الأحد، 20 مايو 2012

التراشق الشخصي.. عيب وخلل

عادل عبد المهدي (نائب رئيس الجمهورية سابقاً- استقال من منصبه) صاحب ورئيس تحرير جريدة العدالة – بغداد - شخصنة المعارك وتسقيط الاسماء بما فيها الكبيرة.. تمارس اليوم ضد رؤساء ومعارضين ومسؤولين كبار ومحافظين وهيئات.. فهل الخلل في المسؤولين؟ ام في النظام وتقاليد العمل والاخلاقيات؟ مع كل ازمة يبدأ التراشق الاعلامي والتسقيط الشخصي.. فهذا تاريخه مشبوه.. وذاك اتصالاته خارجية.. واخر دكتاتور او متورط بفساد او ارهاب. وهذا دليل لامرين على الاقل.. الاول ان جوهر انظمتنا هي انظمة شخصية وليست مؤسساتية.. فالشوارع العامة مملوءة بصور القيادات.. وخطابنا السياسي مملوء بالـ"انا" والتمجيد الشخصي. كان الامر مبرراً في فترات المعارضة.. فالاستبداد يتطلب قوى سياسية بتنظيمات حديدية وقيادات صلبة تتمتع بقدرات المقاومة والصمود مما يرسخ مفهوم القيادة التاريخية الصعبة الاختراق. والثاني ضعف المناهج في الدولة وفي الاحزاب.. فعندما تتصارع المناهج تكسب البلاد.. فتسقط اوراق وتنتصر اخرى.. دون هدر لكرامة انسان او حقوقه. فيزداد الوعي والتقدم ويربح الجميع.. اما صراع الاشخاص، فالتفرد والتمجيد وشعارات الروح والدم.. او رجم وتسقيط واتهامات واكاذيب وسحل وقتل. وهذا سببه نظمنا الطاردة وليست الجامعة، وما ورثناه منذ الفترة العثمانية وقبلها.. فلم تعرف البلاد طرقاً لتولي المسؤولية وتداولها الا عبر الوسائل التآمرية والعنفية والكيدية. فتعم وسائل التسقيط والادانة على وسائل البحث والمنافسة السلمية والخطط والبرامج والسياسات. وسببه ايضاً ضعف المهنية وفقدان "دساتير العمل".. فمن يراجع امهات الكتب كـ"صبح الاعشى" للقلقشندي، و"قوانين الدواوين" لابن مماتي سيجد توصيفاً او "دستوراً" متكاملاً لكل مهنة ووظيفة بشروطها ومتطلبات نجاحها وفشلها. اما نحن فلقد انقطعنا عن الممارسات الجيدة للماضي ولم نبن عليها.. ولم نجار المعايير العالمية الجديدة. فحلت الفوضى وفقدان المعيارية وانتشار اعتباطية الاحكام في النجاح والفشل.. ليصبح احتلال الموقع المعيار الاساس.. فنصفق لمن يحتله، لنرمي عليه المسؤولية عند تركه. فنراكم التخبط والفساد والشخصنة. وستتضح الصورة اكثر باضافة الاخلاقيات الاجتماعية التي هي رادع مهم لمنع التسقيط اولاً، ولتكريم الشخصيات ثانياً، وحمايتهم ضد "اخطاء المهنة" ليكافئوا على تضحياتهم ومنجزاتهم وهي كثيرة ان نظرنا بانصاف. فالتداول والشفافية والنزاهة والنقد والاستجواب هي ليست تهماً او ادانات بل هي حماية لحقوق المواطنين ولاداء المسؤولين والحق العام.. وان اكتشاف ثغرات او اخطاء تعني تصويب سياسة وليس ادانة اشخاص. فالاخطاء جزء من المسؤولية.. يرتكبها من يعمل.. ويبقى بعيداً عنها من لا يعمل.

الثلاثاء، 15 مايو 2012

مانفيست : نحو عمل ثوري جديد

دعوة الى الحوار لتشكيل تيار فكري جديد يمهد لعمل ثوري جديد.. لسنا ندعو الى اعتزال السياسة ، ولا الى طريقة خفية للإشتغال في السياسة... ومبادرتنا هذه ليست "استراتيجية ذكية" للسيطرة أو للهيمنة الفكرية ، كما أنها لا تهدف الى الحط من شأن وقدر أية مبادرة أو ممارسة أخرى. إن مبادرتنا ترتكز ببساطة الى ملاحظة جد واقعية وهي أن الأفكار تلعب دوراً أساسياً وتأسيسياً في الضمير الجمعي كما في التاريخ الاجتماعي السياسي للبشر. ونظرة سريعة الى التاريخ البشري منذ عهد الفلاسفة اليونانيين (أرسطو مثالاً) والى عهد الأنظمة التوتاليتارية (ستالين ولينين وماوتسي تونغ مثالاً) ومروراً بعصور المسيحية (القديس أوغسطين وتوما الأكويني وديكارت ومكيافيللي) والفلسفة الألمانية (كانط – هيغل - ماركس ) والليبرالية الغربية (من آدم سميت الى فوكوياما)، تكفي للدلالة على كيف تؤسس الأفكار لثورات حاسمة ولتحولات جذرية مستديمة. إن التاريخ هو طبعاً من صنع إرادات وأعمال البشر، الا أن هذه الإرادات وهذه الأعمال تندرج دائما في إطار عدد محدد من القناعات والمعتقدات والتمثلات، التي تعطيها وجهتها ومحتواها وترسم لها خياراتها.. ونحن نريد استعادة هذا المعنى عبر تجديد المثالات الاجتماعية –التاريخية – العقدية للفرد وللجماعة.. وتزداد حاجتنا الى النص الفكري مع ما نلحظه في تطور المجتعات في هذا القرن الجديد:عجزت الأحزاب والنقابات كما الحكومات والطبقة السياسية و"المجتمع المدني" عن صياغة وبلورة فكرة جديدة محددة تعيد الأمل الى شعوبنا بمستقبل ممكن للحياة في لبنان كما في بلادنا العربية أو على هذا الكوكب. لقد انتهى الإنقسام التقليدي بين يمين ويسار الى مأساة بعد انهيار جدار برلين، وانهيار المرجعيات الضابطة للفكر والحركة ، وزال وهم الحداثة قبل أن تصلنا بركاتها المفترضة، وانقشع شعار التقدم الذي كان حجاباً يمنعنا من رؤية حقيقة مجتمعاتنا وظروفها، وبان الخطر المخيف: تطور لا بل انفجار لا سابق له لوحشية الأنظمة الاستبدادية الحاكمة باسم التقدم والتغيير، وللحروب الأهلية المخبوءة، وللرأسمالية المتوحشة، وفي سيرورة غير مضبوطة النتائج وبمعزل عن قِيَم وضوابط البشر ووجودهم واستمرار نوعهم وخارج كل اهتمام بحياة الناس الفقراء الكادحين والمنتجين ومستقبلهم. من هنا أهمية وضرورة إعادة الاعتبار للقيم وللمرجعية القيمية في صياغتنا الفكرية، وفي بلورة أنماط تفكير جديدة وخوض ممارسات جديدة، وفي اجتراح رؤية متماسكة للذات وللآخر، لبلادنا وللعالم، تكون متجاوزة للقديم، إنما غير مفارقة له، وتكون منشدّة الى الجديد، إنما غير محلقة في الفراغ، وهذا هو معنى هذه المبادرة.. أين نحن اليوم؟ إن أي تفكير نقدي جديد هو أولاً قراءة في الزمن المعيش: على أية أرض نقف؟ ما هي طبيعة المرحلة الراهنة؟ أو ما هي الظروف الموضوعية التي تحيط بنا ؟ إننا نعتقد بأننا نعيش اليوم مرحلة مفصلية، ولحظة انتقالية، ما بين قديم ينهار ويموت ببطء، وجديد لم يولد بعد، وذلك على خلفية أزمة كبرى قيل إنها نهاية التاريخ ، وهي في الحقيقة نهاية هذا التاريخ بالضبط ، تاريخ الحرب الباردة ، وليس كل تاريخ أو أي تاريخ. لقد كانت الرأسمالية كما الاشتراكية، من نتاج حركة تاريخية ليست بالمستجدة بل أنها تملك جذوراً قديمة في الثقافة الغربية وميتافيزيقها.. فالفردية كانت موجودة بلا شك في التراث اليهودي والبروتستانتي من خلال موضوعة الخلاص الفردي.. أما فكرة التقدم فهي مولودة من فكرة أن للتاريخ بداية مطلقة ونهاية ضرورية (وهي فكرة تتكرر في العهد القديم كما عند فوكويوما مروراً بهيغل وماركس).. فتأتي السيرورة التاريخية لتؤكد على وجود مخطط إلهي أو بشري للخلاص، أكان في الكنيسة والمسجد أم في الحزب القائد، في السوق أم في ديكتاتورية البروليتاريا، لافرق. وحتى الحياة السياسية نفسها فانها تتأسس على ثيولوجية معلمنة. ولقد غاب عن العلمانيين في بلادنا قراءة تاريخ العلمنة خارج فرنسا ، فلم يقرأوا برونو باور وكارل ماركس لمعرفة معنى المسألة اليهودية ولا قرأوا ماكس فيبر لمعرفة دور الدين والأخلاق البروتستانتية في ولادة البورجوازية ولا قرأوا فرنر شومبارت لمعرفة دور اليهودية في ولادة الراسمالية المالية العالمية.... ولم يعرفوا كيف أن الدول القومية الحديثة تماهت مع كنائسها لا بل تأسست على كنائسها: اللوثرية والكالفينية والانغيليكانية في أوروبا الشمالية عموماً وصولاً الى كل ولاية ومدينة في أميركا الشمالية. لم تخرج الرأسمالية والاشتراكية اذن من غير هذا الرحم، ولم تولد عبر انقطاعات أو تفكيكات بنيوية وانما هي نتاج سياق مجتمعي تاريخي حضاري تبلور خلال عدة قرون من الصراعات. وكل المدارس الفلسفية والتيارات الفكرية للحداثة الراسمالية والاشتراكية (ولمقلديها في بلاد الشرق: يستوي في ذلك المتمركسون والمتأسلمون غذ هما وجهان لنفس العملة)، المختلفة والمتناقضة في أسسها ، تلتقي عند نقطة جوهرية وهي فكرة أن هناك حلاً واحداً وحيداً يمكن تعميمه على الكون كله وعلى كل الظواهر الاجتماعية والاخلاقية والسياسية (نهاية التاريخ- ديكتاتورية الشيوعية- التجسد المطلق للفكرة- الخلاص بالمسيح وضرورة التبشير- مجيء المسيح الحقيقي عند اليهود وقيام مملكة القدس- مجيء المهدي المخلص..). وبحسسب هذا المنظور فان البشرية هي مجموعة أفراد عقلانيين تدفعهم المنفعة أو المصلحة أو القناعة أو الموقف الاخلاقي أو التعاطف أو حتى الخوف ، الى تحقيق وحدتهم في التاريخ .. والتاريخ طبعاً هو تاريخ هذه أو تلك من الفرقة الناجية ، أو الطليعة البروليتارية، أو غير ذلك... وتبعاً لذلك فان التنوع البشري يصبح عائقاً أمام تقدم التاريخ، ولذا تنبغي ازالته (من الفتوحات والحروب الصليبية إلى الاستعمار-بشقيه الرأسمالي والاشتراكي- الى التمدين الى فرض التقدم على الشعوب المتخلفة أي المختلفة إلى التبشير بكل أشكاله إلى الأسلمة والجهاد). وكل ما يميز البشر (الجماعات والأمم والشعوب) يصبح بهذا المنظار حادثاً طارئاً (أي لا تاريخي- خارج التاريخ) يتم تجاوزه (فولكلوراً في أحسن الحالات) أو ضربه والغاءه لأنه خطر على البشرية الموحَّدة في مجرى التاريخ. (خطر الآخر: موضوعة تؤدي الى الغاء الآخر أو الى استتباعه وادماجه بالقوة أي الى ازالته كآخر مختلف، موجود لأنه مختلف). أزمة العصر: لقد سيطرت رغبات الحرية والمساواة على المتخيَّل الجماهيري وقود كل الثورات. غير أن الواقع يقول لنا إن هذه الثورات (البورجوازية والبروليتارية على السواء) خانت وغدرت قيم الحرية والمساواة. ذلك أن الافراد وقد بتروا عن الجماعات التي كانت تحضنهم وتحميهم وتقدّم في الوقت نفسه شكلاً ومضموناً (ومعنىً) لوجودهم، أصبحوا خاضعين لسوط آليات كبيرة من السيطرة والهيمنة تقف حريتهم أمامها عاجزة أو بالأصح شكلية باهتة في إزائها. إن الأفراد يواجهون فرادى القوة الكونية للسوق وللعلم التقني وللاتصالات والمواصلات وللدولة الرأسمالية الحديثة دون أن يكون بامكانهم تقرير مجراها أو التحكم بمسارها. ونفس الفشل المزدوج ينطبق على شعار المساواة: لقد خانته الشيوعية حين أقامت الأنظمة الكليانية الأكثر وحشية في التاريخ (وقلدتها في ذلك الديمقراطيات الشعبية والجماهيريات الثورية في البلاد العربية والعالم الثالث عموماً). وكما أن الرأسمالية قد تلاعبت بها حين أعطت شرعية للفروقات والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر مأساوية ورعباً في عالم اليوم تحت ستار الديمقراطية والليبرالية، فإن الماركسية نادت بحقوق كثيرة دون أن تؤمن وسائل ممارستها.. لقد أججت الرأسمالية (ومعها وجهها الآخر:الماركسية) وأثارت كل الرغبات والحاجات وهي خلقت يومياً حاجات ورغبات أكثر وأكبر ولا تفسح في المجال لاشباعها إلا لقلة قليلة من الأغنياء والحكام ما يترك القطاع الأوسع من الناس في حالة كبت وإحباط وغضب وتوتر . أما أيديولوجية التقدم التي جاءت لتلبية انتظارات الشعوب للمهدي والمخلص فأدامت الوعود بمجيء عالم أفضل، وها هي اليوم تدخل أزمتها الجذرية: فالمستقبل الغامض والمقلق لم يعد حاملاً لبشائر الأمل وانما لنذر الخطر والخوف (من ثقب الاوزون والتصحر والجفاف وتلوث البيئة الى الايدز والسرطان وعودة الأوبئة الكبرى). لقد عاد الانسان ليواجه الخوف على المستقبل والقلق على المصير وعدم الثقة باليوم الذي يجيء أو باحتمال بقاء النوع الانساني أو بسعادة أولاد الغد.. وكل جيل جديد يجد نفسه في مواجهة عالم مختلف عن عالم آبائه.. هذا "التجدد" الدائم والمستمر والمؤسَّس على الحط من قدر البنّوة والنسب والتجارب السابقة وخبرة الأجيال ، في حين يتم التحول وبسرعة رهيبة من نمط حياة الى آخر ومن وسط بيئي الى آخر، هذا التجدد لم يعد حاملاً لأحلام السعادة والطمأنينة بقدر ما أنه أزال كل عوامل الأمان والثقة وأحل القلق والتوتر إنتظاراً للمجهول المخيف..هذا ناهيك عن الحروب القبلية والاثنية والدينية والمذهبية المنتشرة في كل مكان. وتروي "نهاية الايديولوجيات "حكاية النضوب التاريخي لكل النصوص التحشيدية التعبوية والتي تجسدت في اللبيرالية والاشتراكية والقومية والفاشية والشيوعية والنازية.. لقد شهد القرن العشرون مرور كل هذه الايديولوجيات على مسرح الفعل التاريخي وكانت نتائجها أكوام الجثث والمذابح الجماعية والحروب العالمية بين الامم والشعوب، والمنافسة المستمرة بين الأفراد (البقاء للأقوى) والكوارث البيئية والفوضى الاجتماعية وفقدان كل مرجع معياري حامل للمعنى (تتحدث الأفكار الغربية لما بعد الحداثة عن أزمة المعنى). إن الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الاستبدادية بتدميرهما للعالم المعيش لحساب العقل الأدوي (في صراعهما وحروبهما) قد ضاعفتا من النمو والتطور المادي الذي قابله إفقار رهيب لا مثيل له للفكر وللروح. لقد عممتا القلق والوسواس وعدم الثقة في الحاضر المعيش، في عالم يفتقد الى الماضي ولا يجرؤ على التطلع الى المستقبل. لقد تولدت عن هذه المنافسة الحضارة الأكثر فراغاً في تاريخ البشرية. لقد أصبحت لغة الدعاية الإعلانية هي الأنموذج والمثال لكل اللغات الاجتماعية ، وأصبح المال هو الآلة الذي يستبطن السلعة والسوق، وتحوّل الانسان نفسه الى سلعة أو غرض، للتدوال، في جو من المتعية الفقيرة. أما التقنية فهي تخنق العالم المعيش في شبكة مسالمة وعقلانية من التحفظ والدعة فيما تنتشر جرائم الأحدات والعاطلين عن العمل والعنف، وفقدان حس المواطنة والحياة المدنية، انتشار النار في الهشيم على شكل حرب يخوضها الكل ضد الكل ، والفرد ضد ذاته وضد غيره ، فيقبع هذا الفرد القلق ، المنبت، لا ظهراً أبقى ولا ضرعاً حلب، ويحلق في عوالم موهومة متوهمة من المخدرات ومن الصور الافتراضية ومن التوسط الشيئي الإعلامي التشييئي.. تتصحر القرى من الإنماء "المتوازن" والتنمية "المستديمة" لأموال الصناديق الدولية التي تهجّر الحجر والبشر من الريف الى الضواحي البائسة والمتوحشة والتي لا يمكن أن يسكنها بشر، في مدن- عواصم متضخمة متخومة تستفرغ أحشاءها حديداً واسمنتاً مسلحاً وطرقات- أوتوسترادات للموت المجاني.. وها هو الفرد الوحيد المستوحد يذوب وسط الجمهرة- حشود مجهولة الإسم والرسم ، متوترة الى حدود العداء والعدوان، فيما الأشكال القديمة للتوسط والتضامن والتراحم والتكافل، الاجتماعية منها والسياسية، كما الثقافية والدينية، تصبح شيئاً فشيئاً هشة، متقلبة، على غير سوية ،أو في أحسن الاحوال هي شكلانية فارغة، من طقوس وعادات مفارقة للزمان والمكان ، مغايرة للمألوف والمعتاد، وقد أصبح نمطياً. وهذه الأزمة العنيفة انتشرت وتنتشر في كل مناحي حياتنا... وفي عصر اليوتوبيا الكونية المؤسسة العمومية للحداثة، والتي تكاد تصبح واقعاً حقيقياً مع العولمة الليبرالية ، آذنت نهاية القرن العشرين بنهاية الأزمنة الحديثة، ودخولنا في عصر ما بعد الحداثة ، الحاملة لإشكاليات جديدة : بروز الهم البيئي ، البحت عن نوعية الحياة، دور "القبائل" و"الشبكات" (واللوبيات)، عودة الأهمية الى الجماعات على اختلافها ، سياسة الاعتراف بالمجموعات، تضاغف الحروب والنزاعات ما تحت وما فوق الدولتية ، عودة العنف الاجتماعي (من ملاعب الرياضة الى أزمة الضواحي البائسة والأرياف القاحلة)، تصاعد الهوة ما بين الشعوب والنخب (الحاكمة والمثقفة على السواء).. لقد فقد الحكام، وأصحاب الايديولوجيا المسيطرة القدرة على تفسير ما يحدث، ولم يعد لديهم ما يقولونه إزاء "الشبح" المرعب الزاحف في أنحاء العالم.. والحرب اليوم هي حرب الكل ضد الكل، والفرد ضد ذاته وضد الآخر (قتلنا أن الواحد منا يحمل في الداخل ضده- كما يقول مظفر النواب). إن هذا هو أفق ما بعد الحداثة المنظور، أو الفعل المؤسس لها : كسر كل مرجعيات المعاني المشتركة بين البشر وذلك لتحويلهم الى أفراد وحيدين متنازعين متصارعين في حرب أزلية على نمط الأفلام الأميركية الرائجة.. لقد خرجت البشرية من مرحلة الحروب على الطريقة الكلاوسفيتزية (الحرب هي امتداد للسياسة بأشكال أخرى) لتدخل في مرحلة الانبجاس حيث الحرب تنتشر في كل العلاقات الانسانية فتجعل السياسة هي امتداد للحرب بأشكال أخرى .. فيصير السلم أملا منشوداً أكثر من أي وقت مضى: السلم الداخلي، مع الذات عبر الطمأنينة والسكينة، والسلم الأهلي والعام، عبر احترام حق الآخر والاختلاف والتنوع، كسنة الهية كونية بشرية.. ان تجاوز أزمة الرأسمالية/الاشتراكية لن يأخذ شكل "سهرية" أو حفلة راقصة (نسخة معلمنة لرؤيا يوحنا في رجعة المسيح) وانما هو سيكون عبارة عن انبثاق مئات المطالع لفجر جديد للبشرية، أي تفتح مئات الورود والأزهار (بحسب تعبير ماوتسي تونغ) أو بالأحرى مئات المساحات والفضاءات المستقلة المتحررة من السيطرة الحداثوية الغربية (الرأسمالية الجديدة المتوحشة). ولا يمكن تجاوز الحداثة الغربية وما بعد الحداثة، بالعودة الى الوراء وانما باستنباط قيم ومعايير أصيلة متجذرة في تراثاتنا الروحية، ومندرجة في سياقات معاصرة ، وفي تطلعات ورؤى حديثة. علينا توليد فكرنا الجديد الخاص بنا، على صورتنا، أي صبغتنا الخاصة التي تسمح لنا بإعادة التأسيس الجذرية لمسارنا. ما العمل؟ إن السنوات والتجارب الماضية قد كشفت لنا عن أن الهول الذي يواجهنا عرباً ومسلمين، كما مسلمين ومسيحيين، كبير جداً، ويتناول سلامتنا الجسدية المادية، ومضموننا الثقافي والقيمي، ومصالحنا الإقتصادية، في أخص ما لها من خصائص وفي أشمل ما لها من أطر. كما يتناول دورنا في العالم، إذ يراد لنا أن نكون مجموعة من البشر تزّود العالم المتقدم إمكانات السوق وتستهلك ما ينتجه على كل الصعد، وتبقى كماً مهملا لا دور لها ولا ريادة في صنع هذه المرحلة من التاريخ. إننا في العالمين العربي والإسلامي (وفي القلب منهما لبنان) بما نحمل من قِيَم ، نريد أن نتواصل مع العالم ونثريه، ونتعاطى معه على قاعدة "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"... فليس موقفنا من أية صيغة للنظام الدولي موقف الرفض أو التبني، وإنما نريد أن نكون جزءاً من هذا النظام الجديد إذا كان عادلاً ونريد أن نتكامل معه على أساس المساهمة في صيغته لا على أساس التلقي والخضوع. إن الوضع العالمي الجديد يبعث على القلق وهو يثير أسئلة قلقة حارة لا نملك أجوبة لها بعد. وعلينا أن نطرح هذه الأسئلة وأن نقترح ما ينبغي أن يكون وأن نطلق حالة حوار فكري ثقافي سياسي تتواصل مع غيرها من المؤتمرات والمنتديات العربية والإسلامية ومع حركات اليقظة والتجديد والإبداع في اجتراح الأطروحة الثورية المعاصرة. إن العالم الثالث عموماً، والعالم العربي والإسلامي بالتحديد، ولبنان على الأخص، يسير نحو أوضاع مثيرة للقلق الشديد. ولا تنفع هنا الوصفات الجاهزة من قبيل <<الإسلام هو الحل>> أو <<الدولة المدنية هي البديل>> أو رفع شعارات العلمنة أو طرح نظريات مستوردة من خارج مكاني وزماني وثقافي وتاريخي مغاير، أو ما شاكل كل ذلك... إن علينا تقديم أجوبة على التحديات التي تثيرها إشكالية بناء الدولة المدنية في عالمنا العربي والإسلامي، وإشكالية العلاقات بين الطوائف، وإشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأمة والوطن، وبين الفرد والجماعة، وبين المواطنة والطائفية الثقافية والسياسية. إن من همومنا أيضاً أن نبحث مع غيرنا عن الشروط الضرورية لبناء الدولة الوطنية المدنية الجامعة المتواصلة مع مجتمعها، المتكاملة معه والمعبّرة عنه، الدولة المتوازنة غير المستبدة أو المتسلطة، ولا الغائبة أو المغيبة. إن إجتراح صيغ تنظيمية جديدة لفكر سياسي جديد، هو الطريق لنهضة حقيقية وتاريخية. إن الحريات شرط للمعرفة وبقاء المجتمع الأهلي والمدني، وإن الديموقراطية شرط لتطور مجتمعاتنا ونهوض أمتنا وتقدم شعوبنا. إن الدولة الحديثة في العالمين العربي والإسلامي لم تنتج نموذجاً للديموقراطية الخاص بها فلجأت إلى أشكال من الديكتاتورية الظاهرية والمقنعة، يستوي في ذلك أنظمة السلاطين وأنظمة الظباط.. ولكن الجرح الذي تسببت به ديكتاتورية النخب الطائفية العسكرية الملتحفة برداء الثورة والتقدم والتغيير، هو جرح خطير أدى ويؤدي إلى تدمير البلاد والعباد... إننا ندعو إلى المهادنة والمصالحة الداخلية ووقف الاحتراب والنزيف في مجتمعاتنا العربية وذلك على قاعدتي الحوار والتعددية : الحوار الإسلامي المسيحي، والحوار الإسلامي العلماني، والحوار بين الأنظمة الجديدة والقوى السياسية والجماهير الشعبية. إن هذه الدعوة قد تكون مثيرة للجدل الكبير والكثير ذلك أنها تصدم نمطاً وسياقاً في العمل السياسي وفي الفكر والمناهج، حكمت أمتنا ومجتمعاتنا وحركاتنا السياسية، وكانت برأينا المسؤولة عما نحن عليه اليوم من تخلف وهزيمة ومن إنتظار وتوقع لأكبر المخاطر في المستقبل. ولقد آن الأوان لإطلاق طاقات الحوار السياسي وقبول الآخر، والسلم الأهلي، والنهضة والإنماء الإنساني الشامل، ولقبول التعددية الحزبية والسياسية، وتداول السلطة بالوسائل السلمية وعبر صناديق الاقتراع، ولتوطين الديموقراطية في حياة مجتمعاتنا وصون الحريات واحترام الحقوق والواجبات. إن دخولنا عالم الغد باعتبارنا شركاء ومسؤولين لا عملاء وتابعين مرهون بتنظيم شروط ذلك أي أن نغيّر ما بنا ليمكننا الله من تغيير وضعنا وما حولنا. إن الشرط الداخلي للنهضة هو نحن: وحدتنا الداخلية وسلامنا الأهلي وديموقراطيتنا وحرياتنا. وإن الشرط الخارجي للنهضة هو التوازن والعدل في السياسة الدولية. غير إن عدم تأمين الشرط الخارجي لا ينبغي أن يؤدي بنا إلى التضحية بالشرط الداخلي. إن طموحنا هو المساهمة في أطروحة انخراط الأمة من خلال قياداتها كلها في مجال الفكر والمعرفة والسياسة والتنظيم لمواجهة التحديات، وإلى دمج القوى الكامنة في أمتنا عبر المصالحة والحوار الحي المفتوح بين مجموعاتنا دولاً وموارد وقوى سياسية وفئات ثقافية وإجتماعية. إن السياقين الكبيرين في صنع الحاضر والمستقبل منفصلان. فالقرار السياسي يعمل في سياق ومؤسسات الفكر والبحث تعمل في سياق آخر. صحيح أنه توجد مادة معرفية ولكنها لا تدخل في الآلية التي تحولها إلى طاقة. فآلياتنا تعمل من دون طاقة لأن طاقاتنا مبددة أو مخزونة أو مستغلة للآخرين. لن تستطيع المبادرة بالطبع حل هذه الإشكالات ولكن يكفي طرحها بوضوح وجرأة والحوار حولها وتعميم ذلك لتكوين حالة من المعرفة ومن التضامن تسمح بخطوات لاحقة. إن المطلوب طرح الأسئلة بطريقة جديدة تستعيد وتستدعي وتحمل هموم مفكري النهضة جميعاً، من مسلمين ومسيحيين، ومن إسلاميين وعلمانيين، ومن اجتماعيين واشتراكيين، ومن اصلاحيين وثوريين، وإعادة طرحها آخذين في الاعتبار ما استجد من معرفة ومن تجارب وتحولات واحتمالات مستقبلية وشؤون حياتية وعلاقات بين الأمم والشعوب، تمهيداً للإنشغال في الإجابة المفتوحة القابلة للاغتناء بكل ما يطرأ ويستجد بالعلاقة مع وقائع التاريخ ومعايشة الحاضر واستشراف المستقبل. إن على المشروع الحضاري الجديد للنهضة أن يطل عبر هذه الإشكاليات والتحديات على رحابة الفكر الانساني العالمي وقدرته على الإغناء والتجديد والتطوير والإنماء. وأن يطل على ضرورة تكوين مناخ نفسي وجداني عقلي يعزز ويدعم الشخصية الحضارية السوية للفرد وللمجتمع. إن ثقافة الحرب والاحتراب، والفتنة والجهل، والتكفير والهجرة، قد أكلت وتأكل عقول الناس، وأفسدت وتفسد قلوب وأذواق الناشئة. وهي أفقدت مجتمعاتنا روحها السمحة وفرحها القرآني والانجيلي ، وسويتها المدنية المطمئنة، وإن من أولى واجباتنا إطلاق طاقات الخير والبركة والحب والتضامن، وإعادة ترميم ذاكرة العيش المشترك وثقافة الوحدة، أي إعادة بناء الشخصية الحضارية السوية للفرد وللمجتمع، للوطن وللدولة. إن إعادة البناء هذه هي عملية ثقافية ضرورية تشمل اللغة السياسية اليومية والأفكار المسبقة الرائجة، والمسلمات الخاطئة، والسلوكيات الشاذة المقيمة بين ظهرانينا، والأخلاق المستوردة والمشوهة، والانبهار السطحي بالخارج، والامتلاء المغرور الفارغ، وفقدان الشخصية الواثقة الناضجة الحكيمة المطمئنة... إن إعادة البناء والتأهيل هذه تمر عبر تأصيل القيم والمبادئ الدينية المشتركة والأخلاق الإنسانية العالمية ودروس التجارب الثورية الأممية. إن فهم الواقع واستشراف آفاق المستقبل وبالتالي رسم خطة لانتقال صحي سليم باتجاه المرتجى لا يمكن أن تتم إلا من خلال الحوار كمنهج وليس فقط كشعار. ان الحوار الساعي إلى تطوير المساحات المشتركة وتعزيز التضامن حولها، بعيداً عن نزعات الاجتزاء أو المصادرة، هو منهجنا. إن هذا المعنى يتطلب صياغة تفكير ثوري جديد، نقدي وتقدمي، أصيل ومجدد، منفتح ومتجذر، تطويري وتضامني، يعيد إدراج الناس في التاريخ وفي صنع المستقبل. إننا ندعو إلى الإرتباط الفكري النظري، كما السياسي العملي، بمدرسة الممارسة العملية، عبر التعلم من التجارب والاستفادة من منجزات الحضارة العالمية والبناء على أرض صلبة وخوض حرب الشعب المدنية الطويلة الأمد في ظروف ثورة المعلوماتية والنظام الدولي الجديد.. إن الهدف هو بناء تيار فكري يعترف بحق الآخر في الوجود وبعطائه للشعب في الحاضر والماضي، والتعاون معه من أجل عطاء متجدد في المستقبل... إننا ندعو إلى بلورة تيار ثوري جديد يمثل جمهرة العرب من الرجال والنساء البسطاء، وهم في الغالب فقراء ولكنهم دائماً صادقون ومخلصون ومتدينون وشرفاء، وهم ضد التبعية والتغريب، ومع حقوق الشعوب في كل أرض، وضد عدو الناس من كل لون، ومع المقهورين المسلمين والمسيحيين والعلمانيين والملحدين، وضد الطغاة الظالمين... إن مشروع النهوض الحضاري وتياره هو مشروع لتجاوز التفكير المذهبي والطائفي الضيق الأفق، ونقصد به هنا ليس فقط المذهبي الديني والطائفي الديني وإنما أيضاً وخصوصاً المذهبي العقائدي والديني الأيديولوجي. وهو مشروع لإعادة الاعتبار للعلم والمعرفة، للفكر والوعي النقدي، للجد والجهد والاجتهاد، للحوار وللممارسة النظيفة، للتضامن وللمشاركة، فنعيد الاعتبار بذلك للسياسة كعلم وفن، كممارسة نظرية وكفاعلية إجتماعية، لمصلحة الناس، وبواسطة الناس، أي لنعيد موضعة السياسة في سياق تجربة الحق والعدل في حياة البشر.

رسالة ثانية الى رئيس الجامعة اللبنانية... علّ وعسى...

نشرت جريدة السفير منذ أيام اللائحة التي رُفعت الى رئاسة الحكومة وقد رفضتها مشكورة جداً ما دل على حرصها على الجامعة وسمعتها وعلى الحق والعدل والقانون... نعم لقد ردت رئاسة الحكومة إليكم لائحة التفرغ التي لا علاقة لها بما كانت قد اقترحته مجالس الكليات والمعاهد، طالبة منكم الاجابة على بعض الأسئلة من النوع الذي كنا سألناكم إياه في مقال سابق... وها نحن نعيد عليكم تكرار الأسئلة وانتظار أجوبتكم... لماذا تضخم ملف التفرغ حين وصل إلى أيديكم؟ فهل أنكم رضختم للتدخلات السياسية والحزبية، والطائفية والمذهبية، أم أن هذه هي رؤيتكم الحقيقية لكيفية الإصلاح والتغيير في الجامعة اللبنانية؟ لماذا تتحفوننا والحال هذه إذن ، بتعميم تلو التعيم تطالبون فيه الأساتذة الالتزام بتطبيق القوانين الخاصة بتنظيم عمل الجامعة وكلياتها ومعاهدها؟؟ وخصوصاً قانون التفرغ والقانون 66 ؟؟ إن القوانين تلحظ ضرورة مرور سنتين على التدريس بالساعة وأن يكون الحد الأدنى لساعات التدريس 200 ساعة في السنة، أي ما مجموعه 400 ساعة... ثم ضرورة وجود حاجة فعلية لهذا الأستاذ ولاختصاصه ثم مستواه الأكاديمي ثم (وهذا هو الأهم) أن يجري رفع اسمه وفقاً للشروط والأنظمة المعمول بها من قبل مجلس الفرع ثم مجلس الوحدة وصولاً إلى الرئاسة التي ليس لها أي حق بالتصرف بالأسماء شطباً وتغييراً...لأن مجلس الفرع هو الأدرى بأمور معهده وهو الموكل بهذه المهمة أصلاً وهو المؤتمن عليها من قبل الأساتذة الذين انتخبوه... لماذا تجاهلتم إذن اللوائح والاقتراحات التي رفعت من الأقسام، ومجالس الفروع، ومجالس الوحدات والكليات؟ وما هي المعايير التي وضعتموها من أجل قبول الترشيحات؟ كيف راعيتم تطبيق القانون 6/70 لجهة الدّوام والرّتبة، والمرسوم 9084 المتعلّق باللّجنة العلميّة، وكيف تعاملتم مع السيرة الذاتيّة للأساتذة المرشحين، ومع الأبحاث والمؤلّفات والمؤتمرات التي في سجلهم؟؟ كيف يمكن تفسير حرمانكم الكثير من الممنوحين من الجامعة إلى الخارج، حرمانهم حقهم في التفرغ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأساتذة الموظفين الذين وضعتم "فيتو" على تفرغهم؟ وما هي المعايير التي اعتمدتموها لحرمان الغالبية الساحقة من الأساتذة الموظفين من الترقي؟ ولماذا والحال هذه استثنيتم سبعة أسماء فقط من بينهم؟ هل لدى هؤلاء السبعة علوماً سحرية لا يعرفها بقية الموظفين المرشحين؟؟ واسمحوا لي أن أعطيكم أمثلة مريعة عن الاستنسابية والظلم والتعدي على حقوق الجامعة والأساتذة .. فبين الأسماء المرشحة للتفرغ في لائحتكم مجموعة ممن لم يتم التعاقد معهم بنصاب كامل، ومجموعة ممن بدأ التعاقد معهم مع بدء الحديث عن التفرغ، وبعدد ساعات لا تتجاوز المئة، لا بل لا تتجاوز 25 ساعة في السنة، ومجموعة ثالثة تم استدعاؤها من الخارج، وتحديداً من فرنسا، وطلب منها إحضار شهاداتها العلمية لمعادلتها في دائرة المعادلات في وزارة التربية، قبيل انتهاء ملف التفرغ، ومجموعة رابعة وضعت أسماؤها في الملف وهي لم تكن قد نالت شهادة الدكتوراه بعد.. . وسأعطيكم مثالاً واحداً عما حدث معنا في معهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول... لقد قدّم مجلس فرع المعهد لائحته القانونية وفيها سبعة أسماء مرشحة للتفرغ تنطبق عليها كل المواصفات والمعايير...ولم نستثن أحداً لا لانتماء سياسي أو حزبي أو مذهبي.. فإذا بنا نفاجأ بشطب ثلاثة من اللائحة من لون مذهبي أو سياسي محدد !! وبين المشطوبين من لائحة التفرغ أستاذة تقوم بالتدريس بالساعة في المعهد منذ 12 سنة وهي أول وأكثر من تنطبق عليها المواصفات القانونية... طبعاً هناك أمثلة أخرى في كل كلية ومعهد وفي كل الفروع.. فهل تقبلون يا سعادة الرئيس المتخصص في الحقوق والقانون، بهذا الظلم الفاضح والتمييز الطائفي الفاقع والاعتداء الأكاديمي الموصوف والجناية القانونية الأكيدة؟؟

العلامة الخوري يواكيم مبارك (20 تموز 1924- 24 أيار1995)

"لم يتسع له مدى... وما تنفس بملء صدره في مكان... عوّض الضيق بالشوق حتى أوتي السكينة في مثوى دير فرنسي". (المطران جورج خضر – النهار - 3 حزيران 1995). "الطويل ويشبه السروة التي تصلي... والطويل لأنه أحب توجيه التحية إلى العناصر التي في الهواء... لم يذهب بعيداً لكنه في البعيد مكتوباً بالخيال الذي لم يعد يحتمل التجوال وحيث نظراته تغتسل بصفاء العقل... وهو الذي تجرحه أحلامه لأنه الخفيف خفة الصمت... وهو الذي ينضّم في علوه على الخيبات أيضاً.. لم يذهب بعيداً لأنه لم يغادر.. جرحته البلاد في اليل الذي كان حالماً... وحين أرسل إلى النجوم لم تنفتح لها نافذة فبقيت في العراء الذي كان زمهريراً... لم تسل دماؤه لأنها جريحة حياتها إياها... ولم يندمل شيء عندما ترجل من كبريائه لانتشال المواعيد... فالذين استقبلوه لم يعرفوا كيف يدعونه إلى المائدة... الكثير ويشبه الكتب... القليل ويشبه الكنوز... الشاعر ولا يشبه الشعراء... المتحفظ وليس لسبب المتحفظين والجنوني ويشبه الذات التي تكتئب بعد أحلامها... لم تشفق عليه الطموحات فلم يتسع لها الجسد.... وعندما طارت حملها الخيال إلى الاتساع الذي يحتضن الكبرياء بعد فوات الأوان...". (عقل العويط – النهار – 26 أيار 1995).

الجمعة، 11 مايو 2012

جنبلاط "هدفهم السيطرة على البلد": "الجيش هو الحلّ" يعني "رئيس يُدولَب وقائد مُعلب"!

جنبلاط: لن أرد على الشتام وعتبي على الذين لا يحترمون موقعا وسطيا الاحد 6 أيار (مايو) 2012 وطنية - عاليه - 6/5/2012 أقامت وكالة داخلية جرد عاليه في "الحزب التقدمي الاشتراكي"، برعاية رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط وحضوره، إحتفالا تكريميا لقدامى الحزب وعددهم 198 من الفروع الحزبية في الجرد، وذلك في باحة قصر "الدونا ماريا" في صوفر. وألقى جنبلاط كلمة، قال فيها: "عندما أوليتموني قيادة الحزب عام 1977 أيها الرفاق القدامى، إستمديت القوة والعزم والصبر والعناء والمكابرة منكم لقيادة الحزب، وفي الوصول الى ما وصلنا إليه من إنجازات. مررنا بنكسات صحيح، لكن بقي الحزب. مرحبا بكم وشكرا لكم شكرا أنتم الأبطال". أحيي شهداء الكتائب والقوات والأحرار في "حرب الجبل"! أضاف: "أتذكرون أنتم، أنتم الذين فككتم الحصار عن كمال جنبلاط عام 1958، أنتم الذين عام 1976 أحرقتم أرتال الجيش السوري، أحرقتم الدبابات السورية أنتم، لن أطيل عن حرب الجبل لأنها كانت حرب الأخوة، حرب العبثية، كانت لعنة الأمم، كانت لعبة الأمم الكبيرة، تقاتلنا في ما بيننا، الأخ قتل الأخ، لأحيي شهداء أهل الجبل، لا بد أن أحيي أيضا شهداء الأحزاب، كل الأحزاب، من كتائب وقوات وأحرار، جميع هؤلاء الذين وان وقفنا لهم في المواجهة، لكنهم على طريقتهم دافعوا عن فكرة، من أجل لبنان، هكذا نختم جراح الماضي، هكذا نطل على المستقبل". ليس من أمن وكل شيء "فلتان" في السرقات والمخدرات والتعديات في وضح النهار وقال جنبلاط: "ماذا أقول لشتام الأمس، لا شيء لا شيء، لن أقول شيئا، سألت واستقصيت إذا كان من شتام جاهز للرد وفق الأمر الذي يريده، لم ألق أحدا، جميعهم نأوا عن أنفسهم، لكن عتبي شديد، عتبي شديد جدا، على الذين يجعلونه يطلق العنان في نبش القبور يمينا وشمالا، عتبي شديد على الذين لا يحترمون موقعا وسطيا، دفع الحزب ودفعت جماهير الحزب أثمانا باهظة سياسيا وشعبيا للتأكيد على ضرورة السلاح في مواجهة إسرائيل وعدم استخدامه في الداخل، وكم عملنا على درء ودفن الفتنة ونجحنا، ولسنا أبدا نادمين، وأكدنا على الحوار بالرغم من خروجهم من الحوار بعد أن نكثوا بإتفاق الدوحة، أن عتبي شديد ولن أزيد، ماذا يريدون؟ الإستيلاء على كل المقدرات، مقدرات البلاد والعباد والإدارة والقضاء والجيش، لن أذكر الأمن لأنه ليس هناك من أمن، "كل شيء فلتان" في السرقات والمخدرات والتعديات في وضح النهار، كي لا أزيد". وسأل: "ماذا يريدون؟ يريدون العودة الى الشعار القديم الجديد؟ صدر آنذاك والشعار هو ويبقى الجيش هو الحل، هذا الشعار لا يمر الا بإستيلائهم المطلق على مجلس النواب وبإلغائهم المطلق للوسطية، وبمحاولة جعلنا ملاحق أو اذناب. عن أي جيش يتحدثون في غياب خطة دفاعية واضحة تتوزع فيها المهام بإمرة الدولة وفقط الدولة، ووحدة الإمرة للسلاح، لكن في جعبتهم رئيس يدولب وفي جعبتهم أيضا قائد معلب، ماذا نفعل؟ نتصرف بهدوء وترو خارج الإنفعال والهيجان. نؤكد على السلم الأهلي ونواجه بملىء إرادتنا وقناعتنا في صناديق الإقتراع، التحدي الكبير بأن نكون أو لا نكون، ألم يحاولوا إلغاء الحزب والقرار الوطني اللبناني بإغتيالهم لكمال جنبلاط منذ 35 عاما؟ ها هو كالمارد ينتصر في كل مكان". وختم جنبلاط بالقول: "أن تستلهم في كل لحظة من حكمة وصفاء عقل المرحوم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، وشجاعة وثبات ومروءة البطريرك صفير، بفضلهما كانت المصالحة وستبقى الى الأبد، أما الاخرين فيصح فيهم القول "لما الزرازير قام قائمها، نادت للصراصير لنجدتها".

الأحد، 6 مايو 2012

إنه ربيع العرب وكرامتهم

هل كان يدور في خلد الطغاة المستبدين أن زمنهم إلى خريف فشتاء وأفول..وأن زمن الناس إلى ربيع وازدهار وتفتح وانتصار؟ هل كان يدور في ذهن القتلة الفجرة أن دماء الشهداء ستورق ياسمينا وأقحوان.. وزهراً وورداً وريحان؟ هل كان ساكنو قصور الذل والموت يعرفون أن مصيرهم هو مزبلة التاريخ بعد المحاكم الجنائية الدولية والشعبية، وأن مسارنا هو الصعود فوجاً بعد فوج "نحو أفق شمس الحق" (كمال جنبلاط) ؟ في 21 آذار 1968 سطر أبطال فلسطين كرامة العرب الأولى بعد ليل الهزيمة الطويل.. كانت معركة الكرامة في الأردن فاتحة زمن جديد.. وفي 16 آذار 1977 كان استشهاد المعلم الخالد كمال جنبلاط نقطة تحول أرادوها وأداً لتطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والكرامة... إلا أن الربيع الآذاري لم يتوقف عن إنجاب كرامات للشعوب... فكانت كرامة الجنوب الأولى في 14 آذار 1978 يوم شهدت تلال مسعود وشلعبون وصف الهواء في بنت جبيل على قوة هذا الشعب المعطاء على طريق وحدته وتحرره وتقرير مصيره ... وهي الكرامة التي تكررت في حرب تموز 2006 بأيدٍ جديدة ولكن بنفس الروح والهمة. ويوم صمدنا في بيروت في وجه آلة الحرب الإسرائيلية صيف 1982 وسقط منا عشرات آلاف الشهداء كان شعارنا الموت ولا الذل.. بيروت كرامتنا.. بيروت نجمتنا... وبرغم كل النكسات من هنا وهناك، واصلنا الصعود جيلاً وراء جيل، رعيلاً بعد رعيل... ومن كل حدب ودرب كان السيل يتجمع عارماً دافقاً ينتظر نقطة العبور... من مستنقع الشرق.. نحو الفجر الجديد... وكان 14 آذار 2005 يوم سطر شعب لبنان كرامته المجيدة...كرامة الحرية والاستقلال والسيادة، دفعنا ثمنها أغلى الدماء وسقط منا خلالها أحلى الشهداء.. وفي 15 آذار 2011 انطلق شعب سوريا العظيم على طريق كرامته والتحرير.. وبين هذه وتلك كانت معارك الكرامة والحرية في إيران وتونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب والبحرين ... وكانت انتصارات وانتكاسات وارتدادات.. "الرعيل الأول راح.. وإحنا منضمد الجراح... الرعيل الثاني راح.. وإن قتلونا في الشوارع.. الرعيل الثالث طالع .. طالع طالع.. رابع خامس سادس سابع..". (الشيخ إمام).. لأن "الثوار هم كموج البحر متى توقفوا انتهوا" (موسى الصدر).. حدث واحد رمزي حكم انتفاضة الشعوب العربية وقاد حركتها نحو الربيع : الشهادة النبيلة.. ولم يلتقط الحزبيون الرسميون ، بأدواتهم النظرية التقليدية، معنى هذا الفعل الثوري التاريخي ولم يدركوا اللحظة التاريخية ولا البعد الرمزي لهذه الثورات فتعاملوا معها بشكل نصوصي جامد.. شهادة نبيلة أطلقت انتفاضة الكف العاري في وجه السيف، والدم البريء في وجه الدبابة.. كان لا بد من فعل «استشهادي» فردي بطولي، يستعيد سيرة الحسين الحقيقية ونموذجه الفعلي: الجهاد المدني في وجه الظلم والطغيان.. وقوة الإنسان الأعزل في وجه آلة القمع والبطش...وهذه بالمناسبة سيرة الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها وقد أسقطت أعتى الإمبراطوريات وأشدها فراسة ووحشية بالمظاهرات المليونية السلمية "الاستشهادية".. وفي إيران وتونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصر واستخدموها على أفضل ما يكون... حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها الناس في منازلهم... حشود من كافة شرائح المجتمع: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على التظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للتظاهرات ثم اندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية... التغيير... الكرامة.. العدالة الاجتماعية".....

الكرامة البشرية وعلاقتها بثورة الشعوب

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام. هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح. ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة. هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70). ...هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً. درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا. ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان. الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي. التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة. الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي. الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها. الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه. حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً. الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.