السبت، 5 فبراير 2011

رائعة جديد للشاعر أحمد فؤاد نجم

كأنك مفيش

برغم إن صورك فـ كل الدواير وكل المداخل وكل المحاور
ومليا الشوارع على كل حيط مطنش علينا وعامل عبيط
كأنك مفيش ..
***
يا فرحة قلوبنا رئيسنا ظريف فُكهي إبن نكته ودمه خفيف
فـ عهدك سيادتك فَرَشنا الرصيف وآخر مُنانا غُموس اورغيف
وكل أمَّا تُخنُق ندوَّر ..
مفيش !!
***
مسيِّب علينا عصابة حبايبك فضايح وسرقة ونهب بسبايبك
مابين حزب نجلك وهانم جلالتك وجيش الغوازي اللي داير يجاملك
وناملك وقاملك .. وحارسك وأمنك شبعنا مهانه .. شبعنا لطيش ..!

وأنت يا ريس كأنك مفيش ..
***
باعونا فـ حضورك ببركة عِبـيدك وغالي وسرورك
باعوا الأراضي وكل المصانع وباعوا البنوك ..
وقدَّام عِنيك صوتنا إتـنبح ننادي.. يا ريس ده باعوا الحديد !!
وأنت مطننش وفكرك بليد !!
.. كأنك مفيش !!
***
دوشتوا دماغنا " بجمال " طلعتك ومن يومها وإحنا عَبـيد حضرتك
ما تزعلش إني مواطن أبيح ورافض كلابك فـ شعبك تطيح
فسادهم يا ريِّس واضح صريح قوم بينا صلّح وفتَّش .. وثور
ح نكتب تاريخك ياريِّس بنور مش تبقى عايش كأنـَّك مفيش !!
***

ورحمة أبوك مادام أنت قاعد عيب لمَّا عُصبة نَـوَر يسحبُوك
م تُقبض عليهم .. م تقطع إيديهم م تعمل عليهم يا ريِّس شاويش
بدل م انت ساكت وقاعد مفيش
***

ياريس علىّ الطلاق تعبانين !! يا ريس علىّ الحرام كفرانين !!
صبرنا سنين سيادتك مسلطن وشعبك وناسك بتآكل مسرطن
وتشرب مجاري وميت سم هاري .. وهما غلابة ومش دريانين !!
ما تنهض يا ريس تلم الديابه ؟!! ده شعبك غلابة ومليان طيابه ..
وهوَّ الشفاعة ف يوم الحساب وهما البطانة الحثالة الكلاب
ما يملاش عنيهم غير التراب وليهم ضوافر وميت ألف ناب
وواقفين لشعبك ورا كل باب لإمتى ح تسكت وليه الغياب ؟
ده ياما ممالك طواها التراب حياتنا ياريس تعب فوق عذاب
***
يا ريس " شريفك " ماهوَّاش شريف !! " نظيفك " يا ريس ماهوَّاش نظيف !!
وحتى " حبيبك " ماهواش حبـيب !!
وأنا غصب عني خلاص إستويت بـغـُلبي إنحنيت
وطلعان عنيا وصعبان عليا بحسبة بسيطة ومن غير خريطه ..
وكونك مفيش .. لقيت متساويش ومش فارقه كوني اموت او أعيش ..

***

نويت أشتكيك للِّي فوقي وفوقك وأصلي الفرايض ..عسى يفـُك طُوقـك
قالولي إللي يسجد عدو النظام !!
حاولت أحكي حالي ..!! قالولي الحكاوي نميمة وحرام !!
فكرت أكتب .. لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام !!
فقررت أحلم .. هاحلم سيادتك وأفُك اللِّجام
ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم وصِّي العساكر .. تاخُدني أمَّا انام !!

***

حلمت إني شعب ومصلوب بطولي على أرض سمرا
ودمي بينـزف ومليان جروح وفوق صدري جمرة
يميني مربّط على أرض طابا شمالي ممسمر فـ "أولاد علي"
ورجلي على جزع نخلة فـ "حلايب" ومرتاح براسي على حِجْر مصر
وشوفتك ياريس ...كأنك نبي ... فـ إيدك عصاية وليك معجزات
وشايل صليبي وبتفـُكني .. وانا فـ جنَّه خضره .. وتحتي جداول ..
ومن فوقي نور .. وريحة بخور ..
همست ف ودانك بآخر وصيّة
إنسى إللي فاتك .. هننسى الأسية .. !! أمانه عليك ..
حُط الوطن جُوَّه نِنِّي عينيك كرامة عيالنا أمانة ف إيديك
بحق إللي بينّا يا ريِّس وبـينك وحَق اليَمِين و" ألكتاب " فى يمينك
بحق الشهيد .. إللي رافع جبينك
وجيش إنتصارك فى يوم العبور وجيل حُر طالع .. وعدته بدور
لملم عيالك .. وجمَّع فـ مالك
وإسحب " جمالك " وسيبنا وغور

قراءة في فقه العصيان المدني السلمي للمستشار طارق البشري

العصيان المدني فعل إيجابي يلتزم عدم العنف ويهدف لنزع الشرعية عن حاكم فقد شرعيته

في 2006، أصدرت دار "الشروق" المصرية للنشر كتاب "مصر بين العصيان والتفكك" لمؤلفه المستشار والمؤرخ طارق البشرى، ثم لم تلبث أن أصدرت طبعته الثانية في يونيو 2010. والكتاب مجموعة مقالات (مقدمة وأحد عشر مقالا على وجه التحديد) كان المستشار البشري قد كتبها قبل صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2006.
وفي "مصر بين العصيان والتفكك" تناول المستشار البشري عدة موضوعات منها "تعديل للدستور"، وما يسبق تعديل الدستور.. أو ما يصاحب المطالبة به، و"شخصنة الدولة"، و"أدعوكم إلي العصيان"، و"من الإصلاح السياسي إلي الإصلاح الدستوري.. والعكس"، و"الإصلاح صناعة محلية"، و"الهدف الغائب في حركتنا السياسية"، و"علم الاستبداد والطغيان"، و"النظام الدستوري بين السياسة والقانون"، و"المسألة القضائية وتفكك نظام الحكم". وتحت عنوان "هذه إمارة شرم الشيخ، فأين دولة مصر" اختتم البشري كتابه مؤكداً على أن القيادات السياسية صارت تهتم بنسبة 10 % فقط من إجمالي "سكان مصر"، وأنها تركت بقية المصريين بغير رعاية؛ لأن " السكان" أنجبوا كثيرا، وأصبح المصريين سكانا، فيما صارت صفة المواطنة تنطبق على 10 % فقط منهم.

أعمدة لجمع الشمل وترسيخ الحركة
يشير البشري في كتابه إلى أن ثمة أعمدة ثلاث علينا أن نبني الإجماع عليها. وأول هذه الأعمدة هو التحقق الديمقراطي بوصفه أسلوباً وتنظيمات لإدارة الدولة ولإدارة المجتمع بتشكيلاته كلها. ويرى أن افتقادنا هذا العماد قد كبدنا خسائر باهظة خلال العقود الأخيرة.
وثاني هذه الأعمدة يتمثل في "الخط الوطني". ويرى المستشار البشري أن هذا العماد كان يشار إليه في بداية مقاومتنا للنفوذ الأجنبي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عبر شعار "مصر للمصريين". ويرى البشر أن هذا الشعار تاريخي، وأن المتغيرات المعاصرة تدفع هذا العماد الوطني لصير تعبيراً عن تحرير الإرادة السياسية الرسمية من ضغوط الخارج عليها، أو تحريرها من احتلال الإرادة الخارجية لها؛ وتحديدا الإرادة الأمريكية. ويضع المستشار البشري هذا العماد في إطار سياق تاريخي تعلو فيه الهيمنة الأمريكية علي السياسات الرسمية، ويتعاظم فيه الخطر الصهيوني الحال بالأمة المصرية، فضلا عن التهديدات غير المباشرة من خلال إصابة السودان وتذويب الهوية العربية تحت مسمى إقليم الشرق الأوسط الكبير.. إلخ.
ويضيف المستشار البشري عمادا ثالثا يقوم على اتخاذ سياسات اقتصادية تكفل للمصريين الإشباع الكافي للحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في المعيشة، وهو ما من شأنه أن يقلل الاعتماد علي الخارج في شأن الضروريات إلي حد معقول، مما يسهم في تخفيف العبء الأمني القومي.
الدستور.. بين الفاعلية وانعدامها
ومن بين الفصول ذات الأهمية البالغة في كتاب البشري، الفصل الأول منه، والذي يرى فيه المستشار البشري أن عقودا من الحكم الفردي المستبد في مصر قد حطمت الكيانات المعبرة عن المجتمع، حيث جمدت الإدارة الحاكمة كل أشكال العمل الأهلي والسياسي، فلم تعد توجد في مصر نقابات أو جمعيات أو أحزاب تتسم بقدر من الفاعلية ولو محدود. وعليه، فهو يرى أن مطلب تعديل الدستور مطلب صوري، وأن الرؤية التي ترى هذا المطلب محورا لنشاطها تقع في خطأ كبير. ويوضح المستشار البشري أن الدستور نص، وأن هذا النص يفقد قيمته في إطار يتحداه ويهمشه.
ويلفت البشري النظر إلى أن الدستور كبنية قانونية محضة لا ينشئ واقعا سياسيا. وأن المطالبة بتغييره لن تخلق الحركية السياسية أو القوى الاجتماعية والسياسية المنشودة. بل على العكس، يرى أن تغيير الدستور في ظل الفراغ القائم سيصب في مصلحة الإدارة الحاكمة؛ لأنه سيعطيها الفرصة لتظهر بمظهر الديمقراطية، في الوقت الذي لا يحدث فيه تغيير جوهري على أرض الواقع.
ما يطرحه المستشار البشري هنا أن القانون إطار شكلي للحياة السياسية، تتوقف فاعليته ضمن هذا الإطار على توفر إرادة الانصياع له وتسييده. وما لم تتوفر هذه الإرادة، فإن وجود الدستور أو تغييبه؛ فضلا عن تعديله لن يصنع فارقا. فهو مغيب في كل الأحوال. ويوجه البشري النظر لضرورة بناء الحركة الاجتماعية السياسية القادرة على فرض احترام هذا الدستور.
دعوة الأمة للعصيان
كانت المقالة الرابعة في كتاب "مصر بين العيان والتفكك" صريحة في دلالتها على بلوغ شرعية الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر حدا بعيدا من التآكل والانهيار، حيث حملت عنوان: "أدعوكم إلى العصيان".وفي هذا المقال، يرى المستشار طارق البشري أنه كلما ضاقت دائرة الأفراد الممسكين بزمام الدولة زاد تضييقهم على خصومهم السياسيين، ويزيد احتمال استخدام آلة الدولة الأمنية لقمع أي حركة مخالفة في مهدها، وهو ما تستخدمه الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر لمواجهة أي فعل حركي بصورة تلقائية، وهو أيضًا ما يتوقعه أي فعل حركي منها. في هذا الإطار يرى البشري أن الفعل المنتج يستوجب صبرا على الشدائد التي ستواجهه حتما، وطول النفس، واستبقاء السلمية في التعبير رغم الصعاب. فذلك النهج يزيد من فاعلية ومن اتساع جامعة الحركة الشعبية ونمو شمولها.
فالعصيان المدني وفق هذه الرؤية "فعل إيجابي" يلتزم تماما "عدم العنف" ويقوم على تصميم المحكومين أن "ينزعوا غطاء الشرعية تماما" عن "حاكم فقد شرعيته فعلا" منذ زمن.
ويضرب المستشار البشري مثالا من تجربة الهند، لافتا إلى أن الانجليز ما كانوا يستطيعون أن يحكموها بغير تعاون الهنود وخضوعهم، وأشار إلى أن هذا ما أدركه الزعيم الهندي غاندي، وعمل على إنهاء هذا التعاون، فما لبث الحكم الإنجليزي أن انتهى، رغم أنه كان يعتمد على جيوش وأساطيل إنجليزية، كما كان جهاز الدولة الهندي يتشكل في قياداته من الإنجليز. ومعقد الاستشهاد بتجربة الهند في نظر البشري أن هذا الأسلوب نجح ضد حكام أجانب وضد آلة حرب أجنبية وضد جهاز دولة يشكله ويشرف عليه ويشترك في أنشطته الوسطى أجانب لا يبالون بمدى تضرر الطرف الهندي، فمن باب أولى أن ينتج أثره الكبير إذا لم يوجد أجنبي في حكم أو في آلة حرب أو في أجهزة الدولة.
الإصلاح صناعة محلية
يضاف إلى المقال السابق في تميزها ذلك المقال السادس الذي حمل عنوان "الإصلاح صناعة محلية"، والذي يؤكد فيه المستشار طارق البشري على أن أول شرط للديمقراطية هو أن تكون منتجا محليا صرفا في حالة الأوطان القطرية، وصناعة حضارية واقعية في حالة الكيان الأشمل وهو الأمة، تحمل من عبر الماضي ودروسه ومآسي الحاضر ومرارته، دون تدخل أياد أجنبية على الوطن. ويؤمن البشري بضرورة أن تتشكل الديمقراطية المنشودة في ممارساتها وإجراءاتها ثم في تكوينها بعجين وطنية.
ويفسر المستشار البشري رؤيته بتوطين الديمقراطية الإصلاح بالإشارة إلى أن أية استعانة بأية قوة خارجية للاستقواء بها من أجل تحقيق مصلحة داخلية ستفضي بنا أمام أنفسنا لحالة هزيمة معنوية فحواها وهننا وانعدام قدرتنا على إدارة شؤوننا الذاتية، وقصور إمكاناتنا الذاتية عن حماية مصالحنا الوطنية الصرفة في مواجهة نخبة وحراسها تقدر بالمئات، وهو ما قد يطرح أمام أنفسنا السؤال عن حقيقة قدرتنا على حماية مصالحنا وأوطاننا. ويحيل المستشار البشري إلى قاعدة عامة قوامها أن "من لا يقدر لا يستحق". وبهذا المعنى، فإن الحركة الإصلاحية إذا أقررت على نفسها بعدم القدرة على حماية وطنها من المستفيدين الداخليين، فإن قوى العدوان الخارجي تفهم من ذلك أننا لسنا مستحقين لهذه الحماية.ويضيف المستشار البشري بعد آخر قوامه التساؤل النافذ عن مدى مقبولية أن تطلب الحركة الإصلاحية الوطنية العون من أعدائها؛ أعداء الوطن، لافتا إلى أن القوى الخارجية مستفيدة من مواردنا أولا ومن صون الإدارات الحاكمة الفاسدة في أوطاننا لمصالح هذه القوى الأجنبية، وهو ما دفع هذه القوى للوقوف دوما إلى جانب المستبدين، ينصرونهم على شعوبهم المتعطشة للتحرر والكرامة.

الخميس، 3 فبراير 2011

اليوم مصر، وغداً.... لناظره قريب

سعود المولى
في التلمود خرافة دينية تصف لنا واقع حال بلادنا العربية. تقول الرواية إن سيدنا سليمان (النبي/الملك) حين شرع ببناء المعبد/الهيكل في أورشليم (مدينة السلام/القدس) لم يجد أفضل من تشغيل الجن لإنجاز العمل الذي إستمر لمئات من السنين..وقد فاجأه الموت وهو يقف متكئاً على عصاه يراقب عمل الجن المرعوبين منه..إلى حد أنهم لم ينتبهوا لموته، فيما كانت دودة الأرض تأكل عصاه الهرمة..وهم إستمروا في العمل برغم أن أحدهم إنتبه وحاول تنبيههم بالغناء المتواصل أثناء العمل (ولعشرات السنين): أخضر يابس هات...سيدنا سليمان مات... ولكن دون جدوى..حتى وقع الملك بعد سقوط عصاه !
هكذا حال أنظمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، وبعضها معمّر مثل عصا سليمان..ومعظمها لا ينتبه إلى الدود ينخرعصا المُلك.. وكلها يظن أنه بمنأى عن غضب الناس وعن وعيها وإنتظامها في حركات إجتماعية تغييرية..
والسياق التاريخي العام (الإجتماعي والسياسي) لنشوء الحركات الإجتماعية عادة هو سياق "الأزمة" (أو "الأزمات")، التي تفرز عناصر المناخ العام الحاضن لتلك الحركات، والتي تطلق ديناميات تُحرَِر الناس من وهم الخوف وهمّه، ومن سحر عصا السلطة.. فتدفع الأفراد إلى العمل معاً من أجل أهداف مشتركة ، وبشعارات موحّدة ، وبمطالب واحدة، (جماعية الجهد والتنظيم وجماعية الهدف والمصالح والمطالب)..وتبلور لهم نظام القيَم (أو المشروع/القضية) التي تربط بينهم بعروة وثقى تدفعهم إلى الإنتماء والإلتزام، وإلى التعبئة (وليس الحشد)، وإلى إستمرارية الحركة (وليس موسمية التحرك).

1- أزمة فقدان العدالة والتوازن والكرامة في العلاقات الدولية: وهي تفاقمت منذ أحداث 11 أيلول والتطورات اللاحقة التي ساهمت في دفع العداوة الكامنة بين العالم العربي والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى حدها الأقصى. وقد إستفادت الإتجاهات الأصولية المتطرفة من هذه الأزمة لإكتساب شرعية شعبية في مجتمعاتنا. إن إنحياز الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لإسرائيل، وإعتماده سياسة "الكيل بمكيالين"، هما جوهر الأزمة القائمة بين العالمين العربي والغربي، والتي أدت فيما أدت إليه إلى إعاقة التطور في بلادنا..
2-الأزمة الناجمة عن العجز عن بلورة مشروع حضاري يؤمّن مصالحة المجتمعات العربية مع الذات ومع العصر. فالعالم العربي يُعاني من مخاض حضاري عميق. فهو عالم يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم يستطيع من خلاله أن يكون عنصراً إيجابياً في صنع الحضارة الإنسانية، إنطلاقاً من أصالة هويته وفرادة تراثه. وقد كشفت لنا السنوات والتجارب الماضية عن أن الهول الذي يواجهنا عرباً ومسلمين،كما مسلمين ومسيحيين، كبير جداً، ويتناول سلامتنا الجسدية المادية، ومضموننا الثقافي والقيَمي، ومصالحنا الإقتصادية، في أخص ما لها من خصائص وفي أشمل ما لها من أطر. كما يتناول دورنا في العالم، إذ يراد لنا أن نكون مجموعة من البشر تزّود العالم المتقدم إمكانات السوق وتستهلك ما ينتجه على كل الصعد، وتبقى كماً مهملا لا دور لها ولا ريادة في صنع هذه المرحلة من التاريخ.
3- أزمة التنمية في العالم العربي: وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد إحتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ25%...وقد إعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكداً أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لإنعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6% و 30% في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9% في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر.
وأسباب هذه الأزمة تعود في الأساس إلى تعذر إقامة أنظمة حكم ديموقراطية قائمة على حكم القانون والمشاركة الشعبية وقادرة على رسم السياسات الإنمائية وتوفير رقابة حقيقية على تنفيذها على أسس المساءلة والشفافية. ومن الأسباب الأساسية الأخرى لهذه الأزمة: وجود قيود كثيرة على مشاركة النساء في الحياة العامة، وغياب التنوع في البنية الإقتصادية بسبب الإتكال على عائدات النفط الخام والغاز، وتضخّم الإستدانة الخارجية، وتفشي ظاهرة الإهدار، والإندفاع المحموم في شراء السلاح، فضلاً عن إنتشار الفساد بجميع أنواعه من رشاوى وسرقات وعمولات مشبوهة وهو السبب الأكثر وحشية وهمجية في مجتمعاتنا.
4-أزمة الديموقراطية في العالم العربي حيث أن الأنسان لا يستطيع ممارسة حقه في توليد السلطة ومحاسبتها. لم تنتج الدولة الحديثة في العالم العربي نموذجاً للديموقراطية الخاص بها فلجأت إلى أشكال من الديكتاتورية الظاهرية والمقنعة. ففي العالم العربي نوعان من الأنظمة: أنظمة تقليدية لا تقر للشعب بحقه في ممارسة سيادته عبر إختيار ممثليه وتكوين مؤسساته الدستورية؛ وأنظمة إستبدادية تصادر مجتمعاتها، فتختزلها بحزب وتختزل الحزب بشخص. وما يجمع بين النظامين التقليدي والإستبدادي، رفضهما لمبدأ تداول السلطة وحكم القانون وحق المشاركة وإحترام حقوق الإنسان.
ولا يجد الإنسان من سبيل للخروج من هذا الوضع سوى العودة إلى الماضي هرباً من الحاضر وخوفاً من المستقبل. ولهذه العودة إلى الماضي أشكالها المختلفة: فإما تكون عودة إلى نوع خرافي من الدين بعد أن تكون السياسة قد إختزلته، وإما تكون عودة إلى التكوينات الطائفية والإثنية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة الوطنية.
5-أزمة الحرية في العالم العربي حيث تحوّل هذا العالم إلى "سجن كبير" تعيش وتموت بين جدرانه العالية أجيال وأجيال لم يعط لها حق المشاركة في تقرير مصيرها وتحقيق ذاتها؛ أجيال تنظر إلى العالم فتراه في حركة دائمة يتقدم حيناً ويتراجع أحياناً، بينما الزمن، زمنها، هو زمن معلق يحرسه الخوف، الخوف من كل شيء، من الوشاية والتجسس والتنصت والأجهزة. حتى أن هذا الخوف لم يعد بحاجة إلى خارج يستند إليه، فصار خوفاً يولد نفسه بنفسه، يجعل الإنسان رقيباً على ذاته، يتولى هو بنفسه مهمة قمع كل ما من شأنه أن يعرضه إلى خطر الملاحقة. وهذه الحراسة الذاتية هي التي دفعته إلى التخلي عن حقه في حياة طبيعية وعطلت حسه النقدي.

ربيع الشعوب العربية: دلالات ودروس
1- حدث واحد وحيد حكم إنتفاضة الشعب التونسي وقاد حركته: الشهادة النبيلة لمحمد البوعزيزي.. شهادة "إنتحارية" على طريقة الكهنة البوذيين..حتى أن الشيخ يوسف القرضاوي لم يجد سوى أن يدعو الناس للصلاة كي تشفع لبوعزيزي عند الله.. شهادة بوعزيزي (وهو شهيد أكثر من أي إنتحاري يفجر نفسه في الناس بفتاوى متدينين جهلة) أطلقت إنتفاضة الكف العاري في وجه السيف، والدم البريء في وجه الدبابة.. كان لا بد من فعل "إستشهادي" فردي، يستعيد سيرة الحسين الحقيقية ونموذجه الفعلي: الجهاد المدني في وجه الظلم والطغيان...وقوة الإنسان الأعزل في وجه آلة القمع والبطش.. وهذه بالمناسبة سيرة الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها وقد أسقطت أعتى الإمبراطوريات وأشدها فراسة ووحشية بالمظاهرات المليونية السلمية "الإستشهادية"..
2- حدثان إثنان حكما مسيرة إنتفاضة الشعب المصري وأشعلا نيرانها: الإنتخابات المهزلة التي أجراها النظام (والتي تشبه إنتخابات الرئيس شمعون العام 1957)، وقد رفضتها كل القوى المحلية والدولية، بما فيها أميركا نفسها. ثم الهبة الوطنية-المدنية التي أعقبت تفجير كنيسة القديسَين في الإسكندرية. لقد لعب النظام مغامرته الأخيرة حين لم "ينتبه" إلى حساسية المسألة الطائفية في البلاد وحين ضرب عرض الحائط بذكاء ووعي ووطنية وكرامة المصريين، ناهيك عن تجاهله (الأعمى البصر والبصيرة) لعقود وعقود من القهر والبؤس والظلم والحرمان والفساد، قل مثيلها في العالم.
3- أجمع المعلقون والمراقبون على أن الأحزاب لم تكن موجودة.. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث..يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة في البلدين لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول..ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره..وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً "طالما أن أميركا والجيش معنا الآن"..ولكن الناس لم ولا تغادر ميدان التحرير..وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية..ذلك أن الحركات الإجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية ...
4- في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (في العام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد.. وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من إستقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الإستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي إجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته".
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت إستقراراً كبيراً في المجتمع المصري؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً ، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية..
والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي) ، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة...كما يعني تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته..
5- تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والإستبداد الديني بعد الإنقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي-رفسنجاني-موسوي).. وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد..(ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس).. وفي تونس والمغرب والسودان والأردن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي الديموقراطي عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية ، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه..فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الإجتماعي الفعلي للناس وهمومها.. إذ كان همّه تقاسم السلطة.. فغاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون بالمناسبة) عن ساحة الفعل الإجتماعي السياسي.
وفي غزة جمدت التجربة الإسلامية عند حدود المراوحة ما بين إمارة طالبانية مستعصية على التطبيق وما بين "سلطة فئوية" تستفيد من الإحتلال لإدامة سلطتها ولو بتمديد الهدنة ومنع الصواريخ...
نعم تحتاج الحركة الإسلامية العربية اليوم إلى مراجعة شفافة لهذه الأمثلة ولغيرها (وأولها لبنان)...
6= في تونس ومصر والجزائر صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصر وإستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايس بوك إلى التويتر واليوتيوب..وصف موقع أون إسلام المظاهرات كالتالي: "حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم.. وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات .. حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على المظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للمظاهرات ثم إندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية..التغيير..العدالة الاجتماعية"..
7= أحمد عبد الحامد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، كتب ملاحظاته بشكل عفوي على صفحته بالفايس بوك، ومما قاله فيها: "أنا شفت مفاجآت كتيرة وعظيمة.. منها إن معظم المشاركين كانوا شباب وفرافير، بتوع الفيسبوك ، شكلهم يدل على راحة مادية نسبياً، وناس كتير منهم ، شفت زملاء في الكلية ماشفتهمش من عشر سنين، فى المظاهرة دي".
السمة الشبابية للإحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ويقول عبد الحامد في هذا: "من المفاجآت إنه على الرغم من أن معظم الناس شباب.. بس كان فيه كبار وستات فى الخمسينات، ماشيين على مهلهم كده، ومش قليلين، وكان فيه ناس ماشيين بولادهم". شاب آخر نشر على صفحته على "فايس بوك" ضمن ما نشره عما أعجبه في الإحتجاجات التي شارك فيها لمحات عن ذوبان الفروق الدينية بين المحتجين: "في بنت معانا مكنتش أعرفها.. كانت بتحلف بالمصحف وبالنبي، عرفت بعدين إنها مسيحية.. الغريب إنه مبانش عليها، ليه؟ عشان كلنا بنحب بلدنا، وبنهتف عشان تبقى أحسن، فما بانتش الفروق الطفيفة دي".
ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة،تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية...ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل..(أنظر نموذج حركة كفاية ثم حركة شباب 6 أبريل..ومؤخراً نموذج شباب وشابات موقع "أون إسلام" وموقع "مصريون معاً" لحماية العيش المشترك)..الأمر الذي سمح تالياً بتنويع إستراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل إستبق سياسات السلطة وأربكها..كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الإجتماعية الواسعة.

وبعد..فقد كنا فتية صغارا يوم هتفنا "اليوم الجزائر..اليوم فيتنام.. وغداً فلسطين"..ثم حملنا السلاح شباباً وهتفنا بصدق وحرارة "اليوم إيران وغداً فلسطين".. ترى هل نحلم بأن: اليوم مصر وغداً...غداً.. إن غداً لناظره قريب!..

تجربة اليسار المتحول للإسلام في العدد الثاني من سلسلة مراصد

الإسكندرية في 23 يناير–
كشف العدد الثاني من سلسلة "مراصد" الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية عن التجربة الفريدة لتحول اليسار إلى الإسلام السياسي، في دراسة بعنوان "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار، الباحث السياسي والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس (EHESS, Paris)، والجامعة اللبنانية في بيروت.
وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، منها نقاط التقارب الانتقائية بين الإسلام والعالمثالثية، ونشأة الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وقصة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، وما الذي يمكن استخلاصه منها، بالإضافة إلى حوار مع منير شفيق وسعود المولى؛ شخصين من الكتيبة الطلابية.
وتبين الدراسة في البداية أن مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتأثير الطارد للمسألة الفلسطينية، واستمرارية المسألة الوطنية ومنطق العالمثالثية في منطقة الشرق الأوسط، سمحت دائمًا بحدوث حالات فريدة ومتداخلة من الانتقال السياسي التي تتقاطع فيها الحدود بين القومية العلمانية والإسلام السياسي. وبذلك، فقد حدثت التقاءات وجدانية، عبر ما يسمى بنقاط تقارب انتقائية، بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض حركات اليسار اللبنانية وبين الثورة الإيرانية، نتيجة التموقع الاستراتيجي وخطوط التباين السياسي والإيديولوجي.
ويتطرق الباحث إلى أهمية الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وكيف أن تلك الكتيبة الطلابية، بالرغم من أنها كانت هامشية في حركة فتح، إلا أنها أخرجت بعض الشخصيات المحورية في الإسلام السياسي ذي النزعة الوطنية. وقد ولدت الكتيبة الطلابية لحركة فتح عام 1974 عبر اتجاهين اثنين: الأول كان بواسطة شباب الطلبة اللبنانيين الذين خرجوا من منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذين أسسوا عام 1972 مجموعة ماوية صغيرة أو ما سمي "نواة الشعب الثوري"، والثاني عبر القادة اليساريين الفلسطينيين الذين عارضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجته حركة فتح الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.
ويرى بويار أن الكتيبة الطلابية هي ثمرة التقاء فلسطيني لبناني، لاتجاه يساري مستوحى من تجارب الانغماس الشعبي لدى اليسار البروليتاري ولدى الثورة الثقافية الصينية، وبين كوادر فلسطينية راغبين في إعادة توجيه مسار حركة فتح باتجاه اليسار الوطني، لتتحد الكتيبة الطلابية مع حركات أخرى مثل المقاومة الشعبية التابعة لخليل عكاوي بشكل خاص، وهو اللبناني ذو الأصل الفلسطيني والزعيم الكاريزمي لحي باب التبانة الشعبي في طرابلس، وكانت حركته هي الأخرى تستلهم في جزء منها تجارب العالمثالثية ذات الاتجاهات الماوية والفيتنامية والأمريكولاتينية.
ويوضح البحث أنه في أعقاب الثورة الإيرانية، قاد الإسلام السياسي دفة القيادة بالنتيجة؛ فمن ثالوث اليسار والعالمثالثية والإسلام الذي كان يحمله هذا اليسار الماوي، لم يتبقى في النهاية سوى عنصريه الأخيرين. ذلك أن الثورة الإيرانية بوصفها ثورة الجماهير الشعبية الوحيدة في المنطقة تاريخيًّا، نجحت بقوة في الاستحواذ على المفردات الكلاسيكية: مناهضة الإمبريالية، والانقسام شمال - جنوب، ومركزية نموذج الإنسان المضطهد، مرورًا بأسلمة تطبيقاتها.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن استخلاص عدد كبير من النقاط من تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، أولها أولوية السياسي على الأيديولوجي، أو بشكل أكثر دقة، أولوية المنطق القومي العالمثالثي على الأيديولوجيات التي يتم إنشاؤها. فلم يتم تبني الماركسية والماوية عبر الافتتان النظري بها ولكن لأجل البعد العملي فيها. فإن أولوية السياسي هذه تدفع عبر الزمن إلى التفكير في الوظيفة التعبوية المتفردة التي تقوم بها الأديان في تاريخ نزاعات التحرر الوطني، والإسلام ليس إلا مثالاً ضمن أمثلة أخرى. الإسلام ليس إذن ديانة سياسية بالماهية: إنه كذلك في إطار ظروف سياسية محددة حيث يقوم بدور المورد السياسي التعبوي، الرئيسي، أو الثانوي، بحسب الأيديولوجية المهيمنة في المرحلة المعنية.
ويتضح أن تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، قد أظهرت بقوة الأهمية المعطاة لمفهوم الشعب و"الجماهير" الذي جاء في خطاب "ماويي فتح". هذا النداء الروحاني تمامًا والموجه للشعب تتقاسمه الماوية مع الإسلام الثوري. ويتطرق البحث إلى فكرة التعالي وارتباطها بعقيدة الخلاص، فإن انتقال ماويين وشيوعيين وقوميين عرب من اليسار إلى الإسلام السياسي يسمح بالتساؤل حول هذه العلاقة المتفردة التي يتضمنها كل حدث ثوري مع فكرة التعالي. والتعالي ليس بالضرورة ذلك الأفق البعيد المتعلق بالغيب، حيث يصف الفاعلون في كل ثورة الانتفاضة الثورية بمصطلح رسالي لأنها تعبر عن حدث، ولأنها فريدة، من جهتها، تعتبر الثورة الإيرانية مختلفة لأنها تؤكد تعاليها أيديولوجيًّا طالما أنها تعرف نفسها رسميًّا بمصطلحات سياسية ودينية.
وتتابع الدراسة تشظي مسارات اليسار المتحول للإسلام، بعد التحول الديني وانتهاء الثورة الإيرانية وتراجعها تحت أنقاض الحرب مع العراق والسياسات القمعية ومصادرة السياسي والحدث الثوري معًا، وهكذا بقي الإسلام ليمثل الأمل الوحيد لدى "ماويي فتح". وأتى الإسلام في المرتبة الأولى حتى حين لم يعد يعتبر بالضرورة إسلامًا ثوريًا. قليلون هم من عادوا عن تحولهم الديني، أما الآخرون فقد ابتعدوا شيئًا فشيئًا عن العمل السياسي، أما الاتصال الفلسطيني اللبناني الذي شكل عمود "اليوتوبيات العملية" الثورية بين سنوات 1969 و1984 اختفي واعقبه تشتت للفاعلين السياسيين، وهكذا تنتهي شيئا فشيئا مرحلة كاملة، ويضمحل خط الجماهير والإسلام الشعبي الثوري شيئًا فشيئًا.
وتبين الدراسة أن التشظي يتم وفق ثلاثة نماذج: النموذج الأول هو نموذج الاستقلالية والابتعاد، والفاعل هنا يشعر أن المجال السياسي لا يترك له هامشًا للحركة، أما النموذج الثاني هو نموذج الالتزام السياسي المستمر، وهنا ثمة شكل متكامل من البراغماتية. والنموذج الثالث وهو الأكثر ندرة ودراماتيكية أيضًا، وهو نموذج الاختفاء نهائيًا أو نموذج الشهيد. ويعتبر خليل عكاوي هو المثال الصارخ على هذا النموذج، ويمثل الشهيد بكلمة واحدة النهاية المنطقية للاستحالة، للحلم المجهض.
ويتطرق الباحث إلى النقاش الدائر حول وجود لاهوت إسلامي للتحرير، مشيرًا إلى أنها مسألة مازالت لم تحسم بعد، فهي لم تكن موجودة ولم توجد أبدًا بوصفها كذلك، ولكن المحاولات المتكررة لرسم معالمها تدفع إلى التساؤل حول القوة التي تتمتع بها هذه الفكرة، فقد وقعت تجربة ماويي فتح في سياق ظرفي حيث بدت أكبر من سياقها وغير مكتملة في الوقت نفسه. دينامكية اليسار والعالمثالثية قد بدأت بالتراجع، ثم الدينامكية الإسلامية التي كانت في مرحلة الزخم. حدث المنعرج هنا واضحًا، فالإسلام بدا حينذاك بوصفه أيديولوجية فعالة في مرحلة خابت فيها الآمال، وماويو فتح في هذا الإطار التاريخي لم يكن أمامهم ووفق منطق خط الجماهير سوى التحول. تجربة الماويين في طرابلس وفي جنوب لبنان تتعلق ربما بيوتوبيا عملية لم تتحقق نظريًّا وتمت أسلمتها سريعًا، لتعلن عن تركيب حقيقي بين الماوية العالمثالثية والإسلام الثوري.
ويشير بويار إلى نوع جديد من أنواع الخطاب، وهو خطاب الممانعة، والذي يمثل عودة الإيديولوجية الضمنية، فإن البعد "القومي" والمقاوم في خطاب الفاعلين، والانقسام العمودي بين "المهيمنين المستعمرين" و"المهيمن عليهم المستعمرون"، وثنائية "المركز المحيط" و"شمال/جنوب" هي التي ستظل، تحدد خطوط الاستمرارية والتلاقي بين الإسلام السياسي والقومية العربية واليسار الراديكالي، وترسم الأيديولوجية الضمنية الحقيقية الجارية في قطاعات واسعة من المسرح السياسي في الشرق الأوسط.
ويضيف الباحث: "كانت تجربة الكتيبة الطلابية ترسم ضمنيًّا تجربة لشيوعية مسلمة كامنة: لكن في النهاية الإسلام السياسي هو الذي سيحدد الدينامكية الكلية. لكن الإسلام السياسي نفسه اليوم سيلتقي على الأرضية الأيديولوجية الضمنية الأساسية: سيبني شرعيته ليس على الإسلام فقط ولكن أيضًا على خطاب يرتكز على المصطلح المزدوج للمقاومة والممانعة، هذه المفاهيم الأولى نفسها التي تم تقاسمها تاريخيًّا بشكل مشترك من الإسلاميين إلى القوميين العرب مرورًا باليسار الماركسي. إذا كان الحدث الثوري الرسالي قد اختفى، فقد بقي خطاب الممانعة الذي يخترق الأيديولوجيات الأخرى من الطرف إلى الطرف: بشكل عام، وبدلاً من الحديث عن لاهوت للتحرير، فسيكون من الدقة الحديث عن "لاهوت للممانعة"."
ويفرد بويار الصفحات الأخيرة لدراسته لشخصين من الكتيبة الطلابية، أنجز كل منهما انتقالاً متقدمًا إلى الإسلام السياسي في نهاية السبعينيات. الاستماع ويتحاور بويار مع كل منهما لالتقاط أفضل للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى الإسلام السياسي انطلاقًا من الماركسية الثورية العالمثالثية. والشخص الأول هو منير شفيق؛ مسيحي وفلسطيني تحول إلى الإسلام، كان عضوًا في مكتب التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة فتح، وهو أحد الفاعلين في تيار اليسار فيها في السبعينيات. كما أنه كان القائد الرئيسي للكتيبة الطلابية في حركة فتح وقريب من أبو جهاد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. أصبح في سنوات الثمانينيات أحد ملهمي كتائب الجهاد الإسلامي في فلسطين وهي حركة مسلمة اندمجت في بداياتها في حركة فتح، وهو يظل يمثل المرجعية بالنسبة للحركة الإسلامية والقومية.
أما الشخص الثاني فهو سعود المولى؛ لبناني يعمل اليوم أستاذًا في الجامعة اللبنانية وعضوًا في المؤتمر العربي للحوار الإسلامي المسيحي والمؤتمر الشيعي الأعلى. كان مقربًا من الإمام شمس الدين ومعروفًا بابتعاده الكبير عن حزب الله الذي كان عضوًا فيه حتى عام 1988، حيث تقلد وظيفة رئيس تحرير مجلة الوحدة الإسلامية، وهو مناضل سابق في الكتيبة الطلابية في فتح حيث انضم إليها بعد فترة من دخوله حزب العمل الشيوعي في لبنان عام 1969 ثم نواة الشعب الثوري.

الأربعاء، 19 يناير 2011

النقد الذاتي لمحسن إبراهيم

كلمةمحسن إبراهيم في أربعين جورج حاوي
ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن.
الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً.
والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.
وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟

الثلاثاء، 18 يناير 2011

تونس تفتح طريق الحرية

برهان غليون
لم تفاجئ الانتفاضة التونسية المستمرة منذ نحو شهر في تونس سوى أهل السلطة الذين اعتقدوا أنهم وجدوا المعادلة الذهبية التي تجعل وصولهم إلى قمة السلطة نهاية التاريخ كما تجعل من التغيير الذي حلم به التونسيون بعد تنحية الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، أي تغيير، سرابا بعيد المنال.
وهذه المعادلة الذهبية، المتبعة في أكثر البلاد العربية، هي التي يسمونها بالنموذج الصيني، وهي تعني الجمع بين إغلاق باب السياسة أو إزالتها من الحياة العامة وتحريم العمل فيها، في أي صورة كان، سواء كان عملا سياسيا مباشرا أو نشاطات مدنية، وتحليل الاقتصاد في أي شكل كان، سواء أجاء على صورة استثمارات أجنبية أو مراكمة للثروة بالطرق الشرعية وغير الشرعية، أو الفساد والسرقة العينية.
وكان الرهان أن تسمح التنمية الاقتصادية السريعة الناجمة عن هذا الانفتاح الكبير بتحسين شروط حياة السكان وتعظيم الأمل في المستقبل وتعزيز شرعية النظام، وبالتالي مقايضة السياسة نهائيا بالاقتصاد، وتفضيل الوجود أو البقاء على قيد الحياة على الهوية والمعنى.
ولا يخفى أن هذه الصيغة حققت نتائج واضحة في العقدين الماضيين. فقد ضمنت، من جهة أولى، تأييد الغرب، الشريك التقليدي لتونس، ودعمه للتجربة التونسية، وتشجيع رجال المال والأعمال على التعامل مع تونس على أنها شريك طبيعي، ما أعطى بالفعل دفعة قوية للاستثمار الأجنبي، وساهم في إيجاد معدلات تنمية أعلى نسبيا عما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
ونجحت من جهة ثانية في تأمين درجة كبيرة من الاستقرار الذي ضاعف من اهتمام الشريك الغربي بالنظام التونسي ودعمه، والمراهنة عليه باعتباره نموذجا يمكن وضعه في مواجهة النموذج الإسلامي، الذي ترفعه الحركات الاحتجاجية الرئيسية في المغرب العربي، والذي يشكل الشبح الذي يطارد النظم الحاكمة وحلفاءها منذ التسعينات من القرن الماضي.
والواقع أن الاقتناع كان ولا يزال قويا لدى هذه النخب العربية الحاكمة وحلفائها الغربيين بأن معادلة الخبز لقاء الحرية، أو لقمة العيش لقاء الاستقرار والنظام والانضباط، هي الأصلح لشعوب ليس لها ثقافة الغرب ولا مطالبه الفكرية والمعنوية، وأن تأمين الخبز للأغلبية الساحقة، وهو مطلبها الرئيسي بل ربما الوحيد، سوف يقطع أي طريق على المعارضات السياسية وحركات التغيير، إسلامية كانت أم مدنية.
وربما أمكن استغلال هذا التناقض بين تأمين الخبز الذي يشكل مطلب الشعوب الرئيسي والحريات الفردية والمشاركة السياسية، التي لا تهم سوى الأقلية الضئيلة من المثقفين "الرومانسيين أو الموهومين"، للتحريض ضد النخب السياسية المعارضة وأصحاب الرأي المختلف، وتشويه صورتهم وعزلهم عن الجمهور الواسع، بل وتسفيه السياسة والعمل السياسي ذاته. وهذا ما حصل بالفعل.
هكذا أمكن للنموذج أن يعيش وأن يعزل النخب السياسية والمثقفة ويضعها في صندوق مغلق ويستمر من دون منغصات تذكر. وأمام هذه النتائج الملموسة لنموذج ابن علي الذي كان يتوقع له أن يكون مثالا يحتذى، لم تكن المبالغة في القمع ولا الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، تشكل هاجسا كبيرا للحلفاء الغربيين، الفرنسيين أو الأميركيين.
بل لقد أصبح هؤلاء شركاء في خلق النموذج ومن أكبر المساهمين في التغطية على هذه الانتهاكات من خلال إطلاقهم التصريحات عن المعجزة التونسية وتسريب التقارير عن التقدم الاستثنائي الكبير في تونس، والآن من خلال الصمت الضالع على عمليات القمع الدموية.
ليست المعارضة السياسية، لا الإسلامية ولا المدنية، هي التي زعزعت أركان هذا النموذج وأبرزت نكتة المعجزة وإفلاسها. إن ما قوض أركانه هو انهيار الركيزتين اللتين قام عليهما منذ البداية، ومن داخلهما. الركيزة الأولى هي التنمية المعتمدة على الاستثمارات الخارجية ودعم المؤسسات المالية الدولية.
فقد تراجعت معدلات التنمية إلى النصف منذ سنتين على أثر الأزمة العالمية، وتوقف قسم كبير من الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تقلص قطاع السياحة الذي لا يزال القطاع الرئيسي في الاقتصاد.
لكن السبب الأعمق والأهم، والذي كان سيشكل قيدا على عمل النظام واستمراره، حتى من دون وجود الأزمة، لكن بعد وقت، هو التكلفة الإنسانية، أي أيضا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لهذا النموذج الذي لا ينبغي التردد في وصفه بالإجرامي.
فقد كان ثمن بقائه القضاء على الحياة السياسية والفكرية والمعنوية لشعب كامل، أي مصادرة إرادته وإفساد وعيه، وحلّ عُرى تنظيمه بحيث يتحول إلى جثة هامدة تتصرف بها نخبة حاكمة، حسب ما تريد وكيف ما تشاء.
وفي مواجهة شعب مشلول الإرادة وفاقد الرأي والعزيمة، لم يكن هناك أي حاجز يحول دون تحول النخبة الحاكمة نفسها إلى ما يشبه "العصابة" التي تدير شؤون الدولة وتستثمر مواردها حسب مصالحها الخاصة، ومن دون رقيب، بل تحول الدولة إلى مزرعة للمصالح الخاصة.
ومن الطبيعي أن لا تشعر مثل هذه النخبة التي نسيت دورها تماما وتحولت إلى آلات لجمع الثروة والمال، لا بمشاكل الناس ولا بمعاناتهم، ولا أن تعاين تفاقم الظلم الاجتماعي، الناجم عن التفاوت الصارخ في توزيع الثروة بين فئات المجتمع وبين المناطق.
ومن الطبيعي أيضا أن تفاجأ بانتفاضة سيدي بوزيد وانتشارها إلى المناطق الأخرى، وأن لا تفهم الكثير مما يجري حولها، وتعتقد أن من الممكن مواجهة انتفاضة الشعب بالحلول التقليدية التي عرفتها، أي بالوعود الكاذبة التي لا تلزم أحدا، وبالتمسك بتطبيق القانون، أي القمع وإطلاق النار على الجمهور الغاضب الذي كان ولا يزال في الواقع قانون السلطة الديكتاتورية الوحيد.
ما يحصل في تونس لا يعلن عن إفلاس المعجزة التونسية التي جمعت بين خيار القمع المعمم واقتصاد الإثراء بأي ثمن، وقادت إلى الفساد والاحتقان الاجتماعي والقتل السياسي، أي في الواقع إلى تحطيم القيم الإنسانية التي لا تقوم من دونها جماعة ولا شعب، قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة وحكم القانون والمشاركة في الحياة العمومية، فحسب وإنما يعبر عن إرادة شعب كامل في الانعتاق والتحرر من الأسر، وكسر القمقم الذي وضع فيه.
وبالرغم من أن شعارات مسيرات هذه الانتفاضة لم تكن سياسية ولا ينتمي المشاركون فيها إلى عالم السياسة ونخبه المثقفة، فإن عملهم هو السياسة الكبرى، لأن مضمونه هو بالضبط تقويض نظام القمع الشامل الذي بنته النخبة الحاكمة، وسعت إلى التغطية عليه بمعدلات تنمية اقتصادية مرتفعة لم تعد تخدع أحدا اليوم، ومن وراء ذلك استعادة هويته الإنسانية، أي القيم التي لا يكون من دونها اليوم الإنسان إنسانا لا في تونس ولا غيرها.
ولذلك أيضا لن يوقف الانتفاضة التونسية تكرار الوعود بمعدلات تنمية استثنائية جديدة تخفف من معدل البطالة أو تحسن مستوى معيشة الناس. ولا تعزيز الإجراءات الأمنية واستخدام سلاح القتل الجماعي. إن طمأنة الشعب على مصيره ومستقبله تستدعي تغيير قواعد اللعبة السياسية من الآن .
هذا هو التنازل الوحيد الذي يوقف انتفاضة الغضب والياسمين ويحرر تونس من كابوسها الثقيل. وتغيير قواعد اللعب يعني هنا تفكيك نظام احتكار السلطة والديكتاتورية الحزبية والشخصية والقمع الذي هو جوهر النظام الاجتماعي والتمييزي القائم، والانتقال بمشاركة جميع القوى السياسية والثقافية إلى نظام ديمقراطي يعيد إلى الشعب حقه في تقرير مصيره، أي في إدارة شؤونه، وينزع هذا الحق ممن صادره بغير حق، ولأي سبب كان.
فتحية لتونس التي تفتح طريق الحرية في عالم عربي قتله الانتظار على الطريق .

الأربعاء، 12 يناير 2011

دعوة للتصالح مع المجتمع

بقلم سعود المولى
في سلسلة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية المصرية (كبرى حركات الجهاد وأهمها) كتاب بقلم الدكتور ناجح إبراهيم (أحد أبرز قادة الجماعة)بعنوان "دعوة للتصالح مع المجتمع"، إستعاد فيه زبدة فكر وفقه المراجعات، من حيث الجمع بين الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة من جهة، وبين تقديم إجتهادات فقهية ومرجعية جديدة، ونقلها لأبناء الجماعة والشباب المتدين بشكل عام من جهة أخرى. وقد ركّز المؤلف على فكرة التصالح ما بين الشباب المتدين وباقي فئات مجتمعاتهم، داعياً إلى نبذ كل ما من شأنه إشاعة الفرقة وبث روح الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد...ولذلك فإن صفحات الكتاب تبدو أشبه ما تكون بمناظرة مفتوحة يطرح خلالها حججه وبراهينه على طرف آخر مفترض، مكثراً من ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات التي تصف "دأب الكثير من الشباب المتدين على قطع الصلة بينه وبين مجتمعه إلى درجة فك الإرتباط الذي يربط بينه وبين أقاربه وجيرانه، وذلك بزعم التميَز بالإيمان".
ويشمل الكتاب أربعة فصول، يؤصل الفصل الأول المسمى: "الإنتماء إلى الأوطان لا ينافي الإنتماء للإسلام"، لمكانة الوطن في الإسلام، ضارباً الأمثلة على عظم مكانة الوطن والوطنية، ومؤكداً أن "الوطنية الحقة هي التي ينبع معناها من الدين، وتسير في نفوس الناس على هدى من تعاليمه، فنحن ننكر المغالاة فيها برفعها فوق حدود الدين، كما ننكر في ذات الوقت التهاون فيها بزعم أنها تضاد الدين وتوافق التعصب لغير الحق".
ويرصد الفصل الثاني "لا للصدام مع المجتمع" الأسباب التي توجد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، مشدداً على أن هذه الإختلافات يجب ألا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً للصدام مع باقي المجتمع، على أساس أن الإختلاف بين بني البشر أمر مقدر من الله عز وجل.
ويعتبر أن ليس كل إختلاف يُنظر إليه على أنه شر محض، فأحياناً يكون إختلاف الآراء وتباين وجهات النظر مدعاة لإثراء الحركة الفكرية والفقهية، ولذا فإنه يقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى نوعين: إختلاف التنوع وإختلاف التضاد، ويعرف النوع الأول بأنه ما لا يكون فيه أحد القولين مناقضاً للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة، ضارباً المثل على ذلك بالإختلاف في المستحب الذي كان يفعله النبي وغير المستحب الذي كان يتركه.
وفي الفصل الثالث يحاول طرح تصور لطبيعة العلاقة بين الدعاة وعوام الناس، والقائم أساساً على الهداية ودعوة الناس، لا الدعاء عليهم، ثم يخصص الفصل الرابع للتشديد على القيمة الضابطة للعلاقة بين الشباب المتدين وباقي أفراد المجتمع، وهي: الدين المعاملة.
وفي هذا السياق يوضح الفارق بين المداراة والمداهنة، لافتاً إلى أن الأولى تعني بذل شيء من الدنيا إبتغاء خير وصلاح الدين، وللدين، ونيلاً للأجر والمثوبة في الآخرة، كما أنها تعني حسن السياسة وكمال الكياسة؛ إذ إننا مأمورون بالإحسان إلى كل الناس، أما المداهنة: ففيها تخلٍّ عن شيء من الدين وتهاون فيه إبتغاء مصلحة دنيوية عاجلة، تعود على صاحبها بالخسران والخذلان في الدنيا في قلوب الناس، وفي الآخرة عند علام الغيوب.
وفي الخلاصة فإن الكتاب يؤكد على أن أهل الدين والتدين الحق هم أعظم الناس إخلاصاً لوطنهم وأكثر الناس عملاً لصالح بلادهم..فالوطنية الحقيقية ليست بضاعة قولية شعاراتية تستورد من الخارج وإنما هي تنبع من ثقافة الناس وحياتهم وأساسها الدين.. كما أن الإنتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه ويوجب الإحسان إليهم حتى لو كانوا على غير ديننا.... وعلينا أن نتمثل بأخلاق النبوة وآداب المعاملة النبيلة التي تجمع ولا تفرق، وتحنو فلا تقسو ، وتستعلي على حزازات النفوس طلباً لتأليف الناس وكسب ودهم..