الجمعة، 16 يوليو 2010

نحو برنامج عمل سياسي فلسطيني

بقلم: سلمان أبو ستة

لا يخفى على أحد الوضع المتدهور للقضية الفلسطينية سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي. ولذلك هناك حاجة ماسة لمراجعة هذا الوضع والخروج ببرنامج عمل سياسي قابل للتطبيق. ولا نقول هنا إن هناك حاجة إلى برنامج وطني، فهو ما زال الميثاق الوطني لعام 1969 وخلاصته أن فلسطين عربية وأن المقاومة (بكل أشكالها) هي وسيلة العمل.
الساحة الفلسطينية
كانت أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية بعد النكبة واضحة كل الوضوح. الوطن معروف والعدو معروف. في الخمسينيات والستينيات نشأت حركة الفدائيين والجمعيات السرية (في قطاع غزة أولاً) ثم تكونت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 ووصلت إلى قمت بروزها عام 1974، وبعدها بدأ الانحدار. وفي المجلس الوطني الأخير في الجزائر عام 1988، وافق المجلس على مضض بأغلبية الثلثين على دولة فلسطينية على خط الهدنة 1949 مع التمسك بحق العودة. ثم جاءت كارثة اوسلو عام 1993 التي شكلت عقد إذعان للشعب الواقع تحت الاحتلال دون الاشارة إلى القانون الدولي أو الحقوق الفلسطينية. ولا نزال إلى اليوم تحت تأثير هذه الكارثة.
ومثلما انشق السادات عن سلفه عبد الناصر، انشق محمود عباس عن سلفه عرفات، فقد تخلى عن المقاومة واعتبر أداتها «حقيرة» ولجأ إلى «حياة» من المفاوضات، وتخلى عن القرار الفلسطيني المستقل واحتمى برضاء الدول الغربية والعربية، وتخلى عن فلسطين عربية واكتفى بالسعي وراء دويلة من بقايا الضفة، واختزل قضية فلسطين كلها إلى كيان معيشي للضفة، وتخلى، إلا بالاسم، عن حق العودة، وتخلى عن منظمة التحرير كصوت الشعب الفلسطيني، إلا كخاتم شرعي للمفاوضات، واكتفى بالسلطة في رام الله، كصورة محسنة من «رابطة القرى»، تجلب الاموال من الغرب وتشتري المؤيدين. واستسلم عالماً أو غير عالم، إلى خدعة بلير التي يقول فيها: على الفلسطينيين أن يقبلوا بشروط الرباعية (الاعتراف بإسرائيل ... الخ) وإلا فلن يحصلوا على المساعدات، ولن تحصل غزة المحاصرة على 4,8 مليار دولار التي وعد بها الغرب في شرم الشيخ لإعمار غزة التي دمرتها إسرائيل.
ومن واجب الرئيس الفلسطيني أن يعلم أن بلير كذاب (وهو الذي خدع العالم لشن الحرب على العراق). بلير كذاب لان الرباعية لم تضع شروطاً إطلاقاً على الفلسطينيين. يقول الفارو دي سوتو الوسيط الدولي لفلسطين (خليفة برنادوت) في تقريره النهائي في مايو 2007 في الفقرة 79:
«وهناك سوء فهم عام بالقول أن الرباعية وضعت «شروطاً» إذا لم تنفذ، فإن ذلك سيكون عقبة في المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية والتواصل معها. لقد حاولتُ المرة بعد الأخرى الايضاح للصحافة أن الرباعية لم تفرض ولو مرة واحدة شروطاً تدعو الفلسطينيين إلى الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف ... (الخ). وإذا كان هذا يبدو كأنه «شروط» الرباعية، فالواقع أن هذه الشروط هي سياسات أميركا والاتحاد الأوروبي وحدها.. وحقيقة الأمر أنهما تتخذان من روسيا والأمم المتحدة غطاء تحت اسم الرباعية لتنفيذ سياستهما».
وفي هذا الجو البائس، أصبح الشعب الفلسطيني شعوباً مختلفة. شعب غزة (12% من الفلسطينيين) محاصر من إسرائيل والغرب والدول العربية الموالية. وهذا الحصار يشكل جرائم حرب وجرائم إبادة بحسب ابسط قواعد القانون الدولي. وشعب في الضفة (18%) قيدت السلطة يديه ومنعته من المقاومة ومنعته في كثير من الاحيان من مجرد التعبير عن تضامنه مع ابناء شعبه في غزة، وزينت له أن غاية امنياته هو «بناء مؤسساته» تحت ظل الاحتلال، وأهله معزولون عن بعضهم في مناطق أ، ب، ج ومن بينهم أهل القدس المحاصرون والمهجّرون من ديارهم بالنسف والإبعاد، ومجموع كل هؤلاء (30%) هم الذين شاركوا في الانتخابات الاخيرة. وشعب فلسطيني عاش على أرض الوطن تحت حكم إسرائيل لستة عقود يبلغ تعداده 1,250,000 فلسطيني في الداخل (1948)، وهم الآن الذين يحملون راية الوطنية داخل إسرائيل. وشعب الشتات: اللاجئون في البلاد العربية، بين خوف من طردهم من أماكن اللجوء إلى المجهول بعيداً عن الوطن الأم وخوف الدول المضيفة من احتمال توطينهم فيحرمون من أبسط الحقوق المدنية كاجراء وقائي. ولعل الخوف من التوطين هو الذي يضع الدول العربية المضيفة بين نارين: تشجيع اللاجئين على المطالبة بحق العودة كي يغادروا البلاد، والخشية من انشائهم كيانات وتجمعات سياسية للمحاربة من أجل العودة. أما شعب الشتات في أوروبا وأميركا الذين يتجاوز عددهم 500,000 فهم من أنشط الفئات سياسياً وإعلامياً وقانونياً، لانهم يعيشون في مجتمعات ديموقراطية تسمح بالتجمع، وإن كانت سياساتها لا تزال موالية لإسرائيل، وهم يحتاجون فقط إلى تجميع قواهم وتوحيد صفوفهم.
في هذا المناخ الفلسطيني يبدو بديهياً أن يكون الواجب الأول لأي رئيس فلسطيني تجميع الصفوف، والعودة إلى كامل الشعب الفلسطيني، تحت إطار مجلس وطني جديد منتخب يمثل 11 مليون فلسطيني، من بينهم 70%، ليس لهم اليوم تمثيل ولا رأي في مصيرهم منذ عام 1988 على الأقل. ولكن محمود عباس رفض أي محاولات للقيام بذلك، رغم أن اتفاقاً مكتوبا في القاهرة في مارس 2005 قد تمت الموافقة عليه من جميع الفصائل، ورغم أن ممثلين لقطاعات واسعة من المستقلين، (والمستقلون هم أغلبية الشعب الفلسطيني، أكثر من 95%)، قد قابلته لهذا الغرض. ولكنه رفض الاستجابة لهذا المطلب الجوهري تحت أعذار مختلفة.
أما المصالحة بين فريقين فصيلين فقد شغلت الناس أكثر مما ينبغي، فهي في أحسن الاحوال خلاف على برنامج سياسي وفي اسوئها خلاف على مراكز السلطة مع اختلاف تاريخ كل منهما في النزاهة. ومكان المصالحة ليس في العواصم العربية ولا أمام أجهزتها الأمنية، وإنما في مجلس وطني منتخب هو الذي يحسم الخلاف على البرامج والاداء. ولو كان هذا المجلس موجوداً، لكفانا مؤونة التنقل بين العواصم العربية والفضائيات.
والخلاصة انه يجب على الشعب الفلسطيني اتخاذ اجراء جديد لوضع البرنامج السياسي المطلوب لتحقيق وحدة الشعب الفلسطيني وتمثيله.
إسرائيل
على الطرف الآخر من المعادلة، تقع إسرائيل. ما هو وضعها اليوم؟ إسرائيل صهيونية. ولو تخلت عن الصهيونية لما أصبحت إسرائيل، وأصبحت فلسطين بها جالية يهودية مهما كبرت. ولذلك لا فائدة من البحث في الركام عن قائد إسرائيلي يؤمن بالحقوق الفلسطينية، وأما تصنيف هذا القائد أو ذاك كيميني أو يساري فلا قيمة فعلية له.
إسرائيل لا تزال متمسكة بخريطة حدود إسرائيل التي قدمتها المنظمة الصهيونية لمؤتمر السلام في فرساي عام 1919. وكل الاحداث التي وقعت من ذلك الحين إلى اليوم تؤيد ذلك. قالت المنظمة الصهيونية إن حدود إسرائيل الغربية تكون «بالاتفاق مع مصر». وهذا ما هو واقع اليوم. وإن الجولان جزء من إسرائيل وهذا ما تم منذ احتلاله عام 1967. وإن جنوب لبنان حتى الليطاني جزء من إسرائيل، وهذا ما فشلت في تحقيقه إسرائيل ولكنها لا تزال تحاول. أما الحدود الشرقية التي تطالب بها المنظمة الصهيونية فهي خط سكة حديد الحجاز، أي خط درعا ـ عمان ـ معان ـ العقبة. وهذا ما تحاول إسرائيل تطبيقه الآن، بوضع برنامج لطرد الفلسطينيين من الضفة بادعاء أن كل فلسطيني في الضفة متسلل يتوجب طرده، والاستمرار في بناء المستوطنات، وسحب هويات القدس، وتجريد أهالي الضفة من 90% من مياه الضفة، وإقامة 600 حاجز على الطرق، والاعتقالات والاغتيالات وغير ذلك.
لم يعد استيلاء إسرائيل الكامل على الضفة سراً حتى في الاوساط الإسرائيلية والغربية. فقد كتب عنه اسرائيليون مثل اكيفا ايلدار وعميرة هاس، وإيال وايزمان، وجيرشون غورنبرغ منذ عدة سنوات. كذلك يوثقه بشكل دوري مكتب الامم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية (OCHAOPT).
وقد أوضح هذا الأمر البروفسور جون ميرز هايمر، الاستاذ المشهور، صاحب تقرير «اللوبي الإسرائيلي» مع زميله البروفسور ستيفن والت، في محاضرته لدى مركز فلسطين في واشنطن ابريل الماضي. وهو أميركي قح يخدم مصالح بلاده فقط.
لقد بيّن بتحليل دقيق للسياسات الإسرائيلية، أن الضفة مقبلة على التهويد الكامل مع بقاء بقع عربية، مما يجعل إسرائيل دولة فصل عنصري على كامل فلسطين التاريخية، ويفتح الباب أمام تهجير جماعي للفلسطينيين، لان البديل في حال زيادة عدد الفلسطينيين إلى حد الاغلبية الا تكون إسرائيل دولة صهيونية، بل دولة ديموقراطية لجميع السكان، وهذا لن تسمح به إسرائيل حتى لو اقترفت هولوكوست ضد الفلسطينيين.
ولنلق نظرة على التركيبة السكانية لإسرائيل.
في عام 2009، بلغ عدد السكان اليهود في إسرائيل 5,500,000 إذا اعتبرنا أن كل الروس البالغ عددهم مليون نسمة يهود، (والواقع أن 40 - 60% منهم غير يهود). حوالى نصف اليهود مهاجرون ولدوا خارج فلسطين، والنصف الآخر ولدوا فيها، ولذلك فإن فئاتهم العمرية صغيرة. ومن حيث الأصل، فإن 37% من اليهود جاءوا من أميركا وأوروبا و29% من آسيا وأفريقيا. وهذه النسبة الأخيرة في تزايد بسبب ارتفاع نسبة المواليد لديهم.
هذه الارقام والنسب معرضة لتغير كبير في حال انتفاضة كبيرة أو اضطرابات خطيرة في المنطقة أو حروب تصاب فيها إسرائيل بضربة موجعة. والتحول في التركيبة السكانية سيكون هائلا لو تحولت إسرائيل من دولة صهيونية إلى دولة ديموقراطية لكل مواطنيها عرباً ويهوداً. يقول البروفسور الأميركي اليهودي Ian Lustic، انه بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 تضاعف عدد الذين تركوا إسرائيل، وزادت نسبة الذين استرجعوا جنسياتهم الأوروبية بمقدار 40%. ومن الملاحظ من تقارير الاحصاء الإسرائيلية أن ثلاثة أرباع الإسرائيليين يسافرون خارج البلاد على الاقل مرة في السنة وأن حوالى ثلاثة أرباع مليون يهودي يحملون الجنسية الإسرائيلية يقيمون خارج إسرائيل بصفة شبه دائمة. وأن كل يهودي في إسرائيل لديه جنسية أخرى، صالحة للاستعمال أو ممكن استرجاعها من بلد الموطن.
وكما يستنتج البروفسور ميرزهايمر، فإن إسرائيل ستقاوم مقاومة عنيفة انخفاض عدد اليهود أو نسبتهم، إما عن طريق تشجيع هجرة جديدة، وهذا صعب جداً في الوقت الحالي لنضوب المصادر المفيدة لإسرائيل، أو عن طريق طرد الفلسطينيين الموجودين على أرض فلسطين التاريخية الذين يتكاثرون بسرعة أكثر من اليهود (عدا الحاريديم)، وستستعمل إسرائيل كل الوسائل، ولو إلى حد استخدام «سياسات إجرامية» كما يقول، مثل التهجير العرقي أو أسوأ من ذلك. وقد تستخدم هذه السياسة دون تردد تحت غطاء حرب إقليمية، أو محاربة الإرهاب.
ولذلك فإن الطريق الوحيد المفتوح لإسرائيل هو أن تصبح علناً وبشكل مفضوح دولة فصل عنصري، اسوأ من جنوب افريقيا. ولذلك فإنه لا أمل في قيام دولتين مستقلتين بالمعنى الدولي المتعارف عليه على أرض فلسطين، مع أن هذا الخيار في مصلحة إسرائيل لانه يختزل قضية فلسطين في حكم ذاتي محدود على خُمس مساحة فلسطين. ولذلك تدعمه أميركا والاتحاد الأوروبي وتحث محمود عباس على الدخول في مفاوضات «حياتية» عقيمة يعلم الكل أنها لن تأتى بنتيجة مقبولة، لان أعلى ما ستوافق عليه إسرائيل سيكون أقل كثيراً مما يقبله حتى المؤمنون بتلك المفاوضات.
والخيار المنطقي الآخر إذا استمرت إسرائيل في أسلوبها الحالي هو قيام دولة ديموقراطية لجميع السكان على أرض فلسطين التاريخية. وهذا لن توافق عليه إسرائيل طوعاً أو اختياراً. ولو حدث فإنه، كما يقول اوري أفنيري، «داعية السلام»، لن يبقى في فلسطين اشكنازي واحد، فالاشكناز هم جنود الصهيونية.
إذاً، الصدام محتوم. فإما أن تكون فلسطين دولة صهيونية بالكامل يهجّر أهلها الفلسطينيون إلى شرق الأردن، وهذه هي الخطة الحالية، أو دولة ديموقراطية للعرب واليهود، وهذا هو الحل الوحيد على المدى البعيد. وهذا بالطبع يستثنى ظروفاً فجائية غير متوقعة في المنطقة، وما أكثرها، تسارع في حدوث هذا الأمر أو ذاك.
إذن لم يعد طرد أهالي الضفة موضع خلاف في السياسة الإسرائيلية، ولكن الخلاف هو على الاسلوب والتوقيت وطريقة التقسيط، بحيث لا تثير العالم الغربي، هذا لو أبدى غضبه. ولكن إلى أين يطردون؟
لم يعد الوطن البديل في الأردن خرافة في الفكر الإسرائيلي. لقد وقع الملك حسين المعاهدة مع إسرائيل تحسباً لذلك أي كي تعترف إسرائيل بالأردن كدولة مستقلة شرقي النهر، وليس العكس. أي ليس المهم اعتراف الأردن بإسرائيل. وهذا ما أكده له شارون شخصياً. فجنرالات إسرائيل يفضحون السر بين آونة وأخرى.
ليست المسألة تحويل الأردن إلى وطن بديل فقط، بل قد تصبح المشكلة أعمق من ذلك: باستيلاء اسرائيل على شريط من دولة الأردن يوازى نهر الأردن شرقاً حتى خط سكة حديد الحجاز (تقريباً 30 - 50 كم شرقي نهر الأردن) كما دعت إليه المنظمة الصهيونية عام 1919. ويطرد الفلسطينيون في الضفة إلى شرقي هذا الخط. وبذلك لا تحتاج إسرائيل إلى حاجز عسكري على نهر الأردن الذي تحتله الآن. وخط السكة الحديد هو أفضل عسكرياً لإسرائيل من مواقع على ضفة النهر الغربية لانه يحتوى على مرتفعات تقام عليها محطات انذار في عجلون مثل جبل الشيخ في الجولان.
ولكن رغم قوة إسرائيل العسكرية وخضوع العرب المجاورين لها، فإنها هشة في كثير من النواحي خصوصاً الجغرافية والسكانية. ومن حيث التوزيع الجغرافي فإن 84% من اليهود يعيشون في 17% من مساحة إسرائيل وتقع مناطق سكناهم العمرانية في منطقة صغيرة لا تتجاوز 5% من مساحة إسرائيل. وباقي الأرض في إسرائيل بها أقلية من السكان وتستعمل اساساً للقواعد والمنشآت العسكرية.
وإذا أخذنا شريطاً بعرض 50 كم يمتد من قطاع غزة حتى الخليل، فإننا لا نجد فيه يهوداً يتجاوز عددهم مخيم لاجئين واحد (عدا سكان المدن). وهؤلاء هم سكان الكيبوتز الذي أفلس مالياً وايديولوجياً ولم يبق فيه إلا العجزة. ولو أخذنا شريطاً بعرض نصف حدود لبنان الجنوبية يمتد من تلك الحدود حتى جنين فإننا نجد مثل هذا العدد من اليهود سكان الأرض المحتلة، (باستثناء سكان المدن وأهل الجليل الفلسطينيين).
أما الاقتصاد في إسرائيل فهو قوي جداً من جهة وهش من نواح أخرى. يبلغ الناتج المحلى الاجمالي لإسرائيل 207 مليارات دولار لعام 2009، مصدره 32% من الصناعة، 65% من الخدمات، 3% من الزراعة فقط. ومصادر الناتج القومي الاجمالي تأتى كالآتي: 74% من التصدير الصناعي و24% من تصدير الخدمات. أي أن اعتماد اقتصاد إسرائيل الاساسي على (1) على الصناعة ذات التقنية العالية و(2) على التصدير لأوروبا وأميركا.
وليس من العجب أن يقال ان إسرائيل ربيبة الغرب. ذلك لأن إسرائيل مصنع كبير محصور في عدة مناطق جغرافية حول حيفا وتل أبيب، يسّوق له اليهود في أميركا وغرب أوروبا بما لهم من التأثير المالي والسياسي في تلك البلاد. فإسرائيل إذن «منطقة تجارية حرة» ليهود الغرب. وهي أيضاً ملجأ للهاربين من وجه العدالة، وأكبر مكان لغسل الاموال التي يجنيها اليهود في الغرب.
وقد أجمع 250 خبيراً إسرائيليا في دراستهم لمستقبل إسرائيل حتى عام 2020 على أن الاهتمام بالارتباط الصناعي مع الغرب هو أساسي، وان هدف إسرائيل الأول أن تكون من مصاف الدول الصناعية الستة إلى الثمانية في العالم. ولهذا عقدت إسرائيل عشرات الاتفاقيات الصناعية والعلمية مع الدول الغربية لهذا الغرض، وتبيع منتجاتها لهم بعقود طويلة الأجل، بل تدفع تلك الدول نفقات الأبحاث والتطوير.
ويقول مخطط إسرائيل لعام 2020 ان غرض إسرائيل من السلام مع العرب، ليس خشية من قوتهم العسكرية، وليس رغبة في تسويق منتجاتهم في الاسواق العربية فهي عالية التقنية لا يحتاج اليها العرب، وإنما لان «السلام»، والمقصود به اعتراف العرب بشرعية إسرائيل، يهدئ مخاوف الغرب على استثماراته في إسرائيل. وإسرائيل تحتاج إلى تدفق هذه الاموال. وأي خطر يهدد إسرائيل حتى لو كان انتفاضة، أو انفجارات هنا أو هناك، أو تخريب لاستثمارات الغرب الصناعية مهما كان صغيراً، سيكون له تأثير سلبي كبير على اقتصاد إسرائيل، وعلى اقتصاد الغرب الداعم لها.
وهذا يفسر سعي إسرائيل الدائم إلى عرض واجهة سلام مزيفة والدخول في مفاوضات أبدية غرضها إعطاء الغرب وبعض العرب الانطباع بأن السلام قادم لا محالة، وانه لا خوف على استثمارات الغرب، لا من ناحية فعلية من حيث الخوف من تدميرها، ولا من ناحية قانونية دولية، أي عزلها دولياً، وتقديم قادتها لمحكمة جرائم الحرب. في العام 1948 دخلت بعض الدول العربية فلسطين بعد خروج الانجليز للدفاع عن أهلها تحت ضغط المظاهرات التي عمت شوارع عواصمها احتجاجاً على مذابح دير ياسين وغيرها. ولم تكن مستعدة لتحرير فلسطين لا بالفعل ولا بالنية. وعندما دخلت القوات العربية فلسطين كان اليهود يسيطرون على مساحة 5,5% من فلسطين وخرجت منها بالهزيمة واحتلال إسرائيل لما يساوى 78% من فلسطين.
ولم تدخل أي دولة عربية حرباً بعد ذلك لتحرير فلسطين. والحروب الحدودية كانت لرد اعتداء إسرائيل على تلك الدول. وبعد هزيمة 1967 أصبحت تلك الدول تدعم حركة التحرير الفلسطينية بالمال والسياسة. وبعد معاهدتي السلام مع إسرائيل واتفاقية المبادئ في اوسلو، تخلت عن هذا أيضاً. ودعمت التيار الذي يدعو الفلسطينيين إلى القبول بما يأتي به الامر الواقع من فتات، ووقفت ضد البرنامج السياسي الذي يدعو إلى تحرير فلسطين.
ولكن الشعوب العربية، ومعها الشعوب الإسلامية، وقفت موقفاً وطنياً مشرفاً إلى جانب الحقوق الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك، هناك تطابق عرضي في بعض وجهات النظر الرسمية. لبنان والأردن والفلسطينيون لديهم رغبة مشتركة في رفض مشاريع التوطين لاسباب مختلفة. ولذلك فإن من مصلحة لبنان والأردن الوقوف إلى جانب حق العودة. وهو أمر يجب الاستفادة منه إلى أقصى الحدود بتقوية حركة حق العودة في تلك البلاد، والسماح للاجئين بإنشاء مؤسساتهم الوطنية التي تمثلهم، ومنحهم الحقوق المدنية التي يتمتع بها اللاجئ الفلسطيني المقيم في بلد أوربي، وهو الذي يكوّن الآن أهم القوى الشعبية المطالبة بحق العودة.
ما العمل؟
في غياب منظمة التحرير الفلسطينية وعجز القائمين عليها عن القيام بعمل فعال للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، يجب على الشعب الفلسطيني، أفراداً وهيئات ولجانا، القيام بواجباتهم في ميادين كثيرة متاحة له، ولا تحتاج إلى إذن من أحد، ولكنها تحتاج إلى كثير من الجهد والتنظيم وقليل من المال، أقل بكثير من ثمن دبابة عربية يعلوها الصدأ في المخازن.
الميادين المتاحة كثيرة جداً. لقد تدهورت صورة إسرائيل في الغرب الذي يمدها بالسلاح والمال. وهذا بجهد الجمعيات الأهلية الأجنبية المدافعة عن حقوق الانسان في أوروبا وأميركا مع مساهمة هامة من الفلسطينيين في تلك البلاد. هذا الجهد يجب أن يضاعف ويتوسع ويشترك فيه عدد أكبر من الفلسطينيين في الشتات. ومن باب أولى يجب أن ينتشر هذا الجهد في اوساط الشعوب العربية. ومن العيب أن يأتي الايرلندي والبريطاني، ثم المسلم التركي لكسر الحصار على غزة ولا نجد مثل هذا النشاط في الاوساط العربية.
ثم هناك الميدان القانوني المفتوح على مصراعيه. بعد تقارير دوجارد وفالك وأخيراً جولد ستون، بالإضافة إلى تقارير هيومان رايتس ووتش وجمعية العفو الدولية، هناك رصيد كبير من توثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، يجّرم بموجبه قادة إسرائيل في كثير من الدول. ورغم أن كثيراً من الجهات العربية الرسمية والشعبية لديها لجان جرائم حرب، إلا أن إنجازاتها ضعيفة أو معدومة ومتفرقة. وهناك حاجة إلى اختيار الصالح منها وتجميع القوى الأخرى تحت إدارتها. ومن الجدير بالذكر أن اوامر القبض على بعض قادة إسرائيل في بريطانيا قد تمت على يد مكاتب محاماة بريطانية متعاطفة مع فلسطين ومتحالفة مع جمعيات قانونية فلسطينية.
والنجاح في هذه المهمة يكفل ثلاثة أمور هامة: محاكمة مجرمي الحرب والقصاص منهم، ومنعهم من التنقل والسفر، وفضح جرائم إسرائيل أمام العالم.
وفي هذا الميدان تبرز أهمية كسر الحصار عن غزة الذي أصبح يمثل أبشع مثال على الجرائم التي ترتكب في وضح النهار وعلى شاشات التلفزيون، دون أن يتحرك أحد إلا القليل من أصحاب الضمائر.
وفي هذا الميدان، يجب إبراز قضية أكثر من عشرة آلاف فلسطيني أسير لدى إسرائيل، دون مسوغات قانونية، ولا أخلاقية. وهذه أكبر نسبة في تاريخ أي احتلال لان 40% من الشباب الذكور في الضفة وغزة اعتقلتهم إسرائيل على الاقل مرة واحدة في حياتهم منذ احتلالها عام 1967.
ومع تطور الاتصالات الإلكترونية والفضائيات، لم تعد المسافات ذات أهمية. ولذلك فإن الفلسطينيين والمتضامنين معهم في العالم يستطيعون شن حملات إعلامية بالرد على مزاعم إسرائيل وكشف جرائم إسرائيل السابقة والحالية. ولقد حدث تطور كبير في هذا الميدان عن طريق نجاح حملة المقاطعة (BDS) التي انضمت عليها عدة نقابات وجامعات في العالم، وهي لا تزال في نمو كبير.
كل هذه النشاطات، على تواضعها، أزعجت إسرائيل، وجندت لها آلافاً من أنصارها في العالم في حملة تسمى (هزبرا)، وتستثير لها الاعوان تحت شعار الحملة ضد نزع الشرعية عن إسرائيل.
وهناك ايضاً الميدان المفتوح للتواصل مع برلمانات العالم والمحافل الدولية ووكالات الأمم المتحدة بما فيها اليونسكو، وذلك عن طريق زيارات وفود شعبية من المخيمات والجاليات والأسرى المحررين وغيرهم. وهنا يبرز دور الجمعيات الأهلية (NGO) في البلاد المختلفة التي تستطيع ترتيب هذا التواصل وتفعيله.
وهناك أيضاً أهم ميدان يؤثر على إسرائيل وهو الميدان الاقتصادي. وكما سبق ذكره فإن التأثير على اقتصاد إسرائيل أوجع من حرب الدبابات الفاشلة. وعلى الرغم من عفوية حركة مقاطعة إسرائيل الشعبية (BDS) وانتشارها في أوربا وإلى حد ما في أميركا فإنها تقلق إسرائيل من ناحيتين، الإعلامية والاقتصادية.
لكن الضربة الحقيقية تأتي من مقاطعة العرب الاقتصادية للشركات التي تتعامل مع إسرائيل والتي كانت سارية إلى أن وقعت معاهدات (السلام) مع الأردن ومصر. وبحساب بسيط نجد أن الدول العربية إما شعبياً أو رسمياً تستطيع بمقاطعة البضائع من أميركا وهولندا وألمانيا وبريطانيا فقط، اعتماداً على أن إسرائيل خارجة عن القانون الدولي الذي يعاقب الاحتلال والفصل العنصري، واستناداًَ إلى القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 9 يوليو 2004 والذي أقرته الأمم المتحدة، أن تجبر هذه الدول على إعادة حساباتها حول التحيز لإسرائيل. وإذا توقفت مبيعات المرسيدس ومنتجات سيمنز مثلا فإن المانيا تفكر مرتين قبل تصنيع غواصات نووية لإسرائيل والمشاركة في تصنيع أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية التي تقوم بها الآن، لصالح إسرائيل. والمقاطعة سلاح معروف ومعترف به. وها نحن نجد أميركا تطبقه بدون مسوغات قانونية. فكيف لو كانت المقاطعة بناء على القانون الدولي؟ الدول العربية لديها هذا المسوغ القانوني. وليست في حاجة إلى إعلان الحرب على إسرائيل أو إخراج دباباتها وطياراتها من المخازن. ولا تحتاج فقط إلا إلى «الترشيد» في الانفاق الاستهلاكي او الترفيهي في الاستيراد من الدول التي لا تساعد إسرائيل على قتل الفلسطينيين.
ثم هناك ميدان الإعلام الخارجي. وقد توسعت دائرة تأثيره فوق كل وصف باستعمال الانترنت وانتشار الفضائيات. وهو ما أدى مباشرة إلى مظاهرات في عدة دول أوروبية استنكاراً لمحرقة غزة، وأدى كذلك إلى المظاهرات الاسبوعية ضد جدار الفصل العنصري في بلعين.
وفي المجتمع الفلسطيني، لا تزال الكلمة الجامعة هي «حق العودة»، فهي تتعدى حدود الفصائل والاحزاب والمطامع الشخصية. وقد تطورت حركة حق العودة منذ كارثة أوسلو، وأصبح التنوير لها ناجحاً في كل مناطق الشتات، ولكنها لا زالت مبعثرة، لاختلافها في التوجه والأهمية والفعالية. ولذلك لا بد من مؤتمر دولي يجمع كل هؤلاء تحت مظلة واحدة إن لم يكن بالدمج فليكن بالتنسيق.
ميدان التربية الوطنية للشباب هو المعركة الحقيقية، فشبابنا يتجاوز عدده خمسة ملايين، لم يعاصر الثورة الفلسطينية، ولم ينضم للفدائيين، وولد في عصر الاحباط، ولذلك فإن اليأس وعدم المبالاة والرغبة في الهجرة تسيطر على معظم فئاته، إلا من اعتصم بالعقيدة والوطنية.
المعركة طويلة جداً ولكن لا بد من الثبات على المسيرة واستدامة الفعاليات ونقل المسؤوليات من جيل إلى جيل. الحرب طويلة. إسرائيل لن تنهزم اليوم أو غداً لكنها تراهن على أن «الكبار يموتون والصغار ينسون» ويدب الوهن في الشعب ويتنازل عن حقوقه حقاً بعد حق، وتكسب إسرائيل شرعيتها بتوقيع الضحية.
وهناك معطيات يجب أخذها في الحسبان:
المعطى الأول: إسرائيل ستستمر في عنصريتها وإجرامها، ومن رضي بها لن ترضى به. كما أنها رغم قوتها العسكرية ضد الجيوش النظامية فإنها هشة جداً جغرافياً وسكانياً. ولا بد من الاستفادة من هذه الهشاشة.
المعطى الثاني: ان العالم الذي دعم إسرائيل قد بدأ بالتحول عنها، وسيأتي وقت يراها عبئاً وليس ميزة.
المعطى الثالث: ان الشعب الفلسطيني يتطلع إلى القيام بواجبه في الدفاع عن حقوقه، تسانده في ذلك الشعوب العربية والإسلامية والقوى الشريفة في العالم. ولكنه يحتاج إلى هيكلية عمل وقيادة كفؤة تتولى تفعيل هذه القوى كلها.
والمسعى الأول المطلوب هو إعادة انتخاب مجلس وطني جديد يمثل 11 مليون فلسطيني نصفهم ولد منذ انتفاضة الحجارة. ولا شك أن المعارضة الحالية لانتخاب مجلس وطني ستنهار قريباً، لان القائمين على الوضع الحالي لا يملكون ثقة الشعب ولم ينتخبهم 70% منه ولم يقدموا أي إنجاز للشعب الفلسطيني.
وأول واجباته هو ملء الفراغ الناجم عن غياب أجهزة منظمة التحرير. ومن أهمها الدفاع عن حقوق اللاجئين الذين تبلغ نسبتهم ثلثا الشعب الفلسطيني (أو ثلاثة أرباعه لو حسبنا النازحين عام 1967). وذلك بتفعيل كل مخيمات اللاجئين في الوطن العربي، وبتفعيل قدرات الجاليات في الخارج حول الدفاع عن حق العودة.
وكخطوة عملية أولى لتفعيل الشعب الفلسطيني وتمثيله، نقترح أولاً اجتماع نخبة من الفلسطينيين، ذوي المصداقية العالية العارفين بكل هذه الميادين لوضع برنامج سياسي فلسطيني ذي طابع عملي قابل للتطبيق. ومنه ينبثق مؤتمر موسع يشمل ممثلي الجاليات والنقابات والفعاليات. وهذا المؤتمر تمثيلي شعبي يعبر عن المجتمع المدني، ويكون رديفاً لمنظمة التحرير الفلسطينية عندما يعاد بناؤها على نسق قديم. وليس في هذا أي غرابة، فالصهيونية لديها مؤسسات كثيرة منها الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي والمؤتمر العالمي اليهودي وغيرها كثير بجانب دولة إسرائيل. والهدف الأول هو تجنيد كافة فئات الشعب الفلسطيني والسعي الحثيث نحو انتخاب مجلس وطني جديد وبناء منظمة التحرير الجديدة، التي تتكون من الفئات الفاعلة على الساحة الفلسطينية على أساس الميثاق الوطني لعام 1969.
خطة أم حلم
قد يقال انه في الجو العربي البائس، تبدو هذه الاقتراحات ضرباً من الاحلام. هي ليست كذلك. لقد خاض الشعب الفلسطيني أطول معركة في التاريخ ضد شعب أعزل. ولم تعُزه التضحية ولا الصمود ولا الثبات على المبدأ. وإنما افتقد القيادة الحكيمة، وافتقد ايضاً الكفاءة في العمل والتنظيم. لكن هناك جيلا جديدا يختلف عن سابقه، قادرا على العطاء وراغبا فيه.
نحن لا نحتاج إلى قيادة كاريزمية انفرادية، بل نحتاج إلى مؤسسات تتبدل فيها القيادات بحسب الاداء وبحسب المتطلبات. فالمؤسسات لا تموت وهي قابلة للإصلاح. والأكيد أن الشباب قادرون على انشاء وتطوير هذه المؤسسات، فقد ولدوا في المنافي وتسلحوا بالعلم والمعرفة والثقافة التي تخاطب العالم، وهذه كلها صفات أعوزت أبائهم وقادتهم. وفيهم يكمن أمل الشعب الفلسطيني، الذي عانى الكثير، لكنه لم ولن يستسلم أبداً.

الثلاثاء، 13 يوليو 2010

في الذكرى الـ29 لحركة الإتجاه الإسلامي

بقلم راشد الغنوشي
تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة والعشرون لتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي (6-6-1981) سلف "حركة النهضة"، فيتساءل مراقب عن حالها ومستقبلها؟ وماذا قدمت لمجتمعها؟.
1- ولدت الحركة الإسلامية في تونس ممثلة في خطها العريض في السبعينيات بـ"الجماعة الإسلامية" وفي الثمانينيات بـ"حركة الاتجاه الإسلامي" ثم "حركة النهضة" منذ نهاية الثمانينيات، ولدت من رحم المجتمع التونسي لتلبيّ طلبا ملحا للهوية، تولّد لديه جراء تجربة تحديثية علمانية متطرفة بل مغشوشة قادتها دولة الاستقلال، بزعامة متولّهة بنموذج فرنسي يعقوبي علماني متطرف، استهدف بالتفكيك والتقويض المجتمع الإسلامي العربي الموروث، عقائد وشعائر وقيما ومؤسسات، بلا تمييز بين صالح وفاسد وبين إسلام وتقاليد بالية، مسخّرا من أجل فرض نموذجه أدوات الدولة الحديثة عبر التعليم والإعلام والقانون والثقافة والاقتصاد..، فكان من ذلك شطب المؤسسة الزيتونية العتيدة حارسة العروبة والإسلام في البلاد والمنطقة، والمنتجة لأجيال من العلماء والأدباء والقضاة.. ونسف القضاء الشرعي وتفكيك مؤسسة الوقف العتيدة التي كانت تستوعب حوالي ثلث الملكية في البلاد لخدمة المجتمع وسندا لمؤسساته ولقوته، مما جرده من كل نفوذ مقابل تغول الدولة متحكما وحيدا في مستقبله، وبلغ الهجوم حد الدعوة لانتهاك حرمة الصوم.. واستباحة الزنا والخمور والقمار، وتجريم زيّ الحشمة والتقوى، والتصدي بقوة الدولة والحزب الواحد المتماهييْن مع الزعيم المتأله، لكل صوت معارض.
3- تفاعل التيار الإسلامي الحديث -الذي ولد متتلمذا أساسا على تيارات الحركة الإسلامية المشرقية- مع رياح الأحداث العاصفة داخل البلاد وخارجها، مثل أحداث المواجهة العاصفة بين الدولة وبين الحركة النقابية، كما تفاعل مع بدايات ظهور الحركة الديمقراطية وحركة حقوق الإنسان، وتفاعل خارجيا مع بعض التجارب الإسلامية التجديدية مثل التجربة السودانية بصدد مشاركة المرأة ودورها الفاعل، والتجربة الإيرانية في أبعادها الثورية المنتصرة للمستضعفين.. ومع الفكر الاجتماعي لمالك بن نبي وعلي شريعتي.. أثمر كل ذلك مراجعة مهمة جدا لفكر النشأة الأولى المحافظ، في اتجاه استيعاب إسلامي لبعض منجزات الحداثة على صعيد حقوق المرأة والإنسان والمواطن وتأصيل الفكر الديمقراطي والانحياز إلى قضايا العمال والمستضعفين.
4- دفعت الظروف التي عصفت بالبلاد دولة الحزب الواحد -التي وهن عظمها بوهن زعيمها الذي فتّت في عضده أمراض الشيخوخة- إلى الإقدام على اتخاذ سياسات، بدت وكأنها تحولات ديمقراطية تعددية، إذ أعلن قبوله بأحزاب معارضة... فسارع التيار الإسلامي بتاريخ 6/6/1981 معلنا نفسه حزبا سياسيا، وتقدم بطلب في ذلك إلى مؤسسة الداخلية، متضمّن لمؤسسات الحزب ومسؤوليه وأهدافه ووسائله، وعقد ندوة صحفية للغرض، للتعريف ببرنامجه، مما اعتبره الدارسون سبقا مهما جدا في سياق الحركة الإسلامية العالمية، بما عبر عنه من تبنّ لا لبس فيه للخيار الديمقراطي ولحقوق الإنسان وللمرأة، وانحياز للعمال ولقضايا التحرر في العالم.
5- غير أنه سرعان ما تبين أن ما أقدم عليه النظام مجرد إجراءات شكلية لتلميع نفس البضاعة الفاسدة، بضاعة الحزب الواحد والزعيم المتأله، فلم يلاق إعلان التيار الإسلامي نفسه حزبا يعمل في إطار القانون بما كان يجب من ترحيب تقتضيه مصلحة البلاد، فلم تتأخر الدولة المتألّهة في التعبير عن الاسترابة والتوجس والنقمة من إسلام انبعث من القبور وقد ظن أنه هلك إلى الأبد، فأخذت -وقد كانت منشغلة بالصراع مع اليسار- تنتبه إلى خطورة الأمر وتعدّل من تصويب أسلحتها، مثيرة هواجس الخوف على "مكاسب الحداثة" في البلاد، لدى نخب الحداثة من أجل تعبئة خبراتهم وطاقاتهم وتوظيفها في حربها الصليبية الشاملة والممتدة التي شنتها على التيار الإسلامي فكرا وبشرا وقيما، ومنذ بداية الثمانينيات تم إطلاق آخر مجموعة يسارية ليحل محلهم الإسلاميون، وحتى يومنا لم تتوقف مسالخ الداخلية ومحاكمها ومعتقلاتها عن قمع التيار الإسلامي، إلا لاستراحة قصيرة، فبدت في انتخابات 1989 وكأنها تحاول استيعابه، إلا أنه ظهر في حجم أكبر من أن تتسع له الأوعية، متزعما المعارضة، فعادت إلى سياسة القمع بأشد مما سبق، حتى بلغ عدد المعتقلين في بداية التسعينيات حوالي ثلاثين ألفا، قضى منهم العشرات نحبهم، نحسبهم شهداء، ومن كتبت له الحياة وقضى محكوميته موتا بالتقسيط، غادر مسالخ الغولاغ يجر جسما منهكا، لكن تحلّق به روح شفافة زادتها المحنة يقينا في مشروعها الإسلامي منقذا للبلاد والعباد.
6- شهدت السنة المنصرمة خروج آخر دفعة من النهضويين عدا الرئيس السابق للحركة البروفيسور الشيخ الصادق شورو فرج الله كربه، إلا أن ذلك لم يندرج ضمن مسار انفراجي، وإنما مجرد تنفيسات للضغوط، وظلت مطالبات الحركة المتكررة للنظام بالانفتاح عليها وعلى التيارات الأخرى، والتعامل معها التعامل السياسي باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الحياة السياسة، والكف كل عن نهج أمني أدمنته دولة الاستقلال وتفاقم وتضاعف مع الرئيس الحالي، بلا جواب، غير استمرار القمع وتنويعه، مما جعل خروج الآلاف من السجن على إيجابيته في حد ذاته لم يغير من حالهم شيئا إلا أنه نقلهم من سجن مضيق إلى سجن موسع، ولك أن تقول من سجن على حساب الدولة إلى سجن على حسابهم الخاص، محرومين من كل حقوقهم في الشغل والتنقل والتداوي المجاني، فضلا عن الحقوق السياسية.
7- المؤكد أن السجون لم تشك البطالة في دولة الاستقلال، فقد تداولت التيارات السياسية الجادة متعة الضيافة فيها. وحل السنوات الأخيرة محل النهضويين جيل جديد من شباب الصحوة الإسلامية يعدّون بالآلاف، شاهدين على فشل ذريع لخطة تجفيف منابع الإسلام التي سخرت لها الدولة -مستقوية بالخارج- كل إمكاناتها، مما له دلالة واضحة على عمق التدين وما زرعته الدعوة الإسلامية المعاصرة وباركه الله سبحانه "ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء" (إبراهيم/الآية 23).
ولذلك نستطيع بكل اطمئنان التأكيد أن معركة الهوية -وهي المعركة الأولى التي استثمرت فيها الحركة أغلب جهدها وأرصدتها- قد حسمت لصالح عروبة تونس وإسلامها، بينما كان رهان دولة الاستقلال على تفكيك مقومات تلك الهوية وإلحاق البلاد بما وراء البحار.
9- غير أن الدولة مهما عتت لا تستطيع أن تجدّف إلى الأبد ضد التيار الشعبي، ولذلك بدأنا نرى قدرا ولو طفيفا محتشما من التراجع عن سياسة "تجفيف منابع الإسلام" التي ورطت فيها الدولة تيارات علمانية وماسونية متطرفة. أفرجت الدولة عن "إذاعة القرآن الكريم" فأخذ القرآن يذاع في الأسواق، وتلقى منه على الجمهور مواعظ، بعد أن كان شريط منه كفيلا بسحب ترخيص سائق سيارة أجرة، أو رميه بالتطرف واعتقاله، مع أن "الحجاب" المنصوص عليه في القرآن لا يزال محظورا، ويفتي وزير الشؤون الدينية بغربته عن الإسلام، فأيهما الغريب عن الإسلام؟ إنها فضيحة "الحداثة التونسية".
10- ومع ما تعرض له دعاة الإسلام والحرية منذ زهاء ثلاثة عقود -وخاصة العقدين الأخيرين- من أهوال لم يعرف لها تاريخ البلاد مثيلا، إذ لم يقتصر القمع على المنتمين بل تعدى إلى كل من له بهم صلة بما في ذلك أسرهم، إذ أخضعت لخطة تجويع وعزل وحملت العديد من الزوجات على تطليق أزواجهن، إلا أن الله ثبّت عباده المؤمنين، فما نجح القمع لا في استدراجهم إلى مستنقع العنف ردَّ فعل على عنف السلطة، فهذه حركة إسلامية إصلاحية ديمقراطية أصّلت لمناهج العمل المدني السلمي، ولا نجح في عزلها عن المنتظم السياسي التونسي فقد عادت جزءا منه.
وبكل اطمئنان نقول: إن الحركة بفضل الله قد اجتازت بنجاح امتحان البقاء الذي أخضعت له، وهي اليوم بصدد التعافي وإعداد نفسها لاستثمار ما زرعته في مجتمعها من قيم ونماذج نضالية مشرّفة لا تكاد تخلو منها أسرة تونسية. الحركة واقعة ضمن تيار الصحوة الإسلامية الصاعد في البلاد حاملة مشروع الهوية والحرية والعدالة وتحرير فلسطين والوحدة المغاربية والعربية والإسلامية والتحرر من تيارات الهيمنة الدولية، جزء من التيار الإسلامي الصاعد في العالم المتحالف مع كل التيارات التحررية المناهضة للعولمة المهيمنة.
11- المؤكد أن الحركة في حالة صعود، وليس أمام السلطة أي سلطة تريد أن تحكم البلاد بقدر معقول من العدل والحرية إلا التعامل معها ضمانا للاستقرار الضروري لكل مشروع تنموي جاد. ففي تونس -وضمن عالم يتصاعد فعل الإسلام فيه حتى لتكاد ترتبط به أهم القضايا الدولية- لم يعد هناك متسع كبير لحكم معقول وتنمية مأمولة دون استيعاب للتيار الإسلامي ضمن المنتظم السياسي، دون غش ولا تحكم.
وإذا كانت بلاد الغرب ذاتها قد أخذت تتهيأ لعملية إدماج التيار الإسلامي بعد جفوة وعداء طويلين، فهل سيبقى الإسلام غريبا في دياره الأصلية؟، الحقيقة أن فرص سياسات الإقصاء والقمع والخداع ودولة الحزب الواحد دولة البوليس في الاستمرار آخذة في النفاد وتجدف خارج المستقبل. الحركة الإسلامية قوة تغيير وإصلاح قد تكون الرياح مواتية لها حينا فتزدهر وقد تهب في الاتجاه الآخر فتمتحن، وعندما يكون الحق في واد والظروف القائمة في الاتجاه المضاد، فعلى أبناء حركة الإسلام ألا يستسلموا معترفين بمشروعية الغالب في تقرير مصائر الأمور، بل عليهم أن يصمدوا ويثبتوا قابضين على جمر الحق حتى يأخذ اتجاه الرياح في التبدل.
إن الصمود والعض على جمر الحق بالنواجذ في ظل ميزان قوة مائل إلى جانب العدو هو بحد ذاته نصر، وهو ما تحقق للنهضة ولحلفائها خلال عشرية الجمر عشرية التسعينيات الرهيبة، وقد أخذت اتجاهات الريح تتبدل وموجة الهجوم تنكسر وشوكة الباطل تخضّد وأصوات الحق تعلو، بينما موجة الهيمنة الدولية التي انطلقت في أعقاب سقوط الاتحاد السوفياتي وفي سياقها حدثت حروب الخليج وصعد نجم التسويات والتبشير بجنة اقتصاد السوق والتطبيع.. في سياقات تلك الأمواج التي ركبتها حكوماتنا تحت شعار الحرب العالمية على الإرهاب.. طحنت حركات الإسلام في تونس والجزائر وفي أقطار كثيرة "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق" (غافر/الآية 4). واضح اليوم أن تلك الموجة في حالة انكسار وتأزم: في المستوى الاقتصادي جنة السوق لم يعد يبشر بها أحد. التأميم على قدم وساق في قلب الرأسمالية.. والحرائق تتوسع، وبدأ العقلاء يتذكرون حكمة الإسلام في تجريم الربا والمرابين.
لقد أخذ الخطب يتسع أمام توحّل الآلة العسكرية الغربية في أرض الإسلام الوعرة.. وإذا كان رأس القاطرة يحترق فلا تسل عن العربات الخلفية، لا تكاد تسمع هذه الأيام غير صراخها، معلنة بلوغ مضاعفات الزلزال الأميركي هذا البلد الرأسمالي التابع، أو ذاك، فما يكون حال أتباع الأتباع ؟ لم تعد إستراتيجية استبعاد الإسلام شريكا في السياسة الدولية أمامها وقت طويل للعمل رغم العناد الصهيوني، العقبة الأشد والعدو الألد.
12- "النهضة" في البلاد تنتعش بعد أن نجحت بفضل الله في استيعاب الضربة القاصمة التي وجهت إليها، في زمن مناسب جدا لعدوها، وكما يقال الضربة التي لا تكسر ظهرك تقويك، إنها تنتعش في سياق انتعاش صحوة الإسلام وصحوة الحراك السياسي والمجتمعي: بؤر الانتفاض تتنقل في أطراف البلاد (في الحوض المنجمي وفي فوسانة وجبنيانة وفريانة.. ولن تلبث أن تبلغ مستقرها في مراكز المدن.. يحملها الشباب الطلابي والتلميذي والنقابيون والنخب المثقفة.. في اتجاه فرض التغيير الديمقراطي المتعثر..).
13- أما "النهضة" المهاجرة فقد توفقت بفضل الله في الذب عن الكيان، عن هويتها، حركة إسلامية وسطية ديمقراطية، بما أفضى بخطة العدو في إلقائها تحت بلدوزر الإرهاب إلى الخيبة المريرة، ذبت عن فكرتها ووحدتها منتصرة لمظلومية شعبها ومساجينها وتجميع الضغوط لإطلاق سراحهم على دفعات، وبذل الرعاية الممكنة لعوائلهم التي أخضعت لخطة عزل وتجويع رهيبة، كما مدت خيوط التواصل مع المعارضة الديمقراطية الجادة. وكان لها إسهام معتبر على الصعيد الدولي في تطوير الفكر الإسلامي الوسطي الديمقراطي، وفي الدعوة للإسلام وتوطينه في الغرب، وفي اكتساب خبرات هائلة في مهاجر ممتدة على أزيد من خمسين دولة.
"
14- ولأن نظام القمع قد فشل في استئصالها أو تجريمها أو تركيعها -كما فعل مع الكثير- فهو اليوم يحاول عبر مراكزه الأمنية في السفارات استدراج عدد من أبنائها صوب الحلول الفردية، متخذا من جواز السفر سبيلا للابتزاز وانتزاع إدانات للقيادة، ولكنها محاولات يائسة بائسة، لم تنجح حتى زمن الصدمة الأولى، فكيف وأضواء الفجر تتلألأ في الآفاق.
إن مخططيه الأمنيين يجهلون ما تتوفر عليه الشخصية الإسلامية من طاقات إيمان ومقاومة، تكسّر على صخرتها كل ما تفتقت عنه حيل وأسلحة شياطين الإنس والجان. قد ينفرد الذئب بشاة قاصية شاردة، هنا أو هناك، فيفترسها. أما الصف، فقد عركته المحن وشب عن الطوق وتجاوز بفضل الله مرحلة الخطر، إلا أن سنة الله في التمحيص ماضية.
التحية موصولة إلى القابضين على جمر الإسلام والحرية وأنصارهم وأزواجهم وذرياتهم، في انتظار موعودات الله ."وبشّر المومنين" (التوبة/الآية 112).
:

الأحد، 4 يوليو 2010

بوغوص وعلي والمال العام

بوغوص وعلي والمال العام
سعود المولى
بوغوص بك يوسفيان، أو الخواجه بوغوص، كما كانوا يسمونه في مصر زمن محمد علي باشا الكبير، أرمني عثماني تولى قيادة فرقة من الأرناؤوط في مصر...ولما برهنت تجارب الأيام وسنوات الانتصارات والهزائم، عن مدى صدقه ونزاهته وإخلاصه لمصر وواليها ، أبقاه محمد علي باشا موضع ثقته وكاتم أسراره..وكان يتولى الإشراف على أعمال الصناعة والتجارة وحتى العلاقات الخارجية لوالي مصر...واستمر في ذلك زمناً حتى أن كل دخل الموارد المصرية كان يُعرض عليه..
ولما تدهورت حالة محمد علي باشا الصحية وداهمته الشيخوخة والعجز ولم يعد قادراً على إدارة الأمور، بدأ بوغوص بك يعاني من المضايقات...وما أكثر الحاسدين والمتآمرين حين تتغيّر الأحوال..ولفرط حساسيته وشدة نبله انقطع بوغوص عن المأكل والمشرب حتى مات من الضعف والهزال في الإسكندرية في كانون الثاني 1844 وعمره 72 سنة..
ولما فحصوا تركته اتضح أنه لا يملك شيئاً من المال سوى تسعة عشر شلناً رغم أنه كان مطلق اليد واسع السلطة في المالية ، ورغم أن أوامر محمد علي باشا كانت صريحة في أن يأخذ بوغوص كل ما يحتاج إليه من غير حساب..
ولما علم محمد علي باشا أن بوغوص لم يترك وراءه ثروة فوجىء وظن أن الرجل تعرض لسرقة ما، ذلك ان الباشا كان قد أودع عنده سبعة عشر قيراطاً من الماس!!
وأمر محمد علي باشا بتفتيش منزل بوغوص فوجدوا السبعة عشر قيراطاً من الماس في صندوق الفقيد ومعها ستة أوراق بيضاء موقع عليها بختم محمد علي باشا نفسه ..وكان الباشا قد أعطاها قبل سفره إلى السودان لبوغوص بك ليتصرف بها كما يشاء طبقاً لمصلحة البلاد...فبقيت الأوراق (شيكات على بياض) كما هي بلا استخدام ومعها الماسات... وكلها من المال العام!!.

تذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ في نهج البلاغة كلاماً للإمام علي (ع):"لا ينبغي أن يكون الوالي على الناس البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع"....تذكرت علياً وأنا أنظر من حولي : نحن يا قوم نعيش في زمن صار فيه الوالي ليس البخيل النهم فقط بل الجشع الشره الفاسد..وصار فيه الفساد سمعة حسنة ، والرشوة رتبة معتبرة ، والمحسوبية عزوة مقدّرة... وصارت فيه مصالح الناس تتناهشها اللئام ويضيعها معسول الكلام... نعم: ضاق العدل واستبد الجور، وضعف المنصف وقوي الفاجر حتى أكل مال التاجر...هاجر الشباب وماتت المدن والقرى وافتقر الشرفاء.. حتى رددنا قول الإمام علي: "الفقر هو الموت الأكبر"..وأيضاً: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"...
وقديماً كان يُقال إن الفقر شعار الأنبياء والصالحين ومنه قول البحتري:
فقرٌ كفقر الأنبياء وغربةٌ وصبابةٌ ليس البلاء بواحد
وقال بعض الحكماء: الفقيرمخف آمن ولا عدو له، والغني مثقل خائف ولا تحصي أعداؤه..
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يُرجى له الغنى وأن الغنى يُخشى عليه من الفقر
أما علي فهو القائل أيضاً في صورة من أروع التوصيفات الإجتماعية-النفسية: "الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة"..
ولكن ما بالنا وعلي!! ليس هو من النوع العادي من البشر.. حتى ليكاد القائل يقول "لن نقدر على التحلي بفضائله وخصاله"...طيب فليكن! ولكن ماذا عن بوغوص يا قوم ؟؟؟ بوغوص الموظف الأرمني المصري؟؟ ألا يوجد في كل هذا الزمن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج أمثال بوغوص؟؟

الأربعاء، 30 يونيو 2010

الإسلاميون والديمقراطية

سعود المولى
من نافلة القول ان الهيئات الاسلامية المعاصرة ، على اختلاف أنواعها وألوانها (مؤسسات دينية رسمية وأهلية ، أحزاب وجماعات وحركات سياسية، طرق وجمعيات ومشاريع خيرية ودعوية وتبليغية ) لا تقيم أدنى وزن أو اعتبار في وعيها وسلوكها لما يمكن نعته بالديمقراطية . أكان ذلك في طريقة تشكيلها وتكوين نفسها أم في وسيلة وكيفية إدارة شؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية . وهي تستوي في ذلك مع مثيلاتها من الأنواع والاصناف والمسميات الماركسية واليسارية والقومية من حيث إمتناع المراقبة والمساءلة والمحاسبة والشورى وتداول السلطة وانتقالها وغياب حرية الرأي والتعبير وحق الاختلاف واحترام الآخر.. وتبدو السمة العامة الغالبة والمشهورة ( ولا عبرة باستثناءات أو مظاهر ذات طابع إعلامي فولكلوري) في فكر وممارسة الهيئات والحركات السياسية العربية (هي) سمة الادارة المركزية والقيادة الآمرة والقاعدة المنضبطة المطيعة مما أعطى صورة سلبية واقعية عن الحزبية والعمل الحزبي في بلادنا..
وليس هنا مجال استعراض الظروف التاريخية والسياقات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي ساهمت في تحوّل المذاهب والفرق الكلامية والفقهية الى أحزاب ايديولوجية حملتها كتل اجتماعية ذات ديناميات عصبوية لا علاقة لها بالكلام او الفقه او الاجتهاد العقلي . فالتشيّع كما التصوّف كما السلفية تحوّلت الى عصبية حزبيات عائلية طائفية متشكلة في أحزاب وقوى تشهد تكتلات داخلية وانشقاقات وشرذمات وصراعات دموية غايتها السلطة والنفوذ. ولا يختلف الحزبيون الاسلاميون عن البعثيين أو القوميين السوريين أو الماركسيين في تقولبهم ضمن أشكال من النمطية الجامدة المنغلقة التي لا تتسع للحياة في المجتمع الواسع أو الوطن المتنوع الانتماءات أو الأمة المتعددة الشعوب والأعراق والأقاليم..

انغلق الاسلاميون (كما أسلافهم) في مجتمعهم الخاص (الجماعة او الحزب او الطريقة) وبنوا وطنهم الخاص وامتهم الخاصة وانتجوا فتاويهم وأنظمتهم وقوانينهم الخاصة مكررين التجربة الحزبية القومية والماركسية من حيث بناء التنظيم النخبوي، ومن حيث الشعار والممارسة السياسية، ومن حيث استهداف الامساك بسلطة الدولة، وخصوصاً من حيث تركيز القوة في رأس الهرم الحزبي- السلطوي- الدولتي بدل نشر القوة في المجتمع. ولم يعدم الاسلاميون نصوصاً دينية تبرر التسلط والاستبداد والمركزية وعبادة الشخصية وتحنيط الحزب ، ومن تعابير ومصطلحات تفيد معنى الأمر والقيادة المركزية والطاعة الالزامية..
وعليه فانه لا يستقيم بحثنا عن أسباب تعثّّر فكرة وممارسة الديمقراطية في نطاق الهيئات الاسلامية ما لم نبحث عن معنى الشرعية السياسية ، ومصادرها ، وضوابطها في الشريعة الاسلامية. فاذا كانت الشرعية السياسية تعني مدى قبول الناس لنظام سياسي معين ، فهل الامة هي مصدر السلطات وصاحبة السلطان الحقيقي؟ وكيف تمارس هذه السلطة ؟ واذا كان الانتخاب أي احترام رأي الشعب هو مصدر الشرعية في النظام الليبرالي ، واحترام الدستور هو أهم ضوابط الشرعية فيه ، فما الذي يُقابل ذلك عند المسلمين مما يمكن ان يكون قابلاً للتطبيق في زماننا ؟ وما تأثير ذلك على فهم الاسلاميين لمسألة من هو صاحب السلطة والقرار في الدولة والحزب والمجتمع ؟ أي من هو ” ولي الأمر“ ( او الأمير) وما هي مواصفاته وما هي ضوابطه؟ وهل ما نصت عليه كتب الفقه نهائي ام مؤقت خاضع لظروف الزمان والمكان ؟ من يملك صلاحية تعيين او اختيار ولي الامر ، ومن يملك صلاحية مراقبته ومساءلته وعزله عند الضرورة ؟ ما مدى شرعية الغلبة والوراثة ؟ ومن هم أهل الحل والعقد ؟ وهل للمصطلح أساس في الشرع؟ ومن يعيّنهم او يختارهم ؟ وما هي صلاحياتهم ومن يقررها ؟ وما هي آليات مقاومة الاستبداد ؟ وهل صحيح أن الشورى هي الديمقراطية وأن هل الحل والعقد هم البرلمان وحكم الشعب؟

فائض التدين والتراجع الأخلاقي

بقلم‏:‏ د‏.‏ حنا جريس - القاهرة



حديثي هذا ليس حديثا في التدين من حيث كونه فعلا دينيا وإنما هو حديث عن التدين من حيث كونه مظهرا اجتماعيا‏..‏ فهناك اتفاق عام بأن فعل التدين إن كان خالصا لوجه الله فهو بالضرورة فعل حسن ينعكس إيجابيا على أخلاق الفرد والمجتمع.
غير أن ما نعانيه الآن في مجتمعاتنا العربية وعلى الأخص في المجتمع المصري هو هذا التناقض الصارخ بين فعل التدين من جهة ومردوده الأخلاقي على المجتمع من جهة أخرى‏.‏ فبينما يرتفع معدل التدين ليصل في المجتمع المصري إلى مائة بالمائة طبقا لما جاء في أحد استطلاعات الرأي‏،‏ يلاحظ الجميع أن الأخلاق الفردية والعامة تتراجع على نحو مخيف‏،‏ ويكفي أن تطالع بعض صفحات الحوادث في الصحف اليومية حتى تدرك أن معدل تدهور الأخلاق العامة وازدياد معدلات الفساد قد وصل إلى مستويات خطيرة‏.‏
هذا التناقض أثار من جديد السؤال القديم‏،‏ كيف أمكن أن يتدهور المجتمع المتدين على كل المستويات المادية والمعنوية‏،‏ وأصبح يعاني من الهزائم في الوقت الذي يتقدم فيه المجتمع غير المتدين وينتقل من انتصار إلى انتصار ويمارس السطوة والهيمنة وإدارة أحوال العالم‏.‏؟
وهو سؤال قديم قدم تاريخنا الحديث‏،‏ وقد تصدى له وحاول الإجابة عليه ثلاثة من شيوخنا الأفاضل من رواد النهضة المصرية الحديثة.. وعندي أن اول من طرح السؤال كان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي‏،‏ الذي بالرغم من مقته الشديد للمحتل الفرنسي‏،‏ تتناثر في حولياته المقارنات بين ما يقدمه المحتل الذي لا دين له من تصرفات أخلاقية حميدة في مواجهة ما كان يصدر من حكام مصر السابقين الذين يدّعون الدين ويغالون في التدين‏،‏ ولعل ابرز الأمثلة التي ساقها كانت في تعليقاته الكثيرة على محاكمة سليمان الحلبي والتي رأى فيها مع آخرين من عصره أن قيمة العدل مصونة لدى هؤلاء أكثر بكثير مما رأوه في مجتمعاتهم‏.(الحلبي هو قاتل قائد الحملة الفرنسية).
ثم جاءت مقاربة الشيخ رفاعة الطهطاوي لنفس السؤال‏،‏ التي حاول فيها قراءة الآخر عن قرب ومقارنته بما نحن عليه‏،‏ وهو في هذا السياق ينكر أن للدين علاقة بالرفعة أو الانحطاط فمسيحيو الغرب استطاعوا التقدم في المعايير الأخلاقية وهو ما لم يحدث للأقباط في مصر‏.‏
ثم يأتي الإمام محمد عبده الذي يعلن أنه وجد في أوروبا مسلمين بغير إسلام بينما وجد في الشرق مسلمين بغير إسلام‏،‏ وآية ما يطرحه الإمام أن الغرب غير المتدين تقدم فيه النسق الأخلاقي ليقارب لب الدعوة الإيمانية بينما الشرق يملك الدعوة الدينية ولا يستطيع أن يتمثلها نسقا أخلاقيا‏.‏
ويبدو أن القضية كانت مثار اهتمام المثقفين المصريين علي مدي أعوام القرن العشرين‏،‏ ففي أوله قدم لنا فتحي زغلول ترجمة لكتابي جوستاف لوبون "سر تطور الأمم‏"،‏ و"سر تقدم الأنجليز الساكسونين"،‏ ليتبعهم كتاب "حاضر المصريين أو سر تأخرهم" لمؤلفه محمد عمر‏.‏ والمطالع لكل هذه الكتابات يلاحظ أنها امتداد لنفس التساؤل الذي طرحه الجبرتي‏،‏ كيف يكون لدينا هذا الرصيد الروحي الضخم في الوقت الذي نفتقد فيه المعايير الأخلاقية السليمة التي تدفعنا نحو التقدم‏.‏
وليس من شك انه كانت هناك محاولات جادة للخروج من هذا المأزق المركب‏،‏ الذي فيه ينبغي الاعتراف بتردي واقعنا الأخلاقي دون الدخول في عقدة النقص والضآلة وفي الوقت ذاته نتمكن من استلهام المعين الروحي والحضاري للتقدم للأمام وتحسين نسقنا الأخلاقي‏.‏
وعندي أن أهم هذه المحاولات كانت محاولة الإمام محمد عبده الذي حاول الإصلاح الديني كما حاول إصلاح مفهوم التدين‏،‏ غير أن مشروع الامام تحول على يد الشيخ حسن البنا إلى الدعوة إلى إصلاح المجتمع بالمزيد من التدين‏،‏ ثم تحول على يد الجماعات الراديكالية إلى إجبار المجتمع على شكل ومظهر محدد من التدين‏،‏ ثم انتهى عهد السلفية إلى إغراق الفرد والمجتمع في تفاصيل التفاصيل القادمة من دهاليز التاريخ والتراث ليدخل الجميع في مسابقة لا تنتهي من التظاهر الديني على حساب الالتزام الأخلاقي‏.‏
والمفارقة أن مسار الأقباط لم يختلف قيد أنملة عن المسار العام‏،‏ ففي نفس فترة الإمام محمد عبده أو قبلها بقليل كانت هناك الدعوة الإصلاحية والتي كان يقودها الحداثيون من الأقباط‏،‏ تلك الدعوة التي تحولت على يد حركة مدارس الأحد في ثلاثينيات القرن العشرين إلى دعوة للتدين التقليدي وتكثيفه‏،‏ ثم انتهت في نهايات القرن العشرين إلى الاستغراق في التدين الظاهري المغلف بتفاصيل تاريخية وتراثية لا تنتهي‏،‏ وأيضا على حساب الالتزام الأخلاقي‏.‏
وهكذا تحول الدين إلى تدين وتحول التدين إلى فائض من التدين يتم استثماره في الحصول على المكاسب المادية وتثبيت المكانة الاجتماعية‏.‏ وهو في تقديري استخدام لا أخلاقي للدين بغرض الحصول على الدنيا‏.‏

السبت، 19 يونيو 2010

Position Statement of Old Revolutionaries on the Present Upsurge of Worker Action in China

Uphold the Constitution, Respect and Ensure Human Rights, Support Honda Workers’ Just Struggles, Condemn Foxconn’s Inhumane Management
(June 6, 2010)
To:
General Secretary Hu Jintao and Members of the Central Party Committee,
Chairman Wu Bangguo of the People’s Congress
Premier Wen Jiabao, Vice Premiers, and Members of the State Council
Compatriots throughout China, and all Media Outlets:
There have recently occurred numerous incidents in our country that signal intensified social contradictions. According to media reports, Shenzhen-based Foxconn with Taiwanese investment have treated workers as machines (or worse, just spare parts!) to generate profit for the company and instituted an inhumane management system that destroys the health and spirit of workers to the extent that some have felt that life is not worth living. Thirteen workers in this company have jumped to their own deaths in a short period of time. Their tragic deaths break our hearts. It is a situation that has shocked the world!
Based in Foshan, Guangdong, Honda Auto Parts Manufacturing Co., Ltd. is a Japanese-owned company. While the capitalist owner has made a huge profit, the wages are too low to support workers’ livelihoods and the company’s union does not represent the interest of the workers. Nearly two thousand workers have gone on strike in their struggle for wage increases and to initiate a reform of the union. But the Japanese management only agreed to a small increase, far from what the workers have asked. Moreover, the management unjustifiably demanded workers to sign a “no strike” commitment and threatened to fire workers who take part in the strike. They indeed fired two leaders among the workers.
Other incidents in the media also show increased conflict between capital and labor. Some workers in Chongqing Qijiang Gear Transmission Co. Ltd were forced to work overtime during weekends and died from overwork. The long-term exhaustion, low pay and management corruption led workers to strike. Close to 1700 workers from Taisheng Furniture Company, based in Dongguan, Guangdong Province, had a three-day strike to protest against overstress and low pay. Over a thousand workers in the spare parts factory that supply Beijing-based Hyundai went on a strike to demand a pay raise. Workers at Lanzhou Vinylon Company went on strike because they cannot sustain a basic livelihood. In Datong City (Shanxi Province), the state-owned enterprise Xinghuo Pharmaceutical Company was forced into bankruptcy and its laid-off workers had their numerous petitions refused. Following this, over 10,000 people staged a sit-in at the municipal government building; some of them were beaten up by armed police. Workers on strike from Pingdingshan Cotton Spinning Mill (Henan Province) were brutally beaten by thugs brought in by police vehicles, resulting in injuries of many women workers. In Shenzhen workers who are taking the lead to demand back pay or protect workers’ rights have had their names placed on various blacklist, which makes it difficult for them to obtain employment. These are just some of the recent incidents that illustrate the scope of the problem.
On the whole, the bourgeoisie have transferred the burdens of the economic crisis onto the workers and have waged a more fierce attack on them. The working class is forced to rise up and resist. But as workers have become a weak social group in recent years, and with the deprivation of basic rights prescribed by our country’s constitution, they are in the sad situation where their deaths are unanswered, their strikes unsupported, and their grievances unheard. According to our country’s constitution, particularly the four basic principles and the basic rights accorded to citizens, we issue the following appeal to address the current situation and problems.1
First, we should firmly support workers in Foshan Honda and other factories in their just struggles for survival and against oppression. Article 33 of our country’s constitution states, “the state respects and ensures human rights.” The right to strike is an inseparable part of human rights and is also a basic civic right prescribed by constitutions around the world. We firmly support all reasonable demands that Honda workers have raised so as to change their harsh working conditions and low wages. We are strongly opposed to the management’s threat to fire workers. The two leaders who were fired should be immediately given back their jobs.
We believe that our call will be supported by all those who uphold the authority of the constitution, respect human rights and stand for justice.
Second, we should demand Foxconn and other similar enterprises to immediately stop their inhumane and harshly exploitative management methods. We demand that the management respect workers’ integrity and dignity, obey the state laws, improve working conditions, strictly implement a 8-hour working day and compensate workers’ for overtime. They must ensure that workers are paid wages that are enough for their own sustenance and their reproduction. This is the only way to ameliorate labor-capital conflicts and reduce or prevent the so-called “psychological” problems. To elide the fundamental labor-capital contradiction by one-sidedly emphasizing “psychological counseling” is to intentionally cover up the contradiction and to confuse cause with effect. It has been reported by the media that some who committed suicide also showed signs of bodily injuries caused by beating. There was also suspicion of some being pushed off buildings. These already warrant a criminal investigation. Government agencies should deal with it seriously and find out the truth.
Third, unions should clearly stand on the side of the working class to represent and uphold the interests of the working class as prescribed by the constitution. If any union organization ignores the constitution and “take the boss’ shillings and do the boss’ bidding,” then they will be spurned by the working class. The leadership of the union in each enterprise must be democratically elected by its members. Relatives and representatives of the bosses should not be allowed to take any leadership position in the union. If such a case is found, it should not be approved by the union at higher levels. The union at higher levels should instead help such enterprise-based unions organize an all-members meeting and help rebuild the enterprise’s union through democratic election.
Fourth, government at all levels, particularly the local government should protect civic rights by strictly following the law, earnestly resolve labor-capital conflicts and ensure citizens’ freedom of speech. Government should administer according to the law and should prevent and stop incidents that violate basic civic rights prescribed by article 33 of the constitution and other related regulations. It should actively deal with cases of labor-capital conflicts according to the law. Ignoring workers’ reasonable demands either through inaction or siding with management should be resolutely corrected. In order to ensure people’s right to information and right to supervision, media should be allowed to freely and truthfully report on labor-capital conflicts and other cases and convey people’s voices without obstruction and interference.
Fifth, we call for the restoration of the working class as the leading class of our country and the re-establishment of socialist public ownership as the mainstay in our national economy. Article 1 of our country’s constitution states, “The People’s Republic of China is a socialist state led by the working class on the basis of a worker-peasant alliance.” Article 6 of the constitution states, “The basis of socialist economy of the People’s Republic of China is socialist public ownership of means of production, that is, all people’s ownership and laborers’ collective ownership.” “In the primitive phase of socialism, the state should build an economic system with public ownership as the mainstay and co-development of the economy through other ownership forms. Distribution should be based mainly on each according to his/her labor, with co-existence of other distributive methods.” The Chinese Communist Party must be the real vanguard of the working class, strengthen its leadership of the people’s polity, and reinforce the people’s democratic dictatorship. We call for a reestablishment of public ownership as the principle part of the national economy. Only in this way can workers, peasants and people in general become masters of enterprises and the country and truly implement a distribution system primarily based on labor contribution. At present, it is imperative to improve working conditions and increase wages and benefits in the private economy (funded by domestic and foreign investments). It is completely just to actively support workers’ struggles towards that end. But in so far as the capitalist privately-owned economy rather than the socialist publicly-owned economy dominates, the working class cannot change their weak position under structures of exploitation, nor the unfair distribution system and the disparity between the rich and poor. Under this condition, it is also impossible to transform our export-oriented economy to one that is independent, self-reliant and seeks to satisfy the material and cultural needs of people in the country.
Based on the present conditions, it will only be through a long-term struggle that the working class can restore its leadership position and the national economy can be transformed into one primarily based on public ownership. We have the guidance of Marxism-Leninism-Mao Zedong Thought and have the constitution, particularly the four basic principles at its core, as our legal instrument. All members of the Communist Part and all people should abide by the constitution. The socialist modernization that we uphold fits the interest of the broadest range of people and corresponds with historical development of mankind. If all people who support socialism, love their country, and abide by the constitution are united and persistent, then through a long-term struggle, we will be able to realize our goal.
Signatories:
Li Chengrui (Former Director of the State Statistic Bureau)
Gong Xiantian (Professor of Beijing University)
Han Xiya (Former Alternate Secretary of the Secretariat of All-China Federation of Trade Unions)
Liu Rixin (Former Researcher at the State Planning Commission)
Zhao Guangwu (Professor at Beijing University)

الجمعة، 18 يونيو 2010

بنت جبيل 1978

بنت جبيل 1978

في آذار من كل عام يتفتح الحنين شوقاً إلى حارات بنت جبيل وزواربيها، إلى عطر مقابرها ومآذنها، إلى ذاكرة لأهلها لا يعقلها كومبيوتر ولا تضبطها عولمة.. في 17 آذار 1970 خفق قلبنا خفقات حب ووفاء لشهيدها واصف شرارة، وفي 17 آذار 1978 لم نستطع احتضان جثمان شهيدها حسان شرارة ورفيقيه قاسم بزي وفؤاد دباجة، قرأنا لهم الفاتحة ولم نعرف رسم قبورهم... وظلت الغصة في القلب والدمعة في العين، نحبسها، ونرفع الرأس ونقول: سقى الله ايام بنت جبيل...
قبل أسابيع من استشهاده كتب حسان شرارة إلى اخته رسالة اعتذار، على أمل ان يفهم الأهل لماذا حملنا الحلم وركبنا المستحيل. قال حسان في رسالته (المؤرخة في 19 شباط 1978) "ان أهلنا لا يمكن ان ينعموا براخة البال الا بعد زوال الكيان المصطنع الذي لم يعد يهدد الشعب الفلسطيني بل كل الأمة العربية.. إننا لا نقاتل من أجل ان يقولوا عنا قاتلنا وتعبنا. لا بالعكس. فإننا نقاتل من أجل ارضاء الضمير والعمل في سبيل الله ودفاعاً عن أرضنا وأهلنا وشعبنا وعروبتنا. أنه وفاء للأرض، لتربتها التي منها خلقنا، ولشجرها الذي منه نأكل، وأنهارها التي منها نشرب... على الأقل أنه عدم أنكار للجميل.."
وبعده بأيام، كتبت دلال المغربي في رسالتها – الوصية عشية انطلاقها في العملية الاستشهادية على شاطىء فلسطين (11 آذار 1978):" انا التي لم اولد على أرض فلسطين ولم أرها سوى على الخارطة التي كانت معلقة على جدران المدرسة، كنت أجمع رفيقاتي كل يوم واعرفهن من أين أنا، من أي بلد ومن أي حي في يافا القديمة. وكان أبي يحدثني عن فلسطين التي طرد منها إلى لبنان سيراً على الأقدام من يافا إلى بيروت وهو يحمل أمه وأخيه زحفاً وعطشاً وجوعاً وبرداً..." واختتمت دلال وصيتها بمقطع من أغنية ثورية شاعت على لسان المقاتلين في تلك الأيام: بلغوا أمي الحنونة وأبي والأخوات... كفكفوا دمعاً حزينا، صرت بنتاً للبلاد.. لا تظنوه عقوقاُ لقضاء النزوات.. حبكم صار عظيماً، كل يوم في ازدياد".
لم يكن يدور في خلد هذا الجيل الرومانسي، ان يأتي يوم تصبح فيه أحلامهم وتضحياتهم و" جنونهم الثوري"، مثار تندر وتهكم أو إهمال ونسيان..
حسان شرارة ودلال المغربي ينتميان إلى هذا الجيل، وإلى تجربة ثورية فذة، كان لها شرف صناعة كرامة الجنوب في حرب آذار 1978، وكانت (مع من كانوا) حجارة الحلم المستحيل! فإلى أبطال الكتيبة الطلابية ، إلى رفاق المواجهة في بنت جبيل، الأحياء منهم والشهداء، وإلى ذكرى هؤلاء الأحباب، الذين كانوا الوجع والعمر، وكانوا الالق والفجر، ألف تحية وقبلة على جبين الذاكرة... علّ الذكرى تنفع والحاضر يسطع ليضيء المستقبل .