الأحد، 20 مايو 2012

الله عندما خلق آدم خلق له حواء واحدة لا أربع !

في محاضرة بعنوان "التوظيف السياسي لفقه الأمة والجماعة" تحدث د. عبد الحميد أبو سليمان، رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عن حال الأمة الإسلامية القائم أكد فيها على أهمية العودة إلى مقاصد الشريعة لاستنباط الاحكام بما يتلائم مع ظروف الزمان والمكان، وشدد على خطورة النقل من التراث ومحاولة تطبيقه على الواقع الحالي، قائلاً أنه يمكننا ان نستنبط حكمة الأفعال، والمستفاد من التطبيق، لكن المستحيل أن نعيد تطبيق الفعل مرة أخرى في واقع لا يلائمه. أبو سليمان: الله عندما خلق آدم خلق له حواء واحدة لا أربع ! وتحدث أبو سليمان عن قضية تعدد الزوجات، مؤكداً أنه ليس وسيلة من أجل الجنس كما يعتقد ويروج البعض. فالله عندما خلق آدم خلق له حواء واحدة، ولو كان يحتاج أربع لخلق له أربع. فليس الأصل في خلق الإنسان التعدد. وتناول أبو سليمان آية "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ" (سورة النساء) وآية "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ" في نفس السورة. فقال إنها دليل على أن التعدد هو حالة خاصة من الاساس والأصل هو: واحدة ولن تعدلوا..والقصد من النص هو الوصول إلى حال يراعي اليتامى ممن مات آبائهم أو قتلوا، كحال ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ماذا سيحدث في ابنائهم؟ فالله وجه المؤمنين لحمل أعباء النساء واسرهم واطفالهم.ولكي يتحقق العدل في معاملتهم رغم التعدد. واختتم أبو سليمان حديثه بمجال العلاقات الدولية، قائلاً إن العلاقات الدولية الآن قائمة على الصراع الحيواني. وان الأمة لابد أن تعيد البشر إلى أصلهم الإنساني فالإسلام حين جاء لم يجيء للمؤمنين به فقط بل هو للإنسانية جمعاء ولكل إنسان، سواء كان هذا الإنسان عربي أم امريكي أم بوذي ام مسيحي أو غير ذلك. فالكل -كما يرى سليمان- إنسان انتمي إليه. ووجه أبو سليمان انتقادا حادا لحال الأمة، واصفاً معنى "من يكذب بالدين". قائلاً ان الله لم يصفه بأنه كافر، أو غير مؤمن بالله او بالرسول –صلى الله عليه وسلم- بل بأنه يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين...إلخ، أي ان المكذب بالدين هو الذي عمله لا يتفق مع دعواه. وانتقد كذلك الخطاب الدعوي قائلاً إن أغلبه يقوم على الكراهية والخوف، والتخويف من الله لا يدفع إلى حبه، كيف نحب من نخاف؟ موضحاَ ان الخشية المقصود منها خشية غضب الحبيب وليست خشية غضب الكاره. مدللاً على ذلك بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ"

الدفاع عن سنة وكرد العراق، دفاع عن شيعته، والعكس صحيح

عادل عبد المهدي – جريدة العدالة - بغداد تمر العلاقات بين مكونات الشعب في منعطف خطير.. والاخطر ليس الخلافات السياسية والدستورية.. بل حملات الكراهية والتسقيط غير المسؤولة التي تؤسس لرؤية وعلاقات عدائية ومتعصبة. فعندما ينتقل الكلام من المستوى السياسي الى اوصاف ونعوت العداء والكراهية والكذب المجرد، فنحن نؤسس لحالة متفجرة لا حل لها. وعندما يسيطر الهياج ويصبح التصعيد عقيدة لتحقيق رصيد شعبي في هذه الساحة بالضد من الساحات الاخرى.. اوعندما تبدأ القوى السياسية بالخوف من زخم جمهورها الطائفي والعنصري وتناغم الموجة السائدة.. فنحن امام منزلق لا رابح فيه سوى المزيد من التمزق والتراجع والفشل. يجب ان تفتخر المكونات الاساسية الثلاثة وغيرها بتاريخ مشرف في الكفاح والجهاد ضد الاستعمار والاستبداد. ولا يحق لاحد المزايدة او السقوط فيما كانت السلطات تتهم به الاخرين. لا توجد عائلة قدمت من التضحيات لوحدة البلاد ومقاومة الطغيان كما قدم ال الحكيم والصدر والبارزاني والطالباني والسامرائي والشمري والبدري وغيرهم من عوائل كريمة وقوى مضحية. ولا توجد جماعات قدمت من التضحيات كما قدم المراجع العظام والعلماء والمجلس الاعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري في مقاومة الطغيان والانتفاضة وجهاد الاهوار .. او كما قدم الكرد والبارت واليكتي في حروب المقاومة والانفال وحلبجة وغيرها.. او كما قدم الحزب الاسلامي والجماعات السلفية/الصوفية وجماعات الضباط والمدنيين المقاومين للحكم.. او كما قدمت حركة الوفاق والبعث السوري والشيوعي والقوميين. لم يتردد المرجع الاعلى الحكيم (قدس سره) بافتاء حرمة مقاتلة الكرد، رغم اتهام السلطات لهم بالانفصال والصهيونية.. ولم يتردد ابناء الجنوب والوسط من ضيافة واستقبال الكرد المهجرين.. وكذلك يلقى من يهرب الى كردستان من فئات الشعب الاخرى.. التي اصطفت غالبيتها ضد صدام في حروبه مع ايران والكويت، رغم ضغوطات النعرات القومية والطائفية. فان نتناسى ذلك كله، ونجعل الخلافات والاخطاء او الانحرافات السياسية، تستثمر تعقيدات الظروف السابقة والحالية، لتصوغها ثقافة متهافتة واتهامات رخيصة، فهذه جريمة كبرى سيدفع العراقيون، وغير العراقيين، ثمنها غالياً. فلدى الجميع ما يعتز به من تاريخ وحاضر مشرف.. وعلينا كلنا الحفاظ عليه.. بل تطويره واللجوء الى رصيده ومبانيه لتطويق الازمات والسعي لحلها والتقدم للامام.. لا لتمزيق انفسنا.. وبناء نفسيات تسعى للدفاع عن مواقعها، او اخطائها، باشاعة "فوبيا" او هستيريا الخوف من الاخر.

نظرية المؤامرة

عادل عبد المهدي – جريدة العدالة - بغداد ان نظام المخاوف الذي يضمن البقاء.. ونظام المصالح الذي يضمن التطور هما جزء من منظومة واحدة كالشرايين والاوردة.. وان واحدهما دون الاخر يقود للموت وبالضد من الهدف المخصص له.. ونعتقد ان بلداننا غرقت لاسباب عديدة في المخاوف وتتأخر عن توفير المصالح.. مما يهدد تطورنا ومقاوماتنا مجتمعين. وعندما يطغى منطق المخاوف فانه سيشمل كل الاتجاهات. فصرنا اكثر خوفاً فيما بيننا، ومع الاطياف الاخرى في مجتمعاتنا.. وبين بلداننا.. ومن دول العالم ككل. وتوسعت نظريات التآمر، وباتت منظاراً شبه وحيد لرؤيتنا للاخر.. ودخل القلق الشديد نفوسنا، وصار شعورنا الدائم اننا مهددون، وان الاعداء يحيطون بنا. فعندما يقودنا الخوف على مقوماتنا العقائدية والجماعية وتقاليدنا للانكفاء فقط، ولا نجد الحلول البديلة التي تحافظ على تطورنا وتسمح بمواصلة تقدمنا فاننا سنهزم، ونكون اضعف في الدفاع عن مواقعنا ومكانتنا.. وسنظهر كامم وشعوب متخلفة لا تمتلك مقومات التقدم والرقي. لقد تعرضنا لهجمة شرسة.. لكننا، في ملفات كثيرة، ساعدنا اعداءنا ومستعمرينا اكثر مما ساعدنا انفسنا. فعرقلت المخاوف تطويرنا المناسب لمدارسنا وجامعاتنا، ووسائل الاقتصاد والادارة، والمعارف والبحث والمختبرات والنظم السياسية والعسكرية والامنية والعمرانية والخدمية الملائمة، ووسائل التأثير والتعبئة كوسائط الاتصال والنشر والاعلام.. ولم نواكب ونطور ما كان لدينا قبل قرون من مؤسسات واصول ومكتسبات كانت بمعايير زمانها الاولى في هذه الحقول، فدمرنا ما لدينا ولم نتعلم مما لدى غيرنا. مما جعلنا على الاغلب متلقين متأخرين بدل ان نكون مبادرين ومتقدمين.. وكذلك في موضوعات الرعاية والصحة وتقاليد الطعام والاكل وطرق الطبخ واللباس والمسارح والفنون والسينما والرياضة ووسائل اللهو والترفيه وغيرها.. فعندما ندافع عن عاداتنا التي كانت تلائم ظروف الحركة والحياة في وقت ما، ولا نراعي التعقيدات والقيود السكانية والبيئية وشروط الصحة والعمل والعيش المعاصرة، فان معدلات العمر والحيوية والنشاط وحسن المزاج العام ستنخفض وستظهر شتى الامراض والمضاعفات. وسيدافع نظام المخاوف عن الشكل دون ان يراعي المضامين وتطورها في الاتجاهات النافعة والمنتجة والصحيحة، مما سيفرض انماطاً لا يستنكرها العقل فقط.. بل يستنكرها شرعنا وقيمنا وممارسات اجيال من اجدادنا قبل قرون.. عندما كان المسلمون يحرصون على انظمة تقدمهم ومصالحهم، حرصهم على انظمة مخاوفهم ودفاعاتهم.

حزب البعث: مأساة المولد... مأساة النهاية

كتاب قديم/جديد كتبه المفكر والمناضل البعثي الوحدوي مطاع صفدي بعد خروجه من ظلام السجون والتعذيب، صدر عن دار الآداب، بيروت، في تشرين الأول، أكتوبر 1964 هذه مقتطفات من فاتحة االكتاب (الصفحات 5-10) "هذا الحزب، وتحت يافطاته الثورية المعروفة... هذا الحزب هو الذي وقف مرة واحدة ليغتال نفسه، ماضيه، انتصاراته.. هذا الحزب هو الذي دبج الشعارات، سكر بالدم، رقص على حطام آمال الأمة، فلسف التعهير الثوري..سمى القتل مسيرة طلائعية... وعلى هذه (المسيرة) كلل هامات الجلادين والمراهقين والمهووسين وعباقرة الأقبية والزنزانات.. خان جماهيره..ضرب بقواعده عرض الحائط، سجن قادتها وأهان تاريخهم النضالي وفكرهم الثوري...شرّد صانعيه وابتذل أصدقاءه وداس على كل شيء، باسم لا شيء، وفي اللحظة التاريخية الفاصلة من حياة الأمة كلها، خان أكبر حزب الأمة وذبح امكانياتها..افتعل الأكاذيب، ابتكر وسائل التعذيب الجماعي... شن حرباً مظلمة على طلائع الحضارة في شعبه.. "كل ذلك، كل ذلك، كل ذلك، باسم ماذا؟ باسم السلطة وحدها لعبيد السلطة..باسم التحكم الشيطاني لأبطال العقد والمرض..باسم المراهنات الجهنيمة التي تلغ في الدم وللدم وبالدم"... وهذه مقتطفات من مقدمة الكتاب التي تحمل عنوان: الثورة والارهاب (الصفحات 11-37).. "وهكذا فان الفوضوية بدون فكر وبدون أخلاق ليست سوى أوتوقراطية وقيصرية جديدة خالية من بقايا فروسية الارستقراطيين...انها بالأحرى تقيّح القيم القديمة للمجتمع القديم، ضمن هالة من الاستعلاء الشيطاني والغرور المجنون والصفاقة المتعهرة... "لقد انخرط المثقفون العرب في العنف، انخرطوا جميعهم، ومنذ أول مذبحة عقائدية قامت في دنيا العرب بأيدي العرب أنفسهم، في عراق قاسم.. وحتى الذين لم يلعبوا دور الزبانية، ولا دور الضحايا، من المثقفين، فانهم اشتركوا، بالصمت، بالفرار أمام الحقائق، بتجاهل (الفضائح) الكبرى التي نظمها المثقفون وعقائدهم، عندما أتيحت لهم فرصة الحكم.. فالمثقفون العرب في هذه المنطقة، الذابحون والمذبوحون والمحايدون، جميعهم اشتركوا في الجريمة الجماعية. بعضهم عن طريق الممارسة، وبعضهم عن طريق التجاهل... "إن التعذيب والقتل والاعتقال، وسائل من الإرهاب كانت مقترنة دائماً وبصورة تكاد تكون مألوفة عادية، بتاريخ العرب، منذ أن فقد العرب سيطرتهم على مصيرهم وخضعوا لنموذج هولاكو المستمر في الحكم منذ أكثر من ألف سنة..فمنذ أن أشترك شعراء وكتاب محامون واساتذة وطلاب، في الارهاب القاسمي الشيوعي في العراق، واشترك مثل هؤلاء وأكثر منهم في الارهاب البعثي في سورية،منذ عام وما يزال، فإن الجريمة الجماعية التي دأب على تنفيذهاهؤلاء، تمر تحت ستار من الخفر والحياء..فالمثقف الذي يخرج من تجربة ارهاب، والمثقف الذي سمع ورأى تلك التجربة، كلاهما نموذجان صامتان، ينافسان ذلك المثقف الذي أشرف ومارس بنفسه تجارب ارهاب... "ولنقرر منذ البدء هذه البديهة: أنه لا حجة للارهاب أبداً..لا شيء قبله يمكن أن يبرر حدوثه..ولا شيء بعده يمكن أن يغطي على فظاعته، أي أنه لا يمكن قبول أية نتيجة من نتائجه مهما كانت "انسانية".. "فكيف لو أن الارهاب كان "خطة"؟.. كيف لو أنه "صُنع" بعناية؟ "مثقفون فكروا فيه، تأملوه، تفحصوه، تصوروا ظروفه، نظموا مراحله، تفننوا في وسائله...أبدعوا واخترعوا... "لقد تميز ارهاب البعثيين العفالقة، عسكريين ومدنيين، بأنه كان هجوماً شاملاً على الأكثرية الساحقة من الشعب...وهذا الهجوم كان يحدث بأساليب مختلفة. فتارة بأسلوب حرب حقيقية تستخدم الدبابات والمصفحات وأرتال المشاة وتداهم الأحياء وتشن تمشيطاً كاملاً لآلاف البيوت وتقذف بالرصاص والقنابل تارة نحو الفضاء وتارة نحو أهداف حقيقية... خلال عام واحد (1963-1964) شن البعثيون الارهابيون هذا النوع من الهجوم ومارسوا احتلاله الخاص على الشعب السوري في مدنه الرئيسية عدة مرات... فنزلت الآليات معززة بقوى هائلة الى شوارع حلب وضربت المتظاهرين بالرصاص.... ثم شن هجوم آخر على الطلاب في درعا.. وأرغم طلاب في مدينة جبلة على لعق أسفل أحذيتهم وتعليق هذه الأحذية في رقابهم... وسمع أوائل المعتقلين الوحدويين في سجن المزة صراخ أول ضابط أفقده الإرهابيون عقله تحت وطأة التعذيب... "واكتسح البعثيون بالجيش السوري مدينة دمشق... بكل أنواع السلحة الخفيفة والثقيلة و(انتصروا) على المدينة الباسلة خلال ساعات.. "هوجمت أحياء كاملة من مدينة حلب عدة مرات.. وهوجمت مدينة درعا كذلك..ثم بلغت ذروة الارهاب المنظم يوم استأنف الارهابيون حرباً حقيقية كاملة ضد مدينة صغيرة واحدة هي حماه... فقد ضربت بالمدافع واخترقت أحياءها الشعبية الدبابات والمصفحات..وعجن البشر بتراب بيوتهم وأحجارها.. "وتحوّل (الحزب) خلال أيام الى فرقة ارهابية كاملة العدة النفسية والعسكرية... "وخلال أيام لم تبق عائلة واحدة الا ونكبت قريباً أو بعيداً بفرد أو بأفراد منها اختفوا أو قتلوا أو اعتقلوا أو شردوا.. "وهكذا بدأ شيء جديد في سوريا اسمه الاحتلال البعثي..." ومنذ أن بدأ الاحتلال البعثي رسمياً استبيحت سوريا كلها وما زالت مستباحة أمام مختلف وسائل الارهاب..

الجدل حول المسألة السورية

د. بشير موسى نافع 2012-05-16 القدس العربي تنقسم وجهات النظر المتدافعة حول مستقبل سورية إلى ثلاثة معسكرات رئيسية. تقول الأولى بضرورة التغيير السياسي الجذري، الذي يعني رحيل النظام وإصلاح بنية الدولة السورية، بما في ذلك أجهزتها الأمنية وقياداتها العسكرية. وتطرح الثانية إصلاحاً سياسياً جزئياً وتدريجياً في ظل القيادة السورية الحالية، ويقول دعاة وجهة النظر هذه أن رفض هذا النهج سيودي بالبلاد إلى الهاوية، أو ما تقول به وجهة النظر الثالثة: صراع مدمر، طويل المدى، بين النظام ومعارضيه، ينتهي إلى حرب أهلية وربما التقسيم. تطرح وجهات النظر الثلاث في عدد من الكتابات، في خطابات شخصيات عربية عامة، في تعليقات المعارضين ونشطاء الثورة وأنصار النظام، وفي أوراق تحليلية وقراءات للموقف. ولأن الجدل حول سوية لا يقل حدة عن الصراع الدائر في شوارع المدن والبلدات السورية بين جموع الشعب وقوات النظام العسكرية والأمنية، لا تكاد توجد مساحة ولو صغيرة للحوار بين وجهات النظر الثلاث. ليس من الصعب رصد معسكر القائلين بوجهة النظر الأولى، الذي يضم الأغلبية العظمى من أبناء الشعب السوري، كما تكشف حركة التظاهر والاحتجاج الهائلة، التي لا تغطي معظم المحافظات السورية وحسب، بل والمستمرة أيضاً بلا هوادة منذ منتصف مارس/ آذار 2011، بالرغم من إجراءت القمع الدموية التي تتعهدها قوات النظام وأجهزته وميليشياته. ويقف إلى جانب الشارع السوري أغلب قوى وشخصيات المعارضة السورية في الداخل والخارج، إضافة إلى القطاع الأكبر من الرأي العام العربي وتركيا وعدد من القوى الغربية. أما وجهة النظر الثانية فتمثل إطروحة النظام، وأنصاره في المجال العربي، سواء من جماعات وشخصيات قومية عربية تقليدية ومحدودة الحجم والتأثير، أو القوى السياسية الشيعية، وعلى رأسها حزب الله؛ إضافة إلى إيران والعراق، وربما الجزائر، وروسيا والصين من القوى الدولية. وجهة النظر الثالثة هي الأكثر التباساً، سواء في مضمونها أو القوى والشخصيات التي تقول بها، وتستبطن الافتراض بأن الأوضاع في سورية الآن ليست بالسوء الشائع، سواء من جهة مستوى العنف أو الخسائر أو الانقسام السياسي والاجتماعي. وتبدو وجهة النظر الثالثة أقرب إلى التهديد منها إلى سبيل الحل؛ وينتمي بعض القائلين بها إلى هامش المعارضة، حيث يعلو صوت عناصر قليلة تقول بأن هذا النظام لن يسقط بدون حرب شاملة ضد مؤسساته ومكوناته وأنصاره ومؤيديه. ولكن القطاع الأكبر من القائلين بوجهة النظر هذه هم أنفسهم الداعون للخيار الثاني، خيار الإصلاح بقيادة النظام وإشرافه والتفاهم معه؛ بمعنى أنها تحمل التهديد بتصعيد العنف الرسمي ضد الشعب والمعارضة، حتى إن انحدرت البلاد إلى حرب أهلية وإقليمية واسعة النطاق، ودمرت البلاد ومقدراتها، ووجد النظام وأنصاره أن لا مناص من التقسيم. وكانت تقارير، ليس من سبيل للتحقق من مصداقيتها، نسبت التهديد بهذا السيناريو إلى مسؤولين إيرانيين؛ كما أشير إليه في عدد من خطابات السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله. الدعوة إلى تغيير سياسي قطعي هي جوهر الثورة السورية، والشعار الأوضح لحركة الاحتجاج والتظاهر الشعبية. لم تكن هذه الدعوة واضحة تماماً، وقاطعة تماماً، في التظاهرات الأولى للسوريين؛ ولكن العنف الأهوج الذي مارسه النظام وأدواته القمعية ضد شعبه، أدى، على الأقل منذ بداية صيف العام الماضي، إلى تصاعد المطالب الشعبية، وإلى وقوع قطيعة نهائية بين الشعب والنظام. ما ساهم في تبلور هذه القطيعة كان خطاب الاستعلاء والاستهتار الذي استخدمه الرئيس السوري في معالجاته للأزمة، وسياسية الإصلاح العرجاء وغير الجدية التي اتبعها. في قصور سياسي لا يخفى، ظن الرئيس السوري أن التعاطف مع آلام الشعب والاعتذار له سيفهما باعتبارهما مؤشر ضعف؛ ولم تكن لديه الشجاعة أو الحنكة لاتخاذ خطوات إصلاحية جدية وملموسة، خطوات تصنع تغييراً حقيقياً في المناخ السياسي وحياة السوريين. وما إن انتشرت عصابات الشبيحة، تسفك الدماء وتعيث فساداً، وأعطيت الأوامر لقوات الجيش الموالية لاقتحام المدن والبلدات الثائرة، حتى تحولت مطالب الإصلاح إلى مطالب صريحة بسقوط النظام كله. تبلورت الدعوة للتغيير السياسي أولاً في الداخل السوري، في شوارع المدن والبلدات وبأصوات النشطين الشبان، لتلحق بها بعد ذلك القوى والشخصيات السورية المعارضة، وقوى وشخصيات عربية. وليس حتى منتصف الصيف أن أخذت دول غربية، مثل فرنسا والولايات المتحدة، تطالب بتغيير النظام السوري. وكانت تركيا، التي حاولت جاهدة طوال شهور إيجاد حل لا يتضمن إطاحة رأس النظام، آخر من التحق بركب المنادين بالتغيير الجذري. وهذه هي المسألة التي يتم تجاهلها في الجدل المحتدم حول سورية ومستقبلها. بمعنى أن الصراع على سورية في أصله ليس صراعاً إقليمياً ولا دولياً. ما تشهده سورية اليوم لا علاقة له، إلا من جهة الشكل ربما، بما عاشته سورية في الخمسينات. هذا صراع بين النظام وشعبه، وهو صراع لم يستهدف منذ البداية التغيير الجذري، بل تطور تدريجياً بفعل أخطاء النظام، أو على الأرجح عجزه المتوطن عن إدارة الأزمة. نظام بني أساساً على القهر والسيطرة المطلقة، لم يستطع الانقلاب على ذاته مرة واحدة وانتهاج سياسة التفاوض والمساومة مع الشعب وقواه السياسية. وما أن اتسع نطاق التظاهرات من دمشق القديمة إلى درعا وحمص وحماة، حتى نزع النظام القناع السياسي الذي وضعه لعدة أسابيع وعاد إلى طبيعته الأصلية. بذلك سقط نهج الإصلاح تحت قيادة النظام وبالتفاوض معه. النظام هو الذي أسقط هذا الخيار وليس التدخلات الخارجية المدعاة، إقليمية كانت أو دولية. عندما تلغى حالة الطوارىء وتهاجم الجموع العزلاء في كل مرة تخرج فيها للتظاهر؛ وعندما تقال حكومة وتعين حكومة أسوأ منها؛ وعندما يوضع قانون جديد للإعلام والحريات بينما يسقط عشرات القتلى في أنحاء البلاد يومياً وهم يمارسون أقل ما يجب أن يوفره لهم القانون من حقوق؛ وعندما يعلن عن دستور جديد، ويعين الرئيس اللجنة التي تروقه لكتابة هذا الدستور، ويأتي الدستور الجديد ليؤكد سلطات الرئيس وصلاحياته وحكمه المديد؛ وعندما يتجنب النظام المس، بأي صورة من الصور، بالمؤسسة الأمنية، أو يعلن حتى النية بتقليص صلاحياتها وإصلاحها؛ يصبح من المستحيل إقناع الشعب السوري بجدية الإصلاح تحت قيادة هذا النظام. ثمة عدد من الادعاءات والاتهامات الموجهة لدول مثل تركيا وقطر والسعودية ودورها في تأجيج الصراع والإصرار على هدف التغيير السياسي الجذري وتعطيل مسار الإصلاح بقيادة النظام. وفوق أن هذه الادعاءات تسقط من حسابها حقيقة تطور الأزمة، ودور النظام في تبلور المطالب الشعبية الجذرية، فإنها تهمل إلى حد كبير الدور الأكثر فعالية وتدخلاً التي تتعهده الدول المساندة للنظام، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. السؤال الرئيسي في النهاية لابد أن يوجه للنظام: لمذا لا يتقدم بحزمة إصلاحات ملموسة وجادة، يمتص بها الحراك الشعبي أو يحتويه؟ لماذا لا يطلق النظام فعلاً حملة إصلاحية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك نيته بناء سورية حرة وعادلة؟ وإن كان النظام يرى أن المجلس الوطني مرتبط بجهات أجنبية تريد الضرر بسورية ودورها، فلماذا لا يبادر إلى عزل المجلس الوطني وتهميشه، والتفاوض مع القوى السياسية المعارضة في الداخل، التي يصعب، حتى لأنصار النظام اتهامهم بالارتباط مع القوى الخارجية؟ وجهة النظر الثانية، التي تقول بالإصلاح بقيادة النظام وتحت إشرافه، ينتابها الكثير من العوار، إن لم تكن مجرد محاولة أخرى للسيطرة على الشأن السوري وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. ما يتبقى هو التهديد، التهديد بتصعيد العنف، الحرب الأهلية والإقليمية، وتقسيم البلاد. وهذا تهديد جاد، بالطبع، ولابد أن يثير الخوف على سورية وعلى جوارها المشرقي، سيما أن المجال العربي الإسلامي لم يخرج بعد من الكارثة التي تسبب فيها غزو العراق واحتلاله وسقوطه من ثم في براثن نظام فئوي، متسلط، وأهوج. ولكن مشكلة هذا التهديد افتراضه بأن النظام لم يتبن سوى أساليب حميدة في تعامله مع الثورة الشعبية. الحقيقة، إن حجم العنف والدمار الذي أوقعته قوات النظام بالمدن الثائرة، وما تزال، لم تشهده أي من الدول التي عرفت ثورات شعبية سلمية منذ الثورة الروسية في العقد الثاني من القرن العشرين. وحتى في روسيا، فإن معظم العنف والدمار يعزى إلى الحرب الاهلية اللاحقة وليس لحدث الثورة ذاتها. تصميم النظام على إخضاع السوريين، بالرغم من مظاهر الرفض الشعبي القاطع، التي تغطي الآن كل جهات الوطن السوري، واستهتاره بمجمل القيم والتقاليد والقوانين التي تحكم علاقة الدول بشعوبها، لا يمكن أن يقارن بسلوك أي نظام استبدادي آخر. وكما أن مطالب السوريين لم تتطور إلى التغيير السياسي الجذري إلا بعد شهور من اندلاع الحراك الشعبي، فإن سوريين لم يرفعوا السلاح في وجه قوات النظام وشبيحته إلا بعد أن تيقن هؤلاء من أن سياسة القتل والتدمير هي استجابة النظام الوحيدة للحركة الشعبية، وأن النظامين العربي والدولي عاجزان عن حماية حياة المدنيين السوريين وحرماتهم. الأوضاع بالتأكيد يمكن أن تتصاعد. ما يبدأ باشتباكات صغيرة ومتفرقة بين العناصر المسلحة من قوى المعارضة وقوات النظام وشبيحته، يمكن أن يتحول إلى حرب واسعة النطاق بين الطرفين. والتدخلات الإقليمية، الصريحة أحياناً والخفية في أحيان أخرى، سواء لدعم النظام وتعزيز مقدراته أو لتسليح المعارضة، يمكن أن تتحول إلى حرب إقليمية، سيما أن عوامل الحرب الكامنة في المشرق العربي الإسلامي لا تقتصر على المسألة السورية. ولكن المسؤول عن هذا التصاعد، إن وقع، سيكون النظام وحلفاؤه. ما كان يجب أن تعمل الأطراف كافة من أجله أن يدرك قادة النظام أن سورية ليست استثناء، وأن الطريقة التي حكمت بها سورية طوال عقود لا يمكن أن تستمر، وأن التغيير السياسي في دمشق، كما هو في تونس والقاهرة وطرابلس وصنعاء، قادم لا محالة. تعقيد عملية التغيير وإطالة أمدها ليس في مصلحة أحد.

مراجعات 'الربيع العربي'، أو كيف يحنّ الاستشراق إلى الاستبداد

صبحي حديدي القدس العربي 2012-05-17 آخر صرعاته، لأنه والحقّ يُقال صاحب صرعات من صنوف لا يتجاسر عليها سواه، هي تشخيصه الفريد لطبيعة أنظمة عربية سقطت أو يُستكمل سقوطها (زين العابدين بن علي، في تونس؛ وحسني مبارك، في مصر؛ ومعمّر القذافي، في ليبيا)، وأخرى تصارع قبيل السقوط (بشار الأسد، في سورية): تلك أنظمة لم تكن دكتاتورية تماماً، خلاصة القول عنده؛ ورغم التشابه مع أوروبا سنة 1848 (حين اجتاحت الثورات جميع بلدان القارّة عملياً، ما عدا إنكلترا)، فإنّ العالم هناك، في الشرق الأوسط، ما يزال بعيداً عن التبدّل والتحوّل. وتلك حال لا تحول، مع ذلك، دون انجذاب الرجل إلى تعبير 'الربيع العربي'، ليس بسبب دلالاته ذات الرنين الاستشراقي الخلاب، فحسب؛ بل كذلك لأنّ المعنى هنا يظلّ غائماً فضفاضاً، يدغدغ هوى المستشرق، مثلما يعفيه من شرّ استقراء الواقع الملموس. صاحب هذه التشخيص هو المؤرخ البريطاني بول جونسون، مؤلف لائحة تزيد عن 50 كتاباً في مواضيع شتى، تضمّ كتابين ضخمين عن الحياة الفكرية المعاصرة، ومجلدات أشدّ ضخامة تؤرّخ للمسيحية واليهودية وإنكلترا وإرلندا، وأخرى تروي سيرة إليزابيث الأولى والبابا يوحنا الثالث والعشرين، فضلاً عن حضارات الأرض المقدسة، وتاريخ العالم بأسره. وفي أقلّ من عشر سنوات كان قد أصدر المؤلفات التالية التي تحتوي على مفردة 'تاريخ' في عناوينها: تاريخ المسيحية، تاريخ العالم الحديث، تاريخ الشعب الإنكليزي، تاريخ اليهود، تاريخ الأزمنة الحديثة... ولضرب أمثلة على بعض 'المحتوى الدسم' لتلك المجلدات، وبعض الصرعات الأخرى استطراداً، هنا منتخبات من كتابه عن تاريخ اليهود: 'استعباد الفراعنة لليهود كان استبطاناً بعيداً، لا يقلّ خبثاً، لبرامج السخرة التي وضعها هتلر لليهود'؛ 'بدون اختراع السكك الحديدية، يصعب أن نتخيّل وقوع الهلوكوست'؛ 'الغرف الخمس في أوشفتز كانت مجهزة بشكل يتيح إفناء 60 ألف رجل وامرأة وطفل، كلّ 24 ساعة'؛ وجونسون مثال ساطع على الدوران، بزاوية تامة، من صفوف اليسار إلى صفوف اليمين، وقد أتمّ عمادته على يد أمثال ريشارد نكسون ومارغريت ثاتشر، خلال عقود السبعينيات. السيرورة بدأت حين انتقل من دوائر اليسار المعتدل الملتفة حول حزب العمال البريطاني، إلى دوائر اليمين الرجعي في حزب المحافظين (حين يتواجد في بريطانيا) والمحافظين الجمهوريين الجدد (حين يتواجد في أمريكا). وما يسرده في أعماله ليس تاريخاً بأي معنى علمي جدير بالاحترام، بل سلسلة اجتهادات خرافية، وأقنعة إيديولوجية، واستيهامات افتراضية تفتقر تماماً إلى أبسط قواعد المنطق السليم (كما في الجزم حول الطاقة الاستيعابية لغرف الغاز). وليس الأمر أنه لا يرى ما يجري في العالم من حوله، ولكنه يفضّل النظر إلى الحاضر والمستقبل اعتماداً على 'قاعدة مركزية في التراث اليهودي المسيحي، تقول بوجوب أن يحصي المرء نِعَمَه'، كما يقول؛ وأوّلها عنده أنّ الغرب خرج ظافراً من هذا القرن المرعب و'الأكثر خطورة في تاريخ البشرية'. لقد بلغ به الكبر عتيّاً، 84 سنة، وهذا عمر يسمح له باستذكار ثلاثة أحداث رهيبة كادت تدني العالم المتحضّر من شفير الهلاك والفناء: 1940، حين حاول 'النظام النازي وإيديولوجيته الفرنكنشتاينية' السيطرة على القارّة الأوروبية وبعض آسيا وأفريقيا؛ و1946، حين أوشك الأمريكيون على سحب قوّاتهم من أوروبا، تاركين العالم لقمة سائغة أمام ستالين؛ وأعوام السبعينيات، حين بدت 'فضيحة ووترغيت' وكأنها تجرّد الجبار الأمريكي الأعظم من جميع هياكله القيادية والأخلاقية. أمّا في ما يخصّ التسعينيات والعقد الأوّل من الألفية الثالثة، فإنّ جونسون واصل البحث عن إمبريالية ضائعة، لا مخرج للإنسانية إلا باستعادتها: 'لقد حان الوقت للكفّ عن نواح القرن العشرين، والشروع بتدبّر السُبُل الكفيلة بضمان استقرار كوني ورفاهية واسعة. الخطوة الأولى هي إعادة تأسيس الإمبريالية الغربية'. مات الآن نظام العوالم الثلاثة، كما أخبرنا، ونحن اليوم نعيش نظام العالم الأوّل، والوحيد الذي يشهد انتقال قيم الغرب وطرائق عيشه إلى جميع أرجاء المعمورة، انتقال النار في الهشيم. ونحن بحاجة إلى إرساء هذا العالم الوحيد على سبعة أعمدة (ولا بدّ من هذا الرقم، لكي نتذكّر لورنس العرب وكتابه المأثور)، هي حكمة القرن الراهن. الأمم المتحدة هي أولى الأعمدة، ولقد كان الغرب محظوظاً حين أسفرت الحرب الباردة عن انضمام روسيا إلى العالم المتمدن، واسترداد مجلس الأمن بدوره كذراع طويلة للقوى الغربية الجبارة. ولكي يكون أداء الأمم المتحدة لائقاً بأخلاقيات العالم الأوّل، ثمة هذه الشروط: وضع عملية 'عاصفة الصحراء' نصب أعين مجلس الأمن الدولي، كلما رنّ ناقوس على وجه البسيطة؛ وضمّ اليابان إلى الدول دائمة العضوية، لكي يكتمل عقد الجبابرة؛ وتطبيق إجراءات تكفل وضع دول العالم الثالث على هامش المنظمة الدولية، لكي لا يتكرر خطأ الرئيس الأمريكي هاري ترومان في منح الجمعية العامة حقّ اتخاذ القرارات، أو خطأ زميله دوايت أيزنهاور الذي سمح لشخص مثل داغ همرشولد بإدانة فرنسا وبريطانيا جرّاء حرب السويس! وإذا كان من واجب الولايات المتحدة أن تتولى دور الشرطي الكوني، يتابع جونسون، فإنّ من حقها على مجلس الأمن الدولي أن يتحوّل إلى ما يشبه المخفر الساهر على تطبيق القانون. ذلك يفضي إلى العمود الثاني، أي تحويل الأمن الجماعي من قوّة سلبية تتحرك وفق مبدأ ردّ الفعل، إلى 'كلب حراسة' يقظ، قادر على التقاط رائحة الجريمة والحيلولة دون وقوعها؛ وهنالك، بالتالي، ضرورة لتعديل ميثاق الأمم المتحدة بحيث يمتلك مجلس الأمن أواليات تدخّل ديناميكية. العمود الثالث يتفرّع عن الثاني، ويتصل بحقّ التدخل، وطرد 'الأوهام الطوباوية' و'الإيديولوجيات المضلِّلة' حول 'خرافة الاستقلال الوطني'، ثمّ أوهام انتصار 'الثورات' الراهنة على 'الدكتاتوريات' في العالم العربي. عشرات الدول في آسيا وأفريقيا لا تفقه حرفاً واحداً في أبجدية إدارة الدولة والمجتمع، يقول جونسون، وينبغي عدم التردد في استئناف العمل باتفاقية فرساي ونظام الإنتداب (الذي يرى جونسون أنه كان ناجحاً في كلّ مكان... باستثناء فلسطين، حيث ارتكب البريطانيون جملة أخطاء بحقّ 'الحركة الصهيونية الديمقراطية'). ولأنّ مجلس الأمن الدولي هو مخفر الجبابرة، فإن جونسون ينيط به مهمة 'إحياء الحيوية الإمبريالية، واستعادة المعنى النبيل لكلمة الاستعمار'. العمود الرابع هو العمل الحثيث لاستيعاب الصين، وإعادة توجيهها في أقنية إيجابية وبنّاءة (رغم الماركسية والتوتاليتارية، كما يقول)، وذلك لضمان القدر الأقصى من الانسجام في علاقات القوّة، ولدرء خطر الشرق. الصين عنده هي 'صدّام حسين مضروباً بأربعين ضعفاً'، ولكنها تتحرّك ضمن معادلة جيو ستراتيجية واقتصادية مكمّلة لحركة الغرب، وموازية لحركة اليابان والتنانين الآسيوية الصغيرة في أندونيسيا وتايوان وسنغافورة وكوريا. وإدخال الصين في إيقاع الاقتصاد الدولي عنصر ضروري للعمود الخامس المركّب: المجموعة الأوروبية، اتفاقية ماستريخت، 'الاتفاقية العامة حول التعرفة والتجارة'، معدّلات صرف العملة، وما إليها. ومنذ ابتداء هذا القرن الجديد، سوف تتكوّن كتلة شرائية هائلة من خمسة مليارات وربع المليار (هي مجموع سكان الصين والهند والباكستان وأندونيسيا وبنغلادش وفييتنام)، وستُفتح أسواق هائلة لا مفرّ من تقاسمها بين الكتل الثلاث الأوروبية والأمريكية والآسيوية، والصين بهذا المعنى مفتاح محوري في صناعة التقاسم، وفي 'ضبطه' و'حراسته'. ضغط العامل الديمغرافي يقود جونسون إلى العمود السادس، أي تربية البشرية وفق القواعد الليبرالية الغربية، وتعليمها سبل الدخول السلمي في نظام العالم الواحد الوحيد، تفادياً لتحوّلها إلى قنبلة سكانية موقوتة، وحاضنة خصبة للتيارات الراديكالية والأصولية والإثنية. هذه 'القوى السوداء'، كما يسمّيها، يمكن أن تنضمّ بسهولة إلى حال الجهل المقنّع في أوروبا وأمريكا الشمالية، بحيث تتحوّل الأجيال الجديدة إلى 'أفواج رعاع' لا مواطنين صالحين. ليس لانتفاضات العرب أي دور تربوي تطهيري هنا، إذْ يبدو العكس هو الصحيح في ناظر الرجل. وهذه مسألة ثقافية، تجعله يرى في جياع الصومال وأفريقيا تجسيداً لهدر الموارد، وليس فظائع الجوع والعطش والموت. العمود السابع في حكمة القرن الواحد والعشرين هو الحفاظ على الموارد وحسن استغلالها وتطويرها، وهي هنا تتجاوز الثروات الطبيعية إلى الدماغ والإبداع والمخيّلة والذوق والحساسية. ذلك يدفعه إلى أن يلاحظ، بقلق جلي، كيف أخذت جوائز نوبل تذهب إلى أبناء ماليزيا وكوريا وتشيلي وتركيا وسنغافورة والهند ومصر والكاريبي... ليس غريباً، والحال هذه، أن تحظى أفكار جونسون بالترحاب الشديد في أوساط المحافل اليمينية المتشددة، والرجعية، وأن يعطيها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة مكانة الصدارة، وأن يمنحه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن 'قلادة الحرّية' الرئاسية (كان جونسون قد وصف الأخير ب'خليفة ثاتشر'، ووصم بوش الأب ب'رئيس الاستكانة'). ويُسجَّل له أنه كان في طليعة ناصحي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، حين تولى المنصب في الولاية الأولى سنة 1997: 'أخبرته أن يبقى ملتصقاً بالأمريكيين، فهم حلفاؤنا، ونحن مثل أسرة واحدة، وليذهب الأوروبيون إلى الجحيم، فلا تثق بهم، وخاصة فرنسا'! وفي الحصيلة، إذا جاز للمرء أن يركن إلى المنطق البسيط حتى في غياهب هذه التناقضات غير المنطقية، كيف يبدو جونسون غير سعيد تماماً، أو غير مستبشر، أو متشكك، أو 'مراجِع' في التوصيف الألطف، لواقع انتفاضات العرب التي انطلقت لتوّها، او التي تعد بالانطلاق في كلّ حين، ما دامت أهدافها الأولى هي تحرير الإنسان العربي من نير الاستبداد؟ وإذا لم تكن أنظمة بن علي ومبارك والقذافي والأسد 'دكتاتورية تماماً'، حسب جونسون، فكيف إذاً، وأين، تكون الدكتاتوريات كاملة تامة، على وجه البسيطة؟ ومتى يجوز استدخال انتفاضات العرب، أياً كانت تحفظات جونسون عليها، في أيّ من دهاليز أعمدة الحكمة السبعة، التي اختطها للكون والإنسانية؟ وهل الخيار الوحيد، لكي يتغيّر هذا العالم العربي أو يتحوّل، هو 'استعادة المعنى النبيل لكلمة الاستعمار'، كما يحثّنا المؤرّخ الأريب؟ ليس من باب العبث أن تُطرح هذه الأسئلة، أو يُعاد طرحها كلما ظهرت 'مراجعة' جديدة تنمّ عن حنين استشراقي فاضح إلى تلك الكليشيهات العتيقة الأثيرة، حتى إذا كان بعضها يعيد تأهيل الاستبداد تحت مسمّيات شتى. وكما يتوجّب التذكير في كلّ مناسبة مماثلة، فإنّ سيرورات 'هذا العالم العربي الجديد'، حسب التعبير الأخر الذي شاع بدوره اسوة ب'الربيع العربي'، هزّت أركان المعارف الغربية عن العرب، والشرق عموماً، وكانت هذه راسخة قبلئذ، مكينة وثابتة مسلّماً بها، تقتات على تنميطات 'الذهن العربي' و'السيكولوجية العربية' و'الروح الشرقية'؛ وكلّ ما يقترن بهذه من صفات الركود والجمود واللاتاريخ والسرمدية، فضلاً عن مقاومة التغيير، ورفض الديمقراطية... وليس يسيراً أن تفلح انتفاضات العرب في قلب مفاهيم الاستشراق، رأساً على عقب، ثمّ تحظى باستحسان أمثال برنارد لويس، دافيد روثكوف، دانييل بايبس، وبول جونسون. ' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

سلامة كيلة يصيبهم بالاحباط!!

ياسر الزعاترة الدستور- الأردن ، 18-05-2012 الأرجح أن الرفاق اليساريين، وربما القوميين أيضا سيصابون بالإحباط من جراء تصريحات المفكر اليساري سلامة كيلة الذي وصل الأردن بعد أسابيع من الاعتقال في أقبية المخابرات السورية (سبق أن اعتقل طويلا في السجون السورية)، لاسيما أن بعضهم لم يتردد في المطالبة بالإفراج عنه مع إدانة اعتقاله، وبالطبع حرصا على صورة النظام المقاوم والممانع، لأن سلامة كيلة ليس متهما بالمذهبية كما هو حالنا (مسيحي المولد)، كما أنه ليس متهما أيضا بأنه من ثوار الناتو وعملاء الإمبريالية كما هو حالنا أيضا على اعتبار أن الأرض لا تستوعب ثوارا غير الرفاق إياهم بينما استمرأ الآخرون ركوب قطار الإمبريالية حتى لو غادروه بعض الوقت لهذا السبب أو ذاك!! لا حاجة للرد على كل هذا الهراء الذي تفيض به كتابات وتصريحات كثيرة هنا وهناك، ودائما لاعتبارات حزبية وطائفية ومذهبية تختبئ خلف شعارات رنانة، ليس فقط لأننا نرد عليه بشكل دائم، بل أيضا لأن التهم التي توجه إلينا هي ذاتها التي يمكن إلصاقها بالغالبية الساحقة من جماهير الأمة خارج الدوائر الإيرانية التي تتحرك وفق روحية مذهبية، مع وجود قلة قليلة من إخوتنا الشيعة الذين انسجموا مع مبادئهم ومبادئ الحسين الشهيد، تماما كما انسجم سلامة كيلة مع المبادئ التي يؤمن بها، تلك التي تنحاز لجماهير الشعوب المسحوقة، وليس للظلم والدكتاتورية. سلامة كيلة قال بكل بساطة كل ما قلناه، وما يمكن أن يقال عن نظام الإجرام في دمشق، ويبدو أن “نظره القاصر” لم يسعفه ليرى المؤامرة الإمبريالية التي تحاك ضد نظام المقاومة والممانعة، وعليه تبعا لذلك أن يجلس في عمان بين يدي الرفاق ليتلقى دروسا مهمة تعيده إلى رشده!! والأرجح أنهم سيحاولون، وقد يكدون عليه الجاهات لكي يتوقف عن إدانة نظام بشار، لكن الحوار الذي أجراه معه مراسل الجزيرة نت في عمان سيبقى شاهدا على قناعات الرجل التي لا نعتقد أنه سيغيرها ببساطة. والحال أننا لسنا في حاجة إلى شهادات سلامة كيلة لكي ندرك أننا إزاء نظام دكتاتوري مجرم يواجه ثورة شعبية لا تنتمي إلى مؤامرات خارجية حتى لو أيدها كل شياطين الأرض، فضلا عن أن تكون يتيمة مخذولة يُباع لها الكلام أكثر من الفعل في معظم الأحيان، بخاصة من لدن التحالف الأمريكي الغربي، لكننا مع ذلك سنضطر للاستشهاد بكلامه، ولو لأجل مناكفة الرفاق الذين يطاردوننا بنصوصهم وتصريحاتهم المعجونة بفكر المؤامرة بطبعته الأكثر بؤسا وسطحية في بعض الأحيان. إليكم هنا فقرات مما قاله سلامة كيلة لا تتضمن تفصيلات اعتقاله وتعذيبه من قبل المخابرات الأسدية، وهي فقرات مهداة لكل الذين يرددون بعض ذلك الهراء الذي نضطر لمتابعته مكرهين كل يوم، أكان عبر المقالات والتصريحات، أم عبر التعليقات على ما نكتب ويكتبه سوانا حول الثورة السورية وشعبها البطل. لنقرأ: “اكتشفت بعد لحظات من الاعتقال أنني في سوريا كلها من إدلب إلى حلب إلى حوران، بسبب تنوع السجناء وانتمائهم لشتى مناطق سوريا”... “استمعت إلى روايات تعذيب مرعبة، والهدف منها تأكيد النظام روايته المسبقة بأن هناك عصابات مسلحة تقتل وتغتصب وتنهب، وعندما تصبح كل الاعترافات بنفس النص فهذا يعني أن هناك ملقنا”...”كان المحققون يشتمون الشعب الفلسطيني (لأن أصله فلسطيني بالطبع) بأنهم باعوا وطنهم وخانوا سوريا التي قدمت لهم الكثير”....”من التقيته من الشباب في السجن بسيط وطيب جدا، لا توجد لديه ثقافة سياسية، لكنه يعرف أن الأفق مسدود ويجب أن ينكسر، وأن الصراع مع هذه السلطة لا بد منه، وأن المسألة لا طائفية ولا غيرها، هؤلاء شباب من جيل التسعينيات الذي أعتقد أنه سيغير الشرق الأوسط خلال عشر سنوات”....”أغلبية الشباب الفلسطيني مع الشارع السوري، والشباب السوري يؤمن بهذا الشعار (يقصد شعار من أجل تحرير فلسطين، يجب إسقاط النظام السوري)، لأن النظام يتاجر بالقضية الفلسطينية، وهو لا يجرؤ على الاقتراب من الجولان ولا يحضّر لأي حرب، والنظام تحول إلى عائق في المواجهة مع إسرائيل”....”لا يوجد أي أفق لحرب طائفية في سوريا، وكل محاولات النظام خلال السنة الأخيرة لجر البلاد لهذه الحرب فشلت، أنا قابلت شبابا متدينا في السجن لكن لا توجد لديه أي طائفية”. أخيرا وبعد تأكيده على أن “النظام زائل لا محالة”، تحدث الرجل إلى رفاقه اليساريين فقال ما يلي: أقول لهؤلاء أن يترووا قليلا، وأن يعودوا لعقلهم وأن يفكروا بموضوعية لا بسطحية عالية. نحن ضد الإمبريالية ويجب أن نكون ضدها، لكن الوضع في سوريا كان تكيفا مع الإمبريالية، الاقتصاد الذي صنعه النظام السوري كان يطلب رضا الأمريكان. سوريا تتعرض لجريمة قتل كبرى يمارسها النظام من القتل إلى الصراعات الطائفية إلى التعذيب. سيكتشف هؤلاء أنهم دافعوا عن أكبر مافيا في المنطقة، أتمنى عليهم ألا يعتقدوا أن الأمور هي إمبريالية فقط، لأن الإمبريالية تتجسد في تكوينات محلية، والشعب السوري هو الذي ضحى من أجل فلسطين وضد إسرائيل وأمريكا وليس النظام، والشعب يقاتل اليوم من أجل فلسطين وليس فقط من أجل تغيير النظام. روسيا اليوم إمبريالية صاعدة ولم تعد اشتراكية كما يظن أصدقاؤنا، فلماذا نحن مع إمبريالية ضد إمبريالية؟! انتهى كلام كيلة؛ والمقال أيضا.