شمس الدين الكيلاني
لم يكن بمقدور المثقف السوري أن يتنبأ بمدى التبدل الذي سيصيب الجغرافية السياسية لبلاد الشام بعد الحرب الكونية الأولى، انجذب هذا المثقف للجمعيات العربية وانشد إلى ثورة الشريف حسين، كان يأمل على الأقل بدولة تضم بلاد الشام، أو بلاد آسيا العربية تحت راية الهاشميين. منذ تأسيس الكيانات: عندما ألَّف فيصل حكومته الأولى، ضمت في صفوفها رياض الصلح اللبناني وزيراً للداخلية، إلى جانب ذلك أجمعت أحزاب العهد الفيصلي في سورية على رفع شعار وحدة "سورية الطبيعية"، وحافظت حتى نهاية الثلاثينيات على هذا الهدف، دون إغفالها الهدف الأبعد: الوحدة العربية. ينطبق الأمر نفسه على الكتلة الوطنية، التي تأسست بعد الثورة السورية الكبرى، وانضم إليها الكثير من شخصيات حزب الشعب والاستقلال، والوطني السوري. عقدت شخصياتها مؤتمراً لها في بيروت في 27 تشرين الأول 1927م، برئاسة هاشم الأتاسي، حضره من الجانب اللبناني كلاً من عبد الحميد كرامي، وعبد الله اليافي، وعبد الرحمن بيهم، ومظهر أرسلان قرر فيه المؤتمرون خوض الانتخابات المزمع إجراؤها لانتخاب جمعية تأسيسية باسم الكتلة الوطنية في تموز عام 1928م، وعند فوزها بأكثرية مقاعد الجمعية التأسيسية صاغت دستوراً نص على وحدة البلاد السورية، فحذف منه الفرنسيون ست مواد بداعي تعارضها مع أوضاع قامت في لبنان وفلسطين وشرقي الأردن. لكن نتيجة لما أفرزه الانتداب من وقائع، وانخراط النخب السياسية المدنية ممثلة بـ"حزب الكتلة الوطنية" في عمليات التفاوض للوصول إلى معاهدة تعاقدية، انصرفت النخب النافذة في سورية للبحث عن أقصر السبيل لنيل الاستقلال، مع اقترانه بشعار الوحدة العربية، دون المرور بوحدة سورية الطبيعية، أو بالوحدة بلبنان. أما المثقف القومي الراديكالي، أو المثقف الإسلامي التقليدي والإصلاحي، فقد حافظ على نظريته إنكاره للحدود القائمة باعتبارها زائلة بزوال الاحتلال، فبرز في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، مثقفون قوميون راديكاليون، أبرزوا قضية الوحدة العربية في مقدمة عملهم. فظهرت (عصبة العمل القومي)، في 1933م، خرجت ببرنامج قومي راديكالي، كان بمثابة التربة التي استقت منها الأحزاب القومية (القوميين العرب، والبعث) بعض توجهاتها، شدَّد برنامج العصبة على تأليف دولة العرب الكبرى دون احترام للتنوعات والخصوصيات القطرية والثقافية والمذهبية. وفي بداية الأربعينيات، على إثر التصدعات التي أصابت (العصبة)، ظهرت النواة المؤسسة لحزب البعث، الذي دمج بين مسألتي الوحدة والاشتراكية، والطريقة الانقلابية للوصول إلى بعث الأمة عبر استعادة وحدتها، ثم ظهرت حركة القوميين العرب في مناخ النكبة بنواتها الفلسطينية - السورية الصلبة، وضعت الوحدة العربية في سلم أولوياتها، وإلى جوار هذا التوجه اختار جماعة (الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي تأسس في 16 تشرين الثاني 1932م) وحدة سورية الطبيعية. فتضاءل في برامج تلك الأحزاب العقائدية الاهتمام الملموس والبرامجي، بمصير العلاقة اللبنانية - السورية، بعد أن وضعوا تلك العلاقة في سياق رابطة أشمل: الوحدة العربية، أو وحدة البلاد الشامية. وبموازاة ذلك، اتجهت النخب النافذة المعبر عنها بالكتلة الوطنية، إلى الإفلات من البحث الشائك عن المصير المشترك: اللبناني السوري، لمصلحة التعاضد بين البلدين للوصول إلى معاهدات منفردة لنيل الاستقلال، واكتفت بالطرح النظري لمسألة الوحدة العربية. الانتقال من التكامل إلى التباعد: عندما دخلت جيوش فرنسا إلى لبنان، كان يربط المشرق العربي نوع من وحدة اقتصادية، تشمل متصرفية جبل لبنان، فأبقت السلطات الفرنسية الوضع الاقتصادي على ما كان عليه، وكرَّست التعامل بالليرة السورية في البلدين، وأبقت دائرة الجمارك واحدة، والتشريع الجمركي والاقتصادي واحد. لكن ما أبقاه الانتداب من وحدة اقتصادية بين البلدين، فرقته نخب الطبقة الوسطى الليبرالية، منذ إمساكها مقاليد الأمور بعد الاستقلال، فعندما التقى ممثلو الحكومتين: الجانب السوري (سعد الله الجابري وجميل مروم)، واللبناني (رياض الصلح)، في عام 1943م، قرَّروا فصل سائر المصالح التي كانت موحدة تحت الإدارة الفرنسية، وعقدوا بدلاً من ذلك الوحدة الجمركية، ثم تولى خالد العظم إلغاء هذه الوحدة الجمركية، في آذار 1951م. بموازاة هذا الانتقال إلى التباعد الاقتصادي، جرى انتقال مماثل على الصعيد السياسي، فقد تماثلت مدوناتهما التاريخية السياسية، فمن ثورة العشرينيات إلى معاهدة 36، إلى العهد الوطني 1943م، إلى الجلاء عام 1946م، ثم مع بداية العهد الوطني، انجذبت النخب الليبرالية السورية نحو المجال العربي دون المرور بالعلاقة اللبنانية. تجلى ذلك في برامج الأحزاب التي نشأت عن تفكك الكتلة الوطنية، اتجهت النخب السورية في أغلبها باتجاه المحيط العربي الأكبر، ونظرت إلى العلاقة مع لبنان على أنها مجرد جزء من العمل الوحدوي العربي الشامل. من تماثل الحياة السياسية إلى انقطاعها 1949م ـ 1954م: رغم اختلاف قواعد التوازنات الاجتماعية الكبرى في كلا البلدين، فإن مدونة حياتهما السياسية ظلَّت متماثلة: حريات عامة، سياسية وثقافية وصحافية في عالم برلماني مفتوح على الحوار والتنوع، وبقيت الصلات بين نخب البلدين، حاكمة ومحكومة منفتحة، فرياض الصلح وبشارة الخوري كانا يجددان دائماً ما يماثلهما، في دمشق وحلب، في المنبت والثقافة والميول مثل القوتلي والكيخيا مروراً بخالد العظم، وفارس الخوري .ما لبث الوضع أن انقلب برمته مع الإطلالة الأولى لحكم العسكر في ما بين 1949م ـ 1954م ، عندها حدث نوع من الانقطاع بين الحياة السياسية لكلا البلدين، دخلت سوريا حينها في حقبة حكم الثكنة للمدينة. ولكن في هذا العهد بدأت تزهو صورة لبنان وبيروت في نظر النخب السورية، ولا سيما المعارضة منها، إذ بدأ يُنظر إلى بيروت على أنها الملجأ من اضطهاد العسكر، وتزايدت قيمة الحرية البيروتية في كل انقلاب، والتجأ إلى بيروت وجوه كثيرة من المعارضة السورية عندما كان للديموقراطية قيمتها الكبرى في أذهان أغلب النخب السورية، قبل أن ينزلها الزمن التقدمي إلى أسفل سافلين! كل الدروب تمر بالقاهرة: تخلصت سوريا من حكمها العسكري عام 1954م، واستعادت حياتها الديموقراطية، في مناخ عربي جديد، افتتحته حركة 23 يوليو بقيادة ناصر، وفي عام 1956م خرج عبد الناصر من اختبار العدوان الثلاثي زعيماً بدون منازع للعرب، تحولت بعدها القاهرة إلى مركزٍ للعمل الوحدوي والقومي. فتجاذبت النخب السورية ما بين 1954 ـ 1958م خيارات عدة للوحدة العربية لم تمر أي منها في بيروت، كان هناك الخيار العراقي: حزب الشعب، وخيار الهلال الخصيب (مع الأردن)، إلى أن استقر الخيار الحاسم على مصر الناصرية، التي خاضت مع سوريا جنباً إلى جنب المعركة ضد الأحلاف، وفي غمار هذه المعمعة تقارب هذان المركزان، وإنقادا إلى وحدة1958. لقد استقطبت زعامة عبد الناصر أغلبية الشعب السوري، بما فيها قواعد أحزاب: الشعب والوطني والبعث، والإخوان والشيوعيين. وساندت هذا الخيار الكتل المختلفة في الجيش التي أثخنتها الانقلابات، والكتلة الشعبية الأساسية، وانحنى للعاصفة الشعبية قادة الأحزاب المختلفة، أما العلاقة مع لبنان فلم تعد سوى تفصيل ضئيل أمام الطريق إلى الوحدة العربية، وبالمقابل غلبت على القوى الوحدوية اللبنانية، والكتلة الإسلامية نزعة الولاء للقاهرة، وليس دمشق، وظل هذا الحال حتى وفاة عبد الناصر وتحول السادات. راقبت النخب القومية في سوريا تداعيات أحداث الوحدة، فشهدت حوادث 1958 في لبنان بتشجيع من السراج، غير أنها عقب دروس هذه الحوادث المؤلمة، أخذت موقفاً إيجابياً من الرئيس شهاب، ولم تعد تتوقع أن يكون لبنان رافداً إضافياً للوحدة، بل اتجهت أنظارها نحو العراق، بعد أن اندلعت حركة 14 تموز في العراق، إلا أن العراق أخذ وجهة أخرى تحت قيادة قاسم. وحدها النخب البرجوازية الليبرالية بعد أن تضررت من تأميمات 1961م، وجدت في لبنان متنفساً لها أمام ضيق سبل التعبير لديها، وحرية الاستثمار، أما الكتلة الشعبية الأساسية، فكان ولاؤها لعبد الناصر وللوحدة حاسماً، هانت دونها مسألة الحريات العامة، وهو ما يؤشر إلى بداية تضاؤل قيمة الديموقراطية في عيون النخب القومية السورية. وهنا ظهر بعض التباين في موقف البرجوازية اللبنانية الإسلامية عن زميلتها السورية من عبد الناصر، وزاد شعور النخب السورية بكل تلويناتها بتوطد الدولة اللبنانيةوالاعتراف العملي باستقلالها. أما في في فترة الانفصال 1961 -1963 فقد عادت النخب الليبرالية السورية، المألوفة لدى النخب الحاكمة في لبنان، إلى الحكم، وعادت الحياة البرلمانية والحريات العامة، في مناخ سياسي مضطرب متقلب مُهدَّداً من العسكر، ومن الحركة الناصرية الوازنة، أما العلاقة بلبنان فلم تكن (موضوعاً) للنقاش والاختلاف، في ظل هيمنة الجدل الصاخب حول العلاقة مع مصر عبد الناصر! صعود نخب جديدة مع انقطاع لغة التخاطب1963م ـ 1971م: تدهور حال النخب الليبرالية السورية، التي عرفتها النخبة اللبنانية واعتادت التعامل معها، وطال هذا التدهور للنخب قادة الحزب الوطني، وحزب الشعب، وإلى جوارهم الشيوعيون، لتأييدهم الانفصال، لم يسلم منه أبرز قادة البعث أكرم حوراني، وصلاح البيطار، وهذا ما أحدث فراغاً هائلاً في الزعامة، فبدأت دورة تجديد النخب فاجترح الشارع قيادات جديدة للتعبير عن توجهاته الناصرية الوحدوية، وتقدَّم الجيش في 8 آذار 1963م، للمشاركة في ملء ذلك الفراغ، وليعلن ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، وتاريخ علاقات نخبها الجديدة بملامحها الراديكالية المتجهمة بلبنان. سيطرت (الثقافة التقدمية) لتلك النخب بوجوهها المتصلبة، وجملها القاطعة ويقينها الثابت بطلائعيتها للأمة! ونظرت النخب المضطهدة إلى ديموقراطية بيروت كملجأ، في وقت ضاق الحاكمون بها ذرعاً، أما النخب البرجوازية الليبرالية فباتت ترى في بيروت حلمها الذي ضاع، أو ضيعته في دمشق، فأقامت فيها روحاً وأحياناً جسداً. وبقي البعث الممسك بالسلطة حذراً من المناخ الحر للجار اللبناني اللدود، لا يجد اللغة المشتركة التي يمكن أن يتحدث بها مع نخبه الحاكمة، فهي ليست عنده سوى برجوازية ليبرالية مرتبطة بالإمبريالية، وتميل في ظل هيمنة القاهرة على النظام العربي، إلى إعطاء الأرجحية لعبد الناصر، وهو المنافس الأخطر له، كما وجد الأبواب موصدة أمام علاقاته مع ما سُمِّي القوى الوطنية والإسلامية التي رأت في القاهرة المرجع للعروبة، من هنا ذهب الفرقاء اللبنانيون إلى عبد الناصر لتوقيع اتفاقية القاهرة وليس إلى دمشق. إلا أن خبرة الأيام علمت المثقف السوري، في صوره المختلفة، قيمة المتنفس الثقافي اللبناني الحر، حينما افتقد في بلده حرية التعبير، وضاقت أمامه مساحة النشر، التي تقلصت في بلده من عشرات الصحف والمجلات في أيام العز، إلى صحيفتين لهما صوت واحد، فسمع العرب عبر النافذة البيروتية صوت: الياس مرقص، وياسين الحافظ، وطرابيشي، ومطاع صفدي، وبرهان غليون، وغيرهم. التدخُّل في (الساحة اللبنانية): استلم الأسد السلطة عام1970، في ظروف مواتية، أزاح القيادة اليسراوية، فاستطاع جذب بعض (القوى التقدمية) إلى (الجبهة الوطنية التقدمية) تحت سقف قيادته، وخاض بالتنسيق مع القاهرة حرب تشرين 1973م، ووثّق علاقاته مع الاتحاد السوفياتي على قاعدة قبوله التسوية، ثم أتيح له ملء الفراغ الإقليمي، إثر غياب دور مصر في زمن السادات، وانشغال العراق في الحرب مع إيران، فتعاظمت علاقة السلطة السورية بالقوى اللبنانية والفلسطينية في (الساحة اللبنانية)، إلى أن احتلت موقع مصر الناصرية في لبنان. أما النخب السياسية القومية واليسارية السورية، فكانت تنظر إلى لبنان على ضوء ما يوفره من مناخ مساعد لنهوض العمل الفدائي ضد العدو الصهيوني. لهذا فقد استقبلت هذه النخب والأغلبية الشعبية بالسلبية والمرارة، دخول الجيش السوري إلى لبنان، عندما بدا لها أن هذا التدخل يساند (للجبهة اللبنانية)، لضرب المقاومة الفلسطينية، ولـ(لحركة الوطنية اللبنانية). فكان لهذا الحدث وقعه الكبير على السوريين انتهت به مرحلة التوافق الوطني النسبي الممتدة منذ عام 1970م، انقسمت بدلالاته البلاد، وقفت السلطة وحلفاؤها في (الجبهة الوطنية التقدمية)، في طرف والأكثرية الشعبية في موقع مغاير. وقد عبر المثقفون السوريون آنئذ في بيان لهم عن احتجاجهم على هذا التدخل، كما أصدر الحزب الشيوعي - المكتب السياسي، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي (د. جمال الأتاسي) موقفاً معارضا لهذا التدخل، لأنه لا يخدم القضية العربية، ولا النضال الفلسطيني، ولن يعزز وحدة اللبنانيين. أما عن تأثير ذلك على النظام الديموقراطي واستقلال لبنان، فلم يكونا سوى فرع صغير من اهتمام هذه النخبة. وحده ياسين الحافظ ومعه قلة من المثقفين السوريين، أدرك مسؤولية ما يسميه الانقسامات الاجتماعية العمودية في إثارة الحرب الأهلية اللبنانية، وأدرك حجم الخسارة التي تصيب الحياة العربية، إن فقدت نافذة الحرية في بيروت، وعبر عن شعوره هذا بقوله: "أحسست وأنا ذو الهوى القومي العربي، أنه ليس وطني فقط الذي يحترق، بل بيتي أيضاً، وأن كثيرة هي الأسباب الأصلية والمباشرة التي دفعت إلى إحراق لبنان، لكن يُخيل إلي أنه لقي هذا المصير لأنه نافذة للديموقراطية، مهما بدت مثلومة، جعلت من لبنان مختبراً فكرياً للوطن العربي، ومن بيروت عاصمته الثقافية والسياسية، وكانت تستهدفه بلا شك". أما الليبراليون السوريون الذين كاد ذكرهم أن ينطفئ، فلم يروا في ما يجري في لبنان، إلا تكراراً أكثر مأساوية، لما جرى في بلدهم سابقاً من عسكرة الحياة السياسية، وانطفاء السياسة كمشاركة حرة في الشأن العام، وفضل بعضهم، مثال خالد العظم، أن يدفن في لبنان، اعترافاً بالجميل للبلد الذي رقد فيه حتى نهاية العمر، في زمن خفت فيه صوت الحرية والقيم الديموقراطية. تحولات في النظرة: بقيت المشكلات التي طرحها الوجود السوري في لبنان في مرمى نظر النخب السياسية السوري، مع حدوث تحولات في مواقفها إثر انحيازها للديموقراطية، فإن الجماعات التي عبرت عن نفسها تحت لافتة (التجمع الوطني الديموقراطي) وضمت ناصريين وماركسيين، أعلنت عن برنامج ديموقراطي عام 1980م، يقوم على اعتماد أسس النظام الديموقراطي البرلماني في بلدهم، وأعربت عن عدم رضاها على طريقة تعاطي السلطات السورية في الشأن اللبناني، حيث رأوا أنها لعبت على التوازنات الاجتماعية والطائفية لتستديم الطلب على بقائها من جهة، واعتمدت على الحلول الأمنية، فزادت من تمزق الاجتماع اللبناني، وأضعفت الحياة الديموقراطية فيه. وخلصت إلى قراءة جديدة للحرب اللبنانية، اعتبرت أن أهدافها الرئيسية ضرب نظامها الديموقراطي، الذي "كان أفضل حالاً من كل الإمبراطوريات العربية، وكان عليه بسبب ذلك أن يدفع الثمن غالياً، فالشكل اللبناني للديموقراطية أخاف الحكام العرب من أن تمتد جرثومته إلى أقطارهم وشعوبهم، وكان هذا أحد الأسباب التي دعتهم إلى أن يسوقوه ويسوقوا معه المقاومة الفلسطينية إلى محنة تدمير الذات". على الرغم مما واجه الحياة السياسية السورية حالة من الانطفاء، في ظل محنة الثمانينبات، فإن النخب السياسية السورية لم تكف عن التعبير عن وجهة نظرها تجاه ما يجري في لبنان، فعبرت عن ارتياحها لعودة دورة الحياة الطبيعية بعد مؤتمر الطائف، على طريق استرجاع لبنان عافيته وحياته الديموقراطية، والتعايش عبر إحياء مؤسساته السياسية الشرعية، رغم ما يشوب كل ذلك من نواقص، ولا سيما في ما يخص الحضور السوري الكثيف في الشأن اللبناني. ولم تعد تشكك هذه القوى لا في خطابها السياسي، ولا في شعورها في شرعية الكيان اللبناني، بينما امتلأ خطاب السلطة بالإشارات المتناقضة حول شرعية هذا الكيان. مع العهد الجديد: تجدد اهتمام النخب السورية المعارضة بالشأن اللبناني مع الانتعاش النسبي للحياة السياسية والثقافية السورية آنئذ في بداية العهد الجديد، يوجُّهها إدراك متزايد بتعاظم ترابط المسألة الديموقراطية في كلا البلدين. لكن آمال السوريين في الإصلاح الداخلي، وفي تصحيح العلاقة مع لبنان على قاعدة الاستقلال والاحترام المتبادلين، ما لبثت أن تبددت، مع استعادة هيمنة دورة الدولة الأمنية الأوامرية آلية عملها. في الداخل وفي العلاقة بلبنان، وبلغ هذا المنطق ذروة انفضاحه، بمناسبة التمديد للرئيس لحود. لهذا لم تتفاجأ المعارضة السورية بتعالي أصوات اللبنانيين المطالبة بالحرية وبخروج القوات السورية، على إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، ولقد راقبت النخب السورية المعارضة بالإعجاب خروج اللبنانيين من رماد الألم بثورتهم المخملية نحو الحلم بالحرية، فكان لصرخة الحرية في بيروت صداها الطيب لديهم. وإذا كان المثقفون السوريون المعارضون لم يستطيعوا تغيير أداء السلطة تجاه لبنان، فإنهم نأوا بأنفسهم عنها، وأصدروا بياناً أعربوا فيه عن تأييدهم لمطالب اللبنانيين، ودعوا السلطة إلى سحب قواتها من لبنان، كما أصدرت المعارضة ممثلة بـ(التجمع الوطني الديموقراطي) بياناً إلى الشعب في 15 شباط. جاء فيه " إن تلك الجرائم ما كان لها أن تنجح لو أن العلاقات اللبنانية -السورية صحيحة، وصحِّية، مبنية على أساس الاحترام المتبادل والعلاقة المتكافئة, دون تدخل في الشؤون الداخلية، ثم دعا "إلى الاستجابة لإرادة الشعب اللبناني". بينما شجَّع أنصار السلطة على نشر نزعة شوفينية سورية في وجه اللبنانيين ناكري الجميل! وقد أطلق (التجمع الوطني) والعشرات من القوى والشخصيات في اكتوبر 2005 (إعلان دمشق)، دعوا فيه بشأن لبنان إلى "تصحيح العلاقة مع لبنان، لتقوم على أسس الحرية والاستقلال والسيادة والمصالح المشتركة بين الشعبين والدولتين". ولعل هذا التوجه شكَّل قاسماً مشتركاً للنخب السورية المعارضة، وقد عبَّر عن هذا التوجه المثقفون السوريون الذين وقعوا مع مثقفين لبنانيين على إعلان بيروت - دمشق لتصحيح العلاقة السورية اللبنانية، فكان جزاؤهم المعتقل! وقد أطلق الحراك الشعبي الراهن العديد من الشعارات التي تدعو لخلاص الشعبين، اللبناني والسوري من هيمنة النهج التسلطي الأوامري للسطة السورية.
السبت، 20 أغسطس 2011
مجتمع أهلي/ مدني!
ميشيل كيلو
الأصل في المجتمع المدني أنه مجتمع يعطي الأولوية في منظوراته ونظمه ومصالحه للفرد
باعتباره مواطنا حرا في الدولة، يرى الجماعات من خلاله وبدلالته باعتبارها جماعات تتكون من مواطنين أحرارا ينظم القانون علاقاتها معهم، سواء انضووا في هيئات وأحزاب ومؤسسات أم لم يفعلوا. والأصل في المجتمع الأهلي أنه مجتمع يعطي الأولوية للجماعة ويرى الفرد من خلالها، باعتباره منتميا ثانويا أو تابعا إليها، ينضوي فيها ويلتزم بقيمها ومصالحها، فلا تعريف له إلا بواسطتها، ولا دور له إلا بدلالتها أو من خلالها، مع أن هذا المجتمع غالبا ما يكون تقليديا ومغلقا، بصورة كلية أو جزئية . وفي حين يحمل المجتمع المدني القيم التي تتصل بحرية المواطن كفرد ويقوم عليها، ومنها قبل كل شيء المواطنة والفردية والحرية الشخصية والعامة والاستنارة والانفتاح والحزبية المرتبطة بالفردية كنزعة والمصالح العامة المعرفة من خلال مصالح المواطنين الأفراد ... الخ، يرتبط المجتمع الأهلي بقيم تبدو معاكسة لها : من أولوية الجماعات، التي تعتبر الدولة أعلى أشكالها وتنظيماتها، إلى تغليب قيم التضامن والوحدة والتماسك والتقليد والهوية والخصوصية، وترجيح الطابع العضوي لأبنية وأدوار المؤسسات السياسية، بما في ذلك مؤسسة الدولة، التي لا تكون مهمتها الرئيسة عندئذ تنمية الحرية، كما هو حالها في المجتمع المدني، بل تنمية كل ما هو جمعي مثل ذلك الضرب من "النزعة الوطنية "، الذي يربط الوطن بالسلطة أو ببعض الجماعات الاجتماعية، ويعلي ما يسميه "المصلحة العامة"، بما هي مصلحة سلطوية أساسيا، على مصالح المواطنين الفردية. والدولة هنا كيان يحتوي المجتمع، وهي تعبيره السياسي الذي يخرجه من المجال العام، بينما هي في المجتمع المدني هذا المجتمع نفسه، الذي له حاملا مشتركا معها هو المواطن الحر، الذي يجب أن يتيحا له التجسد الحر والتعاقدي داخلهما. ومع أن المجتمع المدني يعتبر مرحلة في التطور تالية للمجتمع الأهلي، السابق في وجود الدول لسيادة المواطنة والحرية الفردية، فإن هذان كثيرا ما يوجدان معا، خاصة في البلدان التي تنتقل من حالة التقليد إلى حالة الحداثة، ومن الجماعية كإطار للهوية السياسية إلى الفردية التي تعبر عن المواطنة. ولعله من المفارق أن تكون نظم الاستبداد، التي تؤله الدولة كسلطة، هي التي دفعت بالمجتمع الأهلي إلى حركتين متعاكستين هما : التقوقع على الذات اتقاء لخطر اختراقه والتلاعب بأقداره بواسطة أجهزتها، التي تمارس سياسات تفتيتية / تحكمية حياله من جهة، والبقاء خارج منظومتها، كي لا تنجح في كسر آليات حمايته الذاتية التقليدية وتجلبه إلى حيث يصير خادما لها من جهة أخرى، يعيد إنتاج نفسه انطلاقا من رؤاها ومصالحها وبدلالتها، فيفقد خصوصيته وتماسكه، ويتفكك أو يتعطل ويضيع ضوابط وحدته وأدوات تسييره. في الحالة الثانية، يتبنى المجتمع الأهلي قيم المجتمع التقليدي، وفي مقدمها قيمة الحرية بما هي أداة فاعلة لمقاومة السلطة، ووسيلة عملية وحيدة للمحافظة على الذات. وإذن، فإن الاستبداد هو الذي يخير المجتمع الأهلي بين أن يصير مجتمع سلطة بلا هوية وتماسك، وبين تبني أفكار وقيم تنتمي إلى المرحلة التالية من تطوره، هي أفكار وقيم المجتمع المدني، التي تمكنه من الدفاع عن نفسه في الحاضر، وحمل بذور مستقبله في أحشائه وتسريع تحوله وانتقاله الروحي إليه، مع أن هذه العملية المعقدة والمؤلمة كثيرا ما تعرضه لمخاطر التصدع، وتحمل مخاطر على كيانه ذاته وعلى المنتمين إليه. ولعل تبني أفكار وقيم المجتمع المدني كان من المفاجآت السارة التي أعدها لنا المجتمع الأهلي وهو يبدأ تمرده التاريخي، ويستخدمها في صراعه من أجل حرية تتخطى تكويناته الجزئية إلى المجتمع بكامله، الذي يحدث وعيه قبل أن تتحدث بناه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتبنى مواقف تقيّد طابعه كمجتمع أهلي، تقليدي، ركودي الطابع عموما، وتفقده هويته كمجتمع أهلي أو تقليدي صرف، وتدخله في حالة انتقالية تحركها وتعمقها قيمة الحرية كرابط جديد ومتزايد الأهمية والفاعلية بين أفراده، الذي يرون أنفسهم أكثر فأكثر بدلالتها، ويعملون بالتالي على ترقيته ونقله إلى حال مدنية أو شبه مدنية، يفسر توطنها فيه مطالبة قوى كثيرة تنتمي إليه بدولة مكافئة لها: نسميها اليوم الدولة المدنية / الديموقراطية، التي كثيرا ما أثار استغرابنا - واستهجان بعضنا - أن بنات وأبناء لقرى والبلدان الصغيرة والمتوسطة والمدن الموزعة على أحياء تتعايش فيها جماعات متنوعة هم الذين يطالبون بتحقيقها ويموتون تحت رايتها، ويعلنون أنها الإطار الذي سينظم مستقبلا علاقتهم بالمجال العام، وبمصالحهم وأدوارهم، في إطار المواطنة: المفهوم الجديد الذي يتبنونه ويجعلونه هدفهم ومطلبهم، ويناضلون تحت لوائه. لئن كان المجتمع الأهلي قد حافظ على شيء من تقليديته على صعيد أبنيته وعلاقاته الضيقة، فإنه تحول إلى مجتمع مدني على صعيد خطابه السياسي، الذي انطبع بطابع حديث، ما بعد سلطوي/ ما بعد استبدادي، هو حقل الشأن العام البديل، الذي يفسر وجوده في الوعي الحاجة إلى إقامته في الواقع، من خلال تعاظم الحراك المدني، الذي لطالما كان ضعيفا إلى الأمس القريب في بلداننا، وشرع يلعب دورا حاسما في إعادة إنتاج الواقع انطلاقا من فكرته المستقبلية البديلة، لذلك نراه يحد اليوم ونعتقد أنه سيحد أكثر فأكثر في الزمن الآتي من تأثير أيديولوجيات المجتمع الأهلي التقليدية والغيبية السائدة عليه، ويجعلنا نستبشر بإمكانية انتقاله حقا إلى مجتمع مدني ديموقراطي متطور وحديث، حامله مواطن يريد استعادة حريته ليعيد بمعونتها بناء حلمه: المجتمع البديل ودولته. هذه واحدة من أهم النتائج المباشرة للاستبداد، فهل ستزول بزواله؟ هل يتخلى المجتمع الأهلي عن إيمانه بالحرية، بعد زوال الاستبداد، أو في حال استمر ضمن أشكال معدلة؟ أعتقد أن هناك عوامل متعددة يتوقف عليها جواب هذا السؤال، منها : ما إذا كان إيمانه بالحرية موجها ضد النظام القائم وحده، وليس إيمانا بالحرية كمبدأ يصلح لكل زمان ومكان، ويصعب أو يستحيل التخلي عنه. وما إذا كان سينجح في تحرير نفسه من خلاله، وسيواصل تحويل وعيه إلى واقع مادي، ومكوناته إلى جماعات أفراد/ مواطنين يرى ذاته ومصالحه بدلالتهم وليس العكس، على غرار ما هو حادث اليوم. وما إذا كان نمط التضامن الوطني/ السياسي الجديد، الأفقي والواسع جدا، الذي ينشأ الآن في المجتمع الأهلي بفضل وحدة كفاحه ومطالبه ووعيه للحرية، سيترجم نفسه بنجاح حقيقي من قبل النخب السياسية، القديمة والجديدة، إلى نظام سياسي حديث وضارب، يقنع مواطن المجتمع الأهلي أن المدنية لا تنفي بالضرورة علاقاته وارتباطاته المحلية وحتى الفئوية وخصوصياته وحتى هويته، وإن أعادت تعريفها وشحنتها بمضامين إضافية وجديدة، وأن تمسكه بها وتطويرها مصلحة حقيقية له وللشعب عموما، فلا بد إذن من إعادة بناء حياته بما يتفق معها وينميها ويحميها، لتكون أساس وجوده السياسي والمجتمعي البديل، الذي يلبي حاجته إلى التقدم والقانون والكرامة والمشاركة في تقرير مصيره الشخصي. ثمة اليوم جديد على صعيد الوعي والواقع، السياسة والمجتمع، تجسده فدائية وسلمية ومدنية مواطن المجتمع لأهلي أساسا في وجه سلطات محدثة أمنيا ومسلحة حتى الأنياب وعدوانية، مثلما يجسده التبني العام لقيم وأفكار المجتمع المدني، مع أنه لم يكن إلى الأمس القريب يعلق كبير أهمية على الحرية كقيمة حياتية، وكان يرى حريته في التضامن مع مجتمعه الخاص، الذي فقد قدرته على حمايته من الاستبداد، ووجد نفسه مكرها على القيام بنقلة في وعيه وواقعه، أعادته إلى السياسة كطرف مقابل للسلطة، بعد أن كان الاستبداد قد زوده بكم من لغضب يكفي لخوض أصعب المعارك وأكثرها تطلبا للتضحية، معركة حريته الشخصية كمعركة تمثل جوهر الشأن العام، يخوضها اليوم ويضحي بحياته فيها، رغم عدم وجود قوى سياسية تمسك بيده وتقوده، يدفعه إليها إيمانه بأنها قضيته الشخصية، التي قد لا يملك الكثير مما يستطيع يقوله عنها، لكنه يملكها هي ذاتها في ذاته، بما هي حاجة يتوقف عليه مجمل مصيره. ينتقل المجتمع الأهلي العربي إلى واقع مغاير، بينما ينتقل معه المجتمع العربي الكبير من حال إلى أخرى، وينتقل مواطنه إلى وضع يكون فيه عقله في المجتمع المدني وقدماه في مجتمعه الأهلي، يكتسب بفضله سمات جديدة تؤهله لأن يصير الحامل الحقيقي للحرية، وكان يظن ويقال بالأمس فقط إنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء. هذه مرحلة انتقال أقل ما يقال فيها إن النظام القائم اليوم، الذي صار يستحق لقب النظام القديم، لن ينجح في تخطيها او التغلب عليها، ما دام تحول وعي المجتمع الأهلي إلى وعي مدني يلعب دورا خطيرا في تجفيف منابع قبوله الشعبي، ويحوله إلى عبء يجب التخلص منه، بفضل هذه الظاهرة الجديدة، عندنا وعند غيرنا، التي تجعل المجتمع الأهلي يقاتل في سبيل حرية المواطن الفرد، ودولة المجتمع المدني الديموقراطية، بكل تصميم.
الأصل في المجتمع المدني أنه مجتمع يعطي الأولوية في منظوراته ونظمه ومصالحه للفرد
باعتباره مواطنا حرا في الدولة، يرى الجماعات من خلاله وبدلالته باعتبارها جماعات تتكون من مواطنين أحرارا ينظم القانون علاقاتها معهم، سواء انضووا في هيئات وأحزاب ومؤسسات أم لم يفعلوا. والأصل في المجتمع الأهلي أنه مجتمع يعطي الأولوية للجماعة ويرى الفرد من خلالها، باعتباره منتميا ثانويا أو تابعا إليها، ينضوي فيها ويلتزم بقيمها ومصالحها، فلا تعريف له إلا بواسطتها، ولا دور له إلا بدلالتها أو من خلالها، مع أن هذا المجتمع غالبا ما يكون تقليديا ومغلقا، بصورة كلية أو جزئية . وفي حين يحمل المجتمع المدني القيم التي تتصل بحرية المواطن كفرد ويقوم عليها، ومنها قبل كل شيء المواطنة والفردية والحرية الشخصية والعامة والاستنارة والانفتاح والحزبية المرتبطة بالفردية كنزعة والمصالح العامة المعرفة من خلال مصالح المواطنين الأفراد ... الخ، يرتبط المجتمع الأهلي بقيم تبدو معاكسة لها : من أولوية الجماعات، التي تعتبر الدولة أعلى أشكالها وتنظيماتها، إلى تغليب قيم التضامن والوحدة والتماسك والتقليد والهوية والخصوصية، وترجيح الطابع العضوي لأبنية وأدوار المؤسسات السياسية، بما في ذلك مؤسسة الدولة، التي لا تكون مهمتها الرئيسة عندئذ تنمية الحرية، كما هو حالها في المجتمع المدني، بل تنمية كل ما هو جمعي مثل ذلك الضرب من "النزعة الوطنية "، الذي يربط الوطن بالسلطة أو ببعض الجماعات الاجتماعية، ويعلي ما يسميه "المصلحة العامة"، بما هي مصلحة سلطوية أساسيا، على مصالح المواطنين الفردية. والدولة هنا كيان يحتوي المجتمع، وهي تعبيره السياسي الذي يخرجه من المجال العام، بينما هي في المجتمع المدني هذا المجتمع نفسه، الذي له حاملا مشتركا معها هو المواطن الحر، الذي يجب أن يتيحا له التجسد الحر والتعاقدي داخلهما. ومع أن المجتمع المدني يعتبر مرحلة في التطور تالية للمجتمع الأهلي، السابق في وجود الدول لسيادة المواطنة والحرية الفردية، فإن هذان كثيرا ما يوجدان معا، خاصة في البلدان التي تنتقل من حالة التقليد إلى حالة الحداثة، ومن الجماعية كإطار للهوية السياسية إلى الفردية التي تعبر عن المواطنة. ولعله من المفارق أن تكون نظم الاستبداد، التي تؤله الدولة كسلطة، هي التي دفعت بالمجتمع الأهلي إلى حركتين متعاكستين هما : التقوقع على الذات اتقاء لخطر اختراقه والتلاعب بأقداره بواسطة أجهزتها، التي تمارس سياسات تفتيتية / تحكمية حياله من جهة، والبقاء خارج منظومتها، كي لا تنجح في كسر آليات حمايته الذاتية التقليدية وتجلبه إلى حيث يصير خادما لها من جهة أخرى، يعيد إنتاج نفسه انطلاقا من رؤاها ومصالحها وبدلالتها، فيفقد خصوصيته وتماسكه، ويتفكك أو يتعطل ويضيع ضوابط وحدته وأدوات تسييره. في الحالة الثانية، يتبنى المجتمع الأهلي قيم المجتمع التقليدي، وفي مقدمها قيمة الحرية بما هي أداة فاعلة لمقاومة السلطة، ووسيلة عملية وحيدة للمحافظة على الذات. وإذن، فإن الاستبداد هو الذي يخير المجتمع الأهلي بين أن يصير مجتمع سلطة بلا هوية وتماسك، وبين تبني أفكار وقيم تنتمي إلى المرحلة التالية من تطوره، هي أفكار وقيم المجتمع المدني، التي تمكنه من الدفاع عن نفسه في الحاضر، وحمل بذور مستقبله في أحشائه وتسريع تحوله وانتقاله الروحي إليه، مع أن هذه العملية المعقدة والمؤلمة كثيرا ما تعرضه لمخاطر التصدع، وتحمل مخاطر على كيانه ذاته وعلى المنتمين إليه. ولعل تبني أفكار وقيم المجتمع المدني كان من المفاجآت السارة التي أعدها لنا المجتمع الأهلي وهو يبدأ تمرده التاريخي، ويستخدمها في صراعه من أجل حرية تتخطى تكويناته الجزئية إلى المجتمع بكامله، الذي يحدث وعيه قبل أن تتحدث بناه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتبنى مواقف تقيّد طابعه كمجتمع أهلي، تقليدي، ركودي الطابع عموما، وتفقده هويته كمجتمع أهلي أو تقليدي صرف، وتدخله في حالة انتقالية تحركها وتعمقها قيمة الحرية كرابط جديد ومتزايد الأهمية والفاعلية بين أفراده، الذي يرون أنفسهم أكثر فأكثر بدلالتها، ويعملون بالتالي على ترقيته ونقله إلى حال مدنية أو شبه مدنية، يفسر توطنها فيه مطالبة قوى كثيرة تنتمي إليه بدولة مكافئة لها: نسميها اليوم الدولة المدنية / الديموقراطية، التي كثيرا ما أثار استغرابنا - واستهجان بعضنا - أن بنات وأبناء لقرى والبلدان الصغيرة والمتوسطة والمدن الموزعة على أحياء تتعايش فيها جماعات متنوعة هم الذين يطالبون بتحقيقها ويموتون تحت رايتها، ويعلنون أنها الإطار الذي سينظم مستقبلا علاقتهم بالمجال العام، وبمصالحهم وأدوارهم، في إطار المواطنة: المفهوم الجديد الذي يتبنونه ويجعلونه هدفهم ومطلبهم، ويناضلون تحت لوائه. لئن كان المجتمع الأهلي قد حافظ على شيء من تقليديته على صعيد أبنيته وعلاقاته الضيقة، فإنه تحول إلى مجتمع مدني على صعيد خطابه السياسي، الذي انطبع بطابع حديث، ما بعد سلطوي/ ما بعد استبدادي، هو حقل الشأن العام البديل، الذي يفسر وجوده في الوعي الحاجة إلى إقامته في الواقع، من خلال تعاظم الحراك المدني، الذي لطالما كان ضعيفا إلى الأمس القريب في بلداننا، وشرع يلعب دورا حاسما في إعادة إنتاج الواقع انطلاقا من فكرته المستقبلية البديلة، لذلك نراه يحد اليوم ونعتقد أنه سيحد أكثر فأكثر في الزمن الآتي من تأثير أيديولوجيات المجتمع الأهلي التقليدية والغيبية السائدة عليه، ويجعلنا نستبشر بإمكانية انتقاله حقا إلى مجتمع مدني ديموقراطي متطور وحديث، حامله مواطن يريد استعادة حريته ليعيد بمعونتها بناء حلمه: المجتمع البديل ودولته. هذه واحدة من أهم النتائج المباشرة للاستبداد، فهل ستزول بزواله؟ هل يتخلى المجتمع الأهلي عن إيمانه بالحرية، بعد زوال الاستبداد، أو في حال استمر ضمن أشكال معدلة؟ أعتقد أن هناك عوامل متعددة يتوقف عليها جواب هذا السؤال، منها : ما إذا كان إيمانه بالحرية موجها ضد النظام القائم وحده، وليس إيمانا بالحرية كمبدأ يصلح لكل زمان ومكان، ويصعب أو يستحيل التخلي عنه. وما إذا كان سينجح في تحرير نفسه من خلاله، وسيواصل تحويل وعيه إلى واقع مادي، ومكوناته إلى جماعات أفراد/ مواطنين يرى ذاته ومصالحه بدلالتهم وليس العكس، على غرار ما هو حادث اليوم. وما إذا كان نمط التضامن الوطني/ السياسي الجديد، الأفقي والواسع جدا، الذي ينشأ الآن في المجتمع الأهلي بفضل وحدة كفاحه ومطالبه ووعيه للحرية، سيترجم نفسه بنجاح حقيقي من قبل النخب السياسية، القديمة والجديدة، إلى نظام سياسي حديث وضارب، يقنع مواطن المجتمع الأهلي أن المدنية لا تنفي بالضرورة علاقاته وارتباطاته المحلية وحتى الفئوية وخصوصياته وحتى هويته، وإن أعادت تعريفها وشحنتها بمضامين إضافية وجديدة، وأن تمسكه بها وتطويرها مصلحة حقيقية له وللشعب عموما، فلا بد إذن من إعادة بناء حياته بما يتفق معها وينميها ويحميها، لتكون أساس وجوده السياسي والمجتمعي البديل، الذي يلبي حاجته إلى التقدم والقانون والكرامة والمشاركة في تقرير مصيره الشخصي. ثمة اليوم جديد على صعيد الوعي والواقع، السياسة والمجتمع، تجسده فدائية وسلمية ومدنية مواطن المجتمع لأهلي أساسا في وجه سلطات محدثة أمنيا ومسلحة حتى الأنياب وعدوانية، مثلما يجسده التبني العام لقيم وأفكار المجتمع المدني، مع أنه لم يكن إلى الأمس القريب يعلق كبير أهمية على الحرية كقيمة حياتية، وكان يرى حريته في التضامن مع مجتمعه الخاص، الذي فقد قدرته على حمايته من الاستبداد، ووجد نفسه مكرها على القيام بنقلة في وعيه وواقعه، أعادته إلى السياسة كطرف مقابل للسلطة، بعد أن كان الاستبداد قد زوده بكم من لغضب يكفي لخوض أصعب المعارك وأكثرها تطلبا للتضحية، معركة حريته الشخصية كمعركة تمثل جوهر الشأن العام، يخوضها اليوم ويضحي بحياته فيها، رغم عدم وجود قوى سياسية تمسك بيده وتقوده، يدفعه إليها إيمانه بأنها قضيته الشخصية، التي قد لا يملك الكثير مما يستطيع يقوله عنها، لكنه يملكها هي ذاتها في ذاته، بما هي حاجة يتوقف عليه مجمل مصيره. ينتقل المجتمع الأهلي العربي إلى واقع مغاير، بينما ينتقل معه المجتمع العربي الكبير من حال إلى أخرى، وينتقل مواطنه إلى وضع يكون فيه عقله في المجتمع المدني وقدماه في مجتمعه الأهلي، يكتسب بفضله سمات جديدة تؤهله لأن يصير الحامل الحقيقي للحرية، وكان يظن ويقال بالأمس فقط إنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء. هذه مرحلة انتقال أقل ما يقال فيها إن النظام القائم اليوم، الذي صار يستحق لقب النظام القديم، لن ينجح في تخطيها او التغلب عليها، ما دام تحول وعي المجتمع الأهلي إلى وعي مدني يلعب دورا خطيرا في تجفيف منابع قبوله الشعبي، ويحوله إلى عبء يجب التخلص منه، بفضل هذه الظاهرة الجديدة، عندنا وعند غيرنا، التي تجعل المجتمع الأهلي يقاتل في سبيل حرية المواطن الفرد، ودولة المجتمع المدني الديموقراطية، بكل تصميم.
الخميس، 18 أغسطس 2011
اللبنانيون وأسئلة الثورة السورية
سعود المولى
ينتظر اللبنانيون، بكثير من الخوف والترقب، أية اشارة ولو بسيطة تسمح لهم بفهم مآلات الوضع في سوريا.. وخبرتهم الطويلة وتجاربهم الأليمة هي التي تملي عليهم موقف الترقب وعدم إستعجال إطلاق الأحكام ولا الأحلام والأمنيات. فالأمر يتعلق بسوريا!! وهم ما تعودوا، ولا تجرأوا، ومنذ عقود ، على مجرد الإشارة اليها تصريحاً أو تلميحاً..
فمنذ أكثر من أربعين عاماً (تاريخ وصول آل الأسد إلى السلطة) تحولت سوريا الشقيقة الجارة إلى "طوطم ـ تابو"، عملت الطبقة السياسية، التي حكمت وما تزال تحكم لبنان، على إخراجها من نسيج حياتنا اليومية، أي من نسيج علاقات القربى والرحم والجوار،ومن إطار التاريخ والجغرافيا ، ومن الإستراتيجية والمصالح والمنافع ، لتحيلها "موضوعاً" سياسياً- أمنياً بإمتياز، حيث لا ناقة للمجتمع الأهلي ولا جمل (لا في لبنان ولا في سوريا). ومنذ أكثر من أربعين عاماً غابت سوريا الحقيقية، سوريا الناس البشر، عبق التراث، وحاضر الشرق، قلب العروبة النابض، تظاهرات الشوارع، قوافل التجار، أفراح الأعراس، أنموذج العيش المشترك والتفاعل بين الأديان والمذاهب والتيارات... وحل محلها في أذهان اللبنانيين وعقولهم: سوريا المخابرات والإغتيالات والتعديات، والتدخلات السياسية، وغير السياسية، في تفاصيل الحياة اللبنانية: الخاصة والعامة.. وأصبح الكلام "عن" سوريا و"حول" سوريا "همساً" في صالونات الطبقة السياسية أو "نكتاً" شعبية ساهمت وتساهم في تأجيج نار العنصرية التي لا ينجو منها شعب من الشعوب..فكيف إذا أبتلي، هو وجاره الشقيق ، بالوبال الإقتصادي وبالإنهيار السياسي وبالإنحطاط الأخلاقي للطبقة السياسية-الأمنية-العسكرية الحاكمة ؟
الحديث إذن عن تأثيرات ما يجري في سوريا علينا في لبنان هو حديث خطير لكن يحتمه تصاعد الثورة الشعبية الشجاعة النبيلة، مجبولة بدماء شهدائها الأبطال الشرفاء، وسط تمادي العجز العربي وتخاذل المجتمع العربي عن مجرد النصرة بالقلب واللسان.
أولاً: يكفي أن الثورة السورية المجيدة ، وبغض النظر عن خواتيمها، قد أسقطت الإرهاب الفكري-المعنوي والعسكري-الأمني المتمثل بشعار المقاومة والممانعة الكاذب.. لقد صال "الممانعون" وجالوا في إنتاج خطاب سياسي ـ أمني (هو مشروع سلطوي بامتياز) مفارق للمجتمع، متغلب عليه وقاهر له، يفكك مرجعياته الرمزية والتاريخية، ويضرب ذاكرته الجمعية، ويقهر قواه الحية، ويصادر حقوقه الأساسية: خطاب إحتكرته نخب "قومجية" "إسلاموية" قمعت الفكر والرأي والتعبير وحتى الأحلام... والحق أنها ما كانت غير قوى تبعية واستزلام وإستقواء، خارج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والرؤية الواقعية، نجحت في تأجيج نار الديماغوجية الشعبوية بحيث استطال الوهم واستحال رعباً حقيقياً لم يعدم بعض الحزبيين وسيلة لجعله إرهاباً أرعنا، نشهد يومياً عينات منه في حملات التكفير والتخوين واستباحة دماء المعترضين أكان بالاغتيال الجسدي المباشر أم المعنوي-الإعلامي أو كما يجري مؤخراً في الإعتداءات على المتظاهرين من المثقفين الداعمين لحرية الشعب السوري.
ثانياًً: بينت الثورة السورية المجيدة أن محاربة الامبريالية والصهيونية ومخططاتهما لا تكون في الأرهاب الأعمى والاجرامي الذي يستهدف قتل البشر وتدمير الحجر وإنهاك الناس وتمزيق نسيج المجتمعات واستنزاف خيراتها وتاريخها وتوتير المذهبيات والعصبيات الجاهلية.. وأن لا مقاومة ولا ممانعة في ظل القمع والإرهاب والسجون والمعتقلات والتخوين والتكفير...أي أن لا مقاومة دون ديموقراطية وحرية وعدالة وكرامة ، ودون سلم أهلي راسخ ووحدة وطنية متينة..
نعم: الخارج الاستعماري يتربص بنا، يمنع تقدمنا، يعرقل وحدتنا، يجهض ثوراتنا، يتدخل في شؤوننا.. ولكن المشكلة هي فينا نحن! فهل يعقل أن نقارع الامبريالية والصهيونية عبر قتل الأبرياء وتدمير المدن والقرى وترويع الناس وإرهابها وعبر الظلم والإذلال والإفقار والتهميش والتجويع والتشريد ؟
نعم لا معنى لأية ثورة ولأية مقاومة ولأي نضال إن لم يكن من أجل الإنسان : حياته أولاً ثم كرامته ثم حريته ثم حقوقه في الأمن والأمان وفي الاستقرار والازدهار...
ثالثاً: لقد همشت النخبة الحاكمة في سوريا، وضربت وقهرت المجتمع الأهلي والمجتمع المدني في لبنان وسوريا معاً..وهي أفقدت الإنسان حريته وكرامته وحتى لقمة عيشه ومأواه وصولاً إلى احتقار وجوده وإنسانيته. هذه النخبة الطاغية ، لن تخلي الطريق أمام دواعي الإصلاح والتغيير والحرية والديموقراطية. وبالتالي فإن بقاءها أو ذهابها يهم اللبنانيين كثيراً..
والحال أنه لا تغيير حقيقياً في لبنان دون حصول تغيير حقيقي في سوريا.
فالسلطة السورية كانت وما تزال هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن إنتاج السلطة السياسية الحالية في لبنان؛ وهذه الاخيرة جرى تركيبها ببطء وأناة منذ بداية التدخل السوري في لبنان عام 1973، وعبر محطات دراماتيكية أهمها الحرب الأهلية 75-76، ثم حرب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1983-1988، فالإنقلاب على الطائف 1992، وصولاً إلى اغتيال الرئيس الحريري في 2005 وعدوان تموز 2006 وعملية 7 أيار 2008، والإنقلاب الأخير في كانون الثاني 2011...
وبالتالي فان آليات التغيير الديموقراطي في لبنان كانت وما تزال معطلة أو "مكربجة" بفعل اليد الضابطة السورية-الإيرانية؛ لكون التغيير في لبنان سيطيح برموز الوصاية السورية ومن خلال ذلك بكل المنافع والإمتيازات التي حصلت عليها الطبقة الجديدة الحاكمة في البلدين... من هنا فإن ما يجري في سوريا سيدفع المثقفين والناشطين اللبنانيين والسوريين إلى إعادة التفكير في تلازم المسارين: الاستقلال والسيادة للبنان والحرية والكرامة لسوريا..
رابعاًً: إن عناوين الإصلاح في سوريا تتركز على ضرب الفساد المستشري في السلطة على المستويات الإقتصادية والسياسية والإدارية. وإن نجاح ذلك سيكون له إنعكاسات كبرى على لبنان. ذلك أن ضرب الفساد والمفسدين في السلطة السورية يعني ضرب مصدر الفساد والافساد وهو الطبقة الطفيلية اللبنانية – السورية- الإيرانية ، الأمنية - العسكرية - المالية. وبالتالي فإن المستفيدين من النظام الأمني السوري-الإيراني سيقاتلون بشراسة للدفاع عن امتيازاتهم، ولو عبر الحروب الأهلية...
وفي مواجهة ذلك علينا، كسوريين ولبنانيين، توليد خطاب سياسي - ثقافي - اجتماعي - اقتصادي متصالح مع المجتمع الأهلي، مع ذاكرته ومرجعياته الرمزية أولاً، ومفتوح على آفاق التطور الديموقراطي في لبنان وسوريا ثانياً، وعلى تشكيل نظام إقليمي عربي جديد ثالثاً... وهنا بالذات تكمن مسؤولية اللبنانيين والسوريين في الحوار الجاد الصريح من أجل أنتاج تسوية ذات أبعاد ثلاثة:
1- تسوية داخلية في كل من لبنان وسوريا على قاعدة مصالحة وطنية حقيقية ، وعفو عام حقيقي، وإطلاق سراح كل المعتقلين في سوريا، وإطلاق الحريات الإعلامية والسياسية في البلدين، الأمر الذي يسمح بإنتاج دولة ديموقراطية فاعلة تستند إلى قوى مجتمعها، وتتصالح مع المجتمع أولاً، ما يسمح بالتالي بايجاد تسوية تاريخية للعلاقات اللبنانية - السورية لكي نتقدم ونتطور معاً
2- تسوية تاريخية في العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة الإعتماد المتبادل والتعاون والأخوة والتنسيق، وضمن أطر وهياكل تنظيمية مشتركة واضحة وشفافة، وفي سياق إعادة بناء النظام الإقليمي العربي وجامعة الدول العربية بعد ربيع الثورات العربية..
3- تسوية خارجية حول دور لبنان وسوريا في الوطن العربي وفي العالم تنطلق من الإلتزام بالشرعية الدولية وبالعلاقات الشفافة مع المجتمع الدولي ومؤسساته وتعمل مع الدول الصديقة على صياغة نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلاً وأكثر توازناً.
خامساً: إن وثيقة الطائف هي الإطار المرجعي ـ الفكري الذي يوحّد اللبنانيين في رؤية مشتركة لشؤون حاضرهم ومستقبلهم. وهي قراءة للعلاقات اللبنانية ـ السورية تنطلق من ثابت مركزي مرجعي موحد (عروبة لبنان وروابطه الوثيقة مع سوريا) لا من موقف سياسي مرحلي أو من إعتبار فئوي متقلب. وهذا الأمر يسمح بإرساء العلاقة والحوار مع سوريا على قاعدة متينة، ثابتة ومستمرة، لا تخضع لتقلبات الأهواء أو للأمزجة الشخصية أو للمصالح الحزبية والفئوية والطائفية الضيقة، فلا تتغير تالياً بتغير الأشخاص أو الظروف أو بتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.
لقد حسم إتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لا توجد أدوار سياسية ـ أمنية ـ عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً في المنطقة). وانتهت إلى الأبد تلك المرحلة التي كان يمكن فيها إستخدام لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو معبراً للهجوم والإنقضاض عليها. وتكرس مبدأ الإعتماد المتبادل والتعاون والتنسيق في المجال الخارجي (الموقف حيال المفاوضات والتسوية في المنطقة كمثال) كما تكرست حقائق وجوب حماية الخاصرة السورية وعدم السماح بأي إختراق أمني ـ عسكري لسوريا من لبنان... أي أنه لا يمكن إختراق سوريا من لبنان، ولا تضعف سوريا إلا إقليمياً أي في حال ضعف موقعها ودورها في المعادلة العربية وخصوصاً لجهة علاقتها بمصر والسعودية. أي (وبصريح الكلام) إن عوامل الضغط على سوريا ليست موجودة اليوم في لبنان إنما هي في سوريا ذاتها (الوضع الداخلي) وفي الموقف العربي والإسلامي والدولي الذي كان يؤمن لها الغطاء والسقف (كما أمّن للمقاومة اللبنانية غطاءها وسقفها السياسي وحماها وساعد في إنتصارها). وبالتالي فإن المرحلة المقبلة (مهما كانت نتائج الثورة المجيدة) لا بد وأن تشهد إعادة تموضع سورية عربياً ودولياً على أساس تضامن عربي مبني على الصراحة والوضوح والشفافية والتعاون المشترك على الخير والسلم..وهذا بالطبع سيكون له أفضل الإنعكاسات على استقرار لبنان وازدهاره..
ينتظر اللبنانيون، بكثير من الخوف والترقب، أية اشارة ولو بسيطة تسمح لهم بفهم مآلات الوضع في سوريا.. وخبرتهم الطويلة وتجاربهم الأليمة هي التي تملي عليهم موقف الترقب وعدم إستعجال إطلاق الأحكام ولا الأحلام والأمنيات. فالأمر يتعلق بسوريا!! وهم ما تعودوا، ولا تجرأوا، ومنذ عقود ، على مجرد الإشارة اليها تصريحاً أو تلميحاً..
فمنذ أكثر من أربعين عاماً (تاريخ وصول آل الأسد إلى السلطة) تحولت سوريا الشقيقة الجارة إلى "طوطم ـ تابو"، عملت الطبقة السياسية، التي حكمت وما تزال تحكم لبنان، على إخراجها من نسيج حياتنا اليومية، أي من نسيج علاقات القربى والرحم والجوار،ومن إطار التاريخ والجغرافيا ، ومن الإستراتيجية والمصالح والمنافع ، لتحيلها "موضوعاً" سياسياً- أمنياً بإمتياز، حيث لا ناقة للمجتمع الأهلي ولا جمل (لا في لبنان ولا في سوريا). ومنذ أكثر من أربعين عاماً غابت سوريا الحقيقية، سوريا الناس البشر، عبق التراث، وحاضر الشرق، قلب العروبة النابض، تظاهرات الشوارع، قوافل التجار، أفراح الأعراس، أنموذج العيش المشترك والتفاعل بين الأديان والمذاهب والتيارات... وحل محلها في أذهان اللبنانيين وعقولهم: سوريا المخابرات والإغتيالات والتعديات، والتدخلات السياسية، وغير السياسية، في تفاصيل الحياة اللبنانية: الخاصة والعامة.. وأصبح الكلام "عن" سوريا و"حول" سوريا "همساً" في صالونات الطبقة السياسية أو "نكتاً" شعبية ساهمت وتساهم في تأجيج نار العنصرية التي لا ينجو منها شعب من الشعوب..فكيف إذا أبتلي، هو وجاره الشقيق ، بالوبال الإقتصادي وبالإنهيار السياسي وبالإنحطاط الأخلاقي للطبقة السياسية-الأمنية-العسكرية الحاكمة ؟
الحديث إذن عن تأثيرات ما يجري في سوريا علينا في لبنان هو حديث خطير لكن يحتمه تصاعد الثورة الشعبية الشجاعة النبيلة، مجبولة بدماء شهدائها الأبطال الشرفاء، وسط تمادي العجز العربي وتخاذل المجتمع العربي عن مجرد النصرة بالقلب واللسان.
أولاً: يكفي أن الثورة السورية المجيدة ، وبغض النظر عن خواتيمها، قد أسقطت الإرهاب الفكري-المعنوي والعسكري-الأمني المتمثل بشعار المقاومة والممانعة الكاذب.. لقد صال "الممانعون" وجالوا في إنتاج خطاب سياسي ـ أمني (هو مشروع سلطوي بامتياز) مفارق للمجتمع، متغلب عليه وقاهر له، يفكك مرجعياته الرمزية والتاريخية، ويضرب ذاكرته الجمعية، ويقهر قواه الحية، ويصادر حقوقه الأساسية: خطاب إحتكرته نخب "قومجية" "إسلاموية" قمعت الفكر والرأي والتعبير وحتى الأحلام... والحق أنها ما كانت غير قوى تبعية واستزلام وإستقواء، خارج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والرؤية الواقعية، نجحت في تأجيج نار الديماغوجية الشعبوية بحيث استطال الوهم واستحال رعباً حقيقياً لم يعدم بعض الحزبيين وسيلة لجعله إرهاباً أرعنا، نشهد يومياً عينات منه في حملات التكفير والتخوين واستباحة دماء المعترضين أكان بالاغتيال الجسدي المباشر أم المعنوي-الإعلامي أو كما يجري مؤخراً في الإعتداءات على المتظاهرين من المثقفين الداعمين لحرية الشعب السوري.
ثانياًً: بينت الثورة السورية المجيدة أن محاربة الامبريالية والصهيونية ومخططاتهما لا تكون في الأرهاب الأعمى والاجرامي الذي يستهدف قتل البشر وتدمير الحجر وإنهاك الناس وتمزيق نسيج المجتمعات واستنزاف خيراتها وتاريخها وتوتير المذهبيات والعصبيات الجاهلية.. وأن لا مقاومة ولا ممانعة في ظل القمع والإرهاب والسجون والمعتقلات والتخوين والتكفير...أي أن لا مقاومة دون ديموقراطية وحرية وعدالة وكرامة ، ودون سلم أهلي راسخ ووحدة وطنية متينة..
نعم: الخارج الاستعماري يتربص بنا، يمنع تقدمنا، يعرقل وحدتنا، يجهض ثوراتنا، يتدخل في شؤوننا.. ولكن المشكلة هي فينا نحن! فهل يعقل أن نقارع الامبريالية والصهيونية عبر قتل الأبرياء وتدمير المدن والقرى وترويع الناس وإرهابها وعبر الظلم والإذلال والإفقار والتهميش والتجويع والتشريد ؟
نعم لا معنى لأية ثورة ولأية مقاومة ولأي نضال إن لم يكن من أجل الإنسان : حياته أولاً ثم كرامته ثم حريته ثم حقوقه في الأمن والأمان وفي الاستقرار والازدهار...
ثالثاً: لقد همشت النخبة الحاكمة في سوريا، وضربت وقهرت المجتمع الأهلي والمجتمع المدني في لبنان وسوريا معاً..وهي أفقدت الإنسان حريته وكرامته وحتى لقمة عيشه ومأواه وصولاً إلى احتقار وجوده وإنسانيته. هذه النخبة الطاغية ، لن تخلي الطريق أمام دواعي الإصلاح والتغيير والحرية والديموقراطية. وبالتالي فإن بقاءها أو ذهابها يهم اللبنانيين كثيراً..
والحال أنه لا تغيير حقيقياً في لبنان دون حصول تغيير حقيقي في سوريا.
فالسلطة السورية كانت وما تزال هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن إنتاج السلطة السياسية الحالية في لبنان؛ وهذه الاخيرة جرى تركيبها ببطء وأناة منذ بداية التدخل السوري في لبنان عام 1973، وعبر محطات دراماتيكية أهمها الحرب الأهلية 75-76، ثم حرب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1983-1988، فالإنقلاب على الطائف 1992، وصولاً إلى اغتيال الرئيس الحريري في 2005 وعدوان تموز 2006 وعملية 7 أيار 2008، والإنقلاب الأخير في كانون الثاني 2011...
وبالتالي فان آليات التغيير الديموقراطي في لبنان كانت وما تزال معطلة أو "مكربجة" بفعل اليد الضابطة السورية-الإيرانية؛ لكون التغيير في لبنان سيطيح برموز الوصاية السورية ومن خلال ذلك بكل المنافع والإمتيازات التي حصلت عليها الطبقة الجديدة الحاكمة في البلدين... من هنا فإن ما يجري في سوريا سيدفع المثقفين والناشطين اللبنانيين والسوريين إلى إعادة التفكير في تلازم المسارين: الاستقلال والسيادة للبنان والحرية والكرامة لسوريا..
رابعاًً: إن عناوين الإصلاح في سوريا تتركز على ضرب الفساد المستشري في السلطة على المستويات الإقتصادية والسياسية والإدارية. وإن نجاح ذلك سيكون له إنعكاسات كبرى على لبنان. ذلك أن ضرب الفساد والمفسدين في السلطة السورية يعني ضرب مصدر الفساد والافساد وهو الطبقة الطفيلية اللبنانية – السورية- الإيرانية ، الأمنية - العسكرية - المالية. وبالتالي فإن المستفيدين من النظام الأمني السوري-الإيراني سيقاتلون بشراسة للدفاع عن امتيازاتهم، ولو عبر الحروب الأهلية...
وفي مواجهة ذلك علينا، كسوريين ولبنانيين، توليد خطاب سياسي - ثقافي - اجتماعي - اقتصادي متصالح مع المجتمع الأهلي، مع ذاكرته ومرجعياته الرمزية أولاً، ومفتوح على آفاق التطور الديموقراطي في لبنان وسوريا ثانياً، وعلى تشكيل نظام إقليمي عربي جديد ثالثاً... وهنا بالذات تكمن مسؤولية اللبنانيين والسوريين في الحوار الجاد الصريح من أجل أنتاج تسوية ذات أبعاد ثلاثة:
1- تسوية داخلية في كل من لبنان وسوريا على قاعدة مصالحة وطنية حقيقية ، وعفو عام حقيقي، وإطلاق سراح كل المعتقلين في سوريا، وإطلاق الحريات الإعلامية والسياسية في البلدين، الأمر الذي يسمح بإنتاج دولة ديموقراطية فاعلة تستند إلى قوى مجتمعها، وتتصالح مع المجتمع أولاً، ما يسمح بالتالي بايجاد تسوية تاريخية للعلاقات اللبنانية - السورية لكي نتقدم ونتطور معاً
2- تسوية تاريخية في العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة الإعتماد المتبادل والتعاون والأخوة والتنسيق، وضمن أطر وهياكل تنظيمية مشتركة واضحة وشفافة، وفي سياق إعادة بناء النظام الإقليمي العربي وجامعة الدول العربية بعد ربيع الثورات العربية..
3- تسوية خارجية حول دور لبنان وسوريا في الوطن العربي وفي العالم تنطلق من الإلتزام بالشرعية الدولية وبالعلاقات الشفافة مع المجتمع الدولي ومؤسساته وتعمل مع الدول الصديقة على صياغة نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلاً وأكثر توازناً.
خامساً: إن وثيقة الطائف هي الإطار المرجعي ـ الفكري الذي يوحّد اللبنانيين في رؤية مشتركة لشؤون حاضرهم ومستقبلهم. وهي قراءة للعلاقات اللبنانية ـ السورية تنطلق من ثابت مركزي مرجعي موحد (عروبة لبنان وروابطه الوثيقة مع سوريا) لا من موقف سياسي مرحلي أو من إعتبار فئوي متقلب. وهذا الأمر يسمح بإرساء العلاقة والحوار مع سوريا على قاعدة متينة، ثابتة ومستمرة، لا تخضع لتقلبات الأهواء أو للأمزجة الشخصية أو للمصالح الحزبية والفئوية والطائفية الضيقة، فلا تتغير تالياً بتغير الأشخاص أو الظروف أو بتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.
لقد حسم إتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لا توجد أدوار سياسية ـ أمنية ـ عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً في المنطقة). وانتهت إلى الأبد تلك المرحلة التي كان يمكن فيها إستخدام لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو معبراً للهجوم والإنقضاض عليها. وتكرس مبدأ الإعتماد المتبادل والتعاون والتنسيق في المجال الخارجي (الموقف حيال المفاوضات والتسوية في المنطقة كمثال) كما تكرست حقائق وجوب حماية الخاصرة السورية وعدم السماح بأي إختراق أمني ـ عسكري لسوريا من لبنان... أي أنه لا يمكن إختراق سوريا من لبنان، ولا تضعف سوريا إلا إقليمياً أي في حال ضعف موقعها ودورها في المعادلة العربية وخصوصاً لجهة علاقتها بمصر والسعودية. أي (وبصريح الكلام) إن عوامل الضغط على سوريا ليست موجودة اليوم في لبنان إنما هي في سوريا ذاتها (الوضع الداخلي) وفي الموقف العربي والإسلامي والدولي الذي كان يؤمن لها الغطاء والسقف (كما أمّن للمقاومة اللبنانية غطاءها وسقفها السياسي وحماها وساعد في إنتصارها). وبالتالي فإن المرحلة المقبلة (مهما كانت نتائج الثورة المجيدة) لا بد وأن تشهد إعادة تموضع سورية عربياً ودولياً على أساس تضامن عربي مبني على الصراحة والوضوح والشفافية والتعاون المشترك على الخير والسلم..وهذا بالطبع سيكون له أفضل الإنعكاسات على استقرار لبنان وازدهاره..
الممانعة والإنكار والحذر
طارق متري
تتكرّر لازمة عدم التدخل في شؤون سوريا الداخلية، كلما دفع عنف النظام السوري لبنانيين من مشارب فكرية وسياسية متنوعة الى اعلان ادانتهم الأخلاقية لممارساته المتمادية. في الظاهر، يؤكد هذا الترداد ما هو بمثابة المؤكد، طالما ان لا خلاف بين اللبنانيين على المسألة. غير انه، في حقيقة الأمر، أقرب الى التورية عند البعض لتأييد النظام السوري، على قلّة الحاجة الى التورية. وهو ذريعة للضيق بأي موقف لبناني متعاطف مع الشعب السوري. والضيق يتحوّل تهجّما على المتضامنين او إرعابا لهم. ونشهد، يوما بعد يوم، دعما لبنانيا رسميا صريحا لحكّام دمشق وضغطا على كل من يقف الى جانب الشعب الشقيق.
ويستوي في الموقف المنحاز الى الحكم السوري "الممانعون" و"الممانعون الجدد" وأهل الحذر واللغة المزدوجة من القوى المؤتلفة في حكومة لبنان. يتبادلون الحجج ويتناوبون، كل على طريقته، في تبرير ذلك الموقف.
ولا يقلق اصحاب الممانعة ان فكرتهم الناظمة للسياسة في لبنان والمنطقة والعالم، لم تعد تفسّر كل ما يجري في غير بلد عربي، و لا سيما في سوريا. ولا يضعون تحت السؤال عمارة نظرية فيها اسقاط للماضي على الحاضر واضفاء الشرعية والصدقية على مصالح ومقاصد ونوازع لا تدور، بقدر ما تدّعي، حول مقارعة اسرائيل. ويمارس الكثيرون منهم سياسة تنشغل بالحفاظ على نظام سمى نفسه ممانعا والانضواء في احلافه والإسهام في تحسين مواقعه عند المساومات ومحاربة "اعداء الداخل". ويولون كل ذلك أهمية تفوق نصرة فلسطين. ولا يقرّون، في أيامنا هذه، ان فكرتهم المذكورة لم تحرّك شعوبا منتفضة لطالما نطقوا باسمها. ويصرّون على اولية المؤامرة، ومعها خطط الخارج، على التحوّلات الداخلية العميقة والمذهلة. ولا يربكهم الاضطرار المتكرّر الى تغيير رواياتهم عن هوية المتآمرين ومآربهم. ولا تحرجهم الوقائع التي تبيّن قوة الانتفاضات الشعبية واستقلالها عن تردّد السياسات التي تنتهجها الدول القريبة والبعيدة وتقلبها وتشوّشها.
فالقول بالممانعة مكتف بذاته. وكثيرا ما يفسّر نفسه بنفسه. ويفترض ان ما يعنيه او يشي به لا يحتمل المناقشة. ويحسب ان صحته أقرب الى البداهة. ويضمر حكما قيميا لا يحتاج الى مسوّغات. ويختصر المسافات و الأزمنة ولا يقيم وزنا لاختلاف السياقات. وهو ممتلئ بذاته ومتعال في كليته وعموميّته عن جزئيات الوقائع والدوافع والذرائع. ويستعجل عدد من اصحاب هذا الكلام تصنيف الناس والإشادة ببعضهم والتنديد بمن عداهم. ولا يفصحون عن معاييرهم في اصدار الأحكام. و لا يفرّقون الا قليلا بين ما يراه الآخرون ويعلنونه وما ينسبونه اليهم او يصمونهم به. ولا يميّزون بقدر كاف بين ممارساتهم الفعلية ونياتهم المفترضة. وعلى هذا النحو يتحوّل الإنصاف، ومعه النزاهة الفكرية ورصانة المعرفة، الى عبء لا يرغبون في تحمّله. فثقله يشوّش ثنائية الرؤيا التي تضع الممانعين في مواجهة المتآمرين.
والقول بالممانعة يعي نفسه بصفته مواجهة للمؤامرة. والمؤامرة عند فئة كبيرة من الذين يفترضون انها سبب البلايا كلّها عملية مستمرة، ذات جوهر ثابت، ولا تحتاج الى ادلة أو براهين. وهي واحدة في الأصل وان اتّخذت اشكالا متعددة. لا تتغيّر بل تتلوّن. والمتآمرون كثر، في الخارج والداخل، وهم يجتمعون على وحدة القصد في النيل من الممانعين. ولا يغيّر في وعي المتصدين للمؤامرة واقع يعصى على نظرياتهم، بل يدحضها غير مرة.
من جهتهم، يحار "الممانعون الجدد" في أمر التحاقهم المتأخر بأهل الممانعة. يصمتون حينا ويغالون في اظهار قناعاتهم المحدثة حينا آخر. يستعيرون كلمات سواهم. تبدو غريبة على ألسنتهم لأنها آتية من خارج ثقافتهم السياسية وتجربتهم. وفي بعض الحالات لا ينفكّون يردّدونها، وان من دون حماسة كبيرة ولا عناد ايديولوجي. فيخال بعضهم او يوحي انه يرى ويسمع أوضح ممّا يراه او يسمعه الآخرون، فيصف على هواه مجريات الأحداث، وأهمها ما يتصل بالقمع الدموي الذي لا رادع له. و يغيب عن انظاره توق الناس الى الحرية ورفضهم للاستبداد وتأكيدهم ان كرامة الوطن لا تصان على حساب كرامة المواطنين. أكثر من ذلك، يستخف كبيرهم بمرجعية حقوق الإنسان الكونية بذريعة ان دولا غربية تكيل بمكيالين. وينزلق آخرون الى التشكيك في حركات الاعتراض والتغيير العربية خوفا من ان تكون تنفيذا لمخطّط عدو يعمل على شرذمة العالم العربي وتفكيكه. وتوقعهم خشية ما يخبئه المستقبل في أسر الأقلوية التي غالبا ما ترى الأقلية، والأقليات مجتمعة او متحالفة، في حالة مواجهة خطرة مع الغالبية.
اما أهل الحذر فيشاركون الممانعين ومقلدّيهم في الإنكار تارة، وباسم الواقعية يبتعدون عنهم طورا. والحذر عندهم يستعين بالخدعة احيانا، ويستدعي المهارة دائما. ولعلّ السياسة عندهم حذر ومهارة محض.
وفي حالتي الإنكار والحذر، انكار الممانعين والسائرين في ركابهم وحذر اصحاب الآراء الملتبسة، تتساهل السياسة في أمر الحق واخلاقه.
تتكرّر لازمة عدم التدخل في شؤون سوريا الداخلية، كلما دفع عنف النظام السوري لبنانيين من مشارب فكرية وسياسية متنوعة الى اعلان ادانتهم الأخلاقية لممارساته المتمادية. في الظاهر، يؤكد هذا الترداد ما هو بمثابة المؤكد، طالما ان لا خلاف بين اللبنانيين على المسألة. غير انه، في حقيقة الأمر، أقرب الى التورية عند البعض لتأييد النظام السوري، على قلّة الحاجة الى التورية. وهو ذريعة للضيق بأي موقف لبناني متعاطف مع الشعب السوري. والضيق يتحوّل تهجّما على المتضامنين او إرعابا لهم. ونشهد، يوما بعد يوم، دعما لبنانيا رسميا صريحا لحكّام دمشق وضغطا على كل من يقف الى جانب الشعب الشقيق.
ويستوي في الموقف المنحاز الى الحكم السوري "الممانعون" و"الممانعون الجدد" وأهل الحذر واللغة المزدوجة من القوى المؤتلفة في حكومة لبنان. يتبادلون الحجج ويتناوبون، كل على طريقته، في تبرير ذلك الموقف.
ولا يقلق اصحاب الممانعة ان فكرتهم الناظمة للسياسة في لبنان والمنطقة والعالم، لم تعد تفسّر كل ما يجري في غير بلد عربي، و لا سيما في سوريا. ولا يضعون تحت السؤال عمارة نظرية فيها اسقاط للماضي على الحاضر واضفاء الشرعية والصدقية على مصالح ومقاصد ونوازع لا تدور، بقدر ما تدّعي، حول مقارعة اسرائيل. ويمارس الكثيرون منهم سياسة تنشغل بالحفاظ على نظام سمى نفسه ممانعا والانضواء في احلافه والإسهام في تحسين مواقعه عند المساومات ومحاربة "اعداء الداخل". ويولون كل ذلك أهمية تفوق نصرة فلسطين. ولا يقرّون، في أيامنا هذه، ان فكرتهم المذكورة لم تحرّك شعوبا منتفضة لطالما نطقوا باسمها. ويصرّون على اولية المؤامرة، ومعها خطط الخارج، على التحوّلات الداخلية العميقة والمذهلة. ولا يربكهم الاضطرار المتكرّر الى تغيير رواياتهم عن هوية المتآمرين ومآربهم. ولا تحرجهم الوقائع التي تبيّن قوة الانتفاضات الشعبية واستقلالها عن تردّد السياسات التي تنتهجها الدول القريبة والبعيدة وتقلبها وتشوّشها.
فالقول بالممانعة مكتف بذاته. وكثيرا ما يفسّر نفسه بنفسه. ويفترض ان ما يعنيه او يشي به لا يحتمل المناقشة. ويحسب ان صحته أقرب الى البداهة. ويضمر حكما قيميا لا يحتاج الى مسوّغات. ويختصر المسافات و الأزمنة ولا يقيم وزنا لاختلاف السياقات. وهو ممتلئ بذاته ومتعال في كليته وعموميّته عن جزئيات الوقائع والدوافع والذرائع. ويستعجل عدد من اصحاب هذا الكلام تصنيف الناس والإشادة ببعضهم والتنديد بمن عداهم. ولا يفصحون عن معاييرهم في اصدار الأحكام. و لا يفرّقون الا قليلا بين ما يراه الآخرون ويعلنونه وما ينسبونه اليهم او يصمونهم به. ولا يميّزون بقدر كاف بين ممارساتهم الفعلية ونياتهم المفترضة. وعلى هذا النحو يتحوّل الإنصاف، ومعه النزاهة الفكرية ورصانة المعرفة، الى عبء لا يرغبون في تحمّله. فثقله يشوّش ثنائية الرؤيا التي تضع الممانعين في مواجهة المتآمرين.
والقول بالممانعة يعي نفسه بصفته مواجهة للمؤامرة. والمؤامرة عند فئة كبيرة من الذين يفترضون انها سبب البلايا كلّها عملية مستمرة، ذات جوهر ثابت، ولا تحتاج الى ادلة أو براهين. وهي واحدة في الأصل وان اتّخذت اشكالا متعددة. لا تتغيّر بل تتلوّن. والمتآمرون كثر، في الخارج والداخل، وهم يجتمعون على وحدة القصد في النيل من الممانعين. ولا يغيّر في وعي المتصدين للمؤامرة واقع يعصى على نظرياتهم، بل يدحضها غير مرة.
من جهتهم، يحار "الممانعون الجدد" في أمر التحاقهم المتأخر بأهل الممانعة. يصمتون حينا ويغالون في اظهار قناعاتهم المحدثة حينا آخر. يستعيرون كلمات سواهم. تبدو غريبة على ألسنتهم لأنها آتية من خارج ثقافتهم السياسية وتجربتهم. وفي بعض الحالات لا ينفكّون يردّدونها، وان من دون حماسة كبيرة ولا عناد ايديولوجي. فيخال بعضهم او يوحي انه يرى ويسمع أوضح ممّا يراه او يسمعه الآخرون، فيصف على هواه مجريات الأحداث، وأهمها ما يتصل بالقمع الدموي الذي لا رادع له. و يغيب عن انظاره توق الناس الى الحرية ورفضهم للاستبداد وتأكيدهم ان كرامة الوطن لا تصان على حساب كرامة المواطنين. أكثر من ذلك، يستخف كبيرهم بمرجعية حقوق الإنسان الكونية بذريعة ان دولا غربية تكيل بمكيالين. وينزلق آخرون الى التشكيك في حركات الاعتراض والتغيير العربية خوفا من ان تكون تنفيذا لمخطّط عدو يعمل على شرذمة العالم العربي وتفكيكه. وتوقعهم خشية ما يخبئه المستقبل في أسر الأقلوية التي غالبا ما ترى الأقلية، والأقليات مجتمعة او متحالفة، في حالة مواجهة خطرة مع الغالبية.
اما أهل الحذر فيشاركون الممانعين ومقلدّيهم في الإنكار تارة، وباسم الواقعية يبتعدون عنهم طورا. والحذر عندهم يستعين بالخدعة احيانا، ويستدعي المهارة دائما. ولعلّ السياسة عندهم حذر ومهارة محض.
وفي حالتي الإنكار والحذر، انكار الممانعين والسائرين في ركابهم وحذر اصحاب الآراء الملتبسة، تتساهل السياسة في أمر الحق واخلاقه.
أيها اللبنانيون: أين "الرسالة"؟
محمود سويد
إلى سمير قصير ... كم نفتقدك
قبل نحو ربع قرن – وانطلاقاً من فهم عميق لهذا الكيان الذي لا يشبه الكيانات المحيطة به، والذي يمكن أن يكون نشازاً نافراً، أو "خلطة" عبقرية تصنع لنفسها، بإرادة مكوّناتها، دوراً مميزاً لا غنى عنه في بيئته، يومها قال رؤيوي كبير: "لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب" (أيلول 1989).
لم يكن البابا يوحنا بولس الثاني يقصد لبنان في واقعه آنذاك، بل كما ينبغي أن يكون في مرتجاه. وها نحن لا نزال، يرحمك الله، أبعد ما نكون عن رؤياك.
فمنذ عام 1975 أضاع اللبنانيون الطريق، وفقدوا الرشد والعقل والمنطق، وهم حتى اليوم تائهون على غير هدى، يبحثون عن علّة وجودهم (Raison d’être) وهي كامنة في صميم تكوينهم (خلطتهم).
هذا الضياع يودي بهم ، أحياناً؟ غالباً ؟ ـ إلى الإسفاف فلا يتبّينون أين يضعون رؤوسهم في زحمة أحداث بيئتهم. دون ذلك كيف يمكن فهم أن "ينأى لبنان بنفسه" عن موقف بسيط لا معنى لوجوده أو لوجود أي مخلوق، من دونه، كأن يعجز عن القول: نعم لحقوق الإنسان، نعم لحقوق الشعوب.
كيف يمكن أن نرى إنساناً مثلنا يدوسه "بصطار" غليظ (حذاء الجندي) ويرفسه ويقلّبه على الأرض، ونرى شعباً هو الجار والشقيق الأقرب يفجر كل ما يختزن من عنفوان وكرامة وشجاعة في وجه استبداد طالت إقامته فوق صدره، وأمعن في اضطهاده تشريداً واعتقالاً وقتلاً، لأنه انتفض بعد نحو نصف قرن صارخاً في جلاده: كفى. نرى ذلك فنقرر ـ ونظن أنه قرار عبقري وحكيم ـ أن "ننأى بأنفسنا"، أي: "لم سمعنا، لم رأينا، لم حضرنا" (بالعامية).
ويهون "النأي بالنفس" عندما نجد ـ يا للعار ـ نفراً ـ غير قليل ـ من شعبنا يبرر الإستبداد والاضطهاد ويبارك نضال "الشبيحة" للقضاء، على "الفتنة" التي ينخرط فيها شعب بأكثريته الساحقة، لأغراض أنانية وانتهازية ستبدو ـ ولو بعد حين ـ كم هي صغيرة وتافهة ومهينة.
وماذا يعني هذا "اللبنان" إن "نأى بنفسه" عن انتفاضة الشعوب وهديرها الرائع "الشعب يريد".
متى كانت الشعوب العربية "تريد"؟ فمنذ استقلالات كيانات المنطقة سقطت كلمة "أراد" وكل أشكال تصريفها من قاموس شعوب هذه المنطقة. الحاكم هو الذي يريد له ولشعبه، ولا يحق لأحد أن يريد شيئاً آخر. "إنت بتفصّل ونحنا بنلبس ... يا سيدنا".
وها هي شعوب منطقتنا، بعد موتها أكثر من نصف قرن، تُبعث حية ويدوّي هتافها، وسط دهشة العالم وانبهاره: "الشعب يريد".
ثمة من لا يميز ـ والأصح لا يريد أن يميز، بين التدخل في الشأن السوري الداخلي بكل أشكاله، وهو أمر لا تطلبه الثورة السورية أساساً، وبين حرية إبداء الرأي وأخلاقية مطالبة الآخر باحترام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، بحجج واهية لا تصمد أمام منطق حتى وإن أحيط مجرد لفظها بالمهابة والقداسة كـ"الممانعة" و"المقاومة"، متجاهلين ان هذه المصطلحات تكتسب قيمتها من الفعل والممارسة، لا من التنظير لها فحسب، كما يفعل الرئيس الأسد. وماذا تعني "الممانعة" و"المقاومة" إذا كان الحاكم المعني لم يطلق رصاصة واحدة لا من "جيشه" ولا من "رجال مقاومته" على العدو طوال نحو أربعة عقود متصلة؟ وهل تُغفر له كل خطاياه لمجرد أنه يدير "مناوشات" بالواسطة، ويساعد، لأهداف متنوعة، قوى أخرى، من غير شعبه وجيشه، على "المقاومة" لأهداف متعددة أيضاً؟
وهنا، نفتح قوسين لنصارح الأخوة في "حزب الله": انتم تهدرون حرية الشعب السوري وديموقراطيته وتطوره وقوت يومه وتقايضون كفاحه البطولي ودماءه السخية بطريق مرور للأسلحة التي تراكمونها لأغراض نبيلة ـ هذا صحيح. ولكن أيضاً لأغراض أخرى لم تعد سراً ولا تخفى على أحد: توسيع نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحماية أطماعها "الإمبراطورية" في الخليج والمشرق العربيين. ولماذا يحق لنا أن نهتف، بإباء وشمم: "هيهات منا الذلة" ولا نصغي لشعب طالما أهين، يهتف من أعماقه: "الشعب السوري ما بينذل"؟
وبكلمة واحدة: ماذا يفيد أن نربح "المقاومة" ويخسر الشعب السوري حريته وكرامته ومستقبله؟ ثم، مَن يجروء على القول إن حكم الأربعين عاماً المنصرمة أحرص على القضية العربية والمقاومة الفعلية لتحرير الجولان وفلسطين من حكم يعكس إرادة الشعب السوري الحرة؟
ولست ـ على أي حال ـ من القائلين بأن نبل الهدف يبرر وضاعة الوسيلة. فهذه مثل الهدف ينبغي أن تكون شريفة ونبيلة. وطهارة السلاح جزء لا يتجزأ من قداسة الهدف.
أما الإدعاء بأن الثورة السورية "مؤامرة" و"فتنة" تنفذ لحساب أميركا والصهيونية، فهو زعم مهين لكفاح الشعب السوري وتواطوء مشين على حقه في الحياة الحرة وفي التنمية والتطور والعيش الكريم، بعد طول صبر. وأية قوة خارجية تستطيع أن تحرك ملايين السوريين في كل مدنهم وبلداتهم وقراهم ليقابلوا الدبابات وعصابات القتل بصدور عارية هاتفين بإصرار: سلمية، سلمية؟ ومن أجل أية "مؤامرة" يقدّم الشعب السوري هذه التضحيات ودماء خيرة شبابه؟ وإذا صح الإدعاء فكم كانت تلك القوة الخارجية المحركة غاشمة ومقصرة ومدانة إذ تقاعست وهدرت حقوق الشعب السوري طوال أربعين سنة خلت، فيما كان بإمكانها إنقاذه منذ زمن بعيد.
وليس أكثر افتراء من إدعاء "المؤامرة" غير إدعاء "الشرعية" لهذا النظام الذي قام على "شرعية" مفبركة لا يعترف بها عقل ومنطق: مات الرئيس الأب الذي هيأ الحكم لابنه الشاب الذي تخرج من الجامعة وأصبح في ليلة ـ دون أي خبرة أو تمرس أو تجربة ـ رئيساً لجمهورية بحجم سوريا، وقائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة برتبة فريق، وأميناً عاماً لحزب "عقائدي" (وقد اضطر مجلس الشعب إلى خفض سن الرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً لتمكين بشار من خلافة أبيه)! فأية "شرعية" يدعي هذا النظام؟ وأية شرعية يدعي حكم الثلاثين عاماً للرئيس الأب الراحل، ودساتير العالم لا تجيز أكثر من ولايتين متصلتين؟
ثم، أليس لافتاً قول الرئيس الشاب، وهو يخاطب الجيش السوري والعالم ـ بما في ذلك إسرائيل، في مناسبة مرور 66 عاماً على تأسيسه انه سيستمر في النضال من أجل "إحلال السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية ... ". وفي الوقت نفسه يصدر أوامره كقائد أعلى للجيش، باجتياح المدن والأرياف السورية واعتقال وتشريد وقتل الآلاف من أبناء شعبه؟ أمن أجل هذه "الرسالة الخالدة" بنى ـ وقبله والده الرئيس الموّرث، الجيش السوري طوال عقود أربعة؟
وعلى سبيل الفكاهة ـ ربما ـ يخاطب الرئيس جنوده: ان "أبناء الرجال الذين صنعوا تشرين التحرير يعرفون كيف يشقون الطريق إلى تشرين جديد..." (خطاب الرئيس الأسد ـ وكالة "سانا" للأنباء 10/8/2011). إن أبناء رجال تشرين ـ يا سيادة الرئيس ـ بلغوا الآن الأربعين من العمر، وإذا كانت "المقاومة" السياسية والديبلوماسية لاستعادة الجولان ستستغرق أيضاً عدة أعوام أخرى، فإن عليك أن تعد الأحفاد لهذه المهمة النبيلة. هذا للتذكير فقط.
وأخيراً، ليس مطلوباً من اللبنانيين أكثر مما يعترف به دعاة النظام السوري ونائب رئيسه بالذات. فعضو مجلس الشعب وأحد الدعاة البارزين للنظام محمد حبش، قال في اللقاء التشاوري الذي عقد يومي 10 و 11 تموز الماضي في دمشق بدعوة من الرئيس الأسد وبرئاسة نائبه فاروق الشرع: إن الشعب يعاني "الظلم والقهر والقمع وممارسة دور الدولة الأمنية. "كنا دوماً غاضبين من الأسلوب الذي يدار به البلد بالشأن الداخلي من تحكم القبضة الأمنية وممارسة القمع في الفكر والتعبير وغياب الحريات". "ان المواطن يؤخذ كما يؤخذ كيس البطاطا من دون أن يعرف أين هو ...". وطالب حبش بـ "إنهاء الدولة الأمنية ... والعمل من أجل دولة مدنية متحضرة تعددية وحريات إعلامية وإلغاء سيطرة الحزب الواحد". (جريدة "السفير" 11/7/2011، ص 1 و 14).
أما نائب الرئيس فاروق الشرع فقد قال في كلمة افتتاح اللقاء نفسه: إن هدف هذا اللقاء التشاوري الدعوة إلى "مؤتمر شامل يعلن فيه انتقال سوريا إلى دولة تعددية ديموقراطية" (المصدر نفسه). فهل يحتاج اللبنانيون إلى "شهادات" أفصح وأوضح من أهل النظام السوري، كي يلتزموا الشرائع الدولية لحقوق الإنسان والشعوب، قبل أن يفقد لبنان دوره ورسالته... أي مبرر وجوده؟
إلى سمير قصير ... كم نفتقدك
قبل نحو ربع قرن – وانطلاقاً من فهم عميق لهذا الكيان الذي لا يشبه الكيانات المحيطة به، والذي يمكن أن يكون نشازاً نافراً، أو "خلطة" عبقرية تصنع لنفسها، بإرادة مكوّناتها، دوراً مميزاً لا غنى عنه في بيئته، يومها قال رؤيوي كبير: "لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب" (أيلول 1989).
لم يكن البابا يوحنا بولس الثاني يقصد لبنان في واقعه آنذاك، بل كما ينبغي أن يكون في مرتجاه. وها نحن لا نزال، يرحمك الله، أبعد ما نكون عن رؤياك.
فمنذ عام 1975 أضاع اللبنانيون الطريق، وفقدوا الرشد والعقل والمنطق، وهم حتى اليوم تائهون على غير هدى، يبحثون عن علّة وجودهم (Raison d’être) وهي كامنة في صميم تكوينهم (خلطتهم).
هذا الضياع يودي بهم ، أحياناً؟ غالباً ؟ ـ إلى الإسفاف فلا يتبّينون أين يضعون رؤوسهم في زحمة أحداث بيئتهم. دون ذلك كيف يمكن فهم أن "ينأى لبنان بنفسه" عن موقف بسيط لا معنى لوجوده أو لوجود أي مخلوق، من دونه، كأن يعجز عن القول: نعم لحقوق الإنسان، نعم لحقوق الشعوب.
كيف يمكن أن نرى إنساناً مثلنا يدوسه "بصطار" غليظ (حذاء الجندي) ويرفسه ويقلّبه على الأرض، ونرى شعباً هو الجار والشقيق الأقرب يفجر كل ما يختزن من عنفوان وكرامة وشجاعة في وجه استبداد طالت إقامته فوق صدره، وأمعن في اضطهاده تشريداً واعتقالاً وقتلاً، لأنه انتفض بعد نحو نصف قرن صارخاً في جلاده: كفى. نرى ذلك فنقرر ـ ونظن أنه قرار عبقري وحكيم ـ أن "ننأى بأنفسنا"، أي: "لم سمعنا، لم رأينا، لم حضرنا" (بالعامية).
ويهون "النأي بالنفس" عندما نجد ـ يا للعار ـ نفراً ـ غير قليل ـ من شعبنا يبرر الإستبداد والاضطهاد ويبارك نضال "الشبيحة" للقضاء، على "الفتنة" التي ينخرط فيها شعب بأكثريته الساحقة، لأغراض أنانية وانتهازية ستبدو ـ ولو بعد حين ـ كم هي صغيرة وتافهة ومهينة.
وماذا يعني هذا "اللبنان" إن "نأى بنفسه" عن انتفاضة الشعوب وهديرها الرائع "الشعب يريد".
متى كانت الشعوب العربية "تريد"؟ فمنذ استقلالات كيانات المنطقة سقطت كلمة "أراد" وكل أشكال تصريفها من قاموس شعوب هذه المنطقة. الحاكم هو الذي يريد له ولشعبه، ولا يحق لأحد أن يريد شيئاً آخر. "إنت بتفصّل ونحنا بنلبس ... يا سيدنا".
وها هي شعوب منطقتنا، بعد موتها أكثر من نصف قرن، تُبعث حية ويدوّي هتافها، وسط دهشة العالم وانبهاره: "الشعب يريد".
ثمة من لا يميز ـ والأصح لا يريد أن يميز، بين التدخل في الشأن السوري الداخلي بكل أشكاله، وهو أمر لا تطلبه الثورة السورية أساساً، وبين حرية إبداء الرأي وأخلاقية مطالبة الآخر باحترام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، بحجج واهية لا تصمد أمام منطق حتى وإن أحيط مجرد لفظها بالمهابة والقداسة كـ"الممانعة" و"المقاومة"، متجاهلين ان هذه المصطلحات تكتسب قيمتها من الفعل والممارسة، لا من التنظير لها فحسب، كما يفعل الرئيس الأسد. وماذا تعني "الممانعة" و"المقاومة" إذا كان الحاكم المعني لم يطلق رصاصة واحدة لا من "جيشه" ولا من "رجال مقاومته" على العدو طوال نحو أربعة عقود متصلة؟ وهل تُغفر له كل خطاياه لمجرد أنه يدير "مناوشات" بالواسطة، ويساعد، لأهداف متنوعة، قوى أخرى، من غير شعبه وجيشه، على "المقاومة" لأهداف متعددة أيضاً؟
وهنا، نفتح قوسين لنصارح الأخوة في "حزب الله": انتم تهدرون حرية الشعب السوري وديموقراطيته وتطوره وقوت يومه وتقايضون كفاحه البطولي ودماءه السخية بطريق مرور للأسلحة التي تراكمونها لأغراض نبيلة ـ هذا صحيح. ولكن أيضاً لأغراض أخرى لم تعد سراً ولا تخفى على أحد: توسيع نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحماية أطماعها "الإمبراطورية" في الخليج والمشرق العربيين. ولماذا يحق لنا أن نهتف، بإباء وشمم: "هيهات منا الذلة" ولا نصغي لشعب طالما أهين، يهتف من أعماقه: "الشعب السوري ما بينذل"؟
وبكلمة واحدة: ماذا يفيد أن نربح "المقاومة" ويخسر الشعب السوري حريته وكرامته ومستقبله؟ ثم، مَن يجروء على القول إن حكم الأربعين عاماً المنصرمة أحرص على القضية العربية والمقاومة الفعلية لتحرير الجولان وفلسطين من حكم يعكس إرادة الشعب السوري الحرة؟
ولست ـ على أي حال ـ من القائلين بأن نبل الهدف يبرر وضاعة الوسيلة. فهذه مثل الهدف ينبغي أن تكون شريفة ونبيلة. وطهارة السلاح جزء لا يتجزأ من قداسة الهدف.
أما الإدعاء بأن الثورة السورية "مؤامرة" و"فتنة" تنفذ لحساب أميركا والصهيونية، فهو زعم مهين لكفاح الشعب السوري وتواطوء مشين على حقه في الحياة الحرة وفي التنمية والتطور والعيش الكريم، بعد طول صبر. وأية قوة خارجية تستطيع أن تحرك ملايين السوريين في كل مدنهم وبلداتهم وقراهم ليقابلوا الدبابات وعصابات القتل بصدور عارية هاتفين بإصرار: سلمية، سلمية؟ ومن أجل أية "مؤامرة" يقدّم الشعب السوري هذه التضحيات ودماء خيرة شبابه؟ وإذا صح الإدعاء فكم كانت تلك القوة الخارجية المحركة غاشمة ومقصرة ومدانة إذ تقاعست وهدرت حقوق الشعب السوري طوال أربعين سنة خلت، فيما كان بإمكانها إنقاذه منذ زمن بعيد.
وليس أكثر افتراء من إدعاء "المؤامرة" غير إدعاء "الشرعية" لهذا النظام الذي قام على "شرعية" مفبركة لا يعترف بها عقل ومنطق: مات الرئيس الأب الذي هيأ الحكم لابنه الشاب الذي تخرج من الجامعة وأصبح في ليلة ـ دون أي خبرة أو تمرس أو تجربة ـ رئيساً لجمهورية بحجم سوريا، وقائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة برتبة فريق، وأميناً عاماً لحزب "عقائدي" (وقد اضطر مجلس الشعب إلى خفض سن الرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً لتمكين بشار من خلافة أبيه)! فأية "شرعية" يدعي هذا النظام؟ وأية شرعية يدعي حكم الثلاثين عاماً للرئيس الأب الراحل، ودساتير العالم لا تجيز أكثر من ولايتين متصلتين؟
ثم، أليس لافتاً قول الرئيس الشاب، وهو يخاطب الجيش السوري والعالم ـ بما في ذلك إسرائيل، في مناسبة مرور 66 عاماً على تأسيسه انه سيستمر في النضال من أجل "إحلال السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية ... ". وفي الوقت نفسه يصدر أوامره كقائد أعلى للجيش، باجتياح المدن والأرياف السورية واعتقال وتشريد وقتل الآلاف من أبناء شعبه؟ أمن أجل هذه "الرسالة الخالدة" بنى ـ وقبله والده الرئيس الموّرث، الجيش السوري طوال عقود أربعة؟
وعلى سبيل الفكاهة ـ ربما ـ يخاطب الرئيس جنوده: ان "أبناء الرجال الذين صنعوا تشرين التحرير يعرفون كيف يشقون الطريق إلى تشرين جديد..." (خطاب الرئيس الأسد ـ وكالة "سانا" للأنباء 10/8/2011). إن أبناء رجال تشرين ـ يا سيادة الرئيس ـ بلغوا الآن الأربعين من العمر، وإذا كانت "المقاومة" السياسية والديبلوماسية لاستعادة الجولان ستستغرق أيضاً عدة أعوام أخرى، فإن عليك أن تعد الأحفاد لهذه المهمة النبيلة. هذا للتذكير فقط.
وأخيراً، ليس مطلوباً من اللبنانيين أكثر مما يعترف به دعاة النظام السوري ونائب رئيسه بالذات. فعضو مجلس الشعب وأحد الدعاة البارزين للنظام محمد حبش، قال في اللقاء التشاوري الذي عقد يومي 10 و 11 تموز الماضي في دمشق بدعوة من الرئيس الأسد وبرئاسة نائبه فاروق الشرع: إن الشعب يعاني "الظلم والقهر والقمع وممارسة دور الدولة الأمنية. "كنا دوماً غاضبين من الأسلوب الذي يدار به البلد بالشأن الداخلي من تحكم القبضة الأمنية وممارسة القمع في الفكر والتعبير وغياب الحريات". "ان المواطن يؤخذ كما يؤخذ كيس البطاطا من دون أن يعرف أين هو ...". وطالب حبش بـ "إنهاء الدولة الأمنية ... والعمل من أجل دولة مدنية متحضرة تعددية وحريات إعلامية وإلغاء سيطرة الحزب الواحد". (جريدة "السفير" 11/7/2011، ص 1 و 14).
أما نائب الرئيس فاروق الشرع فقد قال في كلمة افتتاح اللقاء نفسه: إن هدف هذا اللقاء التشاوري الدعوة إلى "مؤتمر شامل يعلن فيه انتقال سوريا إلى دولة تعددية ديموقراطية" (المصدر نفسه). فهل يحتاج اللبنانيون إلى "شهادات" أفصح وأوضح من أهل النظام السوري، كي يلتزموا الشرائع الدولية لحقوق الإنسان والشعوب، قبل أن يفقد لبنان دوره ورسالته... أي مبرر وجوده؟
الثلاثاء، 16 أغسطس 2011
دعوة المسيحية إلى العقل
ميشال كيلو
يبدو أن الخراب صار عاما إلى الدرجة التي تجلعنا نغادر ونحن سعداء خير ما كان في حياتنا من عادات وتقاليد تضامنية ومفيدة. في طفولتي الأولى، اصطحبني والدي من القرية التي كان يخدم فيها كدركي إلى اللاذقية. خلال سيرنا في الشارع، كنت ارتبك واخف عندما يترك يدي أو تمر واحدة من السيارات، النادرة جدا تلك الأيام. وبينما نحن على هذه الحال، بدأ الخلق يغلقون حوانيتهم ويقفون أمامها لتلاوة الفاتحة، بينما كان المسيحيون يرسمون إشارة الصليب، ووالدي يقف باستعداد رافعا يده نحو رأسه بتحية عسكرية نظامية، بعد أن جمع قدميه بعضهما إلى بعض في وقفة انضباطية رسمية. بعد مرور الجنازة، علمت أن المتوفى كان رجلا يهوديا من آل شيحا، الأسرة المعروفة والمحترمة في لاذقية ذلك الزمن، رغم أنه لم تكن تفصلنا فترة طويلة عن مأساة فلسطين وتخلي الصهاينة العرب عنها للصهاينة اليهود .
... واليوم، تعقد في مكان محدد من دمشق حلقات رقص ودبكة وغناء، يمجد خلالها النظام القائم وتعظم رموزه، مع أن رائحة الموت تزكم أنف سوريا من مكان الرقص السعيد إلى أبواب بيوت وأحياء كثيرة يقتلها الحزن. ما الذي جرى للناس ولسوريا، حتى انقسمت إلى هذا الحد، وفقد بعض ناسها الشعور بالتضامن مع غيرهم؟ ممن يطلبون شيئا يريدونه للجميع، يفتقر إليه السوريون - بمن فيهم هؤلاء الراقصون في حضرة الموت - هو الحرية، ويعلنون في كل مناسبة أنهم يرون حتى في الراقصين أخوة لهم، وأن حريتهم هم أيضا، يجب أن تكون مضمونة بقوانين الدولة المدنية الديموقراطية، التي تستحق أن يضحي المرء من أجلها؟ أين كنا وأين صرنا؟
هذا الذي قلته هو مجرد مدخل إلى المسألة التي أريد مناقشـتها. صحيح أن الراقصين يمثلون أنفسهم فقط، بدليل أن هناك نيفا وستين صبية وشاباً مسيحيين اعتقلوا خلال الأسبوع الفائت وحده في حي باب توما، حيث يرقص هؤلاء. وصحيح أن الراقصين أحرار في أن يحبوا ويكرهوا من وما يريدون، لكن موقفهم يتحول إلى مشكلة بقدر ما يوهم بأنه يعكس حصة المسيحية السورية الرسمية من الأحداث العربية عموما والحدث السوري بوجه خاص، ويعد خروجا على تقاليد مجتمع يحترم الموتى، بغض النظر عن دينهم، وضربا من سلوك غير إنساني يصل إلى حد الرقص على جثث الآخرين، لمجرد أنهم ليسوا من طينة الراقصين، أو لأن هؤلاء يرفضون مواقفهم، مع أن بينهم ضحايا يجب أن يمتنع الراقص عن إبداء سعادته لمقتلهم هم جنود الجيش وعناصر جهاز الأمن!.
هل فاتت الراقصين هذه الحقيقة، وهل فات من يستطيعون التأثير عليهم أن رقصهم قد يفضي إلى مزيد من القطيعة والعداء بين مكونات الشعب الواحد، التي عاشت متآلفة متآخية على مر تاريخ يمتد لنيف وألف وخمسمائة عام، احترم المسلمون خلالها الوجود المسيحي في دياره، وحموه ودافعوا عنه، واعتبروه جزءا من ديانتهم الخاصة ووجودهم الثقافي والحضاري، ومكنوه من تجاوز محن وتحديات تاريخية هائلة الخطورة كالحروب الصليبية، التي دأبوا إلى اللحظة على تسميتها «حروب الفرنجة « لفصلها عن الدين المسيحي، وكالاستعمار الأوروبي، الذي لعب التبشير الديني دورا تمهيديا خطيرا في الإعداد له، ودورا لا يقل خطورة في ديمومته وسطوته، بينما لعب المسيحيون العرب، بالمقابل، دورا لا يقل أهمية في بناء وتوطيد الدولة العربية / الإسلامية، وفي التأسيس الفكري والمعرفي للثقافة التي عرفتها حقبة الازدهار التي أعقبت انتشار الدين الحنيف في أرض العرب. في حين بلغ التسامح المتبادل درجة جعلت الفهارس العربية، التي تحدثت عن علماء المسلمين، تبدأ بأسماء بن بختيشوع وحنين ابن إسحاق وسواهما من علماء الدولة والحضارة المسيحيين، من دون أن يجد مسلم واحد غضاضة في ذلك أو يسجل التاريخ أن أحدا من المسلمين اعترض على اعتبار هؤلاء العلماء المسيحيين مسلمين .
كان المسيحيون جزءا من الجماعة العربية / الإسلامية، ولأنهم رأوا أنفسهم بدلالتها، وليس بأية دلالة سياسية ضيقة، تمكنوا من لعب دورهم في حاضنة واسعة وعامة اعتبرتهم جزءا تكوينيا من نسيجها، لا حياة لها بدونهم، وبالعكس، لذلك حرصت عليهم وأبقت على إيمانهم، الذي لم يحفظ التنوع داخلها وحسب، بل وازدهر أيضا بفضل التكامل والتفاعل مع مكوناتها الإسلامية وغير الإسلامية.
بكلمات أخرى: لم تكن الجماعة - الأمة - المسلمة ترى الآخر في مسيحييها، بل كانت ترى نفسها فيهم أيضا، فهم هي، في صيغة خاصة، مغايرة. وكل مساس بهم يعد مساسا بوجودها وتكاملها وطريقتها في العيش، كما في تسامحها، الذي كان معياره الرئيس الموقف من المسيحيين وديانتهم. بينما استعرت في الوقت على جبهات التنوع الإسلامي الخاص صراعات قاسية لم تعرف التسامح في أحيان وحالات كثيرة. بدورهم، اعتبر المسيحيون أنفسهم جزءا تكوينيا من جماعة تاريخية سابقة للدولة والسياسة، فلم يروا حقوقهم بدلالتهما، لأن الجماعة نفسها لم تكن تنكر عليهم حقهم في الصعود والارتقاء داخلها، دون تمييز اجتماعي أو أخلاقي، حتى أنها سمحت لهم في بعض الحالات باستثناءات تتعلق بدورهم العسكري في الدولة، الذي كانوا عادة وتقليديا بمنأى عنه .
هل فقد مسيحيو العصور الحديثة هذا الدور وتحولوا من جزء في جماعة تاريخية إلى جزء من سلطة طارئة وعابرة، فبدلوا دورهم وغربوا أنفسهم عن حاضنتهم المجتمعية، التي كانت السلطة من خارجها معظم الوقت؟ وهل يعبر الرقص الحديث عن هذا الموقف بالطريقة الفظة التي يتقنها منخلعون عن الواقع يجهلون أو يزدرون تاريخهم، يظن من رباهم كنسيا على عنصرية دينية قاتلة أنهم يجب أن يكونوا كأسلافهم خدما للسلطة، وأن عليهم تمضية أعمارهم في اتقاء شرورها وخطب ودها ولعق قفاها؟
إذا كان هؤلاء قد أصبحوا جزءا من الســلطة، فما هي المزايا الـتي عادت عليهم من لذلك؟ هل يبرر التحاقهم بالسلطة انفكاكهم عن الجماعة التاريخية، التي لطالما انتموا إليـها وتكفلت باستــمرار وجودهم بينها، وبتمتعهم بقدر كبير من الحرية الدينية والمدنية، علما بأنها هزيمتها على يد السلطة الحالية ليست غير ضـرب من المحال أو من المصادفات العابرة؟ هل وازن هؤلاء بين الربح والخسارة، وقرروا الرقص على جثث الجماعة؟ وفي هذه الحـالة، ألا يرون ما وقع للمسيحيين في العراق، حيث كان ارتباطهم بالسلطة المسوغ الذي استخدمه مجانين الإسلاميين للقــضاء على وجودهــم في بلاد الرافدين؟
وهل فكر المسيحيون بالمعنى التاريخي الهائل للتغيير الذي يشهده العالم العربي الآن، وبانعكاساته على الجماعة التي ينتمون إليها وعليهم هم أنفسهم، ويرجح أن تعقبه حقبة نهوض غير مسبوقة ستبدل أوضاع المجتمعات والدول، ستكون قيمها متفقة لأول مرة في تاريخنا مع القيم التي يقوم عليها العالم الحديث، وستتيح مصالحة تاريخية تطوي صفحة الصراع بين عالمي الإسلام والمسيحية الأوروبية، الذي بدأ عند نهاية القرن السابع الميلادي واستمر إلى اليوم، دون أن يتأثروا هم بنتائجه، مع أنه شهد مراحل حلت خلالها هزائم جسيمة بالمسلمين؟ يبدو أن الكنائس المسيحية لا تفهم ما يجري، ولا تفكر بلعب أي دور جدي فيه، وأنها تفوت السانحة الفريدة على الجماعة التي تنتمي إليها، وهي في غالبيتها من المسلمين، وعلى نفسها، وتفضل البقاء حيث هي: إلى جانب الظلم والاستبداد، والرقص على أشلاء الأموات المظلومين.
والآن، وبما أن الدين ليس ملك الكنيسة، التي تبلد شعورها وفقدت علاقتها مع الواقع ومع حساسية المسيحية الإنسانية، ولأن للعلمانية الحق في ممارسة وفهم الدين بالطريقة التي تريدها، خارج وضد الكنيسة أيضا، فإنني أدعو العلمانيين من مسيحيي المولد إلى فتح نقاش أو عقد ندوة حول موضوع وحيد هو سبل إعادة المسيحيين إلى موقعهم الصحيح من الجماعة العربية / الإسلامية، وإلى دورهم الثقافي / المجتمعي في خدمتها، بعيدا عن أية سلطة غير سلطة الجوامع الإنسانية والمشتركات الروحية والمادية التي تربطهم بها، في زمن التحول الاستثنائي الذي لا سابقة له في تاريخ العرب، ويمثل فرصتها لامتلاك وبناء الدولة التي تعبر عن حريتها وحضورها في شأن عام عاشت المسيحية فيه وبفضله، لأنه كان مرتبطا بالدولة في مفهومها المجرد والسامي، ومنفصلا عن شأن سلطوي استبدادي الطابع والدور، مما حمى المسيحية من شرور وبطش السلطوية وغرسها بعمق حاضنتها الطبيعية، المستقلة نسبيا عن السلطة والسياسة، بفضل الإسلام وفضائه الإنساني: المتسامح والرحب .
إذا كان العلمانيون في الدول العربية المختلفة يدركون أهمية هذا التحول التاريخي، الذي يجب أن يرد المسيــحية إلى مكانها الصحيح من مجتمعاتها، فإن واجبهم يكون المبادرة إلى فتح هذا النقاش أو عقد هذا المؤتمر الذي لا بد أن يضم ممثلين عنهم يلتقون في بيــروت أو القاهرة، يتدارسون خلاله كل ما هو ضروري لرد المسيحية إلى موقعها التاريخي كجزء من المجتمع العربي / الإسلامي، يخوض معاركه ويشاركه مصيره، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويرفض اعتبار نفسه جزءا من سلطاته أو خادما لديها، فيتقاسم مع مواطنيه أقدراهم، سهلة كانت أم صعبة. بغير ذلك، لن تبقى المسيحية في هذه المنطقة، وسيكون مصيرهم كمصير النظم التي يخدمونها: على كف عفريت، خاصة إن انتصرت بالفعل جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، التي ينتحرون اليوم انتحارا مؤكدا لشدة خوفهم غير المبرر منها، ولا يجدون طريقة يردون مخاطرها بواسطتها عن أنفسهم غير الارتباط المجنون باستبداد يعلمون تماما أنه إلى زوال مهما طال الوقت، وأن طريقهم إلى التوطن في قلوب وعقول مواطنيهم لا يمكن بحال من الأحوال أن يمر من خلاله أو على جثث ضحاياه .
باختصار شديد: إما أن تغير الكنيسة مواقفها وتعود ثانية إلى كنف مجتمعها العربي / الإسلامي، أو أن يؤسس العلمانيون كنيسة مدنية تأخذ المسيحيين إلى حيث يجب أن يكونوا، مواطنين حريتهم جزء من حرية مجتمعهم وفي خدمتها. وللعلم، فإن التاريخ لن ولا يجوز أن يرحم أحدا: كنسيا كان أم علمانيا، إن هو وقف جانبا، أو رقص على جثث من يموتون من أجل حريته!
يبدو أن الخراب صار عاما إلى الدرجة التي تجلعنا نغادر ونحن سعداء خير ما كان في حياتنا من عادات وتقاليد تضامنية ومفيدة. في طفولتي الأولى، اصطحبني والدي من القرية التي كان يخدم فيها كدركي إلى اللاذقية. خلال سيرنا في الشارع، كنت ارتبك واخف عندما يترك يدي أو تمر واحدة من السيارات، النادرة جدا تلك الأيام. وبينما نحن على هذه الحال، بدأ الخلق يغلقون حوانيتهم ويقفون أمامها لتلاوة الفاتحة، بينما كان المسيحيون يرسمون إشارة الصليب، ووالدي يقف باستعداد رافعا يده نحو رأسه بتحية عسكرية نظامية، بعد أن جمع قدميه بعضهما إلى بعض في وقفة انضباطية رسمية. بعد مرور الجنازة، علمت أن المتوفى كان رجلا يهوديا من آل شيحا، الأسرة المعروفة والمحترمة في لاذقية ذلك الزمن، رغم أنه لم تكن تفصلنا فترة طويلة عن مأساة فلسطين وتخلي الصهاينة العرب عنها للصهاينة اليهود .
... واليوم، تعقد في مكان محدد من دمشق حلقات رقص ودبكة وغناء، يمجد خلالها النظام القائم وتعظم رموزه، مع أن رائحة الموت تزكم أنف سوريا من مكان الرقص السعيد إلى أبواب بيوت وأحياء كثيرة يقتلها الحزن. ما الذي جرى للناس ولسوريا، حتى انقسمت إلى هذا الحد، وفقد بعض ناسها الشعور بالتضامن مع غيرهم؟ ممن يطلبون شيئا يريدونه للجميع، يفتقر إليه السوريون - بمن فيهم هؤلاء الراقصون في حضرة الموت - هو الحرية، ويعلنون في كل مناسبة أنهم يرون حتى في الراقصين أخوة لهم، وأن حريتهم هم أيضا، يجب أن تكون مضمونة بقوانين الدولة المدنية الديموقراطية، التي تستحق أن يضحي المرء من أجلها؟ أين كنا وأين صرنا؟
هذا الذي قلته هو مجرد مدخل إلى المسألة التي أريد مناقشـتها. صحيح أن الراقصين يمثلون أنفسهم فقط، بدليل أن هناك نيفا وستين صبية وشاباً مسيحيين اعتقلوا خلال الأسبوع الفائت وحده في حي باب توما، حيث يرقص هؤلاء. وصحيح أن الراقصين أحرار في أن يحبوا ويكرهوا من وما يريدون، لكن موقفهم يتحول إلى مشكلة بقدر ما يوهم بأنه يعكس حصة المسيحية السورية الرسمية من الأحداث العربية عموما والحدث السوري بوجه خاص، ويعد خروجا على تقاليد مجتمع يحترم الموتى، بغض النظر عن دينهم، وضربا من سلوك غير إنساني يصل إلى حد الرقص على جثث الآخرين، لمجرد أنهم ليسوا من طينة الراقصين، أو لأن هؤلاء يرفضون مواقفهم، مع أن بينهم ضحايا يجب أن يمتنع الراقص عن إبداء سعادته لمقتلهم هم جنود الجيش وعناصر جهاز الأمن!.
هل فاتت الراقصين هذه الحقيقة، وهل فات من يستطيعون التأثير عليهم أن رقصهم قد يفضي إلى مزيد من القطيعة والعداء بين مكونات الشعب الواحد، التي عاشت متآلفة متآخية على مر تاريخ يمتد لنيف وألف وخمسمائة عام، احترم المسلمون خلالها الوجود المسيحي في دياره، وحموه ودافعوا عنه، واعتبروه جزءا من ديانتهم الخاصة ووجودهم الثقافي والحضاري، ومكنوه من تجاوز محن وتحديات تاريخية هائلة الخطورة كالحروب الصليبية، التي دأبوا إلى اللحظة على تسميتها «حروب الفرنجة « لفصلها عن الدين المسيحي، وكالاستعمار الأوروبي، الذي لعب التبشير الديني دورا تمهيديا خطيرا في الإعداد له، ودورا لا يقل خطورة في ديمومته وسطوته، بينما لعب المسيحيون العرب، بالمقابل، دورا لا يقل أهمية في بناء وتوطيد الدولة العربية / الإسلامية، وفي التأسيس الفكري والمعرفي للثقافة التي عرفتها حقبة الازدهار التي أعقبت انتشار الدين الحنيف في أرض العرب. في حين بلغ التسامح المتبادل درجة جعلت الفهارس العربية، التي تحدثت عن علماء المسلمين، تبدأ بأسماء بن بختيشوع وحنين ابن إسحاق وسواهما من علماء الدولة والحضارة المسيحيين، من دون أن يجد مسلم واحد غضاضة في ذلك أو يسجل التاريخ أن أحدا من المسلمين اعترض على اعتبار هؤلاء العلماء المسيحيين مسلمين .
كان المسيحيون جزءا من الجماعة العربية / الإسلامية، ولأنهم رأوا أنفسهم بدلالتها، وليس بأية دلالة سياسية ضيقة، تمكنوا من لعب دورهم في حاضنة واسعة وعامة اعتبرتهم جزءا تكوينيا من نسيجها، لا حياة لها بدونهم، وبالعكس، لذلك حرصت عليهم وأبقت على إيمانهم، الذي لم يحفظ التنوع داخلها وحسب، بل وازدهر أيضا بفضل التكامل والتفاعل مع مكوناتها الإسلامية وغير الإسلامية.
بكلمات أخرى: لم تكن الجماعة - الأمة - المسلمة ترى الآخر في مسيحييها، بل كانت ترى نفسها فيهم أيضا، فهم هي، في صيغة خاصة، مغايرة. وكل مساس بهم يعد مساسا بوجودها وتكاملها وطريقتها في العيش، كما في تسامحها، الذي كان معياره الرئيس الموقف من المسيحيين وديانتهم. بينما استعرت في الوقت على جبهات التنوع الإسلامي الخاص صراعات قاسية لم تعرف التسامح في أحيان وحالات كثيرة. بدورهم، اعتبر المسيحيون أنفسهم جزءا تكوينيا من جماعة تاريخية سابقة للدولة والسياسة، فلم يروا حقوقهم بدلالتهما، لأن الجماعة نفسها لم تكن تنكر عليهم حقهم في الصعود والارتقاء داخلها، دون تمييز اجتماعي أو أخلاقي، حتى أنها سمحت لهم في بعض الحالات باستثناءات تتعلق بدورهم العسكري في الدولة، الذي كانوا عادة وتقليديا بمنأى عنه .
هل فقد مسيحيو العصور الحديثة هذا الدور وتحولوا من جزء في جماعة تاريخية إلى جزء من سلطة طارئة وعابرة، فبدلوا دورهم وغربوا أنفسهم عن حاضنتهم المجتمعية، التي كانت السلطة من خارجها معظم الوقت؟ وهل يعبر الرقص الحديث عن هذا الموقف بالطريقة الفظة التي يتقنها منخلعون عن الواقع يجهلون أو يزدرون تاريخهم، يظن من رباهم كنسيا على عنصرية دينية قاتلة أنهم يجب أن يكونوا كأسلافهم خدما للسلطة، وأن عليهم تمضية أعمارهم في اتقاء شرورها وخطب ودها ولعق قفاها؟
إذا كان هؤلاء قد أصبحوا جزءا من الســلطة، فما هي المزايا الـتي عادت عليهم من لذلك؟ هل يبرر التحاقهم بالسلطة انفكاكهم عن الجماعة التاريخية، التي لطالما انتموا إليـها وتكفلت باستــمرار وجودهم بينها، وبتمتعهم بقدر كبير من الحرية الدينية والمدنية، علما بأنها هزيمتها على يد السلطة الحالية ليست غير ضـرب من المحال أو من المصادفات العابرة؟ هل وازن هؤلاء بين الربح والخسارة، وقرروا الرقص على جثث الجماعة؟ وفي هذه الحـالة، ألا يرون ما وقع للمسيحيين في العراق، حيث كان ارتباطهم بالسلطة المسوغ الذي استخدمه مجانين الإسلاميين للقــضاء على وجودهــم في بلاد الرافدين؟
وهل فكر المسيحيون بالمعنى التاريخي الهائل للتغيير الذي يشهده العالم العربي الآن، وبانعكاساته على الجماعة التي ينتمون إليها وعليهم هم أنفسهم، ويرجح أن تعقبه حقبة نهوض غير مسبوقة ستبدل أوضاع المجتمعات والدول، ستكون قيمها متفقة لأول مرة في تاريخنا مع القيم التي يقوم عليها العالم الحديث، وستتيح مصالحة تاريخية تطوي صفحة الصراع بين عالمي الإسلام والمسيحية الأوروبية، الذي بدأ عند نهاية القرن السابع الميلادي واستمر إلى اليوم، دون أن يتأثروا هم بنتائجه، مع أنه شهد مراحل حلت خلالها هزائم جسيمة بالمسلمين؟ يبدو أن الكنائس المسيحية لا تفهم ما يجري، ولا تفكر بلعب أي دور جدي فيه، وأنها تفوت السانحة الفريدة على الجماعة التي تنتمي إليها، وهي في غالبيتها من المسلمين، وعلى نفسها، وتفضل البقاء حيث هي: إلى جانب الظلم والاستبداد، والرقص على أشلاء الأموات المظلومين.
والآن، وبما أن الدين ليس ملك الكنيسة، التي تبلد شعورها وفقدت علاقتها مع الواقع ومع حساسية المسيحية الإنسانية، ولأن للعلمانية الحق في ممارسة وفهم الدين بالطريقة التي تريدها، خارج وضد الكنيسة أيضا، فإنني أدعو العلمانيين من مسيحيي المولد إلى فتح نقاش أو عقد ندوة حول موضوع وحيد هو سبل إعادة المسيحيين إلى موقعهم الصحيح من الجماعة العربية / الإسلامية، وإلى دورهم الثقافي / المجتمعي في خدمتها، بعيدا عن أية سلطة غير سلطة الجوامع الإنسانية والمشتركات الروحية والمادية التي تربطهم بها، في زمن التحول الاستثنائي الذي لا سابقة له في تاريخ العرب، ويمثل فرصتها لامتلاك وبناء الدولة التي تعبر عن حريتها وحضورها في شأن عام عاشت المسيحية فيه وبفضله، لأنه كان مرتبطا بالدولة في مفهومها المجرد والسامي، ومنفصلا عن شأن سلطوي استبدادي الطابع والدور، مما حمى المسيحية من شرور وبطش السلطوية وغرسها بعمق حاضنتها الطبيعية، المستقلة نسبيا عن السلطة والسياسة، بفضل الإسلام وفضائه الإنساني: المتسامح والرحب .
إذا كان العلمانيون في الدول العربية المختلفة يدركون أهمية هذا التحول التاريخي، الذي يجب أن يرد المسيــحية إلى مكانها الصحيح من مجتمعاتها، فإن واجبهم يكون المبادرة إلى فتح هذا النقاش أو عقد هذا المؤتمر الذي لا بد أن يضم ممثلين عنهم يلتقون في بيــروت أو القاهرة، يتدارسون خلاله كل ما هو ضروري لرد المسيحية إلى موقعها التاريخي كجزء من المجتمع العربي / الإسلامي، يخوض معاركه ويشاركه مصيره، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويرفض اعتبار نفسه جزءا من سلطاته أو خادما لديها، فيتقاسم مع مواطنيه أقدراهم، سهلة كانت أم صعبة. بغير ذلك، لن تبقى المسيحية في هذه المنطقة، وسيكون مصيرهم كمصير النظم التي يخدمونها: على كف عفريت، خاصة إن انتصرت بالفعل جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، التي ينتحرون اليوم انتحارا مؤكدا لشدة خوفهم غير المبرر منها، ولا يجدون طريقة يردون مخاطرها بواسطتها عن أنفسهم غير الارتباط المجنون باستبداد يعلمون تماما أنه إلى زوال مهما طال الوقت، وأن طريقهم إلى التوطن في قلوب وعقول مواطنيهم لا يمكن بحال من الأحوال أن يمر من خلاله أو على جثث ضحاياه .
باختصار شديد: إما أن تغير الكنيسة مواقفها وتعود ثانية إلى كنف مجتمعها العربي / الإسلامي، أو أن يؤسس العلمانيون كنيسة مدنية تأخذ المسيحيين إلى حيث يجب أن يكونوا، مواطنين حريتهم جزء من حرية مجتمعهم وفي خدمتها. وللعلم، فإن التاريخ لن ولا يجوز أن يرحم أحدا: كنسيا كان أم علمانيا، إن هو وقف جانبا، أو رقص على جثث من يموتون من أجل حريته!
نحن والحداثة والعولمة
بول شاوول
ـ I ـ
"مشروع الحداثة الغربي الذي بدأ أساساً من عصر التنوير الأوروبي قد انتهى. وإننا ننتقل الآن إلى مرحلة جديدة من تاريخ الانسانية في مرحلة "ما بعد الحداثة". ومشروع الحداثة الغربي قام على أساس عدة عمد رئيسية، أهمها على الاطلاق الفردية والعقلانية، والايمان بفكرة التقدّم الانساني المطرد، والحتمية في التاريخ وفي الطبيعة" (من التحوّل الثقافي، كتابات مختارة في ما بعد الحداثة ( ـ )، تأليف فريدريك جيمسون ترجمة محمد الجندي، صادر عن أكاديمية الفنون، القاهرة).
غير أن المؤلف البارز الذي أصدر البيان الخاص بما بعد الحداثة ونعى موت عصر الحداثة هو الفيلسوف الفرنسي ليوتار في كتابه "الظرف ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة" نشره بالفرنسية عام .
فالحداثة بحسب الرأيين الأول والثاني، محددة التاريخ والمعالم والقسمات. أي أنها كما يرى الاثنان ومعهما كثيرون، من صنع الحضارة الغربية، وتحديداً الأوروبية، والتنويرية. أنا شخصياً، لا أعرف حتى الآن ما معنى الحداثة أقصد أني لا أعرف لها تحديداً. ما هي الحداثة؟ ولماذا تستعمل "ال" الاطلاقية هنا التعريفية؛ بدلاً من قول "حداثة". كما أني لا أعرف متى بدأت هذه الحداثة؟ في أي عصر؟ في أي اختراع؟ في أي اجتراح؟ أو في أي معجزة؟ هل بدأت الحداثة مع اختراع "الدولاب"، أو في العصر البرونزي، أم مع الورق، أو مع الكهرباء، أو في المجتمع الزراعي، أو الصناعي؟ هل بدأت مع الفراعنة، أو حضارة ما بين الرافدين، أو الفراعنة أو الاغريق أو الرومان أو المسيحية أو الاسلام، أو مع الثورة الفرنسية...
فعندما تقول إنها بدأت مع عصر التنوير (وهو فترة حداثية بامتياز) فيعني ذلك أنها "فكرة" غربية، ويعني أن الحضارات القديمة أو المخضرمة الشرقية وغير الشرقية، هي فترات قحطاء. أي أنه تم اقتطاع تواريخ البشرية بإنجازاتها عن المساهمة في صنع هذه الحداثة. كما أنني لا أعرف ما هو تحديد الحداثة؟ ما هي الحداثة؟ هل هي مضمون؟ هل هي طريقة تفكير، أو طريقة عمل، أو سلوك، وماذا يعني أن يكون هذا الأمر حديثاً أو غير حديث، إذا قيست الأمور بالزمنية أو بالانجاز أو بالمضمون أو بالشكل أو بالأمر؟
إن محاولة ربط الحداثة بالعصر التنويري يوقع في ما يسمى فكرة "الاقتطاع" أو الاجتزاء التي روّج لها الغرب في مرحلته الاستعمارية الكبرى، وكأن التاريخ سلسلة مراحل منقطعة عنه بعضها، أو منفصلة في تجلياتها وسيرورتها. بل وكأن هذه الحداثة (التي لا نعرف لها تاريخاً ولا تحديداً) من صنع جهة واحدة، طلعت من العدم، وليس من التراكمات التاريخية. بل كأن التاريخ لحظة تضيء لدى شعب ما ثم تنطفئ، ليبدأ شعب آخر من الصفر. أي كأن التاريخ مجموعة أصفار تتلاغى وتتناكر دون لقاء أو تفاعل أو جدلية أو حوار. ونظن أن الغرب في بعض مراحل قوته وهيمنته اتبع عبر سياسة الاقتطاع هذه، نوعاً من مصادرة التاريخ وإنجازات الحضارات الأخرى، تماماً كما كان يصادر ثروات البلدان التي كان يسيطر عليها بالقوة، وبالتفوّق، أو بالغزو.
ونذكر أنه منذ الخمسينات (وما قبل) بدأت في الغرب نفسه، أوراق نعي الحداثة لتعلن موتها. فهي التي بدأت في الغرب ها هي تموت في الغرب. والذي لا يعرف تاريخ ولادة الحداثة من المستحيل أن يحدد تاريخ المراثي: "موت الانسان"، "موت الفكر"، "موت الايديولوجيا"، "موت الله"، "موت الدولة"، "موت ماركس"، "موت الفن"، "موت السينما"، "موت المسرح"، "موت الرأسمالية"، "موت أوروبا"، إلى آخر هذه الميتات المفاجئة، هذه الفكرة "العدمية" بامتياز استكملت مسيرتها لتعلن عصراً "انبعاثياً" جديداً: "ما بعد الحداثة"، ولتضيف الـ"ما بعد" إلى جملة من الظواهر والجواهر: "ما بعد الفن"، "ما بعد الفلسفة"، "ما بعد الدولة"، "ما بعد الايديولوجيا"، "ما بعد القصيدة"، "ما بعد الدراما"، "ما بعد الرواية"، انقلاب شامل، موصول، على كل ما اعتقد أنه جزء من التنوير أو ثقافة التنوير.
من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. من مشروع إلى نقيضه. وكما حددت مهل الحداثة حدد ما بعدها. وكما عينت النهاية، عينت البداية. هكذا كرد فعل. كثورة مضادة، ومن جديد، ومن المنطلق "الغربي" نفسه (يحكى اليوم عن موت الغرب) مورست فكرة الاقتطاع. والالغاء، موت بلا قيامة، ولا ارث. والسجال الأساسي، بقي في الأساس سجالاً غربياً أيضاً. الغرب يلغي نفسه، ثم يعيد تركيبه بأدوات وأفكار "جديدة" غير مسبوقة.
ـ II ـ
يحدد الـ"ما بعد الحداثيين" معالم مرحلتهم الراهنة، بسقوط "النظرية الكبرى وعجزها عن قراءة العالم" أي سقوط "الأنساق الفكرية الكبرى المغلقة التي تتسم بالجمود، والتي تزعم قدرتها على التفسير الكلي للمجتمع ومن نماذجها البارزة الايديولوجيا (لا سيما الماركسية)، وسقوط "فكرة الحتمية سواء في العلوم الطبيعية أو في التاريخ الانساني" إذ ليس هناك، كما يرى "الما بعد الحداثيين"، حتمية في التطوّر التاريخي من مرحلة إلى مرحلة. لكن على العكس فالتاريخ الانساني "مفتوح على الاحتمالات المتعددة" ومن هنا رفض "فكرة التقدّم" الكلاسيكية التي كانت تتصوّر تاريخ البشرية "وفق نموذج خط صاعد من الأدنى إلى الأعلى". فالتاريخ الانساني، بحسب الرؤية الما بعد الحداثية، قد يتقدّم لكنه قد يتراجع أيضاً. وأحد الأمثلة: عجز فكرة التقدم عن منع الحرب العالمية الثانية، وظهور النازية والفاشية، إلخ.
وتدعوالحركة في "جانبها التشكيكي" إلى رفض الثنائية بين "الذات والموضوع"، بعدما دعت إلى إلغاء "الذات الحديثة" لأنها من اختراعات الحداثة، وربيبة "عصر التنوير والعقلانية". وتمضي هذه الحركة في محاولة تحطيمها الحداثة إلى رفض كل زعم لاحتكار "الحقيقة" لأن في ذلك "إرهاباً فكرياً غير مقبول"، وتقليص دور النظرية واستبدالها بحركة الحياة اليومية والتركيز على ديناميات التفاعل في المجتمعات المحلية، ما يؤدي إلى إلغاء "الفروق النوعية وإلغاء صور التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية"، أي إرادة هدم المبادئ التي قام عليها "مشروع الحداثة الغربي" برمته.
هذه الثورة "الشمولية" الرافضة، المدمرة، التي رأى بعضهم فيها "عدمية خالصة" وتعبيراً عن إفلاس "الرأسمالية الغربية"، وشكلاً من أشكال "الحتمية" المتجدّدة، أثارت سجالاً عنيفاً، وردوداً من جانب عدد من المفكرين الذي تساءل: وهل دخلنا في عالم الحداثة حتى نهتم بحركة ما بعد الحداثة".
ومن المنطلق "الغربي" بالطبع (نكرر أن السجال الحقيقي كان غير عربي)، رد الفيلسوف الألماني هابرماس وارث تقاليد المدرسة النقدية الشهيرة بمدرسة فرانكفورت (ومن أعلامها ادورنو وهوركلهيامر، وماركوز)، لينسف بدوره الفكرة المركزية لحركة ما بعد الحداثة، الزاعمة نهاية عصر الحداثة.
ولا يغيب الماركسيون، في هذا الخضم الوعر، الذين وقفوا موقفاً نقدياً عنيفاً أيضاً ضد هذه الحركة كفريديرك جميسون والانكليزي تيري إيجلنون، الذي رأوا أن الأفكار التي تدعو إليها حركة ما بعد الحداثة "أشبه ما تكون ببنية فوقية تقوم على بنية تحتية هي علاقات الانتاج الرأسمالية الاحتكارية"، وإن رؤيتها العدمية للحياة ليست إلا "إفلاساً سياسياً وفكرياً واقتصادياً للرأسمالية المعاصرة".
بين هذين السجالين نعيد السؤال بطريقة أخرى: الما بعد الحداثة هل هي في عمقها، وحتى في منحاها التدميري القاطع، جزء من الحداثة، أو خروج كلي عليها؟
المسألة الأساسية في رؤيا الما بعد الحداثيين، تكمن في اعتبار أن الحداثة كتلة تاريخية مغلقة (مدرسة أو ايديولوجيا) بلا شقوق ولا تناقضات، وأنها امتداد للتنوير الحديث. لكنها لا ترى، من خلال ما حاولت تهديمه في الحداثة وما دعت إليه، ان معظم ما هدمه أو كله تتضمنه الحداثة نفسها. فما بعد الحداثة، كأنه إحياء للحداثة، أو استنبات "حقائق" ومفاهيم من متونها، أو جزء منها. فنفي "الحقيقة"، و"اللايقين"، والبنى التاريخية والمعطيات الجاهزة والتفاعل، وتنوّع حركة التاريخ... (وما أشرنا إليه) ما هي كلها إلا من تجليات الحداثة نفسها أو من متونها أو من احتمالاتها. وهل يقول الما بعد الحداثيين جديداً عندما يعلنون موت العقلانية مثلاً؟ الدادائية والسوريالية وقبلهما المستقبلية، وما قبل الكل الصوفية، (وصولاً إلى جوانب من الفكر الشرقي والاغريقي)، وكذلك الرومانطيقية... والاتجاهات الغريزية والحدسية والماورائية، كلها تنفي العقلانية، أو تنفي أولوية العقلانية، لكنها وبرغم ذلك جزء من الحداثة التي تتميز (ولو ما زالت ناقصة باعتماد نماذجها "الغربية") بأنها تتكون أصلاً من التناقضات. وإذا كان لا بد من الاشارة أيضاً إلى نقد للايديولوجيات المغلقة (الماركسية بمشتقاتها الرأسمالية المتوحشة أيضاً) فقد كانت الحروب الفكرية مندلعة بين اليمين والليبرالية (الأوروبية) واليسار، حول هذا الشأن منذ قيام الاتحاد السوفياتي على أساس الايديولوجيا الماركسية ـ اللينينية، ليطول ذلك الايديولوجيا الأخرى الرأسمالية والليبرالية التي لم توفر هي أيضاً قيام دكتاتوريات أو تتصرّف كدكتاتوريات (ايديولوجية) في كثير من مراحلها المعاصرة. والنقد الموجه للشيوعية السوفياتية بأسسها ومكوناتها قام به أصلاً (من باب النقد الذاتي وغيره) الشيوعيون الأوروبيون أنفسهم في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، في الستينات من القرن الماضي، باعتبار أن الايديولوجيا الشيوعية ـ يمكن أن تعدل من بنيتها "المغلقة" وتنفتح على الأفكار الحرة الجديدة، لتلغي بعض الأسس الشيوعية كدكتاتورية البروليتاريا... معنى هذا أنه ليس هناك حداثة واحدة، ولا حداثة مكتملة أيضاً. وقد أشار هابرماس إلى ذلك عندما قال في إحدى مقالاته الشهيرة "الحداثة مشروع لم يكتمل". والحداثة باعتبارها مشروعاً غير مكتمل يعني أنها، بشكل أو بآخر مستوعب لكل المفارقات والامكانات بتراكماتها وبناها (التي رأى فيها الما بعد الحداثيين أنساقاً مغلقة) وشذورها، وفجواتها، وهشاشاتها الكثيرة. صحيح انه لا يبقى كل شيء من أي شيء، بفعل الزمن والتطوّرات والفجاءات غير المنتظرة، لكن الصحيح أيضاً أنه لا يطلع أي شيء من اللاشيء. وفكرة الما بعد حداثة، في سياقها الصادم، كأنما تريد أن تقول إنها، وفي تهديمها للحداثة، ونفيها، لم ترث شيئاً منها.
هذا المنطق "الانقلابي" العسفي، يوقع الما بعد حداثيين في نوع من الايديولوجيا التي ينكرونها، وتهديمهم "المنهجي" يصبح تهديماً قائماً على جهوزية، وقبلية، افتراضيين، بالمنحى التجريدي للعبارة، بل ويقعون في ما ينفونهم، أي، ومن خلال زعمهم تحطيم الأنساق المغلقة (من قيم وإطلاقية وجواهر) يسقطون في منطق هذه الأنساق. وادعاؤهم، محاولة فهم الظواهر والتواريخ فهماً "تفكيكياً" واستخلاص الأدوات من طبيعة هذا الفهم، إلا أنهم، وعبر هذا المنحى الانقلابي الشامل، أو فلنقل هذا المنحى "الاستعلائي"، أو هذا الانسلاخ التبريري، يقعون في "المحظور" الذي رفضوه (ولو افراضياً) أي نوع من اللازمنية التي تجعل العديد من مقولاتهم ضرباً من الميتافيزيقيا، أو التجريد، أو اليوتوبيا.
فهل يمكن القول مع هابرماس أن المشروع الحداثي لم يكتمل، وتالياً إن المشروع الما بعد حداثي هو فرع "متمرد" من فروع الحداثة؟
ـ III ـ
إذا كانت الحداثة ما زالت مشروعاً مفتوحاً والما بعد حداثة فرعاً من فروع هذا المشروع، فكيف نتعامل مع "العولمة"؟ أين نقف من هذين "المشروعين" آنياً على الأقل، ومن خلال كل هذه الالتباسات النظرية المتعددة؟
إن ما قلناه من أن الحداثة التنويرية جزء من الحداثة الكبرى المتمثلة بحركات التطوّر عبر الانسانية كلها، نقوله في العولمة، فهي ليست "مشروعاً" جديداً. والتاريخ مشروع عولمة مشرع منذ بداياته. وإذا كانت العولمة تعني ما في ما تعنيه، ومن دون تحديدات نهائية، انها مجموعة من القنوات والأدوات المتحوّلة التي تمت عبرها معظم الانتقالات الكبرى في الحضارات، فيعني أن العولمة، لا تقتصر على تاريخ معيّن، أو على طريقة عمل معينة، أو بطبيعة معينة، أو حتى بأمكنة معينة: إنها ملازمة لمشاريع التاريخ كله، منذ أقدم العصور وحتى اليوم.
لكن، وكما ربطت الحداثة بزمنية معاصرة، وبفعل الهيمنة والقوة والظروف، أي بزمنية التنوير "الغربي"، فإن العولمة اليوم، كأنما حدد ميلادها بمواعيد عديدة: منهم من يرى أنها بدأت منذ خروج أوروبا واهنة من الحرب العالمية الثانية، ودخول أميركا كقطب جديد في المعادلة الدولية. ومنهم من يرى أن هذه العولمة قد تكرّست أو تعززت (أو قامت) بعد سقوط جدار برلين وتوحيد الألمانيتين وانهيار الاتحاد السوفياتي؛ ومنهم يرى أن تطوّر المعلوماتية ووسائل الاتصال، بهذه الوتيرة المذهلة هو حد من الحدود الفاصلة في بروزها.
بمعنى آخر، ربطت العولمة، (حديثاً) بالأمركة، أو كما يقال "بالقطب الواحد"، و"بالقوة الأحادية" والهيمنة الأحادية، وكأنها ابنة القرن الماضي، وابنة أميركا تحديداً. عدنا من جديد إلى منطق "الاقتطاع" و"المصادرة" والتجزئة. وكما سُلخت الحداثة عن تواريخها الحضارية والثقافية السحيقة، سُلخت العولمة بحيث لم تعد مشروعاً تاريخياً متصلاً بمشروع الحداثة إلى حد كبير، بل مجرد ظاهرة آنية محكومة بالعناصر السياسية والايديولوجية والعسكرية والاقتصادية الراهنة. إنها كانت كذلك منذ فجر التاريخ. ولهذا نقول ان المعرفة كلها ظاهرة معولمة. والحضارات والانجازات. والحداثات. (والما بعد حداثة)، وكل المواصفات التي تعلق على العولمة القطبية اليوم هي مواصفات تاريخية رافقت كل القوى والأمم والامبراطوريات والأنظمة التي مثلت الامتلاك والسيطرة والتفوّق. أي أن كل قوة، تظهر في التاريخ هي قوة تسعى الى عولمة قيمها (بما في ذلك من قيم الشعوب المغلوبة أو السائدة) وعولمة مصالحها، وعولمة سيادتها. فالفراعنة وممالك الرافدين، والفينيقيون والاغريق والرومان والمسيحية والاسلام والعرب وأوروبا... كلها كانت ظواهر معولمة. والاستعمار الحديث المتمثل ببعض الامبراطوريات الحديثة كإنكلترا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال... هو استعمار اتخذت فتوحاته، بكل محمولاتها السياسية والاقتصادية والتجارية والعلمية والثقافية، منحى معولماً، والانتقالات الحضارية (وانتكاساتها أيضاً) الكبرى عبر الأزمنة، وما خلفتها من تحوّلات أصابت البشرية، تمت بفعل هذه القنوات المعولمة التي تطوّرت، بتطوّر الحاجات والضرورات المتصلة بتلك الظواهر.
فالعولمة (كالحداثة) فعل متصل. ويعني أنها ليست من صنع أمة واحدة. أو شعب واحد. بتراكماتها وإنجازاتها، لكنها، مع هذا، تتلوَّن وتتكوَّن وتتهيكل بأحوال هذه التحوّلات والمراكز والانتقالات. وهذا ما نراه اليوم. "العولمة" المدموغة بالأمركة، بالسطوة الامبراطورية، تتلوَّن وتتكوَّن وتتهيكل لسمات هذه الامبراطورية، لتحمل في ما تحمل، القيم المفترضة أو المعدلة أو المصوغة، لتتناسب وطموحات هذه الجهة المهيمنة وأطماعها وأهدافها. فهي تصبح إفرازاً "آلياً" لتلك القيم المرشحة لاختراق العالم، بحيث تصبح آلة ايديولوجية معممة تنشر مضامينها وأفكارها وبضائعها، فتستوعب ما تستوعبه من القيم الأخرى، أو تحارب ما تحاربه من الشعوب والأمم. وكأن "الامبراطوريات" لكي تبرر انتشارها، وتختبر تفوقها، وتغذي نرجسيتها التي تتجسد عنصرية، تجعل الحداثة آلة من آلاتها الخاصة. تبرمجها، أو تعيد صياغتها بما يوائم تصوّراتها وتطلعاتها ومصالحها. تجعل من الحداثة ومشتقاتها وإنجازاتها العلمية والتكنولوجية والثقافية، مستوعباً لها، وذريعة، لا لمصادرة الثقافات الأخرى، بل أيضاً، لمصادرة الحداثة، وقولبتها وتشويهها، بل وتجعلها "معطى" خاصاً، تستولي، عبره، على المنجزات، وتنسبها إلى نفسها، وتفصل من الحضارات ما تريد تفصيله على مقاسها، ولهذا رأينا الامبراطورية الأميركية، "تنهي" التاريخ، وتخترع ما سمي "صراع الحضارات" أو "صدام الحضارات"، لتجعل من الحضارات الأخرى تبريراً لما تهدمه منها. أحادية الثقافة وأحادية القوة، وأحادية التفوّق. وعندما نسمع من يقول ان العالم بات "قرية كونية" بفعل تنامي وسائط الاتصال والمعلومات، نكتشف بفعل "الاجتراحات" الامبراطورية أن هذه القرية صغرت واحترقت بمن فيها، واندلعت من نيرانها الحروب الاتنية والطائفية والدينية والقومية. وعندما نسمع بأن زوال الايديولوجيات المغلقة (كالماركسية) سيسمح بعالم تنتشر فيه الحريات والبحبوحة واليسر لا سيما عند الشعوب المغلوبة نجد بفعل انتهاب الامبراطورية خيرات العالم لا سيما الجنوب منه، عالماً يضج بالفقر والجوع والأمراض والحروب، والخوف، والتشرد، والهجرات، والعنف. لتصبح العولمة المتأمركة عولمة السيطرة والتخلف وتنامي المشاعر الدفاعية عن الذات والهوية، والخصوصية، كمتاريس أخيرة للدفاع عن آخر ما تظن الشعوب المقهورة أنها تمتلكه، لتتحقق مقولات "صراع الحضارات" و"الشعوب المختارة"، التي تقابلها الحضارة الأميركية (لا الغربية) المتفوقة. ولهذا، نجد اليوم هذه النزعة الاحتجاجية العالمية على العولمة لا سيما أوروبا، وخصوصاً فرنسا. فهذه الدول هي أصلاً من ميراث الاستعمار القديم. ويعني أنها كانت مصادر العولمة في القرون الماضية. ولهذا أيضاً نجد أن الحركة الاحتجاجية ليست على "العولمة" كإطار وقنوات ورؤيا مشتركة بين الشعوب، بل على العولمة المتأمركة.
وهكذا نرى أن الأمم المغلوبة على أمرها، والأمم المتقدمة في حداثاتها، تجتمع على محاربة العولمة التي صادرتها الامبراطورية. وتلتبس هنا الحداثة (وما بعدها) بالعولمة هذه. فيزدوج العداء لهما عند الشعوب المغلوبة، وينمو حذر شديد لدى الدول المتقدمة ومؤسساتها وأنظمتها من هذه الحداثة المتأمركة المعولمة التي تغزوها، بثقافاتها، ومصادرها، وحتى "هويتها": من صراع الحضارات، إلى الفنون، إلى التكنولوجيا، إلى درجة أنه بات يحكى اليوم عن "غربين" لا عن غرب واحد: الغرب الأميركي، والغرب الأوروبي، وعن صراع "حضاري" يبن هذين الغربين، وبين حروب ثقافية بينهما. إزاء كل ذلك ماذا يمكن أن نفعل، نحن العرب؟
ـ IV ـ
إلتباس العولمة بجوهر الحداثة، واستيعابها لها، وجعلها مسألة (وبضاعة) خاصة تستخدم، في كل مستوياتها وتعابيرها، وأشكالها، لقهر الشعوب، وفرض القيم الاستنسابية عليها، وتهديد مصائرها، أحدثت في شرائح كثيرة من العالم العربي والاسلامي والعالم الثالث هواجس ومخاوف خطرة، جعلتها ترتد إلى مواقع النقيض في علاقتها بهذه العولمة "الأحادية"، وجعلتها تلجأ إلى ينابيعها الأولى القومية والدينية والطائفية والاثنية. فالعولمة العنصرية (التوتاليتارية) تستدعي ما يشبهها. والعولمة ذات الامتدادات الثقافية الأصولية (التعصب، ومشاعر التفوّق والنرجسية الدينية)، والانحياز إلى الخطأ والظلم (القضية الفلسطينية، غزو العراق...)، تستحضر الأصولية، والتطرّف يستسقي التطرّف، ومنطق الفسطاطين يستدعي منطق الفسطاطين، والثنائية المانوية (خير، شر، أبيض، أسود) تستدعي شبيهتها. لكن المشكلة، عندنا، كشعوب أصبحت مغلوبة ومسبوقة ومهمشة ومهزومة ان هذه الهواجس المشروعة، خلطت بين أمور كثيرة: الحداثة كمشروع كوني مفتوح، والحداثة (المعولمة أحادياً) كمشروع هيمنة ومصادرة؛ الغرب كمرجعية خصبة في ثقافته المتراكمة والمتقدمة، والغرب كصورة مستعمرة؛ العولمة كوسيلة تكسر الأسوار وتزيل العوائق، وتقرب الشعوب، وتلغي المسافات، وتؤدي إلى تبادلية غنية بين الأمم والثقافات، وعولمة تفرض بضاعتها وايديولوجيتها وخصوصياتها. كل هذا عائد إلى أننا جمعنا الغرب كله وأميركا كلها (هناك أميركا الأخرى الابداعية التي اطلعت عظماء في العلوم والثقافة والآداب والفنون) والعولمة كلها (كمبدأ)، في سلة واحدة، وتراجعنا إلى المقاعد الخلفية، متحصنين بالرفض والانكفاء والخوف والعزلة. وإذا اعتبرنا، لأننا خارج لعبة "الحداثة" التي نسميها غربة (وهي ليست غربية)، لوهن أوضاعنا، وقصورنا عن المشاركة في صنع هذه الحداثة، وقمنا بردود فعل آنية، مباشرة، عاطفية، أو لا عقلانية، اننا خارج التاريخ والحضارة والعولمة، فإننا نرتكب بذلك الخطأ الذي تريد "الامبراطورية" وسواها أن نرتكبه: أي السقوط في القوقعة، والتعصب والانغلاق الاثني والديني والمذهبي والقومي، للتحصن في ما يسمى الخصوصية والسعي إلى استرداد الهوية والمحافظة عليها، وتقويمها، والعودة إلى الوراء لمقاومة الحاضر والمستقبل، كبديل من المشاركة في هذه الحداثة، أي النقاء الأول بديلاً من الحاضر المتعدد.
من الطبيعي أن نقول ان كل الثقافات كانت ثقافات اثنية، (وربما ما زالت كذلك حتى اليوم)، ولكن، وعبر تراكمات عشرات القرون من التحديث تم ما يمكن أن نسميه "الخروج"، أو مغادرة هذه "الاتنيات" بأشكال متفاوتة بين الشعوب، إلى أن أدت هذه الحداثات المتراكمة إلى نظرة جديدة للعالم، تحاول الخروج من الخصوصيات التقليدية، إلى ما هو مشترك بين الناس، وإلى ما هو "انساني" عام (لا إلى ما هو نقي خاص)، وإلى ما يدفع خارج الذوات المغلقة، لقيم، وإن انطلقت من منها، فإنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد؛ أو بالأحرى تستنبش ما هو كوني في هذه الذوات، وصولاً إلى ما يتقاسمه البشر أينما كانوا، بصرف النظر عن أعراقهم ولغتهم وخصوصياتهم الاتنية.
فالعولمة القطبية التي صادرت إنجازات الحضارات، وتريد أن تخترع صراعات "حضارية" هي التي صادرت (سياسياً واقتصادياً) وحاولت مصادرة "الحداثة" الكونية هذه، التي صنعت كل الشعوب على امتداد ألوف السنين، ونسبتها في مرحلة قوة وتفوّق وطغيانية معينة من التاريخ، إلى ذاتها النرجسية المغلقة، لرفضها تقاسم "الحياة" و"المخيّلة" و"العقل" والتنوير والابداع مع غيرها، إنها الاحادية. كأنها سطو على كنوز البشرية الألفية والمليونية، وعملية إخضاع مبرمجة لسيادة الصوت الواحد، والأنا الذاتية المضخمة.
وماذا يمكن أن نفعل، عندما تلتبس، عندنا وعبر ردود الفعل، مفهوم الثقافة "بالاثنية"، أو العرقية، أو بالأصولية، أو بهوية "نقية" جد مختزلة؟ والذي يؤدي إلى المجازفة بتضخيم الفروقات والتمايزات الثقافية بيننا وبين الثقافات الأخرى. هذا التضخيم يعزل كل الشعوب ليس عن العالم وإنجازاته، وتجلياته، وعن التواريخ وصناعتها، بل عن تلك الذوات المتفتحة التي لا ترى أملاً في إخصابها، سوى بما يمكن أن نسميه الآخر. (والآخر هو الذات في النهاية، لكي لا نقع في هذه الثنائية). إذ إن أخطر ما نواجهه حالياً في العالم، ولدى الشعوب المغلوبة بأيدي العولمة الامبراطورية، والحداثة الامبراطورية، والسطوة الامبراطورية، انها، في ارتداداتها الدفاعية إلى الوراء، وإلى القيم والأمجاد والهويات البائدة، منها، وغير البائدة، انها تسهل أكثر فأكثر توسع "الأمركة"، وأشكال الهيمنات الأخرى عليها وعلى العالم.
فتضخيم الفروق يصب في مصلحة "القوى" العظمى، أقصد قوى السيطرة والاستغلال، ويؤدي إلى أنظمة غير متنوعة من العنصرية، تماماً كما هي الحال، اليوم، لا عند بعض شعوب العالم الثالث فقط بل وقبلها وربما بعدها، مع أميركا الجديدة (التي خرجت حتى على دستورها) ومع الصهيونية العدوانية، إحدى الظواهر الظلامية التي خلفتها شقوق الحداثة الاستعمارية.
إن مكتسبات الحداثة (الكونية المتراكمة) هي التي، عبر تنوّعها، وتنويريتها وقيمها الانسانية، ما يجب التمسك به. فالعقل التنويري (كعولمة تبادلية عادلة)، كأنه الينبوع المحايد الذي يمكن أن نستفيد منه، وتستفيد منه كل البشرية، (مقاومة العولمة والحداثة المتأمركة لا تعني استقالة العقل الحداثي التنويري). هذه الاستفادة خارج كل اعتبار ديني أو ايديولوجي أو اثني أو عرقي، بحيث إننا، كعرب، وعبر هذا "العقل" يمكن أن نفضي إلى نوع من "الأفكار العالية" قابلة، وبنسب ما، للتحقيق في هذه المستويات الاثنية (المفتوحة) والسياسية والاقتصادية. ويعني هذا، في ما يعنيه، التمسك بالقيم العقلانية التي من انجازاتها الحداثية الديموقراطية، والفردية، والمجتمعات المدنية، واحترام حقوق الانسان... فأي سلاح أفعل، في مواجهة أشكال التعصب الدوغماتي الذي يفيض حالياً من كل جهات العالم، غير التفكير (العقلاني) النقدي (من أسس الحداثة المعولمة الكونية)، الذي يملك القدرة على الخروج من ذاته، وكسر "المركزية الذاتية"، وإدراك قيم انسانية عالمية محايدة.
إن هذه "القيم العالمية "المحايدة" ايديولوجياً" (كما يقول المفكر الايراني المتنوّر درويش شايفانا في إحدى مقالاته)، المتحررة من كل لون طائفي، أو عنصري، تكون في حد ذاتها مشروع "هوية" مستقبلية، (والهوية مشروع مفتوح) خاصة، لأنها ليست اثنية أو دينية ولا وطنية (بالمعنى الشوفيني)، هوية تنتمي إلى العقل (التنويري) ذاته، وهذا لا يعني، بالضرورة، أن يفضي إلى نوع من "الاقتلاع"، أو الانسلاخ، بقدر ما يعني الانخراط في الذات للخروج منها إلى ما هو أشمل. وهذا لا يعني الاستكانة إلى ما هو نظري فحسب، ولا إلى ما هو "عمومي"، ولكن يعني أيضاً الانخراط في فعل الحداثية التنويرية (العقلانية في المقدمة)، للعمل على إقامة نظم عادلة، ومفتوحة، تتجاوز تحايل الأنظمة الاستبدادية التي تحاول، قدر استطاعتها، تغييب هذه العقلانية النقدية عند الناس خصوصاً أن اللجوء إلى الغيوب وأوهام الهوية، والتمسك بخصوصيات مكتفية، تصب كلها عند هذه الأنظمة سواء كانت ايديولوجية أو دينية أو طائفية.
فالمطلوب إذاً، لمواجهة العولمة "الموجهة"، و"الحداثة" "المصادرة" من قبل الاستبداد بين والاستعماريين، والامبراطوريين، الانخراط في "عولمة" (عالمية)، ذات قيم تسبق حدود الانقسامات الاتنية، بدلاً من أن نلجأ إلى تهويمات الانغلاق والعصبية والذات النرجسية، والهلوسات اليوتوبية المجنونة، و"المقدس"، والثابت.
إذا كان علينا الخروج من هذه الأزمات التي تتصل بالعولمة وما آلت إليه، وبالحداثة وما آلت إليه، (والما بعد الحداثة) وما آلت إليه ولو كفرع من فروع الحداثة، لا بد لنا من العودة إلى ينابيع التنوير بكل ما تضمنته، وإلى مقاومة كل ظاهرة تخرج على هذه التنويرية، ومواجهة الاستبدادية الآتية من "العولمة المتأمركة"، وكذلك مواجهة الاستبدادية الداخلية المتمثلة، في العالم الثالث؛ بالنظم الطغيانية، وعنف هذه الأنظمة القمعية، وكذلك عنف، ما يسمونه، اليوم "المقدس" الطالع من أعماق العصور والقبور الظلامية.
@ قدمت في المؤتمر الدولي بدعوة من معهد سرفانتس بعنوان "الحداثة والعولمة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)