سعيد منتظري يتحدث من "قم"عن إيران المستقبل !
تحدّث سعيد منتظري، إبن آية الله الراحل حسين علي
منتظري، لمجلة "دير شبيغل" حول المسؤولين عن وفاة والده قبل أيام، وعن فرص نجاح الإصلاحيين، وعن الأسباب التي تجعل أحمدي نجاد غير مؤهّل للرئاسة. وقال أن والده كان ثابتاً في اعتقاده بأن خامنئي لا يملك المؤهلات لمنصب القائد الأعلى.
شبيغل: حجة الإٍسلام منتظري، لقد اتصلنا بك على هاتفك النقال. أين أنت الآن؟ وهل تخضع للإقامة الجبرية؟
سعيد منتظري: أنا في منزلي بـ"قم". رسمياً، تحركاتي غير مقيدة. ولكن مصاريع النوافذ تهتزّ بين حين آخر. إن رعاع النظام يريدون إستفزازي في ما يبدو. إن رجال الأمن يسيطرون على مكتب والدى. أما "حسينيّته" فقد أقفلت قبل 12 عاماً واحتلها الرعاع.
شبيغل: هل أتيح لك على الأقل أن تقيم مأتماً لائقاً لوالدك الذي كان رجل دين يحظى باحترام كبير جدا وأحد رعاة حركة المعارضة؟
سعيد منتظري: أظهرت قوى الأمن ضبطاً للنفس في الساعة الـ24 الأولى بعد وفاته فقط. وفور انتهاء الجنازة، بدأت أعمال الشغب أمام منزل والدي وبدأوا يردّدون شعارات مهينة بحقّه.
شبيغل: من هم؟ هل هم جنود أو رجال شرطة؟
سعيد منتظري: كلا، القوات النظامية اكتفت بالتفرّج على ما يجري. إن ميليشيا "الباسيج"، التي كان واضحاً أن النظام قد أرسلها، هي التي أصبحت عنيفة. ولكن، وللمرة الأولى في "قم"، فقد وقعت مظاهرات مضادة كانت تهتف "ليسقط الديكتاتور"! الوضع الراهن غير قابل للإستمرار.
.
شبيغل: صادف "أسبوع" والدك إحتفالات عاشوراء. وفي طهران ومدن كبرى أخرى، تصاعد العنف وسقط 8 قتلى على الأقل....؟
سعيد منتظري: .. والحكومة هي التي تتحمّل مسؤولية تصاعد العنف.
شبيغل: ولكن ظهر أن هنالك استعداداً جديداً لدى المحتجين لاستخدام العنف. لقد أحرقوا سيارات الشرطة، وهاجموا ميليشيا "الباسيج"؟
سعيد منتظري: الناس العاديون لا يملكون مصلحة في إحراق ممتلكات الآخرين. كانوا يريدون التظاهر دفاعاً عن حقوقهم المشروعة، والدولة هي التي استفزّتهم.
شبيغل: هل كان والدك، الذي طالما دعا في فتاواه إلى معارضة غير عنيفة، سيوافق على آرائك هذه؟
سعيد منتظري: بدون أدنى شك. لقد دأب والدي على التنديد بوحشية الدولة وأكّد أن هنالك حقاً دينياً، بل وواجباً دينياً، في الوقوف ضد الحكام الذين يسيئون استخدام سلطتهم. إن التزامه بهذه القضية قد أنقص سنوات من عمره. ومع أن سبب موته كان أزمة قلبية، فإن النظام مسؤول جزئياً عن موته، وذلك ليس فقط بسبب إصطهادهم له. كان والدي مكتبئاً جداً بسبب ما قام به النظام ضد الشعب في الأشهر الأخيرة.
شبيغل: هل كان والدك، في آخر أيامه، يشعر بأن الجمهورية الإسلامية ما تزال تملك حظاً بالبقاء؟ وهل تؤمن أنت شخصياً بمستقبل حكم رجال الدين؟
سعيد منتظري: حتى النهاية، كان والدي يأمل أن أصحاب السلطة سيعودون إلى وعيهم وسيوفّروا على الشعب الأضرار الجسيمة. أنا شخصياً أعتقد أن الشكل الذي سيتّخذه مجتمعنا في المستقبل ليس مهماً جداً. إن إيران يمكن أن تكون جمهورية إسلامية، أو جمهورية علمانية، أو حتى، في ما يتعلق بي شخصياً، نظاماً ملكياً. المهم هو أن يكون باستطاعة الناس أن يعيشوا في حرية وبحبوحة، وأن تُتاح لهم حرية الحركة، وأن تكون أصواتهم مسموعة.
شبيغل: هل مثل هذا الإنفتاح ممكن في ظل القائد الأعلى آية الله علي خامنئي؟
سعيد منتظري: تصعب الإجابة على هذا السؤال. إن على المسؤولين أن يعتذروا عن الأعمال الشريرة والإجراءات القمعية التي اتخذوها بحق الشعب في الأشهر الماضية. إن اعتذارهم سيكون أحد شروط بقاء الجمهورية الإٍسلامية. كما ينبغي أن تذهب الرئاسة، بعد استقالة أحمدي نجاد، إلى المرشّح الذي أحرز أكبر عددٍ من الأًصوات: مير حسين موسوي.
موسوي وكرّوبي يتحدثان بلغة قسم من المعارضة فحسب
شبيغل: هل تعتقد أن موسوي هو الرجل المناسب لرئاسة إيران؟ أليس رئيس الحكومة الأسبق سياسياً من الماضي؟
سعيد منتظري: لم يزعم موسوي يوماً أنه زعيم الحركة. وفي ما يتعلق بمستقبل إيران، فلا بد من الدعوة لانعقاد مجلس يضمّ كلاً من موسوي ومهدي كروبي، والرئيس الإصلاحي السابق الذي يحظى باحترام كبير، محمد خاتمي. كذلك، ينبغي أن يشارك فيه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني. إن هؤلاء جميعاً أصدقائي، وأنا أشاركهم في مواقفهم. لقد حضر موسوي وكرّوبي مأتم والدي وقاما بزيارة- غير سياسية- إلى منزلي لتقديم التعازي. أنا لا أتصوّر أن أقوم بدور إستشاري. أنا أرى نفسي كناشط دفاعاً عن حقوق الإنسان، وليس كشخص منخرط في السياسة.
شبيغل: هل يمكن الفصل بين هذين الدورين في الوضع الراهن؟
سعيد منتظري: معك حق، ذلك صعب في إيران حالياً. في هذه الأيام، فإن كل ضابط شرطة عادي، وكل تاجر في "البازار"، وكل معلّم مدرسة، بات ناشطاً سياسياً. حينما تتصاعد الأمور، فإن الذين يحتلون الصفوف الأولى يكونون عادة من الشبان، من بين الطلاب والعمال. ولكن المظاهرات السلمية الآن باتت تضم أفراداً من كل فئات المجتمع ومن جميع الأعمار- رجالاً، ونساءً، نساءً متدينات جداً ومحجّبات بالكامل، ونساء ممن يحملون أفكاراً أكثر علمانية وممن ينبذن الحجاب. إن موسوي وكرّوبي يتحدّثان بلغة قسم من المعارضة فقط...
شبيغل: ... ومع ذلك، يشعر المرء أحياناً أنهما يلهثان خلف الحركة. ألم يصبحا، في الواقع، مجرّد رمزين للمعارضين، في حين أن الأشخاص المستعدين للمواجهة هم الذين يقرّرون كيفية تطوّر الوضع؟
سعيد منتظري: لقد شدّد موسوي وكرّوبي باستمرار على أنهما لا يمثّلان كل الناس الذين يشعرون بخيبة أمل. كما أنهما لا يؤيدان العنف. لقد طلبنا، أنا وأصدقائي، من المتظاهرين باستمرار أن يحافظوا على هدوئهم، وأن يتحلّوا بالصبر. إن مشكلة مثل مشكلة مجتمعنا لا يمكن أن تجد حلاً في يوم واحد. ولكن، إذا ما ووجه الشبّان بوضع يرون فيه أصدقائهم وهم عرضة للضرب، أو الإعتقال، أو حتى للقتل في الشوارع، فإن أية مساعي لإقناعهم بممارسة الإعتدال سوف تفشل. ولأكون صادقاً معك فإنني أفهم رد فعلهم ، ولو أنني لا أوافق عليه.
شبيغل: لقد قُتِل إبن شقيق موسوي أثناء إحتجاجات عاشوراء. هل تعرف تفاصيل إضافية حول الحادثة؟
سعيد منتظري: لم يُقتَل بطريق الصدفة. لقد كان مقتله عملية إغتيال لا شك فيها. وقد سمعنا من عدة مصادر أن السلطات خطّطت لاغتياله قبل مدة طويلة، وأنها هي التي نفّذتها. ويمكن أن يكون هذا الإغتيال بمثابة تحذير لموسوي نفسه. أنا لا أملك مواهب لمعرفة الغيب، ولذلك فأنا لا أعرف إذا كان موسوي سيُقتَل في يومٍ ما، أو ما إذا كان النظام سيعتقله. إن نتائج قتله أو اعتقاله ستكون وخيمة جداً.
شبيغل: ماذا يمكن أن تكون النتائج؟
سعيد منتظري: لقد ثبت مرة بعد الأخرى أن الآلام والضحايا جزء من المسارات التاريخية، حيث يتم إعتقال وتعذيب وإعدام أعداد من الناس. وكثيرون يفقدون عائلاتهم كلها. ولا يمكن تقييم الحصيلة سوى بعد وصول هذه المسارات التاريخية إلى مآلها. إن زعيم الثورة آية الله الخميني قال يوماً: "إن آباءنا ليسوا أوصياء علينا، فمن أعطاهم الحق في أن يقرّروا عنّا شكل الحكومة التي نخضع لها نحن؟"
شبيغل: هل تتوقّع أن تشهد تطرّفاً ثورياً، مع حمّامات دماء؟
سعيد منتظري: آمل ألا تحدث الأمور على ذلك النحو. فما زلت آمل في أن يعي المسؤولون واقع الحال، وأن يقبلوا بالمساومات وأن يختاروا طريق المصالحة الوطنية. أما إذا لم يفعلوا، فإن إيران ستكون بعد عام واحد في وضع أسوأ مما هي عليه الآن.
شبيغل: بعد عامٍ من الآن سيظل أحمدي نجاد رئيساً، وسيظل خامنئي القائد الديني الأعلى؟
سعيد منتظري: أحمد نجاد ليس مؤهلاً لمنصب الرئاسة.
شبيغل: إذا، ما هو المنصب الذي يمكن أن يكون أحمدي نجاد مؤهلاً له؟
سعيد منتظري: ربما يكون مؤهلاً لمنصب محافظ مدينة صغيرة. أما بالنسبة لخامنئي، فأنا لا أرغب في التعليق. أما والدي فقد ظل ثابتاً على قناعته بأن خامنئي لا يملك المؤهلات لمنصبه الحالي.
شبيغل: بالإدلاء بمثل هذه التصريحات، فإنك تعرّض نفسك للإعتقال. ألا تخشى على نفسك وعلى سلامة أسرتك؟
سعيد منتظري: لقد دخلت السجن عدة مرات. وقبل مدة قريبة، أمضيت 325 يوماً في الحجز الإنفرادي. لست خائفاً. يمكنهم أن يعتقلونني إذا أرادوا. أنا مستعد".
الثلاثاء، 12 يناير 2010
هذا الجيش ليس جيشي وهذا العارُ ليس عاري
هذا الجيش ليس جيشي وهذا العارُ ليس عاري
محمد كناعنة – أبو أسعد
أمين عام حركة أبناء البلد في فلسطين المحتلة 1948
إلى رافضي الخدمة الاجبارية في جيش الاحتلال الصهيوني، هؤلاء الشبان من أبناء الطائفة العربية الدرزية الذين لم يُذعنوا لقانون ما يُسمى "بالخدمة العسكرية" ورفضوا مزاعم "حلف الدم"، هذا القانون لم يكن برضى من الطائفة العربية الدرزية، لا بل كان هناك معارضة كبيرة جدًا لهذا القانون في حينه حيث وقّع على وثيقة رفضه عام 1953 حوالي ألف وخمسمائة رجل دين وسياسة وأكاديميين من أبناء الطائفة الدرزية، ووقع عليه فقط خمسة عشر شخصية درزية، في مؤامرة على إرادة هذه الطائفة العربية الأصيلة، وأصبح القانون إجباريًا جائرًا. وخلال سنوات هذا الجيش الاحتلالي وهذه المؤسسة العنصرية الفاشية لم تتوقف سياسة "فرّق تسد" بين أبناء الشعب العربي الفلسطيني في الداخل، ورغم كل هذه السياسة الجائرة إلاّ أنَّ صرخة المقاومة ضد سلخ هذا الجزء الحي عن شعبه تنامت وتصاعدت وما زالت، وصوت الشباب العربي الدرزي وكل القوى الوطنية ما زالت ترفع صوتها وتصرخ: "هذا الجيش ليس جيشي، هذا الثوب ليس ثوبي، هذا العار ليس عاري".
مئات الشبان العرب الدروز يرفضون الخدمة في جيش الاحتلال ويدفعون هم وعائلاتهم ثمن هذا الموقف القومي والأخلاقي، سنوات من السجن والمطاردة والملاحقة ولكنَّهم بهذا إنَّما يساهمون في اعادة ما سُلب من هذه الطائفة عُنوةً من انتماء وتاريخ وثقافة الصمود والمقاومة. هذه الفئة من الشبان تستحق منّا ليس التقدير والاحترام فقط، بل كل الحب والدعم والمساندة وصولاً إلى مرحلة يكون فيها رفض تام للخدمة والوقوف معًا جنبًا إلى جنب لمحاربة كل ظواهر الخدمة الطوعية والمدنية.
وهذا يتطلب من كل الهيئات الفاعلة في الموضوع العمل على رفع هذا الصوت، صوت رفض الخدمة الاجبارية وإلغاء القانون الارهابي الذي يحرق زهرة الشبان العرب الدروز في محرقة الاحتلال البغيض، والعمل على رفض الخدمة الطوعية في هذا الجيش، فهذا النوع هو الأخطر كونهُ يأتي من دوافع ذاتية خدمة لكذبة المصلحة الشخصية وهي في الحقيقة خدمة لجيش الاحتلال.
خلال سني الاحتلال الطويلة مورست سياسة التفرقة عبر غسيل الدماغ في المناهج التدريسية وفي نمط الحياة واعلان عن مناسبات لا تمت بصلة للعرب الدروز مثل "يوم الجندي الدرزي" ويوم "المحارب البدوي"، وإلغاء مناسبات وطنية قومية دينية، مثل عيد الفطر السعيد الذي سُلب من الطائفة العربية الدرزية الإسلامية، وعليه بات التعامل معنا كطوائف ومُلل أمرًا "طبيعيًا" وغَدت الخدمة العسكرية مفخرة لدى البعض والتطوع في الجيش وجهة نظر وما يُسمى بالخدمة المدنية – حَدّث ولا حرج- حُرية شخصية.
هذه الحالة المزعجة والمقلقة تتطلب توحيد الجهود ليس في مواجهة الظاهرة فحسب، أو محاربة للخدمة الاجبارية والطوعية فقط، وإنّما في تعزيز العمل على قاعدة أنّنا شعب واحد ولسنا طوائف، وترسيخ الوعي الوطني والقومي ونشره وبثه في صفوف المجتمع وخاصة الشباب يأتي في سياق اعادة تشكيل النسيج الاجتماعي الوطني والقومي المفقود.
هذا المشروع ليس جديدًا، وكما ذكرنا سابقًا فإنّهُ قائم منذ بداية وجود هذا الجيش، ولكن الجديد في الأمر إلى حدٍ ما أنّهُ يأخُذ منحى الرفض والمقاومة، رفض التجنيد الاجباري والتجنّد الطوعي، والمقاومة لكل محاولات الطمس والسلخ والتجزئة والشرذمة القادمة من باب "المواطنة والمساواة" مقابل الولوج في عالم المؤسسة الصهيونية وخاصة الأمنية على مختلف مسمياتها. وهنا صعوبة وخطورة هذا المشروع فهو بطبيعة الحال سوف يواجه من قبل أجهزة المؤسسة الصهيونية وأعوانها، فهذا المشروع من أهم المشاريع التي تحمل وزرها اليوم لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في البلاد كونه يحمل في طياته بذور العودة إلى ما قبل الانهيار الكبير "النكبة"، إلى التصرف على قاعدة أننا شعب واحد جزء من أمة واحدة.
محمد كناعنة – أبو أسعد
أمين عام حركة أبناء البلد في فلسطين المحتلة 1948
إلى رافضي الخدمة الاجبارية في جيش الاحتلال الصهيوني، هؤلاء الشبان من أبناء الطائفة العربية الدرزية الذين لم يُذعنوا لقانون ما يُسمى "بالخدمة العسكرية" ورفضوا مزاعم "حلف الدم"، هذا القانون لم يكن برضى من الطائفة العربية الدرزية، لا بل كان هناك معارضة كبيرة جدًا لهذا القانون في حينه حيث وقّع على وثيقة رفضه عام 1953 حوالي ألف وخمسمائة رجل دين وسياسة وأكاديميين من أبناء الطائفة الدرزية، ووقع عليه فقط خمسة عشر شخصية درزية، في مؤامرة على إرادة هذه الطائفة العربية الأصيلة، وأصبح القانون إجباريًا جائرًا. وخلال سنوات هذا الجيش الاحتلالي وهذه المؤسسة العنصرية الفاشية لم تتوقف سياسة "فرّق تسد" بين أبناء الشعب العربي الفلسطيني في الداخل، ورغم كل هذه السياسة الجائرة إلاّ أنَّ صرخة المقاومة ضد سلخ هذا الجزء الحي عن شعبه تنامت وتصاعدت وما زالت، وصوت الشباب العربي الدرزي وكل القوى الوطنية ما زالت ترفع صوتها وتصرخ: "هذا الجيش ليس جيشي، هذا الثوب ليس ثوبي، هذا العار ليس عاري".
مئات الشبان العرب الدروز يرفضون الخدمة في جيش الاحتلال ويدفعون هم وعائلاتهم ثمن هذا الموقف القومي والأخلاقي، سنوات من السجن والمطاردة والملاحقة ولكنَّهم بهذا إنَّما يساهمون في اعادة ما سُلب من هذه الطائفة عُنوةً من انتماء وتاريخ وثقافة الصمود والمقاومة. هذه الفئة من الشبان تستحق منّا ليس التقدير والاحترام فقط، بل كل الحب والدعم والمساندة وصولاً إلى مرحلة يكون فيها رفض تام للخدمة والوقوف معًا جنبًا إلى جنب لمحاربة كل ظواهر الخدمة الطوعية والمدنية.
وهذا يتطلب من كل الهيئات الفاعلة في الموضوع العمل على رفع هذا الصوت، صوت رفض الخدمة الاجبارية وإلغاء القانون الارهابي الذي يحرق زهرة الشبان العرب الدروز في محرقة الاحتلال البغيض، والعمل على رفض الخدمة الطوعية في هذا الجيش، فهذا النوع هو الأخطر كونهُ يأتي من دوافع ذاتية خدمة لكذبة المصلحة الشخصية وهي في الحقيقة خدمة لجيش الاحتلال.
خلال سني الاحتلال الطويلة مورست سياسة التفرقة عبر غسيل الدماغ في المناهج التدريسية وفي نمط الحياة واعلان عن مناسبات لا تمت بصلة للعرب الدروز مثل "يوم الجندي الدرزي" ويوم "المحارب البدوي"، وإلغاء مناسبات وطنية قومية دينية، مثل عيد الفطر السعيد الذي سُلب من الطائفة العربية الدرزية الإسلامية، وعليه بات التعامل معنا كطوائف ومُلل أمرًا "طبيعيًا" وغَدت الخدمة العسكرية مفخرة لدى البعض والتطوع في الجيش وجهة نظر وما يُسمى بالخدمة المدنية – حَدّث ولا حرج- حُرية شخصية.
هذه الحالة المزعجة والمقلقة تتطلب توحيد الجهود ليس في مواجهة الظاهرة فحسب، أو محاربة للخدمة الاجبارية والطوعية فقط، وإنّما في تعزيز العمل على قاعدة أنّنا شعب واحد ولسنا طوائف، وترسيخ الوعي الوطني والقومي ونشره وبثه في صفوف المجتمع وخاصة الشباب يأتي في سياق اعادة تشكيل النسيج الاجتماعي الوطني والقومي المفقود.
هذا المشروع ليس جديدًا، وكما ذكرنا سابقًا فإنّهُ قائم منذ بداية وجود هذا الجيش، ولكن الجديد في الأمر إلى حدٍ ما أنّهُ يأخُذ منحى الرفض والمقاومة، رفض التجنيد الاجباري والتجنّد الطوعي، والمقاومة لكل محاولات الطمس والسلخ والتجزئة والشرذمة القادمة من باب "المواطنة والمساواة" مقابل الولوج في عالم المؤسسة الصهيونية وخاصة الأمنية على مختلف مسمياتها. وهنا صعوبة وخطورة هذا المشروع فهو بطبيعة الحال سوف يواجه من قبل أجهزة المؤسسة الصهيونية وأعوانها، فهذا المشروع من أهم المشاريع التي تحمل وزرها اليوم لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في البلاد كونه يحمل في طياته بذور العودة إلى ما قبل الانهيار الكبير "النكبة"، إلى التصرف على قاعدة أننا شعب واحد جزء من أمة واحدة.
بين القاعدة وأوباما
عصام دربالة يكتب عن محاولة تفجير طائرة ديترويت..
(عصام دربالة هو المنظّر الأول والفقيه الأبرز لتنظيم الجماعة الاسلامية الجهادي المصري الذي خطط ونفذ اغتيال الرئيس السادات عام 1981... ومنذ 1997 وقيادات وكوادر الجماعة يجرون مراجعات فكرية وفقهية لكل موضوع العنف المسلح والحركات الجهادية التكفيرية في العالم العربي... وهذه آخر مقالات الشيخ عصام حفظه الله= د.سعود)
لا ينبغي أن تمر محاولة الشاب النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب لتفجير الطائرة المتجهة إلى ديترويت بأميركا مرور الكرام دون تعقيب أو تحليل خاصة وأن تنظيم القاعدة أعلن مسئوليته عن تلك المحاولة مبرراً ذلك بأنها رداً على التدخل الأميركي في أحداث اليمن.
وتخيل نفسك أنت وأطفالك وزوجتك بين ركاب هذه الطائرة وتخيل أنك صرت أشلاءً أنت وأطفالك وزوجتك وبعض النسوة والمسنين حولك.. فإن تخيلت ذلك فلابد أن تتفق معي على أن هذه المحاولة الفاشلة تشير إلى وجود خلل كبير يحتاج إلى علاج في أكثر من قضية:
الخلل في الرأي الشرعي الذي يستند إليه أصحاب هذه المحاولة.
الخلل في الإستراتيجية التي يتبناها تنظيم القاعدة.
إستراتيجية أوباما الكلامية تجاه العالم الإسلامي.
وكل هذه الأمور تحتاج إلى توضيح وتبيين نوجزها فيما يلي.
أولاً: خطأ الرأي القائل بجواز تفجير الطائرات المدنية:
وقبل أن نبين أوجه خطأ القول بجواز تفجير الطائرات المدنية نشير إلى عدة أمور تسهم في توصيف هذه العمليات بشكل يساعد على تحديد الحكم الشرعي المناسب لها:
نحن بصدد تقييم خطف وتفجير الطائرات المدنية من الناحية الشرعية وهو ما يختلف عن تقييم ذلك بالنسبة للطائرات العسكرية في حالة قيام حرب مع الدولة التابعة لها هذه الطائرات والتي يكون كل ركابها من العسكريين.
فمثل هذه الطائرات العسكرية لاشك في جواز خطفها وتدميرها في ظل وجود حالة الحرب، حتى لو تم تفجيرها في أماكن قد يصاب فيها مدنيون، فالخطأ هنا ليس في خطفها أو تفجيرها إنما في قصد تفجيرها في أحد الأهداف المدنية التي يبيح الشرع قصدها بذلك.
إن ركاب الطائرة المدنية المخطوفة يتوزعون على جنسيات مختلفة وينتمون إلى أديان متباينة ويضمون بين صفوفهم الأطفال والنساء والرجال والشيوخ بالإضافة إلى طاقم الطائرة.
إن ركاب الطائرة في الغالب الأعم لا تكون لهم أي علاقة بالقضية التي يدافع عنها الخاطفون أو المطالب التي يريدون تحقيقها.
إن تفجير الطائرة ينطوي على قتل الخاطفين لأنفسهم.
ويمكن القول بعد هذا التوصيف أن الإقدام على اختطاف وتفجير الطائرات المدنية لا يجوز شرعاً للآتي:
لأن هذا الخطف والتفجير ينطوي على ترويع وقتل من لا يجوز ترويعه أو قتله؛ وذلك لوجود ركاب من المسلمين بالطائرة أو وجود أطفال أو نساء أو شيوخ من غير المسلمين، لا يجوز قتلهم حتى في حالة الحرب بالإضافة إلى احتمال قتل من لا يصح قتله إذا ما ارتطمت الطائرة بهدف مدني لا يعرف الخاطف من فيه.
إن خطف وتفجير الطائرة ينطوي على غدر بالشركة المالكة للطائرة وبالركاب، وبيان ذلك كالآتي:
فالشركة أعطت الخاطف تذكرة لاستخدام طائرتها بشرط عدم تعريض سلامتها وسلامة ركابها للخطر، وعندما يقوم الخاطف بخطف وتفجير الطائرة يكون قد أخل بتعهده ذلك.
أما الركاب فكل منهم يعتقد أن الآخرين لا يريدون إصابته بسوء ولا يضمرون شراً له، وذلك جرياً على العرف والعادة المستقرة بين المتعاملين مع شركات الطيران، وهو ما يمثل أماناً أو شبهة أمان تمنع من إلحاق الأذى بهم.
ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية أمرت بالوفاء بالعهود فقد قال الله تعالى : "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً"
وقال النبي: "لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" أ. هـ
إن خطف الطائرة والمساومة بركابها لتحقيق بعض المطالب، وتعريضهم للترويع، وربما للقتل للضغط على حكومات بلدانهم أو المحتلين لها لا يجوز شرعاً، لأنه بمثابة معاقبة البرئ "وهم الركاب" من أجل إرغام المحتل أو الجاني على الاستجابة لمطالب الخاطف.. ولأن هؤلاء الركاب في الغالب ليس لهم علاقة بقضية الخاطفين، وربما يكونون من المتعاطفين معهم، لكن لا يدرك الخاطفون ذلك.
وكل هذا ينافي العدل، وهذا الصنيع منهي عنه لقوله تعالي: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا" فلا يصح الاعتداء على هؤلاء الأبرياء من أجل بغضنا للمستعمرين ورغبتنا في إجبارهم على الاستجابة لمطالبنا منهم.
إن تفجير الطائرة بفعل الخاطفين يؤدي إلى تدمير ممتلكات لا يجوز إتلافها شرعاً، فالطائرة وأمتعة الركاب والخسائر المادية التي تنجم عن ارتطام الطائرة بهدف أرضي.. كل هذه الأشياء لا يجوز إتلافها في الغالب.
إن قيام الخاطفين بتفجير الطائرة المدنية سيؤدي إلى قتلهم بفعلهم هذا، وهو ما قد يعده بعض العلماء المعاصرين من قبيل الانتحار المنهي عنه شرعاً.
ولا شك في أن استهداف طائرة ديترويت بالتفجير سينطوي على تلك المخالفات الشرعية التي تجعلها محاولة خاطئة، ويكفي أن نعلم أن الذي يقوم بالتفجير سيقتل من لا يعرف مدي استحقاقه للقتل من عدمه، ولا يدري هل هناك معصوم الدم موجود بين ركابها أم غير موجود.
وكل هذا يبين أوجه الخطأ التي تكتنف مثل هذه العمليات.
ثانياً: الخلل في إستراتيجية تنظيم القاعدة:-
تعكس هذه المحاولة الخاطئة لتفجير طائرة ديترويت قضية هامة تتعلق بإستراتيجية تنظيم القاعدة لتحقيق أهدافه سواء على مستوي العالم أو على مستوي بعض الدول مثل: العراق – اليمن – أفغانستان – السعودية – الولايات المتحدة الأمريكية.
فالناظر في إستراتيجية تنظيم القاعدة تجاه هذه الدول يجد أنها تتسم بقدر كبير من الغموض وعدم التحديد، ولعل هذا يظهر من جملة الأسئلة الآتية:
هل تهدف إستراتيجية القاعدة تجاه العراق إلى طرد الولايات المتحدة الأمريكية منه فحسب.. أم أنها تسعي لإقامة دولة إسلامية في العراق؟!!
وإذا كان الأمر كذلك فعلى أي جزء من الأراضي العراقية سيتم ذلك: الجنوب الشيعي أم الوسط السني أم الشمال الكردي ؟
وهل سيتم ذلك بأيدي المنتمين لتنظيم القاعدة أم بأيدي العراقيين ؟
وما هي فرص نجاح ذلك ؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في اليمن دعم الحوثيين في صراعهم ضد حكومة الفريق على عبد الله صالح أم يستهدف دعم انفصال الجنوب عن الشمال؟
وهل سيتم ذلك بأيدي يمنية أم بأيدي أبناء التنظيم.. وما فرص نجاح أي من ذلك؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في أفغانستان طرد قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا منها ودعم سيطرة طالبان عليها.. أم يستهدف ملاحقة أميركا في باكستان؟
وإن كان الهدف دعم سيطرة طالبان فهل إستراتيجية التنظيم ستتجه لدعم بقائها كدولة ناشئة تبني نفسها.. أم أنه سيواصل إقحامها في معركته اللانهائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية؟
وهل تقبل القاعدة الوصول لهدف طرد المحتل من أفغانستان عبر التفاوض السلمي؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في السعودية إسقاط الحكم الملكي فيها والحلول محله.. أم يسعي لملاحقة الأمريكيين بها فحسب؟!!
أم أن المعركة في السعودية تحولت إلي مواجهة السعوديين بدلاً من الأمريكان؟!!
هل يستهدف تنظيم القاعدة في إستراتيجيته الموجهة لأميركا أن ينهي التفوق الأميركي كقوة عظمي على مستوي العالم؟!!
وإن كان الأمر كذلك فهل سيصير تنظيم القاعدة القوي العظمي الأولي!!؟
وإن كان هذا غير ممكن فهل ستصعد دولة أخرى غير إسلامية لتحل محل أميركا؟!!
وهل كتب على الحركات الإسلامية الجهادية أن تسهم في إسقاط القوي العظمي القائمة لحساب قوي عظمي أخري لا تنتمي إلى عالمنا الإسلامي؟!!
هذه بعض الأسئلة التي توضح ضرورة قيام تنظيم القاعدة بإعادة النظر في إستراتجيته الحالية التي جعلته في صراع قائم مع أغلب حكومات دول العالم الإسلامي ودفعتها إلى انتهاج بعض الأساليب القتالية غير الجائزة شرعاً.
إذا كنا تعرضنا - نحن وغيرنا - كثيراً لبيان أوجه الخلل الذي يكتنف إستراتجية تنظيم القاعدة.. فإننا نري أنه يجب علينا وعلى غيرنا أن نتوجه إليهم بعرض استراتيجيات بديلة صحيحة لربما تسهم في إعادة نظر قادة تنظيم القاعدة في تلك الإستراتيجية القائمة حالياً.
ثالثاً: إستراتيجية أوباما الكلامية تجاه العالم الإسلامي:
لا نستبعد أن محاولة تفجير طائرة ديترويت قد جاءت كرد فعل على الدور الأميركي في أحداث اليمن الأخيرة.. ولكن أيضاً هناك ملاحظة هامة يجب أن يلتفت إليها وهي تتعلق بتاريخ هذه المحاولة.
فالناظر إلى هذا التاريخ يدرك أنه يأتي قبل مرور عام تقريباً على تولي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذا قد يعني أن الآمال التي أنعشها خطاب أوباما الإيجابي تجاه العالم الإسلامي قد بدأت في التبخر.. وبدأ شعور عام ينمو بأن إستراتيجية أوباما تجاه العالم الإسلامي هي إستراتيجية كلامية أكثر منها فعلية.. وأن الظلم الأميركي المتعلق بقضايا العالم الإسلامي سوف يستمر.. ولكن من خلال ارتداء قفاز حريري وهذا ما سيؤدي إلى ردود أفعالٍ غاضبة تجاه كل ما هو أميركي.
وإن كنا لا نجيز أي رد فعل غاضب ينطوي على ظلم أي أحد سواء كان أمريكياً أو غير أمريكي فإننا نري أن هناك معضلة حقيقية أمام براك أوباما يجب أن يتصدي لها بالحل الصحيح.
وإذا كنا نحكم على محاولة تفجير طائرة ديترويت بالخطأ.. فإننا أيضاً نؤكد على أن السياسات الأمريكية الظالمة تجاه قضايا العالم الإسلامي في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها تعد سبباً رئيسا ً محركاً لهذه المحاولات.
ونؤكد أيضاً أن مثل هذه السياسات الظالمة الخاطئة لا تجيز دفع الظلم بظلم.. أو الخطأ بخطأ مثله.
(عصام دربالة هو المنظّر الأول والفقيه الأبرز لتنظيم الجماعة الاسلامية الجهادي المصري الذي خطط ونفذ اغتيال الرئيس السادات عام 1981... ومنذ 1997 وقيادات وكوادر الجماعة يجرون مراجعات فكرية وفقهية لكل موضوع العنف المسلح والحركات الجهادية التكفيرية في العالم العربي... وهذه آخر مقالات الشيخ عصام حفظه الله= د.سعود)
لا ينبغي أن تمر محاولة الشاب النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب لتفجير الطائرة المتجهة إلى ديترويت بأميركا مرور الكرام دون تعقيب أو تحليل خاصة وأن تنظيم القاعدة أعلن مسئوليته عن تلك المحاولة مبرراً ذلك بأنها رداً على التدخل الأميركي في أحداث اليمن.
وتخيل نفسك أنت وأطفالك وزوجتك بين ركاب هذه الطائرة وتخيل أنك صرت أشلاءً أنت وأطفالك وزوجتك وبعض النسوة والمسنين حولك.. فإن تخيلت ذلك فلابد أن تتفق معي على أن هذه المحاولة الفاشلة تشير إلى وجود خلل كبير يحتاج إلى علاج في أكثر من قضية:
الخلل في الرأي الشرعي الذي يستند إليه أصحاب هذه المحاولة.
الخلل في الإستراتيجية التي يتبناها تنظيم القاعدة.
إستراتيجية أوباما الكلامية تجاه العالم الإسلامي.
وكل هذه الأمور تحتاج إلى توضيح وتبيين نوجزها فيما يلي.
أولاً: خطأ الرأي القائل بجواز تفجير الطائرات المدنية:
وقبل أن نبين أوجه خطأ القول بجواز تفجير الطائرات المدنية نشير إلى عدة أمور تسهم في توصيف هذه العمليات بشكل يساعد على تحديد الحكم الشرعي المناسب لها:
نحن بصدد تقييم خطف وتفجير الطائرات المدنية من الناحية الشرعية وهو ما يختلف عن تقييم ذلك بالنسبة للطائرات العسكرية في حالة قيام حرب مع الدولة التابعة لها هذه الطائرات والتي يكون كل ركابها من العسكريين.
فمثل هذه الطائرات العسكرية لاشك في جواز خطفها وتدميرها في ظل وجود حالة الحرب، حتى لو تم تفجيرها في أماكن قد يصاب فيها مدنيون، فالخطأ هنا ليس في خطفها أو تفجيرها إنما في قصد تفجيرها في أحد الأهداف المدنية التي يبيح الشرع قصدها بذلك.
إن ركاب الطائرة المدنية المخطوفة يتوزعون على جنسيات مختلفة وينتمون إلى أديان متباينة ويضمون بين صفوفهم الأطفال والنساء والرجال والشيوخ بالإضافة إلى طاقم الطائرة.
إن ركاب الطائرة في الغالب الأعم لا تكون لهم أي علاقة بالقضية التي يدافع عنها الخاطفون أو المطالب التي يريدون تحقيقها.
إن تفجير الطائرة ينطوي على قتل الخاطفين لأنفسهم.
ويمكن القول بعد هذا التوصيف أن الإقدام على اختطاف وتفجير الطائرات المدنية لا يجوز شرعاً للآتي:
لأن هذا الخطف والتفجير ينطوي على ترويع وقتل من لا يجوز ترويعه أو قتله؛ وذلك لوجود ركاب من المسلمين بالطائرة أو وجود أطفال أو نساء أو شيوخ من غير المسلمين، لا يجوز قتلهم حتى في حالة الحرب بالإضافة إلى احتمال قتل من لا يصح قتله إذا ما ارتطمت الطائرة بهدف مدني لا يعرف الخاطف من فيه.
إن خطف وتفجير الطائرة ينطوي على غدر بالشركة المالكة للطائرة وبالركاب، وبيان ذلك كالآتي:
فالشركة أعطت الخاطف تذكرة لاستخدام طائرتها بشرط عدم تعريض سلامتها وسلامة ركابها للخطر، وعندما يقوم الخاطف بخطف وتفجير الطائرة يكون قد أخل بتعهده ذلك.
أما الركاب فكل منهم يعتقد أن الآخرين لا يريدون إصابته بسوء ولا يضمرون شراً له، وذلك جرياً على العرف والعادة المستقرة بين المتعاملين مع شركات الطيران، وهو ما يمثل أماناً أو شبهة أمان تمنع من إلحاق الأذى بهم.
ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية أمرت بالوفاء بالعهود فقد قال الله تعالى : "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً"
وقال النبي: "لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" أ. هـ
إن خطف الطائرة والمساومة بركابها لتحقيق بعض المطالب، وتعريضهم للترويع، وربما للقتل للضغط على حكومات بلدانهم أو المحتلين لها لا يجوز شرعاً، لأنه بمثابة معاقبة البرئ "وهم الركاب" من أجل إرغام المحتل أو الجاني على الاستجابة لمطالب الخاطف.. ولأن هؤلاء الركاب في الغالب ليس لهم علاقة بقضية الخاطفين، وربما يكونون من المتعاطفين معهم، لكن لا يدرك الخاطفون ذلك.
وكل هذا ينافي العدل، وهذا الصنيع منهي عنه لقوله تعالي: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا" فلا يصح الاعتداء على هؤلاء الأبرياء من أجل بغضنا للمستعمرين ورغبتنا في إجبارهم على الاستجابة لمطالبنا منهم.
إن تفجير الطائرة بفعل الخاطفين يؤدي إلى تدمير ممتلكات لا يجوز إتلافها شرعاً، فالطائرة وأمتعة الركاب والخسائر المادية التي تنجم عن ارتطام الطائرة بهدف أرضي.. كل هذه الأشياء لا يجوز إتلافها في الغالب.
إن قيام الخاطفين بتفجير الطائرة المدنية سيؤدي إلى قتلهم بفعلهم هذا، وهو ما قد يعده بعض العلماء المعاصرين من قبيل الانتحار المنهي عنه شرعاً.
ولا شك في أن استهداف طائرة ديترويت بالتفجير سينطوي على تلك المخالفات الشرعية التي تجعلها محاولة خاطئة، ويكفي أن نعلم أن الذي يقوم بالتفجير سيقتل من لا يعرف مدي استحقاقه للقتل من عدمه، ولا يدري هل هناك معصوم الدم موجود بين ركابها أم غير موجود.
وكل هذا يبين أوجه الخطأ التي تكتنف مثل هذه العمليات.
ثانياً: الخلل في إستراتيجية تنظيم القاعدة:-
تعكس هذه المحاولة الخاطئة لتفجير طائرة ديترويت قضية هامة تتعلق بإستراتيجية تنظيم القاعدة لتحقيق أهدافه سواء على مستوي العالم أو على مستوي بعض الدول مثل: العراق – اليمن – أفغانستان – السعودية – الولايات المتحدة الأمريكية.
فالناظر في إستراتيجية تنظيم القاعدة تجاه هذه الدول يجد أنها تتسم بقدر كبير من الغموض وعدم التحديد، ولعل هذا يظهر من جملة الأسئلة الآتية:
هل تهدف إستراتيجية القاعدة تجاه العراق إلى طرد الولايات المتحدة الأمريكية منه فحسب.. أم أنها تسعي لإقامة دولة إسلامية في العراق؟!!
وإذا كان الأمر كذلك فعلى أي جزء من الأراضي العراقية سيتم ذلك: الجنوب الشيعي أم الوسط السني أم الشمال الكردي ؟
وهل سيتم ذلك بأيدي المنتمين لتنظيم القاعدة أم بأيدي العراقيين ؟
وما هي فرص نجاح ذلك ؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في اليمن دعم الحوثيين في صراعهم ضد حكومة الفريق على عبد الله صالح أم يستهدف دعم انفصال الجنوب عن الشمال؟
وهل سيتم ذلك بأيدي يمنية أم بأيدي أبناء التنظيم.. وما فرص نجاح أي من ذلك؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في أفغانستان طرد قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا منها ودعم سيطرة طالبان عليها.. أم يستهدف ملاحقة أميركا في باكستان؟
وإن كان الهدف دعم سيطرة طالبان فهل إستراتيجية التنظيم ستتجه لدعم بقائها كدولة ناشئة تبني نفسها.. أم أنه سيواصل إقحامها في معركته اللانهائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية؟
وهل تقبل القاعدة الوصول لهدف طرد المحتل من أفغانستان عبر التفاوض السلمي؟
هل يستهدف تنظيم القاعدة في السعودية إسقاط الحكم الملكي فيها والحلول محله.. أم يسعي لملاحقة الأمريكيين بها فحسب؟!!
أم أن المعركة في السعودية تحولت إلي مواجهة السعوديين بدلاً من الأمريكان؟!!
هل يستهدف تنظيم القاعدة في إستراتيجيته الموجهة لأميركا أن ينهي التفوق الأميركي كقوة عظمي على مستوي العالم؟!!
وإن كان الأمر كذلك فهل سيصير تنظيم القاعدة القوي العظمي الأولي!!؟
وإن كان هذا غير ممكن فهل ستصعد دولة أخرى غير إسلامية لتحل محل أميركا؟!!
وهل كتب على الحركات الإسلامية الجهادية أن تسهم في إسقاط القوي العظمي القائمة لحساب قوي عظمي أخري لا تنتمي إلى عالمنا الإسلامي؟!!
هذه بعض الأسئلة التي توضح ضرورة قيام تنظيم القاعدة بإعادة النظر في إستراتجيته الحالية التي جعلته في صراع قائم مع أغلب حكومات دول العالم الإسلامي ودفعتها إلى انتهاج بعض الأساليب القتالية غير الجائزة شرعاً.
إذا كنا تعرضنا - نحن وغيرنا - كثيراً لبيان أوجه الخلل الذي يكتنف إستراتجية تنظيم القاعدة.. فإننا نري أنه يجب علينا وعلى غيرنا أن نتوجه إليهم بعرض استراتيجيات بديلة صحيحة لربما تسهم في إعادة نظر قادة تنظيم القاعدة في تلك الإستراتيجية القائمة حالياً.
ثالثاً: إستراتيجية أوباما الكلامية تجاه العالم الإسلامي:
لا نستبعد أن محاولة تفجير طائرة ديترويت قد جاءت كرد فعل على الدور الأميركي في أحداث اليمن الأخيرة.. ولكن أيضاً هناك ملاحظة هامة يجب أن يلتفت إليها وهي تتعلق بتاريخ هذه المحاولة.
فالناظر إلى هذا التاريخ يدرك أنه يأتي قبل مرور عام تقريباً على تولي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذا قد يعني أن الآمال التي أنعشها خطاب أوباما الإيجابي تجاه العالم الإسلامي قد بدأت في التبخر.. وبدأ شعور عام ينمو بأن إستراتيجية أوباما تجاه العالم الإسلامي هي إستراتيجية كلامية أكثر منها فعلية.. وأن الظلم الأميركي المتعلق بقضايا العالم الإسلامي سوف يستمر.. ولكن من خلال ارتداء قفاز حريري وهذا ما سيؤدي إلى ردود أفعالٍ غاضبة تجاه كل ما هو أميركي.
وإن كنا لا نجيز أي رد فعل غاضب ينطوي على ظلم أي أحد سواء كان أمريكياً أو غير أمريكي فإننا نري أن هناك معضلة حقيقية أمام براك أوباما يجب أن يتصدي لها بالحل الصحيح.
وإذا كنا نحكم على محاولة تفجير طائرة ديترويت بالخطأ.. فإننا أيضاً نؤكد على أن السياسات الأمريكية الظالمة تجاه قضايا العالم الإسلامي في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها تعد سبباً رئيسا ً محركاً لهذه المحاولات.
ونؤكد أيضاً أن مثل هذه السياسات الظالمة الخاطئة لا تجيز دفع الظلم بظلم.. أو الخطأ بخطأ مثله.
ثقافات من دون امتياز
نحوَ سياسة جديدة للتنوع الثقافي في العراق
د. حيـدر سعيـد
ربما لم يُتَح لنا بعد أن ندرس كيف تعاملت الدولةُ العراقية الحديثة مع فكرة (التنوع الثقافي)، وما السياسات التي تبنّتها بإزاء تعدد الثقافات في العراق. غير أننا يمكن أن نستنتج، من سيرورة الدولة، النموذجَ العام الذي حكم طريقةَ تعاملها مع هذه المسألة.
لقد اختارت الكولونياليةُ البريطانية أن يُبنى العراق على نموذج (الدولة ـ الأمة). ولكن هذا النموذج من الأنظمة السياسية كان نموذجا إشكاليا في حالة كحالة العراق، إذ لم تكن ثمة أمة تتأسس عليها الدولةُ. أعني أنه لم تكن (في اللحظة التي بُنيت فيها الدولة العراقية الحديثة في الربع الأول من القرن العشرين) ثمة أمة موحّدة، أنتجت إرادةَ عيش مشترك، وذات هوية واحدة، وثقافة واحدة، ومصير واحد، وتكون الدولة تعبيرا عن هذه الأمة. يقول الملك فيصل الأول، مؤسس الدولة: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية، متشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة". ولذلك، كان المشروعُ الأول أمام الدولة العراقية الناشئة هو بناء (أمة عراقية)، وهو المشروع الذي أطلقه الملك فيصل، والذي يتمثل بـ "أن نشكِّل من هذه الكتل شعبا"، بحسب ما يقول، ومن ثم "إزالة الفوارق وتكوين وطنية صادقة تحل محل التعصب المذهبي والديني".
لقد كان هذا المشروعُ شكلا من أشكال المطابقة اللاتأريخية بين (الأمة) و(الدولة)، ولذلك، لم يسر بطرق سلسة، بل لقد أصابته تعثرات عميقة، كشف عنها انفجارُ الخطاب والسياسات القائمة على الهويات الإثنية والدينية والطائفية مع سقوط آخر نسخة من (الدولة ـ الأمة) في 9/ 4/ 2003.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الفشل في مشروع بناء أمة عراقية، ظلت فكرةُ (الهوية الوطنية الواحدة) هاجسا مسيطِرا على الدولة العراقية، بأنظمتها كافة، وظل مشروعُها المستمر بناءَ دولة ذات هوية واحدة، أو بأمة واحدة، سواء حقّقت (أو أرادت أن تحقّق) ذلك بالصهر الثقافي السلس، أو بالدمج القسري العنيف.
لقد بُنيت هويةُ البلاد وأمتها بوصفهما هوية وأمة عربية مسلمة. وحين كانت الدولةُ تسمح بالحديث عن هوية ثقافية أخرى، كان يُنظَر إلى هذه الهوية بأنها هامش، أو تابع، أو ملحق ثانوي.
لقد كان واحدا من المشاهد المألوفة في الأدبيات الثقافية للدولة العراقية استعراضُ الثقافات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما ثقافات الأقليات، فكانت الصورُ والمشاهد التي تقدِّم العراق تتقصّد أن تظهر صورا من التعبيرات الثقافية للأقليات، من أزياء، وطقوس دينية، وفنون، وفلكلور، وثقافة شعبية، وعادات، وتقاليد، وما إلى ذلك. ولم يكن هذا يعبِّر عن شعور من الدولة بالتعددية الثقافية، بقدر ما كان تكريسا للثقافة الأحادية.
لقد كانت الدولةُ تستعمل نزعة أنثروبولوجية، تعمد من خلالها إلى الإشارة إلى الاستثناء من حيث هو استثناء، وهو ما أدّى ـ فعليا ـ إلى تعميق الشعور بالهامشية لدى أبناء الثقافات الأخرى. وعلى نحو عام، تتجه أيةُ نزعة أنثروبولوجية إلى (التنويع اللامعياري) في الثقافة بوصفه موضوعا وهدفا، وهو التقليد الذي رسّخه تعريف الأنثروبولوجيا لـ (الثقافة) ونمط المقاربة التي اعتمدتها منذ أواسط القرن التاسع عشر. ومن ثم، كانت هذه الصورُ والمشاهد تشير إلى (تنويع لامعياري)، في حين أن المعيار هو الثقافة الأحادية السائدة.
غير أن التغيير السياسي الذي حدث سنة 2003 قلب المنظورَ بالكامل، وأسّس نموذجا جديدا. لقد وعى العراق، في هذه اللحظة، تعدديتَه، وحاول أن يبني نظاما سياسيا يعبِّر عن هذه التعددية وينطلق منها، نظاما يعبِّر عن تعدد ثقافات وهويات، لا عن هوية واحدة وأمة واحدة. وهكذا، تمّ الانتقال، بشكل منهجي، من (الدولة ـ الأمة) إلى دولة التعددية الثقافية، من دولة تجاوزِ الهويات الثقافية إلى دولة الاعتراف بها، من دولة تقوم وطنيتُها على صهر المكوِّنات الثقافية وتذويبها إلى دولة تمثَِّل وطنيتُها تجميعا لهذه المكوِّنات.
لقد سار العراق، منذ تلك اللحظة، في طريق شاق لاختيار نظام من التقنيات السياسية مقتبس من الأنظمة التي توصَف في الأدبيات الأساسية بأنها (الأنظمة الملائمة للمجتمعات التعددية) أو (أنظمة التعددية الثقافية)، وهو ناتج طبيعي لوعي التنوع الثقافي والاعتراف به. جاء في (الإعلان العالمي عن التنوع الثقافي)، الذي أصدرته منظمةُ اليونسكو سنة 2001: "إن التعددية الثقافية هي الرد السياسي على واقع التنوع الثقافي".
ومع ذلك، يبدو أن المدى الذي تأسّست فيه هذه الحريةُ الثقافية هو الفراغ الذي تركه غيابُ (الدولة ـ الأمة)، وليس نظاما ممؤسسا. ولذلك، ظلت مسألة التنوع الثقافي تصعد وتهبط مع صعود وهبوط الحديث عن إعادة بناء دولة مركزية قوية.
لقد وضعت الطريقةُ التي سارت بها الأوضاع في البلاد منذ سنة 2003 (العنف القاسي الذي مارسته تنظيمات أصولية أجنبية ومحلية ضد المدنيين وأوقع عشرات الآلاف من الضحايا، وضعف الدولة الذي سمح بصعود ونفوذ قوى ما قبل الدولة، والنزاع الأهلي العنيف الذي عاشته البلاد سنتي 2006 و2007) العراقيين أمام تصوّر أن الحل هو بناء دولة مركزية قوية. وقد فُهِم هذا النمطُ من الدولة بأنه استعادة للنموذج الكلاسيكي لـ (الدولة ـ الأمة)، ومن ثم، استعادة للشكل الأحادي لهوية البلاد وثقافتها، وهو ما يعيد تعريف وفهم التنوع الثقافي بوصفه هامشا على المتن الثقافي المركزي للبلاد.
ولذلك، يبدو أن سياسة التنوع الثقافي في العراق مرتبطة برهانين أساسيين متداخلين:
1 ـ الفصل بين طبيعة الدولة، مركزية أو لامركزية، وبين التعددية الثقافية، أو ـ على نحو أشمل ـ الفصل بين مسألة التنوع الثقافي ومدى التمثيل السياسي أو حجمه.
إن مؤسسات السلطة الرئيسة، لا الدولة، هي ـ بلا شك ـ المجال السياسي الذي يضمن تمثيلا متكافئا وشراكة بين الجماعات المكوِّنة للبلاد وعدم احتكار جماعة ما للسلطة، ويضمن ـ أيضا ـ قرارَ الجماعة في شؤونها وعدمَ الانتقاص من حقوقها. إن هذا يعني أنه، في الوقت نفسه، ينبغي لـ (الدولة) أن تبقى بعيدة عن فكرة (التمثيل). غير أن تجربة العراق ما بعد 2003 جعلت (الدولة)، إلى جانب مؤسسات السلطة والتشريع وصناعة القرار، مجالا للتمثيل الإثني والديني والطائفي، وهو ما جعل النظامَ التعددي في العراق يعبر من مبدأ (الشراكة في السلطة power sharing) إلى (تقاسم الدولة state sharing)، ومن ثم، إضعافها.
وعلى العكس من ذلك، ينبغي للدولة أن تبقى جهازَ خدمة عامة. وفي إطار التنوع الثقافي، ينبغي لها أن توفِّر حماية متساوية للتعبيرات الثقافية المختلفة في البلاد، من فنون، وطقوس دينية، وثقافة شعبية، ولغات، ولهجات، وما إلى ذلك، فهذه التعبيرات هي المجال الفعلي المعبِّر عن التعددية الثقافية، التي تبقى فكرة مجرّدة من دون هذه التعبيرات الملموسة.
2 ـ لقد باتت الحقوقُ الثقافية أشبهَ بتحصيل الحاصل، فقد تضمّنت القوانينُ الناظِمة في العراق حقوقا ثقافية كاملة لسائر الجماعات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما الحقوق الدينية واللغوية.
غير أنني أتصوّر أن الأهم من (الحق) هو (ممارسة الحق)، أو (حرية الاختيار في ممارسة الحق)، فـ (الحق)، في النهاية، تجريد. ولذلك، لا تتوقف مسألةُ الحقوق على البنية الدستورية والقانونية الناظمة، بل على السياق السياسي والاجتماعي الذي تتنفس فيه هذه الحقوق ومدى سماحه، بما يتضمنه من توازنات قوى، لهذه الحقوق بأن تصبح واقعا.
ولذلك، يكون الرهانُ الأساسي في حقل الحقوق الثقافية هو بناء مؤسسات تصون الاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه صورة لتعدد متكافئ، لا تنويعا لامعياريا وهامشا ملحقا.
د. حيـدر سعيـد
ربما لم يُتَح لنا بعد أن ندرس كيف تعاملت الدولةُ العراقية الحديثة مع فكرة (التنوع الثقافي)، وما السياسات التي تبنّتها بإزاء تعدد الثقافات في العراق. غير أننا يمكن أن نستنتج، من سيرورة الدولة، النموذجَ العام الذي حكم طريقةَ تعاملها مع هذه المسألة.
لقد اختارت الكولونياليةُ البريطانية أن يُبنى العراق على نموذج (الدولة ـ الأمة). ولكن هذا النموذج من الأنظمة السياسية كان نموذجا إشكاليا في حالة كحالة العراق، إذ لم تكن ثمة أمة تتأسس عليها الدولةُ. أعني أنه لم تكن (في اللحظة التي بُنيت فيها الدولة العراقية الحديثة في الربع الأول من القرن العشرين) ثمة أمة موحّدة، أنتجت إرادةَ عيش مشترك، وذات هوية واحدة، وثقافة واحدة، ومصير واحد، وتكون الدولة تعبيرا عن هذه الأمة. يقول الملك فيصل الأول، مؤسس الدولة: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية، متشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة". ولذلك، كان المشروعُ الأول أمام الدولة العراقية الناشئة هو بناء (أمة عراقية)، وهو المشروع الذي أطلقه الملك فيصل، والذي يتمثل بـ "أن نشكِّل من هذه الكتل شعبا"، بحسب ما يقول، ومن ثم "إزالة الفوارق وتكوين وطنية صادقة تحل محل التعصب المذهبي والديني".
لقد كان هذا المشروعُ شكلا من أشكال المطابقة اللاتأريخية بين (الأمة) و(الدولة)، ولذلك، لم يسر بطرق سلسة، بل لقد أصابته تعثرات عميقة، كشف عنها انفجارُ الخطاب والسياسات القائمة على الهويات الإثنية والدينية والطائفية مع سقوط آخر نسخة من (الدولة ـ الأمة) في 9/ 4/ 2003.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الفشل في مشروع بناء أمة عراقية، ظلت فكرةُ (الهوية الوطنية الواحدة) هاجسا مسيطِرا على الدولة العراقية، بأنظمتها كافة، وظل مشروعُها المستمر بناءَ دولة ذات هوية واحدة، أو بأمة واحدة، سواء حقّقت (أو أرادت أن تحقّق) ذلك بالصهر الثقافي السلس، أو بالدمج القسري العنيف.
لقد بُنيت هويةُ البلاد وأمتها بوصفهما هوية وأمة عربية مسلمة. وحين كانت الدولةُ تسمح بالحديث عن هوية ثقافية أخرى، كان يُنظَر إلى هذه الهوية بأنها هامش، أو تابع، أو ملحق ثانوي.
لقد كان واحدا من المشاهد المألوفة في الأدبيات الثقافية للدولة العراقية استعراضُ الثقافات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما ثقافات الأقليات، فكانت الصورُ والمشاهد التي تقدِّم العراق تتقصّد أن تظهر صورا من التعبيرات الثقافية للأقليات، من أزياء، وطقوس دينية، وفنون، وفلكلور، وثقافة شعبية، وعادات، وتقاليد، وما إلى ذلك. ولم يكن هذا يعبِّر عن شعور من الدولة بالتعددية الثقافية، بقدر ما كان تكريسا للثقافة الأحادية.
لقد كانت الدولةُ تستعمل نزعة أنثروبولوجية، تعمد من خلالها إلى الإشارة إلى الاستثناء من حيث هو استثناء، وهو ما أدّى ـ فعليا ـ إلى تعميق الشعور بالهامشية لدى أبناء الثقافات الأخرى. وعلى نحو عام، تتجه أيةُ نزعة أنثروبولوجية إلى (التنويع اللامعياري) في الثقافة بوصفه موضوعا وهدفا، وهو التقليد الذي رسّخه تعريف الأنثروبولوجيا لـ (الثقافة) ونمط المقاربة التي اعتمدتها منذ أواسط القرن التاسع عشر. ومن ثم، كانت هذه الصورُ والمشاهد تشير إلى (تنويع لامعياري)، في حين أن المعيار هو الثقافة الأحادية السائدة.
غير أن التغيير السياسي الذي حدث سنة 2003 قلب المنظورَ بالكامل، وأسّس نموذجا جديدا. لقد وعى العراق، في هذه اللحظة، تعدديتَه، وحاول أن يبني نظاما سياسيا يعبِّر عن هذه التعددية وينطلق منها، نظاما يعبِّر عن تعدد ثقافات وهويات، لا عن هوية واحدة وأمة واحدة. وهكذا، تمّ الانتقال، بشكل منهجي، من (الدولة ـ الأمة) إلى دولة التعددية الثقافية، من دولة تجاوزِ الهويات الثقافية إلى دولة الاعتراف بها، من دولة تقوم وطنيتُها على صهر المكوِّنات الثقافية وتذويبها إلى دولة تمثَِّل وطنيتُها تجميعا لهذه المكوِّنات.
لقد سار العراق، منذ تلك اللحظة، في طريق شاق لاختيار نظام من التقنيات السياسية مقتبس من الأنظمة التي توصَف في الأدبيات الأساسية بأنها (الأنظمة الملائمة للمجتمعات التعددية) أو (أنظمة التعددية الثقافية)، وهو ناتج طبيعي لوعي التنوع الثقافي والاعتراف به. جاء في (الإعلان العالمي عن التنوع الثقافي)، الذي أصدرته منظمةُ اليونسكو سنة 2001: "إن التعددية الثقافية هي الرد السياسي على واقع التنوع الثقافي".
ومع ذلك، يبدو أن المدى الذي تأسّست فيه هذه الحريةُ الثقافية هو الفراغ الذي تركه غيابُ (الدولة ـ الأمة)، وليس نظاما ممؤسسا. ولذلك، ظلت مسألة التنوع الثقافي تصعد وتهبط مع صعود وهبوط الحديث عن إعادة بناء دولة مركزية قوية.
لقد وضعت الطريقةُ التي سارت بها الأوضاع في البلاد منذ سنة 2003 (العنف القاسي الذي مارسته تنظيمات أصولية أجنبية ومحلية ضد المدنيين وأوقع عشرات الآلاف من الضحايا، وضعف الدولة الذي سمح بصعود ونفوذ قوى ما قبل الدولة، والنزاع الأهلي العنيف الذي عاشته البلاد سنتي 2006 و2007) العراقيين أمام تصوّر أن الحل هو بناء دولة مركزية قوية. وقد فُهِم هذا النمطُ من الدولة بأنه استعادة للنموذج الكلاسيكي لـ (الدولة ـ الأمة)، ومن ثم، استعادة للشكل الأحادي لهوية البلاد وثقافتها، وهو ما يعيد تعريف وفهم التنوع الثقافي بوصفه هامشا على المتن الثقافي المركزي للبلاد.
ولذلك، يبدو أن سياسة التنوع الثقافي في العراق مرتبطة برهانين أساسيين متداخلين:
1 ـ الفصل بين طبيعة الدولة، مركزية أو لامركزية، وبين التعددية الثقافية، أو ـ على نحو أشمل ـ الفصل بين مسألة التنوع الثقافي ومدى التمثيل السياسي أو حجمه.
إن مؤسسات السلطة الرئيسة، لا الدولة، هي ـ بلا شك ـ المجال السياسي الذي يضمن تمثيلا متكافئا وشراكة بين الجماعات المكوِّنة للبلاد وعدم احتكار جماعة ما للسلطة، ويضمن ـ أيضا ـ قرارَ الجماعة في شؤونها وعدمَ الانتقاص من حقوقها. إن هذا يعني أنه، في الوقت نفسه، ينبغي لـ (الدولة) أن تبقى بعيدة عن فكرة (التمثيل). غير أن تجربة العراق ما بعد 2003 جعلت (الدولة)، إلى جانب مؤسسات السلطة والتشريع وصناعة القرار، مجالا للتمثيل الإثني والديني والطائفي، وهو ما جعل النظامَ التعددي في العراق يعبر من مبدأ (الشراكة في السلطة power sharing) إلى (تقاسم الدولة state sharing)، ومن ثم، إضعافها.
وعلى العكس من ذلك، ينبغي للدولة أن تبقى جهازَ خدمة عامة. وفي إطار التنوع الثقافي، ينبغي لها أن توفِّر حماية متساوية للتعبيرات الثقافية المختلفة في البلاد، من فنون، وطقوس دينية، وثقافة شعبية، ولغات، ولهجات، وما إلى ذلك، فهذه التعبيرات هي المجال الفعلي المعبِّر عن التعددية الثقافية، التي تبقى فكرة مجرّدة من دون هذه التعبيرات الملموسة.
2 ـ لقد باتت الحقوقُ الثقافية أشبهَ بتحصيل الحاصل، فقد تضمّنت القوانينُ الناظِمة في العراق حقوقا ثقافية كاملة لسائر الجماعات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما الحقوق الدينية واللغوية.
غير أنني أتصوّر أن الأهم من (الحق) هو (ممارسة الحق)، أو (حرية الاختيار في ممارسة الحق)، فـ (الحق)، في النهاية، تجريد. ولذلك، لا تتوقف مسألةُ الحقوق على البنية الدستورية والقانونية الناظمة، بل على السياق السياسي والاجتماعي الذي تتنفس فيه هذه الحقوق ومدى سماحه، بما يتضمنه من توازنات قوى، لهذه الحقوق بأن تصبح واقعا.
ولذلك، يكون الرهانُ الأساسي في حقل الحقوق الثقافية هو بناء مؤسسات تصون الاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه صورة لتعدد متكافئ، لا تنويعا لامعياريا وهامشا ملحقا.
السبت، 2 يناير 2010
آخر كلمات منتظري
فيما يلي ترجمة حرفية للمقابلة مع (سعيد) ابن فقيد الانسانية (آية الله حسين علي منتظري) , واهميتها انه يؤرخ للحظات الأخيرة في حياة والده : فمن آمن وعاش حتى اللحظة الآخيرة مشغولا ومنشغلا بالهم الانساني "فإنه وإن مات فسيحيا" وله ممن لامس حياتهم "سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" :
http://www.youtube.com/watch?v=OSv0...
((Anchorman: Mr. Montazeri, do you expect any obstacles for tomorrow’s ceremonies?
Montazeri: We hope not, but because of our past experiences with these gentlemen [the regime] we expect obstacles, since they also had interfered in [other] ceremonies. But maybe these gentlemen have come to their minds by now and will show enough respect to let us carry out [the ceremonies]. Hopefully they won’t make our lives harder.
Anchorman: What were your father’s last words?
Montazeri: I was in Tehran and returned to my father’s house at midnight. He asked if my “mission” was successful [apprently Saeed Montazeri had tried to meet families of political detainees and help them]. But I replied that unfortunately I couldn’t help. My father was one of the few Marjaas who really cared for these families and generally for the people and gave his heart and soul for them. Now my father passed away and is free from any sorrow.
Anchorman: What were your father’s hopes? What was the view on the Green Movement and Iranian youth?
Montazeri [summarised]: His opinion was that people should stick together and solve their problems together.
Anchorman: Was your father under house arrest? And if so, how did the regime treat him? Did the regime’s officials respect him and treat him well, compared to the first few years of his house arrest, or did they continue putting pressure on him?
Montazeri: It was a bit easier recently, but from what I know the gentlemen have ordered the press not to mention his death in the news. Only God knows if they will let us wash his dead body[?]. But as I said, I’m still hopeful that they came to their minds and that everything goes well the next few days, so that the society doesn’t suffer anymore.
Anchorman: What was the reason for his death? What did the doctors say?
Montazeri: They said he had a heart attack while he was asleep. But I think one of the main reasons was his grief for the post-election events which troubled my father a lot.
Anchorman: Was there an extraordinary disciple [scholar] whom your father had chosen to replace him ?
Montazeri: No. Not officially. The people will chose whom they want to follow.
Anchorman: How was the relationship to [Mehdi] Karroubi, [Mir Hossein] Mousavi, and other leaders of the Green movement?
Montazeri: There was not a direct relationship but exchange of letters. But they also had common friends so they were in contact through messages they sent to each other. All in all, I can say that my father supported the leaders of the Green movement and prayed for them to succeed.
Anchorman: Mr. Montazeri, you father has often talked about the person of [Supreme Leader Ali] Khamenei and it’s not a secret that he was very critical to him. Do you know about any speech were he was also critical of the system of velayat-e-faqih [ultimate clerical authority]?
Montazeri: He always had the same view about the system of velayat-e-faqih. Nothing has changed. A vali-e-faqih must be chosen by people’s vote. He wanted the people to decide who is vali-e-faqih and who is not. The term of his rule must also be limited and if he doesn’t behave in a proper way, he must be removed from office.
So you see that my father’s view of the system of velayat-e-faqih is different from these gentlemen’s [the regime’s] conception. My father strongly opposed the life-long rule of one leader. My father always believed that you might have a republic where everyone lives under massive hardship and oppression, and you might have a monarchy where everyone lives under good conditions and in harmony. The names “republic”, “system of velayat-e-faqih” or “monarchy” are only names and have nothing to do with the real circumstances of peoples’ lives. People must chose what’s good for them. The name of the system is not important as long people decide.
Anchorman: It is said that Ayatollah Montazeri strongly opposed the execution of leftists and MKO members during Imam Khomeini’s rule. But it is also said that he cried a lot because of the destiny of these executed men. Did you witness his grief about the post-election events, when people were tortured at Kahrizak [Prison] and when people like Neda Agha Soltan died in the streets? What were your father’s reactions?
Montazeri: Yes, my father suffered a lot. He was speechless and couldnT understand why certain people who sacrificed their hearts and souls for the revolution are now jailed. We joked with him and said that at least we are not jailed and wondered why he suffered that much for other peoples tragic destinies.
Anchorman: Did your father see Neda Agha Soltan’s tragic death?
Montazeri: Yes, he was very up to date. He was one of the few Marjas who knew the daily news since we showed him satellite broadcasts and also the news in the Worldwide Web. He was very up-to-date and interested in the recent developments.
Anchorman: Mr. Montazeri, thank you for your time and again i want to offer you and your family my deepest condolences.
Montazeri: Thank you and God bless you.))
http://www.youtube.com/watch?v=OSv0...
((Anchorman: Mr. Montazeri, do you expect any obstacles for tomorrow’s ceremonies?
Montazeri: We hope not, but because of our past experiences with these gentlemen [the regime] we expect obstacles, since they also had interfered in [other] ceremonies. But maybe these gentlemen have come to their minds by now and will show enough respect to let us carry out [the ceremonies]. Hopefully they won’t make our lives harder.
Anchorman: What were your father’s last words?
Montazeri: I was in Tehran and returned to my father’s house at midnight. He asked if my “mission” was successful [apprently Saeed Montazeri had tried to meet families of political detainees and help them]. But I replied that unfortunately I couldn’t help. My father was one of the few Marjaas who really cared for these families and generally for the people and gave his heart and soul for them. Now my father passed away and is free from any sorrow.
Anchorman: What were your father’s hopes? What was the view on the Green Movement and Iranian youth?
Montazeri [summarised]: His opinion was that people should stick together and solve their problems together.
Anchorman: Was your father under house arrest? And if so, how did the regime treat him? Did the regime’s officials respect him and treat him well, compared to the first few years of his house arrest, or did they continue putting pressure on him?
Montazeri: It was a bit easier recently, but from what I know the gentlemen have ordered the press not to mention his death in the news. Only God knows if they will let us wash his dead body[?]. But as I said, I’m still hopeful that they came to their minds and that everything goes well the next few days, so that the society doesn’t suffer anymore.
Anchorman: What was the reason for his death? What did the doctors say?
Montazeri: They said he had a heart attack while he was asleep. But I think one of the main reasons was his grief for the post-election events which troubled my father a lot.
Anchorman: Was there an extraordinary disciple [scholar] whom your father had chosen to replace him ?
Montazeri: No. Not officially. The people will chose whom they want to follow.
Anchorman: How was the relationship to [Mehdi] Karroubi, [Mir Hossein] Mousavi, and other leaders of the Green movement?
Montazeri: There was not a direct relationship but exchange of letters. But they also had common friends so they were in contact through messages they sent to each other. All in all, I can say that my father supported the leaders of the Green movement and prayed for them to succeed.
Anchorman: Mr. Montazeri, you father has often talked about the person of [Supreme Leader Ali] Khamenei and it’s not a secret that he was very critical to him. Do you know about any speech were he was also critical of the system of velayat-e-faqih [ultimate clerical authority]?
Montazeri: He always had the same view about the system of velayat-e-faqih. Nothing has changed. A vali-e-faqih must be chosen by people’s vote. He wanted the people to decide who is vali-e-faqih and who is not. The term of his rule must also be limited and if he doesn’t behave in a proper way, he must be removed from office.
So you see that my father’s view of the system of velayat-e-faqih is different from these gentlemen’s [the regime’s] conception. My father strongly opposed the life-long rule of one leader. My father always believed that you might have a republic where everyone lives under massive hardship and oppression, and you might have a monarchy where everyone lives under good conditions and in harmony. The names “republic”, “system of velayat-e-faqih” or “monarchy” are only names and have nothing to do with the real circumstances of peoples’ lives. People must chose what’s good for them. The name of the system is not important as long people decide.
Anchorman: It is said that Ayatollah Montazeri strongly opposed the execution of leftists and MKO members during Imam Khomeini’s rule. But it is also said that he cried a lot because of the destiny of these executed men. Did you witness his grief about the post-election events, when people were tortured at Kahrizak [Prison] and when people like Neda Agha Soltan died in the streets? What were your father’s reactions?
Montazeri: Yes, my father suffered a lot. He was speechless and couldnT understand why certain people who sacrificed their hearts and souls for the revolution are now jailed. We joked with him and said that at least we are not jailed and wondered why he suffered that much for other peoples tragic destinies.
Anchorman: Did your father see Neda Agha Soltan’s tragic death?
Montazeri: Yes, he was very up to date. He was one of the few Marjas who knew the daily news since we showed him satellite broadcasts and also the news in the Worldwide Web. He was very up-to-date and interested in the recent developments.
Anchorman: Mr. Montazeri, thank you for your time and again i want to offer you and your family my deepest condolences.
Montazeri: Thank you and God bless you.))
هكذا عرفته... واحببته: منتظري الرجل الذي كلما ازداد علما، ازداد قربا إلى التراب
تحية للصديق عماد الدين باقي الذي اعتقل مجددا بالامس
حسن فحص
الثلثاء 29 كانون الأول (ديسمبر) 2009
كثيرا ما حدث ان اتفقت مع الصديق عماد الدين باقي، وبعض الاحيان مع "سعيد"، نجل آية الله الشيخ حسين علي منتظري، على السفر الى مدينة "قم" لزيارة الشيخ والجلوس اليه. وكثيرا ما كان يقول عماد بان الاوضاع لا تسمح بهذا الامر، خصوصا وان النظام يبدي الكثير من الحساسية تجاه من يقومون بزيارته خاصة من غير الايرانيين. وكثيرا ما تذرع عماد بهذه الحساسية مضيفا بان الاجهزة الامنية لم تتحمل حتى قربه وتبنيه لمواقف الشيخ ما سبب في ملاحقته ودخوله السجن لاكثر من مرة وبأحكام وصلت إلى اكثر من سنتين. هذه المحاذير التي ابداها كل من عماد وسعيد ما كانت لتفتّ من عضدي وعزمي على زيارته.
خلال هذه الفترة كنت على تواصل مع "سعيد" عبر الهاتف، خصوصا بعد ان كلفني الشيخ مشكورا بترجمة كتابه "ديدگاه ها" او ("وجهات نظر" – حسب ما تم التوافق معه على تسميته بالعربية).بهدف الاستفادة منها على الموقع الرسمي للشيخ حتى يطلع عليها المقلدون والمتابعون لمواقفه الدينية والفكرية والسياسية.
قمت بترجمة جزء من الكاتب، وبقي علي الوفاء بالوعد لإتمام ما تبقى. لم اكمل المهمة بالتمام، اذ وقبل ان يتسنى لي ايصالها لخدمته جاء قرار اخراجي من إيران، ما قطع الطريق على استكمال ما وعدت به. واعتقد ان هذه الترجمة قد التحقت بالخسائر الكثيرة التي مُنيت بها جراء قرار الجمهورية الاسلامية الذي لم يمنحني سوى 48 ساعة لمغادرة إيران.
بعد اطلاق سراح عماد الدين من السجن في المرة الاخيرة في العام 2007، أي بعد مضي ثلاث سنوات عن تاريخ فك الحصار عن الشيخ منتظري وخروجه من الاقامة الجبرية في منزله، وعصر يوم ربيعي، اتصل بي عماد واخبرني نيته السفر إلى "قم" سائلا عن رغبتي في مرافقته. وافقت على العرض ووضعت شرطا هو اقرب إلى قلبه بان تتضمن الرحلة زيارة للشيخ في منزله، فكان ما اراد واردت.
الرحلة بدأ في الصباح الباكر. في الطريق إلى "قم" تجاذت الحديث مع عماد حول كثير من الامور، منها ما يتعلق بالحركة الاصلاحية ومرحلة الرئيس محمد خاتمي والنشاط الذي يقوم به عماد في جمعية الدفاع عن حقوق السجناء المدنيين والسياسيين والدعم الذي يقدمه الشيخ في هذا الموضوع.
وصلنا إلى "قم" قرابة الظهر، ومباشرة توجهنا إلى منزل سعيد منتظري الذي كان بانتظارنا بناء على اتصال هاتفي اجراه عماد ليلا.
زقاق بسيط وضيق قد لا يتسع لسيارتين، باب لا يختلف عن الابواب المجاورة ولا يمكن تمييزه، لا وجود للحراسات الا العناصر الامنية التي تراقب المنزل بشكل خفي ومن بعيد.
هي المرة الاولى التي ادخل بها إلى الفناء الخلفي لمنزل الشيخ منتظري منذ العام 1985 عندما كان نائبا لقائد الثورة. اذ كان الدخول آنذاك يستوجب المرور بكثير من نقاط التفتيش والسؤال عن الجهة التي اود مقابلتها في المكتب، وبعد المرور بكل هذه الاجراءات، كان علي ان اقطع مسافة طويلة لكي اصل إلى الغرفة المخصصة للشيخ حسن ابراهيمي مدير مكتب الشيخ، بانتظار ان اتحين الفرصة لالقاء التحية والسلام على الشيخ والتي غالبا ما كانت تلوح بين الفراغ من لقاء والاستعداد للقاء جديد.
كان الشيخ حينها وهو نائب قائد الثورة، يفترش الارض على "موكيت" بني اللون باهت، ويتحلق حوله الزوار من مسؤولين ورجالات دولة وشخصيات غير ايرانية. كانت يستند إلى يده على الارض فترتعش اليد بشكل غريب، ومرة سألت احد الجالسين بقربي عن السبب في هذا الارتعاش، فقال لي انه يعاني من الام في الاعصاب بسبب التعذيب الذي تعرض له خلال فترة اعتقاله في سجون الشاه.
اذكر يومها انه وبعد خروج الزائرين من غرفة الاستقبال، نهض وازاح ستارة متواضعة فانشقت عن باب حديدي اكثره من الزجاج، ففتحه ودلف إلى منزله الخاص ودخلت بمعية شخصين آخرين وراءه ليكون اللقاء بعيدا عن الرسمية.
طرقنا الباب، فاستقبلنا "سعيد" على الباب طالبا منا الدخول، في الباحة الصغيرة التي لا تشبه الحديقة بشيء. شاهدت سيارة من نوع "بيكان" (ايرانية الصنع) قديمة الطراز محملة بادوات منزلية ومطبخية.
في الباحة، اطلت علينا سيدة تلتف بالشادور الإيراني المنزلي، وفي لحظة انتابني شعور من الرهبة، اذ لم يعهد احد انه دخل إلى منزل احد المراجع الدينية وكان في استقباله اهل المنزل ما لم يكن من الاقارب المقربين. لكني وبعد لحظات ومن حرارة الاستقبال ادركت ان "سعيد" كان قد اخبر الاهل بهذه الزيارة.
السيدة كانت زوج سعيد، التي تزوج بها بعد استشهاد شقيقه الشيخ محمد منتظري في تفجير مركز الحزب الجمهوري عام 1981. تذكرتني وتذكرت من اكون، فتداعت عندها ذكريات من ماضٍ لا يغادرها عن زوج مفعم بالحيوية والنشاط امتدت علاقاته شرقا وغربا، من فلسطين مرورا بلبنان وصولا إلى اقصى نقطة فيها للثوريين وجود.
دخلنا إلى منزل "سعيد" الذي لا يفصله سوى جدار تحوّل في سنوات الحصار، وخلافا لكل المبادئ الانسانية والشرعية، إلى جدار للفصل بين الاب وابنه بقرار من "ولي الامر". جلسنا وانا اتحرق شوقا للدخول على الشيخ ورؤيته من جديد. ماء بارد وبعض الفواكه، واذا بالباب الداخلي ينشق ليدخل علينا الشيخ متحررا من لباسه الديني، نهضنا احتراما وللتحية. دخل علينا وقد اطل برأسه اولا ليستكشف الموجودين، وعندما لم يجد سوى سعيد وعماد الذي لم يفارقه، لم يتبق امامه سوى هذا القادم الغريب، فصاح بي "كيف حالك يا سيد فحص". لا اخفي انني تلعثمت للحظات، فهذا الذي يمازحني هو نفس الشخص الذي ارعب النظام واخافه حتى وهو في الاقامة الجبرية عندما كان ممنوعا عليه التواصل مع الخارج.
بدايةً اعتذرَ عن عدم تمكنه من الجلوس على الارض بسبب بعض الآلام في المفاصل، وجلس على كرسي في زاوية الغرفة، طالبا من "سعيد" ان يقوم بواجب الضيافة.
بعدها التفت الي وسألني عن أحوالي بلغة انكليزية رشيقة وجميلة تخالطها لهجة اصفهانية مشهورة بغنتها. وتحت وطأة المفاجأة رددت عليه، ثم سألته كيف ومتى تعلمتم هذه اللغة، فقال ضاحكا، خلال المدة التي كنت فيها محاصرا وفي الاقامة الجبرية، وجدت متسعا من الوقت لدراسة هذه اللغة إلى جانب الاعمال البحثية الاخرى التي كنت اشتغل بها.
ثم قطع الحديث ليسأل سعيد ويسألنا: هل تناولتم طعام الغداء؟ فاجاب سعيد بشيء من المواربة، باننا سنخرج للقيام ببعض الاعمال ونتناول الطعام بعدها. فما كان منه الا ان قال: اذا اردتم، لدي في المنزل شيء من "الكشك" اعددته بنفسي بامكانكم الاكل منه. ضحك سعيد، وقال له "لا داعي، سنقوم بالواجب بعد ان ننتهي من عملنا".
ثم عاد وتوجه لي بالسؤال، عن الاوضاع الفلسطينية، وما الذي حل بالرئيس ياسر عرفات، كيف كانت وفاته، وكأنه يريد ان يسمع مع معرفته بالمسائل ومتابعتها، ثم ترحّم عليه ودعا للفلسطينيين بالنصر.
ثم استطرد وقال لي: "متى تنوي الانتهاء من ترجمة ما بقي من الكتاب؟" واضاف مازحا متوجها بالكلام إلى "سعيد": "لا بد ان ندفع بدل اتعاب السيد على الترجمة". لم اجرؤ على الرد، لكنني اسمعته رفضي لهذه المسألة، وانها اقل الواجب تجاه من أحب واقدّر. فما كان من "سعيد"، وكأنه احس بالارباك الذي اصابني، الا ان نهض وقال: نستأذن منك للخروج إلى بعض الاعمال، فنهض الشيخ لتوديعنا. استأذنته بالتقاط صورة معه، فاخذ بيدي واوقفني إلى جانبه وصاح بعماد ان ينضم الينا طالبا من ابنه ان يلتقط لنا صورة تبقى للذكرى.
في هذه الاثناء، وقبل ان نهم بالمغادرة، سألني من حيث لا احتسب عن "المقابلة الصحافية" التي اجريتها معه عام 2000 لصالح جريدة "الحياة" التي كنت اعمل معها، وهل مازلت احتفظ بالنسخة الخطية التي اجاب بها على الاسئلة الخمسة اضافة للرسالة الخاصة التي بعثها لي من اقامته الجبرية. فقلت: "إطمئن بالا يا مولانا، النسخة والرسالة بحوزتي وقد تركتها في لبنان خوفا من العسس واشياء اخرى".
وهنا اذكر انني وفي بدايات وصولي إلى إيران عام 2000، حدث ان تعرفت على عماد الدين باقي في مكاتب صحيفة "فتح" التي كان عضوا في هيئة التحرير فيها إلى جانب "اكبر كنجي" ويرأس تحريرها الاستاذ "علي حكمت" ويديرها الدكتور "يدالله اسلامي"، امين عام تجمع النواب السابقين. وبإشارة من "علي حكمت" تتعلق بالشيخ منتظري امام عماد كانت كفيلة بازالة الحواجز والمسافات بيني وبينه، وتحول التعارف إلى لقاء حول الشيخ.
بعد ايام، أسررت لعماد برغبتي في اجراء مقابلة مع الشيخ وهو في حصاره. اتقدت عيناه بالفرحة والرهبة، وذكّرني بما في ذلك من مخاطر، فقلت لا بأس طالما لن اضع عليها اسمي، المهم ان يصل صوت وكلام الشيخ. اتفقنا ان اكتب الاسئلة ليقوم هو بايصالها إلى الشيخ احمد نجل منتظري الذي سيقوم هو بدوره بايصالها لوالده اثناء الزيارة الاسبوعية المسموح بها. وبعد عشرة ايام بالتحديد، تلقيت اتصالا من عماد يخبرني بانه يحمل لي أمانة من احد الاشخاص. فهمت ما كان يرمي له، فسارعت للقائه في جريدة "فتح"، واخذت الاوراق واعدت استنساخها اذ لم يكن هناك حاجة للترجمة فقد كتب الشيخ اجابته بلغة عربية جزلة وجميلة. ثم ذهبت إلى اقرب مركز للبريد والاتصالات وارسلتها إلى جريدة "الحياة" في بيروت، التي قامت بنشرها لكن من دون ان تقدر اهمية ان تحصل على لقاء كهذا!
بالعودة إلى سؤال الشيخ عن المقابلة، ادهشني انه استذكر وبعد سبع سنوات احد الاسئلة التي تتعلق بمقاصد الشريعة وحقوق الانسان والحريات. ونبهني باسلوب الاستاذ العطوف، بأن: الفقه الشيعي لا يوجد فيه مصطلح اسمه "مقاصد الشريعة"، لكن وبسبب ادراكه للبعد الذي حمله السؤال والتحديات التي تواجه المجتمعات الاسلامية، فقد أجاب عليه بما يقتضي.
خرجنا بعد توديعه، وكلي فضول لأعرف السر الكامن وراء هذه السيارة المحملة بوسائل منزلية ومطبخية. فقال سعيد، نحن على ابواب الصيف، والشيخ سيعطل دروسه الفقهية بعد ايام، وقد قمنا باستئجار منزل في قرية "كهك" جنوب شرق "قم" على بعد 65 كليومترا، وهي المنطقة التي باتت الان ذات شهرة عالمية بسبب منشآة تخصيب اليورانيوم التي كشف عنها مؤخرا في منطقة "فردو". وبما ان المنزل المستأجر لا توجد فيه ادوات منزلية ومطبخية، لذا علينا ان ننقل ما لدينا في هذا المنزل إلى هناك لكي نستطيع قضاء الصيف.
(ملاحظة: كثير من المراجع والشخصيات الدينية في مدينة "قم" تمتلك منازل خاصة وبساتين في هذه المنطقة لتميزها بالطقس الجميل والمعتدل حتى عندما تصل درجة الحرارة في قم إلى الخمسين درجة مئوية.)
خرجنا برفقة "سعيد" الذي قادنا بعد ان انضم اليه حفيد الشيخ ونجل السيد هادي هاشمي لحضور فاتحة احد رجال الدين الاصفهانيين المقربين من الشيخ. بعدها قال سعيد: "الآن حان وقت تناول الطعام". وكان المساء قد حل، فتوجهنا إلى احد المطاعم وتناولنا الكباب الإيراني المشهور. وقال سعيد، في مقارنة لا تخلو من الغمز: هل هذا الطعام افضل ام "الكشك" الذي انقذتكم منه في منزل الوالد!"
حسن فحص
الثلثاء 29 كانون الأول (ديسمبر) 2009
كثيرا ما حدث ان اتفقت مع الصديق عماد الدين باقي، وبعض الاحيان مع "سعيد"، نجل آية الله الشيخ حسين علي منتظري، على السفر الى مدينة "قم" لزيارة الشيخ والجلوس اليه. وكثيرا ما كان يقول عماد بان الاوضاع لا تسمح بهذا الامر، خصوصا وان النظام يبدي الكثير من الحساسية تجاه من يقومون بزيارته خاصة من غير الايرانيين. وكثيرا ما تذرع عماد بهذه الحساسية مضيفا بان الاجهزة الامنية لم تتحمل حتى قربه وتبنيه لمواقف الشيخ ما سبب في ملاحقته ودخوله السجن لاكثر من مرة وبأحكام وصلت إلى اكثر من سنتين. هذه المحاذير التي ابداها كل من عماد وسعيد ما كانت لتفتّ من عضدي وعزمي على زيارته.
خلال هذه الفترة كنت على تواصل مع "سعيد" عبر الهاتف، خصوصا بعد ان كلفني الشيخ مشكورا بترجمة كتابه "ديدگاه ها" او ("وجهات نظر" – حسب ما تم التوافق معه على تسميته بالعربية).بهدف الاستفادة منها على الموقع الرسمي للشيخ حتى يطلع عليها المقلدون والمتابعون لمواقفه الدينية والفكرية والسياسية.
قمت بترجمة جزء من الكاتب، وبقي علي الوفاء بالوعد لإتمام ما تبقى. لم اكمل المهمة بالتمام، اذ وقبل ان يتسنى لي ايصالها لخدمته جاء قرار اخراجي من إيران، ما قطع الطريق على استكمال ما وعدت به. واعتقد ان هذه الترجمة قد التحقت بالخسائر الكثيرة التي مُنيت بها جراء قرار الجمهورية الاسلامية الذي لم يمنحني سوى 48 ساعة لمغادرة إيران.
بعد اطلاق سراح عماد الدين من السجن في المرة الاخيرة في العام 2007، أي بعد مضي ثلاث سنوات عن تاريخ فك الحصار عن الشيخ منتظري وخروجه من الاقامة الجبرية في منزله، وعصر يوم ربيعي، اتصل بي عماد واخبرني نيته السفر إلى "قم" سائلا عن رغبتي في مرافقته. وافقت على العرض ووضعت شرطا هو اقرب إلى قلبه بان تتضمن الرحلة زيارة للشيخ في منزله، فكان ما اراد واردت.
الرحلة بدأ في الصباح الباكر. في الطريق إلى "قم" تجاذت الحديث مع عماد حول كثير من الامور، منها ما يتعلق بالحركة الاصلاحية ومرحلة الرئيس محمد خاتمي والنشاط الذي يقوم به عماد في جمعية الدفاع عن حقوق السجناء المدنيين والسياسيين والدعم الذي يقدمه الشيخ في هذا الموضوع.
وصلنا إلى "قم" قرابة الظهر، ومباشرة توجهنا إلى منزل سعيد منتظري الذي كان بانتظارنا بناء على اتصال هاتفي اجراه عماد ليلا.
زقاق بسيط وضيق قد لا يتسع لسيارتين، باب لا يختلف عن الابواب المجاورة ولا يمكن تمييزه، لا وجود للحراسات الا العناصر الامنية التي تراقب المنزل بشكل خفي ومن بعيد.
هي المرة الاولى التي ادخل بها إلى الفناء الخلفي لمنزل الشيخ منتظري منذ العام 1985 عندما كان نائبا لقائد الثورة. اذ كان الدخول آنذاك يستوجب المرور بكثير من نقاط التفتيش والسؤال عن الجهة التي اود مقابلتها في المكتب، وبعد المرور بكل هذه الاجراءات، كان علي ان اقطع مسافة طويلة لكي اصل إلى الغرفة المخصصة للشيخ حسن ابراهيمي مدير مكتب الشيخ، بانتظار ان اتحين الفرصة لالقاء التحية والسلام على الشيخ والتي غالبا ما كانت تلوح بين الفراغ من لقاء والاستعداد للقاء جديد.
كان الشيخ حينها وهو نائب قائد الثورة، يفترش الارض على "موكيت" بني اللون باهت، ويتحلق حوله الزوار من مسؤولين ورجالات دولة وشخصيات غير ايرانية. كانت يستند إلى يده على الارض فترتعش اليد بشكل غريب، ومرة سألت احد الجالسين بقربي عن السبب في هذا الارتعاش، فقال لي انه يعاني من الام في الاعصاب بسبب التعذيب الذي تعرض له خلال فترة اعتقاله في سجون الشاه.
اذكر يومها انه وبعد خروج الزائرين من غرفة الاستقبال، نهض وازاح ستارة متواضعة فانشقت عن باب حديدي اكثره من الزجاج، ففتحه ودلف إلى منزله الخاص ودخلت بمعية شخصين آخرين وراءه ليكون اللقاء بعيدا عن الرسمية.
طرقنا الباب، فاستقبلنا "سعيد" على الباب طالبا منا الدخول، في الباحة الصغيرة التي لا تشبه الحديقة بشيء. شاهدت سيارة من نوع "بيكان" (ايرانية الصنع) قديمة الطراز محملة بادوات منزلية ومطبخية.
في الباحة، اطلت علينا سيدة تلتف بالشادور الإيراني المنزلي، وفي لحظة انتابني شعور من الرهبة، اذ لم يعهد احد انه دخل إلى منزل احد المراجع الدينية وكان في استقباله اهل المنزل ما لم يكن من الاقارب المقربين. لكني وبعد لحظات ومن حرارة الاستقبال ادركت ان "سعيد" كان قد اخبر الاهل بهذه الزيارة.
السيدة كانت زوج سعيد، التي تزوج بها بعد استشهاد شقيقه الشيخ محمد منتظري في تفجير مركز الحزب الجمهوري عام 1981. تذكرتني وتذكرت من اكون، فتداعت عندها ذكريات من ماضٍ لا يغادرها عن زوج مفعم بالحيوية والنشاط امتدت علاقاته شرقا وغربا، من فلسطين مرورا بلبنان وصولا إلى اقصى نقطة فيها للثوريين وجود.
دخلنا إلى منزل "سعيد" الذي لا يفصله سوى جدار تحوّل في سنوات الحصار، وخلافا لكل المبادئ الانسانية والشرعية، إلى جدار للفصل بين الاب وابنه بقرار من "ولي الامر". جلسنا وانا اتحرق شوقا للدخول على الشيخ ورؤيته من جديد. ماء بارد وبعض الفواكه، واذا بالباب الداخلي ينشق ليدخل علينا الشيخ متحررا من لباسه الديني، نهضنا احتراما وللتحية. دخل علينا وقد اطل برأسه اولا ليستكشف الموجودين، وعندما لم يجد سوى سعيد وعماد الذي لم يفارقه، لم يتبق امامه سوى هذا القادم الغريب، فصاح بي "كيف حالك يا سيد فحص". لا اخفي انني تلعثمت للحظات، فهذا الذي يمازحني هو نفس الشخص الذي ارعب النظام واخافه حتى وهو في الاقامة الجبرية عندما كان ممنوعا عليه التواصل مع الخارج.
بدايةً اعتذرَ عن عدم تمكنه من الجلوس على الارض بسبب بعض الآلام في المفاصل، وجلس على كرسي في زاوية الغرفة، طالبا من "سعيد" ان يقوم بواجب الضيافة.
بعدها التفت الي وسألني عن أحوالي بلغة انكليزية رشيقة وجميلة تخالطها لهجة اصفهانية مشهورة بغنتها. وتحت وطأة المفاجأة رددت عليه، ثم سألته كيف ومتى تعلمتم هذه اللغة، فقال ضاحكا، خلال المدة التي كنت فيها محاصرا وفي الاقامة الجبرية، وجدت متسعا من الوقت لدراسة هذه اللغة إلى جانب الاعمال البحثية الاخرى التي كنت اشتغل بها.
ثم قطع الحديث ليسأل سعيد ويسألنا: هل تناولتم طعام الغداء؟ فاجاب سعيد بشيء من المواربة، باننا سنخرج للقيام ببعض الاعمال ونتناول الطعام بعدها. فما كان منه الا ان قال: اذا اردتم، لدي في المنزل شيء من "الكشك" اعددته بنفسي بامكانكم الاكل منه. ضحك سعيد، وقال له "لا داعي، سنقوم بالواجب بعد ان ننتهي من عملنا".
ثم عاد وتوجه لي بالسؤال، عن الاوضاع الفلسطينية، وما الذي حل بالرئيس ياسر عرفات، كيف كانت وفاته، وكأنه يريد ان يسمع مع معرفته بالمسائل ومتابعتها، ثم ترحّم عليه ودعا للفلسطينيين بالنصر.
ثم استطرد وقال لي: "متى تنوي الانتهاء من ترجمة ما بقي من الكتاب؟" واضاف مازحا متوجها بالكلام إلى "سعيد": "لا بد ان ندفع بدل اتعاب السيد على الترجمة". لم اجرؤ على الرد، لكنني اسمعته رفضي لهذه المسألة، وانها اقل الواجب تجاه من أحب واقدّر. فما كان من "سعيد"، وكأنه احس بالارباك الذي اصابني، الا ان نهض وقال: نستأذن منك للخروج إلى بعض الاعمال، فنهض الشيخ لتوديعنا. استأذنته بالتقاط صورة معه، فاخذ بيدي واوقفني إلى جانبه وصاح بعماد ان ينضم الينا طالبا من ابنه ان يلتقط لنا صورة تبقى للذكرى.
في هذه الاثناء، وقبل ان نهم بالمغادرة، سألني من حيث لا احتسب عن "المقابلة الصحافية" التي اجريتها معه عام 2000 لصالح جريدة "الحياة" التي كنت اعمل معها، وهل مازلت احتفظ بالنسخة الخطية التي اجاب بها على الاسئلة الخمسة اضافة للرسالة الخاصة التي بعثها لي من اقامته الجبرية. فقلت: "إطمئن بالا يا مولانا، النسخة والرسالة بحوزتي وقد تركتها في لبنان خوفا من العسس واشياء اخرى".
وهنا اذكر انني وفي بدايات وصولي إلى إيران عام 2000، حدث ان تعرفت على عماد الدين باقي في مكاتب صحيفة "فتح" التي كان عضوا في هيئة التحرير فيها إلى جانب "اكبر كنجي" ويرأس تحريرها الاستاذ "علي حكمت" ويديرها الدكتور "يدالله اسلامي"، امين عام تجمع النواب السابقين. وبإشارة من "علي حكمت" تتعلق بالشيخ منتظري امام عماد كانت كفيلة بازالة الحواجز والمسافات بيني وبينه، وتحول التعارف إلى لقاء حول الشيخ.
بعد ايام، أسررت لعماد برغبتي في اجراء مقابلة مع الشيخ وهو في حصاره. اتقدت عيناه بالفرحة والرهبة، وذكّرني بما في ذلك من مخاطر، فقلت لا بأس طالما لن اضع عليها اسمي، المهم ان يصل صوت وكلام الشيخ. اتفقنا ان اكتب الاسئلة ليقوم هو بايصالها إلى الشيخ احمد نجل منتظري الذي سيقوم هو بدوره بايصالها لوالده اثناء الزيارة الاسبوعية المسموح بها. وبعد عشرة ايام بالتحديد، تلقيت اتصالا من عماد يخبرني بانه يحمل لي أمانة من احد الاشخاص. فهمت ما كان يرمي له، فسارعت للقائه في جريدة "فتح"، واخذت الاوراق واعدت استنساخها اذ لم يكن هناك حاجة للترجمة فقد كتب الشيخ اجابته بلغة عربية جزلة وجميلة. ثم ذهبت إلى اقرب مركز للبريد والاتصالات وارسلتها إلى جريدة "الحياة" في بيروت، التي قامت بنشرها لكن من دون ان تقدر اهمية ان تحصل على لقاء كهذا!
بالعودة إلى سؤال الشيخ عن المقابلة، ادهشني انه استذكر وبعد سبع سنوات احد الاسئلة التي تتعلق بمقاصد الشريعة وحقوق الانسان والحريات. ونبهني باسلوب الاستاذ العطوف، بأن: الفقه الشيعي لا يوجد فيه مصطلح اسمه "مقاصد الشريعة"، لكن وبسبب ادراكه للبعد الذي حمله السؤال والتحديات التي تواجه المجتمعات الاسلامية، فقد أجاب عليه بما يقتضي.
خرجنا بعد توديعه، وكلي فضول لأعرف السر الكامن وراء هذه السيارة المحملة بوسائل منزلية ومطبخية. فقال سعيد، نحن على ابواب الصيف، والشيخ سيعطل دروسه الفقهية بعد ايام، وقد قمنا باستئجار منزل في قرية "كهك" جنوب شرق "قم" على بعد 65 كليومترا، وهي المنطقة التي باتت الان ذات شهرة عالمية بسبب منشآة تخصيب اليورانيوم التي كشف عنها مؤخرا في منطقة "فردو". وبما ان المنزل المستأجر لا توجد فيه ادوات منزلية ومطبخية، لذا علينا ان ننقل ما لدينا في هذا المنزل إلى هناك لكي نستطيع قضاء الصيف.
(ملاحظة: كثير من المراجع والشخصيات الدينية في مدينة "قم" تمتلك منازل خاصة وبساتين في هذه المنطقة لتميزها بالطقس الجميل والمعتدل حتى عندما تصل درجة الحرارة في قم إلى الخمسين درجة مئوية.)
خرجنا برفقة "سعيد" الذي قادنا بعد ان انضم اليه حفيد الشيخ ونجل السيد هادي هاشمي لحضور فاتحة احد رجال الدين الاصفهانيين المقربين من الشيخ. بعدها قال سعيد: "الآن حان وقت تناول الطعام". وكان المساء قد حل، فتوجهنا إلى احد المطاعم وتناولنا الكباب الإيراني المشهور. وقال سعيد، في مقارنة لا تخلو من الغمز: هل هذا الطعام افضل ام "الكشك" الذي انقذتكم منه في منزل الوالد!"
نقاط موسوي الخمسة تحرج قيادة النظام الإيراني
حسن فحص
الجمعة 1 كانون الثاني (يناير) 2010
اعلن زعيم تيار الخضر الإيراني مير حسين موسوي عن مبادرة من خمس نقاط لحل الازمة التي تواجهها إيران منذ الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية. اعلان موسوي تداعت معه احداث ووقائع تاريخية تقارب في ابعادها الابعاد التي ذهب لها موسوي في نقاطه الخمسة.
يروي المؤرخون ان المهدي ابن المنصور الخليفة العباسي الثالث وفي لحظة مراجعة محسوبة وفي محاولة لاستيعاب الحركة الاعتراضية للجماعة المؤيدة لآل البيت وابناء الامام علي بن ابي طالب، امر باستدعاء الامام موسى بن جعفر الكاظم الامام السابع لدى الشيعة الامامية.
وفي لعبة سياسية مدروسة كان الهدف منها التقليل من الدوافع الاعتراضية لدى البيت العلوي على السلطتين الاموية والعباسية واعتبارهما غاصبين للسلطة والخلافة، وكذلك تصغير اسباب الاختلاف إلى حدود الخلاف على ملكية قطعة من الارض اختلفت التفاسير حول طبيعة ملكيتها، فمنهم من اعتبرها – أي الشيعة - ارثا اعطاه الرسول لابنته فاطمة الزهراء، في حين استند الاخرون او اهل الجماعة على تفسير الحديث النبوي "نحن معشر الانبياء لا نورث وما تركناه صدقة" على اختلاف الرواية من اثبات للواو او اسقاط لها.
قدم المهدي عرضا للكاظم قد يراه البعض محاولة لحل الخلاف والنزاع بين البيتين العلوي والعباسي في تلك اللحظة، وقال للكاظم "اريد ان ارد عليكم فدكا"، غير ان رد الكاظم جاء مفاجئا حين قال له "بحدها وحدودها" فسأله: وما حدودها؟ فأجاب: إنّي إن حددّتها لم تردّها، فألحّ عليه المهدي، فحددّها الكاظم: الحدّ الأول: عدن إلى الجنوب. فتغيّر وجه المهدي، ثم قال: والحد الثاني: سمرقند إلى الشرق، فاربد وجهه، ثم قال: والحدّ الثالث: إفريقية إلى الغرب، فقال المهدي: والحدّ الرابع؟ قال: سيف بحر الخزر وأرمينية. عندها قال المهدي: لم يبق لنا شيء. فتحول إلى مجلسي. فكان جواب الكاظم: لقد أعلمتك بأنّي إن حدّدتها، لم تردّها.
وهو ايضا ما فهمه الرشيد بان ابناء علي بن ابي طالب يطالبون بالدولة والخلافة كلها، وان "فَدَك" باتت تعبيرا مجازيا عن الخلافة الاسلامية كلها، هذه الخلافة التي قال فيها الرشيد لولده المأمون "والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك". وبناء على موقف موسى الكاظم قام الرشيد بوضعه في السجن لاكثر من عشرين عاما الى ان توفي.
الدافع لهذا الاستحضار التاريخي ما صدر عن زعيم المعارضة الايرانية وتيار الخضر والرئيس المسلوب الاصوات في ايران مير حسين موسوي من مبادرة تتضمن نقاطا خمسة تشكل من وجهة نظره مخرجا مشرفا لحل ازمة التلاعب الذي حصل في نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو / حزيران من العام الماضي 2009.
موسوي لم يتطرق في رسالته التي تضمن هذه النقاط الى موضوع نتائج الانتخابات، لكنه وضع حدودا خمسة لحل الازمة، تتلخص بالتالي :
1 – ان تعلن الحكومة مسؤوليتها المباشرة عن التقصير امام الشعب والبرلمان والسلطة القضائية بحيث لا تتلقى هذه الحكومة دعما غير معتاد لتغطية ضعفها وتقصيرها، وان تكون الحكومة مسوؤلة مباشرة عن اعطاء اجابات عن الازمات التي تسببت فيها للبلاد، واذا لم تكن الحكومة قادرة على تقديم اجابات للشعب والبرلمان واذا كانت عاجزة وغير كفؤ فان على البرلمان والسلطة القضائية التصدي لها في اطار الدستور.
2 – وضع قانون انتخابات شفاف يعزز الثقة، بحيث يساهم بإقناع الشعب بوجود منافسة حرة وعادلة وبلا خداع او تدخل، وعلى هذا القانون ان يضمن مشاركة كل الشعب بغض النظر عن اختلاف الاراء والافكار، وان يقطع الطريق امام التدخلات المزاجية والجهوية لمسؤولي النظام في كل المستويات، ويمكن هنا العودة الى تجربة السنوات الاولى للثورة في الانتخابات البرلمانية واعتمادها نموذجا لهذا الامر.
3 – اطلاق سراح السجناء السياسيين واعادة حيثيتهم وكرامتهم، وانني على يقين بان هذا الاجراء لن يفسر على انه دليل على ضعف النظام، ونحن نعرف ان تيارات سياسية وضيعة ستعارض هذا الحل.
4 – منح الصحافة ووسائل الاعلام الحرية ورفع الحظر عن الصحف الممنوع والسماح لها بالعودة للعمل، يشكل جزءاً من ضروريات هذا المسار، يجب التخلص من الخوف من حرية الصحافة، وهنا يجب التوقف عن التجارب العالمية في هذا المجال. توسيع القنوات الفضائية والوقوف على اهميتها وتأثير هذا النوع من الاعلام الحاسم وهو امر يكشف لنا فشل وعجز الاساليب القديمة التي تعاني منها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون. ومن الممكن ان يكون التشويش والرقابة على الانتزنت مؤثرا بشكل مؤقتا، وان الحل الوحيد هو بان يكون لدينا وسائل اعلام متعددة ومتنوعة واعية وحرة داخل البلاد، الم يحن الوقت لاتخاذ خطوات جريئة مبنية على الثقة بالمفكرين والقوى الخلاقة في المجتمع وجذب انظارها المتعلقة بالجانب الاخر من العالم ودفعها بالعودة للاهتمام بما في الداخل من تطور وازدهار سياسي وثقافي واجتماعي؟
5 – الاعتراف بحق الشعب في اقامة التجمعات القانونية وتشكيل الاحزاب والتيارات تطبيقا للمادة 27 من الدستور. وان أي خطوة في هذا الاطار يمكن ان تتم من خلال التعاون بمشاركة جميع المهتمين بالبلاد، وهو امر باستطاعته نشر اجواء من الصداقة والمحبة الوطنية خلال الاشهر القادمة بديلا عن الاشتباك التي حدثت بين الشعب ومنظمة "البسيج" والقوى الامنية او الاشتباك بين ابناء الشعب.
في قراءة مبسطة لهذه النقاط الخمسة، يمكن القول ان موسوي لم يتخل عن مطالبه في اعادة النظر بنتائج الانتخابات والغائها او الدعوة لاجرائها من جديد، وهو المطلب المشترك الذي اجمعت عليه قيادة المعارضة الخضراء المتمثلة بمحمد خاتمي ومهدي كروبي و"حزب المشاركة" و"منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية". بل اعاد ترتيب الاولويات على اساس من احتياجات المرحلة وبهدف سحب الذرائع من الطرف المقابل الذي استدعى كل ما في جعبته من اسلحة دينية وعسكرية وقمعية. وبالتالي فقد اسقط كل الحجج التي يتذرع وتذرع بها النظام منذ ستة اشهر باتهامه المعارضة برفض الحوار والتحاور وانها تنفذ اجندة خارجية للقضاء على النظام الاسلامي.
موسوي بهذه الخطوة دفع بالكثير من القيادات الايرانية التي تقف الى جانب النظام مراعاة للتاريخ ووحدة الصف، للاعلان عن تأييدها لهذه الخطوة والطلب من مرشد النظام التعاطي مع مبادرة موسوي بايجابية كأرضية لحل الخلاف والانتقال بالبلاد الى اجواء من الوحدة والانسجام ووقف موجة الاعتراضات، وهو ما عبر عنه القائد الاسبق للحرس الثوري وسكرتير مجتمع تشخيص مصلحة النظام "محسن رضائي" في الرسالة التي وجهها للمرشد خامنئي طالبه فيها التعاطي بايجابية مع مبادرة موسوي، في منحى يذكر بالمبادرة التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني في اول واخر صلاة جمعة له بعد الانتخابات الرئاسية. وقد اشار رضائي الى امكانية استغلال الفرصة التي اتاحتها مبادرة موسوي بتغييب الحديث عن تشكيكه بنتائج الانتخابات، الامر الذي اعتبره رضائي اعترافا من موسوي بحكومة احمدي نجاد، ودعا المرشد للالتقاط المبادرة والبناء عليها والامر بفتح حوار ينتهي بعودة اجواء الوحدة الوطنية الى البلاد.
وقد وضع موسوي قيادة النظام من المرشد ومسؤولي الحرس الثوري والجهات التي تقف وراء نتائج الانتخابات وعمليات القمع الدموية التي شهدتها شوارع طهران والمدن الايرانية الاخرى امام تحدي الاستجابة لهذه المبادرة، وفي حال رفضت فان هؤلاء المسؤولين، وخاصة مرشد النظام فان عليهم مواجهة الصعوبات الكبيرة التي ستظهر في المستقبل وسيحلق بهم الندم على تفويتها وتفويت غير من الفرص السابقة، والتي لن يكون في قدرة القيادات الاصلاحية الحالية السيطرة على مساراتها وتوجيهها.
والذي هدف منه موسوي في مبادرته هذه، التأكيد لقيادة التيار المحافظ التي تدفع باتجاه التأزيم والمواجهة الدموية، ان الحركة الاصلاحية او تيار الخضر لا يحمل مشروعا انقلابيا ضد نظام الجمهورية الاسلامية في ايران، بل ما الهدف الذي يعملون من اجله هو اصلاح الخلل الذي طرأ على هذا المشروع وانحرف به من مشروع ديمقراطي يضمن الحريات والتعددية الحزبية والفكرية الى مشروع لاقامة حكومة دينية وولاية الهية الغائية لا تعترف بالاخر او بحقه في التعبير والمشاركة.
وبالتالي اعاد موسوي تركيز الاسس المحركة لتيار الحركة الخضراء وابتعادها عن التيارات العلمانية وحدد ايضا استراتيجية حركتها الاعتراضية بانها حركة:
1 – غير متعجلة للتغيير، وهي المرة الاولى في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر لايران، يظهر ان حركة شعبية واصلاحية تبدو غير متعجلة للوصول الى اهدافها ولا تسعى وراء الفوضى والثورة والانقلاب على النظام، وهذا نابع من قدرتها على تحديد منطلقاتها ومسارها والى اين تريد الوصول.
2 – عدم وجود قيادة كارزماتية واحدة للحركة، فخاتمي وكروبي وموسوي يتمتعون بالقدر نفسه من التأثير ولا احد منهم يدعي قيادة الحركة.
3 – عدم وجود فصل حاد داخل الحركة الخضراء "ابيض واسود" على العكس من المعسكر المقابل "المحافظ"، ففيها متسع لكل الاطياف الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تلتقي مع هذه الحركة في اهدافها وافكارها.
4 – لقد اثبتت الحركة الخضراء والاصلاحيين معها انها لا تخشى الوقوف بوجه النظام والتصدي للظلم وما تعتبره خرقا للدستور وحق المواطنة وحقوق الانسان، وقد برهنت الاشهر الستة الماضية هذا الامر وعدم قدرة الطرف الاخر التأثير عليها واخافتها.
5 – تعترف الحركة الاصلاحية بوجود تعددية في صفوفها وتسعى لتوظيف المشتركات لهذه التعددية لتصب في الاطار العام للحركة، ولا تنفي وجود متسلقين ومتقلبين، وهذا مرده عدم وجود ثقافة " القدسية او التقديس " لذلك فهي لا تعتمد على بناء تنظيمي او حزبي.
وفي حال التقط مرشد النظام هذه المبادرة، فلا بد ان تبدأ ورشة عمل واسعة لبحث ابعادها ومعالجة نتائج المرحلة السابقة والتي قد لا تقف عند الستة اشهر الماضية، بل تتعداه لتصل إلى كل المرحلة التي تلت وفاة المؤسس الامام الخميني.
الا ان هناك عوائق قد تعرقل او تمنع المرشد من الموافقة على هذه المبادرة، اذ ان كل الاجراءات التي طالت وتطال الصحف والصحفيين والناشطين السياسيين وعمليات القمع قد تمت بعلم منه وبموافقته، والموافقة على اعادة النظر بهذه الاجراءات بناء على مبادرة موسوي يعني اعترافا من المرشد بمسؤوليته عن هذه الاجراءات، فهل سيكون المرشد على استعداد للتنازل والقبول ليضع إيران على طريق الخروج من ازمة تطال وجود النظام، كما فعل موسوي، ام انه سيرفض ويشيح وجهه عن هذه الخطوة ؟ هذا ما ستجيب عليه الايام القادمة.
الجمعة 1 كانون الثاني (يناير) 2010
اعلن زعيم تيار الخضر الإيراني مير حسين موسوي عن مبادرة من خمس نقاط لحل الازمة التي تواجهها إيران منذ الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية. اعلان موسوي تداعت معه احداث ووقائع تاريخية تقارب في ابعادها الابعاد التي ذهب لها موسوي في نقاطه الخمسة.
يروي المؤرخون ان المهدي ابن المنصور الخليفة العباسي الثالث وفي لحظة مراجعة محسوبة وفي محاولة لاستيعاب الحركة الاعتراضية للجماعة المؤيدة لآل البيت وابناء الامام علي بن ابي طالب، امر باستدعاء الامام موسى بن جعفر الكاظم الامام السابع لدى الشيعة الامامية.
وفي لعبة سياسية مدروسة كان الهدف منها التقليل من الدوافع الاعتراضية لدى البيت العلوي على السلطتين الاموية والعباسية واعتبارهما غاصبين للسلطة والخلافة، وكذلك تصغير اسباب الاختلاف إلى حدود الخلاف على ملكية قطعة من الارض اختلفت التفاسير حول طبيعة ملكيتها، فمنهم من اعتبرها – أي الشيعة - ارثا اعطاه الرسول لابنته فاطمة الزهراء، في حين استند الاخرون او اهل الجماعة على تفسير الحديث النبوي "نحن معشر الانبياء لا نورث وما تركناه صدقة" على اختلاف الرواية من اثبات للواو او اسقاط لها.
قدم المهدي عرضا للكاظم قد يراه البعض محاولة لحل الخلاف والنزاع بين البيتين العلوي والعباسي في تلك اللحظة، وقال للكاظم "اريد ان ارد عليكم فدكا"، غير ان رد الكاظم جاء مفاجئا حين قال له "بحدها وحدودها" فسأله: وما حدودها؟ فأجاب: إنّي إن حددّتها لم تردّها، فألحّ عليه المهدي، فحددّها الكاظم: الحدّ الأول: عدن إلى الجنوب. فتغيّر وجه المهدي، ثم قال: والحد الثاني: سمرقند إلى الشرق، فاربد وجهه، ثم قال: والحدّ الثالث: إفريقية إلى الغرب، فقال المهدي: والحدّ الرابع؟ قال: سيف بحر الخزر وأرمينية. عندها قال المهدي: لم يبق لنا شيء. فتحول إلى مجلسي. فكان جواب الكاظم: لقد أعلمتك بأنّي إن حدّدتها، لم تردّها.
وهو ايضا ما فهمه الرشيد بان ابناء علي بن ابي طالب يطالبون بالدولة والخلافة كلها، وان "فَدَك" باتت تعبيرا مجازيا عن الخلافة الاسلامية كلها، هذه الخلافة التي قال فيها الرشيد لولده المأمون "والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك". وبناء على موقف موسى الكاظم قام الرشيد بوضعه في السجن لاكثر من عشرين عاما الى ان توفي.
الدافع لهذا الاستحضار التاريخي ما صدر عن زعيم المعارضة الايرانية وتيار الخضر والرئيس المسلوب الاصوات في ايران مير حسين موسوي من مبادرة تتضمن نقاطا خمسة تشكل من وجهة نظره مخرجا مشرفا لحل ازمة التلاعب الذي حصل في نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو / حزيران من العام الماضي 2009.
موسوي لم يتطرق في رسالته التي تضمن هذه النقاط الى موضوع نتائج الانتخابات، لكنه وضع حدودا خمسة لحل الازمة، تتلخص بالتالي :
1 – ان تعلن الحكومة مسؤوليتها المباشرة عن التقصير امام الشعب والبرلمان والسلطة القضائية بحيث لا تتلقى هذه الحكومة دعما غير معتاد لتغطية ضعفها وتقصيرها، وان تكون الحكومة مسوؤلة مباشرة عن اعطاء اجابات عن الازمات التي تسببت فيها للبلاد، واذا لم تكن الحكومة قادرة على تقديم اجابات للشعب والبرلمان واذا كانت عاجزة وغير كفؤ فان على البرلمان والسلطة القضائية التصدي لها في اطار الدستور.
2 – وضع قانون انتخابات شفاف يعزز الثقة، بحيث يساهم بإقناع الشعب بوجود منافسة حرة وعادلة وبلا خداع او تدخل، وعلى هذا القانون ان يضمن مشاركة كل الشعب بغض النظر عن اختلاف الاراء والافكار، وان يقطع الطريق امام التدخلات المزاجية والجهوية لمسؤولي النظام في كل المستويات، ويمكن هنا العودة الى تجربة السنوات الاولى للثورة في الانتخابات البرلمانية واعتمادها نموذجا لهذا الامر.
3 – اطلاق سراح السجناء السياسيين واعادة حيثيتهم وكرامتهم، وانني على يقين بان هذا الاجراء لن يفسر على انه دليل على ضعف النظام، ونحن نعرف ان تيارات سياسية وضيعة ستعارض هذا الحل.
4 – منح الصحافة ووسائل الاعلام الحرية ورفع الحظر عن الصحف الممنوع والسماح لها بالعودة للعمل، يشكل جزءاً من ضروريات هذا المسار، يجب التخلص من الخوف من حرية الصحافة، وهنا يجب التوقف عن التجارب العالمية في هذا المجال. توسيع القنوات الفضائية والوقوف على اهميتها وتأثير هذا النوع من الاعلام الحاسم وهو امر يكشف لنا فشل وعجز الاساليب القديمة التي تعاني منها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون. ومن الممكن ان يكون التشويش والرقابة على الانتزنت مؤثرا بشكل مؤقتا، وان الحل الوحيد هو بان يكون لدينا وسائل اعلام متعددة ومتنوعة واعية وحرة داخل البلاد، الم يحن الوقت لاتخاذ خطوات جريئة مبنية على الثقة بالمفكرين والقوى الخلاقة في المجتمع وجذب انظارها المتعلقة بالجانب الاخر من العالم ودفعها بالعودة للاهتمام بما في الداخل من تطور وازدهار سياسي وثقافي واجتماعي؟
5 – الاعتراف بحق الشعب في اقامة التجمعات القانونية وتشكيل الاحزاب والتيارات تطبيقا للمادة 27 من الدستور. وان أي خطوة في هذا الاطار يمكن ان تتم من خلال التعاون بمشاركة جميع المهتمين بالبلاد، وهو امر باستطاعته نشر اجواء من الصداقة والمحبة الوطنية خلال الاشهر القادمة بديلا عن الاشتباك التي حدثت بين الشعب ومنظمة "البسيج" والقوى الامنية او الاشتباك بين ابناء الشعب.
في قراءة مبسطة لهذه النقاط الخمسة، يمكن القول ان موسوي لم يتخل عن مطالبه في اعادة النظر بنتائج الانتخابات والغائها او الدعوة لاجرائها من جديد، وهو المطلب المشترك الذي اجمعت عليه قيادة المعارضة الخضراء المتمثلة بمحمد خاتمي ومهدي كروبي و"حزب المشاركة" و"منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية". بل اعاد ترتيب الاولويات على اساس من احتياجات المرحلة وبهدف سحب الذرائع من الطرف المقابل الذي استدعى كل ما في جعبته من اسلحة دينية وعسكرية وقمعية. وبالتالي فقد اسقط كل الحجج التي يتذرع وتذرع بها النظام منذ ستة اشهر باتهامه المعارضة برفض الحوار والتحاور وانها تنفذ اجندة خارجية للقضاء على النظام الاسلامي.
موسوي بهذه الخطوة دفع بالكثير من القيادات الايرانية التي تقف الى جانب النظام مراعاة للتاريخ ووحدة الصف، للاعلان عن تأييدها لهذه الخطوة والطلب من مرشد النظام التعاطي مع مبادرة موسوي بايجابية كأرضية لحل الخلاف والانتقال بالبلاد الى اجواء من الوحدة والانسجام ووقف موجة الاعتراضات، وهو ما عبر عنه القائد الاسبق للحرس الثوري وسكرتير مجتمع تشخيص مصلحة النظام "محسن رضائي" في الرسالة التي وجهها للمرشد خامنئي طالبه فيها التعاطي بايجابية مع مبادرة موسوي، في منحى يذكر بالمبادرة التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني في اول واخر صلاة جمعة له بعد الانتخابات الرئاسية. وقد اشار رضائي الى امكانية استغلال الفرصة التي اتاحتها مبادرة موسوي بتغييب الحديث عن تشكيكه بنتائج الانتخابات، الامر الذي اعتبره رضائي اعترافا من موسوي بحكومة احمدي نجاد، ودعا المرشد للالتقاط المبادرة والبناء عليها والامر بفتح حوار ينتهي بعودة اجواء الوحدة الوطنية الى البلاد.
وقد وضع موسوي قيادة النظام من المرشد ومسؤولي الحرس الثوري والجهات التي تقف وراء نتائج الانتخابات وعمليات القمع الدموية التي شهدتها شوارع طهران والمدن الايرانية الاخرى امام تحدي الاستجابة لهذه المبادرة، وفي حال رفضت فان هؤلاء المسؤولين، وخاصة مرشد النظام فان عليهم مواجهة الصعوبات الكبيرة التي ستظهر في المستقبل وسيحلق بهم الندم على تفويتها وتفويت غير من الفرص السابقة، والتي لن يكون في قدرة القيادات الاصلاحية الحالية السيطرة على مساراتها وتوجيهها.
والذي هدف منه موسوي في مبادرته هذه، التأكيد لقيادة التيار المحافظ التي تدفع باتجاه التأزيم والمواجهة الدموية، ان الحركة الاصلاحية او تيار الخضر لا يحمل مشروعا انقلابيا ضد نظام الجمهورية الاسلامية في ايران، بل ما الهدف الذي يعملون من اجله هو اصلاح الخلل الذي طرأ على هذا المشروع وانحرف به من مشروع ديمقراطي يضمن الحريات والتعددية الحزبية والفكرية الى مشروع لاقامة حكومة دينية وولاية الهية الغائية لا تعترف بالاخر او بحقه في التعبير والمشاركة.
وبالتالي اعاد موسوي تركيز الاسس المحركة لتيار الحركة الخضراء وابتعادها عن التيارات العلمانية وحدد ايضا استراتيجية حركتها الاعتراضية بانها حركة:
1 – غير متعجلة للتغيير، وهي المرة الاولى في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر لايران، يظهر ان حركة شعبية واصلاحية تبدو غير متعجلة للوصول الى اهدافها ولا تسعى وراء الفوضى والثورة والانقلاب على النظام، وهذا نابع من قدرتها على تحديد منطلقاتها ومسارها والى اين تريد الوصول.
2 – عدم وجود قيادة كارزماتية واحدة للحركة، فخاتمي وكروبي وموسوي يتمتعون بالقدر نفسه من التأثير ولا احد منهم يدعي قيادة الحركة.
3 – عدم وجود فصل حاد داخل الحركة الخضراء "ابيض واسود" على العكس من المعسكر المقابل "المحافظ"، ففيها متسع لكل الاطياف الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تلتقي مع هذه الحركة في اهدافها وافكارها.
4 – لقد اثبتت الحركة الخضراء والاصلاحيين معها انها لا تخشى الوقوف بوجه النظام والتصدي للظلم وما تعتبره خرقا للدستور وحق المواطنة وحقوق الانسان، وقد برهنت الاشهر الستة الماضية هذا الامر وعدم قدرة الطرف الاخر التأثير عليها واخافتها.
5 – تعترف الحركة الاصلاحية بوجود تعددية في صفوفها وتسعى لتوظيف المشتركات لهذه التعددية لتصب في الاطار العام للحركة، ولا تنفي وجود متسلقين ومتقلبين، وهذا مرده عدم وجود ثقافة " القدسية او التقديس " لذلك فهي لا تعتمد على بناء تنظيمي او حزبي.
وفي حال التقط مرشد النظام هذه المبادرة، فلا بد ان تبدأ ورشة عمل واسعة لبحث ابعادها ومعالجة نتائج المرحلة السابقة والتي قد لا تقف عند الستة اشهر الماضية، بل تتعداه لتصل إلى كل المرحلة التي تلت وفاة المؤسس الامام الخميني.
الا ان هناك عوائق قد تعرقل او تمنع المرشد من الموافقة على هذه المبادرة، اذ ان كل الاجراءات التي طالت وتطال الصحف والصحفيين والناشطين السياسيين وعمليات القمع قد تمت بعلم منه وبموافقته، والموافقة على اعادة النظر بهذه الاجراءات بناء على مبادرة موسوي يعني اعترافا من المرشد بمسؤوليته عن هذه الاجراءات، فهل سيكون المرشد على استعداد للتنازل والقبول ليضع إيران على طريق الخروج من ازمة تطال وجود النظام، كما فعل موسوي، ام انه سيرفض ويشيح وجهه عن هذه الخطوة ؟ هذا ما ستجيب عليه الايام القادمة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)