سعود المولى
في التلمود خرافة دينية تصف لنا واقع حال بلادنا العربية. تقول الرواية إن سيدنا سليمان (النبي/الملك) حين شرع ببناء المعبد/الهيكل في أورشليم (مدينة السلام/القدس) لم يجد أفضل من تشغيل الجن لإنجاز العمل الذي إستمر لمئات من السنين..وقد فاجأه الموت وهو يقف متكئاً على عصاه يراقب عمل الجن المرعوبين منه..إلى حد أنهم لم ينتبهوا لموته، فيما كانت دودة الأرض تأكل عصاه الهرمة..وهم إستمروا في العمل برغم أن أحدهم إنتبه وحاول تنبيههم بالغناء المتواصل أثناء العمل (ولعشرات السنين): أخضر يابس هات...سيدنا سليمان مات... ولكن دون جدوى..حتى وقع الملك بعد سقوط عصاه !
هكذا حال أنظمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، وبعضها معمّر مثل عصا سليمان..ومعظمها لا ينتبه إلى الدود ينخرعصا المُلك.. وكلها يظن أنه بمنأى عن غضب الناس وعن وعيها وإنتظامها في حركات إجتماعية تغييرية..
والسياق التاريخي العام (الإجتماعي والسياسي) لنشوء الحركات الإجتماعية عادة هو سياق "الأزمة" (أو "الأزمات")، التي تفرز عناصر المناخ العام الحاضن لتلك الحركات، والتي تطلق ديناميات تُحرَِر الناس من وهم الخوف وهمّه، ومن سحر عصا السلطة.. فتدفع الأفراد إلى العمل معاً من أجل أهداف مشتركة ، وبشعارات موحّدة ، وبمطالب واحدة، (جماعية الجهد والتنظيم وجماعية الهدف والمصالح والمطالب)..وتبلور لهم نظام القيَم (أو المشروع/القضية) التي تربط بينهم بعروة وثقى تدفعهم إلى الإنتماء والإلتزام، وإلى التعبئة (وليس الحشد)، وإلى إستمرارية الحركة (وليس موسمية التحرك).
1- أزمة فقدان العدالة والتوازن والكرامة في العلاقات الدولية: وهي تفاقمت منذ أحداث 11 أيلول والتطورات اللاحقة التي ساهمت في دفع العداوة الكامنة بين العالم العربي والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى حدها الأقصى. وقد إستفادت الإتجاهات الأصولية المتطرفة من هذه الأزمة لإكتساب شرعية شعبية في مجتمعاتنا. إن إنحياز الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لإسرائيل، وإعتماده سياسة "الكيل بمكيالين"، هما جوهر الأزمة القائمة بين العالمين العربي والغربي، والتي أدت فيما أدت إليه إلى إعاقة التطور في بلادنا..
2-الأزمة الناجمة عن العجز عن بلورة مشروع حضاري يؤمّن مصالحة المجتمعات العربية مع الذات ومع العصر. فالعالم العربي يُعاني من مخاض حضاري عميق. فهو عالم يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم يستطيع من خلاله أن يكون عنصراً إيجابياً في صنع الحضارة الإنسانية، إنطلاقاً من أصالة هويته وفرادة تراثه. وقد كشفت لنا السنوات والتجارب الماضية عن أن الهول الذي يواجهنا عرباً ومسلمين،كما مسلمين ومسيحيين، كبير جداً، ويتناول سلامتنا الجسدية المادية، ومضموننا الثقافي والقيَمي، ومصالحنا الإقتصادية، في أخص ما لها من خصائص وفي أشمل ما لها من أطر. كما يتناول دورنا في العالم، إذ يراد لنا أن نكون مجموعة من البشر تزّود العالم المتقدم إمكانات السوق وتستهلك ما ينتجه على كل الصعد، وتبقى كماً مهملا لا دور لها ولا ريادة في صنع هذه المرحلة من التاريخ.
3- أزمة التنمية في العالم العربي: وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد إحتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ25%...وقد إعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكداً أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لإنعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6% و 30% في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9% في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر.
وأسباب هذه الأزمة تعود في الأساس إلى تعذر إقامة أنظمة حكم ديموقراطية قائمة على حكم القانون والمشاركة الشعبية وقادرة على رسم السياسات الإنمائية وتوفير رقابة حقيقية على تنفيذها على أسس المساءلة والشفافية. ومن الأسباب الأساسية الأخرى لهذه الأزمة: وجود قيود كثيرة على مشاركة النساء في الحياة العامة، وغياب التنوع في البنية الإقتصادية بسبب الإتكال على عائدات النفط الخام والغاز، وتضخّم الإستدانة الخارجية، وتفشي ظاهرة الإهدار، والإندفاع المحموم في شراء السلاح، فضلاً عن إنتشار الفساد بجميع أنواعه من رشاوى وسرقات وعمولات مشبوهة وهو السبب الأكثر وحشية وهمجية في مجتمعاتنا.
4-أزمة الديموقراطية في العالم العربي حيث أن الأنسان لا يستطيع ممارسة حقه في توليد السلطة ومحاسبتها. لم تنتج الدولة الحديثة في العالم العربي نموذجاً للديموقراطية الخاص بها فلجأت إلى أشكال من الديكتاتورية الظاهرية والمقنعة. ففي العالم العربي نوعان من الأنظمة: أنظمة تقليدية لا تقر للشعب بحقه في ممارسة سيادته عبر إختيار ممثليه وتكوين مؤسساته الدستورية؛ وأنظمة إستبدادية تصادر مجتمعاتها، فتختزلها بحزب وتختزل الحزب بشخص. وما يجمع بين النظامين التقليدي والإستبدادي، رفضهما لمبدأ تداول السلطة وحكم القانون وحق المشاركة وإحترام حقوق الإنسان.
ولا يجد الإنسان من سبيل للخروج من هذا الوضع سوى العودة إلى الماضي هرباً من الحاضر وخوفاً من المستقبل. ولهذه العودة إلى الماضي أشكالها المختلفة: فإما تكون عودة إلى نوع خرافي من الدين بعد أن تكون السياسة قد إختزلته، وإما تكون عودة إلى التكوينات الطائفية والإثنية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة الوطنية.
5-أزمة الحرية في العالم العربي حيث تحوّل هذا العالم إلى "سجن كبير" تعيش وتموت بين جدرانه العالية أجيال وأجيال لم يعط لها حق المشاركة في تقرير مصيرها وتحقيق ذاتها؛ أجيال تنظر إلى العالم فتراه في حركة دائمة يتقدم حيناً ويتراجع أحياناً، بينما الزمن، زمنها، هو زمن معلق يحرسه الخوف، الخوف من كل شيء، من الوشاية والتجسس والتنصت والأجهزة. حتى أن هذا الخوف لم يعد بحاجة إلى خارج يستند إليه، فصار خوفاً يولد نفسه بنفسه، يجعل الإنسان رقيباً على ذاته، يتولى هو بنفسه مهمة قمع كل ما من شأنه أن يعرضه إلى خطر الملاحقة. وهذه الحراسة الذاتية هي التي دفعته إلى التخلي عن حقه في حياة طبيعية وعطلت حسه النقدي.
ربيع الشعوب العربية: دلالات ودروس
1- حدث واحد وحيد حكم إنتفاضة الشعب التونسي وقاد حركته: الشهادة النبيلة لمحمد البوعزيزي.. شهادة "إنتحارية" على طريقة الكهنة البوذيين..حتى أن الشيخ يوسف القرضاوي لم يجد سوى أن يدعو الناس للصلاة كي تشفع لبوعزيزي عند الله.. شهادة بوعزيزي (وهو شهيد أكثر من أي إنتحاري يفجر نفسه في الناس بفتاوى متدينين جهلة) أطلقت إنتفاضة الكف العاري في وجه السيف، والدم البريء في وجه الدبابة.. كان لا بد من فعل "إستشهادي" فردي، يستعيد سيرة الحسين الحقيقية ونموذجه الفعلي: الجهاد المدني في وجه الظلم والطغيان...وقوة الإنسان الأعزل في وجه آلة القمع والبطش.. وهذه بالمناسبة سيرة الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها وقد أسقطت أعتى الإمبراطوريات وأشدها فراسة ووحشية بالمظاهرات المليونية السلمية "الإستشهادية"..
2- حدثان إثنان حكما مسيرة إنتفاضة الشعب المصري وأشعلا نيرانها: الإنتخابات المهزلة التي أجراها النظام (والتي تشبه إنتخابات الرئيس شمعون العام 1957)، وقد رفضتها كل القوى المحلية والدولية، بما فيها أميركا نفسها. ثم الهبة الوطنية-المدنية التي أعقبت تفجير كنيسة القديسَين في الإسكندرية. لقد لعب النظام مغامرته الأخيرة حين لم "ينتبه" إلى حساسية المسألة الطائفية في البلاد وحين ضرب عرض الحائط بذكاء ووعي ووطنية وكرامة المصريين، ناهيك عن تجاهله (الأعمى البصر والبصيرة) لعقود وعقود من القهر والبؤس والظلم والحرمان والفساد، قل مثيلها في العالم.
3- أجمع المعلقون والمراقبون على أن الأحزاب لم تكن موجودة.. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث..يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة في البلدين لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول..ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره..وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً "طالما أن أميركا والجيش معنا الآن"..ولكن الناس لم ولا تغادر ميدان التحرير..وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية..ذلك أن الحركات الإجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية ...
4- في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (في العام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد.. وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من إستقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الإستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي إجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته".
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت إستقراراً كبيراً في المجتمع المصري؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً ، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية..
والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي) ، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة...كما يعني تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته..
5- تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والإستبداد الديني بعد الإنقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي-رفسنجاني-موسوي).. وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد..(ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس).. وفي تونس والمغرب والسودان والأردن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي الديموقراطي عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية ، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه..فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الإجتماعي الفعلي للناس وهمومها.. إذ كان همّه تقاسم السلطة.. فغاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون بالمناسبة) عن ساحة الفعل الإجتماعي السياسي.
وفي غزة جمدت التجربة الإسلامية عند حدود المراوحة ما بين إمارة طالبانية مستعصية على التطبيق وما بين "سلطة فئوية" تستفيد من الإحتلال لإدامة سلطتها ولو بتمديد الهدنة ومنع الصواريخ...
نعم تحتاج الحركة الإسلامية العربية اليوم إلى مراجعة شفافة لهذه الأمثلة ولغيرها (وأولها لبنان)...
6= في تونس ومصر والجزائر صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصر وإستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايس بوك إلى التويتر واليوتيوب..وصف موقع أون إسلام المظاهرات كالتالي: "حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم.. وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات .. حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على المظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للمظاهرات ثم إندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية..التغيير..العدالة الاجتماعية"..
7= أحمد عبد الحامد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، كتب ملاحظاته بشكل عفوي على صفحته بالفايس بوك، ومما قاله فيها: "أنا شفت مفاجآت كتيرة وعظيمة.. منها إن معظم المشاركين كانوا شباب وفرافير، بتوع الفيسبوك ، شكلهم يدل على راحة مادية نسبياً، وناس كتير منهم ، شفت زملاء في الكلية ماشفتهمش من عشر سنين، فى المظاهرة دي".
السمة الشبابية للإحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ويقول عبد الحامد في هذا: "من المفاجآت إنه على الرغم من أن معظم الناس شباب.. بس كان فيه كبار وستات فى الخمسينات، ماشيين على مهلهم كده، ومش قليلين، وكان فيه ناس ماشيين بولادهم". شاب آخر نشر على صفحته على "فايس بوك" ضمن ما نشره عما أعجبه في الإحتجاجات التي شارك فيها لمحات عن ذوبان الفروق الدينية بين المحتجين: "في بنت معانا مكنتش أعرفها.. كانت بتحلف بالمصحف وبالنبي، عرفت بعدين إنها مسيحية.. الغريب إنه مبانش عليها، ليه؟ عشان كلنا بنحب بلدنا، وبنهتف عشان تبقى أحسن، فما بانتش الفروق الطفيفة دي".
ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة،تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية...ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل..(أنظر نموذج حركة كفاية ثم حركة شباب 6 أبريل..ومؤخراً نموذج شباب وشابات موقع "أون إسلام" وموقع "مصريون معاً" لحماية العيش المشترك)..الأمر الذي سمح تالياً بتنويع إستراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل إستبق سياسات السلطة وأربكها..كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الإجتماعية الواسعة.
وبعد..فقد كنا فتية صغارا يوم هتفنا "اليوم الجزائر..اليوم فيتنام.. وغداً فلسطين"..ثم حملنا السلاح شباباً وهتفنا بصدق وحرارة "اليوم إيران وغداً فلسطين".. ترى هل نحلم بأن: اليوم مصر وغداً...غداً.. إن غداً لناظره قريب!..
الخميس، 3 فبراير 2011
تجربة اليسار المتحول للإسلام في العدد الثاني من سلسلة مراصد
الإسكندرية في 23 يناير–
كشف العدد الثاني من سلسلة "مراصد" الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية عن التجربة الفريدة لتحول اليسار إلى الإسلام السياسي، في دراسة بعنوان "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار، الباحث السياسي والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس (EHESS, Paris)، والجامعة اللبنانية في بيروت.
وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، منها نقاط التقارب الانتقائية بين الإسلام والعالمثالثية، ونشأة الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وقصة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، وما الذي يمكن استخلاصه منها، بالإضافة إلى حوار مع منير شفيق وسعود المولى؛ شخصين من الكتيبة الطلابية.
وتبين الدراسة في البداية أن مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتأثير الطارد للمسألة الفلسطينية، واستمرارية المسألة الوطنية ومنطق العالمثالثية في منطقة الشرق الأوسط، سمحت دائمًا بحدوث حالات فريدة ومتداخلة من الانتقال السياسي التي تتقاطع فيها الحدود بين القومية العلمانية والإسلام السياسي. وبذلك، فقد حدثت التقاءات وجدانية، عبر ما يسمى بنقاط تقارب انتقائية، بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض حركات اليسار اللبنانية وبين الثورة الإيرانية، نتيجة التموقع الاستراتيجي وخطوط التباين السياسي والإيديولوجي.
ويتطرق الباحث إلى أهمية الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وكيف أن تلك الكتيبة الطلابية، بالرغم من أنها كانت هامشية في حركة فتح، إلا أنها أخرجت بعض الشخصيات المحورية في الإسلام السياسي ذي النزعة الوطنية. وقد ولدت الكتيبة الطلابية لحركة فتح عام 1974 عبر اتجاهين اثنين: الأول كان بواسطة شباب الطلبة اللبنانيين الذين خرجوا من منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذين أسسوا عام 1972 مجموعة ماوية صغيرة أو ما سمي "نواة الشعب الثوري"، والثاني عبر القادة اليساريين الفلسطينيين الذين عارضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجته حركة فتح الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.
ويرى بويار أن الكتيبة الطلابية هي ثمرة التقاء فلسطيني لبناني، لاتجاه يساري مستوحى من تجارب الانغماس الشعبي لدى اليسار البروليتاري ولدى الثورة الثقافية الصينية، وبين كوادر فلسطينية راغبين في إعادة توجيه مسار حركة فتح باتجاه اليسار الوطني، لتتحد الكتيبة الطلابية مع حركات أخرى مثل المقاومة الشعبية التابعة لخليل عكاوي بشكل خاص، وهو اللبناني ذو الأصل الفلسطيني والزعيم الكاريزمي لحي باب التبانة الشعبي في طرابلس، وكانت حركته هي الأخرى تستلهم في جزء منها تجارب العالمثالثية ذات الاتجاهات الماوية والفيتنامية والأمريكولاتينية.
ويوضح البحث أنه في أعقاب الثورة الإيرانية، قاد الإسلام السياسي دفة القيادة بالنتيجة؛ فمن ثالوث اليسار والعالمثالثية والإسلام الذي كان يحمله هذا اليسار الماوي، لم يتبقى في النهاية سوى عنصريه الأخيرين. ذلك أن الثورة الإيرانية بوصفها ثورة الجماهير الشعبية الوحيدة في المنطقة تاريخيًّا، نجحت بقوة في الاستحواذ على المفردات الكلاسيكية: مناهضة الإمبريالية، والانقسام شمال - جنوب، ومركزية نموذج الإنسان المضطهد، مرورًا بأسلمة تطبيقاتها.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن استخلاص عدد كبير من النقاط من تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، أولها أولوية السياسي على الأيديولوجي، أو بشكل أكثر دقة، أولوية المنطق القومي العالمثالثي على الأيديولوجيات التي يتم إنشاؤها. فلم يتم تبني الماركسية والماوية عبر الافتتان النظري بها ولكن لأجل البعد العملي فيها. فإن أولوية السياسي هذه تدفع عبر الزمن إلى التفكير في الوظيفة التعبوية المتفردة التي تقوم بها الأديان في تاريخ نزاعات التحرر الوطني، والإسلام ليس إلا مثالاً ضمن أمثلة أخرى. الإسلام ليس إذن ديانة سياسية بالماهية: إنه كذلك في إطار ظروف سياسية محددة حيث يقوم بدور المورد السياسي التعبوي، الرئيسي، أو الثانوي، بحسب الأيديولوجية المهيمنة في المرحلة المعنية.
ويتضح أن تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، قد أظهرت بقوة الأهمية المعطاة لمفهوم الشعب و"الجماهير" الذي جاء في خطاب "ماويي فتح". هذا النداء الروحاني تمامًا والموجه للشعب تتقاسمه الماوية مع الإسلام الثوري. ويتطرق البحث إلى فكرة التعالي وارتباطها بعقيدة الخلاص، فإن انتقال ماويين وشيوعيين وقوميين عرب من اليسار إلى الإسلام السياسي يسمح بالتساؤل حول هذه العلاقة المتفردة التي يتضمنها كل حدث ثوري مع فكرة التعالي. والتعالي ليس بالضرورة ذلك الأفق البعيد المتعلق بالغيب، حيث يصف الفاعلون في كل ثورة الانتفاضة الثورية بمصطلح رسالي لأنها تعبر عن حدث، ولأنها فريدة، من جهتها، تعتبر الثورة الإيرانية مختلفة لأنها تؤكد تعاليها أيديولوجيًّا طالما أنها تعرف نفسها رسميًّا بمصطلحات سياسية ودينية.
وتتابع الدراسة تشظي مسارات اليسار المتحول للإسلام، بعد التحول الديني وانتهاء الثورة الإيرانية وتراجعها تحت أنقاض الحرب مع العراق والسياسات القمعية ومصادرة السياسي والحدث الثوري معًا، وهكذا بقي الإسلام ليمثل الأمل الوحيد لدى "ماويي فتح". وأتى الإسلام في المرتبة الأولى حتى حين لم يعد يعتبر بالضرورة إسلامًا ثوريًا. قليلون هم من عادوا عن تحولهم الديني، أما الآخرون فقد ابتعدوا شيئًا فشيئًا عن العمل السياسي، أما الاتصال الفلسطيني اللبناني الذي شكل عمود "اليوتوبيات العملية" الثورية بين سنوات 1969 و1984 اختفي واعقبه تشتت للفاعلين السياسيين، وهكذا تنتهي شيئا فشيئا مرحلة كاملة، ويضمحل خط الجماهير والإسلام الشعبي الثوري شيئًا فشيئًا.
وتبين الدراسة أن التشظي يتم وفق ثلاثة نماذج: النموذج الأول هو نموذج الاستقلالية والابتعاد، والفاعل هنا يشعر أن المجال السياسي لا يترك له هامشًا للحركة، أما النموذج الثاني هو نموذج الالتزام السياسي المستمر، وهنا ثمة شكل متكامل من البراغماتية. والنموذج الثالث وهو الأكثر ندرة ودراماتيكية أيضًا، وهو نموذج الاختفاء نهائيًا أو نموذج الشهيد. ويعتبر خليل عكاوي هو المثال الصارخ على هذا النموذج، ويمثل الشهيد بكلمة واحدة النهاية المنطقية للاستحالة، للحلم المجهض.
ويتطرق الباحث إلى النقاش الدائر حول وجود لاهوت إسلامي للتحرير، مشيرًا إلى أنها مسألة مازالت لم تحسم بعد، فهي لم تكن موجودة ولم توجد أبدًا بوصفها كذلك، ولكن المحاولات المتكررة لرسم معالمها تدفع إلى التساؤل حول القوة التي تتمتع بها هذه الفكرة، فقد وقعت تجربة ماويي فتح في سياق ظرفي حيث بدت أكبر من سياقها وغير مكتملة في الوقت نفسه. دينامكية اليسار والعالمثالثية قد بدأت بالتراجع، ثم الدينامكية الإسلامية التي كانت في مرحلة الزخم. حدث المنعرج هنا واضحًا، فالإسلام بدا حينذاك بوصفه أيديولوجية فعالة في مرحلة خابت فيها الآمال، وماويو فتح في هذا الإطار التاريخي لم يكن أمامهم ووفق منطق خط الجماهير سوى التحول. تجربة الماويين في طرابلس وفي جنوب لبنان تتعلق ربما بيوتوبيا عملية لم تتحقق نظريًّا وتمت أسلمتها سريعًا، لتعلن عن تركيب حقيقي بين الماوية العالمثالثية والإسلام الثوري.
ويشير بويار إلى نوع جديد من أنواع الخطاب، وهو خطاب الممانعة، والذي يمثل عودة الإيديولوجية الضمنية، فإن البعد "القومي" والمقاوم في خطاب الفاعلين، والانقسام العمودي بين "المهيمنين المستعمرين" و"المهيمن عليهم المستعمرون"، وثنائية "المركز المحيط" و"شمال/جنوب" هي التي ستظل، تحدد خطوط الاستمرارية والتلاقي بين الإسلام السياسي والقومية العربية واليسار الراديكالي، وترسم الأيديولوجية الضمنية الحقيقية الجارية في قطاعات واسعة من المسرح السياسي في الشرق الأوسط.
ويضيف الباحث: "كانت تجربة الكتيبة الطلابية ترسم ضمنيًّا تجربة لشيوعية مسلمة كامنة: لكن في النهاية الإسلام السياسي هو الذي سيحدد الدينامكية الكلية. لكن الإسلام السياسي نفسه اليوم سيلتقي على الأرضية الأيديولوجية الضمنية الأساسية: سيبني شرعيته ليس على الإسلام فقط ولكن أيضًا على خطاب يرتكز على المصطلح المزدوج للمقاومة والممانعة، هذه المفاهيم الأولى نفسها التي تم تقاسمها تاريخيًّا بشكل مشترك من الإسلاميين إلى القوميين العرب مرورًا باليسار الماركسي. إذا كان الحدث الثوري الرسالي قد اختفى، فقد بقي خطاب الممانعة الذي يخترق الأيديولوجيات الأخرى من الطرف إلى الطرف: بشكل عام، وبدلاً من الحديث عن لاهوت للتحرير، فسيكون من الدقة الحديث عن "لاهوت للممانعة"."
ويفرد بويار الصفحات الأخيرة لدراسته لشخصين من الكتيبة الطلابية، أنجز كل منهما انتقالاً متقدمًا إلى الإسلام السياسي في نهاية السبعينيات. الاستماع ويتحاور بويار مع كل منهما لالتقاط أفضل للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى الإسلام السياسي انطلاقًا من الماركسية الثورية العالمثالثية. والشخص الأول هو منير شفيق؛ مسيحي وفلسطيني تحول إلى الإسلام، كان عضوًا في مكتب التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة فتح، وهو أحد الفاعلين في تيار اليسار فيها في السبعينيات. كما أنه كان القائد الرئيسي للكتيبة الطلابية في حركة فتح وقريب من أبو جهاد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. أصبح في سنوات الثمانينيات أحد ملهمي كتائب الجهاد الإسلامي في فلسطين وهي حركة مسلمة اندمجت في بداياتها في حركة فتح، وهو يظل يمثل المرجعية بالنسبة للحركة الإسلامية والقومية.
أما الشخص الثاني فهو سعود المولى؛ لبناني يعمل اليوم أستاذًا في الجامعة اللبنانية وعضوًا في المؤتمر العربي للحوار الإسلامي المسيحي والمؤتمر الشيعي الأعلى. كان مقربًا من الإمام شمس الدين ومعروفًا بابتعاده الكبير عن حزب الله الذي كان عضوًا فيه حتى عام 1988، حيث تقلد وظيفة رئيس تحرير مجلة الوحدة الإسلامية، وهو مناضل سابق في الكتيبة الطلابية في فتح حيث انضم إليها بعد فترة من دخوله حزب العمل الشيوعي في لبنان عام 1969 ثم نواة الشعب الثوري.
كشف العدد الثاني من سلسلة "مراصد" الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية عن التجربة الفريدة لتحول اليسار إلى الإسلام السياسي، في دراسة بعنوان "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار، الباحث السياسي والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس (EHESS, Paris)، والجامعة اللبنانية في بيروت.
وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، منها نقاط التقارب الانتقائية بين الإسلام والعالمثالثية، ونشأة الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وقصة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، وما الذي يمكن استخلاصه منها، بالإضافة إلى حوار مع منير شفيق وسعود المولى؛ شخصين من الكتيبة الطلابية.
وتبين الدراسة في البداية أن مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتأثير الطارد للمسألة الفلسطينية، واستمرارية المسألة الوطنية ومنطق العالمثالثية في منطقة الشرق الأوسط، سمحت دائمًا بحدوث حالات فريدة ومتداخلة من الانتقال السياسي التي تتقاطع فيها الحدود بين القومية العلمانية والإسلام السياسي. وبذلك، فقد حدثت التقاءات وجدانية، عبر ما يسمى بنقاط تقارب انتقائية، بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض حركات اليسار اللبنانية وبين الثورة الإيرانية، نتيجة التموقع الاستراتيجي وخطوط التباين السياسي والإيديولوجي.
ويتطرق الباحث إلى أهمية الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وكيف أن تلك الكتيبة الطلابية، بالرغم من أنها كانت هامشية في حركة فتح، إلا أنها أخرجت بعض الشخصيات المحورية في الإسلام السياسي ذي النزعة الوطنية. وقد ولدت الكتيبة الطلابية لحركة فتح عام 1974 عبر اتجاهين اثنين: الأول كان بواسطة شباب الطلبة اللبنانيين الذين خرجوا من منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذين أسسوا عام 1972 مجموعة ماوية صغيرة أو ما سمي "نواة الشعب الثوري"، والثاني عبر القادة اليساريين الفلسطينيين الذين عارضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجته حركة فتح الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.
ويرى بويار أن الكتيبة الطلابية هي ثمرة التقاء فلسطيني لبناني، لاتجاه يساري مستوحى من تجارب الانغماس الشعبي لدى اليسار البروليتاري ولدى الثورة الثقافية الصينية، وبين كوادر فلسطينية راغبين في إعادة توجيه مسار حركة فتح باتجاه اليسار الوطني، لتتحد الكتيبة الطلابية مع حركات أخرى مثل المقاومة الشعبية التابعة لخليل عكاوي بشكل خاص، وهو اللبناني ذو الأصل الفلسطيني والزعيم الكاريزمي لحي باب التبانة الشعبي في طرابلس، وكانت حركته هي الأخرى تستلهم في جزء منها تجارب العالمثالثية ذات الاتجاهات الماوية والفيتنامية والأمريكولاتينية.
ويوضح البحث أنه في أعقاب الثورة الإيرانية، قاد الإسلام السياسي دفة القيادة بالنتيجة؛ فمن ثالوث اليسار والعالمثالثية والإسلام الذي كان يحمله هذا اليسار الماوي، لم يتبقى في النهاية سوى عنصريه الأخيرين. ذلك أن الثورة الإيرانية بوصفها ثورة الجماهير الشعبية الوحيدة في المنطقة تاريخيًّا، نجحت بقوة في الاستحواذ على المفردات الكلاسيكية: مناهضة الإمبريالية، والانقسام شمال - جنوب، ومركزية نموذج الإنسان المضطهد، مرورًا بأسلمة تطبيقاتها.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن استخلاص عدد كبير من النقاط من تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، أولها أولوية السياسي على الأيديولوجي، أو بشكل أكثر دقة، أولوية المنطق القومي العالمثالثي على الأيديولوجيات التي يتم إنشاؤها. فلم يتم تبني الماركسية والماوية عبر الافتتان النظري بها ولكن لأجل البعد العملي فيها. فإن أولوية السياسي هذه تدفع عبر الزمن إلى التفكير في الوظيفة التعبوية المتفردة التي تقوم بها الأديان في تاريخ نزاعات التحرر الوطني، والإسلام ليس إلا مثالاً ضمن أمثلة أخرى. الإسلام ليس إذن ديانة سياسية بالماهية: إنه كذلك في إطار ظروف سياسية محددة حيث يقوم بدور المورد السياسي التعبوي، الرئيسي، أو الثانوي، بحسب الأيديولوجية المهيمنة في المرحلة المعنية.
ويتضح أن تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، قد أظهرت بقوة الأهمية المعطاة لمفهوم الشعب و"الجماهير" الذي جاء في خطاب "ماويي فتح". هذا النداء الروحاني تمامًا والموجه للشعب تتقاسمه الماوية مع الإسلام الثوري. ويتطرق البحث إلى فكرة التعالي وارتباطها بعقيدة الخلاص، فإن انتقال ماويين وشيوعيين وقوميين عرب من اليسار إلى الإسلام السياسي يسمح بالتساؤل حول هذه العلاقة المتفردة التي يتضمنها كل حدث ثوري مع فكرة التعالي. والتعالي ليس بالضرورة ذلك الأفق البعيد المتعلق بالغيب، حيث يصف الفاعلون في كل ثورة الانتفاضة الثورية بمصطلح رسالي لأنها تعبر عن حدث، ولأنها فريدة، من جهتها، تعتبر الثورة الإيرانية مختلفة لأنها تؤكد تعاليها أيديولوجيًّا طالما أنها تعرف نفسها رسميًّا بمصطلحات سياسية ودينية.
وتتابع الدراسة تشظي مسارات اليسار المتحول للإسلام، بعد التحول الديني وانتهاء الثورة الإيرانية وتراجعها تحت أنقاض الحرب مع العراق والسياسات القمعية ومصادرة السياسي والحدث الثوري معًا، وهكذا بقي الإسلام ليمثل الأمل الوحيد لدى "ماويي فتح". وأتى الإسلام في المرتبة الأولى حتى حين لم يعد يعتبر بالضرورة إسلامًا ثوريًا. قليلون هم من عادوا عن تحولهم الديني، أما الآخرون فقد ابتعدوا شيئًا فشيئًا عن العمل السياسي، أما الاتصال الفلسطيني اللبناني الذي شكل عمود "اليوتوبيات العملية" الثورية بين سنوات 1969 و1984 اختفي واعقبه تشتت للفاعلين السياسيين، وهكذا تنتهي شيئا فشيئا مرحلة كاملة، ويضمحل خط الجماهير والإسلام الشعبي الثوري شيئًا فشيئًا.
وتبين الدراسة أن التشظي يتم وفق ثلاثة نماذج: النموذج الأول هو نموذج الاستقلالية والابتعاد، والفاعل هنا يشعر أن المجال السياسي لا يترك له هامشًا للحركة، أما النموذج الثاني هو نموذج الالتزام السياسي المستمر، وهنا ثمة شكل متكامل من البراغماتية. والنموذج الثالث وهو الأكثر ندرة ودراماتيكية أيضًا، وهو نموذج الاختفاء نهائيًا أو نموذج الشهيد. ويعتبر خليل عكاوي هو المثال الصارخ على هذا النموذج، ويمثل الشهيد بكلمة واحدة النهاية المنطقية للاستحالة، للحلم المجهض.
ويتطرق الباحث إلى النقاش الدائر حول وجود لاهوت إسلامي للتحرير، مشيرًا إلى أنها مسألة مازالت لم تحسم بعد، فهي لم تكن موجودة ولم توجد أبدًا بوصفها كذلك، ولكن المحاولات المتكررة لرسم معالمها تدفع إلى التساؤل حول القوة التي تتمتع بها هذه الفكرة، فقد وقعت تجربة ماويي فتح في سياق ظرفي حيث بدت أكبر من سياقها وغير مكتملة في الوقت نفسه. دينامكية اليسار والعالمثالثية قد بدأت بالتراجع، ثم الدينامكية الإسلامية التي كانت في مرحلة الزخم. حدث المنعرج هنا واضحًا، فالإسلام بدا حينذاك بوصفه أيديولوجية فعالة في مرحلة خابت فيها الآمال، وماويو فتح في هذا الإطار التاريخي لم يكن أمامهم ووفق منطق خط الجماهير سوى التحول. تجربة الماويين في طرابلس وفي جنوب لبنان تتعلق ربما بيوتوبيا عملية لم تتحقق نظريًّا وتمت أسلمتها سريعًا، لتعلن عن تركيب حقيقي بين الماوية العالمثالثية والإسلام الثوري.
ويشير بويار إلى نوع جديد من أنواع الخطاب، وهو خطاب الممانعة، والذي يمثل عودة الإيديولوجية الضمنية، فإن البعد "القومي" والمقاوم في خطاب الفاعلين، والانقسام العمودي بين "المهيمنين المستعمرين" و"المهيمن عليهم المستعمرون"، وثنائية "المركز المحيط" و"شمال/جنوب" هي التي ستظل، تحدد خطوط الاستمرارية والتلاقي بين الإسلام السياسي والقومية العربية واليسار الراديكالي، وترسم الأيديولوجية الضمنية الحقيقية الجارية في قطاعات واسعة من المسرح السياسي في الشرق الأوسط.
ويضيف الباحث: "كانت تجربة الكتيبة الطلابية ترسم ضمنيًّا تجربة لشيوعية مسلمة كامنة: لكن في النهاية الإسلام السياسي هو الذي سيحدد الدينامكية الكلية. لكن الإسلام السياسي نفسه اليوم سيلتقي على الأرضية الأيديولوجية الضمنية الأساسية: سيبني شرعيته ليس على الإسلام فقط ولكن أيضًا على خطاب يرتكز على المصطلح المزدوج للمقاومة والممانعة، هذه المفاهيم الأولى نفسها التي تم تقاسمها تاريخيًّا بشكل مشترك من الإسلاميين إلى القوميين العرب مرورًا باليسار الماركسي. إذا كان الحدث الثوري الرسالي قد اختفى، فقد بقي خطاب الممانعة الذي يخترق الأيديولوجيات الأخرى من الطرف إلى الطرف: بشكل عام، وبدلاً من الحديث عن لاهوت للتحرير، فسيكون من الدقة الحديث عن "لاهوت للممانعة"."
ويفرد بويار الصفحات الأخيرة لدراسته لشخصين من الكتيبة الطلابية، أنجز كل منهما انتقالاً متقدمًا إلى الإسلام السياسي في نهاية السبعينيات. الاستماع ويتحاور بويار مع كل منهما لالتقاط أفضل للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى الإسلام السياسي انطلاقًا من الماركسية الثورية العالمثالثية. والشخص الأول هو منير شفيق؛ مسيحي وفلسطيني تحول إلى الإسلام، كان عضوًا في مكتب التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة فتح، وهو أحد الفاعلين في تيار اليسار فيها في السبعينيات. كما أنه كان القائد الرئيسي للكتيبة الطلابية في حركة فتح وقريب من أبو جهاد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. أصبح في سنوات الثمانينيات أحد ملهمي كتائب الجهاد الإسلامي في فلسطين وهي حركة مسلمة اندمجت في بداياتها في حركة فتح، وهو يظل يمثل المرجعية بالنسبة للحركة الإسلامية والقومية.
أما الشخص الثاني فهو سعود المولى؛ لبناني يعمل اليوم أستاذًا في الجامعة اللبنانية وعضوًا في المؤتمر العربي للحوار الإسلامي المسيحي والمؤتمر الشيعي الأعلى. كان مقربًا من الإمام شمس الدين ومعروفًا بابتعاده الكبير عن حزب الله الذي كان عضوًا فيه حتى عام 1988، حيث تقلد وظيفة رئيس تحرير مجلة الوحدة الإسلامية، وهو مناضل سابق في الكتيبة الطلابية في فتح حيث انضم إليها بعد فترة من دخوله حزب العمل الشيوعي في لبنان عام 1969 ثم نواة الشعب الثوري.
الأربعاء، 19 يناير 2011
النقد الذاتي لمحسن إبراهيم
كلمةمحسن إبراهيم في أربعين جورج حاوي
ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن.
الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً.
والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.
وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟
ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن.
الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً.
والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.
وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟
الثلاثاء، 18 يناير 2011
تونس تفتح طريق الحرية
برهان غليون
لم تفاجئ الانتفاضة التونسية المستمرة منذ نحو شهر في تونس سوى أهل السلطة الذين اعتقدوا أنهم وجدوا المعادلة الذهبية التي تجعل وصولهم إلى قمة السلطة نهاية التاريخ كما تجعل من التغيير الذي حلم به التونسيون بعد تنحية الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، أي تغيير، سرابا بعيد المنال.
وهذه المعادلة الذهبية، المتبعة في أكثر البلاد العربية، هي التي يسمونها بالنموذج الصيني، وهي تعني الجمع بين إغلاق باب السياسة أو إزالتها من الحياة العامة وتحريم العمل فيها، في أي صورة كان، سواء كان عملا سياسيا مباشرا أو نشاطات مدنية، وتحليل الاقتصاد في أي شكل كان، سواء أجاء على صورة استثمارات أجنبية أو مراكمة للثروة بالطرق الشرعية وغير الشرعية، أو الفساد والسرقة العينية.
وكان الرهان أن تسمح التنمية الاقتصادية السريعة الناجمة عن هذا الانفتاح الكبير بتحسين شروط حياة السكان وتعظيم الأمل في المستقبل وتعزيز شرعية النظام، وبالتالي مقايضة السياسة نهائيا بالاقتصاد، وتفضيل الوجود أو البقاء على قيد الحياة على الهوية والمعنى.
ولا يخفى أن هذه الصيغة حققت نتائج واضحة في العقدين الماضيين. فقد ضمنت، من جهة أولى، تأييد الغرب، الشريك التقليدي لتونس، ودعمه للتجربة التونسية، وتشجيع رجال المال والأعمال على التعامل مع تونس على أنها شريك طبيعي، ما أعطى بالفعل دفعة قوية للاستثمار الأجنبي، وساهم في إيجاد معدلات تنمية أعلى نسبيا عما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
ونجحت من جهة ثانية في تأمين درجة كبيرة من الاستقرار الذي ضاعف من اهتمام الشريك الغربي بالنظام التونسي ودعمه، والمراهنة عليه باعتباره نموذجا يمكن وضعه في مواجهة النموذج الإسلامي، الذي ترفعه الحركات الاحتجاجية الرئيسية في المغرب العربي، والذي يشكل الشبح الذي يطارد النظم الحاكمة وحلفاءها منذ التسعينات من القرن الماضي.
والواقع أن الاقتناع كان ولا يزال قويا لدى هذه النخب العربية الحاكمة وحلفائها الغربيين بأن معادلة الخبز لقاء الحرية، أو لقمة العيش لقاء الاستقرار والنظام والانضباط، هي الأصلح لشعوب ليس لها ثقافة الغرب ولا مطالبه الفكرية والمعنوية، وأن تأمين الخبز للأغلبية الساحقة، وهو مطلبها الرئيسي بل ربما الوحيد، سوف يقطع أي طريق على المعارضات السياسية وحركات التغيير، إسلامية كانت أم مدنية.
وربما أمكن استغلال هذا التناقض بين تأمين الخبز الذي يشكل مطلب الشعوب الرئيسي والحريات الفردية والمشاركة السياسية، التي لا تهم سوى الأقلية الضئيلة من المثقفين "الرومانسيين أو الموهومين"، للتحريض ضد النخب السياسية المعارضة وأصحاب الرأي المختلف، وتشويه صورتهم وعزلهم عن الجمهور الواسع، بل وتسفيه السياسة والعمل السياسي ذاته. وهذا ما حصل بالفعل.
هكذا أمكن للنموذج أن يعيش وأن يعزل النخب السياسية والمثقفة ويضعها في صندوق مغلق ويستمر من دون منغصات تذكر. وأمام هذه النتائج الملموسة لنموذج ابن علي الذي كان يتوقع له أن يكون مثالا يحتذى، لم تكن المبالغة في القمع ولا الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، تشكل هاجسا كبيرا للحلفاء الغربيين، الفرنسيين أو الأميركيين.
بل لقد أصبح هؤلاء شركاء في خلق النموذج ومن أكبر المساهمين في التغطية على هذه الانتهاكات من خلال إطلاقهم التصريحات عن المعجزة التونسية وتسريب التقارير عن التقدم الاستثنائي الكبير في تونس، والآن من خلال الصمت الضالع على عمليات القمع الدموية.
ليست المعارضة السياسية، لا الإسلامية ولا المدنية، هي التي زعزعت أركان هذا النموذج وأبرزت نكتة المعجزة وإفلاسها. إن ما قوض أركانه هو انهيار الركيزتين اللتين قام عليهما منذ البداية، ومن داخلهما. الركيزة الأولى هي التنمية المعتمدة على الاستثمارات الخارجية ودعم المؤسسات المالية الدولية.
فقد تراجعت معدلات التنمية إلى النصف منذ سنتين على أثر الأزمة العالمية، وتوقف قسم كبير من الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تقلص قطاع السياحة الذي لا يزال القطاع الرئيسي في الاقتصاد.
لكن السبب الأعمق والأهم، والذي كان سيشكل قيدا على عمل النظام واستمراره، حتى من دون وجود الأزمة، لكن بعد وقت، هو التكلفة الإنسانية، أي أيضا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لهذا النموذج الذي لا ينبغي التردد في وصفه بالإجرامي.
فقد كان ثمن بقائه القضاء على الحياة السياسية والفكرية والمعنوية لشعب كامل، أي مصادرة إرادته وإفساد وعيه، وحلّ عُرى تنظيمه بحيث يتحول إلى جثة هامدة تتصرف بها نخبة حاكمة، حسب ما تريد وكيف ما تشاء.
وفي مواجهة شعب مشلول الإرادة وفاقد الرأي والعزيمة، لم يكن هناك أي حاجز يحول دون تحول النخبة الحاكمة نفسها إلى ما يشبه "العصابة" التي تدير شؤون الدولة وتستثمر مواردها حسب مصالحها الخاصة، ومن دون رقيب، بل تحول الدولة إلى مزرعة للمصالح الخاصة.
ومن الطبيعي أن لا تشعر مثل هذه النخبة التي نسيت دورها تماما وتحولت إلى آلات لجمع الثروة والمال، لا بمشاكل الناس ولا بمعاناتهم، ولا أن تعاين تفاقم الظلم الاجتماعي، الناجم عن التفاوت الصارخ في توزيع الثروة بين فئات المجتمع وبين المناطق.
ومن الطبيعي أيضا أن تفاجأ بانتفاضة سيدي بوزيد وانتشارها إلى المناطق الأخرى، وأن لا تفهم الكثير مما يجري حولها، وتعتقد أن من الممكن مواجهة انتفاضة الشعب بالحلول التقليدية التي عرفتها، أي بالوعود الكاذبة التي لا تلزم أحدا، وبالتمسك بتطبيق القانون، أي القمع وإطلاق النار على الجمهور الغاضب الذي كان ولا يزال في الواقع قانون السلطة الديكتاتورية الوحيد.
ما يحصل في تونس لا يعلن عن إفلاس المعجزة التونسية التي جمعت بين خيار القمع المعمم واقتصاد الإثراء بأي ثمن، وقادت إلى الفساد والاحتقان الاجتماعي والقتل السياسي، أي في الواقع إلى تحطيم القيم الإنسانية التي لا تقوم من دونها جماعة ولا شعب، قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة وحكم القانون والمشاركة في الحياة العمومية، فحسب وإنما يعبر عن إرادة شعب كامل في الانعتاق والتحرر من الأسر، وكسر القمقم الذي وضع فيه.
وبالرغم من أن شعارات مسيرات هذه الانتفاضة لم تكن سياسية ولا ينتمي المشاركون فيها إلى عالم السياسة ونخبه المثقفة، فإن عملهم هو السياسة الكبرى، لأن مضمونه هو بالضبط تقويض نظام القمع الشامل الذي بنته النخبة الحاكمة، وسعت إلى التغطية عليه بمعدلات تنمية اقتصادية مرتفعة لم تعد تخدع أحدا اليوم، ومن وراء ذلك استعادة هويته الإنسانية، أي القيم التي لا يكون من دونها اليوم الإنسان إنسانا لا في تونس ولا غيرها.
ولذلك أيضا لن يوقف الانتفاضة التونسية تكرار الوعود بمعدلات تنمية استثنائية جديدة تخفف من معدل البطالة أو تحسن مستوى معيشة الناس. ولا تعزيز الإجراءات الأمنية واستخدام سلاح القتل الجماعي. إن طمأنة الشعب على مصيره ومستقبله تستدعي تغيير قواعد اللعبة السياسية من الآن .
هذا هو التنازل الوحيد الذي يوقف انتفاضة الغضب والياسمين ويحرر تونس من كابوسها الثقيل. وتغيير قواعد اللعب يعني هنا تفكيك نظام احتكار السلطة والديكتاتورية الحزبية والشخصية والقمع الذي هو جوهر النظام الاجتماعي والتمييزي القائم، والانتقال بمشاركة جميع القوى السياسية والثقافية إلى نظام ديمقراطي يعيد إلى الشعب حقه في تقرير مصيره، أي في إدارة شؤونه، وينزع هذا الحق ممن صادره بغير حق، ولأي سبب كان.
فتحية لتونس التي تفتح طريق الحرية في عالم عربي قتله الانتظار على الطريق .
لم تفاجئ الانتفاضة التونسية المستمرة منذ نحو شهر في تونس سوى أهل السلطة الذين اعتقدوا أنهم وجدوا المعادلة الذهبية التي تجعل وصولهم إلى قمة السلطة نهاية التاريخ كما تجعل من التغيير الذي حلم به التونسيون بعد تنحية الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، أي تغيير، سرابا بعيد المنال.
وهذه المعادلة الذهبية، المتبعة في أكثر البلاد العربية، هي التي يسمونها بالنموذج الصيني، وهي تعني الجمع بين إغلاق باب السياسة أو إزالتها من الحياة العامة وتحريم العمل فيها، في أي صورة كان، سواء كان عملا سياسيا مباشرا أو نشاطات مدنية، وتحليل الاقتصاد في أي شكل كان، سواء أجاء على صورة استثمارات أجنبية أو مراكمة للثروة بالطرق الشرعية وغير الشرعية، أو الفساد والسرقة العينية.
وكان الرهان أن تسمح التنمية الاقتصادية السريعة الناجمة عن هذا الانفتاح الكبير بتحسين شروط حياة السكان وتعظيم الأمل في المستقبل وتعزيز شرعية النظام، وبالتالي مقايضة السياسة نهائيا بالاقتصاد، وتفضيل الوجود أو البقاء على قيد الحياة على الهوية والمعنى.
ولا يخفى أن هذه الصيغة حققت نتائج واضحة في العقدين الماضيين. فقد ضمنت، من جهة أولى، تأييد الغرب، الشريك التقليدي لتونس، ودعمه للتجربة التونسية، وتشجيع رجال المال والأعمال على التعامل مع تونس على أنها شريك طبيعي، ما أعطى بالفعل دفعة قوية للاستثمار الأجنبي، وساهم في إيجاد معدلات تنمية أعلى نسبيا عما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
ونجحت من جهة ثانية في تأمين درجة كبيرة من الاستقرار الذي ضاعف من اهتمام الشريك الغربي بالنظام التونسي ودعمه، والمراهنة عليه باعتباره نموذجا يمكن وضعه في مواجهة النموذج الإسلامي، الذي ترفعه الحركات الاحتجاجية الرئيسية في المغرب العربي، والذي يشكل الشبح الذي يطارد النظم الحاكمة وحلفاءها منذ التسعينات من القرن الماضي.
والواقع أن الاقتناع كان ولا يزال قويا لدى هذه النخب العربية الحاكمة وحلفائها الغربيين بأن معادلة الخبز لقاء الحرية، أو لقمة العيش لقاء الاستقرار والنظام والانضباط، هي الأصلح لشعوب ليس لها ثقافة الغرب ولا مطالبه الفكرية والمعنوية، وأن تأمين الخبز للأغلبية الساحقة، وهو مطلبها الرئيسي بل ربما الوحيد، سوف يقطع أي طريق على المعارضات السياسية وحركات التغيير، إسلامية كانت أم مدنية.
وربما أمكن استغلال هذا التناقض بين تأمين الخبز الذي يشكل مطلب الشعوب الرئيسي والحريات الفردية والمشاركة السياسية، التي لا تهم سوى الأقلية الضئيلة من المثقفين "الرومانسيين أو الموهومين"، للتحريض ضد النخب السياسية المعارضة وأصحاب الرأي المختلف، وتشويه صورتهم وعزلهم عن الجمهور الواسع، بل وتسفيه السياسة والعمل السياسي ذاته. وهذا ما حصل بالفعل.
هكذا أمكن للنموذج أن يعيش وأن يعزل النخب السياسية والمثقفة ويضعها في صندوق مغلق ويستمر من دون منغصات تذكر. وأمام هذه النتائج الملموسة لنموذج ابن علي الذي كان يتوقع له أن يكون مثالا يحتذى، لم تكن المبالغة في القمع ولا الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، تشكل هاجسا كبيرا للحلفاء الغربيين، الفرنسيين أو الأميركيين.
بل لقد أصبح هؤلاء شركاء في خلق النموذج ومن أكبر المساهمين في التغطية على هذه الانتهاكات من خلال إطلاقهم التصريحات عن المعجزة التونسية وتسريب التقارير عن التقدم الاستثنائي الكبير في تونس، والآن من خلال الصمت الضالع على عمليات القمع الدموية.
ليست المعارضة السياسية، لا الإسلامية ولا المدنية، هي التي زعزعت أركان هذا النموذج وأبرزت نكتة المعجزة وإفلاسها. إن ما قوض أركانه هو انهيار الركيزتين اللتين قام عليهما منذ البداية، ومن داخلهما. الركيزة الأولى هي التنمية المعتمدة على الاستثمارات الخارجية ودعم المؤسسات المالية الدولية.
فقد تراجعت معدلات التنمية إلى النصف منذ سنتين على أثر الأزمة العالمية، وتوقف قسم كبير من الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تقلص قطاع السياحة الذي لا يزال القطاع الرئيسي في الاقتصاد.
لكن السبب الأعمق والأهم، والذي كان سيشكل قيدا على عمل النظام واستمراره، حتى من دون وجود الأزمة، لكن بعد وقت، هو التكلفة الإنسانية، أي أيضا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لهذا النموذج الذي لا ينبغي التردد في وصفه بالإجرامي.
فقد كان ثمن بقائه القضاء على الحياة السياسية والفكرية والمعنوية لشعب كامل، أي مصادرة إرادته وإفساد وعيه، وحلّ عُرى تنظيمه بحيث يتحول إلى جثة هامدة تتصرف بها نخبة حاكمة، حسب ما تريد وكيف ما تشاء.
وفي مواجهة شعب مشلول الإرادة وفاقد الرأي والعزيمة، لم يكن هناك أي حاجز يحول دون تحول النخبة الحاكمة نفسها إلى ما يشبه "العصابة" التي تدير شؤون الدولة وتستثمر مواردها حسب مصالحها الخاصة، ومن دون رقيب، بل تحول الدولة إلى مزرعة للمصالح الخاصة.
ومن الطبيعي أن لا تشعر مثل هذه النخبة التي نسيت دورها تماما وتحولت إلى آلات لجمع الثروة والمال، لا بمشاكل الناس ولا بمعاناتهم، ولا أن تعاين تفاقم الظلم الاجتماعي، الناجم عن التفاوت الصارخ في توزيع الثروة بين فئات المجتمع وبين المناطق.
ومن الطبيعي أيضا أن تفاجأ بانتفاضة سيدي بوزيد وانتشارها إلى المناطق الأخرى، وأن لا تفهم الكثير مما يجري حولها، وتعتقد أن من الممكن مواجهة انتفاضة الشعب بالحلول التقليدية التي عرفتها، أي بالوعود الكاذبة التي لا تلزم أحدا، وبالتمسك بتطبيق القانون، أي القمع وإطلاق النار على الجمهور الغاضب الذي كان ولا يزال في الواقع قانون السلطة الديكتاتورية الوحيد.
ما يحصل في تونس لا يعلن عن إفلاس المعجزة التونسية التي جمعت بين خيار القمع المعمم واقتصاد الإثراء بأي ثمن، وقادت إلى الفساد والاحتقان الاجتماعي والقتل السياسي، أي في الواقع إلى تحطيم القيم الإنسانية التي لا تقوم من دونها جماعة ولا شعب، قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة وحكم القانون والمشاركة في الحياة العمومية، فحسب وإنما يعبر عن إرادة شعب كامل في الانعتاق والتحرر من الأسر، وكسر القمقم الذي وضع فيه.
وبالرغم من أن شعارات مسيرات هذه الانتفاضة لم تكن سياسية ولا ينتمي المشاركون فيها إلى عالم السياسة ونخبه المثقفة، فإن عملهم هو السياسة الكبرى، لأن مضمونه هو بالضبط تقويض نظام القمع الشامل الذي بنته النخبة الحاكمة، وسعت إلى التغطية عليه بمعدلات تنمية اقتصادية مرتفعة لم تعد تخدع أحدا اليوم، ومن وراء ذلك استعادة هويته الإنسانية، أي القيم التي لا يكون من دونها اليوم الإنسان إنسانا لا في تونس ولا غيرها.
ولذلك أيضا لن يوقف الانتفاضة التونسية تكرار الوعود بمعدلات تنمية استثنائية جديدة تخفف من معدل البطالة أو تحسن مستوى معيشة الناس. ولا تعزيز الإجراءات الأمنية واستخدام سلاح القتل الجماعي. إن طمأنة الشعب على مصيره ومستقبله تستدعي تغيير قواعد اللعبة السياسية من الآن .
هذا هو التنازل الوحيد الذي يوقف انتفاضة الغضب والياسمين ويحرر تونس من كابوسها الثقيل. وتغيير قواعد اللعب يعني هنا تفكيك نظام احتكار السلطة والديكتاتورية الحزبية والشخصية والقمع الذي هو جوهر النظام الاجتماعي والتمييزي القائم، والانتقال بمشاركة جميع القوى السياسية والثقافية إلى نظام ديمقراطي يعيد إلى الشعب حقه في تقرير مصيره، أي في إدارة شؤونه، وينزع هذا الحق ممن صادره بغير حق، ولأي سبب كان.
فتحية لتونس التي تفتح طريق الحرية في عالم عربي قتله الانتظار على الطريق .
الأربعاء، 12 يناير 2011
دعوة للتصالح مع المجتمع
بقلم سعود المولى
في سلسلة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية المصرية (كبرى حركات الجهاد وأهمها) كتاب بقلم الدكتور ناجح إبراهيم (أحد أبرز قادة الجماعة)بعنوان "دعوة للتصالح مع المجتمع"، إستعاد فيه زبدة فكر وفقه المراجعات، من حيث الجمع بين الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة من جهة، وبين تقديم إجتهادات فقهية ومرجعية جديدة، ونقلها لأبناء الجماعة والشباب المتدين بشكل عام من جهة أخرى. وقد ركّز المؤلف على فكرة التصالح ما بين الشباب المتدين وباقي فئات مجتمعاتهم، داعياً إلى نبذ كل ما من شأنه إشاعة الفرقة وبث روح الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد...ولذلك فإن صفحات الكتاب تبدو أشبه ما تكون بمناظرة مفتوحة يطرح خلالها حججه وبراهينه على طرف آخر مفترض، مكثراً من ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات التي تصف "دأب الكثير من الشباب المتدين على قطع الصلة بينه وبين مجتمعه إلى درجة فك الإرتباط الذي يربط بينه وبين أقاربه وجيرانه، وذلك بزعم التميَز بالإيمان".
ويشمل الكتاب أربعة فصول، يؤصل الفصل الأول المسمى: "الإنتماء إلى الأوطان لا ينافي الإنتماء للإسلام"، لمكانة الوطن في الإسلام، ضارباً الأمثلة على عظم مكانة الوطن والوطنية، ومؤكداً أن "الوطنية الحقة هي التي ينبع معناها من الدين، وتسير في نفوس الناس على هدى من تعاليمه، فنحن ننكر المغالاة فيها برفعها فوق حدود الدين، كما ننكر في ذات الوقت التهاون فيها بزعم أنها تضاد الدين وتوافق التعصب لغير الحق".
ويرصد الفصل الثاني "لا للصدام مع المجتمع" الأسباب التي توجد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، مشدداً على أن هذه الإختلافات يجب ألا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً للصدام مع باقي المجتمع، على أساس أن الإختلاف بين بني البشر أمر مقدر من الله عز وجل.
ويعتبر أن ليس كل إختلاف يُنظر إليه على أنه شر محض، فأحياناً يكون إختلاف الآراء وتباين وجهات النظر مدعاة لإثراء الحركة الفكرية والفقهية، ولذا فإنه يقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى نوعين: إختلاف التنوع وإختلاف التضاد، ويعرف النوع الأول بأنه ما لا يكون فيه أحد القولين مناقضاً للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة، ضارباً المثل على ذلك بالإختلاف في المستحب الذي كان يفعله النبي وغير المستحب الذي كان يتركه.
وفي الفصل الثالث يحاول طرح تصور لطبيعة العلاقة بين الدعاة وعوام الناس، والقائم أساساً على الهداية ودعوة الناس، لا الدعاء عليهم، ثم يخصص الفصل الرابع للتشديد على القيمة الضابطة للعلاقة بين الشباب المتدين وباقي أفراد المجتمع، وهي: الدين المعاملة.
وفي هذا السياق يوضح الفارق بين المداراة والمداهنة، لافتاً إلى أن الأولى تعني بذل شيء من الدنيا إبتغاء خير وصلاح الدين، وللدين، ونيلاً للأجر والمثوبة في الآخرة، كما أنها تعني حسن السياسة وكمال الكياسة؛ إذ إننا مأمورون بالإحسان إلى كل الناس، أما المداهنة: ففيها تخلٍّ عن شيء من الدين وتهاون فيه إبتغاء مصلحة دنيوية عاجلة، تعود على صاحبها بالخسران والخذلان في الدنيا في قلوب الناس، وفي الآخرة عند علام الغيوب.
وفي الخلاصة فإن الكتاب يؤكد على أن أهل الدين والتدين الحق هم أعظم الناس إخلاصاً لوطنهم وأكثر الناس عملاً لصالح بلادهم..فالوطنية الحقيقية ليست بضاعة قولية شعاراتية تستورد من الخارج وإنما هي تنبع من ثقافة الناس وحياتهم وأساسها الدين.. كما أن الإنتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه ويوجب الإحسان إليهم حتى لو كانوا على غير ديننا.... وعلينا أن نتمثل بأخلاق النبوة وآداب المعاملة النبيلة التي تجمع ولا تفرق، وتحنو فلا تقسو ، وتستعلي على حزازات النفوس طلباً لتأليف الناس وكسب ودهم..
في سلسلة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية المصرية (كبرى حركات الجهاد وأهمها) كتاب بقلم الدكتور ناجح إبراهيم (أحد أبرز قادة الجماعة)بعنوان "دعوة للتصالح مع المجتمع"، إستعاد فيه زبدة فكر وفقه المراجعات، من حيث الجمع بين الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة من جهة، وبين تقديم إجتهادات فقهية ومرجعية جديدة، ونقلها لأبناء الجماعة والشباب المتدين بشكل عام من جهة أخرى. وقد ركّز المؤلف على فكرة التصالح ما بين الشباب المتدين وباقي فئات مجتمعاتهم، داعياً إلى نبذ كل ما من شأنه إشاعة الفرقة وبث روح الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد...ولذلك فإن صفحات الكتاب تبدو أشبه ما تكون بمناظرة مفتوحة يطرح خلالها حججه وبراهينه على طرف آخر مفترض، مكثراً من ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات التي تصف "دأب الكثير من الشباب المتدين على قطع الصلة بينه وبين مجتمعه إلى درجة فك الإرتباط الذي يربط بينه وبين أقاربه وجيرانه، وذلك بزعم التميَز بالإيمان".
ويشمل الكتاب أربعة فصول، يؤصل الفصل الأول المسمى: "الإنتماء إلى الأوطان لا ينافي الإنتماء للإسلام"، لمكانة الوطن في الإسلام، ضارباً الأمثلة على عظم مكانة الوطن والوطنية، ومؤكداً أن "الوطنية الحقة هي التي ينبع معناها من الدين، وتسير في نفوس الناس على هدى من تعاليمه، فنحن ننكر المغالاة فيها برفعها فوق حدود الدين، كما ننكر في ذات الوقت التهاون فيها بزعم أنها تضاد الدين وتوافق التعصب لغير الحق".
ويرصد الفصل الثاني "لا للصدام مع المجتمع" الأسباب التي توجد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، مشدداً على أن هذه الإختلافات يجب ألا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً للصدام مع باقي المجتمع، على أساس أن الإختلاف بين بني البشر أمر مقدر من الله عز وجل.
ويعتبر أن ليس كل إختلاف يُنظر إليه على أنه شر محض، فأحياناً يكون إختلاف الآراء وتباين وجهات النظر مدعاة لإثراء الحركة الفكرية والفقهية، ولذا فإنه يقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى نوعين: إختلاف التنوع وإختلاف التضاد، ويعرف النوع الأول بأنه ما لا يكون فيه أحد القولين مناقضاً للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة، ضارباً المثل على ذلك بالإختلاف في المستحب الذي كان يفعله النبي وغير المستحب الذي كان يتركه.
وفي الفصل الثالث يحاول طرح تصور لطبيعة العلاقة بين الدعاة وعوام الناس، والقائم أساساً على الهداية ودعوة الناس، لا الدعاء عليهم، ثم يخصص الفصل الرابع للتشديد على القيمة الضابطة للعلاقة بين الشباب المتدين وباقي أفراد المجتمع، وهي: الدين المعاملة.
وفي هذا السياق يوضح الفارق بين المداراة والمداهنة، لافتاً إلى أن الأولى تعني بذل شيء من الدنيا إبتغاء خير وصلاح الدين، وللدين، ونيلاً للأجر والمثوبة في الآخرة، كما أنها تعني حسن السياسة وكمال الكياسة؛ إذ إننا مأمورون بالإحسان إلى كل الناس، أما المداهنة: ففيها تخلٍّ عن شيء من الدين وتهاون فيه إبتغاء مصلحة دنيوية عاجلة، تعود على صاحبها بالخسران والخذلان في الدنيا في قلوب الناس، وفي الآخرة عند علام الغيوب.
وفي الخلاصة فإن الكتاب يؤكد على أن أهل الدين والتدين الحق هم أعظم الناس إخلاصاً لوطنهم وأكثر الناس عملاً لصالح بلادهم..فالوطنية الحقيقية ليست بضاعة قولية شعاراتية تستورد من الخارج وإنما هي تنبع من ثقافة الناس وحياتهم وأساسها الدين.. كما أن الإنتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه ويوجب الإحسان إليهم حتى لو كانوا على غير ديننا.... وعلينا أن نتمثل بأخلاق النبوة وآداب المعاملة النبيلة التي تجمع ولا تفرق، وتحنو فلا تقسو ، وتستعلي على حزازات النفوس طلباً لتأليف الناس وكسب ودهم..
الثلاثاء، 11 يناير 2011
المجلس الشيعي مُهَيمَن عليه وهناك استحواذ على خطاب الطائفة
ابراهيم شمس الدين
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
برنامج عملي للوحدة الوطنية
نحتاج لمعالجة التداخل المربك بين الديني والمجال العام
د. هشام جعفر
من الملاحظات الجديرة بالتأمل في الواقع المصري اليوم هو بروز ظاهرة ما أطلق عليه «فائض التدين» وأقصد بها ذلك التداخل المربك بين الديني وبين المجالات الأخرى ثقافية وسياسية واقتصادية.. إلخ.
ويعد المثل الأبرز لهذا التضخم هو ذلك التضخم في استخدام المفردات والرموز الدينية في المجال العام، وتمثل ظاهرة الفتاوى الدينية: مسيحية ومسلمة أحد أهم تجليات ذلك التضخم. بالإضافة لوجود مجموعة استقطابات حادة على أسس دينية، حيث لم تعد الهوية الدينية أحد دوائر الانتماء العديدة التي تثرى «الهوية المصرية» وترسم مجالها الحيوي، بل على العكس؛ أصبح الانتماء الديني نفيا للآخر في الوطن الواحد.
وقد أنتجت ظاهرة «فائض التدين» مجموعة من الظواهر الثقافية الخطيرة، منها:
1. الحساسية للاختلاف الديني والثقافي: بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه.
2. التمركز حول الذات الثقافية – الدينية: بمعنى الحكم على الآخرين وفق المعايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة.
3. التمييز: التفرقة في المعاملة.
4. التحامل: تشكيل لرأي أو موقف شعوري دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية.
5. النمطية والتعميم الثقافي – الديني: أي النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أي اختلاف أو تنوع.
هذا التحليل الثقافي يجعل قيمة التنوع أحد أهم قيم التنشئة في المجتمع المصري. فالتنوع في جوهره يعنى التسليم بالاختلاف، التسليم به واقعا لا يسع عاقلا إنكاره، والتسليم به حقا للمختلفين لا يسع أحد أو سلطة حرمانهم منه.
يجب أن يُعطى للتنوع مشروعيته في الثقافة المصرية السائدة، ويستلزم الاعتراف بهذه المشروعية التسليم بحق المختلفين في التعبير عن اختلافهم. فالتنوع في جوهره يعنى ثلاثة أشياء، هي:
1. الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما.
2. احترام هذا التنوع وما يترتب عليه من اختلاف.
3. إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية، وبشكل يحول دون نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع.
ولكن كيف يمكن أن نصل إلى تسهيل عملية التواصل بين الحدود الثقافية - الدينية تمهيدا للوصول إلى حالة التناغم الثقافي التي كانت سائدة في المجتمع المصري؟ وبرأيي أن السبيل للوصول لحالة التناغم الثقافي تلك علينا اعتماد برنامج يستدعي بفاعلية الآليات التالية:
1. الوعي: وهى النقطة التي ندرك عندها أن هناك ما هو إيجابي خارج نماذجنا الثقافية - الدينية.
2. الفهم: وهى النقطة التي ندرك فيها أهمية القيم الإيجابية الكائنة بثقافة الآخر، وندرك سبب وجودها.
3. القبول: عندما ندرك أنه ينبغي علينا السماح لأصحاب الثقافات الأخرى بأن يعيشوا كما يرغبون، وليس كما نرغب نحن.
4. التقدير: وهى النقطة التي نبدأ عندها رؤية القيمة الإيجابية في الأمور التي تقع خارج نماذجنا الثقافية - الدينية الخاصة.
5. التناغم الثقافي: عندما نبدأ في دمج خبراتنا مع مجموعة متنوعة من الخبرات الثقافية الموجودة في المجتمع.
وهذا يتطلب:
1. الانتقال بالديني إلى المدني، أي خلق مجال مدني مشترك يتحرك فيه الجميع مساهمين وفق نماذجهم الثقافية - الدينية في حل مشكلات مجتمع يعانى أزمات عدة متصاعدة.
2. استدماج قيمة التنوع في مجالات ثلاثة: التعليم - الخطاب الديني - التنشئة في الأسر المصرية.
د. هشام جعفر
من الملاحظات الجديرة بالتأمل في الواقع المصري اليوم هو بروز ظاهرة ما أطلق عليه «فائض التدين» وأقصد بها ذلك التداخل المربك بين الديني وبين المجالات الأخرى ثقافية وسياسية واقتصادية.. إلخ.
ويعد المثل الأبرز لهذا التضخم هو ذلك التضخم في استخدام المفردات والرموز الدينية في المجال العام، وتمثل ظاهرة الفتاوى الدينية: مسيحية ومسلمة أحد أهم تجليات ذلك التضخم. بالإضافة لوجود مجموعة استقطابات حادة على أسس دينية، حيث لم تعد الهوية الدينية أحد دوائر الانتماء العديدة التي تثرى «الهوية المصرية» وترسم مجالها الحيوي، بل على العكس؛ أصبح الانتماء الديني نفيا للآخر في الوطن الواحد.
وقد أنتجت ظاهرة «فائض التدين» مجموعة من الظواهر الثقافية الخطيرة، منها:
1. الحساسية للاختلاف الديني والثقافي: بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه.
2. التمركز حول الذات الثقافية – الدينية: بمعنى الحكم على الآخرين وفق المعايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة.
3. التمييز: التفرقة في المعاملة.
4. التحامل: تشكيل لرأي أو موقف شعوري دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية.
5. النمطية والتعميم الثقافي – الديني: أي النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أي اختلاف أو تنوع.
هذا التحليل الثقافي يجعل قيمة التنوع أحد أهم قيم التنشئة في المجتمع المصري. فالتنوع في جوهره يعنى التسليم بالاختلاف، التسليم به واقعا لا يسع عاقلا إنكاره، والتسليم به حقا للمختلفين لا يسع أحد أو سلطة حرمانهم منه.
يجب أن يُعطى للتنوع مشروعيته في الثقافة المصرية السائدة، ويستلزم الاعتراف بهذه المشروعية التسليم بحق المختلفين في التعبير عن اختلافهم. فالتنوع في جوهره يعنى ثلاثة أشياء، هي:
1. الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما.
2. احترام هذا التنوع وما يترتب عليه من اختلاف.
3. إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية، وبشكل يحول دون نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع.
ولكن كيف يمكن أن نصل إلى تسهيل عملية التواصل بين الحدود الثقافية - الدينية تمهيدا للوصول إلى حالة التناغم الثقافي التي كانت سائدة في المجتمع المصري؟ وبرأيي أن السبيل للوصول لحالة التناغم الثقافي تلك علينا اعتماد برنامج يستدعي بفاعلية الآليات التالية:
1. الوعي: وهى النقطة التي ندرك عندها أن هناك ما هو إيجابي خارج نماذجنا الثقافية - الدينية.
2. الفهم: وهى النقطة التي ندرك فيها أهمية القيم الإيجابية الكائنة بثقافة الآخر، وندرك سبب وجودها.
3. القبول: عندما ندرك أنه ينبغي علينا السماح لأصحاب الثقافات الأخرى بأن يعيشوا كما يرغبون، وليس كما نرغب نحن.
4. التقدير: وهى النقطة التي نبدأ عندها رؤية القيمة الإيجابية في الأمور التي تقع خارج نماذجنا الثقافية - الدينية الخاصة.
5. التناغم الثقافي: عندما نبدأ في دمج خبراتنا مع مجموعة متنوعة من الخبرات الثقافية الموجودة في المجتمع.
وهذا يتطلب:
1. الانتقال بالديني إلى المدني، أي خلق مجال مدني مشترك يتحرك فيه الجميع مساهمين وفق نماذجهم الثقافية - الدينية في حل مشكلات مجتمع يعانى أزمات عدة متصاعدة.
2. استدماج قيمة التنوع في مجالات ثلاثة: التعليم - الخطاب الديني - التنشئة في الأسر المصرية.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)