الأحد، 13 فبراير 2011

أيها المتضامنون... ضدكم

محمد علي مقلد - صيدا
ما يجري في تونس ومصر كان ينبغي، حسب منطق التاريخ الحديث، أن يحصل قبل ذلك، في مرحلة الاستقلالات أو قبل ذلك (مع مجيئ نابليون إلى مصر مثلا). فما طرحه التاريخ على الأمة العربية وعلى سواها من دول العالم هو أن الحضارة الرأسمالية الزاحفة للتمدد على كل الكرة الأرضية، وبعد ذلك نحو أعماق البحار وإلى أعالي السماوات، هذه الحضارة عرضت علينا، نحن العرب كما على سوانا، الدخول إلى رحابها، بالقوة والاحتلال المباشر كما في الهند أو في الصين، أو بالسلم والحذو حذوها كما في اليابان.
العالم العربي اختار أن يرد سلبا على هذا العرض، رافضا الدخول في التاريخ الحديث، وكانت له مبرراته وذرائعه، وعلى رأسها الاستعمار والصهيونية، الذريعتان اللتان باسمهما مارس الحكام العرب كل صنوف القهر والاستبداد في حق شعوبهم. ثم جاء ما يتناغم مع الذرائع حين قامت الثورة البلشفية الاشتراكية التي دعت إلى محاربة الرأسمالية وإلى بناء النظام الاشتراكي على أنقاضها، ثم حين قامت الخمينية لتعلن الحرب على الشيطان الأكبر.
ما يجري اليوم في مصر وتونس، وما سيحصل في سواهما بقوة التاريخ، هو نقد ذاتي قاس لمرحلة عدت ناصعة في تاريخنا، لكنه ليس نقدا انقلابيا على طريقة أصحاب القبعات العسكرية ولا على طريقة العمائم، إنه نقد يحفظ لعبد الناصر مجد نهوض عربي عارم، ولليسار مجد تضحيات من أجل القيم الكبرى، وللحركة القومية العربية بناصرييها وبعثييها وشيوعييها وإسلامييها مجد مواجهات كبرى مع "الاستعمار والصهيونية والرجعية".
النقد التونسي المصري لا ينقلب على هذه الأمجاد، بل على الاستبداد الذي مورس بحق الشعوب العربية باسم هذه الأمجاد. ذلك أن باب الدخول في الحضارة الحديثة، إن جاز اختصاره في كلمة، هو نهاية عصر التوريث السياسي، نهاية عصر الممالك والأمبراطوريات والسلاطين، وبداية عصر الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، ومن المؤسف أن تكون مرحلة الأمجاد الناصرية القومية اليسارية قد تأسست على حكم التوريث والقضاء على بذور الديموقراطية الفتية في حينها.
العالم العربي ظل وحده على الكرة الأرضية محكوما بالوراثة. حتى في الأنظمة التي كانت تعتمد الانتخابات كان يتم اختيار الحاكم فيها بالوراثة أو بالتمديد أو بالتجديد، أو بانقلاب الشقيق على الشقيق والضابط على الضابط والمعمم على المعمم، أسماء مختلفة لمسمى واحد هو التمسك بسلطة "إلى الأبد"، سلطة كتبت أبديتها بأحرف من نار وحبرها من دماء الشعوب وعرقها. انظروا إلى الأمة من المحيط إلى الخليج، فيها أكبر المعمرين من الحكام، فيها عميد الحكام في العالم، وحكامها يخيرون شعوبهم بين اثنين : إما حكمهم الأبدي وإما الحروب الأهلية.
ذريعتنا، نحن شعوب الطوق، إسرائيل. لنقل جدلا، نعم. إسرائيل التي تتجسد فيها كل قبائح التاريخ السياسي، العنصرية والتوسعية والعدوانية والشوفينية والإجرام، الخ. لكن ما علاقة إسرائيل بإمعان حاكم السودان في تفتيت بلده أو في إمعان الصومال في التقهقر نحو القرون الوسطى، أو في اليمن حيث الرغبة جامحة في التمسك بالبداوة والقبيلة والعشيرة على حساب القانون، أو في الجزائر والصومال والسودان والعراق حيث الحروب الأهلية هي الخيارات الوحيدة المتاحة أمام الشعوب، إذا لم يبق الحاكم حاكما. حتى الحرب الأهلية في لبنان هي بنت هذا العقل ذاته، عقل الاستبداد الأبدي الذي يمارسه علينا سياسيون خارجون على كل قانون، عقل الاستبداد العربي الذي لم يرضه أن تقوم ديموقراطية في هذا الشرق وتهدد عروشهم الموروثة.
في مصر، كما في تونس، لم ترتفع راية من تلك التي كانت ترتفع في التظاهرات اليسارية أو القومية أو تظاهرات الإسلام السياسي، لا الاشتراكية هي الحل ولا الإسلام هو الحل ولم نسمع تنديدا بأحد أو بدولة خارجية. مسألة واحدة جمعت الثوار : الحرية ودولة القانون والمؤسسات.
في مصر، كما في تونس، لم نلحظ تنافسا على مسرح الأحداث، بل قيادة مستترة تشبه تلك التي وجهت الثورة الفرنسية، قيادة قد تكون مغمورة وقد تكون مخضرمة وقد تكون متعددة المنبت، لكنها طالعة بالتأكيد من شعور عارم بالوحدة الوطنية، أي بالانتماء إلى وطن هو تونس، وهو مصر، وفي غمرة هذا الانتماء تذوب الفوارق والاختلافات كلها من أجل هم واحد أوحد : دولة عصرية تعلن نهاية عصر التوريث السياسي.
في مصر، كما في تونس، تجمّع وعي سياسي جديد، بالفايسبوك والنضال الإلكتروني وليس بمكبرات الصوت والسبابات والخطابات الحماسية والشحن العاطفي الشوفيني ضد عدو خارجي. بل إن الثورتين عزمتا، لأول مرة في تاريخ الأمة العربية، أن تصوبا على عدو، بل على خصم داخلي، ولأول مرة في تاريخنا تعلن جماهير بمئات الآلاف سأمها من الخطاب الأجوف الذي يقوم عصبه على نظرية المؤامرة، وإصرارها على أن الأزمات ذات أسباب داخلية بالدرجة الأولى وأن حلولها ينبغي أن تبدأ من الداخل.
إنها إذن ثورة من أجل الديموقراطية، غابت عنها الشعارات الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الاستعمار والإمبريالية. إنها ثورة بسيطة تختصر مطالبها بتأسيس دولة عصرية تقوم على تداول السلطة: دولة القانون والمؤسسات والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص، الخ.
الذين يتضامنون مع الثورتين التونسية والمصرية، خارج تونس ومصر، يسقطون عليهما مفاهيم وأهدافا من خارج سياقهما، وأحيانا يقيسونهما بعكس ما يريده أهل الثورتين، وقد ظهر ذلك التضامن خجولا أحيانا وسافرا أحيانا، لكنه تضامن لم يعبأ به اهل الثورتين، بل لعل من غير المبالغة القول إن بعض هذا التضامن كان مسيئا للثورة وعده الثوار مساسا بالسيادة الوطنية وتدخلا في الشؤون الداخلية (التضامن الإيراني والتصريحات الأميركية وبعض التضامن اللبناني مثلا).
هي ثورة جديدة حقا، بل هي الثورة الوحيدة الحديثة التي قامت في كل أنحاء الأمة العربية. كل ما عداها وما سبقها من "ثورات" لم يكن سوى انقلابات عسكرية أو عمائمية كما حصل في إيران الخمينية، ذلك لأن الثورة تعني أول ما تعني، ليس فقط تغيير الطقم الحاكم، بل تغيير في النظام الاقتصادي الاجتماعي، ومن باب أولى تغيير في بنية النظام السياسي، وقد تكون هذه الانقلابات قد قامت بتغييرات كثيرة لكنها جددت أنظمة الاستبداد وضرب الديمقراطية.
إنها ثورة جديدة حقا لأنها تفتح الآفاق واسعة أمام انتقال بلدان الأمة كلها من أنظمة الوراثة إلى أنظمة ديموقراطية. ذلك يعني أن هذا المجد لا يستحقه إلا الديموقراطيون، أفرادا وأحزابا وأنظمة. أما الأحزاب الشمولية المعادية للديموقراطية، وأنظمة الحزب الواحد، وأنظمة قمع الحريات فلا يحق لها حتى التضامن مع الثورتين، لأنهما ثورتان ضد الاستبداد، ضد كل أنواع الاستبداد السياسي والديني والعسكري الخارجي والداخلي، أي ضد من يتضامن معها من هؤلاء المستبدين.
وحده جيل الشباب هو صاحب الثورة، ولن يسمح بأن ينضم إليه إلا من عمل على تنظيف سجله الاستبدادي بالنقد الذاتي الشجاع للمرحلة القومية الشوفينية البعثية والناصرية والشيوعية والإسلاموية.

الجمعة، 11 فبراير 2011

The Egyptian Uprising Is a Direct Response to Ruthless Global Capitalism

By Nomi Prins

http://www.alternet.org/story/149793/

The revolution in Egypt is as much a rebellion against the painful deterioration of economic conditions as it is about opposing a dictator, though they are linked. That's why President Hosni Mubarak's announcement that he intends to stick around until September was met with an outpouring of rage.
When people are facing a dim future, in a country hijacked by a corrupt regime that destabilized its economy through what the CIA termed, "aggressively pursuing economic reforms to attract foreign investment" (in other words, the privatization and sale of its country's financial system to international sharks), waiting doesn't cut it.
Mohamed Bouazizi, the 26-year-old Tunisian who catalyzed this revolution, didn't set himself on fire in protest of his inability to vote, but because of anguish over his job status in a country with 15.7 percent unemployment. The six other men in Algeria, Egypt and Mauritania who followed suit were also unemployed.
Tunisia's dismal economic environment was a direct result of its increasingly "liberal" policy toward foreign speculators. Of the five countries covered by the World Bank's, Investment Across Sectors Indicator, Tunisia had the fewest limits on foreign investment. It had opened all areas of its economy to foreign equity ownership, except the electricity sector.
Egypt adopted a similar come-and-get-it policy, on steroids. From 2004 to 2008, as the world economic crisis was being stoked by the U.S. banking system and its rapacious toxic asset machine, Mubarak's regime was participating in a different way. Mubarak wasn't pushing subprime loans onto Egyptians; instead, he was embarking on an economic strategy that entailed selling large pieces of Egypt's banks to the highest international bidder.
The result was a veritable grab-fest of foreign bank takeovers in the heart of Cairo. The raid began with Greek bank, Piraeus, taking a 70 percent stake in the Egyptian Commercial Bank in 2005, and included the sale of Bank of Alexandria, one of the four largest state-run banks, to the Italian bank, Gruppo Sanpaolo IMI in 2006. For the next two years, "hot" money poured into Egypt, as international banks muscled into Egypt and its financial system, before the intensity leveled off in 2008.
While foreign banks were setting up shop, Egypt also eliminated the red tape that came with foreign property investment, through decree number 583. This transformed the country, already a tourist hotspot, into a magnet for global real estate speculation. (Something that worked out really well for Ireland.) Even one of Goldman Sachs' funds got in on the game, buying a $70 million chunk of Palm Hills Development SAE, a luxury real estate developer.
Other countries in the region, such as Jordan, where the unemployment rate is 13.4 percent, and the poverty rate 14.2 percent (as in the U.S.), tried to mimic Egypt's "open" policies, in varying degrees. That's why eight of the 21 banks operating in Jordan are now foreign-owned, and its insurance market is dominated by U.S.-based, MetLife American Life Insurance Company. But it was Egypt that did it best.
From 2004 to 2009, Egypt attracted $42 billion worth of foreign capital into its borders, as one of the top investment "destinations" in the Middle East and Africa. "Hot" money entry was made easy, with no restrictions on foreign investment or repatriation of profits, and no taxes on dividends, capital gains or corporate bond interest. As a result, volume on the Egyptian stock market swelled more than twelve-fold between 2004 and the first half of 2009.
Egypt and the United Arab Emirates even eliminated minimum capital requirements for investment, meaning that speculators could buy whatever they wanted, with no money down, a practice that didn't exactly impel them to stick around for long.
But, as we learned in the U.S., what goes up with artificial helium plummets under real gravity. Starting in the second half of 2009, oil prices fell and foreign banks slashed their capital holdings in Arabic nations. The hot money was cooling off. Even in the oil-rich UAE, the speed of capital outflow set foreign capital levels back to where they were in 2004, demonstrating how temporal, deceptive, fickle and irresponsible international speculative capital is. When hot money gets cold, it moves on, leaving vast economic devastation in its wake.
Not surprisingly, those foreign speculation strategies didn't bring less poverty or more jobs either. Indeed, the insatiable hunt for great deals, whether by banks, hedge funds, or private equity funds, as it inevitably does, had the opposite effect.
Whenever hot money hones in on a geographical location or financial product, it creates the appearance of economic enhancement (such as with our GDP growth based on financial services, for instance). But, on its way out the door, that mirage is replaced with harsh decline.
In March 2010, in an effort to keep foreign capital coming in, Egypt's Ministry of Investment presented the country's virtues to investors in a glossy "Invest in Egypt" brochure. The document proudly cited Egypt as being one of the world's top 10 "Reformers," as reported by the World Bank and International Finance Corporation's (IFC). The World Bank's definition of "reformer" has nothing to do with conditions for citizens, and everything to do with the degree and speed to which "hot" international money can zoom in and out of a country. Egypt had made the top 10 "Reformers" list for four out of the past five years (a distinction shared with Colombia, where urban unemployment has risen to over 13 percent).
Ironically, the Ministry's brochure touted the large college graduate population entering the job market each year -- 325,000. The same graduates are the core of the current revolution. They failed to find adequate jobs and are faced with an official unemployment rate of just below 10 percent (though, similar to the U.S., that figure doesn't account for underemployment, poor job quality or long-term prospects). Meanwhile, 20 percent of Egypt lives in poverty (compared to 14 percent and growing in the U.S.) and 10 percent of the population controls 28 percent of household income (compared to 30 percent in the U.S.).
When a country relinquishes its financial system and population's economic well-being to everyone else's pursuit of "good deals," the fallout will be substantial. Sub-prime lending may not have been one of Egypt's problems as it was in the United States, but soured foreign real estate investment was. Also, foreign banks persuaded Egypt to issue complex securities with crazy derivatives in them (shades of Greece). Those securities plummeted in value as foreign speculators shunned them. Today, credit default swap spreads on Egyptian debt (and that of other Arabic countries) have substantially dropped in value, as international speculators are betting on further upheaval, targeting Egypt like just another number on a dartboard.
Citizens protesting in the streets from Greece to England, and more demonstrably, from Tunisia to Egypt, may be revolting for national reasons and against individual governments, but they share a common bond. They are revolting against a world that lines the pockets of rich deal-makers while sticking the tab to ordinary people. That bond is global. Related protests could reach Colombia and Ghana -- and maybe someday, the United States.
For in the United States, economic statistics are no better. By certain measures, like income inequality, they are worse than in Egypt. But we have no evil dictator to be a common focus for, say, an American economic revolution. Here, we freely elect the politicians who campaign with corporate funds and deregulate our financial system, who bail out entire banks instead of individual mortgage holders, and who keep corporate tax receipts low while increasing audits on small businesses and struggling individuals. Here, we elect the leaders who govern our growing income inequality, and wonder how Wall Street can pay itself another round of record bonuses.
In that respect, as difficult as conditions are in the Middle East, there may be more hope for economic change to rise from those revolting populations. It may not come from simply overthrowing the current regime, given the entrenched "liberalization" strategies, but it is certainly an excellent start.

الرجوع إلى الوطن

د. نبيل مرقس
كلمة ألقبت في ميدان التحرير مساء الأربعاء الموافق 9 فبراير في سياق احتفال شباب 25 يناير بذكرى الأربعين لشهداء حادث كنيسة القديسين
.
عندما عاد أمير الشعراء أحمد شوقي من المنفى عام 1920 إلى أرض الوطن بعد انتهاء إحداث ثورة 1919 ، خاطب مصر الثورة التي أضناه الشوق إليها بهذه الأبيات :
ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو أنى دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمتابا

أظن أننا جميعا شبابا وكهولا نلتقي من جديد بوطننا الحبيب ذا الوجه المضيء الممتلئ حماسا ونضرة وحيوية بعد أن أضنانا جميعا اليأس والركود والانتظار الطويل في غياب لأي بارقة أمل أو رجاء. ميدان التحرير الذي جعلتم منه ميدانا للحرية أضحى اليوم بعد انتفاضتكم المجيدة وجها مضيئا للوطن وقلعة للحرية في مواجهة الطغيان ، وشبابنا الزاهر الذي اختطف مخلصا وهج العصر وجذوة الحداثة من براثن الاستبداد وأضاء بهما حياتنا اليومية المعتمة ، لا بد وأن نعترف به جيلا جديدا مفرحا ولد عملاقا على أياديكم الطاهرة يوم أيقظتم مصر من سباتها العميق يوم طرقتم بغير وجل أبواب العصر وأضأتم بفعلكم المخلص لنا جميعا شعلة الأمل بعد أن انعدم منا كل رجاء. لقد وحدتنا في الأيام الأخيرة شدائد كثيرة وجمع الموت بيننا، فتجاور شهداء ليلة رأس السنة في كنيسة القديسين بالإسكندرية مع شهداء أسبوع الغضب من شباب الانتفاضة مسددين عنّا جميعا ضريبة الحياة الحرة الكريمة. لقد حاولوا بغير جدوى أن يسرقوا منّا روح الوطن ، وضربونا معا مرة بالمتفجرات التي دسّوها في ساحة كنيسة القديسين ومرات بالعصي وقنابل الغاز والرصاص المطاطي والرصاص الحي الذي أصاب صدوركم العارية عندما نطقتم بالحق في وجه حكام الوطن.
لكننا تعلمنا منكم ألا ننحني لسارقي الوطن، وأن نصدح بالحق في وجه كل سلطة غاشمة. تعلمنا منكم أن ندخل التاريخ من جديد بعد أن تخلينا عن دعة حياتنا الخانعة. لقد آن للخوف أن يغادر قلوبنا إلى الأبد ، وآن للطغيان أن يترجل راحلا عن وطننا الأبي ، وآن لشباب 25 يناير أن يعبر بنا إلى مصاف الدول الناهضة بعد أن أعاد الى شعبنا المصري كرامته المسلوبة وحقه الضائع وروحه المطفأة .

تحيا مصر دائما عزيزة أبية ، منيعة عصية ، تجاه كل شر وطغيان . والسلام لكم وبكم وعليكم ورحمة من ألله على كل شهدائنا الأبرار .

ما بعد الانتفاضة المصرية والنموذج التركي الخارجي

د. ناصيف حتّي
هل يكون عام 2011 عام بداية التغيير في العالم العربي: انتفاضة تونس والانهيار السريع للنظام كانا عنصرا المفاجأة والصدمة الإيجابية للتغيير، لكن مع انتفاضة مصر وردود الفعل على مستوى النظام الرسمي العربي من قلق ومحاولات احتواء استباقية لأي انفجار قادم عبر خطوات غير كافية ومتأخرة ولكنها دالة على "عودة الوعي" بالحاجة للتغيير من جهة وردود الفعل الشعبية الفرحة بالانتفاضة التونسية والمتضامنة مع شقيقتها المصرية من جهة أخرى، هذه عناصر أدت إلى أن يستقر عنوان التغيير كعنوان أساسي وضاغط في المشهد السياسي العربي سواء كان الناظر إلى هذا المشهد من داخل النظام العربي أو من خارجه.
في هذا المشهد وفي خضم الانتفاضة المصرية، تكثر الأسئلة من نوع حجم التغيير واتجاهه وسرعته وكيفية حسمه في مصر. فهل سيكون تغييراً للنظام ام تغييراً في النظام، وفي الحالة الثانية ما هي ابعاد هذا التغيير، ثم بالطبع من هي الدولة أو الدول "المرشحة" للاثر التظاهري التونسي ثم المصري؟
جملة من الملاحظات تكشف المواقف والسلوكيات والنظرة المختلفة لمشهد التغيير العربي يمكن ايجازها كما يلي:
أولاً، ان المدرسة التآمرية في تفسير الأحداث تبقى ناشطة من خلال التساؤلات التي تثيرها حول هوية "محرك" الحدث والمستفيد منه وتوقيته وهي مدرسة تمثل نوعاً من الكسل الذهني والتسطيح السياسي رغم تراجع اربابها في مشهد التغيير العربي، لكن المفارقة انه حتى بعض المتحمسين للتغيير ولأهله يطرحون بعفوية وبساطة هذا السؤال ما يعكس إلى جانب ما ذكر سابقاً عدم فهمهم لطبيعة المجتمعات العربية وللعناصر الموضوعية المحركة لها. انها بأي حال مدرسة تعكس بؤس السياسة والتصحر السياسي التي فرضته بعض السلطات العربية في مجتمعاتها بحيث صار التفسير السهل هو السائد خاصة عندما يسهل ربطه بالولايات المتحدة وإسرائيل نظراً للارث العدائي ولو المختلف حدة وطبيعة عند الطرفين تجاه القضايا العربية.
ثانياً، ارتباك في عواصم صنع القرار الغربي ولو بدرجات متفاوتة، ارتباك بين التمسك بالمصلحة التي وفرتها العديد من السلطات العربية من جهة والقيم التي تنادي بها الدول الغربية وتدعو لها وتحاول التدخل باسمها من جهة أخرى. ويعود الارتباك لعدم التأكد من قدرة بعض "الأصدقاء العرب" على استيعاب هذه الخضات، ومن المجهول الذي قد يحصل بعد ذلك في ما يتعلق بالاستقرار المطلوب والمصالح التي يجب الحفاظ عليها فتجري محاولات لإحداث توازن بين الموقف والعنوان القيمي الأخلاقي السياسي ومحاولة تركيز الجهود متى أمكن ذلك على مواكبة التغيير فيما يتعلق بادارته ومنحاه وأهدافه عبر قوى يمكن الوثوق بها ولو بدرجات متفاوتة. وتبرز المقارنة بين موجة التغيير عام 1989 مع انهيار المعسكر الشرقي وما يبدو انه موجة التغيير في مطلع 2011 في العالم العربي. ففي الحالة الأولى جاءت الانتفاضات ومعها التغيير ضد أنظمة معادية استراتيجياً وعقائدياً للغرب في ما يأتي هذه المرة ضد أنظمة صديقة للغرب.
ثالثاً، هنالك مخاوف من منحى التغيير خاصة في ظل نظرة تقوم على ثنائية حادة فكأنما الخيار هو بين نظم شديدة السلطوية توفر الاستقرار من جهة، وبين تيارات شعبية اسلاموية متصادمة ولو بدرجات متفاوتة مع الغرب ومجهولة عند هذا الغرب في سلوكياتها المستقبلية لدرجة كبيرة وبالتالي مخيفة من جهة أخرى. ولا يكفي التسطيح الذي يصل الى حدود العنصرية والذي يقوم على نظرة ثقافوية قوانها ان المجتمعات العربية والاسلامية غير قابلة لاسباب ثقافية وقيمية للديموقراطية بل يأتي التبسيط السياسي، رغم ان الانتفاضة في الحالتين التونسية والمصرية لم تأت تحت عنوان اسلاموي ولم تقدوها تيارات الاسلاموية، لتزيد من المخاوف والارتباك، ليتجاهل وجود قوى مدنية مختلفة قادرة ان تشكل بديلا ثالثا من نظم سلطوية وتيارات اسلاموية. ولا بد من التذكير ان الانتفاضة في الحالتين لم تحمل اي عنوان سياسي او عقائدي او تنظيمي او قطاعي معين بل كانت الأكثر ديموقراطية من حيث تعبيرها عن مطالب الجميع ومن حيث القوى التي شاركت بها. وكثيراً ما يبرز الاختزال في التحليل الذي يعبر عن سوء الفهم وعدم الادراك من خلال المقارنة بالثورة الايرانية عام 1979 رغم الفرق الشاسع بين الحالتين في ما يتعلق بطبيعة الثورة في ايران وتنظيمها وهويتها وعنوانها العقائدي الديني ووجود زعيم كريزماتيكي لها.
رابعاً، أياً كانت نتائج الانتفاضة المصرية فما يجمع عليه المراقبون انه لن تكون هنالك عودة الى ما قبل 25 ينارير/كانون الثاني 2011، وان الانتفاضة ستحقق ضمن امور أخرى استعادة المكانة لمصر ايا كانت نسبة هذه الاستعادة، وفقدان المكانة ومعها فقدان الدور كانا من عناصر لغضب الشعبي المصري. فلذلك سيكون هناك تغير في السلوكية الخارجية المصرية وفي ثقل الدور المصري. وبالتالي ستكون هنالك تداعيات ولو اختلفت اوزانها وأحجامها حسب التغيير الذي سيحصل على التوازنات في المنطقة وعلى الصراع العربي الاسرائيلي وعلى العلاقات مع واشنطن ضمن منطق تباين المصالح احيانا وما ينتج عن ذلك في اطار علاقة استراتيجية قائمة. لكن أبرز ما قد يحمله أيضاً التغيير هو اعادة التوازن المفقود ولو بدرجات مختلفة الى دبلوماسية الصراع العربي الاسرائيلي. هذه التداعيات ستبقى في منأى وما يحمله المنطق التبسيطي العقائدي والسياسي من اصطفافات محتملة اذ ان التاريخ والجغرافيا الاستراتيجية والمصالح ستحكم دائماً علاقات مصر العربية والاقليمية والدولية مع التأكيد دائماً على التحولات التي قد يحملها هذا التغيير، وربما يبرز النموذج التركي الخارجي في العلاقات مع واشنطن كاحد النماذج التي يمكن الاستدلال بها بشكل عام لاستشراف مصر ما بعد الانتفاضة على الصعيد الخارجي.
خامساً، ان عملية التغيير او عملية التحول الديموقراطي لا تأتي عبر القطيعة الكلية واسقاط نماذج جاهزة قد تكون عناوين للتحرك حالياً، بل هي نتيجة تراكم سلسلة من التغييرات منها اقامة دولة القانون والمؤسسات عبر الفصل بين السلطات، واقامة قضاء مستقل ونظام مساءلة واعطاء الحريات في مجال التنظيم السياسي والاجتماعي لخلق مجتمع مدني ديناميكي. فالديموقراطية ليست مجرد آلية تداول للسلطة بل هي منظومة قيم تجري تأسيسها وتعميقها عبر الوقت. مشهد التغيير العربي الذي قام بضغط الديموغرافيا وتسهيل التكنولوجيا واستفزاز الاقتصاد وعمى او غياب السياسة، سيحمل في اي حال نهاية الرئاسات التوريثية ورئاسات مدى الحياة وسيطرح موضوع التحول نحو الملكيات الدستورية عبر تقييد السلطة. عام 2011 الذي قد يشهد مزيداً من الخضات المختلفة هنا وهناك سيكون عام فتح صفحة جديدة في حياة العالم العربي.

الأربعاء، 9 فبراير 2011

بيان البديل الحضاري-المغرب حول ربيع الشعوب العربية

مصر وتونس والدروس المطلوبة
تابعنا في حزب البديل الحضاري باهتمام بالغ مجريات الأحداث المفصلية في تاريخ منطقتنا العربية منذ انتصار ثورة الياسمين واندلاع ثورة الشباب بالقطرين الشقيقين "تونس و مصر"، مستحضرين بيقظة تداعياتهما المصيرية على تاريخ المنطقة، باعتبارها منعطفا في سيرورة معركة الانتقال نحو الديموقراطية و القطع مع كل أشكال القمع و الاستبداد و التحكم.
ونحن اذ نؤكد على مركزية هذه التحولات الجماهيرية الكبيرة يهمنا أن نسجل خلاصات جوهرية منها مايلي:
- فشل مسرحية الاستقواء بالخطر الإسلامي من أجل التغطية على انحسار مساحات التعبير الديموقراطي.
- فشل المقاربات التكنوقراطية التي تولي الأولوية للمشاريع الاقتصادية و الاستثمارات الأجنبية دون الالتفات للسؤال السياسي و الاجتماعي و المؤدية لهيمنة مافيات الفساد و الريع الاقتصادي.
- فشل الاختيارات القائمة على تحكم الأمني في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد.
- فشل التحكم في الحياة السياسية من خلال الحزب الأغلبي الذي يترجم فعلا أو ادعاءا اختيارات رأس السلطة.
- فشل تهميش الفكر و الثقافة من مشاريع الحداثة المدعاة لصالح البهرجة و الفلكرة و المهرجنة بغاية إلهاء الشباب عن معانقة قضاياهم المصيرية.
و لكن بالمقابل كشفت الثورتان عن قصور أحزاب المعارضة و اكتفائها باللعب في المساحات المرسومة لها سلفا،فضلا عن الهوة التي ما فتئت تتعمق بينها و بين الأجيال الشابة الصاعدة باهتماماتها الجديدة و مسلكياتها المستجدة و وسائل تواصلها: لغة و أداة و خطابا.
إننا في حزب البديل الحضاري إذ نقف إجلالا لثورة الشباب و ننحني تهيبا أمام أرواح الشهداء و كلنا يقين ببداية النهاية لزمن الاستبداد و انطلاق زمن الشعوب،فإننا نتوجه لمن يهمهم الأمر في مغربنا العزيز لاستخلاص العبر و الدروس و العودة إلى روح مغرب هيئة الإنصاف و المصالحة و مدونة الأسرة و المفهوم الجديد للسلطة،و القطع مع التراجعات التي همت المجالات الحقوقية و السياسية و الاجتماعية،كما ننبه إلى خطورة الخطابات المطمئنة و المستترة خلف الخصوصية المزعومة،إذ إن التراجعات المومئ إليها سلفا مرفوقة بعدم قدرة الدولة بإمكانياتها المحدودة على تلبية المطالب الاجتماعية في التعليم الناجح و السكن اللائق و الشغل الكريم و القضاء العادل لكفيلة بانبثاق جيل جديد من الاحتجاجات غير المسبوقة، خصوصا مع تفشي التفاوتات الطبقية و المحسوبية و اقتصاد الريع، في الوقت الذي تكاد تنعدم فيه المؤسسات الوسيطة الفاعلة من أحزاب مستقلة القرار و نقابات غير مرتهنة لأجندات خفية،مع بروز تيار هيمني يكاد يعيد البنعلة في تجلياتها البئيسة.
لذا و انطلاقا من واجبنا السياسي و حبا في هذا الوطن ، ندعو الحاكمين لاغتنام هذه اللحظة التاريخية من أجل تصحيح المسار و تقويم الاعوجاجات عبر:
- إصلاح سياسي و دستوري عاجل في أفق ملكية برلمانية ديموقراطية مواطنة.
- مصالحة وطنية آنية تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين و الحقوقيين و الطلبة.
- الانكباب الجدي و المسؤول على حل معضلات الشباب و بالأخص معضلة التشغيل.
- رفع اليد المتحكمة في المشهد السياسي من أجل منافسة شريفة لا يحتكر فيها أحد الحديث باسم الإسلام أو الوطنية أو الملك، و يسمح للجميع بحق التعبير و التنظيم.
- القطع مع اقتصاد الريع و مستتبعاته من رشوة و عائلات نافذة و محسوبية... فقد بينت أحداث تونس و مصر خطر الأوليغارشيات المتنفذة، و بالتالي فزواج المال و السلطة لن يفضي إلا إلى الاستبداد و تراكم الإحباطات لدى الفئات المحرومة.
- تغيير جذري لمنظومة الإعلام العمومي و جعلها في خدمة المجتمع و معبرا أمينا عن التعددية السياسية و الثقافية و اللغوية،مع رفع كل أشكال التضييق على الإعلام المستقل.
إننا في حزب البديل الحضاري لا يفوتنا ختاما التنديد باستمرار اعتقال الأخ الأمين العام المصطفى المعتصم و الناطق الرسمي باسم الحزب الدكتور محمد الأمين الركالة و تلكؤ القضاء في البث بخصوص الطعن الذي تقدمنا به ضد مقرر حل حزبنا غير المسند لتعليلات قانونية مقنعة.و في الآن نفسه نجدد إصرارنا على إكمال مسيرتنا النضالية من أجل مغرب ديموقراطي تعددي تحفظ فيه الكرامة و يعلى من شأن الحرية

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

من أوراق ثورة 25 يناير

تقدير موقف
طارق البشري

(1)
نحن نبحث الآن في الأوضاع السياسية والدستورية للأحداث التي نعيشها، ولما نحن فيه من حراك شعبي ثوري عميق، نرجو البقاء له والاستمرار.
وإن الوضع السياسي هو أساس النظر في الوضع الدستوري والقانوني، وإن الوضع السياسي الذي استجد حتى الآن ويستجد في الأيام التالية ــ إن شاء الله ــ يكون هو أساس النظر في التشكيل الدستوري المطلوب والاختيار بين البدائل القانونية المتاحة والتي تظهر، وإن الوضع السياسي الجديد لا يزال يستخرج طاقته وقوته.
الوضع السياسي الحاضر الذي استجد، هو اننا في حالة ثورية شعبية عميقة، وهي أشمل وأعمق مما مر بنا في عشرات السنين الماضية، من حيث الانتشار الشعبي والحماسة واستخدام أكثر أساليب العصيان المدني شمولا وتحضرا، ونرجو لها طول النفس وأن يوسع الله لها شمولا شعبيا وانتشارا في أقاليم مصر ومدة طويلة متتابعة الحلقات والأيام حتى تؤتي كل ثمارها لشعب ما أروعه وما أكثر ما يستحق من خير.
وهذا الحراك الشعبي لا يزال يضغط على أجهزة الدولة وأدواتها، ولم يتمكن بعد من بلوغ غايته في تعديل أركانها وقوائمها، وهو حراك لا شك يجد صدى تعاطف في داخل أجهزة الدولة وبين شرائح العاملين فيها وعند أجنحة من القائمين عليها، وهذا التعاطف على أسس من التوجهات الوطنية والرشيدة هو مما قد ييسر السبل لتشارك حميد، وأن أجهزة الدولة المصرية كانت دائما مكونة من مصريين لا ينفصلون عن عامة المصريين في أوضاعهم الثقافية والحياتية والاقتصادية، وما أكثر من يستجيبون لتيارات الشعب المصري من بينهم لولا الخضوع الرئاسي للأجهزة الإدارية.
وهذا الحراك الشعبي الثوري العميق يشيع أثره الحميد بين عامة المشتغلين لأجهزة الدولة العسكرية والمدنية في انجذابهم لحركة الشعب في مواجهة القلة التي سيطرت ولا تزال بقاياها مسيطرة على أجهزة مهمة في الدولة في عهد الرئيس حسني مبارك، خاصة هذه الجماعة التي اقتحمت جهاز إدارة الدولة في السنوات العشر الأخيرة، وعاثت فيه فسادا وإفسادا وهدما وتفكيكا، وهم على التحديد ممن سموا انفسهم رجال أعمال وقيادات في الحزب الوطني ولجنة السياسات به وغيرهم.
والحاصل ان ما حدث حتى الآن ــ أي حتى كتابة هذه السطور ــ أن الحركة الثورية قد انتجت الاطاحة العقلية بعدد من رجال هذه الشريحة من رجال الأعمال ولجنة السياسات وقيادات بالحزب الوطني وانصار لجمال مبارك، وهم من كانوا سيطروا على رأس الدولة المصرية بمباركة ودعم من رئيس الجمهورية وحماية منه، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث خلت لهم الأجواء تماما بغير مقاومة من القيادات الأخرى بجهاز الدولة.
كما أن هذه الحركة الشعبية انتجت الإضعاف الظاهر للنفوذ السياسي لجهاز الشرطة، وتكاد تكون قد أبعدت أثره، لا من حيث وظيفته في حماية الأمن، ولكنها أضعفته وقلصت دوره السياسي الذي كان نما واستفحل بين أجهزة الدولة المصرية خلال السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة. كما ان هذه الحركة أعادت للقوات المسلحة المصرية مكانتها السياسية التي كانت لها قبل عصر مبارك.
وإن ما حدث حتى الآن عند كتابة هذه السطور لم يصل بعد أثره شبه المتحقق إلى أكثر مما أشرت إليه، وهذا قدر من الانجاز لا بأس به ويستحق التقدير الكبير، لأن ما تعرضت له مصر في السنوات الأخيرة كان اشبه بمرض عضال، وكان من شأن بقائه أن يميت من يبتلى به، ولكن هذا الانجاز غير كاف لانقاذ مصر والخروج بها من حالة الوهن التي لحقتها، وهو انجاز لا يكفي لتحصين المجتمع المصري من مخاطر ان تلحقه نكسة هذا المرض العضال. ونحن بحاجة ماسة وملحة إلى مزيد من المنجزات الشعبية لبناء نظام جديد يحصن مصر من أمراض حكم الفرد المطلق وشخصنة الدولة والعزلة والبيروقراطية عن المجتمع، ويعيد إلى جهاز الدولة المصري وإلى المجتمع القدرة على النهوض الحر واسترداد الإرادة الوطنية.
ويكفى دليلا على أهمية تحصين جهاز الدولة والمجتمع ضد أمراض الاستبداد والشخصنة التي فتحت الطريق لسرقة الدولة المصرية لعشر سنوات أو أكثر من رجال هم أشبه بالعصابات التي تتسمى باسم رجال الأعمال وبمن سموا انفسهم من الساسة بأصحاب «الفكر الجديد» الذين يمثلهم جمال مبارك، يكفي دليلا على أهمية هذا الهدف، ان العصابة التي سمت رجال أعمال وأصحاب فكر جديد (لجنة السياسات في الحزب الوطني) بلغ فجورها في الدفاع عن مكانتهم في أجهزة الدولة ضد الحركة الثورية القائمة الآن، انهم سحبوا الشرطة من مدن مصر الكبيرة وفتحوا السجون لإخراج الأشقياء منها بما يشمل ذلك من احتمالات تخريب وتدمير وإشاعة للفوضى الكاملة الشاملة. وهذا أمر لم نعرف له مثيلا لا في تاريخ بلدنا ولا في تواريخ البلاد الأخرى، وهو ان تتخلى دولة عن وظيفة حماية المجتمع وتطلق المجرمين على الأهالي جميعا، كما حدث في يوم الجمعة 28 كانون الثاني/ يناير سنة 2011، وهي كذلك بعد ان سحبت الشرطة وجمدت قوات الجيش في المدن اطلقت في 2 فبراير «بلطجية» يقتلون المتظاهرين في ميدان التحرير. وأنا اسأل أي قارئ وكل قارئ، هل عرف جماعة حاكمة تملك زمام دولة سحبت الشرطة وجمدت الجيش وأطلقت عصابات بلطجية ضد شعبها؟ انها حكومة ودولة ما كانتا تعبران عن طبقة اجتماعية ذات مصالح اقتصادية مستقرة وثابتة، بل كانتا تحت سيطرة ما يشبه العصابة من النهابين السلابين. فلا عجب ان يفهموا في دفاعهم عن ذواتهم ما معنى دولة وما معنى شرطة وما معنى قوات مسلحة، وأن يعتمدوا في الدفاع عن انفسهم ومراكزهم بعصابات البلطجية. وأن العبرة التي يتعين ان نخرج بها من هذه التجربة، هي أن هذه الميكروبات التي حلت بالدولة وأجهزتها هي من نتاج سلطة الفرد المطلقة وشخصنة مناصب الدولة، وهى من المضاعفات المرضية لهذا الأمر.
(2)
والظاهر حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن قيادة أجهزة الدولة التي انفردت بالقيادة بفعل الحركة الشعبية الجارية، تحاول ان تكتفي بما أفضت إليه الحركة الثورية الحالية من استعادة القيادات التقليدية لأجهزة الدولة لسلطانها ونفوذها وتخلصها من سيطرة الفئة التي طرأت عليهم في السنوات العشر الأخيرة تحت قيادة جمال مبارك وبمباركة أبيه وحمايته، وهي تكاد تقول للحركة الشعبية، شكرا لكم لما أنجزتم ويكفي هذا. ولكن على هذه القيادات ــ مع التقدير لها ولدورها ــ ان تعرف ان ما استعادت به نفوذها المتفرد في الحكم وما اعاد إليها سلطاتها التي كانت مسلوبة، هي هذه الحركة الثورية الشعبية التي قدمت خلال عشرة أيام ثلاثمئة شهيد وخمسة آلاف جريح من أطيب شباب شعب مصر.
وعلى هذه القيادات أن تدرك ان هذه الحركة الشبابية هي نتاج تراكم لثقافة الخروج إلى الشارع في حركات احتجاجية جزئية جرت على مدى السنوات الست الماضية من سنة 2005. وانها ذات أساليب مستحدثة، وانها ان لم تنجز ما يطمح إليه المصريون من احتياجات سياسية حيوية، فإنها يمكن ان تكرر ما عملت بعد فترة أو فترات وان تستحدث أساليب أخرى بما أظهرت من ذكاء وحيوية، ومما فاجأ أمثالي من ذوى الخبرات القديمة عن الثورات والحركات الشعبية، وان هذه الحركة قادرة ــ إن شاء الله ــ على البقاء كقوة سياسية مؤثرة في موازين السياسة المصرية وذات تشكيلات تستحدثها، وسيبقى أثرها في الساحة المصرية السياسية، وقد أوجدت جيلا جديدا من ساسة مصر وقادتها المستقبليين، وممن ليست لهم ملفات بالشرطة ولن يكونوا مجالا للملاحقة الأمنية إلا بعد جهد بوليسي يستغرق أوقاتا وأوقاتا في جمع المعلومات وتكوين الملفات والتفكير في امكانات الملاحقة، لكل فرد ولكل مجموعة، ومتابعة للأنشطة مما قد يستغرق سنوات وسنوات. ذلك ان الشعب المصري رمى إلى الشاطئ بموجة جديدة من شبابه الطيب، وهى موجة ما أعلاها وما أطيبها. وهي يمكنها قبل التمكن الأمني منها عبر شهور وسنوات ان تؤثر تأثيرات عديدة، وأظن ان قيادات أجهزة الدولة جديرة بأن تدخل كل ذلك في الحساب، وان تتيح لهذا العنصر الجديد امكان المساهمة البناءة الديموقراطية والوطنية في مستقبل مصر.
وفى هذا الصدد، ثمة نقطة أود الإشارة إليها وبيانها، وهي أن هناك حرصا من قادة أجهزة الدولة الآن ــ من بين العسكريين ــ على استبقاء الرئيس حسني مبارك بغير تنح، وثمة تردد واضح من جانبهم بالنسبة لتفويض الرئيس سلطاته إلى نائبه الذي اختاره، وأظن أن ليس سبب ذلك فقط هو انهم يعترفون للرئيس بفضل نشاطه السياسي السابق وأدائه في الجيش ورئاسة الدولة، فإن استبداد الرئيس وقسوته وفرديته الشديدة وخصاله المعروفة، لا تنشئ له مع من يتعاملون معه علاقة تعاطف ومودة، ولكن سبب الاستبقاء في ظني، هو انه بعد ضعف مركز الرئيس بحكم الهبة الشعبية الحاصلة، فإن من تعاملوا معه من قبل وكانوا تحت رئاسته هم اقران متساوون في مراكزهم تجاهه وتجاه بعضهم البعض، وان ترجح اسهم أحدهم على غيره من اقرانه لا يكاد يصادف قبولا فوريا، ولا يملك أحد فرض رئاسته على غيره من الاقران في المدى القصير المحدود. لذلك فهم يبقونه على مرضه وانتهاء نفوذه السياسي تماما حتى تستقر أوضاع علاقاتهم مع بعضهم البعض على نحو جديد من التعاون والتشارك.
(3)
مسألة أخرى أريد اثارتها وهي تتعلق بانعكاس الصورة السابقة على الأوضاع الدستورية وأساليب التحقق لما تراه الحركة الشعبية من طلبات بالنسبة لتخلي رئيس الجمهورية عن سلطاته في الحكم.
والدستور في تقديري باق ما دامت لم تسيطر على السلطة جماعة جديدة غير من هم موجودون فيها، وان ازاحة اجنحة من السلطة واسترداد اجنحة أخرى منها لكامل الأوضاع في الحكم لا يفيد في تقديري انتهاء العمل بالدستور. وإذا أعلنت الجماهير في كل شوارع مصر سقوط الدستور، فلا يكون ذلك اسقاطا ما دامت الفئة الحاكمة كلها أو بعضها لا تزال قابضة على ناصية الأمور، وهنا أيضا يجب أن نتذكر أن السياسة أولا والوضع السياسي هو الأساس ثم يأتي بعد ذلك التعبير الدستوري عن هذا الوضع، فما دامت الجماعة الحاكمة في مركز السيطرة على الدولة فإن الدستور المعبر عن الوضع القائم بها يبقى قائما.
وان مجرد القيام بالثورة لا يسقط الدستور إلا بعد ان تتولى القوة الثائرة السلطة فعلا. والقول بأن الدستور القائم سقط بالعملية الثورية التي بدأت في 25 يناير، هو قول غير سديد في ظني من الناحيتين السياسية والدستورية، لأن قوة جديدة لم تصل إلى الحكم من الناحية السياسية بعد، ولان من قال بسقوط الدستور من الناحية القانونية انما استند في زعمه إلى المادة 3 من الدستور وهي تنص على ان «السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين بالدستور». والنص بذلك يفيد ان الممارسة للسيادة الشعبية يكون «على الوجه المبين بالدستور»، فهذه الممارسة طبقا للدستور لا تكون في منطقة إلغاء له ولا تكون ممارسة يعتد بها الدستور، إلا إن جرت على الوجه المبين به، وهى لا تفيد امكان إلغاء الدستور، وليس من نظام دستورى يكفل لاحد ولا لجماعة ولا لفترة أن تلغيه، انما هو ينظم طريقة تعديل احكامه، لا إلغائه كليا، ولا تقرير اسقاطه جملة. ولا يوجد دستور يلغي نفسه في ما نعلم، والدستور لا يلغي جملة أبدا الا من خارجه وبفعل سياسى تسيطر به قوة سياسية جديدة على السلطة، أو تلغيه السلطة القائمة ان وجدت انه لم يعد يعبر عن أوضاع جديدة تراها أو تنشئها أو تكون آلت إليها. أما ان يسقط ذاتيا ومن تلقاء ذاته بفعل ثوري لم يتول السلطة به أحد بعد، فهذا ما لا أظنه صوابا.
ونحن عندما ننظر في الوضع السياسي الحاضر من حيث مؤسسات الدولة بعد التعديلات التي جرت أخيرا بفعل الحركة الثورية القائمة، نلحظ أن رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة صارت في أيدي من يعبر عنهم الأستاذ ضياء رشوان «بالقلب الصلب» في أجهزة الدولة السيادية، ونلحظ ان السلطة التشريعية، رئاسة وأعضاء، هي في أيدي الحزب الوطني ولجنة السياسات وان الحزب الوطني ولجنة السياسات كانا هما الدعامة الرئيسية السياسية لتلك الجماعة المالية التي سيطرت على الدولة، خاصة في السنوات العشر الأخيرة عندما انفردت تماما بالسلطة عليها تحت حماية رئيس الجمهورية وولده.
ولا بد أن ندرك يقينا أن أجهزة الدولة المصرية عسكرية ومدنية هي ما كان عليه المعول في إدارة المجتمع المصري والنظر إليه في عمومه وإدراك توازناته وفقا لادراك لا بأس به، وأيا كان حجم النقص في ذلك وأيا كانت عيوبه، إلا أنه لا يقارن في ايجابياته بما آل إليه الوضع المتدني جدا بعد سيطرة «لجنة السياسات»، «بفكرها الجديد»، وان الحزب الوطني ولجنة سياساته هما ما عملا على هدم أجهزة الدولة المصرية وتفكيكها، وأضرا بالأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية للمجتمع المصري اضرارا خطيرة جدا. ووفقا لهذا النظر السياسي ننظر في مسألة نقل السلطة من الرئيس حسني مبارك تحقيقا لمطلب الحركة الثورية القائمة الآن، في اطار أحكام الدستور القائم وكيفية تخلي الرئيس عن سلطته. وهذا الأمر بأحد طريقين دستوريين، إما التنحي بالاستقالة أو بالتفويض في سلطته إلى نائبه.
في حال التنحي بالاستقالة يجرى إعمال حكم المادة 84 من الدستور، وهى تنص على انه «في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية أو عجزه الدائم عن العمل يتولى الرئاسة مؤقتا رئيس مجلس الشعب، وإذا كان المجلس منحلا حل محله رئيس المحكمة الدستورية العليا، وذلك بشرط ألا يرشح أيهما للرئاسة مع التقيد بأحكام الفقرة 82».
«ويعلن مجلس الشعب خلو منصب رئيس الجمهورية»..
«ويتم اختيار رئيس الجمهورية خلال مدة لا تتجاوز ستين يوما من تاريخ خلو منصب الرئاسة».
ويقتضي هذا النص ان السلطة في حالة التنحي بالاستقالة، ستؤول إلى رئيس مجلس الشعب، وإلى مجلس الشعب الذي يسيطر عليه الحزب الوطني ذو الأغلبية الكاسحة في مجلس الشعب، وذلك خلال الفترة الانتقالية. أي يؤول أمر الدولة في هذه الفترة الحرجة الحساسة، إلى القوة المؤسسية ذاتها التي أقصيت إلى حد ما عن السلطة في الأيام الأخيرة، وهى لا شك في هذه الفترة المؤقتة ستحاول العمل على استرداد ما فقدت. وان التعديلات الأخيرة التي جرت يوم السبت 5 شباط/ فبراير بإقصاء عدد من قيادات الحزب الوطني من مراكزهم القيادية، لا يعتبر ان نفوذهم قد زال عن الحزب وهم لا يزالون في هيئاته العليا، كما ان تشكيلات الحزب كلها جرت وانبنت على أيديهم.
والطريق الثاني لنقل السلطة والتخلي عنها هو طريق انابة رئيس الجمهورية لنائبه نائب رئيس الجمهورية طبقا للمادة 82 من الدستور بما اضيف إليها من أحكام في سنة 2007، وهى تنص على أنه «إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته اناب عنه نائب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء عند عدم وجود نائب لرئيس الجمهورية أو تعذر نيابته عنه».
ولا يجوز لمن ينوب عن رئيس الجمهورية طلب تعديل الدستور أو حل مجلس الشعب أو مجلس الشورى أو إقالة الوزارة».
وبمقتضى هذا النص انه في حالة التفويض تنتقل سلطة رئيس الجمهورية إلى نائبه في جميع ما يملك من سلطات وردت بالدستور إلا ما استثني في هذا النص بالنسبة للمسائل الثلاث السابقة. وان سلطاته التي تؤول للنائب تعني أنها آلت لأجهزة إدارة الدولة ممثلة عسكريا ومدنيا في نائب الرئيس.
وإذا كان نائب رئيس الجمهورية عند التفوض لا يملك طلب تعديل الدستور، فإنه يمكن ان يتحقق هذا الطلب بقرار مستقل من رئيس الجمهورية قبل تنحيه. وعلى أي حال فإن خطاب رئيس الجمهورية الذي ألقاه في يوم الثلاثاء أول شباط/ فبراير والذي أقر فيه بعدم ترشحه للرئاسة بعد انتهاء مدته في خريف سنة 2011، هذا الخطاب تضمن طلبا منه إلى مجلس الشعب لتعديل المادتين 76 و77 من الدستور، ونحن نعرف في علم القانون ان القرارات الإدارية لا شكل لها إلا إذا شرط القانون لها شكلا معينا يبينه. لذلك فإن ما تضمنه هذا الخطاب بشأن المادتين المذكورتين يعتبر طلبا منه لتعديلهما، وهو في خطابه وجه هذا الطلب إلى مجلس الشعب. ومن ثم يعتبر قرارا مستوفيا لاركانه صادرا منه شخصيا بوصفه رئيسا للجمهورية.
ومن جهة ثانية، بالنسبة لعدم احقية نائب رئيس الجمهورية المفوض بسلطات الرئيس في إقالة الوزارة، فإن ذلك لا يشمل امكان اعفاء أي من الوزراء من مسؤوليته الوزارية واستبدال غيره به. لان اعفاء أي وزير بذاته لا يعتبر اقالة الوزارة. أي يمكنه ان يغير في الوزارة بالتجزئة.
أما حل مجلس الشعب أو مجلس الشورى، فإنه يمكن ان يستصدر القرار بذلك من رئيس الجمهورية مع إصداره قرار التفويض.
وفي هذا الصدد، وبالنسبة للطلب السياسي الخاص لحل مجلس الشعب، وهو المجلس الذي لم يجف مداد ما ارتكب في انتخاباته من تزوير فاحش، فإني اتصور ان هذا المطلب وان كانت الشرعية السياسية الكاملة لحركة ثورية نبيلة، إلا اني اشفق على الاجماع الوطني العام المتحقق الآن في المطالب الثورية المطروحة من تغيير عن النظام وتخلى الرئيس عن سلطته، اشفق على هذا الاجماع المطلوب استبقاؤه أطول مدة زمنية ممكنة، أن يتأثر بفعل ما ستمليه عملية انتخاب مجلس جديد من صراعات بين الأحزاب والجماعات السياسية المختلفة والأسر الريفية والمصالح الذاتية. لذلك اطرح على أصحاب هذا الطلب رجاء، بالنظر إلى تأخير تحقيقه إلى ما بعد تحقق المطالب الأخرى السريعة، وهي تخلي الرئاسة واستبدالها وإنهاء حالة الطوارئ وتحقيق ضمانات الحريات الشعبية وحق تكوين الأحزاب والجماعات السياسية بغير العوائق الواردة بالقانون الحالي طبقا للمادة 82.
نقطة أخرى أود إثارتها، وهي ان الدستور يتضمن حكما اعتمدنا دائما على المطالبة بإلغائه، لانه يدعم السلطة الفردية الاستبدادية لمن يتولى منصب رئيس الجمهورية، ولانه يخول الرئيس القفز على سلطات الدولة كلها لدعم قراراته الفردية. وقد استخدم الرئيس أنور السادات هذا الحكم الدستوري عددا من المرات لدعم سلطته الفردية، ومنها المرة التي استخدمت فيها ليدعم موقفه عندما وقع مع الإسرائيليين اتفاقية الصلح، المسماة باتفاقية كامب ديفيد، وليدعم موقفه ضد المعارضة التي تصاعدت ضده. هذا الحكم ورد بالمادة 47 من الدستور وتنص على أنه: «لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري، ان يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا إلى الشعب ويجري الاستفتاء على ما اتخذ من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها».
وهذه السلطة ليست مما يمتنع ان يشملها قرار الإنابة الذي يصدره رئيس الجمهورية إلى نائبه في شأن تفويضه بسلطاته. ويمكن للنائب المفوض ان يستخدمها استجابة لمطالب الحركة الشعبية الثورية الوطنية إزاء ما تراه من تعديلات يراد اجراؤها في المرحلة المؤقتة القائمة، وحتى يوضع دستور جديد ديموقراطي كامل ــ إن شاء الله ــ بعد المرحلة الانتقالية.
(4)
وبعد فهذا «تقدير موقف» للحال الحاضر في هذه الأيام في هذه الساعات، ونحن في قلب حراك ثوري مبارك ــ إن شاء الله ــ وان على القائمين بأمر الدولة المصرية الآن ان يدركوا بعد ان خلصت لهم آلة الحكم من النهابين والبلطجية، لتعود دولة ذات إدارة ورشد، ان الشعب المصري هو من يدينون له بانفرادهم بالسلطة في مواجهة من اقتحموها في السنوات الماضية، وان عليهم ان يفسحوا لهذا الشعب وهيئاته الأهلية، وهو في النهاية الحامي لدولته بشرط ان يشارك فيها، إشرافا وتشكيلا للمؤسسات وتداولا للسلطة، وهو الشعب الذي يستند إليه ويعتمد عليه ويشرف أي قائم بالأمر أن يكون ممثلا له وخادما.
ونحن نريد من الحركة الثورية القائمة ان تبقى سيطرتها على الرأي العام المصري ووجودها بالشارع المصري في مدنه وأقاليمه، وأن تعمل على ان تتمأسس في تشكيلات تنظيمية قادرة على إبقاء هذه الحالة الثورية والتعبير عن تصميم الشعب المصري على التحرر من الاستبداد الداخلي وحكم الفرد المطلق أو حكم الأفراد القلائل، وتصميمه على مساندة حكومته في توجهها المطلوب لاسترداد الإرادة الوطنية المصرية وتحريرها من ضغوط الدولة الخارجية عليها، بخاصة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
ونحن نرنو إلى:
ــ إنهاء حالة الطوارئ.
ــ حرية تشكيل الأحزاب.
ــ إعادة بناء جهاز إدارة الدولة المصرية على أسس رشيدة وتشكيل مؤسسي صالح لأداء وظائف إدارة المجتمع المصري ومرافقه وسد حاجياته.
ــ إعادة الضمانات الوظيفية لرجال الدولة المصرية في هذا الجهاز، بحيث يمكنهم ممارسة نشاطهم في خدمة مرافق المجتمع وسد حاجياته برشد وكفاءة.
ــ ضمان حرية الانتخاب لرئاسة الجمهورية ولمجلسي البرلمان بعد حل مجلس الشعب.
ــ اتخاذ السياسات التي تسترد بها مصر ارادتها المستقلة عن الاملاءات الأميركية والإسرائيلية، واتخاذ السياسات الاقتصادية التي ترعى صالح الجماعة الوطنية المصرية بعيدا عن املاءات المنظمات المالية الدولية.
وان ما اذكره في «تقدير الموقف» هذا لا يعني الرضا بالاكتفاء بما ذكرت من بدائل، بل هو يعني ان يكون مساهمة في التعرف على حقيقة الأوضاع في اللحظة التاريخية التي نحياها هذه الأيام. والتي نريد أن نحقق بتجاوزها ما نستطيع من حرية واستقلالية.
حفظ الله مصر وألهمها الرشاد
والحمد لله.

14شباط/فبراير..دعوة إلكترونية لثورة إيرانية على خطى مصر

14 شباط/فبراير..دعوة إلكترونية لثورة إيرانية على خطى مصر
"
"نرجو من الجمهورية الإسلامية التي تعلن تأييدها للاحتجاجات الشعبية في المنطقة، لا سيما حركات التحرر في مصر وتونس، أن تسمح لنا بدعوة الإيرانيين للتظاهر السلمي في الشارع"، هذا هو مضمون رسالة الكترونية وجهها كلا من حسين موسوي ومهدي كروبي ،المعارضين البارزين في إيران، للمواطنين للتظاهر يوم الإثنين القادم 14-2-2011، تحت شعار " تضامناً مع خطى المحتجين في مصر".
فمع انتشار الاحتجاجات الشعبية التي تهز العالم العربي والمطالبة بالديمقراطية، لا سيما في مصر وتونس، وجدت المعارضة الإيرانية الفرصة مواتية للعودة من جديد إلى الشارع بعد عام من القمع الأمني للمعارضة في إيران، على خلفية الاحتجاجات على إعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد 2009، في خطوة قد تحرج الجمهورية الإٍسلامية التي أعلنت تأييدها للاحتجاجات في مصر.
ووجهت "الحركة الخضراء" المعارضة الإصلاحية في إيران، بقيادة كروبي وموسوي، اللذين تنافسا ضد الرئيس الإيراني نجاد في انتخابات الرئاسة 2009، طلباً أيضاً إلى وزارة الداخلية الإيرانية لأخذ التصاريح اللازمة للتظاهر.
وقد سبقت هذه الدعوة، عدد من طلبات المعارضة الإيرانية للتظاهر والتي قوبلت بالرفض من قبل السلطات الإيرانية، ولكن هذه المرة تراهن المعارضة على هذه الدعوة لإحراج الشخصيات المحافظة في إيران.
وقال أردشير أرجوماند، مستشار موسوي، "هذا اختبار صعب للجمهورية الإسلامية في إيران"، بحسب موقع صحيفة هيرالد تريبيون الأمريكية الثلاثاء 8-2-2011.
وأضاف أرجوماند " إذا لم يوافق المسئولون على التظاهر، فسيكون هذا علامة واضحة على نفاقهم مع شعبهم والشعوب الأخرى أيضاً.. وسيظهر من ناحية أخرى خشيتهم من دعم شعبية الشارع الإيراني لكروبي وموسوي".
وأشار "أنهم يخافون من الإقبال.. الذي حتماً سيكون عظيماً يوم الإثنين المقبل".
الجدير بالذكر أن المرشد الإيراني علي خامنئي، قد حرص على توجيه رسالة لدعم الحركات الإحتجاجية في مصر معتبراً أن تظاهرتهم هي " صحوة إسلامية" تشبه الثورة الإيرانية.
ولاقت الدعوة التي وجهها المعارضون الإيرانيون مهدي كروبي، وحسين موسوي، إقبالاً كبيراً على موقع التواصل الاجتماعي الشهير الفيس بوك، حيث اجتذبت أكثر من 12 ألف ناشط على الانترنت خلال يومين فقط من إرسال الدعوة.
وقال أحد الشباب من أنصار المعارضة، "الجميع كان يتساءل كيف يمكن أن يتخذ هؤلاء العرب موقفاً حازماً ضد السلطات القمعية في بلاده".
وتساءل "لماذا يمكن ذلك في تونس ومصر، وإيران لا؟"، مضيفاً أن "الفوز في ليلة 14 فبراير يتمثل في الصمود والإقامة في الشارع في هذا اليوم وهو ما يعني السيطرة على الشارع الإيراني".
وتابع "ولكن إذا كانت مجرد دعوة للصياح بكلمة "الله أكبر" والعودة إلى ديارنا.. فليس هناك داع من النزول".
وأصدر الرئيس الإيراني السابق الإصلاحي هاشمي رافسنجاني، في وقت سابق، بياناً علق فيه على الاحتجاجات الشعبية في مصر وتونس، قائلا فيه "أن الانتفاضات الشعبية لن تقتصر ابدأ على هذين البلدين (مصر وتونس).وأضاف رافسنجاني في بيانه "أن الصحوة العربية نحو الديمقراطية بدت وكأنها تستهدف جميع المتشددين"، واصفا الاحتجاجات الشعبية في مصر وتونس بأنها كانت "نار تحت رماد". وتابع "إن الأزمات في تونس ومصر تظهر أن السلطة إما إنها لم تسمع أصوات احتجاجات شعوبها أو لا ترغب في الاستماع لهم".
يشار إلى أن المعارضة الإيرانية قد قامت بمظاهرات كبيرة في عدة مدن في البلاد في أعقاب إعادة انتخاب نجاد لولاية رئاسية جديدة في عام 2009، متهمة النظام بالتزوير.وقمعت السلطات الإيرانية المحتجين، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وأجريت محاكمات علنية لرموز المعارضة بتهمة "العمالة لقوى أجنبية".