د. غسان سلامة
-1-
تلك اللحظة في يوم من أيام كانون الأول. لحظة حاول عديدون إعادة إنتاجها هنا وهناك، في مصر أو الجزائر أو غيرها من البلدان، بدون ان يفلحوا، فاحترقت اجسادهم هباء. تلك اللحظة التي دامت رفّة جفن، بين ردع شرطي والإتيان ببعض المحروقات ورشها وإشعال النار فيها، فيها جمال الفعل الأقصى بل إنها الجمال عينه.
وهي الجمال، لأنها ما قبل السياسة وما فوقها. عجز الكلام عن التعبير عن الغضب المتراكم فجاء عود الثقاب يسعف اللسان الفاشل. هذا شاب قبل أن يعيش في مدينة من بر تونس، بينما تنعم مدن الشاطىء بعوائد السياحة وحلاوة السواح، وقبل أن يضع شهادته الجامعية في الدرج بعدما اكتشف انها ليست المفتاح السحري الذي اعتقد وهو يراجع دروسه على ضوء قنديل خافت للفوز بفرصة عمل لائقة، وهو ارتضى الاكتفاء ببيع الخضراوات على عربة بعد أن تلاشت آماله الأخرى جميعاً. لكن تنازلاته، وهو بها أعلم، بقيت له، بل وجاء شرطي يجادله حتى في ممارسة ما يعتبره نوعاً من الذل المعيشي الذي ارتضاه بعدما تلاشت الاحلام الاخرى. فيا للشعور بالظلم المطلق، بالظلم العاري: أنا أقبل بقليل القليل كي اعتاش ولكني، حتى من القليل القليل أُحرم. يعجز اللسان ويشتعل عود الكبريت.
-2-
علّمنا محمد البوعزيزي الكثير، ومنه أن السياسة التي نتعاطى ليست كل شيء، لا الأفكار ولا الأيديولوجيات، ولا الصراعات على السلطة، ولا مشاريع التحرير والتحرر. ذكّرنا، وجسده شعلة نار، أننا قبل كل هذا، وفوق كل هذا، نعيش في عصر الفجور، ونصمت عنه متحججين باهتمامنا البائس بالسياسة، أو بولعنا الخائب بالأفكار الكبيرة. الفجور. نعم الفجور. منذ نحو عقود ثلاثة تهاوت كلّ الحدود أمام الإثراء الفاحش والإنفاق التظاهري وعبادة المال، سيّما إن كان حراماً. لن يبرىء أحد الجيل السابق من رجال الشأن العام من حب الفلوس ومن دفع الرُّشى ولا من قبضها. ولكن فورة النفط بعد 1972، وتكدّس المليارات، ونهم الاقتناء الدائم والإنفاق غير المحدود، والغرام غير المسبوق بالسيارات الفارهة والشقق العديدة الموزعة على غير عاصمة، وبالطائرات الخاصة وباليخوت السياحية، أدخل في المجتمعات العربية مستويات غير معهودة من الفجور يتندّر بها على حسابنا العالم بأسره. وتساوت النظم المعدمة بالدول النفطية في ممارسة هذا الفجور، وجوهره هوّة سحيقة تزداد عمقاً كل يوم بين من تطال يده المال الحلال والحرام، ومن يبقى معدماً وهامشياً.
دعك يا صاحبي من التمييزات الخائبة بين دول النفط ودول القحط، أو بين الملكيات والجمهوريات، أو بين دول الاعتدال ودول الممانعة، فكلّها اعتبارات في الحقيقة شكلية. دعك من ذلك، وانظر يا صاحبي الى تلك الآلاف المعدودة (إن لم تكن المئات) من الافراد التي استولت في كل بلد عربي أعرفه على 20 او 30 او 40 بالمئة من كامل الثروة المحلية. انظر الى دول المشرق، انظر الى مصر والسودان، ودول الخليج ودول المغرب. في كل بلد مجموعة ملتصقة بالسلطة السياسية، تشكل نواتها او تدور في فلكها او تشكل امتداداً لها، قد استولت على سبل الإثراء السريع، وما اكثرها، يوم فتح الحاكم أمامها المجال كي تشاركه بالمغانم او ان تحققها وتعود اليه بعد ذلك لتقتسمها معه.
كل منا يعرف ذلك، وبعض من التقيهم قد تخصص فعلا في متابعة الصفقات المشبوهة والرُّشى الهائلة والاثراء الفاحش. بل اني تعرفت على كثيرين يكادون لا يتحدثون الا عن هذا. ولكن اهتمامهم بدا لي دوماً ملتبساً، مشوباً بالكثير من الحسد. فهم يتحدثون عن إثراء الآخرين لأنهم بالاساس قد حُرموا من فرص الاثراء ذاتها، لا لأنهم ينتقدون مبدأ مدّ اليد للمال العام، ونهم تكديس الاموال، انهم مصابون بالنهم عينه، لكنهم عاجزون عن ممارسته، او عن مزاولته بالنسبة نفسها من المداخيل.
-3-
البوعزيزي لم يكن يعرف على الأرجح أرقام ثروة هذا او ذاك من اقرباء رئيسه ومن افراد حاشيته. ربما لو ادرك حجم ثروة بعضهم ما كان تمكّن من تخيّل الرقم، وما كان قد صدّق ما يقال له. وتونس بالمناسبة لا تحتمل ارقاماً من الثروة الفردية والعائلية، بهول الارقام التي يتم تداولها في دول عربية اخرى. إني لمدرك ان الايديولوجيا النيوليبرالية قد عمّقت الهوة بين الثري والفقير في مختلف انحاء العالم، في الولايات المتحدة، في الصين او في الهند، في روسيا. مشاهد مرعبة عن الفجور نفسه: قصور وشقراوات في الأحضان وحياة عاطلة شبه دائمة في الكاريبي وسردينيا ومراكش، بينما رجالك يزيدون من ثروتك وأنت تتمتع بالحياة المرفهة. 7 ملايين بشري من اصل 7 مليارات يملكون اليوم اكثر من ثلث الثروة الدولية واللامساواة في المداخيل على تعمّق يزداد حدّة في كل بلدان العالم، سوى استثناءات معدودة.
لكن فجورنا أبشع لأن اثرياءنا أقل إنتاجاً من زملائهم في العالم، واكثر اعتماداً على الريع، وأكثر التصاقاً بالسلطات السياسية بل إنهم أحياناً عماد تلك السلطات.ومن بعض ما علّمنا البوعزيزي في لحظة عابرة من الزمن، أن هذا الفجور لا يواجه إلا بالعودة إلى الأخلاقيات البسيطة. هذا الفجور لا يواجه لا بالسفسطائيات الماركسية، ولا بالتعويذات الدينية، إنما فقط بالرجوع الى الغضب العاري والعفوي، بالعودة الى الرفض البسيط للظلم بدون أي محاولة لتوصيفه أو تفسيره. مجرّد الرفض بإشعال عود كبريت، وإذا بالخوف الذي في باطنك يتحول فجأة الى هلع عند خصمك الحاكم المستبد المثري.
- 4 -
ما إن فر زين العابدين من قصره المتطاول على شاطىء قرطاج حتى اشتعل السؤال المضني: من ذا الحاكم الذي يليه على دروب التقاعد المبكر؟ أهذا الرئيس أو ذاك الملك أو ذلك الامير؟ شعرت عند أبناء جلدتي بعطش مستجدّ لمشهد الرؤوس المتدحرجة، أو على الأقل لمشهد المداخلات البائسة أمام الكاميرا وصاحب العمر الطويل يستجدي مواطنيه أن يتحملوه لسنوات ثلاث اضافية فقط لأنه والله! والله! لم يفكر يوما برئاسة مدى الحياة. كثيرون اعتقدوا ان الحكام الآخرين أصابهم الهلع من عدوى الفيروس التونسي سيّما وأن أقربهم لتونس انبرى يدافع عن جاره المخلوع. ورأينا شعراء البلاط هنا وهنالك يردون بالحجة البائسة نفسها: الخصوصية التونسية مرض محدد لا أثر له خارج حدود تلك الجمهورية الهانئة البسيطة، ولا خطر بالتالي من أي عدوى. فالعرب، على عكس أوروبا الشرقية منذ نحو عقدين، لا يمارسون لعبة الشطرنج، وهم بالتالي عصيون عن أن يصبحوا ضحايا موجة من الانتفاضات. يا لبؤس المنظرين الذين كتبوا المجلدات عن وحدة المجتمع العربي، وعن التواصل والتشابه والتفاعل بين البنى المجتمعية العربية والذين راحوا الان يحدثوننا ببلاغة فصيحة عن خصوصية تونس، وعن عدم فاعلية نموذجها، وانعدام عدواها كنوع من اللقاح ضد تلك العدوى التي يعرفون في أعماقهم أنها ممكنة.
لكن شتان بين الشوق لرؤية الرؤوس المتدحرجة، والوجوه الرئاسية الهلعة وبين تكرار التجربة التونسية هنا أو هناك. أعترف أني من الذين سيهنأون بانقطاع الرئاسات التي لا تنتهي، وأني لم أقبل يوماً بالتحايل العربي العام على مبدأ التداول الدوري والسلمي للسلطة. لكن مشهد الرئاسات المنقطعة على حين غرة له شروط ومواصفات.
- 5-
فما هو مغزى الحالة التونسية خارج تونس؟ الحق يقال إن من أرقى ما في الحدث التونسي هو بالذات تونسية الحدث، بمعنى الدور الهامشي (وربما المنعدم تماما) للقوى الخارجية في صناعة الحدث مهما جدت قناة "الجزيرة" في البحث عن تلك القوى، وأيضاً بمعنى أن صانعي الحدث من المنتفضين التوانسة لم يتنطحوا للعب دور يتجاوز حدود بلادهم، ولم ينظروا الى انفسهم بوصفهم قادة الثورة الفرنسية أو بلاشفة القرن الحادي والعشرين. الحدث التونسي في جوهره انتفاضة محلية في نوعية المحفزات وهوية الأطراف وآفاق التحرك الجماعي. وهذه الطبيعة المحلية ضمانة حقيقية لأبناء الانتفاضة إن عرفوا الحفاظ عليها.
لكن نجاح التوانسة (أم عدمه) في ترجمة انتفاضة جوهرها اخلاقي، وذات طابع محلي، وبدون قيادة وطنية مؤطرة إلى مشروع حكم بديل للحكم المخلوع مسألة تتجاوز تونس، شاء التوانسة أم أبوا. بمعنى ان تونس قد دخلت الامتحان الذي فرض تباعاً على غير بقعة عربية: هل إن سقوط النظام يعني بالضرورة حالة طويلة من انعدام الاستقرار بل والفوضى أم أنه بالإمكان تصور سيناريو انتقالي شبه سلبي بعد فرار المستبد الفارض للأمن بالقوة؟ إن كان الجواب التونسي ايجابياً تصبح العدوى اكثر احتمالاً. أما إن عجز التوانسة عن انتاج نظام بديل في فترة معقولة من الزمن، أو إن سمحوا للخارج ان يتدخل في شؤونهم او ذهبوا الى حد توسّل التدخل الخارجي المستمر (كما لم يخجل اللبنانيون يوماً عن القيام بذلك)، فقد يتحول حدثهم الجميل الى فزاعة يهدد بها زملاء بن علي من المستبدين العرب شعوبهم: تحملوني كما أنا وإلا فالفوضى ستضربكم.
وإن كان من المبكر الجزم بمآل الحدث التونسي فالحق يقال إن بعض عناصره، غداة فرار بن علي، تبعث على القلق عليه. كمثل المطالبة باقصاء مطلق لمنتسبي حزب الحاكم المخلوع، أو الحنين إلى بورقيبية تجاوزها الزمن، على الرغم من محاسنها، أو محاولة إسقاط تيار ديني على حدث لم يلعب فيه ذلك التيار دوراً يذكر في الوقت الذي سيحاول كثيرون في محيط تونس المغاربي او الاوروبي التدخل في شؤونها لدفع أدواتهم المحلية الى الصدارة. لذا فالسؤال الأول هو في مناعة الحدث التونسي امام دعوات التطرف والراديكالية في الداخل (وهي برأيي طفولية أو مشبوهة) وأمام محاولات التدخل من الخارج. جوهر المسألة يتعلق بطبيعة السلطة العربية الراهنة وباحتمالات تطورها. المسألة ليست كما يردد عديدون، في ظواهر التوريث وما شابه. المسألة في العمق هي في نظرة الحاكم الى السلطة، بوصفها ملكاً له، والى الدولة بوصفها متاعاً يحق له التصرف به للاثراء الذاتي او للتوريث لمن يشاء او للبيع والشراء والمقايضة. هذه ثقافة سياسية غالبة قد فرضت على مختلف الأنظمة العربية. مهما كان شكلها الدستوري المعلن، تحديداً لعلاقة الحاكم بالدولة بوصفها علاقة تملّك مطلق، كمثل تملّك فلان لأرض زراعية وتملّك آخر لمصنع. ومن فضائل تملّك دولة بدلاً من ارض او مصنع، هو ان الدولة تعطيك في الآن معاً عوائد عديدة متكاملة: السلطة على الآخرين، الثروة بوصفها عنصراً مرافقاً للسلطة، والجاه الذي يسعد قلب زوجتك واقربائك. هذه عوائد مادية ورمزية في الآن معاً لا يتيحها تملّك اي وسيلة انتاج اخرى. من هنا إلحاح من في الحكم على البقاء فيه، ومن هنا ايضاً اعتباره ان من حقه التصرف به كمثل توريثه لاحد اولاده. فاشراك العائلة الراهن في فوائد الحكم وعائداته، كما توريث الحكم اللاحق لاحد الاولاد كلاهما صورة عن الاساس، وهو ان الحكم عبارة عن تملّك بالمعنى الحرفي للكلمة.
-6-
ما العمل والحال كذلك؟ الحدث التونسي ضرب تلك المعادلة في الاساس إذ ان احتراق جسد في بلدة بعيدة فجّر ما في القلوب من عواطف ضامرة ضد تحديد تملّكي للسلطة من قبل من لا يستحق، في وطن لا يتحمّل هذا النزوع، حتى قال احدهم لي بالهاتف: لو طلّق بن علي زوجته في الوقت المناسب لربما نجا بنفسه، ومعناها ان التحول الى ممارسة التملّك الاسري للدول في جوهره مرفوض. هذا هو العنصر الذي إن تم إيضاحه في تونس وغيرها من البلدان من شأنه أن يجعل من ذلك البلد المغربي مختبراً مفيداً لإعادة النظر في طبيعة السلطات القائمة، وبالتالي في إرغام الحكام على الخروج من مواقعهم أو على الاقل على الخروج من مفهوم تملّك الدولة من خلال الحكم غير المرتبط بزمن أو من خلال توزيع الثروة على السلالة الافتراضية أو من خلال محاولة فرض التوريث. وإن لم نفلح في بلورة هذا الانحراف المفهومي السائد في مفهوم الحكم فلن نفلح في فرض العودة لتحديد سليم له.
ثم يأتيك طبعاً دور المجتمع الاهلي من خلال أحداث كتلك التي تمرّ بتونس. هناك مجتمع أهلي في تونس، كما في غيرها ودوره أساسي، خنوعه كنز للسلطة القائمة، وتحرّكه سبب هلعها الاول. لكن الاساسي هو في مدى استجابته للتضحية، وفي مدى نبذه للظلم. أنا لا أشك في وجود مخزون شعبي حقيقي معادٍ للظلم والفجور. ولكن هذا المخزون بحاجة الى عود ثقاب فعال كي لا يقدم على هبّات شعبية عقيمة. لكن أفضل أنواع المجتمع الاهلي هو ذلك الذي لم يصب بانقسامات عمودية مديدة، طائفية ومذهبية وجهوية أو لغوية. من حسن حظ تونس ذلك الضعف في الولاءات المحلية، كما انعدام الاختلافات العرقية والمذهبية، بحيث عندما يحصل حراك اجتماعي ما يصعب إطلاق صفة فئوية عليه، ويمكن لصداه أن يطال عموم المجتمع. لكن هذه الشروط غير متوافرة في الاردن أو في اليمن أو في العراق، لذلك فالحراك الاجتماعي موسوم فيها بالفئوية منذ انطلاقته. هنا يتميز النموذج التونسي، لا بمحليته فقط، وإنما ايضاً بانعدام فئويته التي على المجتمعات العربية الاخرى أن تتمكن من تجاوزها أو من معالجتها قبل أن تتحدى السلطات القائمة. من هنا أهمية الكف عن التغني الطوباوي بعظمة المجتمعات الاهلية، وفتح الأذهان على تنوعها واختلافها من مكان الى آخر، قبل الجزم بتحولها الى شارع، تلك العبارة البذيئة بحق الناس التي ما زال المتفوهون التلفزيونيون يلجأون اليها عن غباء أو عن تكبّر.
-7-
ومن الشروط الجديرة بالبحث ايضاً مسلك المؤسسات القائمة عند قيام الانتفاضة. من الواضح أن الجيش التونسي لم يهب هبّة رجل واحد للدفاع عن بن علي (القادم اساساً من الأمن)، بل ربما أنه لعب دوراً أكبر في دفعه نحو المنفى. هذا أمر في غاية الاهمية، خصوصاً إذا ساندها دور فعال للادارات المدنية، بمعنى أن يستمر القيّمون عليها بخدمة المواطنين في شتى المجالات من تعليم وصحة وطرق وما شابه، لكي لا يزيدوا من قلقهم، ولكي يثبتوا لهم استقلال أجهزة الدول عن الحاكم المستبد، وبالتالي إمكانية استمرارها حتى حين تبدأ الكرسي الرئاسية بالاهتزاز. إن من أهم شروط نجاح المجتمع الاهلي هو القدرة على الفصل بين الدولة والنظام، بالحفاظ على الاولى ومقارعة الثاني. ومن أهم شروط الاستبداد، على العكس، هو تمكّن الحاكم من المزج بين النظام والدولة بحيث تتعطل الثانية إن مُسَّ الاول بأذى. هنا ايضاً تبدو تونس محظوظة بارتفاع مستوى الشعور بالمواطنة بين أهلها، وبالتالي بقدر عالٍ من الوضوح في التفريق بين النظام والدولة مما جعل مسلك الجيش ومسلك الادارات المدنية ايجابياً، بمعنى أنه كان في الحد الأدنى محايداً، وفي حدّه الأقصى متفهماً الانتفاضة، داعماً لها.
قد لا يكون الفصل مطلقاً في تونس، ولكنه افضل من حاله في غير بلد عربي. ويقيني أن نجاح انتفاضة اخرى مرتبط بمدى الفصل المسبق في اذهان الضباط والموظفين وعموم الناس بين الدول والنظام، مما لم نجد له صدى يذكر في العراق غداة سقوط النظام هناك سنة 2003، حيث استولى قادة الميليشيات على منازل رجال النظام السابق، بينما نهب الناس ممتلكات الدولة نفسها، وكأنهم يجهلون انهم اصحاب تلك الممتلكات الحقيقيون.
اما الفصل المهم الآخر فهو بين اصحاب السلطة واصحاب الثروة، او على الاقل ارباب العمل. ان التصاقاً بالحكم يؤمن اجمالا مزايا غير مستحقة لأرباب العمل الذين يعلمون كيف يُكافأ على تساهله مع مصالحهم واطماعهم. هكذا تتكون النواة المثلثة الاضلاع (سلطة/ ثروة/ جاه) من حاكم يريد حصة له ولأقربائه من ارباح المنتفعين من نظامه الى سعي مشترك نحو الجاه لدى اصحاب السلطة واصحاب الثروة وقد تقاربا الى حد الاندماج الفعلي في عدد من الاحيان. لذا فالمرض الذي يصيب السياسة العربية له جذور عميقة في طبيعة الاقتصاد الريعي، كما في مدى التصاق اصحاب المشاريع بأصحاب القرار السياسي. ومن اسباب ضعف المجتمع الاهلي خلوه اجمالا من ارباب العمل الذين كثيراً ما يفضلون الالتصاق بالحاكم، ودفع الجزية الضرورية له للإبقاء على الصلة به، عوض التأطر في بنى نقابية ومهنية تدافع عن استقلال المجال الانتاجي، عن المجال الامني والسياسي. لذا كانت الرهانات على الطبقات الوسطى ضعيفة خلال العقود الماضية، بالذات لأن تلك الطبقات الجديدة والهشة في الكثير من مفاصلها، فضلت وصفة استتباع السلطات لها على الدفاع المهني عن مصالحها الذاتية. وكان على علماء الاجتماع العرب المزيد من الاهتمام بأثرياء السلطان، ورجال اعمال الدولة المحظوظين، بدل الاهتمام بشعراء البلاط ذوي الصوت العالي والقليل الاثر.
-8-
انما نكتب والحدث التونسي مفتوح على أكثر من سيناريو، والامل بأحداث شبيهة، ان لم تكن مماثلة، في غير بلد عربي لم يخبُ بعد. ونكتب في السياسة والاقتصاد والاجتماع بينما الغضب العاري، الاخلاقي في جوهره، يتجاوز السياسة والاقتصاد والاجتماع الى نوع من تلقائية رفض الفجور. والفجور سمة الحكم الاولى في هذه الايام العربية التي استفحلت طولا. ورفض الفجور هو شرط انتقال الخوف من ضفة الناس الى ضفة الحكام، وهو مفتاح التغيير وعلة الأمل.
الأحد، 6 فبراير 2011
الشباب.. إعادة تعريف الأيديولوجيا لصالح السياسة
د. عمرو الشوبكي
من الصعب على أي مراقب تابع احتجاجات الطلاب المصريين طوال السبعينيات والثمانينيات ألا يربطها بتيار سياسي محدد؛ إذ كان من الصعب - بل ومن المستحيل - أن تخرج أي مظاهرة من داخل الجامعات المصرية دون أن يشار إلى مَن وراءها من قوى سياسية منظمة، بدأت بالشيوعيين ومرت بالناصريين وانتهت بالإسلاميين، وفي أحيان أخرى كان الجميع يضطرون للسير معًا في مظاهرة واحدة.
صحيح أن التقسيمات الأيديولوجية الضيقة ظلت موجودة، تفصل بين المنتمين للتيارات السياسية التقليدية في العالم العربي، من ليبراليين وإسلاميين وشيوعيين وناصريين، إلا أنه توازى معها تصاعد جيل جديد من شباب الألفية الثالثة الذي تربطه علاقة مختلفة بالأيديولوجيا والمفاهيم التنظيمية الضيقة التي راجت في عصور الحرب الباردة.
وقد عرفت مصر حقبتين رئيسيتين تعامل فيهما الشباب مع الأيديولوجيا والسياسة، بصورة مختلفة تكاد تصل إلى حد التناقض:
المرحلة الأولى هي تلك الممتدة من ثورة 1919، ومرورًا بثورة يوليو، وانتهاء بمرحلة سقوط حائط برلين.
والمرحلة الثانية هي تلك التي أعقبت انهيار الكتلة الاشتراكية وبداية عصر العولمة في مجال السياسة والاقتصاد.
وفي كلتا المرحلتين كان تفاعل الشباب مختلفًا، ولكنه كان إيجابيًّا.
جيل الأيديولوجيات الكبرى
إجمالا تفاعل الشباب مع ثورة يوليو 1952 تفاعلا إيجابيًّا، ومثلت قيادة عبد الناصر التاريخية عنصر جذب للغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري وعلى رأسهم الشباب.
وقد تكونت خبرة الشباب السياسية في ذلك الوقت من خلال انتمائه لتنظيمات الثورة السياسية (الاتحاد الاشتراكي، منظمة الشباب، التنظيم الطليعي)، وحكمته أيضًا ثنائيات وأفكار كبرى، ولكن بمضامين جديدة تختلف عن ثنائيات الاستقلال والتحرر التي سادت قبل الثورة؛ حيث تم تقسيم العالم إلى تقدميين ورجعيين، وثوار وأعداء للثورة، وقوميين وإقليميين.
وقد تكون الوعي السياسي لشباب هذا الجيل داخل تلك التقسيمات السياسية الكبرى، وكان بريق النص الأيديولوجي وقدرته على تعبئة هذا الشباب حاسمًا في ذلك العصر.
فالاشتراكية العربية واجهت الاشتراكية الماركسية، والاثنتان واجهتا اليمين الليبرالي والديني على السواء، وكان شباب كل نص يبذلون جهودًا كبيرة في الالتصاق بنصهم الأيديولوجي، والعمل على اكتشاف الثغرات الموجودة في نصوص التيارات الأخرى، وإبراز الجوانب "المشرقة" في نصهم الأيديولوجي و"المظلمة" لدى نصوص الآخرين.
وقد حرص الشباب القومي والناصري طوال ذلك الوقت على تأكيد أنه ينتمي إلى أيديولوجية ملتصقة بالواقع، وتؤمن بالرسالات السماوية وليست "مستوردة" من الخارج، كما هو الحال في الأيديولوجيا الماركسية. كما حاول الشيوعيون إبراز وسطية الناصرية وترددها في خياراتها الطبقية وعدم عدائها الجذري للإمبريالية العالمية. أما بعض "الشباب الإسلامي" فقد اعتبر أن الدولة الناصرية دولة لا تطبق تعاليم الإسلام، وأحيانًا دولة كافرة.
وبقي شباب ذلك العصر محصورًا داخل أفكاره الأيديولوجية، عينه على سطورها ونصوصها الكلية، ونادرًا ما حاول أن ينظر إلى المجتمع وتفاعلاته المعيشة.
وقد عاشت مصر في ذلك العصر داخل ثنائيات أيديولوجية كبرى نجحت في أن تكون مصدر جذب واضحا لشباب تلك المرحلة، وكان معارضة مضمونها كثيرًا ما يضع من "تجرأ" على القيام بها في خانة أعداء الثورة والوطن، وكان الخلاف المسموح به هو حول تفاصيل الموقف السياسي وليس جوهر المشروع السياسي القائم.
وقد كان ولاء شباب هذا العصر للنص الأيديولوجي السائد هو المدخل لتشكيل وعيه السياسي؛ بل وأحد المعايير الرئيسية الذي على أساسه يتم حراكه داخل السلم السياسي والمهني في البلاد.
وقد استبعدت الثورة من نظامها السياسي فكرة وجود الأحزاب السياسية، وبالتالي غابت المعارضة عن المساهمة في التكوين السياسي لجيل هذا العصر من الشباب.
وقد نجحت التنظيمات السياسية في ذلك الوقت وعلى رأسها منظمة الشباب في أن تخلق جيلا مسيَّسًا وفق معايير عصره. صحيح أن كثيرًا من أبناء هذا الجيل قد انضم إلى هذه التنظيمات السياسية لكونها تنظيمات السلطة وليس الثورة، وبالتالي لم يقتنع بمبادئها وأفكارها رغم ترديده لشعاراتها، ومع ذلك فقد نجح كثير من شباب هذا العصر في اكتساب خبرات كثيرة وقدرات عالية من خلال وجوده في هذه التنظيمات.
وقد اتضح الدور السياسي للشباب الذي تربى في عصر الثورة وتنظيماتها في أعقاب هزيمة 1967 حين تمرد جيل كامل من طلاب الجامعات على كثير من مثالب النظام القائم، وقام بمظاهرات عارمة اجتاحت الجامعات المصرية بصورة لم تشهدها منذ انطلاق الثورة؛ حيث بدأت بالاحتجاج على ضعف الأحكام الصادرة بحق كثير من القادة العسكريين المسئوليين عن الهزيمة، وانتهت بالمطالبة بإجراء إصلاحات ديمقراطية وسياسية داخل النظام تمحورت حول المطالبة بالتعددية الحزبية واستقلالية العمل النقابي واحترام حرية الرأي والتعبير، إضافة إلى حرية الصحافة.
ولعلّ المدهش أن القطاع الأكبر من هذا الجيل تربى في منظمات الثورة، ولكنه في نفس الوقت تمرد عليها، ووجه انتقادات حادة لطريقة أدائها، ولممارسات كثيرٍ من قادتها.
وقد كان لهزيمة مشروع ثورة يوليو الناصري في 1967 وقْعُ الصاعقة على هذا الجيل الذي تشكل وعيه السياسي مع أحلام الثورة وثنائياتها المبشرة؛ حيث انكسرت كثير من طموحاته وأحلامه الكبرى.
وقد عرف شباب هذه المرحلة باسم "جيل 68"، وهو الجيل الأكثر تسييسًا في تاريخ مصر المعاصر والأكثر وعيًا بقضايا عصره، وأيضًا الأكثر التصاقًا -في مجمله- مع تقسيمات تلك المرحلة وثنائياتها المطلقة التي قسمت الواقع السياسي إلى "مع وضد"، والأعداء والرفاق"، وغاب عنها أي مساحات نسبية بين الصح والخطأ.
وقد حسب لشباب تلك المرحلة أنه تمرد على الثورة من داخل مبادئها وعبر وسائل سلمية -وليست "عنيفة"- في الاحتجاج والمعارضة؛ حيث ظل في مجمله مؤمنًا بالاشتراكية، ولكنه أصرّ على ربطها بالديمقراطية، وآمن بقيادة عبد الناصر ولكنه انتقد بشدة دور الأجهزة الأمنية والبيروقراطية في البلاد.
ورغم أن هذا الجيل إجمالا كان من أكثر أجيال مصر خبرة سياسية فإنه في الوقت نفسه تعرض لاستبعاد واضح من الحياة السياسية، ومن التأثير السياسي داخل النخبة الحاكمة، وحتى من اقترب منهم من السلطة والتصق بتوجهاتها ظل ينظر إليه باعتباره "غير مأمون"؛ لأنه في النهاية جاء من خارج الأجهزة البيروقراطية، وامتلك خبرة وخيالا سياسيًّا نتيجة تربيته داخل تنظيمات وحركات سياسية.
ولعل تجربة جيل 68 الأوربية تعطي مؤشرًا على الفارق الهائل بين قدرة أنظمة الحكم الديمقراطية على دمج قطاعات هامة من جيل ثوري داخل أحزاب وقوى التوافق العام عبر عملية تفاعل بين المؤسسات الديمقراطية والواقع السياسي المعيش، وخطاب هذا الشباب الثوري الذي ضم كل ألوان الطيف السياسي من يسار ماركسي ثوري، وماوي، وتروتسكي.
وقد أدت "رحلة" التفاعل والدمج هذه إلى أن تعيد أولا صياغة خطاب 68 الأوربي، وتحوله إلى خطاب اشتراكي إصلاحي، أو في صورة أحزاب تدافع عن قضايا البيئة، ثم ساهمت ثانيًا في وصول كثير من تيارات هذا الجيل "المعدلة" ورموزه إلى الحكم في كل بلدان أوربا الغربية.
وقد اختلف هذا الوضع كثيرًا عن الحالة الاستبعادية التي شهدتها الساحة المصرية تجاه هذا الجيل الذي ظل خارج دائرة صناعة القرار السياسي؛ ربما عقابًا له على أنه امتلك في يوم من الأيام تكوينا وحلمًا سياسيًّا حتى لو غير كل مضامينه الآن.
شباب ما بعد الأيديولوجيات الكبرى
تغير الوضع مع بداية العقد الماضي، وتراجع دور تيارات النصوص الأيديولوجية الكبرى عن لعب نفس الدور الذي لعبته في العقود السابقة، وبدا أن هناك قطاعات جديدة من هذا الجيل تتفاعل مع السياسة وتمارسها، ولكن بطريقة مختلفة عن تلك التي مارستها التيارات العقائدية.
وقد واصل قطاع من هذا الجيل الجديد انتماءه إلى نفس هذه التيارات السياسية والحزبية، إلا أن هذا الانتماء لم يمنع جانبًا كبيرًا منه من تقديم فهم مرن ورحب للأيديولوجيا تجاوز تلك النظرة النصية التي سادت من قبل.
وقد تفاعل كثيرون من أبناء هذا الجيل مع العمل السياسي خارج إطار التنظيمات السياسية السرية والمفاهيم الحلقية للعمل الحزبي؛ بحيث أصبحنا نرى بعض شباب الناصريين ينتمون إلى قيمة التحرر الوطني والوحدة العربية، وليس بالضرورة نصوص الميثاق أو بيان 30 مارس، كما شاهدنا ماركسيين أقرب للدفاع عن فكرة العدالة الاجتماعية والاشتراكية بالمعنى الحديث للكلمة وليس عبر الانتماء لتنظيمات ستالينية ضيقة، وظهر أخيرًا إسلاميون يدافعون عن جوهر القيم الدينية والأخلاقية والحضارية التي نادى بها الإسلام، وأكدوا على قيمته كمشروع ثقافي وسياسي في إطار القبول بالمشاريع الأخرى، كما غابت عن الفصائل الأساسية للحركة الإسلامية أي إشارة لتكفير السلطة أو المجتمع وفق تفسيرات نصية ضيقة.
وقد بدت خصومات هذا الجيل الأيديولوجية أقل بكثير من خصومات نظرائهم من أجيال الستينيات والسبعينيات؛ فالحروب والرماح الأيديولوجية التي انطلقت في السبعينيات بين الفصائل السياسية المختلفة لم تظهر بنفس الحدة مع شباب الألفية الثالثة؛ فليس هناك عداوات "مرضية" تجاه تجربة عبد الناصر مثلا بين أوساط معارضيه من أبناء هذا الجيل، وليس هناك حملات تخوينية وتكفيرية تذكر بين مجمل الاتجاهات السياسية المختلفة وسط هذا الجيل، وأخيرًا ليس هناك احتقانات تعكسها مرارات شخصية تجاه تجربة بعينها.
فجيل الألفية الثالثة في مجمله -باستثناء المنتمين لجماعات العنف الديني- لم يتعرض لاعتقالات جماعية كما حدث في الخمسينيات مع الشيوعيين والإخوان المسلمين، أو كما حدث في 1981 مع كل القوى السياسية، إنما عاش مرحلة فيها قدر أكبر من التوافق الوطني والجيلي العام على "أجندة معارضة" لجوهر سياسات الداخل والخارج، قائمة أساسًا على الإصلاح السياسي والديمقراطي وعلى احترام حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان.
وقد ظهر أيضًا جيل جديد تفاعل مع السياسة من خارج التنظيمات العقائدية والأحزاب السياسية؛ فانتمى إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية، وأصبحت هناك أجندة "متعولمة" لقطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة يطرح فيها أفكاره السياسية الجديدة من دفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتمى لأول مرة إلى جمعيات عابرة للقوميات ومتداخلة مع العالم عبر شبكات المعلومات والبريد الإلكتروني.
وقد امتلكت قطاعات واسعة ومتزايدة من هذا الجيل خبرتها وتكوينها السياسي من خلال الانتماء إلى قضايا العالم وهمومه والتفاعل معه عبر تقديم قراءة نقدية لكثير من مثالب عصر العولمة، ولكن من خلال الحداثة وقيم العصر الديمقراطية.
ومن هنا لم يكن غريبًا أن تكون إحدى الوسائل المدهشة التي قدمها هذا الجيل في دعمه للقضية الفلسطينية كانت عبر كتابة آلاف الرسائل عبر شبكات الإنترنت يشرح فيها مشروعية الكفاح الفلسطيني في مواجهة آلة الاحتلال والعدوان الإسرائيلية، ويخوض مواجهات ساخنة مع أنصار الدولة العبرية في أوربا والولايات المتحدة.
وهكذا لم يكن غريبًا أن تشكل القضية الفلسطينية في حد ذاتها قيمة اتفاق وطني عام بين كل رموز هذا الجيل المُسيَّس منهم -بطريقته- وغير المسيس. فهي قضية عادلة بالمعنى المطلق يجد فيها الشاب ذو التكوين المدني أو العلماني نفسه داعمًا لحق شعب مضطهد في الحرية والاستقلال، والآخر ذو التكوين الإسلامي مؤيدًا لحق شعب مسلم في مواجهة احتلال صهيوني لأرضه، وأخيرًا إذا كان قوميًّا فإنه يناضل من أجل تحرير أرض عربية مغتصبة منذ أكثر من نصف قرن.
وقد بدت ثورة الاتصالات التي اعتبرها البعض "شرًّا" يجب وضع المصريين بمنأى عنه فرصة هائلة لصياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربطت همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعدته على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به.
وهكذا سنجد أن هناك أجندة جديدة عالمية فرضت نفسها على شباب الألفية الثالثة؛ حيث لم يَعُد الدخول إلى حقل السياسة حكرًا فقط على التنظيمات والأيديولوجيات الوطنية إنما نافسها على الساحة تنظيمات وأفكار عابرة للقوميات.
هل ذهبت السياسة أم عادت بصورة جديدة؟
ربما كان من الصعب على من تابع مظاهرات جيل "الألفية الثالثة" للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000، والتي عاد وكررها بصورة أكثر صخبًا وحيوية العام الماضي أثناء الغزو الأمريكي للعراق.. أن يقول: إنها تحركت وفق نفس التقسيم الأيديولوجي الذي حكم احتجاجات الطلاب في العقود الثلاثة السابقة؛ فمن الصعب القول بأن هناك تنظيمًا ناصريًّا قويًّا خطط ونظم احتجاجات دعم الانتفاضة. ومن الصعب القول أيضًا بأن كل من شارك في مظاهرات الاحتجاج ضد غزو العراق واحتلال فلسطين ينتمي إلى تنظيم إسلامي حرك الآلاف بإشارة واحدة، بقدر ما كنا أمام حركة جيل، لدى كثير منه ميوله السياسية الناصرية أو الإسلامية، عبّر عن قيم "الطلاب العاديين" وليس التنظيمات العقائدية -حتى لو انتمى بعضهم إليها-؛ ليقود في النهاية وبشكل أساسي "انتفاضة" دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق.
والحقيقة أن ثقافة التنظيمات السرية التي راجت في الستينيات والسبعينيات والتي كان كل عضو في تنظيم سياسي شيوعي أو ناصري أو إسلامي يحمل "رؤية تكفيرية" ليس فقط لأعضاء التنظيمات الأخرى، إنما أيضًا للتنظيمات الأخرى التي تنتمي إلى نفس توجهه العقائدي.. قد تراجعت بصورة كبيرة مع الجيل الجديد الذي نجح إلى حد كبير أن ينتمي إلى المتوسط العام السائد في المجتمع المصري، وألا يعيش تجربة التنظيمات السرية بروح منعزلة عن العالم المحيط به؛ فيكره أهله الرجعيين أو غير المتدينين، ولا يحب أصدقاءه الذين لم يشاركوه اختياراته الفكرية، ولا يرى العالم إلا من خلال ثقافة الخير والشر التي تفصل بين إخوانه ورفاقه في التنظيم، وباقي أفراد المجتمع.
وقد أصبح من سمات هذا الجيل أيضًا انفتاحه على الحياة والمجتمع؛ يعيش أفراده كمواطنين أولاً وليسوا قادمين من كواكب أخرى، أو أرسلتهم العناية الإلهية لإنقاذ المجتمع وهدايته. فكثير من هؤلاء يعيش حياة طبيعية، يتفاعل مع الأنشطة الاجتماعية والفنية المحترمة رغم خلفيته الإسلامية، والبعض الآخر يتواصل بشكل طبيعي مع أهله وأسرته رغم ميولهم "الساداتية"، وميوله "الناصرية".
وهكذا أصبحنا أمام جيل جديد يتفاعل مع الأيديولوجيا والسياسة بصورة -إجمالا- أكثر إنسانية وانفتاحًا من أجيال التنظيمات والحلقات الأيديولوجية الضيقة.
ومن هنا كان مدهشا أن يخرج الطلاب، ويحدثوا هذا الحجم من "الاحتجاج السياسي" في ظل مناخ حارب السياسية، وأوصياء حكموا على هذا الجيل بالخفة والابتعاد عن العمل السياسي؛ بل وكل ما يتعلق بالهم الوطني العام.
وإذا كان تفاعل هذا الجيل الإيجابي مع ثورة المعلومات وعصر البريد الإلكتروني، وتأثره بما نقلته فضائيات السماوات المفتوحة من صور للمجازر التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل عولمة متزايدة للاتصالات.. قد أثر في مشاعره وردود أفعاله، بما يعني أن "ثقافة الملموس" التي تفاعل معها هذا الجيل قد أثرت فيه بصورة مختلفة عن جيل عصر "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" أو جيل التعبئة الأيديولوجية؛ فإن هذا لا يعني غياب السياسي والعمل السياسي -بمعنى جديد- عن طموحات وهموم هذا الجيل.
وإذا كانت مفاهيم العمل السياسي قد تغيرت في عصر العولمة؛ فإن بقاء العمل السياسي في بلادنا حكرًا على الجيل والمفاهيم القديمة التي راجت أثناء عصر التحرر الوطني أضر ليس فقط بالسياسة إنما أيضًا بعلاقتها بالشباب.
وهنا يصبح من التعسف اعتبار الجيل الجديد سطحيًّا وغير مسّيس؛ لأنه لا ينتمي إلى نفس الطريقة القديمة في التعبير عن اهتمامه بالسياسة.
وهكذا من الصعب القول بأن عصر السياسة والأيديولوجيات قد انتهى؛ فلقد وضعنا شباب الألفية الثالثة أمام مفهوم جديد للسياسة وشكل جديد للعمل السياسي اختلف في شكله ومضمونه عن الشكل التقليدي السابق، وبات من غير المبرر الاستمرار في التباكي على النمط التعبوي السابق وعن غياب الأحزاب السياسية، وانتقال الحشود من مؤتمرات الأحزاب إلى ساحات الجامعات والنقابات.
وهكذا فإذا كان من الوارد القول بأن اهتمام شباب الألفية الثالثة بالعمل الحزبي والتقسيم الأيديولوجي الضيق قد تراجع، وإن علاقاته بالأطر التنظيمية التي ينتمي لها البعض قد اختلف؛ فإن الصورة بلا شك لن تكون بمثل هذه القتامة حين ننظر إلى تجربة هذا الجيل من خلال المفاهيم والصور الجديدة والمنفتحة التي قدمها من أجل دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق.
وهنا في الحقيقة سيصبح من الواجب قراءة أفكار وأساليب شباب الألفية الثالثة من خلال العصر والسياق الذي يعيش فيه؛ فكما قرأنا تجارب الأجيال السابقة على ضوء ظروفها التاريخية؛ فإن من الإنصاف قراءة تجارب هذا الجيل وفق ظروف عصره والمناخ الذي تربى فيه.
لقد أصبحنا في الحقيقة أمام صورة جديدة للعمل السياسي وأشكال جديدة للتعبئة، وصور مختلفة للضغط والاحتجاج، قادها أساسًا شباب لا ينتمون للأحزاب القائمة أو إلى عقل التنظيمات العقائدية المغلقة، دون أن يعني أنهم بلا ميول أو تحيزات سياسية. صحيح أن هذه الصور "الشبابية" للفعل السياسي ما زالت مصرية في طور التكوين، إلا أنها بلا شك تحمل فرصًا هائلة للتطور والتواصل مع ما يجري في العالم الديمقراطي، وفي صياغة صورة جديدة للعمل السياسي لا تعني بأي حال من الأحوال اختفاء السياسة أو تغيبها كما يروج "البراجماتيون المتأمركون"، أو الموظفون ذوو المناصب "السياسية" في عالمنا العربي.
من الصعب على أي مراقب تابع احتجاجات الطلاب المصريين طوال السبعينيات والثمانينيات ألا يربطها بتيار سياسي محدد؛ إذ كان من الصعب - بل ومن المستحيل - أن تخرج أي مظاهرة من داخل الجامعات المصرية دون أن يشار إلى مَن وراءها من قوى سياسية منظمة، بدأت بالشيوعيين ومرت بالناصريين وانتهت بالإسلاميين، وفي أحيان أخرى كان الجميع يضطرون للسير معًا في مظاهرة واحدة.
صحيح أن التقسيمات الأيديولوجية الضيقة ظلت موجودة، تفصل بين المنتمين للتيارات السياسية التقليدية في العالم العربي، من ليبراليين وإسلاميين وشيوعيين وناصريين، إلا أنه توازى معها تصاعد جيل جديد من شباب الألفية الثالثة الذي تربطه علاقة مختلفة بالأيديولوجيا والمفاهيم التنظيمية الضيقة التي راجت في عصور الحرب الباردة.
وقد عرفت مصر حقبتين رئيسيتين تعامل فيهما الشباب مع الأيديولوجيا والسياسة، بصورة مختلفة تكاد تصل إلى حد التناقض:
المرحلة الأولى هي تلك الممتدة من ثورة 1919، ومرورًا بثورة يوليو، وانتهاء بمرحلة سقوط حائط برلين.
والمرحلة الثانية هي تلك التي أعقبت انهيار الكتلة الاشتراكية وبداية عصر العولمة في مجال السياسة والاقتصاد.
وفي كلتا المرحلتين كان تفاعل الشباب مختلفًا، ولكنه كان إيجابيًّا.
جيل الأيديولوجيات الكبرى
إجمالا تفاعل الشباب مع ثورة يوليو 1952 تفاعلا إيجابيًّا، ومثلت قيادة عبد الناصر التاريخية عنصر جذب للغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري وعلى رأسهم الشباب.
وقد تكونت خبرة الشباب السياسية في ذلك الوقت من خلال انتمائه لتنظيمات الثورة السياسية (الاتحاد الاشتراكي، منظمة الشباب، التنظيم الطليعي)، وحكمته أيضًا ثنائيات وأفكار كبرى، ولكن بمضامين جديدة تختلف عن ثنائيات الاستقلال والتحرر التي سادت قبل الثورة؛ حيث تم تقسيم العالم إلى تقدميين ورجعيين، وثوار وأعداء للثورة، وقوميين وإقليميين.
وقد تكون الوعي السياسي لشباب هذا الجيل داخل تلك التقسيمات السياسية الكبرى، وكان بريق النص الأيديولوجي وقدرته على تعبئة هذا الشباب حاسمًا في ذلك العصر.
فالاشتراكية العربية واجهت الاشتراكية الماركسية، والاثنتان واجهتا اليمين الليبرالي والديني على السواء، وكان شباب كل نص يبذلون جهودًا كبيرة في الالتصاق بنصهم الأيديولوجي، والعمل على اكتشاف الثغرات الموجودة في نصوص التيارات الأخرى، وإبراز الجوانب "المشرقة" في نصهم الأيديولوجي و"المظلمة" لدى نصوص الآخرين.
وقد حرص الشباب القومي والناصري طوال ذلك الوقت على تأكيد أنه ينتمي إلى أيديولوجية ملتصقة بالواقع، وتؤمن بالرسالات السماوية وليست "مستوردة" من الخارج، كما هو الحال في الأيديولوجيا الماركسية. كما حاول الشيوعيون إبراز وسطية الناصرية وترددها في خياراتها الطبقية وعدم عدائها الجذري للإمبريالية العالمية. أما بعض "الشباب الإسلامي" فقد اعتبر أن الدولة الناصرية دولة لا تطبق تعاليم الإسلام، وأحيانًا دولة كافرة.
وبقي شباب ذلك العصر محصورًا داخل أفكاره الأيديولوجية، عينه على سطورها ونصوصها الكلية، ونادرًا ما حاول أن ينظر إلى المجتمع وتفاعلاته المعيشة.
وقد عاشت مصر في ذلك العصر داخل ثنائيات أيديولوجية كبرى نجحت في أن تكون مصدر جذب واضحا لشباب تلك المرحلة، وكان معارضة مضمونها كثيرًا ما يضع من "تجرأ" على القيام بها في خانة أعداء الثورة والوطن، وكان الخلاف المسموح به هو حول تفاصيل الموقف السياسي وليس جوهر المشروع السياسي القائم.
وقد كان ولاء شباب هذا العصر للنص الأيديولوجي السائد هو المدخل لتشكيل وعيه السياسي؛ بل وأحد المعايير الرئيسية الذي على أساسه يتم حراكه داخل السلم السياسي والمهني في البلاد.
وقد استبعدت الثورة من نظامها السياسي فكرة وجود الأحزاب السياسية، وبالتالي غابت المعارضة عن المساهمة في التكوين السياسي لجيل هذا العصر من الشباب.
وقد نجحت التنظيمات السياسية في ذلك الوقت وعلى رأسها منظمة الشباب في أن تخلق جيلا مسيَّسًا وفق معايير عصره. صحيح أن كثيرًا من أبناء هذا الجيل قد انضم إلى هذه التنظيمات السياسية لكونها تنظيمات السلطة وليس الثورة، وبالتالي لم يقتنع بمبادئها وأفكارها رغم ترديده لشعاراتها، ومع ذلك فقد نجح كثير من شباب هذا العصر في اكتساب خبرات كثيرة وقدرات عالية من خلال وجوده في هذه التنظيمات.
وقد اتضح الدور السياسي للشباب الذي تربى في عصر الثورة وتنظيماتها في أعقاب هزيمة 1967 حين تمرد جيل كامل من طلاب الجامعات على كثير من مثالب النظام القائم، وقام بمظاهرات عارمة اجتاحت الجامعات المصرية بصورة لم تشهدها منذ انطلاق الثورة؛ حيث بدأت بالاحتجاج على ضعف الأحكام الصادرة بحق كثير من القادة العسكريين المسئوليين عن الهزيمة، وانتهت بالمطالبة بإجراء إصلاحات ديمقراطية وسياسية داخل النظام تمحورت حول المطالبة بالتعددية الحزبية واستقلالية العمل النقابي واحترام حرية الرأي والتعبير، إضافة إلى حرية الصحافة.
ولعلّ المدهش أن القطاع الأكبر من هذا الجيل تربى في منظمات الثورة، ولكنه في نفس الوقت تمرد عليها، ووجه انتقادات حادة لطريقة أدائها، ولممارسات كثيرٍ من قادتها.
وقد كان لهزيمة مشروع ثورة يوليو الناصري في 1967 وقْعُ الصاعقة على هذا الجيل الذي تشكل وعيه السياسي مع أحلام الثورة وثنائياتها المبشرة؛ حيث انكسرت كثير من طموحاته وأحلامه الكبرى.
وقد عرف شباب هذه المرحلة باسم "جيل 68"، وهو الجيل الأكثر تسييسًا في تاريخ مصر المعاصر والأكثر وعيًا بقضايا عصره، وأيضًا الأكثر التصاقًا -في مجمله- مع تقسيمات تلك المرحلة وثنائياتها المطلقة التي قسمت الواقع السياسي إلى "مع وضد"، والأعداء والرفاق"، وغاب عنها أي مساحات نسبية بين الصح والخطأ.
وقد حسب لشباب تلك المرحلة أنه تمرد على الثورة من داخل مبادئها وعبر وسائل سلمية -وليست "عنيفة"- في الاحتجاج والمعارضة؛ حيث ظل في مجمله مؤمنًا بالاشتراكية، ولكنه أصرّ على ربطها بالديمقراطية، وآمن بقيادة عبد الناصر ولكنه انتقد بشدة دور الأجهزة الأمنية والبيروقراطية في البلاد.
ورغم أن هذا الجيل إجمالا كان من أكثر أجيال مصر خبرة سياسية فإنه في الوقت نفسه تعرض لاستبعاد واضح من الحياة السياسية، ومن التأثير السياسي داخل النخبة الحاكمة، وحتى من اقترب منهم من السلطة والتصق بتوجهاتها ظل ينظر إليه باعتباره "غير مأمون"؛ لأنه في النهاية جاء من خارج الأجهزة البيروقراطية، وامتلك خبرة وخيالا سياسيًّا نتيجة تربيته داخل تنظيمات وحركات سياسية.
ولعل تجربة جيل 68 الأوربية تعطي مؤشرًا على الفارق الهائل بين قدرة أنظمة الحكم الديمقراطية على دمج قطاعات هامة من جيل ثوري داخل أحزاب وقوى التوافق العام عبر عملية تفاعل بين المؤسسات الديمقراطية والواقع السياسي المعيش، وخطاب هذا الشباب الثوري الذي ضم كل ألوان الطيف السياسي من يسار ماركسي ثوري، وماوي، وتروتسكي.
وقد أدت "رحلة" التفاعل والدمج هذه إلى أن تعيد أولا صياغة خطاب 68 الأوربي، وتحوله إلى خطاب اشتراكي إصلاحي، أو في صورة أحزاب تدافع عن قضايا البيئة، ثم ساهمت ثانيًا في وصول كثير من تيارات هذا الجيل "المعدلة" ورموزه إلى الحكم في كل بلدان أوربا الغربية.
وقد اختلف هذا الوضع كثيرًا عن الحالة الاستبعادية التي شهدتها الساحة المصرية تجاه هذا الجيل الذي ظل خارج دائرة صناعة القرار السياسي؛ ربما عقابًا له على أنه امتلك في يوم من الأيام تكوينا وحلمًا سياسيًّا حتى لو غير كل مضامينه الآن.
شباب ما بعد الأيديولوجيات الكبرى
تغير الوضع مع بداية العقد الماضي، وتراجع دور تيارات النصوص الأيديولوجية الكبرى عن لعب نفس الدور الذي لعبته في العقود السابقة، وبدا أن هناك قطاعات جديدة من هذا الجيل تتفاعل مع السياسة وتمارسها، ولكن بطريقة مختلفة عن تلك التي مارستها التيارات العقائدية.
وقد واصل قطاع من هذا الجيل الجديد انتماءه إلى نفس هذه التيارات السياسية والحزبية، إلا أن هذا الانتماء لم يمنع جانبًا كبيرًا منه من تقديم فهم مرن ورحب للأيديولوجيا تجاوز تلك النظرة النصية التي سادت من قبل.
وقد تفاعل كثيرون من أبناء هذا الجيل مع العمل السياسي خارج إطار التنظيمات السياسية السرية والمفاهيم الحلقية للعمل الحزبي؛ بحيث أصبحنا نرى بعض شباب الناصريين ينتمون إلى قيمة التحرر الوطني والوحدة العربية، وليس بالضرورة نصوص الميثاق أو بيان 30 مارس، كما شاهدنا ماركسيين أقرب للدفاع عن فكرة العدالة الاجتماعية والاشتراكية بالمعنى الحديث للكلمة وليس عبر الانتماء لتنظيمات ستالينية ضيقة، وظهر أخيرًا إسلاميون يدافعون عن جوهر القيم الدينية والأخلاقية والحضارية التي نادى بها الإسلام، وأكدوا على قيمته كمشروع ثقافي وسياسي في إطار القبول بالمشاريع الأخرى، كما غابت عن الفصائل الأساسية للحركة الإسلامية أي إشارة لتكفير السلطة أو المجتمع وفق تفسيرات نصية ضيقة.
وقد بدت خصومات هذا الجيل الأيديولوجية أقل بكثير من خصومات نظرائهم من أجيال الستينيات والسبعينيات؛ فالحروب والرماح الأيديولوجية التي انطلقت في السبعينيات بين الفصائل السياسية المختلفة لم تظهر بنفس الحدة مع شباب الألفية الثالثة؛ فليس هناك عداوات "مرضية" تجاه تجربة عبد الناصر مثلا بين أوساط معارضيه من أبناء هذا الجيل، وليس هناك حملات تخوينية وتكفيرية تذكر بين مجمل الاتجاهات السياسية المختلفة وسط هذا الجيل، وأخيرًا ليس هناك احتقانات تعكسها مرارات شخصية تجاه تجربة بعينها.
فجيل الألفية الثالثة في مجمله -باستثناء المنتمين لجماعات العنف الديني- لم يتعرض لاعتقالات جماعية كما حدث في الخمسينيات مع الشيوعيين والإخوان المسلمين، أو كما حدث في 1981 مع كل القوى السياسية، إنما عاش مرحلة فيها قدر أكبر من التوافق الوطني والجيلي العام على "أجندة معارضة" لجوهر سياسات الداخل والخارج، قائمة أساسًا على الإصلاح السياسي والديمقراطي وعلى احترام حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان.
وقد ظهر أيضًا جيل جديد تفاعل مع السياسة من خارج التنظيمات العقائدية والأحزاب السياسية؛ فانتمى إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية، وأصبحت هناك أجندة "متعولمة" لقطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة يطرح فيها أفكاره السياسية الجديدة من دفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتمى لأول مرة إلى جمعيات عابرة للقوميات ومتداخلة مع العالم عبر شبكات المعلومات والبريد الإلكتروني.
وقد امتلكت قطاعات واسعة ومتزايدة من هذا الجيل خبرتها وتكوينها السياسي من خلال الانتماء إلى قضايا العالم وهمومه والتفاعل معه عبر تقديم قراءة نقدية لكثير من مثالب عصر العولمة، ولكن من خلال الحداثة وقيم العصر الديمقراطية.
ومن هنا لم يكن غريبًا أن تكون إحدى الوسائل المدهشة التي قدمها هذا الجيل في دعمه للقضية الفلسطينية كانت عبر كتابة آلاف الرسائل عبر شبكات الإنترنت يشرح فيها مشروعية الكفاح الفلسطيني في مواجهة آلة الاحتلال والعدوان الإسرائيلية، ويخوض مواجهات ساخنة مع أنصار الدولة العبرية في أوربا والولايات المتحدة.
وهكذا لم يكن غريبًا أن تشكل القضية الفلسطينية في حد ذاتها قيمة اتفاق وطني عام بين كل رموز هذا الجيل المُسيَّس منهم -بطريقته- وغير المسيس. فهي قضية عادلة بالمعنى المطلق يجد فيها الشاب ذو التكوين المدني أو العلماني نفسه داعمًا لحق شعب مضطهد في الحرية والاستقلال، والآخر ذو التكوين الإسلامي مؤيدًا لحق شعب مسلم في مواجهة احتلال صهيوني لأرضه، وأخيرًا إذا كان قوميًّا فإنه يناضل من أجل تحرير أرض عربية مغتصبة منذ أكثر من نصف قرن.
وقد بدت ثورة الاتصالات التي اعتبرها البعض "شرًّا" يجب وضع المصريين بمنأى عنه فرصة هائلة لصياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربطت همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعدته على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به.
وهكذا سنجد أن هناك أجندة جديدة عالمية فرضت نفسها على شباب الألفية الثالثة؛ حيث لم يَعُد الدخول إلى حقل السياسة حكرًا فقط على التنظيمات والأيديولوجيات الوطنية إنما نافسها على الساحة تنظيمات وأفكار عابرة للقوميات.
هل ذهبت السياسة أم عادت بصورة جديدة؟
ربما كان من الصعب على من تابع مظاهرات جيل "الألفية الثالثة" للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000، والتي عاد وكررها بصورة أكثر صخبًا وحيوية العام الماضي أثناء الغزو الأمريكي للعراق.. أن يقول: إنها تحركت وفق نفس التقسيم الأيديولوجي الذي حكم احتجاجات الطلاب في العقود الثلاثة السابقة؛ فمن الصعب القول بأن هناك تنظيمًا ناصريًّا قويًّا خطط ونظم احتجاجات دعم الانتفاضة. ومن الصعب القول أيضًا بأن كل من شارك في مظاهرات الاحتجاج ضد غزو العراق واحتلال فلسطين ينتمي إلى تنظيم إسلامي حرك الآلاف بإشارة واحدة، بقدر ما كنا أمام حركة جيل، لدى كثير منه ميوله السياسية الناصرية أو الإسلامية، عبّر عن قيم "الطلاب العاديين" وليس التنظيمات العقائدية -حتى لو انتمى بعضهم إليها-؛ ليقود في النهاية وبشكل أساسي "انتفاضة" دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق.
والحقيقة أن ثقافة التنظيمات السرية التي راجت في الستينيات والسبعينيات والتي كان كل عضو في تنظيم سياسي شيوعي أو ناصري أو إسلامي يحمل "رؤية تكفيرية" ليس فقط لأعضاء التنظيمات الأخرى، إنما أيضًا للتنظيمات الأخرى التي تنتمي إلى نفس توجهه العقائدي.. قد تراجعت بصورة كبيرة مع الجيل الجديد الذي نجح إلى حد كبير أن ينتمي إلى المتوسط العام السائد في المجتمع المصري، وألا يعيش تجربة التنظيمات السرية بروح منعزلة عن العالم المحيط به؛ فيكره أهله الرجعيين أو غير المتدينين، ولا يحب أصدقاءه الذين لم يشاركوه اختياراته الفكرية، ولا يرى العالم إلا من خلال ثقافة الخير والشر التي تفصل بين إخوانه ورفاقه في التنظيم، وباقي أفراد المجتمع.
وقد أصبح من سمات هذا الجيل أيضًا انفتاحه على الحياة والمجتمع؛ يعيش أفراده كمواطنين أولاً وليسوا قادمين من كواكب أخرى، أو أرسلتهم العناية الإلهية لإنقاذ المجتمع وهدايته. فكثير من هؤلاء يعيش حياة طبيعية، يتفاعل مع الأنشطة الاجتماعية والفنية المحترمة رغم خلفيته الإسلامية، والبعض الآخر يتواصل بشكل طبيعي مع أهله وأسرته رغم ميولهم "الساداتية"، وميوله "الناصرية".
وهكذا أصبحنا أمام جيل جديد يتفاعل مع الأيديولوجيا والسياسة بصورة -إجمالا- أكثر إنسانية وانفتاحًا من أجيال التنظيمات والحلقات الأيديولوجية الضيقة.
ومن هنا كان مدهشا أن يخرج الطلاب، ويحدثوا هذا الحجم من "الاحتجاج السياسي" في ظل مناخ حارب السياسية، وأوصياء حكموا على هذا الجيل بالخفة والابتعاد عن العمل السياسي؛ بل وكل ما يتعلق بالهم الوطني العام.
وإذا كان تفاعل هذا الجيل الإيجابي مع ثورة المعلومات وعصر البريد الإلكتروني، وتأثره بما نقلته فضائيات السماوات المفتوحة من صور للمجازر التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل عولمة متزايدة للاتصالات.. قد أثر في مشاعره وردود أفعاله، بما يعني أن "ثقافة الملموس" التي تفاعل معها هذا الجيل قد أثرت فيه بصورة مختلفة عن جيل عصر "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" أو جيل التعبئة الأيديولوجية؛ فإن هذا لا يعني غياب السياسي والعمل السياسي -بمعنى جديد- عن طموحات وهموم هذا الجيل.
وإذا كانت مفاهيم العمل السياسي قد تغيرت في عصر العولمة؛ فإن بقاء العمل السياسي في بلادنا حكرًا على الجيل والمفاهيم القديمة التي راجت أثناء عصر التحرر الوطني أضر ليس فقط بالسياسة إنما أيضًا بعلاقتها بالشباب.
وهنا يصبح من التعسف اعتبار الجيل الجديد سطحيًّا وغير مسّيس؛ لأنه لا ينتمي إلى نفس الطريقة القديمة في التعبير عن اهتمامه بالسياسة.
وهكذا من الصعب القول بأن عصر السياسة والأيديولوجيات قد انتهى؛ فلقد وضعنا شباب الألفية الثالثة أمام مفهوم جديد للسياسة وشكل جديد للعمل السياسي اختلف في شكله ومضمونه عن الشكل التقليدي السابق، وبات من غير المبرر الاستمرار في التباكي على النمط التعبوي السابق وعن غياب الأحزاب السياسية، وانتقال الحشود من مؤتمرات الأحزاب إلى ساحات الجامعات والنقابات.
وهكذا فإذا كان من الوارد القول بأن اهتمام شباب الألفية الثالثة بالعمل الحزبي والتقسيم الأيديولوجي الضيق قد تراجع، وإن علاقاته بالأطر التنظيمية التي ينتمي لها البعض قد اختلف؛ فإن الصورة بلا شك لن تكون بمثل هذه القتامة حين ننظر إلى تجربة هذا الجيل من خلال المفاهيم والصور الجديدة والمنفتحة التي قدمها من أجل دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق.
وهنا في الحقيقة سيصبح من الواجب قراءة أفكار وأساليب شباب الألفية الثالثة من خلال العصر والسياق الذي يعيش فيه؛ فكما قرأنا تجارب الأجيال السابقة على ضوء ظروفها التاريخية؛ فإن من الإنصاف قراءة تجارب هذا الجيل وفق ظروف عصره والمناخ الذي تربى فيه.
لقد أصبحنا في الحقيقة أمام صورة جديدة للعمل السياسي وأشكال جديدة للتعبئة، وصور مختلفة للضغط والاحتجاج، قادها أساسًا شباب لا ينتمون للأحزاب القائمة أو إلى عقل التنظيمات العقائدية المغلقة، دون أن يعني أنهم بلا ميول أو تحيزات سياسية. صحيح أن هذه الصور "الشبابية" للفعل السياسي ما زالت مصرية في طور التكوين، إلا أنها بلا شك تحمل فرصًا هائلة للتطور والتواصل مع ما يجري في العالم الديمقراطي، وفي صياغة صورة جديدة للعمل السياسي لا تعني بأي حال من الأحوال اختفاء السياسة أو تغيبها كما يروج "البراجماتيون المتأمركون"، أو الموظفون ذوو المناصب "السياسية" في عالمنا العربي.
السبت، 5 فبراير 2011
رائعة جديد للشاعر أحمد فؤاد نجم
كأنك مفيش
برغم إن صورك فـ كل الدواير وكل المداخل وكل المحاور
ومليا الشوارع على كل حيط مطنش علينا وعامل عبيط
كأنك مفيش ..
***
يا فرحة قلوبنا رئيسنا ظريف فُكهي إبن نكته ودمه خفيف
فـ عهدك سيادتك فَرَشنا الرصيف وآخر مُنانا غُموس اورغيف
وكل أمَّا تُخنُق ندوَّر ..
مفيش !!
***
مسيِّب علينا عصابة حبايبك فضايح وسرقة ونهب بسبايبك
مابين حزب نجلك وهانم جلالتك وجيش الغوازي اللي داير يجاملك
وناملك وقاملك .. وحارسك وأمنك شبعنا مهانه .. شبعنا لطيش ..!
وأنت يا ريس كأنك مفيش ..
***
باعونا فـ حضورك ببركة عِبـيدك وغالي وسرورك
باعوا الأراضي وكل المصانع وباعوا البنوك ..
وقدَّام عِنيك صوتنا إتـنبح ننادي.. يا ريس ده باعوا الحديد !!
وأنت مطننش وفكرك بليد !!
.. كأنك مفيش !!
***
دوشتوا دماغنا " بجمال " طلعتك ومن يومها وإحنا عَبـيد حضرتك
ما تزعلش إني مواطن أبيح ورافض كلابك فـ شعبك تطيح
فسادهم يا ريِّس واضح صريح قوم بينا صلّح وفتَّش .. وثور
ح نكتب تاريخك ياريِّس بنور مش تبقى عايش كأنـَّك مفيش !!
***
ورحمة أبوك مادام أنت قاعد عيب لمَّا عُصبة نَـوَر يسحبُوك
م تُقبض عليهم .. م تقطع إيديهم م تعمل عليهم يا ريِّس شاويش
بدل م انت ساكت وقاعد مفيش
***
ياريس علىّ الطلاق تعبانين !! يا ريس علىّ الحرام كفرانين !!
صبرنا سنين سيادتك مسلطن وشعبك وناسك بتآكل مسرطن
وتشرب مجاري وميت سم هاري .. وهما غلابة ومش دريانين !!
ما تنهض يا ريس تلم الديابه ؟!! ده شعبك غلابة ومليان طيابه ..
وهوَّ الشفاعة ف يوم الحساب وهما البطانة الحثالة الكلاب
ما يملاش عنيهم غير التراب وليهم ضوافر وميت ألف ناب
وواقفين لشعبك ورا كل باب لإمتى ح تسكت وليه الغياب ؟
ده ياما ممالك طواها التراب حياتنا ياريس تعب فوق عذاب
***
يا ريس " شريفك " ماهوَّاش شريف !! " نظيفك " يا ريس ماهوَّاش نظيف !!
وحتى " حبيبك " ماهواش حبـيب !!
وأنا غصب عني خلاص إستويت بـغـُلبي إنحنيت
وطلعان عنيا وصعبان عليا بحسبة بسيطة ومن غير خريطه ..
وكونك مفيش .. لقيت متساويش ومش فارقه كوني اموت او أعيش ..
***
نويت أشتكيك للِّي فوقي وفوقك وأصلي الفرايض ..عسى يفـُك طُوقـك
قالولي إللي يسجد عدو النظام !!
حاولت أحكي حالي ..!! قالولي الحكاوي نميمة وحرام !!
فكرت أكتب .. لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام !!
فقررت أحلم .. هاحلم سيادتك وأفُك اللِّجام
ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم وصِّي العساكر .. تاخُدني أمَّا انام !!
***
حلمت إني شعب ومصلوب بطولي على أرض سمرا
ودمي بينـزف ومليان جروح وفوق صدري جمرة
يميني مربّط على أرض طابا شمالي ممسمر فـ "أولاد علي"
ورجلي على جزع نخلة فـ "حلايب" ومرتاح براسي على حِجْر مصر
وشوفتك ياريس ...كأنك نبي ... فـ إيدك عصاية وليك معجزات
وشايل صليبي وبتفـُكني .. وانا فـ جنَّه خضره .. وتحتي جداول ..
ومن فوقي نور .. وريحة بخور ..
همست ف ودانك بآخر وصيّة
إنسى إللي فاتك .. هننسى الأسية .. !! أمانه عليك ..
حُط الوطن جُوَّه نِنِّي عينيك كرامة عيالنا أمانة ف إيديك
بحق إللي بينّا يا ريِّس وبـينك وحَق اليَمِين و" ألكتاب " فى يمينك
بحق الشهيد .. إللي رافع جبينك
وجيش إنتصارك فى يوم العبور وجيل حُر طالع .. وعدته بدور
لملم عيالك .. وجمَّع فـ مالك
وإسحب " جمالك " وسيبنا وغور
برغم إن صورك فـ كل الدواير وكل المداخل وكل المحاور
ومليا الشوارع على كل حيط مطنش علينا وعامل عبيط
كأنك مفيش ..
***
يا فرحة قلوبنا رئيسنا ظريف فُكهي إبن نكته ودمه خفيف
فـ عهدك سيادتك فَرَشنا الرصيف وآخر مُنانا غُموس اورغيف
وكل أمَّا تُخنُق ندوَّر ..
مفيش !!
***
مسيِّب علينا عصابة حبايبك فضايح وسرقة ونهب بسبايبك
مابين حزب نجلك وهانم جلالتك وجيش الغوازي اللي داير يجاملك
وناملك وقاملك .. وحارسك وأمنك شبعنا مهانه .. شبعنا لطيش ..!
وأنت يا ريس كأنك مفيش ..
***
باعونا فـ حضورك ببركة عِبـيدك وغالي وسرورك
باعوا الأراضي وكل المصانع وباعوا البنوك ..
وقدَّام عِنيك صوتنا إتـنبح ننادي.. يا ريس ده باعوا الحديد !!
وأنت مطننش وفكرك بليد !!
.. كأنك مفيش !!
***
دوشتوا دماغنا " بجمال " طلعتك ومن يومها وإحنا عَبـيد حضرتك
ما تزعلش إني مواطن أبيح ورافض كلابك فـ شعبك تطيح
فسادهم يا ريِّس واضح صريح قوم بينا صلّح وفتَّش .. وثور
ح نكتب تاريخك ياريِّس بنور مش تبقى عايش كأنـَّك مفيش !!
***
ورحمة أبوك مادام أنت قاعد عيب لمَّا عُصبة نَـوَر يسحبُوك
م تُقبض عليهم .. م تقطع إيديهم م تعمل عليهم يا ريِّس شاويش
بدل م انت ساكت وقاعد مفيش
***
ياريس علىّ الطلاق تعبانين !! يا ريس علىّ الحرام كفرانين !!
صبرنا سنين سيادتك مسلطن وشعبك وناسك بتآكل مسرطن
وتشرب مجاري وميت سم هاري .. وهما غلابة ومش دريانين !!
ما تنهض يا ريس تلم الديابه ؟!! ده شعبك غلابة ومليان طيابه ..
وهوَّ الشفاعة ف يوم الحساب وهما البطانة الحثالة الكلاب
ما يملاش عنيهم غير التراب وليهم ضوافر وميت ألف ناب
وواقفين لشعبك ورا كل باب لإمتى ح تسكت وليه الغياب ؟
ده ياما ممالك طواها التراب حياتنا ياريس تعب فوق عذاب
***
يا ريس " شريفك " ماهوَّاش شريف !! " نظيفك " يا ريس ماهوَّاش نظيف !!
وحتى " حبيبك " ماهواش حبـيب !!
وأنا غصب عني خلاص إستويت بـغـُلبي إنحنيت
وطلعان عنيا وصعبان عليا بحسبة بسيطة ومن غير خريطه ..
وكونك مفيش .. لقيت متساويش ومش فارقه كوني اموت او أعيش ..
***
نويت أشتكيك للِّي فوقي وفوقك وأصلي الفرايض ..عسى يفـُك طُوقـك
قالولي إللي يسجد عدو النظام !!
حاولت أحكي حالي ..!! قالولي الحكاوي نميمة وحرام !!
فكرت أكتب .. لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام !!
فقررت أحلم .. هاحلم سيادتك وأفُك اللِّجام
ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم وصِّي العساكر .. تاخُدني أمَّا انام !!
***
حلمت إني شعب ومصلوب بطولي على أرض سمرا
ودمي بينـزف ومليان جروح وفوق صدري جمرة
يميني مربّط على أرض طابا شمالي ممسمر فـ "أولاد علي"
ورجلي على جزع نخلة فـ "حلايب" ومرتاح براسي على حِجْر مصر
وشوفتك ياريس ...كأنك نبي ... فـ إيدك عصاية وليك معجزات
وشايل صليبي وبتفـُكني .. وانا فـ جنَّه خضره .. وتحتي جداول ..
ومن فوقي نور .. وريحة بخور ..
همست ف ودانك بآخر وصيّة
إنسى إللي فاتك .. هننسى الأسية .. !! أمانه عليك ..
حُط الوطن جُوَّه نِنِّي عينيك كرامة عيالنا أمانة ف إيديك
بحق إللي بينّا يا ريِّس وبـينك وحَق اليَمِين و" ألكتاب " فى يمينك
بحق الشهيد .. إللي رافع جبينك
وجيش إنتصارك فى يوم العبور وجيل حُر طالع .. وعدته بدور
لملم عيالك .. وجمَّع فـ مالك
وإسحب " جمالك " وسيبنا وغور
قراءة في فقه العصيان المدني السلمي للمستشار طارق البشري
العصيان المدني فعل إيجابي يلتزم عدم العنف ويهدف لنزع الشرعية عن حاكم فقد شرعيته
في 2006، أصدرت دار "الشروق" المصرية للنشر كتاب "مصر بين العصيان والتفكك" لمؤلفه المستشار والمؤرخ طارق البشرى، ثم لم تلبث أن أصدرت طبعته الثانية في يونيو 2010. والكتاب مجموعة مقالات (مقدمة وأحد عشر مقالا على وجه التحديد) كان المستشار البشري قد كتبها قبل صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2006.
وفي "مصر بين العصيان والتفكك" تناول المستشار البشري عدة موضوعات منها "تعديل للدستور"، وما يسبق تعديل الدستور.. أو ما يصاحب المطالبة به، و"شخصنة الدولة"، و"أدعوكم إلي العصيان"، و"من الإصلاح السياسي إلي الإصلاح الدستوري.. والعكس"، و"الإصلاح صناعة محلية"، و"الهدف الغائب في حركتنا السياسية"، و"علم الاستبداد والطغيان"، و"النظام الدستوري بين السياسة والقانون"، و"المسألة القضائية وتفكك نظام الحكم". وتحت عنوان "هذه إمارة شرم الشيخ، فأين دولة مصر" اختتم البشري كتابه مؤكداً على أن القيادات السياسية صارت تهتم بنسبة 10 % فقط من إجمالي "سكان مصر"، وأنها تركت بقية المصريين بغير رعاية؛ لأن " السكان" أنجبوا كثيرا، وأصبح المصريين سكانا، فيما صارت صفة المواطنة تنطبق على 10 % فقط منهم.
أعمدة لجمع الشمل وترسيخ الحركة
يشير البشري في كتابه إلى أن ثمة أعمدة ثلاث علينا أن نبني الإجماع عليها. وأول هذه الأعمدة هو التحقق الديمقراطي بوصفه أسلوباً وتنظيمات لإدارة الدولة ولإدارة المجتمع بتشكيلاته كلها. ويرى أن افتقادنا هذا العماد قد كبدنا خسائر باهظة خلال العقود الأخيرة.
وثاني هذه الأعمدة يتمثل في "الخط الوطني". ويرى المستشار البشري أن هذا العماد كان يشار إليه في بداية مقاومتنا للنفوذ الأجنبي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عبر شعار "مصر للمصريين". ويرى البشر أن هذا الشعار تاريخي، وأن المتغيرات المعاصرة تدفع هذا العماد الوطني لصير تعبيراً عن تحرير الإرادة السياسية الرسمية من ضغوط الخارج عليها، أو تحريرها من احتلال الإرادة الخارجية لها؛ وتحديدا الإرادة الأمريكية. ويضع المستشار البشري هذا العماد في إطار سياق تاريخي تعلو فيه الهيمنة الأمريكية علي السياسات الرسمية، ويتعاظم فيه الخطر الصهيوني الحال بالأمة المصرية، فضلا عن التهديدات غير المباشرة من خلال إصابة السودان وتذويب الهوية العربية تحت مسمى إقليم الشرق الأوسط الكبير.. إلخ.
ويضيف المستشار البشري عمادا ثالثا يقوم على اتخاذ سياسات اقتصادية تكفل للمصريين الإشباع الكافي للحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في المعيشة، وهو ما من شأنه أن يقلل الاعتماد علي الخارج في شأن الضروريات إلي حد معقول، مما يسهم في تخفيف العبء الأمني القومي.
الدستور.. بين الفاعلية وانعدامها
ومن بين الفصول ذات الأهمية البالغة في كتاب البشري، الفصل الأول منه، والذي يرى فيه المستشار البشري أن عقودا من الحكم الفردي المستبد في مصر قد حطمت الكيانات المعبرة عن المجتمع، حيث جمدت الإدارة الحاكمة كل أشكال العمل الأهلي والسياسي، فلم تعد توجد في مصر نقابات أو جمعيات أو أحزاب تتسم بقدر من الفاعلية ولو محدود. وعليه، فهو يرى أن مطلب تعديل الدستور مطلب صوري، وأن الرؤية التي ترى هذا المطلب محورا لنشاطها تقع في خطأ كبير. ويوضح المستشار البشري أن الدستور نص، وأن هذا النص يفقد قيمته في إطار يتحداه ويهمشه.
ويلفت البشري النظر إلى أن الدستور كبنية قانونية محضة لا ينشئ واقعا سياسيا. وأن المطالبة بتغييره لن تخلق الحركية السياسية أو القوى الاجتماعية والسياسية المنشودة. بل على العكس، يرى أن تغيير الدستور في ظل الفراغ القائم سيصب في مصلحة الإدارة الحاكمة؛ لأنه سيعطيها الفرصة لتظهر بمظهر الديمقراطية، في الوقت الذي لا يحدث فيه تغيير جوهري على أرض الواقع.
ما يطرحه المستشار البشري هنا أن القانون إطار شكلي للحياة السياسية، تتوقف فاعليته ضمن هذا الإطار على توفر إرادة الانصياع له وتسييده. وما لم تتوفر هذه الإرادة، فإن وجود الدستور أو تغييبه؛ فضلا عن تعديله لن يصنع فارقا. فهو مغيب في كل الأحوال. ويوجه البشري النظر لضرورة بناء الحركة الاجتماعية السياسية القادرة على فرض احترام هذا الدستور.
دعوة الأمة للعصيان
كانت المقالة الرابعة في كتاب "مصر بين العيان والتفكك" صريحة في دلالتها على بلوغ شرعية الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر حدا بعيدا من التآكل والانهيار، حيث حملت عنوان: "أدعوكم إلى العصيان".وفي هذا المقال، يرى المستشار طارق البشري أنه كلما ضاقت دائرة الأفراد الممسكين بزمام الدولة زاد تضييقهم على خصومهم السياسيين، ويزيد احتمال استخدام آلة الدولة الأمنية لقمع أي حركة مخالفة في مهدها، وهو ما تستخدمه الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر لمواجهة أي فعل حركي بصورة تلقائية، وهو أيضًا ما يتوقعه أي فعل حركي منها. في هذا الإطار يرى البشري أن الفعل المنتج يستوجب صبرا على الشدائد التي ستواجهه حتما، وطول النفس، واستبقاء السلمية في التعبير رغم الصعاب. فذلك النهج يزيد من فاعلية ومن اتساع جامعة الحركة الشعبية ونمو شمولها.
فالعصيان المدني وفق هذه الرؤية "فعل إيجابي" يلتزم تماما "عدم العنف" ويقوم على تصميم المحكومين أن "ينزعوا غطاء الشرعية تماما" عن "حاكم فقد شرعيته فعلا" منذ زمن.
ويضرب المستشار البشري مثالا من تجربة الهند، لافتا إلى أن الانجليز ما كانوا يستطيعون أن يحكموها بغير تعاون الهنود وخضوعهم، وأشار إلى أن هذا ما أدركه الزعيم الهندي غاندي، وعمل على إنهاء هذا التعاون، فما لبث الحكم الإنجليزي أن انتهى، رغم أنه كان يعتمد على جيوش وأساطيل إنجليزية، كما كان جهاز الدولة الهندي يتشكل في قياداته من الإنجليز. ومعقد الاستشهاد بتجربة الهند في نظر البشري أن هذا الأسلوب نجح ضد حكام أجانب وضد آلة حرب أجنبية وضد جهاز دولة يشكله ويشرف عليه ويشترك في أنشطته الوسطى أجانب لا يبالون بمدى تضرر الطرف الهندي، فمن باب أولى أن ينتج أثره الكبير إذا لم يوجد أجنبي في حكم أو في آلة حرب أو في أجهزة الدولة.
الإصلاح صناعة محلية
يضاف إلى المقال السابق في تميزها ذلك المقال السادس الذي حمل عنوان "الإصلاح صناعة محلية"، والذي يؤكد فيه المستشار طارق البشري على أن أول شرط للديمقراطية هو أن تكون منتجا محليا صرفا في حالة الأوطان القطرية، وصناعة حضارية واقعية في حالة الكيان الأشمل وهو الأمة، تحمل من عبر الماضي ودروسه ومآسي الحاضر ومرارته، دون تدخل أياد أجنبية على الوطن. ويؤمن البشري بضرورة أن تتشكل الديمقراطية المنشودة في ممارساتها وإجراءاتها ثم في تكوينها بعجين وطنية.
ويفسر المستشار البشري رؤيته بتوطين الديمقراطية الإصلاح بالإشارة إلى أن أية استعانة بأية قوة خارجية للاستقواء بها من أجل تحقيق مصلحة داخلية ستفضي بنا أمام أنفسنا لحالة هزيمة معنوية فحواها وهننا وانعدام قدرتنا على إدارة شؤوننا الذاتية، وقصور إمكاناتنا الذاتية عن حماية مصالحنا الوطنية الصرفة في مواجهة نخبة وحراسها تقدر بالمئات، وهو ما قد يطرح أمام أنفسنا السؤال عن حقيقة قدرتنا على حماية مصالحنا وأوطاننا. ويحيل المستشار البشري إلى قاعدة عامة قوامها أن "من لا يقدر لا يستحق". وبهذا المعنى، فإن الحركة الإصلاحية إذا أقررت على نفسها بعدم القدرة على حماية وطنها من المستفيدين الداخليين، فإن قوى العدوان الخارجي تفهم من ذلك أننا لسنا مستحقين لهذه الحماية.ويضيف المستشار البشري بعد آخر قوامه التساؤل النافذ عن مدى مقبولية أن تطلب الحركة الإصلاحية الوطنية العون من أعدائها؛ أعداء الوطن، لافتا إلى أن القوى الخارجية مستفيدة من مواردنا أولا ومن صون الإدارات الحاكمة الفاسدة في أوطاننا لمصالح هذه القوى الأجنبية، وهو ما دفع هذه القوى للوقوف دوما إلى جانب المستبدين، ينصرونهم على شعوبهم المتعطشة للتحرر والكرامة.
في 2006، أصدرت دار "الشروق" المصرية للنشر كتاب "مصر بين العصيان والتفكك" لمؤلفه المستشار والمؤرخ طارق البشرى، ثم لم تلبث أن أصدرت طبعته الثانية في يونيو 2010. والكتاب مجموعة مقالات (مقدمة وأحد عشر مقالا على وجه التحديد) كان المستشار البشري قد كتبها قبل صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2006.
وفي "مصر بين العصيان والتفكك" تناول المستشار البشري عدة موضوعات منها "تعديل للدستور"، وما يسبق تعديل الدستور.. أو ما يصاحب المطالبة به، و"شخصنة الدولة"، و"أدعوكم إلي العصيان"، و"من الإصلاح السياسي إلي الإصلاح الدستوري.. والعكس"، و"الإصلاح صناعة محلية"، و"الهدف الغائب في حركتنا السياسية"، و"علم الاستبداد والطغيان"، و"النظام الدستوري بين السياسة والقانون"، و"المسألة القضائية وتفكك نظام الحكم". وتحت عنوان "هذه إمارة شرم الشيخ، فأين دولة مصر" اختتم البشري كتابه مؤكداً على أن القيادات السياسية صارت تهتم بنسبة 10 % فقط من إجمالي "سكان مصر"، وأنها تركت بقية المصريين بغير رعاية؛ لأن " السكان" أنجبوا كثيرا، وأصبح المصريين سكانا، فيما صارت صفة المواطنة تنطبق على 10 % فقط منهم.
أعمدة لجمع الشمل وترسيخ الحركة
يشير البشري في كتابه إلى أن ثمة أعمدة ثلاث علينا أن نبني الإجماع عليها. وأول هذه الأعمدة هو التحقق الديمقراطي بوصفه أسلوباً وتنظيمات لإدارة الدولة ولإدارة المجتمع بتشكيلاته كلها. ويرى أن افتقادنا هذا العماد قد كبدنا خسائر باهظة خلال العقود الأخيرة.
وثاني هذه الأعمدة يتمثل في "الخط الوطني". ويرى المستشار البشري أن هذا العماد كان يشار إليه في بداية مقاومتنا للنفوذ الأجنبي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عبر شعار "مصر للمصريين". ويرى البشر أن هذا الشعار تاريخي، وأن المتغيرات المعاصرة تدفع هذا العماد الوطني لصير تعبيراً عن تحرير الإرادة السياسية الرسمية من ضغوط الخارج عليها، أو تحريرها من احتلال الإرادة الخارجية لها؛ وتحديدا الإرادة الأمريكية. ويضع المستشار البشري هذا العماد في إطار سياق تاريخي تعلو فيه الهيمنة الأمريكية علي السياسات الرسمية، ويتعاظم فيه الخطر الصهيوني الحال بالأمة المصرية، فضلا عن التهديدات غير المباشرة من خلال إصابة السودان وتذويب الهوية العربية تحت مسمى إقليم الشرق الأوسط الكبير.. إلخ.
ويضيف المستشار البشري عمادا ثالثا يقوم على اتخاذ سياسات اقتصادية تكفل للمصريين الإشباع الكافي للحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في المعيشة، وهو ما من شأنه أن يقلل الاعتماد علي الخارج في شأن الضروريات إلي حد معقول، مما يسهم في تخفيف العبء الأمني القومي.
الدستور.. بين الفاعلية وانعدامها
ومن بين الفصول ذات الأهمية البالغة في كتاب البشري، الفصل الأول منه، والذي يرى فيه المستشار البشري أن عقودا من الحكم الفردي المستبد في مصر قد حطمت الكيانات المعبرة عن المجتمع، حيث جمدت الإدارة الحاكمة كل أشكال العمل الأهلي والسياسي، فلم تعد توجد في مصر نقابات أو جمعيات أو أحزاب تتسم بقدر من الفاعلية ولو محدود. وعليه، فهو يرى أن مطلب تعديل الدستور مطلب صوري، وأن الرؤية التي ترى هذا المطلب محورا لنشاطها تقع في خطأ كبير. ويوضح المستشار البشري أن الدستور نص، وأن هذا النص يفقد قيمته في إطار يتحداه ويهمشه.
ويلفت البشري النظر إلى أن الدستور كبنية قانونية محضة لا ينشئ واقعا سياسيا. وأن المطالبة بتغييره لن تخلق الحركية السياسية أو القوى الاجتماعية والسياسية المنشودة. بل على العكس، يرى أن تغيير الدستور في ظل الفراغ القائم سيصب في مصلحة الإدارة الحاكمة؛ لأنه سيعطيها الفرصة لتظهر بمظهر الديمقراطية، في الوقت الذي لا يحدث فيه تغيير جوهري على أرض الواقع.
ما يطرحه المستشار البشري هنا أن القانون إطار شكلي للحياة السياسية، تتوقف فاعليته ضمن هذا الإطار على توفر إرادة الانصياع له وتسييده. وما لم تتوفر هذه الإرادة، فإن وجود الدستور أو تغييبه؛ فضلا عن تعديله لن يصنع فارقا. فهو مغيب في كل الأحوال. ويوجه البشري النظر لضرورة بناء الحركة الاجتماعية السياسية القادرة على فرض احترام هذا الدستور.
دعوة الأمة للعصيان
كانت المقالة الرابعة في كتاب "مصر بين العيان والتفكك" صريحة في دلالتها على بلوغ شرعية الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر حدا بعيدا من التآكل والانهيار، حيث حملت عنوان: "أدعوكم إلى العصيان".وفي هذا المقال، يرى المستشار طارق البشري أنه كلما ضاقت دائرة الأفراد الممسكين بزمام الدولة زاد تضييقهم على خصومهم السياسيين، ويزيد احتمال استخدام آلة الدولة الأمنية لقمع أي حركة مخالفة في مهدها، وهو ما تستخدمه الإدارة الحاكمة المستبدة في مصر لمواجهة أي فعل حركي بصورة تلقائية، وهو أيضًا ما يتوقعه أي فعل حركي منها. في هذا الإطار يرى البشري أن الفعل المنتج يستوجب صبرا على الشدائد التي ستواجهه حتما، وطول النفس، واستبقاء السلمية في التعبير رغم الصعاب. فذلك النهج يزيد من فاعلية ومن اتساع جامعة الحركة الشعبية ونمو شمولها.
فالعصيان المدني وفق هذه الرؤية "فعل إيجابي" يلتزم تماما "عدم العنف" ويقوم على تصميم المحكومين أن "ينزعوا غطاء الشرعية تماما" عن "حاكم فقد شرعيته فعلا" منذ زمن.
ويضرب المستشار البشري مثالا من تجربة الهند، لافتا إلى أن الانجليز ما كانوا يستطيعون أن يحكموها بغير تعاون الهنود وخضوعهم، وأشار إلى أن هذا ما أدركه الزعيم الهندي غاندي، وعمل على إنهاء هذا التعاون، فما لبث الحكم الإنجليزي أن انتهى، رغم أنه كان يعتمد على جيوش وأساطيل إنجليزية، كما كان جهاز الدولة الهندي يتشكل في قياداته من الإنجليز. ومعقد الاستشهاد بتجربة الهند في نظر البشري أن هذا الأسلوب نجح ضد حكام أجانب وضد آلة حرب أجنبية وضد جهاز دولة يشكله ويشرف عليه ويشترك في أنشطته الوسطى أجانب لا يبالون بمدى تضرر الطرف الهندي، فمن باب أولى أن ينتج أثره الكبير إذا لم يوجد أجنبي في حكم أو في آلة حرب أو في أجهزة الدولة.
الإصلاح صناعة محلية
يضاف إلى المقال السابق في تميزها ذلك المقال السادس الذي حمل عنوان "الإصلاح صناعة محلية"، والذي يؤكد فيه المستشار طارق البشري على أن أول شرط للديمقراطية هو أن تكون منتجا محليا صرفا في حالة الأوطان القطرية، وصناعة حضارية واقعية في حالة الكيان الأشمل وهو الأمة، تحمل من عبر الماضي ودروسه ومآسي الحاضر ومرارته، دون تدخل أياد أجنبية على الوطن. ويؤمن البشري بضرورة أن تتشكل الديمقراطية المنشودة في ممارساتها وإجراءاتها ثم في تكوينها بعجين وطنية.
ويفسر المستشار البشري رؤيته بتوطين الديمقراطية الإصلاح بالإشارة إلى أن أية استعانة بأية قوة خارجية للاستقواء بها من أجل تحقيق مصلحة داخلية ستفضي بنا أمام أنفسنا لحالة هزيمة معنوية فحواها وهننا وانعدام قدرتنا على إدارة شؤوننا الذاتية، وقصور إمكاناتنا الذاتية عن حماية مصالحنا الوطنية الصرفة في مواجهة نخبة وحراسها تقدر بالمئات، وهو ما قد يطرح أمام أنفسنا السؤال عن حقيقة قدرتنا على حماية مصالحنا وأوطاننا. ويحيل المستشار البشري إلى قاعدة عامة قوامها أن "من لا يقدر لا يستحق". وبهذا المعنى، فإن الحركة الإصلاحية إذا أقررت على نفسها بعدم القدرة على حماية وطنها من المستفيدين الداخليين، فإن قوى العدوان الخارجي تفهم من ذلك أننا لسنا مستحقين لهذه الحماية.ويضيف المستشار البشري بعد آخر قوامه التساؤل النافذ عن مدى مقبولية أن تطلب الحركة الإصلاحية الوطنية العون من أعدائها؛ أعداء الوطن، لافتا إلى أن القوى الخارجية مستفيدة من مواردنا أولا ومن صون الإدارات الحاكمة الفاسدة في أوطاننا لمصالح هذه القوى الأجنبية، وهو ما دفع هذه القوى للوقوف دوما إلى جانب المستبدين، ينصرونهم على شعوبهم المتعطشة للتحرر والكرامة.
الخميس، 3 فبراير 2011
اليوم مصر، وغداً.... لناظره قريب
سعود المولى
في التلمود خرافة دينية تصف لنا واقع حال بلادنا العربية. تقول الرواية إن سيدنا سليمان (النبي/الملك) حين شرع ببناء المعبد/الهيكل في أورشليم (مدينة السلام/القدس) لم يجد أفضل من تشغيل الجن لإنجاز العمل الذي إستمر لمئات من السنين..وقد فاجأه الموت وهو يقف متكئاً على عصاه يراقب عمل الجن المرعوبين منه..إلى حد أنهم لم ينتبهوا لموته، فيما كانت دودة الأرض تأكل عصاه الهرمة..وهم إستمروا في العمل برغم أن أحدهم إنتبه وحاول تنبيههم بالغناء المتواصل أثناء العمل (ولعشرات السنين): أخضر يابس هات...سيدنا سليمان مات... ولكن دون جدوى..حتى وقع الملك بعد سقوط عصاه !
هكذا حال أنظمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، وبعضها معمّر مثل عصا سليمان..ومعظمها لا ينتبه إلى الدود ينخرعصا المُلك.. وكلها يظن أنه بمنأى عن غضب الناس وعن وعيها وإنتظامها في حركات إجتماعية تغييرية..
والسياق التاريخي العام (الإجتماعي والسياسي) لنشوء الحركات الإجتماعية عادة هو سياق "الأزمة" (أو "الأزمات")، التي تفرز عناصر المناخ العام الحاضن لتلك الحركات، والتي تطلق ديناميات تُحرَِر الناس من وهم الخوف وهمّه، ومن سحر عصا السلطة.. فتدفع الأفراد إلى العمل معاً من أجل أهداف مشتركة ، وبشعارات موحّدة ، وبمطالب واحدة، (جماعية الجهد والتنظيم وجماعية الهدف والمصالح والمطالب)..وتبلور لهم نظام القيَم (أو المشروع/القضية) التي تربط بينهم بعروة وثقى تدفعهم إلى الإنتماء والإلتزام، وإلى التعبئة (وليس الحشد)، وإلى إستمرارية الحركة (وليس موسمية التحرك).
1- أزمة فقدان العدالة والتوازن والكرامة في العلاقات الدولية: وهي تفاقمت منذ أحداث 11 أيلول والتطورات اللاحقة التي ساهمت في دفع العداوة الكامنة بين العالم العربي والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى حدها الأقصى. وقد إستفادت الإتجاهات الأصولية المتطرفة من هذه الأزمة لإكتساب شرعية شعبية في مجتمعاتنا. إن إنحياز الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لإسرائيل، وإعتماده سياسة "الكيل بمكيالين"، هما جوهر الأزمة القائمة بين العالمين العربي والغربي، والتي أدت فيما أدت إليه إلى إعاقة التطور في بلادنا..
2-الأزمة الناجمة عن العجز عن بلورة مشروع حضاري يؤمّن مصالحة المجتمعات العربية مع الذات ومع العصر. فالعالم العربي يُعاني من مخاض حضاري عميق. فهو عالم يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم يستطيع من خلاله أن يكون عنصراً إيجابياً في صنع الحضارة الإنسانية، إنطلاقاً من أصالة هويته وفرادة تراثه. وقد كشفت لنا السنوات والتجارب الماضية عن أن الهول الذي يواجهنا عرباً ومسلمين،كما مسلمين ومسيحيين، كبير جداً، ويتناول سلامتنا الجسدية المادية، ومضموننا الثقافي والقيَمي، ومصالحنا الإقتصادية، في أخص ما لها من خصائص وفي أشمل ما لها من أطر. كما يتناول دورنا في العالم، إذ يراد لنا أن نكون مجموعة من البشر تزّود العالم المتقدم إمكانات السوق وتستهلك ما ينتجه على كل الصعد، وتبقى كماً مهملا لا دور لها ولا ريادة في صنع هذه المرحلة من التاريخ.
3- أزمة التنمية في العالم العربي: وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد إحتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ25%...وقد إعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكداً أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لإنعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6% و 30% في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9% في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر.
وأسباب هذه الأزمة تعود في الأساس إلى تعذر إقامة أنظمة حكم ديموقراطية قائمة على حكم القانون والمشاركة الشعبية وقادرة على رسم السياسات الإنمائية وتوفير رقابة حقيقية على تنفيذها على أسس المساءلة والشفافية. ومن الأسباب الأساسية الأخرى لهذه الأزمة: وجود قيود كثيرة على مشاركة النساء في الحياة العامة، وغياب التنوع في البنية الإقتصادية بسبب الإتكال على عائدات النفط الخام والغاز، وتضخّم الإستدانة الخارجية، وتفشي ظاهرة الإهدار، والإندفاع المحموم في شراء السلاح، فضلاً عن إنتشار الفساد بجميع أنواعه من رشاوى وسرقات وعمولات مشبوهة وهو السبب الأكثر وحشية وهمجية في مجتمعاتنا.
4-أزمة الديموقراطية في العالم العربي حيث أن الأنسان لا يستطيع ممارسة حقه في توليد السلطة ومحاسبتها. لم تنتج الدولة الحديثة في العالم العربي نموذجاً للديموقراطية الخاص بها فلجأت إلى أشكال من الديكتاتورية الظاهرية والمقنعة. ففي العالم العربي نوعان من الأنظمة: أنظمة تقليدية لا تقر للشعب بحقه في ممارسة سيادته عبر إختيار ممثليه وتكوين مؤسساته الدستورية؛ وأنظمة إستبدادية تصادر مجتمعاتها، فتختزلها بحزب وتختزل الحزب بشخص. وما يجمع بين النظامين التقليدي والإستبدادي، رفضهما لمبدأ تداول السلطة وحكم القانون وحق المشاركة وإحترام حقوق الإنسان.
ولا يجد الإنسان من سبيل للخروج من هذا الوضع سوى العودة إلى الماضي هرباً من الحاضر وخوفاً من المستقبل. ولهذه العودة إلى الماضي أشكالها المختلفة: فإما تكون عودة إلى نوع خرافي من الدين بعد أن تكون السياسة قد إختزلته، وإما تكون عودة إلى التكوينات الطائفية والإثنية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة الوطنية.
5-أزمة الحرية في العالم العربي حيث تحوّل هذا العالم إلى "سجن كبير" تعيش وتموت بين جدرانه العالية أجيال وأجيال لم يعط لها حق المشاركة في تقرير مصيرها وتحقيق ذاتها؛ أجيال تنظر إلى العالم فتراه في حركة دائمة يتقدم حيناً ويتراجع أحياناً، بينما الزمن، زمنها، هو زمن معلق يحرسه الخوف، الخوف من كل شيء، من الوشاية والتجسس والتنصت والأجهزة. حتى أن هذا الخوف لم يعد بحاجة إلى خارج يستند إليه، فصار خوفاً يولد نفسه بنفسه، يجعل الإنسان رقيباً على ذاته، يتولى هو بنفسه مهمة قمع كل ما من شأنه أن يعرضه إلى خطر الملاحقة. وهذه الحراسة الذاتية هي التي دفعته إلى التخلي عن حقه في حياة طبيعية وعطلت حسه النقدي.
ربيع الشعوب العربية: دلالات ودروس
1- حدث واحد وحيد حكم إنتفاضة الشعب التونسي وقاد حركته: الشهادة النبيلة لمحمد البوعزيزي.. شهادة "إنتحارية" على طريقة الكهنة البوذيين..حتى أن الشيخ يوسف القرضاوي لم يجد سوى أن يدعو الناس للصلاة كي تشفع لبوعزيزي عند الله.. شهادة بوعزيزي (وهو شهيد أكثر من أي إنتحاري يفجر نفسه في الناس بفتاوى متدينين جهلة) أطلقت إنتفاضة الكف العاري في وجه السيف، والدم البريء في وجه الدبابة.. كان لا بد من فعل "إستشهادي" فردي، يستعيد سيرة الحسين الحقيقية ونموذجه الفعلي: الجهاد المدني في وجه الظلم والطغيان...وقوة الإنسان الأعزل في وجه آلة القمع والبطش.. وهذه بالمناسبة سيرة الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها وقد أسقطت أعتى الإمبراطوريات وأشدها فراسة ووحشية بالمظاهرات المليونية السلمية "الإستشهادية"..
2- حدثان إثنان حكما مسيرة إنتفاضة الشعب المصري وأشعلا نيرانها: الإنتخابات المهزلة التي أجراها النظام (والتي تشبه إنتخابات الرئيس شمعون العام 1957)، وقد رفضتها كل القوى المحلية والدولية، بما فيها أميركا نفسها. ثم الهبة الوطنية-المدنية التي أعقبت تفجير كنيسة القديسَين في الإسكندرية. لقد لعب النظام مغامرته الأخيرة حين لم "ينتبه" إلى حساسية المسألة الطائفية في البلاد وحين ضرب عرض الحائط بذكاء ووعي ووطنية وكرامة المصريين، ناهيك عن تجاهله (الأعمى البصر والبصيرة) لعقود وعقود من القهر والبؤس والظلم والحرمان والفساد، قل مثيلها في العالم.
3- أجمع المعلقون والمراقبون على أن الأحزاب لم تكن موجودة.. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث..يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة في البلدين لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول..ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره..وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً "طالما أن أميركا والجيش معنا الآن"..ولكن الناس لم ولا تغادر ميدان التحرير..وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية..ذلك أن الحركات الإجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية ...
4- في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (في العام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد.. وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من إستقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الإستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي إجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته".
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت إستقراراً كبيراً في المجتمع المصري؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً ، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية..
والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي) ، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة...كما يعني تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته..
5- تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والإستبداد الديني بعد الإنقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي-رفسنجاني-موسوي).. وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد..(ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس).. وفي تونس والمغرب والسودان والأردن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي الديموقراطي عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية ، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه..فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الإجتماعي الفعلي للناس وهمومها.. إذ كان همّه تقاسم السلطة.. فغاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون بالمناسبة) عن ساحة الفعل الإجتماعي السياسي.
وفي غزة جمدت التجربة الإسلامية عند حدود المراوحة ما بين إمارة طالبانية مستعصية على التطبيق وما بين "سلطة فئوية" تستفيد من الإحتلال لإدامة سلطتها ولو بتمديد الهدنة ومنع الصواريخ...
نعم تحتاج الحركة الإسلامية العربية اليوم إلى مراجعة شفافة لهذه الأمثلة ولغيرها (وأولها لبنان)...
6= في تونس ومصر والجزائر صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصر وإستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايس بوك إلى التويتر واليوتيوب..وصف موقع أون إسلام المظاهرات كالتالي: "حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم.. وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات .. حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على المظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للمظاهرات ثم إندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية..التغيير..العدالة الاجتماعية"..
7= أحمد عبد الحامد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، كتب ملاحظاته بشكل عفوي على صفحته بالفايس بوك، ومما قاله فيها: "أنا شفت مفاجآت كتيرة وعظيمة.. منها إن معظم المشاركين كانوا شباب وفرافير، بتوع الفيسبوك ، شكلهم يدل على راحة مادية نسبياً، وناس كتير منهم ، شفت زملاء في الكلية ماشفتهمش من عشر سنين، فى المظاهرة دي".
السمة الشبابية للإحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ويقول عبد الحامد في هذا: "من المفاجآت إنه على الرغم من أن معظم الناس شباب.. بس كان فيه كبار وستات فى الخمسينات، ماشيين على مهلهم كده، ومش قليلين، وكان فيه ناس ماشيين بولادهم". شاب آخر نشر على صفحته على "فايس بوك" ضمن ما نشره عما أعجبه في الإحتجاجات التي شارك فيها لمحات عن ذوبان الفروق الدينية بين المحتجين: "في بنت معانا مكنتش أعرفها.. كانت بتحلف بالمصحف وبالنبي، عرفت بعدين إنها مسيحية.. الغريب إنه مبانش عليها، ليه؟ عشان كلنا بنحب بلدنا، وبنهتف عشان تبقى أحسن، فما بانتش الفروق الطفيفة دي".
ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة،تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية...ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل..(أنظر نموذج حركة كفاية ثم حركة شباب 6 أبريل..ومؤخراً نموذج شباب وشابات موقع "أون إسلام" وموقع "مصريون معاً" لحماية العيش المشترك)..الأمر الذي سمح تالياً بتنويع إستراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل إستبق سياسات السلطة وأربكها..كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الإجتماعية الواسعة.
وبعد..فقد كنا فتية صغارا يوم هتفنا "اليوم الجزائر..اليوم فيتنام.. وغداً فلسطين"..ثم حملنا السلاح شباباً وهتفنا بصدق وحرارة "اليوم إيران وغداً فلسطين".. ترى هل نحلم بأن: اليوم مصر وغداً...غداً.. إن غداً لناظره قريب!..
في التلمود خرافة دينية تصف لنا واقع حال بلادنا العربية. تقول الرواية إن سيدنا سليمان (النبي/الملك) حين شرع ببناء المعبد/الهيكل في أورشليم (مدينة السلام/القدس) لم يجد أفضل من تشغيل الجن لإنجاز العمل الذي إستمر لمئات من السنين..وقد فاجأه الموت وهو يقف متكئاً على عصاه يراقب عمل الجن المرعوبين منه..إلى حد أنهم لم ينتبهوا لموته، فيما كانت دودة الأرض تأكل عصاه الهرمة..وهم إستمروا في العمل برغم أن أحدهم إنتبه وحاول تنبيههم بالغناء المتواصل أثناء العمل (ولعشرات السنين): أخضر يابس هات...سيدنا سليمان مات... ولكن دون جدوى..حتى وقع الملك بعد سقوط عصاه !
هكذا حال أنظمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، وبعضها معمّر مثل عصا سليمان..ومعظمها لا ينتبه إلى الدود ينخرعصا المُلك.. وكلها يظن أنه بمنأى عن غضب الناس وعن وعيها وإنتظامها في حركات إجتماعية تغييرية..
والسياق التاريخي العام (الإجتماعي والسياسي) لنشوء الحركات الإجتماعية عادة هو سياق "الأزمة" (أو "الأزمات")، التي تفرز عناصر المناخ العام الحاضن لتلك الحركات، والتي تطلق ديناميات تُحرَِر الناس من وهم الخوف وهمّه، ومن سحر عصا السلطة.. فتدفع الأفراد إلى العمل معاً من أجل أهداف مشتركة ، وبشعارات موحّدة ، وبمطالب واحدة، (جماعية الجهد والتنظيم وجماعية الهدف والمصالح والمطالب)..وتبلور لهم نظام القيَم (أو المشروع/القضية) التي تربط بينهم بعروة وثقى تدفعهم إلى الإنتماء والإلتزام، وإلى التعبئة (وليس الحشد)، وإلى إستمرارية الحركة (وليس موسمية التحرك).
1- أزمة فقدان العدالة والتوازن والكرامة في العلاقات الدولية: وهي تفاقمت منذ أحداث 11 أيلول والتطورات اللاحقة التي ساهمت في دفع العداوة الكامنة بين العالم العربي والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى حدها الأقصى. وقد إستفادت الإتجاهات الأصولية المتطرفة من هذه الأزمة لإكتساب شرعية شعبية في مجتمعاتنا. إن إنحياز الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، لإسرائيل، وإعتماده سياسة "الكيل بمكيالين"، هما جوهر الأزمة القائمة بين العالمين العربي والغربي، والتي أدت فيما أدت إليه إلى إعاقة التطور في بلادنا..
2-الأزمة الناجمة عن العجز عن بلورة مشروع حضاري يؤمّن مصالحة المجتمعات العربية مع الذات ومع العصر. فالعالم العربي يُعاني من مخاض حضاري عميق. فهو عالم يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم يستطيع من خلاله أن يكون عنصراً إيجابياً في صنع الحضارة الإنسانية، إنطلاقاً من أصالة هويته وفرادة تراثه. وقد كشفت لنا السنوات والتجارب الماضية عن أن الهول الذي يواجهنا عرباً ومسلمين،كما مسلمين ومسيحيين، كبير جداً، ويتناول سلامتنا الجسدية المادية، ومضموننا الثقافي والقيَمي، ومصالحنا الإقتصادية، في أخص ما لها من خصائص وفي أشمل ما لها من أطر. كما يتناول دورنا في العالم، إذ يراد لنا أن نكون مجموعة من البشر تزّود العالم المتقدم إمكانات السوق وتستهلك ما ينتجه على كل الصعد، وتبقى كماً مهملا لا دور لها ولا ريادة في صنع هذه المرحلة من التاريخ.
3- أزمة التنمية في العالم العربي: وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد إحتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ25%...وقد إعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكداً أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لإنعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6% و 30% في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9% في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر.
وأسباب هذه الأزمة تعود في الأساس إلى تعذر إقامة أنظمة حكم ديموقراطية قائمة على حكم القانون والمشاركة الشعبية وقادرة على رسم السياسات الإنمائية وتوفير رقابة حقيقية على تنفيذها على أسس المساءلة والشفافية. ومن الأسباب الأساسية الأخرى لهذه الأزمة: وجود قيود كثيرة على مشاركة النساء في الحياة العامة، وغياب التنوع في البنية الإقتصادية بسبب الإتكال على عائدات النفط الخام والغاز، وتضخّم الإستدانة الخارجية، وتفشي ظاهرة الإهدار، والإندفاع المحموم في شراء السلاح، فضلاً عن إنتشار الفساد بجميع أنواعه من رشاوى وسرقات وعمولات مشبوهة وهو السبب الأكثر وحشية وهمجية في مجتمعاتنا.
4-أزمة الديموقراطية في العالم العربي حيث أن الأنسان لا يستطيع ممارسة حقه في توليد السلطة ومحاسبتها. لم تنتج الدولة الحديثة في العالم العربي نموذجاً للديموقراطية الخاص بها فلجأت إلى أشكال من الديكتاتورية الظاهرية والمقنعة. ففي العالم العربي نوعان من الأنظمة: أنظمة تقليدية لا تقر للشعب بحقه في ممارسة سيادته عبر إختيار ممثليه وتكوين مؤسساته الدستورية؛ وأنظمة إستبدادية تصادر مجتمعاتها، فتختزلها بحزب وتختزل الحزب بشخص. وما يجمع بين النظامين التقليدي والإستبدادي، رفضهما لمبدأ تداول السلطة وحكم القانون وحق المشاركة وإحترام حقوق الإنسان.
ولا يجد الإنسان من سبيل للخروج من هذا الوضع سوى العودة إلى الماضي هرباً من الحاضر وخوفاً من المستقبل. ولهذه العودة إلى الماضي أشكالها المختلفة: فإما تكون عودة إلى نوع خرافي من الدين بعد أن تكون السياسة قد إختزلته، وإما تكون عودة إلى التكوينات الطائفية والإثنية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة الوطنية.
5-أزمة الحرية في العالم العربي حيث تحوّل هذا العالم إلى "سجن كبير" تعيش وتموت بين جدرانه العالية أجيال وأجيال لم يعط لها حق المشاركة في تقرير مصيرها وتحقيق ذاتها؛ أجيال تنظر إلى العالم فتراه في حركة دائمة يتقدم حيناً ويتراجع أحياناً، بينما الزمن، زمنها، هو زمن معلق يحرسه الخوف، الخوف من كل شيء، من الوشاية والتجسس والتنصت والأجهزة. حتى أن هذا الخوف لم يعد بحاجة إلى خارج يستند إليه، فصار خوفاً يولد نفسه بنفسه، يجعل الإنسان رقيباً على ذاته، يتولى هو بنفسه مهمة قمع كل ما من شأنه أن يعرضه إلى خطر الملاحقة. وهذه الحراسة الذاتية هي التي دفعته إلى التخلي عن حقه في حياة طبيعية وعطلت حسه النقدي.
ربيع الشعوب العربية: دلالات ودروس
1- حدث واحد وحيد حكم إنتفاضة الشعب التونسي وقاد حركته: الشهادة النبيلة لمحمد البوعزيزي.. شهادة "إنتحارية" على طريقة الكهنة البوذيين..حتى أن الشيخ يوسف القرضاوي لم يجد سوى أن يدعو الناس للصلاة كي تشفع لبوعزيزي عند الله.. شهادة بوعزيزي (وهو شهيد أكثر من أي إنتحاري يفجر نفسه في الناس بفتاوى متدينين جهلة) أطلقت إنتفاضة الكف العاري في وجه السيف، والدم البريء في وجه الدبابة.. كان لا بد من فعل "إستشهادي" فردي، يستعيد سيرة الحسين الحقيقية ونموذجه الفعلي: الجهاد المدني في وجه الظلم والطغيان...وقوة الإنسان الأعزل في وجه آلة القمع والبطش.. وهذه بالمناسبة سيرة الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها وقد أسقطت أعتى الإمبراطوريات وأشدها فراسة ووحشية بالمظاهرات المليونية السلمية "الإستشهادية"..
2- حدثان إثنان حكما مسيرة إنتفاضة الشعب المصري وأشعلا نيرانها: الإنتخابات المهزلة التي أجراها النظام (والتي تشبه إنتخابات الرئيس شمعون العام 1957)، وقد رفضتها كل القوى المحلية والدولية، بما فيها أميركا نفسها. ثم الهبة الوطنية-المدنية التي أعقبت تفجير كنيسة القديسَين في الإسكندرية. لقد لعب النظام مغامرته الأخيرة حين لم "ينتبه" إلى حساسية المسألة الطائفية في البلاد وحين ضرب عرض الحائط بذكاء ووعي ووطنية وكرامة المصريين، ناهيك عن تجاهله (الأعمى البصر والبصيرة) لعقود وعقود من القهر والبؤس والظلم والحرمان والفساد، قل مثيلها في العالم.
3- أجمع المعلقون والمراقبون على أن الأحزاب لم تكن موجودة.. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث..يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة في البلدين لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول..ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره..وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً "طالما أن أميركا والجيش معنا الآن"..ولكن الناس لم ولا تغادر ميدان التحرير..وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية..ذلك أن الحركات الإجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية ...
4- في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (في العام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد.. وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من إستقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الإستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي إجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته".
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت إستقراراً كبيراً في المجتمع المصري؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً ، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية..
والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي) ، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة...كما يعني تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته..
5- تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والإستبداد الديني بعد الإنقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي-رفسنجاني-موسوي).. وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد..(ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس).. وفي تونس والمغرب والسودان والأردن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي الديموقراطي عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية ، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه..فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الإجتماعي الفعلي للناس وهمومها.. إذ كان همّه تقاسم السلطة.. فغاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون بالمناسبة) عن ساحة الفعل الإجتماعي السياسي.
وفي غزة جمدت التجربة الإسلامية عند حدود المراوحة ما بين إمارة طالبانية مستعصية على التطبيق وما بين "سلطة فئوية" تستفيد من الإحتلال لإدامة سلطتها ولو بتمديد الهدنة ومنع الصواريخ...
نعم تحتاج الحركة الإسلامية العربية اليوم إلى مراجعة شفافة لهذه الأمثلة ولغيرها (وأولها لبنان)...
6= في تونس ومصر والجزائر صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصر وإستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايس بوك إلى التويتر واليوتيوب..وصف موقع أون إسلام المظاهرات كالتالي: "حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم.. وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات .. حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على المظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للمظاهرات ثم إندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية..التغيير..العدالة الاجتماعية"..
7= أحمد عبد الحامد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، كتب ملاحظاته بشكل عفوي على صفحته بالفايس بوك، ومما قاله فيها: "أنا شفت مفاجآت كتيرة وعظيمة.. منها إن معظم المشاركين كانوا شباب وفرافير، بتوع الفيسبوك ، شكلهم يدل على راحة مادية نسبياً، وناس كتير منهم ، شفت زملاء في الكلية ماشفتهمش من عشر سنين، فى المظاهرة دي".
السمة الشبابية للإحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ويقول عبد الحامد في هذا: "من المفاجآت إنه على الرغم من أن معظم الناس شباب.. بس كان فيه كبار وستات فى الخمسينات، ماشيين على مهلهم كده، ومش قليلين، وكان فيه ناس ماشيين بولادهم". شاب آخر نشر على صفحته على "فايس بوك" ضمن ما نشره عما أعجبه في الإحتجاجات التي شارك فيها لمحات عن ذوبان الفروق الدينية بين المحتجين: "في بنت معانا مكنتش أعرفها.. كانت بتحلف بالمصحف وبالنبي، عرفت بعدين إنها مسيحية.. الغريب إنه مبانش عليها، ليه؟ عشان كلنا بنحب بلدنا، وبنهتف عشان تبقى أحسن، فما بانتش الفروق الطفيفة دي".
ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة،تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية...ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل..(أنظر نموذج حركة كفاية ثم حركة شباب 6 أبريل..ومؤخراً نموذج شباب وشابات موقع "أون إسلام" وموقع "مصريون معاً" لحماية العيش المشترك)..الأمر الذي سمح تالياً بتنويع إستراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل إستبق سياسات السلطة وأربكها..كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الإجتماعية الواسعة.
وبعد..فقد كنا فتية صغارا يوم هتفنا "اليوم الجزائر..اليوم فيتنام.. وغداً فلسطين"..ثم حملنا السلاح شباباً وهتفنا بصدق وحرارة "اليوم إيران وغداً فلسطين".. ترى هل نحلم بأن: اليوم مصر وغداً...غداً.. إن غداً لناظره قريب!..
تجربة اليسار المتحول للإسلام في العدد الثاني من سلسلة مراصد
الإسكندرية في 23 يناير–
كشف العدد الثاني من سلسلة "مراصد" الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية عن التجربة الفريدة لتحول اليسار إلى الإسلام السياسي، في دراسة بعنوان "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار، الباحث السياسي والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس (EHESS, Paris)، والجامعة اللبنانية في بيروت.
وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، منها نقاط التقارب الانتقائية بين الإسلام والعالمثالثية، ونشأة الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وقصة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، وما الذي يمكن استخلاصه منها، بالإضافة إلى حوار مع منير شفيق وسعود المولى؛ شخصين من الكتيبة الطلابية.
وتبين الدراسة في البداية أن مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتأثير الطارد للمسألة الفلسطينية، واستمرارية المسألة الوطنية ومنطق العالمثالثية في منطقة الشرق الأوسط، سمحت دائمًا بحدوث حالات فريدة ومتداخلة من الانتقال السياسي التي تتقاطع فيها الحدود بين القومية العلمانية والإسلام السياسي. وبذلك، فقد حدثت التقاءات وجدانية، عبر ما يسمى بنقاط تقارب انتقائية، بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض حركات اليسار اللبنانية وبين الثورة الإيرانية، نتيجة التموقع الاستراتيجي وخطوط التباين السياسي والإيديولوجي.
ويتطرق الباحث إلى أهمية الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وكيف أن تلك الكتيبة الطلابية، بالرغم من أنها كانت هامشية في حركة فتح، إلا أنها أخرجت بعض الشخصيات المحورية في الإسلام السياسي ذي النزعة الوطنية. وقد ولدت الكتيبة الطلابية لحركة فتح عام 1974 عبر اتجاهين اثنين: الأول كان بواسطة شباب الطلبة اللبنانيين الذين خرجوا من منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذين أسسوا عام 1972 مجموعة ماوية صغيرة أو ما سمي "نواة الشعب الثوري"، والثاني عبر القادة اليساريين الفلسطينيين الذين عارضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجته حركة فتح الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.
ويرى بويار أن الكتيبة الطلابية هي ثمرة التقاء فلسطيني لبناني، لاتجاه يساري مستوحى من تجارب الانغماس الشعبي لدى اليسار البروليتاري ولدى الثورة الثقافية الصينية، وبين كوادر فلسطينية راغبين في إعادة توجيه مسار حركة فتح باتجاه اليسار الوطني، لتتحد الكتيبة الطلابية مع حركات أخرى مثل المقاومة الشعبية التابعة لخليل عكاوي بشكل خاص، وهو اللبناني ذو الأصل الفلسطيني والزعيم الكاريزمي لحي باب التبانة الشعبي في طرابلس، وكانت حركته هي الأخرى تستلهم في جزء منها تجارب العالمثالثية ذات الاتجاهات الماوية والفيتنامية والأمريكولاتينية.
ويوضح البحث أنه في أعقاب الثورة الإيرانية، قاد الإسلام السياسي دفة القيادة بالنتيجة؛ فمن ثالوث اليسار والعالمثالثية والإسلام الذي كان يحمله هذا اليسار الماوي، لم يتبقى في النهاية سوى عنصريه الأخيرين. ذلك أن الثورة الإيرانية بوصفها ثورة الجماهير الشعبية الوحيدة في المنطقة تاريخيًّا، نجحت بقوة في الاستحواذ على المفردات الكلاسيكية: مناهضة الإمبريالية، والانقسام شمال - جنوب، ومركزية نموذج الإنسان المضطهد، مرورًا بأسلمة تطبيقاتها.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن استخلاص عدد كبير من النقاط من تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، أولها أولوية السياسي على الأيديولوجي، أو بشكل أكثر دقة، أولوية المنطق القومي العالمثالثي على الأيديولوجيات التي يتم إنشاؤها. فلم يتم تبني الماركسية والماوية عبر الافتتان النظري بها ولكن لأجل البعد العملي فيها. فإن أولوية السياسي هذه تدفع عبر الزمن إلى التفكير في الوظيفة التعبوية المتفردة التي تقوم بها الأديان في تاريخ نزاعات التحرر الوطني، والإسلام ليس إلا مثالاً ضمن أمثلة أخرى. الإسلام ليس إذن ديانة سياسية بالماهية: إنه كذلك في إطار ظروف سياسية محددة حيث يقوم بدور المورد السياسي التعبوي، الرئيسي، أو الثانوي، بحسب الأيديولوجية المهيمنة في المرحلة المعنية.
ويتضح أن تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، قد أظهرت بقوة الأهمية المعطاة لمفهوم الشعب و"الجماهير" الذي جاء في خطاب "ماويي فتح". هذا النداء الروحاني تمامًا والموجه للشعب تتقاسمه الماوية مع الإسلام الثوري. ويتطرق البحث إلى فكرة التعالي وارتباطها بعقيدة الخلاص، فإن انتقال ماويين وشيوعيين وقوميين عرب من اليسار إلى الإسلام السياسي يسمح بالتساؤل حول هذه العلاقة المتفردة التي يتضمنها كل حدث ثوري مع فكرة التعالي. والتعالي ليس بالضرورة ذلك الأفق البعيد المتعلق بالغيب، حيث يصف الفاعلون في كل ثورة الانتفاضة الثورية بمصطلح رسالي لأنها تعبر عن حدث، ولأنها فريدة، من جهتها، تعتبر الثورة الإيرانية مختلفة لأنها تؤكد تعاليها أيديولوجيًّا طالما أنها تعرف نفسها رسميًّا بمصطلحات سياسية ودينية.
وتتابع الدراسة تشظي مسارات اليسار المتحول للإسلام، بعد التحول الديني وانتهاء الثورة الإيرانية وتراجعها تحت أنقاض الحرب مع العراق والسياسات القمعية ومصادرة السياسي والحدث الثوري معًا، وهكذا بقي الإسلام ليمثل الأمل الوحيد لدى "ماويي فتح". وأتى الإسلام في المرتبة الأولى حتى حين لم يعد يعتبر بالضرورة إسلامًا ثوريًا. قليلون هم من عادوا عن تحولهم الديني، أما الآخرون فقد ابتعدوا شيئًا فشيئًا عن العمل السياسي، أما الاتصال الفلسطيني اللبناني الذي شكل عمود "اليوتوبيات العملية" الثورية بين سنوات 1969 و1984 اختفي واعقبه تشتت للفاعلين السياسيين، وهكذا تنتهي شيئا فشيئا مرحلة كاملة، ويضمحل خط الجماهير والإسلام الشعبي الثوري شيئًا فشيئًا.
وتبين الدراسة أن التشظي يتم وفق ثلاثة نماذج: النموذج الأول هو نموذج الاستقلالية والابتعاد، والفاعل هنا يشعر أن المجال السياسي لا يترك له هامشًا للحركة، أما النموذج الثاني هو نموذج الالتزام السياسي المستمر، وهنا ثمة شكل متكامل من البراغماتية. والنموذج الثالث وهو الأكثر ندرة ودراماتيكية أيضًا، وهو نموذج الاختفاء نهائيًا أو نموذج الشهيد. ويعتبر خليل عكاوي هو المثال الصارخ على هذا النموذج، ويمثل الشهيد بكلمة واحدة النهاية المنطقية للاستحالة، للحلم المجهض.
ويتطرق الباحث إلى النقاش الدائر حول وجود لاهوت إسلامي للتحرير، مشيرًا إلى أنها مسألة مازالت لم تحسم بعد، فهي لم تكن موجودة ولم توجد أبدًا بوصفها كذلك، ولكن المحاولات المتكررة لرسم معالمها تدفع إلى التساؤل حول القوة التي تتمتع بها هذه الفكرة، فقد وقعت تجربة ماويي فتح في سياق ظرفي حيث بدت أكبر من سياقها وغير مكتملة في الوقت نفسه. دينامكية اليسار والعالمثالثية قد بدأت بالتراجع، ثم الدينامكية الإسلامية التي كانت في مرحلة الزخم. حدث المنعرج هنا واضحًا، فالإسلام بدا حينذاك بوصفه أيديولوجية فعالة في مرحلة خابت فيها الآمال، وماويو فتح في هذا الإطار التاريخي لم يكن أمامهم ووفق منطق خط الجماهير سوى التحول. تجربة الماويين في طرابلس وفي جنوب لبنان تتعلق ربما بيوتوبيا عملية لم تتحقق نظريًّا وتمت أسلمتها سريعًا، لتعلن عن تركيب حقيقي بين الماوية العالمثالثية والإسلام الثوري.
ويشير بويار إلى نوع جديد من أنواع الخطاب، وهو خطاب الممانعة، والذي يمثل عودة الإيديولوجية الضمنية، فإن البعد "القومي" والمقاوم في خطاب الفاعلين، والانقسام العمودي بين "المهيمنين المستعمرين" و"المهيمن عليهم المستعمرون"، وثنائية "المركز المحيط" و"شمال/جنوب" هي التي ستظل، تحدد خطوط الاستمرارية والتلاقي بين الإسلام السياسي والقومية العربية واليسار الراديكالي، وترسم الأيديولوجية الضمنية الحقيقية الجارية في قطاعات واسعة من المسرح السياسي في الشرق الأوسط.
ويضيف الباحث: "كانت تجربة الكتيبة الطلابية ترسم ضمنيًّا تجربة لشيوعية مسلمة كامنة: لكن في النهاية الإسلام السياسي هو الذي سيحدد الدينامكية الكلية. لكن الإسلام السياسي نفسه اليوم سيلتقي على الأرضية الأيديولوجية الضمنية الأساسية: سيبني شرعيته ليس على الإسلام فقط ولكن أيضًا على خطاب يرتكز على المصطلح المزدوج للمقاومة والممانعة، هذه المفاهيم الأولى نفسها التي تم تقاسمها تاريخيًّا بشكل مشترك من الإسلاميين إلى القوميين العرب مرورًا باليسار الماركسي. إذا كان الحدث الثوري الرسالي قد اختفى، فقد بقي خطاب الممانعة الذي يخترق الأيديولوجيات الأخرى من الطرف إلى الطرف: بشكل عام، وبدلاً من الحديث عن لاهوت للتحرير، فسيكون من الدقة الحديث عن "لاهوت للممانعة"."
ويفرد بويار الصفحات الأخيرة لدراسته لشخصين من الكتيبة الطلابية، أنجز كل منهما انتقالاً متقدمًا إلى الإسلام السياسي في نهاية السبعينيات. الاستماع ويتحاور بويار مع كل منهما لالتقاط أفضل للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى الإسلام السياسي انطلاقًا من الماركسية الثورية العالمثالثية. والشخص الأول هو منير شفيق؛ مسيحي وفلسطيني تحول إلى الإسلام، كان عضوًا في مكتب التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة فتح، وهو أحد الفاعلين في تيار اليسار فيها في السبعينيات. كما أنه كان القائد الرئيسي للكتيبة الطلابية في حركة فتح وقريب من أبو جهاد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. أصبح في سنوات الثمانينيات أحد ملهمي كتائب الجهاد الإسلامي في فلسطين وهي حركة مسلمة اندمجت في بداياتها في حركة فتح، وهو يظل يمثل المرجعية بالنسبة للحركة الإسلامية والقومية.
أما الشخص الثاني فهو سعود المولى؛ لبناني يعمل اليوم أستاذًا في الجامعة اللبنانية وعضوًا في المؤتمر العربي للحوار الإسلامي المسيحي والمؤتمر الشيعي الأعلى. كان مقربًا من الإمام شمس الدين ومعروفًا بابتعاده الكبير عن حزب الله الذي كان عضوًا فيه حتى عام 1988، حيث تقلد وظيفة رئيس تحرير مجلة الوحدة الإسلامية، وهو مناضل سابق في الكتيبة الطلابية في فتح حيث انضم إليها بعد فترة من دخوله حزب العمل الشيوعي في لبنان عام 1969 ثم نواة الشعب الثوري.
كشف العدد الثاني من سلسلة "مراصد" الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية عن التجربة الفريدة لتحول اليسار إلى الإسلام السياسي، في دراسة بعنوان "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار، الباحث السياسي والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس (EHESS, Paris)، والجامعة اللبنانية في بيروت.
وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، منها نقاط التقارب الانتقائية بين الإسلام والعالمثالثية، ونشأة الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وقصة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، وما الذي يمكن استخلاصه منها، بالإضافة إلى حوار مع منير شفيق وسعود المولى؛ شخصين من الكتيبة الطلابية.
وتبين الدراسة في البداية أن مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتأثير الطارد للمسألة الفلسطينية، واستمرارية المسألة الوطنية ومنطق العالمثالثية في منطقة الشرق الأوسط، سمحت دائمًا بحدوث حالات فريدة ومتداخلة من الانتقال السياسي التي تتقاطع فيها الحدود بين القومية العلمانية والإسلام السياسي. وبذلك، فقد حدثت التقاءات وجدانية، عبر ما يسمى بنقاط تقارب انتقائية، بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض حركات اليسار اللبنانية وبين الثورة الإيرانية، نتيجة التموقع الاستراتيجي وخطوط التباين السياسي والإيديولوجي.
ويتطرق الباحث إلى أهمية الحركة الماوية الفلسطينية – اللبنانية في فتح، وكيف أن تلك الكتيبة الطلابية، بالرغم من أنها كانت هامشية في حركة فتح، إلا أنها أخرجت بعض الشخصيات المحورية في الإسلام السياسي ذي النزعة الوطنية. وقد ولدت الكتيبة الطلابية لحركة فتح عام 1974 عبر اتجاهين اثنين: الأول كان بواسطة شباب الطلبة اللبنانيين الذين خرجوا من منظمة العمل الشيوعي في لبنان، والذين أسسوا عام 1972 مجموعة ماوية صغيرة أو ما سمي "نواة الشعب الثوري"، والثاني عبر القادة اليساريين الفلسطينيين الذين عارضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجته حركة فتح الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.
ويرى بويار أن الكتيبة الطلابية هي ثمرة التقاء فلسطيني لبناني، لاتجاه يساري مستوحى من تجارب الانغماس الشعبي لدى اليسار البروليتاري ولدى الثورة الثقافية الصينية، وبين كوادر فلسطينية راغبين في إعادة توجيه مسار حركة فتح باتجاه اليسار الوطني، لتتحد الكتيبة الطلابية مع حركات أخرى مثل المقاومة الشعبية التابعة لخليل عكاوي بشكل خاص، وهو اللبناني ذو الأصل الفلسطيني والزعيم الكاريزمي لحي باب التبانة الشعبي في طرابلس، وكانت حركته هي الأخرى تستلهم في جزء منها تجارب العالمثالثية ذات الاتجاهات الماوية والفيتنامية والأمريكولاتينية.
ويوضح البحث أنه في أعقاب الثورة الإيرانية، قاد الإسلام السياسي دفة القيادة بالنتيجة؛ فمن ثالوث اليسار والعالمثالثية والإسلام الذي كان يحمله هذا اليسار الماوي، لم يتبقى في النهاية سوى عنصريه الأخيرين. ذلك أن الثورة الإيرانية بوصفها ثورة الجماهير الشعبية الوحيدة في المنطقة تاريخيًّا، نجحت بقوة في الاستحواذ على المفردات الكلاسيكية: مناهضة الإمبريالية، والانقسام شمال - جنوب، ومركزية نموذج الإنسان المضطهد، مرورًا بأسلمة تطبيقاتها.
ويشير الباحث إلى أنه يمكن استخلاص عدد كبير من النقاط من تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، أولها أولوية السياسي على الأيديولوجي، أو بشكل أكثر دقة، أولوية المنطق القومي العالمثالثي على الأيديولوجيات التي يتم إنشاؤها. فلم يتم تبني الماركسية والماوية عبر الافتتان النظري بها ولكن لأجل البعد العملي فيها. فإن أولوية السياسي هذه تدفع عبر الزمن إلى التفكير في الوظيفة التعبوية المتفردة التي تقوم بها الأديان في تاريخ نزاعات التحرر الوطني، والإسلام ليس إلا مثالاً ضمن أمثلة أخرى. الإسلام ليس إذن ديانة سياسية بالماهية: إنه كذلك في إطار ظروف سياسية محددة حيث يقوم بدور المورد السياسي التعبوي، الرئيسي، أو الثانوي، بحسب الأيديولوجية المهيمنة في المرحلة المعنية.
ويتضح أن تجربة الكتائب الطلابية و"ماويي فتح"، قد أظهرت بقوة الأهمية المعطاة لمفهوم الشعب و"الجماهير" الذي جاء في خطاب "ماويي فتح". هذا النداء الروحاني تمامًا والموجه للشعب تتقاسمه الماوية مع الإسلام الثوري. ويتطرق البحث إلى فكرة التعالي وارتباطها بعقيدة الخلاص، فإن انتقال ماويين وشيوعيين وقوميين عرب من اليسار إلى الإسلام السياسي يسمح بالتساؤل حول هذه العلاقة المتفردة التي يتضمنها كل حدث ثوري مع فكرة التعالي. والتعالي ليس بالضرورة ذلك الأفق البعيد المتعلق بالغيب، حيث يصف الفاعلون في كل ثورة الانتفاضة الثورية بمصطلح رسالي لأنها تعبر عن حدث، ولأنها فريدة، من جهتها، تعتبر الثورة الإيرانية مختلفة لأنها تؤكد تعاليها أيديولوجيًّا طالما أنها تعرف نفسها رسميًّا بمصطلحات سياسية ودينية.
وتتابع الدراسة تشظي مسارات اليسار المتحول للإسلام، بعد التحول الديني وانتهاء الثورة الإيرانية وتراجعها تحت أنقاض الحرب مع العراق والسياسات القمعية ومصادرة السياسي والحدث الثوري معًا، وهكذا بقي الإسلام ليمثل الأمل الوحيد لدى "ماويي فتح". وأتى الإسلام في المرتبة الأولى حتى حين لم يعد يعتبر بالضرورة إسلامًا ثوريًا. قليلون هم من عادوا عن تحولهم الديني، أما الآخرون فقد ابتعدوا شيئًا فشيئًا عن العمل السياسي، أما الاتصال الفلسطيني اللبناني الذي شكل عمود "اليوتوبيات العملية" الثورية بين سنوات 1969 و1984 اختفي واعقبه تشتت للفاعلين السياسيين، وهكذا تنتهي شيئا فشيئا مرحلة كاملة، ويضمحل خط الجماهير والإسلام الشعبي الثوري شيئًا فشيئًا.
وتبين الدراسة أن التشظي يتم وفق ثلاثة نماذج: النموذج الأول هو نموذج الاستقلالية والابتعاد، والفاعل هنا يشعر أن المجال السياسي لا يترك له هامشًا للحركة، أما النموذج الثاني هو نموذج الالتزام السياسي المستمر، وهنا ثمة شكل متكامل من البراغماتية. والنموذج الثالث وهو الأكثر ندرة ودراماتيكية أيضًا، وهو نموذج الاختفاء نهائيًا أو نموذج الشهيد. ويعتبر خليل عكاوي هو المثال الصارخ على هذا النموذج، ويمثل الشهيد بكلمة واحدة النهاية المنطقية للاستحالة، للحلم المجهض.
ويتطرق الباحث إلى النقاش الدائر حول وجود لاهوت إسلامي للتحرير، مشيرًا إلى أنها مسألة مازالت لم تحسم بعد، فهي لم تكن موجودة ولم توجد أبدًا بوصفها كذلك، ولكن المحاولات المتكررة لرسم معالمها تدفع إلى التساؤل حول القوة التي تتمتع بها هذه الفكرة، فقد وقعت تجربة ماويي فتح في سياق ظرفي حيث بدت أكبر من سياقها وغير مكتملة في الوقت نفسه. دينامكية اليسار والعالمثالثية قد بدأت بالتراجع، ثم الدينامكية الإسلامية التي كانت في مرحلة الزخم. حدث المنعرج هنا واضحًا، فالإسلام بدا حينذاك بوصفه أيديولوجية فعالة في مرحلة خابت فيها الآمال، وماويو فتح في هذا الإطار التاريخي لم يكن أمامهم ووفق منطق خط الجماهير سوى التحول. تجربة الماويين في طرابلس وفي جنوب لبنان تتعلق ربما بيوتوبيا عملية لم تتحقق نظريًّا وتمت أسلمتها سريعًا، لتعلن عن تركيب حقيقي بين الماوية العالمثالثية والإسلام الثوري.
ويشير بويار إلى نوع جديد من أنواع الخطاب، وهو خطاب الممانعة، والذي يمثل عودة الإيديولوجية الضمنية، فإن البعد "القومي" والمقاوم في خطاب الفاعلين، والانقسام العمودي بين "المهيمنين المستعمرين" و"المهيمن عليهم المستعمرون"، وثنائية "المركز المحيط" و"شمال/جنوب" هي التي ستظل، تحدد خطوط الاستمرارية والتلاقي بين الإسلام السياسي والقومية العربية واليسار الراديكالي، وترسم الأيديولوجية الضمنية الحقيقية الجارية في قطاعات واسعة من المسرح السياسي في الشرق الأوسط.
ويضيف الباحث: "كانت تجربة الكتيبة الطلابية ترسم ضمنيًّا تجربة لشيوعية مسلمة كامنة: لكن في النهاية الإسلام السياسي هو الذي سيحدد الدينامكية الكلية. لكن الإسلام السياسي نفسه اليوم سيلتقي على الأرضية الأيديولوجية الضمنية الأساسية: سيبني شرعيته ليس على الإسلام فقط ولكن أيضًا على خطاب يرتكز على المصطلح المزدوج للمقاومة والممانعة، هذه المفاهيم الأولى نفسها التي تم تقاسمها تاريخيًّا بشكل مشترك من الإسلاميين إلى القوميين العرب مرورًا باليسار الماركسي. إذا كان الحدث الثوري الرسالي قد اختفى، فقد بقي خطاب الممانعة الذي يخترق الأيديولوجيات الأخرى من الطرف إلى الطرف: بشكل عام، وبدلاً من الحديث عن لاهوت للتحرير، فسيكون من الدقة الحديث عن "لاهوت للممانعة"."
ويفرد بويار الصفحات الأخيرة لدراسته لشخصين من الكتيبة الطلابية، أنجز كل منهما انتقالاً متقدمًا إلى الإسلام السياسي في نهاية السبعينيات. الاستماع ويتحاور بويار مع كل منهما لالتقاط أفضل للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى الإسلام السياسي انطلاقًا من الماركسية الثورية العالمثالثية. والشخص الأول هو منير شفيق؛ مسيحي وفلسطيني تحول إلى الإسلام، كان عضوًا في مكتب التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة فتح، وهو أحد الفاعلين في تيار اليسار فيها في السبعينيات. كما أنه كان القائد الرئيسي للكتيبة الطلابية في حركة فتح وقريب من أبو جهاد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية. أصبح في سنوات الثمانينيات أحد ملهمي كتائب الجهاد الإسلامي في فلسطين وهي حركة مسلمة اندمجت في بداياتها في حركة فتح، وهو يظل يمثل المرجعية بالنسبة للحركة الإسلامية والقومية.
أما الشخص الثاني فهو سعود المولى؛ لبناني يعمل اليوم أستاذًا في الجامعة اللبنانية وعضوًا في المؤتمر العربي للحوار الإسلامي المسيحي والمؤتمر الشيعي الأعلى. كان مقربًا من الإمام شمس الدين ومعروفًا بابتعاده الكبير عن حزب الله الذي كان عضوًا فيه حتى عام 1988، حيث تقلد وظيفة رئيس تحرير مجلة الوحدة الإسلامية، وهو مناضل سابق في الكتيبة الطلابية في فتح حيث انضم إليها بعد فترة من دخوله حزب العمل الشيوعي في لبنان عام 1969 ثم نواة الشعب الثوري.
الأربعاء، 19 يناير 2011
النقد الذاتي لمحسن إبراهيم
كلمةمحسن إبراهيم في أربعين جورج حاوي
ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن.
الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً.
والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.
وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟
ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن.
الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً.
والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.
وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)