الاثنين، 22 أغسطس 2011

سوريا تنزف

أوكتافيا نصر

ما هي المدينة التالية التي ستلقى نصيبها من الهجوم السوري؟ أي "عدو" ستواجه سوريا هذا الأسبوع؟ أي واحدة من ترساناتها ستستعمل في معركتها ضد نفسها؟ أي كابوس ستزرعه في قلوب شعبها؟
كم مواطناً سورياً سيموت بعد قبل أن يدرك الرئيس بشار الأسد أنه حان الوقت ليعتدل او يعتزل؟
بعد الكثير من المدن السورية، بدأت الزوارق الحربية السورية قصف اللاذقية. وقد أعرب سكّان المدينة الساحلية عن شعورهم بالخوف والقلق، فيما تحدّثت التقارير الإعلامية عن "قصف الزوارق الحربية الثقيلة" المدينة الأحد، وأوردت "بي بي سي" أن مرفأ اللاذقية تعرّض لـ"هجوم عسكري دموي". لقي كثرٌ حتفهم من جرّاء الهجمات، ويخشى الناس أن الأسوأ لا يزال ينتظرهم؛ فالكلام عن احتمال حصول إبادة لم يعد بعيداً من الواقع. في وجه الهجوم المتواصل والمتصاعد، يبدو أن المعارضة للرئيس الأسد تنمو داخلياً وخارجياً.
بعد خمسة أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية، ثمة أمر أكيد: الرئيس الأسد في مأزق لكنّه متمسّك بالسلطة وهو مستعدّ للذهاب الى النهاية في استخدام كل الوسائل العنفية المتوافرة لديه. إنه يطبّق القول العربي المأثور "يا غالب يا مغلوب" ولا يقبل بحل وسط بين الاثنين. بعبارة أخرى، لا يهمّه التوصل إلى تسوية للنزاع يخرج الجميع منها منتصرين. ومن المؤكّد أنه لا يهمّه أن تخرج سوريا منتصرة. فعلى غرار نظرائه، ولا سيما منهم صدام حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح وسواهم، يعتقد أنه يستطيع أن يكون الفائز الوحيد.
وكانت دول الخليج قد استدعت في وقت سابق سفراءها في دمشق احتجاجاً على لجوء النظام السوري إلى القوّة ضدّ شعبه. وأصدر العاهل السعودي إدانة شديدة اللهجة، فيما دعت تركيا إلى وقف العنف فوراً. تزداد سوريا الأسد عزلةً، ومع ذلك ليست ثمة مؤشرات لانحسار العنف على الأرض، ولا تلوح في الأفق أي نهاية منطقية للأزمة.
تحتل سوريا صدارة الاهتمامات على شبكات التواصل الاجتماعي مثل "فايسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب". يبدي الناشطون عبر هذه المواقع دعماً قوياً جداً للبلاد وشعبها. لا يمكن تجاهل المعارضة التي ترفع صوتها عالياً ضد بشار الأسد في أنحاء العالم. تشكّل هذه الشبكات فسحة يتشاطر فيها المشتركون الأخبار وأشرطة الفيديو والمعلومات والمستجدّات. من خلالها ينفِّسون غضبهم وينظّمون حملات للتضامن مع معاناة الشعب السوري والشعوب الأخرى. الأهم هو أن شبكات التواصل الاجتماعي تتيح للجميع التعبير عن آرائهم، وكثرٌ لا يوفّرون جهداً لاستخدامها.
خلال شهر رمضان الكريم، ركّز الناشطون جهودهم على تسليط الضوء على الهجوم الذي شنّته القوّات السورية على مدينة حماه، وأطلقوا عليه اسم "مجزرة هلال رمضان". والأسبوع المنصرم شنّوا حملة بعنوان "سوريا تنزف". يبدو أن التطوّرات في سوريا ستظلّ الخبر الرئيسي هذا الأسبوع، فيما تستمرّ الأنباء عن إصدار الأسد أوامر بإرسال الدبّابات إلى القرى بينما يتواصل قصف المدنيين جواً وبحراً.
لقد أصبحت سوريا بكاملها مقبرة للكثير من المدنيين الأبرياء، وحيث من يُفترَض فيهم أن يؤمّنوا الحماية للشعب هم من يصدرون الأوامر ويرتكبون المجازر. في مرحلة ما، سيُدرك منفِّذو الأوامر أنهم يقتلون شعبهم وعائلاتهم. وعندئذٍ سينعطفون ويتمرّدون على من يصدرون الأوامر. يجب أن يشعر الأسد بالخوف، لأنه يبدو أن هذا اليوم لناظره قريب.

المعضلة الطائفية في التحول الديموقراطي السوري

جهاد الزين
ما هي التركيبة الاجتماعية للسلطة في الزمن الآتي بعد تراكم 90 عاما شهد مأزقين: مدينيا (1958) وريفيا (2011) في بنية النخب الحاكمة؟
يمكن النظر الى التاريخ السوري المعاصر من زاوية سوسيو- سياسية على انه منذ ما بعد الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة الفيصلية في دمشق، ينقسم الى حقبتين:
حقبة سيطرة اعيان المدن الكبرى ولاسيما دمشق وحمص وحلب وحماه، السيطرة التي امتدت من العام 1920 حتى العام 1958، اما الحقبة الثانية فهي حقبة سيطرة حزبيي الارياف بقيادة العسكريين والتي امتدت الى اليوم... 2011.
في ضوء هذا التوصيف الاجتماعي للتاريخ السياسي السوري المعاصر فان الازمة الداخلية السورية المتفجرة اليوم هي حصيلة "نهايتين": افلاس نمط قيادة اعيان المدن للدولة السورية الذي عبر عن نفسه بـ"تسليم" عبد الناصر للسلطة في سوريا عام 1958 وهو ما سيتحول الى استلام نهائي للحزبيين الريفيين مع انقلاب1966... حقبة ستمتد اكثر من اربعة عقود ونصف العقد... هي التي نشهد "نهايتها" حاليا ولا نعرف بالضبط كم ستطول؟ وليس اوضح من البيان الختامي الصادر امس عن "اللقاء التشاوري للحوار الوطني" والذي ترأسه نائب رئيس الجمهورية في الاعلان "الرسمي" عن هذه "النهاية".
اذن السؤال الجوهري في سوريا الراهنة من منظور البنية الداخلية للبلد والدولة هو: ما هي التركيبة الاجتماعية الجديدة للسلطة في الزمن "الديموقراطي" الآتي بعد تراكم تسعين عاما ادى الى "افلاسين" مديني وريفي في بنية النخب الحاكمة السابقة والحالية؟
لكن لا يمكن الاكتفاء بهذه الصياغة للتاريخ السوري المعاصر بدون التشديد على ان نخبة اعيان المدن قبل ان" تفلس" سياسيا بشكل نهائي كانت قد نجحت في توحيد الدويلات السورية الاربع، دمشق وحلب والعلويين والدروز، في كيان واحد هو الجمهورية العربية السورية التي نعرفها اليوم او ما سمي ذات يوم "جمهورية ما تبقى من سوريا" اي بدون المناطق التي ضمتها فرنسا بطلب ماروني – مسيحي الى لبنان (والتي اظن ان موارنة جبل لبنان غيروا رأيهم تجاهها وما عادوا يرغبون بها منذ العام 1975!) كما بدون لواء الاسكندرون وفلسطين الانتدابية واجزاء من حوران وشرق الاردن. كذلك ستتمكن طبقة اعيان المدن من تحقيق الاستقلال عن فرنسا في الاربعينات قبل ان يبدأ تعثرها العميق الارتدادات على مصيرها كله كطبقة حاكمة امام المنعطف الهائل الذي شكله تأسيس اسرائيل عام 1948 وهو التأسيس الذي سيؤدي عمليا الى الهاوية بالبورجوازيات العربية الحاكمة في سوريا والعراق ومصر وليبيا والسودان وسيقضي بالنتيجة على العصر الذهبي لليبرالية العربية الذي امتد في النصف الاول من القرن العشرين.
اما حزبيو الارياف السورية بقيادة الضباط فقد ضيقوا، لاشك، الهوة الاجتماعية الاقتصادية الانمائية بين الريف والمدينة، كما شهدت العاصمة دمشق ترييفا افقيا هائلا ضاعف عدد سكانها فنقلها في نصف قرن من نصف مليون الى اكثر من خمسة ملايين فيما مدن اخرى كاللاذقية وطرطوس تبدلت معالمها الديموغرافية تبدلا جعل باحثا فرنسيا كفابريس بالانش وهو مؤلف كتاب "السلطة السورية والمنطقة العلوية" يكتب مؤخرا ان عدد السكان العلويين زاد بنسب محدودة عن عدد السكان السنة في اللاذقية وجبلة وبانياس فيما وصلت النسبة في طرطوس الى65 بالماية (ع) والى 35 بالماية (س). لكن لايجب ان ننسى ان هذه النسب تتعلق بمدن الساحل في حين ان الفارق على المستوى السوري العام هو 70 الى 80 بالماية سُنّة مقابل 10 الى 15 بالماية هم علويون. وعموما يقدر البعض كل الاقليات الدينية والمذهبية في سوريا بين ربع الى ثلث السكان مقابل ثلاثة ارباع الى ثلثين من السنة (توفيق كسبار في دراسته عن العلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية المنجزة مؤخرا يورد رقم 20 مليونا واربعماية الف نسمة هم عدد سكان سوريا الاجمالي بالاستناد الى الاحصاءات الرسمية السورية لعام 2009).
لقد توسل ريفيو السلطة الاقوياء العلاقات القانونية للتمركز في دمشق الصغرى والكبرى ولكنهم غضوا النظر بشكل مثير عن انتشار احياء سكنية غير مرخصة في ضواحي دمشق الغربية والجنوبية (قرب المخيم الفلسطيني) فانتشر الريفيون الفقراء، عسكريين ومدنيين، من اكراد وحوارنة وعلويين وغيرهم منذ السبعينات يبنون داخل حدود دمشق (بما فيها بعض سفوح قاسيون) وحولها بلا ترخيص. لكن الدولة خلافا لبلدان اخرى كانت تسارع في العديد من الحالات الى مد بنية خدمات صحية للمناطق غير القانونية. وقد اذهلني منذ حوالى العام ونصف العام اعتراف مجلة سورية صادرة بالانكليزية وقريبة من السلطة وبقلم خبير تنظيم مدني اوروبي بأن حجم مخالفات البناء في دمشق الكبرى يصل الى الخمسين بالماية. وان "أربعين بالماية من سكان المدن الكبرى يعيشون في مساكن مخالفة للقوانين".
حقق ريفيو السلطة استقرارا سياسيا وامنيا طويل الامد وغيروا توزيع الثروة السورية. ورغم الاحتكارات التي بلغت حدا فضائحيا فسيبقى الانطباع بالنتيجة اذا تمكنت سوريا من عبور مرحلة انتقالية بشكل سلمي ان اجحاف حقبة اعيان المدن الفضائحية بحق الارياف على اكثر من مستوى قد ردت عليها الحقبة الريفية بتسلط غير ديموقراطي بوليسي ادى تاريخيا الى احداث توزيع جديد للثروة رغم وسائل الفساد المستفحلة في المدن والفجوات التنموية الخطرة التي لا تزال تطبع الارياف السورية والنمو المركزي الفاحش للعاصمة حتى بوجود السدود الكبيرة وشبكة الطرقات الشاسعة والمرافئ المتوسعة.
لكن الظاهرة التي تخللت بشكل بارز الاحداث السورية هي لعب الارياف أو التجمعات السكانية الكبيرة في الارياف من درعا الى محيط دمشق الى جسر الشغور جنوب ادلب دورا اساسيا في اطلاق الاحتجاجات الشعبية وتفعيلها قبل انتقالها الى مناطق اخرى. هذا عنى في جملة ما عناه ان التوصيف التقليدي السابق لاصول النخب الحاكمة الريفية لم يعد بدوره كافيا لاعتماد التحليل السياسي اعتمادا وحيد الجانب على ثنائية "المدينة – الريف" بعدما بدا حجم التململ الريفي، الناتج عن سوء الاوضاع الاقتصادية التي تعيشها شرائح واسعة، كبيرا في مواجهة الجيل الثاني من السلطة الريفية او الادق ذات الاصول الريفية لأن هذا الجيل الثاني عاش في دمشق معظم حياته واصبح جزءا من نسيج طبقتها العليا المتعددة الطوائف بين البورجوازيتين القديمة والجديدة.
الذي اريد ان اصل اليه هنا ان الافق الديموقراطي الاكيد الذي تدخل اليه سوريا ضمن التحولات العربية ليس واضحا حتى الآن ما اذا كان سيأخذ منحى سلميا في المستقبل ام يتجه الى الحرب الاهلية (ونحن اللبنانيين نعرف ان الحرب الاهلية هي ايضا ظاهرة تكوينية في "ديموقراطيتنا" الطائفية –المذهبية)... هذا الافق الديموقراطي له مضمون طائفي اكثري/اقلاوي- مديني/ريفي – اسلامي/ مسيحي. وحول النقطة الاخيرة، هناك خاصية في تاريخ سوريا خلال القرن ونيف الماضي هي انها منذ اواخر العهد العثماني شكلت ملاذا فعليا للاقليات المسيحية بدأ مع قوافل الهاربين الارمن والسريان من الاناضول وكيليكيا خلال الحرب العالمية الاولى وسنوات الاضطراب التي تلتها قبل استتباب الامر لمصطفى كمال اتاتورك في تلكما المنطقتين ثم امتد الملاذ السوري مع استقبال الانتداب الفرنسي في منطقة الجزيرة لقوافل الهاربين الاشوريين من شمال العراق في الثلاثينات من القرن الماضي بعد قمع الجيش العراقي الملكي للتمرد الاشوري على الدولة المركزية ثم في التسعينات والعقد الاخير مع استقبال عشرات آلاف المسيحيين (ومئات آلاف المسلمين العراقيين) الهاربين من الجحيم العراقي في حين يعيش معظم المسيحيين السوريين الاصليين وضعا من الازدهار الاجتماعي. وبدون معرفة هذه الخلفية لا يمكن فهم الموقف المسيحي "الهادئ جدا" في الاحداث الجارية. حتى احداث 1860 في دمشق، التي تذهب في الاتجاه المعاكس للشواهد السابقة، قد تكون في الذاكرة التي تحفظها الكنائس مؤشرا على مخاطر التطرف الشارعي.
تحمل سوريا سمة مصرية من زاوية انطوائها كمصر على مسألة طائفية في دولة مركزية قوية ذات جيش قوي وهذا الى الآن يختلف عن الوضع اللبناني المتمثل بالدولة الضعيفة التي باتت تتقاذفها الطائفيات ليس ككرة بل كحذاء مهترئ.
يجب ان تأخذ المسألة الطائفية في سوريا المنحى الذي يليق بدولة فعلية تستعد للانتقال الصعب الى "التعددية" وفق تعبير فاروق الشرع.
لقد خذلتنا النخبة العراقية الجديدة بعد عام 2003 عندما قدمت نموذجا لبنانيا – بل اسوأ- للحرب الاهلية والفساد الوقح. وكم كان العديد من الليبراليين واليساريين العراقيين المعارضين قبل سقوط نظام صدام حسين يرفضون مجرد المقارنة بالطائفية اللبنانية معتبرين النسيج العراقي اكثر تماسكا وطنيا!! بعض المعارضين العلمانيين السوريين- لاسيما في الداخل - يبدون اكثر واقعية من "اسلافهم" العراقيين من حيث اعترافهم بوطأة المسألة الطائفية كأحد تحديات الانتقال الديموقراطي السوري كما تظهرها سطور واضحة في كتاباتهم.
النخب السورية من كل الاطياف والمواقع داخل السلطة وخارجها هل بامكانها تقديم نموذج للتحول الديموقراطي الذي يحمل من ضمنه مشروع تأسيس مصالحة طائفية مناطقية سلمية على غرار "المصالحة" بين الجنوب والشمال بعد الحرب الاهلية الاميركية؟ الفارق الجوهري انها "مصالحة" يجب ان تستبق الحرب الاهلية فتحول دونها كمهمة اساسية من بين مهمات بناء نظام سياسي جديد. دعونا نجازف بالتفاؤل في هذا السياق فقد سبق لسوريا في الخمسينات والستينات ان حصرت "الحرب الاهلية" داخل مؤسسات الدولة ومنعت انفلاتها في المجتمع على النمط اللبناني؟؟
هذه مصالحات تكرسها عادة على المدى الابعد تحالفات جديدة بين قوى اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في ظل نظام اول شروطه البنيوية ان تحمل الاكثرية- وهذا زمن عودة الاكثريات من كل الانواع - مشروعا ديموقراطيا بل مشاريع ديموقراطية.

المعضلة السورية ومآلاتها المحتملة

ياسين الحاج صالح

مع دخول الأزمة الوطنية السورية شهرها السادس، تقف جميع الأطراف المحلية والدولية المعنية بها أمام معضلات عسيرة. الانتفاضة تواجه معضلة. إذا ثابرت على الاعتماد على التظاهرات السلمية أداة احتجاج أساسية لها في مواجهة نظام لا يمتنع عن القتل، تحفظ تفوقها الأخلاقي والوطني، لكنها تدفع ثمناً إنسانياً باهظاً. وهي في الوقت نفسه لا تستطيع مواجهة العنف بالعنف لأسباب مبدئية وعملية معاً، ولا التعويل على التدخل الخارجي لأن من شأنه أن يدرج الانتفاضة في «لعبة الأمم»، فتخسر روحها. فهل يسعها، من دون سند داخلي أو خارجي، تحقيق هدفها الأولي المتمثل في إسقاط النظام؟
الانتفاضة تعالج معضلتها عبر استيعاب ضربات النظام، والاستمرار من جديد. وعبر محاصرة النظام أخلاقياً وإعلامياً، واستنزافه مادياً ومعنوياً، تعمل الانتفاضة على أن يكون الزمن حليفاً لكسب المعركة ضد النظام.
النظام أيضاً أمام معضلة. ما لم يتمكن من تحقيقه بالعنف (الأمني)، لم يتمكن من تحقيقه بمزيد من العنف أيضاً. فهل يمكن لمزيد على المزيد من العنف أن يثمر؟ قصف المدن بالطيران الحربي مثلاً؟ ربما. لكن هذا سيعني تدمير البلد. وماذا يستفيد حكام الغصب من تدمير البلد؟ وماذا سيحكمون أصلاً إن دمروا البلد؟ هذا فوق أن من شأن نهج مجنون كهذا أن يجر تدخلاً دولياً، يتسبب بمزيد من الضرر على سورية، من دون أن يستفيدوا هم منه.
في الوقت نفسه لا يبدو أن من شأن الاكتفاء بمستوى المزيد من العنف (أمني وميلشياوي وعسكري) أن يطفئ الانتفاضة أو يحد من انتشارها. بل يبدو أن المجتمع السوري يستوعب موجات التصعيد العنفي المتتابعة، ويستأنف احتجاجاته بعزم متجدد. قد يستطيع النظام أن يحجّم لبعض الوقت بعض بؤر الاحتجاج الكثيرة، على نحو ما فعل بدرعا والرستن وتلبيسة وحمص، لكنها عادت بنشاط إلى ميادين الاحتجاج ما إن خف عنها الضغط الأمني والعسكري. والأكيد أنه لا يستطيع إخماد جميع البؤر طوال الوقت. هذا يتجاوز قواه وموارده المادية.
في الوقت نفسه لم يعد ثمة مخرج من دائرة العنف التي أسر النظام نفسه والبلاد فيها. فات أوان مبادرات سياسية أكثر جدية من طرفه، بما في ذلك وقف العنف والإفراج عن معتقلي الانتفاضة. ولم يعد أحد يثق به، ومن شأن تراجعه أن يلهب الاحتجاجات الشعبية أكثر. لقد أحرق النظام ورقته «السياسية»، ولا يبدو أن ورقته العسكرية تجديه نفعاً ما لم تبلغ حد الجنون. فإن بلغته، لا يبقى هناك بلد يحكمه.
ومن وجوه معضلة النظام أن رهانه منصبّ على سحق الانتفاضة بغرض إعادة الأمور لما كانت عليه قبل تفجرها، لكن إذا نجح في مسعاه، فسيدين الحكم للساحقين، أي للشبيحة ومن في حكمهم، وسنعود ثلاثين عاماً إلى الوراء، وليس نصف عام فقط.
وإلى الانتفاضة والنظام، يبدو أن القوى الدولية المعنية بالشأن السوري تواجه معضلة تخصها. فوراء التعارض الظاهر بين غضب القوى الغربية وتركيا الشديد من النظام وبين تواضع مواقفها العملية منه وتعويلها حتى اليوم على أن يتصرف بطريقة مسؤولة، ثمة تضارب في الخيارات: فإذا سكتت هذه القوى على النظام تصرف بطريقة طائشة، تحرجها أمام شعوبها أو قطاعات منها وأمام «المجتمع المدني العالمي»، من دون ضمان أن تبقى مفاعيل طيش النظام النازعة للاستقرار قيد الداخل السوري. وفي الوقت نفسه لا يبدو أن من شأن التصعيد ضده في صورة عقوبات محددة وضغوط سياسية أن يثمر شيئاً بالنظر إلى الطابع العصبوي المغلق وغير العقلاني للنظام. هذا بينما ليس لهذه القوى مصلحة في تدخل عسكري لا يريده السوريون أيضاً.
الدول العربية المعنية، دول الخليج ومصر والأردن أيضاً في مأزق. فهي لا تستطيع أن تداوم على الصمت بينما يتشكل ما يقارب إجماعاً دولياً على إدانة النظام، وبينما تعلو فيها أصوات داخلية غاضبة ضد سلوكه المتجاوز لكل حد. وهي أيضاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً ضده، بمفردها، ولا يبدو واضحاً لأحد إن كان هناك جهد دولي منظم ضد النظام في وقت قريب أو في أي وقت.
وروسيا في الوضع نفسه. فالنظام لا يوفر لها ما تقنع به نفسها والعالم من مبررات الدفاع عنه ما دام مستمراً في قتل محكوميه، وهي في الوقت نفسه لا تريد أن تساند القوى الغربية وحلف الناتو في عزل النظام وربما ضربه، ما من شأنه أن يعزز الهيمنة الدولية لهذه القوى، ويضعفها هي. وحتى حلفاء النظام الممانعون يبدون مرتبكين. حماس نأت بنفسها مبكراً لأنها لا تستطيع تحمل أكلاف التماهي مع سياسة النظام. وحزب الله توقف عن إطلاق التصريحات المؤيدة له بعد أن رأى ما أثارته من غضب في الشارع السوري، وإن مضت قناة «المنار» في ترداد الرواية الرسمية الكاذبة. وحدها إيران تبدو حاسمة في الوقـوف إلـى جانب النظام حتى النهاية.
وهكذا، تبدو سورية عنواناً لمعضلة جامعة. ففي أي اتجاه يمكن أن تنحل؟
الأمر تابع لتطورات الوضع السوري.
لا ريب أن الاحتمال الأعدل والأوفق للمصلحة الوطنية السورية هو أن تنجح الانتفاضة في إزالة النظام بقواها الذاتية. ستواجه سورية بعد التغيير كل أنواع المشكلات، بدرجة تفوق ما تواجهه مصر وتونس اليوم، لكن لعلها ستكون في وضع أفضل لمعالجة مشكلاتها بالنظر لاتساع قاعدة الانشغال العام، ولتوافق نمط التغيير هذا مع النازع الاستقلالي الذي طبع سورية منذ ما قبل تكون كيانها الحديث قبل أقل من قرن.
الاحتمال الثاني هو «حكم الشبيحة»: أن يحل النظام معضلته بحل سورية، دولة ومجتمعاً وكياناً ومعنى. سيكون هذا أسوأ ما يمكن أن يحصل للبلد، وسيسجل الانحلال الاجتماعي والأخلاقي مستويات غير مسبوقة، وستسود القسوة ويعم الفساد ويرتفع منسوب الكراهية العام، وستكون سورية معزولة وتعاني من أزمات اقتصادية خانقة، وسنشهد موجة هائلة من هجرة الشباب والأدمغة والكفاءات من البلد.
الاحتمال الثالث هو «لعبة الأمم»، أي تحكم القوى الخارجية، الغربية والعربية، بالداخل السوري. قد تنشأ أوضاع سياسية توفر قدراً أكبر من الحرية، لكنها ستكون أوضاعاً غير مستقرة، وستفقد سورية استقلالها وسيطرتها على مصيرها لسنوات. وهذا لن يتأخر في أن يضع الحرية المكتسبة بمشقة في مواجهة الاستقلال، فيقلل من شأنها.
فرص التسوية الداخلية فاتت. النظام لم يظهر أي استعداد لدفع الثمن (نهاية الحكم الأبدي وحاكمية الاستخبارات)، والانتفاضة لم تعد تقبل بما هو أقل من ذلك.

السبت، 20 أغسطس 2011

حزب الله والعدالة في سجن مشيمش والحسيني

لن يفلح الحزب في اختصار فكرة المقاومة و"الشيعة" بحزب واحد
علي الأمين
منع قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا المحاكمة عن السيد محمد علي الحسيني وتركه حراً لعدم كفاية الادلة،. وقد جاء قرار أبو غيدا مخالفاً لمطالعة النيابة العامة العسكرية التي ميزته، وبانتظار البتّ بالقرار، يبقى العلامة الحسيني موقوفاً. وجاء القرار بعد نحو 3 أشهر من اعتقال الحسيني، وهو رجل دين شيعي، بتهمة "التعامل مع العدو".
وكانت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني اعتقلت الحسيني وتولت بعض وسائل الاعلام القريبة من حزب الله الترويج لثبوت تهمة العمالة عليه، أسوة بما جرى مع امام بلدة كفرصير الشيخ حسن مشيمش الذي لم يزل معتقلا منذ 13 شهرا في السجون سورية بإيعاز من حزب الله. وبعد تهاوي التهم بـ"العمالة للعدو"، بحق الشيخ مشيمش والسيد الحسيني، يبقى الرجلان في السجن فقط لأن من عمل على تركيب التهم بحقهما لا يريد ان يفرج عنهما، وهو في هذه الحالة اي حزب الله، كما تؤكد اوساط قريبة من عائلتيهما.
هاتان الواقعتان المتصلتان برجلي دين شيعة معروفين بأنّهما يتبنيان مواقف لا تنسجم مع مواقف حزب الله السياسية او الفكرية، تظهران مدى الضيق الذي يصيب الحزب وقيادته حيال اي تعبير سياسي او اجتماعي مخالف لتوجهاتهما. وعلى قاعدة "عدم الاختباء خلف الاصابع" كما عبر الامين العام للحزب في اطلالته الرمضانية الاخيرة، يمكن الجزم بمسؤولية الحزب عن اعتقالهما التعسفي وترويج الاتهامات الكاذبة بحقهما من دون ان يرف جفن لأيّ من مسؤوليه. ولا احد يستطيع ان يتصور أنّه في لبنان يمكن ان يقوم جهاز امني لبناني باعتقال رجل دين شيعي بتهمة العمالة لاسرائيل، من دون ايعاز من قبل حزب الله، وفي الحد الادنى "استئذانه"، قبل القيام بهذه الخطوة. اما قضية الشيخ مشيمش فكل من حاول، من سعاة الخير، لدى الاجهزة السورية للافراج عنه او لتبيان اسباب اعتقاله، كان الجواب: "تابعوا القضية مع حزب الله"، هذا من دون ان يصدر بحق الموقوف اي اتهام، بل جرت تبرئته اخيرا، وانتقل من سجنه الانفرادي، حيث قضى عاما كاملا، على ما يؤكد ذووه، الذين سمح لهم قبل شهر بزيارته اسبوعيا.
سجن مشيمش والحسيني ظلما وعدوانا يكشف ميزان "عدالة" الحزب
هذان الرجلان المظلومان من قبل حزب الله، على سبيل المثال لا الحصر، كما تبين لاحقا، واللذان لاكت الالسن سيرتهما في عمالة مفبركة للعدو، ظلما وعدوانا، وبتشجيع وتحريض حزبيين، يكشفان الميزان الذي تقيس به قيادة الحزب الظلم والعدل.
إذ حين تتهم المحكمة الدولية بعض عناصره بجريمة اغتيال رفيق الحريري، يريد حزب الله من كل الناس ان تجاريه بقناعاته حيال براءتهما، لا بل يتهم كل من يدرج هذا الاتهام في سياق قانوني وعدالة دولية، بانه متآمر ليس على عناصر في الحزب فقط، بل على المقاومة التي لا يمكن لحزب او رجل ان يختصرها في تاريخ لبنان والعرب والعالم، ولا في تاريخ الشيعة ايضا. وفي نموذج مشيمش والحسيني سؤال اخلاقي مشروع عن معايير العدل والظلم: أليس هذا النموذج تأكيد على ان القوة هي المعيار والظلم ليس الا ضريبة يدفعها الضعفاء، بنظر الظالم؟
لكأن الخطاب الخشبي ايضا بات وسيلة لتثبيت السلطة، من هنا يمكن ان نتلمس بثقة كيف ان خطاب التخوين بات اداة الهجوم والتهجم على كل مختلف ومتمايز. وبهذا المعنى يمكن ان نتلمس كيف الغى الامين العام لحزب الله اي تمايز بين الشيعة والمقاومة وحزب الله في خطابه الاخير. لم يتحدث السيد نصرالله باسم حزب الله، وربما لم يرد في خطابه هذا، كلمة حزب الله، بل وردت كلمتا "المقاومة" و"الشيعة" كطرفين مقصودين، من دون لبس على ما يوحي، في القرار الاتهامي.
لم ترد كلمة حزب الله لكنها في الواقع كانت تحاول ان تختصر الشيعة والمقاومة في الحزب. اختصار المقاومة كإرادة وتاريخ وتراث ممتد ومتنوع وخلاق، واختصارالشيعة كمذهب محكوم بالاجتهاد والتنوع بحزب واحد أحد: "الغالبون"

إنقاذ النظام من نفسه أم إنقاذ الوطن منه؟

ياسين الحاج صالح
من شأن تكرار بعض الأشياء عن سورية أن يكون مفيداً في غمرة الكثير الذي يقال عن البلد منذ خمسة شهور.
النظام في سورية هو المركّب السياسي الأمني المالي، ونواته الأصلب هي سياسية أمنية. وهو بالتحديد الحكم الدائم للرئيس مع التطلع إلى توريث الحكم في نسله أو أسرته، ثم حاكمية الأجهزة الأمنية الموثوقة وحصانتها المطلقة، وأخيراً حرية تصرف واسعة بالموارد الوطنية العامة. هذه أشياء غير عادلة وغير صالحة. الإصلاح هو التخلص منها. وبالتحديد انتخابات رئاسية قريبة، متعددة المرشحين، مكفولة النزاهة، تطوي صفحة الحكم الوراثي، وإخضاع الأجهزة الأمنية للمحاسبة القانونية وتحويل العقيدة الأمنية من التمركز حول النظام إلى التمركز حول الأمن الوطني، والمراقبة الاجتماعية والقانونية للتصرف السياسي بالموارد العامة. هذا يعني أن إصلاح النظام هو تغييره بالكامل لأن من غير المتصور أن الأشخاص أنفسهم الذين حكموا البلد بالقرابة والغصب والاستيلاء سيحكمونه بالقانون، ووفق منطق وطني عام.
النظام هو أول من يدرك هذا. لذلك لم نسمع أبداً ما يشير إلى انتخابات رئاسية قريبة، أو محاسبة الأجهزة الأمنية ووضعها تحت القانون، أو نرى ما هو أفضل من كوميديا تحول رامي مخلوف إلى رجل بر وإحسان. ولذلك أيضاً دشن النظام شهر رمضان بالفتك المجنون بحماة ودير الزور، وعشرات البلدات، بهدف سحق الانتفاضة، لأنه يعرف أنه لا يستطيع أن يعطي السوريين شيئاً ذا قيمة على الإطلاق. وهو يعرف أكثر منا أن قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام هي لا شيء بالتمام والكمال في ظل هذه التركيبة السياسية الأمنية المالية القائمة.
لن نرى في الأيام ولا في الأسابيع المقبلة، ولا في أي وقت، «إصلاحات» على ما ينتظر سياسيون عرب وأجانب. النظام غير صالح، وليس فيه إصلاحيون، وفاقد الشيء لا يعطيه. لا بد من تغيير النظام من اجل الإصلاح، ومن أجل أن يوجد إصلاحيون.
هذا من باب قول الأشياء الأساسية عن «النظام» في سورية. وهو ما لا ينبغي أن ينتظر شهادة سياسيين أجانب أياً كانوا
لا تتمثل خطورة التحركات السياسية العربية والدولية الجارية حول سورية في احتمال انتزاعها زمام المبادرة من الداخل السوري، أو احتمال أن يجري التعويل عليها من أطياف سورية هي الأقل ارتباطاً بالانتفاضة والداخل الاجتماعي السوري، ولكن بخاصة من المراهنة الفاشلة لتلك التحركات على أن يصلح النظام أمره ويصلح أمر البلاد. الرهان المشترك للقوى الدولية والعربية هو تعقيل النظام وإنقاذه من نفسه، وليس إنقاذ سورية من النظام على ما تراهن الانتفاضة.
وهذا متصل بحقيقة أن منظور القوى الدولية جميعاً متمركز حول الاستقرار، ولا تكاد تعنيها ممارسات النظام الدموية إلا بقدر ما إنها تهدد بتحويل سورية إلى بؤرة غير مستقرة ومنبع لعدم الاستقرار في الإقليم ككل. وإن لم يكن من حسن السياسة التفرغ لمهاجمة تلك القوى الدولية، كما يطالب الممانعون، فلا شيء يدعو إلى التعويل على تحركاتها ومبادراتها. مناسب أن نلاحظ هنا أن مركز النقاش حول التحركات الدولية، تعويلاً أو رفضاً، هو سمة أشخاص ومجموعات سورية واهية الارتباط بالمجتمع السوري والانتفاضة. في هذا الشأن يبلغ الفارق بين الممانعين والمصانعين الصفر. هذا فوق أن الطرفين شريكان أيضاً في التبعية والدوران حول مراكز السلطة، أياً تكن هذه السلطة.
ما يعول عليه، وما ينبغي أن يتمركز حوله النقاش، وتصب الجهود السياسية والفكرية والميدانية من أجله هو الانتفاضة، استمرار التظاهرات والأنشطة الاحتجاجية إلى حين تحقيق الهدف الأول الكبير للانتفاضة: تغيير النظام.
ليس تغيير النظام نهاية كفاح السوريين بل هو بالفعل بدايته. كل قيمة الانتفاضة، أو الثورة في هذا السياق، أنها تتيح نقل البلاد إلى أوضاع تقبل الإصلاح. فالثورة ليست نقيض الإصلاح ولا البديل عنه، بل هي شرطه.
وأول الصلاح المأمول في سورية نظام سياسي ذاتي الإصلاح، بما يضمن تجدد النخب السياسية والتطور السياسي للمجتمع السوري. نعرف من تجربتنا أن الحكم الأبدي اقترن بإسقاط مبدأي المسؤولية والمحاسبة، بينما يُحاسَب المحكومون تعسفياً على أفكارهم وآرائهم ومبادراتهم المستقلة. وقد اقتضى هذا سلّم قيم سياسياً مقلوباً، يكون الحاكم بموجبه معيار وطنية محكوميه، ويكون الولاء له دينهم الحقيقي (يبوسون مطرح ما يدوس، على ما يقول أحد شعارات الموالين في سورية). لا بد من قلب سلّم القيم هذا. السكان، المواطنون، هم معيار الوطنية، والحاكمون خدم، عقودهم موقتة فوق ذلك.
ومن مقتضيات الإصلاح الذاتي الانتخابات الدورية والحريات العامة والإعلام الحر والتنظيم المستقل، عناصر كانت على الدوام تطلعات جامعة للديموقراطيين العرب.
في المقام الثاني إعادة تأسيس القيم الاجتماعية على العمل والمعرفة. القيمة العليا في سورية اليوم هي السلطة، تليها الثروة. العمل قيمته متدنية، ولا يكاد يضمن لأحد فرص الترقي الاجتماعي أو احترام الذات والغير، ومن يعيشون من عملهم حصراً تبقى فرصهم الحياتية متدنية، بما في ذلك تعذر الحصول على بيت، أو إذا كان المرء متدني التأهيل... معاناة درجات متفاوتة من الفقر. ومع تدهور قيمة العمل يتدهور الوزن الاجتماعي للعاملين وقيمتهم السياسية وتأثيرهم في الحياة العامة. هذا أمر ربما يخفيه اليوم التعطيل السياسي الشامل، لكنه مرشح للظهور أكثر إذا زال هذا التعطيل. الانتفاضة السورية في جوهرها انتفاضة لمجتمع العمل ضد سلطة الحكام الأغنياء، وما يوحد طيفها المتنوع هو هذا الارتباط القوي بالعمل.
ويتصل بذلك حكم القانون. لا قانون في سورية منذ مطلع العهد البعثي الذي هو بالفعل زمن للعسف والاعتباط. طوال نحو نصف قرن دان الحكم للهوى والغريزة، ولم يكن هناك ما يحمي المجتمع السوري من أسوأ التعديات.
ولا ريب، ستفرض نفسها قضايا تتصل بالهوية الوطنية، وترتيب عناصرها الأساسية، السورية والعروبة والإسلام، بصورة تضمن وحدة السوريين والمساواة بينهم. وقد لا يمضي وقت طويل قبل أن نرى أن الثورة السورية ثورة وطنية تعيد بناء الحياة السياسية السورية حول الداخل الاجتماعي، وتالياً تهيمن فيها السورية على كل من العروبة والإسلام. المواطنة المتساوية لا تستقيم على غير أرضية السورية.
ليس من المبكر الكلام على هذه النقطة. هي تطرح نفسها بصورة ما منذ الآن، ومن المرجح أن تكون على جدول العمل الوطني قريباً.

بعد الشجاعة الاستثنائية للانتفاضة السورية في مواجهة «النظام»، ستلزم السوريين شجاعة بناء نظام مغاير، ومستقبل مشترك.

كيف كان إدوارد سعيد سيرى الثورات العربية؟

حسام عيتاني
تصلح الثورات العربية مدخلاً لعملية تقديم وإعادة نظر في الكثير من الأفكار والأحكام التي هيمنت على الثقافة والفكر السياسيين العربيين في العقود الممتدة منذ هزيمة 1967 إلى اليوم.
صدمت تلك الحرب، على ما تقول السردية التي انتشرت بعدها، الوعي العربي الذي أدخلته الأيديولوجيا القومية العربية «الرسمية» حالاً سكونية حالت دون رؤيته الأبعاد الحقيقية للصراع مع إسرائيل وتشعب الصلات التي تقيمها هذه مع الغرب وارتقاءها جزءاً عضوياً من مصالحه وآليات الدفاع عنها. وبعدما كان «الاستعمار» هو الاسم المعتمد في وصف السياسات الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط، حلت كلمة «الإمبريالية» التي جاءت إلى الأدبيات السياسية العربية بجهود مثقفي اليسار الذين لاحظوا أن فارقاً شاسعاً بات يفصل بين الاستعمار بالصورة التي جاء فيها إلى المنطقة في القرن التاسع عشر ومطالع العشرين كعملية نهب مباشر لثروات البلدان المحتلة، وبين ما تنطوي عليه الإمبريالية من مكونات اقتصادية وسياسية تهدف إلى الاستتباع والإلحاق وصولاً إلى تغيير المفاهيم الثقافية والاجتماعية.

ربما كان إدوارد سعيد هو من خطف الأضواء في نقده علاقاتِ الشرق والغرب، في الجانب الثقافي خصوصاً في عدد من الكتب التي نالت شهرة واسعة خصوصاً «الاستشراق» و «الثقافة والإمبريالية». أصبح سعيد الصوت الأعلى في الدوائر الأكاديمية الأميركية (وبدرجة أقل الأوروبية)، المنافح عما يراه مصالح شعوب المنطقة العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. بيد أن سعيد وقع في عدد من المآزق. وبصرف النظر عن جملة من الأخطاء المعرفية الكبيرة (التي ناقشنا بعضها في مكان آخر)، انزلق سعيد إلى «جوهرانية ثقافوية» تقسم العالم إلى شرق مُضطَهَد يحمل القيم الروحية الراقية، وغرب مضطَهِد تسيّره شهوته إلى المادة والثروة والغزو. اعتقد البعض من تلامذة الرجل أن إدوارد سعيد إنما يساهم في الفكر اليساري التقدمي. وذهبوا إلى تكريسه بطريركاً يسارياً وهو ما لم يزعمه سعيد طوال حياته.

كان إدوارد سعيد أستاذاً للأدب المقارن معدوم الصلة تقريباً بمجالات العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي التي تشكل الساحات الحقيقية للآراء اليسارية. مقاربته الثقافية للصراعات الكبرى قادته إلى تجاوزات غير بسيطة للدقة التاريخية وللبحث الموضوعي وجعلته منحازاً إلى رؤية غير نقدية لتاريخ العرب وعلاقتهم بالعالم، على قلة ما كان يعرف من تاريخ قديم ومعاصر للشرق الأوسط. هذه الرؤى يمكن العثور على مثيلاتها عند كتّاب عرب تناولوا صلات الشرق والغرب بأدوات معرفية أكثر تواضعاً من تلك التي استخدمها سعيد، كالصادق النيهوم، على سبيل المثال.
لكن سعيد كان، قبل ذلك وبعده، يتمتع بقدر لا يستهان به من الذكاء والقدرة على تعديل الموقع الذي يقف فيه. وتبرز من بين أسطر كتاباته الأخيرة محاولات لتدارك الزلل الذي وقع فيه في «الاستشراق» خصوصاً، من دون أن ينسى تغليف ذلك بعدد وفير من المبررات، ليعود في المقال الطويل الذي كتبه لمجلة «ذي نايشن» الأميركية بعنوان «صدام الجهل» بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، إلى فكرته الأصلية عن الانقسام العمودي للعالم، وإن بدا كمن ينقد تصور صامويل هانتنغتون عن صدام الحضارات الذي ينبع من فكرة لا تختلف كثيراً، في العمق، عن مصادر أفكار سعيد الذي يرى متوازيات في دوافع الحركات الدينية، بين أسامة بن لادن وحركة «الفرع الداوودي»، على سبيل المثال، تؤسس لـ «صدام الجهل» بين المتطرفين... إلخ. وهو المنهج ذاته الذي اتبعه تلميذه حميد دباشي في محاولته ردم الهوة بين سعيد وبين المستشرق المجري البارز غولدتسيهر، الذي رفعه دباشي إلى مستوى قريب من القداسة ثم انتهى بالقول إن سعيد محق في وضعه كل المستشرقين في خانة العمالة للمشروع الكولونيالي الغربي (بحسب المقدمة التي وضعها دباشي للجزء الأول من كتاب غولدتسيهر الشهير «دراسات في الاسلام»).
أتقن إدوارد سعيد السير في دوائر، فيما كان يبدو من بعيد لمن لا يدقق في عمل الرجل أنه يبتكر مفاهيم وآراء جديدة في نظرته التبخيسية للغرب ولسياسته وعلمه. وأسست الدوائر التي أمضى الباحث يسير فيها لموقف عام وعريض بات في صلب المواقف التي يمكن وصفها، براحة ضمير، بأنها رجعية وشديدة المحافظة في شأن علاقة العالمين العربي والإسلامي بالغرب وبالإشكاليات المعاصرة.
ويمكن القول إن سعيد وفّق في نشر آرائه وأفكاره. لكن ما لم يوفق به هو مجموعة تلامذته ومريديه أو من يقولون عن أنفسهم أنهم كذلك. وباستثناء حفنة قليلة من التلامذة اللامعين، كدباشي الذي أدرك أوجه القصور في فكر سعيد من دون أن يجرؤ على كسرها وتجاوزها، أفرط القسم الأكبر من مريدي الكاتب الفلسطيني - الأميركي بالمبالغة في حمل استنتاجاته إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه خصوصاً بعدما أضفوا عليها أبعاداً عالمثالثية نضالية، وجوهرانية، لا تمت بصلة إلى كل ما يمكن أن يوضع في خانة الفكر النقدي.
هؤلاء التلاميذ وجدوا أنفسهم في مواجهة الثورات العربية التي تشكل تحدياً سياسياً واجتماعياً لناحية استعصاء تصنيفها ووضعها في الخانات المعدّة مسبقاً للثورات وحركات التغيير، إضافة إلى الصعوبات الجدية في استشراف المآلات التي ستؤول إليها هذه الحركة التاريخية العربية. انقسم تلامذة المدرسة السعيدية إلى فرقتين كبيرتين. ساندت الأولى الثورات العربية محتفظة بتأييدها للمقاومة والممانعة في وجه إسرائيل وبالعداء للولايات المتحدة والغرب (كظواهر مطلقة غير قابلة للتبدل بتبدل موضوع الخلاف، أي السلطة في العالم العربي)، وبالرهان على قيام الأنظمة العربية التي بدأت تتشكل في تونس ومصر، ولاحقاً في سورية واليمن وليبيا، بإنجاز المهمة القومية العربية بحسم الصراع ضد إسرائيل. وجليٌ أن رؤية كهذه تتجاهل احتلال الأسباب الداخلية المكان الأول في لائحة الأسباب التي حملت الشبان العرب على النزول إلى الشوارع والسعي إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة.
المجموعة الثانية، تركز في كتاباتها على علاقات الولايات المتحدة بالثورات العربية ولا تلبث أن تصل إلى استنتاج لا ينقصه العرج وهو أن واشنطن تستكمل غزو العراق على طريقة حصان طروادة، بإشعال الثورات العربية.

ربما استطاع إدوارد سعيد أن يتجاوز هزال أفكار مريديه وكاريكاتوريتهم، لو قيد له أن يرى الثورات العربية. ولكن لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الثنائية التي نظر سعيد بواسطتها إلى العالم، قد تجاوزتها الثورات قبل أن تبدأ.

«الموت ولا المذلة» طريق انتصار

محمد علي الأتاسي
في منتصف شباط (فبراير) 2011، قبل أسابيع من اندلاع الثورة السورية، تعرض شاب في مقتبل العمر لصفعة من شرطي في حي الحريقة التجاري في العاصمة السورية، وما هي إلا دقائق معدودات حتى تجمع مئات الشبان، في ظاهرة غير مسبوقة في ذلك الوقت، وراحوا يهتفون بصوت واحد «الشعب السوري ما بينذل». وقتها لم يكن محمد البوعزيزي هو الحاضر في الأذهان فقط، بل ثِقَلُ عقود طويلة من الذل والقهر جاثمة على كاهل الشعب السوري. هذا الشعار العفوي الذي انطلق من قلب دمشق التجاري، أصبح في غضون أسابيع قليلة احد أهم شعارات الشارع السوري، وشكَّل في مضمونه أحدَ أهم مفاتيح فهْم الأسباب التي فجرت الثورة السورية وجعلتها تلاقي كل هذا الصدى والاتساع.

يمكن القول إن هذه الثورة هي أولاً وقبل كل شيء، ثورة الكرامة في مواجهة عقود طويلة من الاستبداد أمعنت فيها الدولة الأمنية باستباحة الإنسان السوري وتجريده من أي حقوق أو وسائل حماية مشروعة في مواجهة آلة القتل والهوان الكلية القدرة والمطلقة الصلاحيات.

من هنا، لم يكن مفاجئاً عندما بدأ مسلسل القتل والسحل في درعا، أن يتجذر هذا الشعار ويتحول، بالفعل لا بالقول فقط، إلى تلك الصرخة الدرعاوية القصوى «الموت ولا المذلة»، التي باتت السلاح السلمي الأمضى للشباب في مواجهة الدبابات والرصاص القاتل.

يُروى أن الرئيس السوري شكري القوتلي، غداةَ التوقيع على اتفاقية الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية في 1958، بادر الرئيسَ جمال عبد الناصر بالقول: «أنت لا تعرف ماذا أخذتَ يا سيادة الرئيس! أنت أخذتَ شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المئة من ناسه أنهم زعماء، و25 في المئة أنهم أنبياء، وهناك عشرة في المئة على الأقل يعتقدون أنهم آلهة».

التراجيدي في هذه المرويّة، أن اتفاقية الوحدة، وبمعزل عن موقفنا من الوحدة ذاتها، كانت البداية التأسيسية لمسلسل وأد السياسة داخل المجتمع، وكسر شوكة هذا الشعب العظيم، كونها أدخلت البلاد في أوحال الدولة الأمنية، التي ستؤدي بها رويداً رويداً، بدءاً من تسلمّ البعث السلطة وصولاً إلى الحركة التصحيحية، إلى تدشين عصر «السادة والعبيد»، عصر النخبة المقدسة والرعية المدنسة، عصر «القائد إلى الأبد» و «سورية الأسد».

إن ما نراه اليوم من انتهاكات مقززة لكرامات الناس واستباحة لأجسادهم وسفك لدمائهم، ما هو إلا تتويج لممارسات دأبت السلطة عليها منذ الثمانينات، وجعلت منها طبيعة ثانية لها، وأمعنت فيها خلف الأبواب المغلقة للسجون والمعتقلات. إلاّ أن اندلاع الثورة السورية واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية وحضور كاميرات الهواتف الخليوية في كل مكان، جعلت الشوارع معسكر اعتقال كبيراً تمارس فيه شتى أعمال القتل والتنكيل، وأتاحت للعالم أن يرى بأم عينه ليس فقط كيف يداس السوريون كل يوم بالبسطار العسكري من قرية البيضا إلى حوران، ولكن كيف تنبعث كرامتهم من جديد من تحت نعل هذا البسطار وبرغم أنف منتعله.

قد يسأل سائل، كيف يسود منطق البسطار في تعامل السلطة مع شعبها في مثل هذه اللحظات الحرجة؟ ولماذا تغيب السياسة، بما هي فن الممكن وبما تعنيه من أخذ وعطاء؟

والجواب يبدو بسيطاً على فداحته، فمثل هذه السلطة يمكن لها في الظروف العادية أن تجنح إلى السياسة في تعاملها مع الناس وفي إدارة شؤون البلاد، أما عندما يصل الأمر إلى مساءلةِ بُنْيَة السلطة نفسها، وإلى طرح مبدأ تداول السلطة ومحاسبتها، فمنطق البسطار العسكري هو الذي يسود، أو بالأحرى، منطق اللامنطق هو الذي يطغى، وإلا فكيف نفسر الكم الهائل من الفرص الضائعة التي لم تعرف السلطة السورية كيف تستثمرها في الوقت المناسب! وكيف نفهم عجزها عن الاستفادة من هامش المناورة الواسع الذي كان متاحاً أمامها في الأيام الأولى للثورة.

الواقع يدل على أن هناك في الدوائر الضيقة لمراكز صنع القرار مَن لا يزال يعتقد أن الدولة، بما تضمه من بلاد وعباد، هي بمثابة ممتلكات شخصية وحق متوارث، بالتالي من المستحيل الدخول في أي مسار يمكن له أن يؤدي في النهاية إلى تقاسم السلطة، حتى لا نقول تداولها. ويستند هذا الاعتقاد في جزء منه، إلى أسلوب عصابي في التنشئة قائم على مسلَّمة «تأمر فتطاع»، وعلى حاشية لا تتقن سوى التطبيل لشخوص السلطة، وعلى قناعة راسخة بأن ما لا تحسمه القوة سيحسمه استخدام المزيد منها. من هنا، لا يبقى أمام هذه الحلقة الضيقة المتمسكة بالسلطة سوى الهروب إلى أمام بتطبيق سياسة «فرِّقْ تَسُدْ»، ومحاولة بث الفوضى والتفرقة والاقتتال الأهلي.

في المقابل، ومن أتون هذا الصراع الدامي، وفي مواجهة إستراتيجية الحرائق وزرع الفتنة التي تتبعها السلطة، يبزغ جيل جديد يملك وعياً سياسياً سلمياً بامتياز، ينشد الحرية والكرامة، وتتولد منه قيم مغايرة عمادها الشجاعة والتضحية ونكران الذات، وتتبلور عبره هوية وطنية سورية جامعة تؤمن بالتنوع وتحترم الاختلاف.

خصوصية الحالة السورية لا تأتي من نشر السلطة للجيش في شوارع المدن والقرى، واستخدامها للمدافع والرشاشات الثقيلة والرصاص المتفجر في مواجهة المظاهرات. كما لا تأتي من إرسال فرق الموت والشبيحة لخطف الناشطين وقتلهم، ولا من ملء السجون ومراكز التحقيق بالمعتقلات والمعتقلين. خصوصية الحالة السورية تأتي من قدرة الناس، وبعد خمسة أشهر من استباحة المجتمع بمثل هذه الانتهاكات الخطيرة، على الاحتفاظ بالمجمل بسلمية تحركهم وعدم الانزلاق إلى لعبة السلطة الباحثة بأي طريقة عن جرِّهم إلى النزاع المسلح. أما ما تعجز السلطة عن إدراكه حتى يومنا، فهو أن الدبابات والمدافع والرشاشات الثقيلة يمكن لها أن تبيد الفرق والعصابات المسلحة، هذا إن وجدت، لكن ما لا يمكن لها أن تنجح فيه، خصوصاً في عصر الإنترنت واليوتيوب، هو أن تنتصر على شعب أعزل خرج مطالباً بكرامته وحريته بعد أن صبر عقوداً طويلة على الذل والهوان. من هنا، فمآل هذا الصراع بات واضحاً وجلياً لكل ذي بصيرة، وكل ما عداه مسألة وقت يمر وأثمان تدفع وإرادات تتصارع، وفي هذه النقاط الثلاث، لن تكون الغلبة إلا للشعب السوري.

إن من ينادي «الموت ولا المذلة» في مواجهة الدبابات، لا يمكن إلا أن يكون النصر حليفَه، لأن هذا النداء لا يأتي حباً بالموت بل إصراراً على أن تكون الحياة صنواً للكرامة.