان يحضر لتظاهرات الغد. فهدا المواطن البسيط الذي يحذق استعمال وسائل الاتصال الحديثة لعب دور الإعلامي في ظل انعدام الثقة في الإعلام الرسمي ليصبح بذلك مستعمل الفايسبوك مصورا إعلاميا و موثقا لأحداث التي تدور حوله عبر وسائل تكنولوجية حديثة تساعد على خلق مصداقية لأخبار المنقولة.
بهذا يصبح من الممكن للجماعات أن تطبق نوعا من السلوك المنسق للاحتجاج يكون منظما "افتراضيا" ثم يقع تطبيقه على أرض الواقع.
فمن خلال صفحات و مجموعات عديدة على الفاسبوك مثل "الشعب يحرق في روحو يا سيدي الرئيس"، و "كلنا سيدي بوزيد"، "إتحاد صفحات الثورة"، الخ ، نظمت العديد من التظاهرات "الافتراضية" التي كانت تحشد الجماهير و ذلك من خلال مشاركتهم "إفتراضيا" على هذا الحدث المنظم. و بالتالي يمكن أن نكون فكرة أولية عن العدد التقريبي الذي يتقاسم فكرة التظاهر و يرغب في المشاركة لأن يتحقق ذلك على الميدان لاحقا.
فهذا الموقع الإجتماعي أقام مجتمعا مدنيا "إفتراضيا" في البداية أطر نفسه ليشكل بذلك قوة ضغط كبيرة على أرض الميدان و ذلك من خلال التعبئة الجماهيرية و توحيد الشعارات و المواقف بكبست زر واحدة: نعم أشارك، أحب، أرسل،
Oui je participe, j’aime, partager, envoyer, etc.
سيسجل التاريخ بأن الثورة التونسية شكلتها وسائل الإعلام و تقنيات الاتصال الحديثة مثل مواقع التواصل الاجتماعي و المدونات. كما أن لكاميرات الفيديو و الهواتف المحمولة أهمية مماثلة في نقل الصور و الرسائل التي ساعدت في التعبئة و حشد الجماهير حتى أصبح يشكل هاجسا لإثارة المزيد من الثورات في دول أخرى.
فقد شكل هذا الموقع الاجتماعي الأداة المعاصرة "لتصدير" الثورة التونسية لمختلف البلدان العريبة. فالشباب العربي كان يتواصل عبر هذا الموقع؛ الشيء الذي يحفز و يشجع الشباب على الإحتجاج على الأوضاع التي يعيشونها في بلدانهم. كما أنهم يستلهمون من يعضهم القوة و يتبادلون فيما بينهم تقنيات استعمال هذه الشبكة من أجل إنجاح المظاهرات.