الأحد، 10 يونيو 2012

تونس ما بعد الثورة .. و"النموذج اللبناني"

تونس ـ فادي شامية في الأصل؛ لم يكن ثمة دافع قوي لإجراء مقارنة بين أوضاع تونس ما بعد الثورة والأوضاع في لبنان؛ لولا أن بعض السياسيين اللبنانيين -غير المنصفين- ما فتئوا يسألون عن النموذج التونسي، في طليعة أسئلتهم عن نماذج الربيع العربي المجيد. ليس في ذهن هؤلاء "المرجفين" إجراء مقارنة علمية، ولا تمتين العلاقات الأخوية، ولكن في ذهنهم تخويف اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، من نتائج الثورات على أنظمة الاستبداد، بهدف دعم نظام بشار الأسد القمعي، إضافة إلى حصد النتائج السياسية لتخويف المسيحيين من كل إسلامي يصل إلى الحكم، بوصفه "تكفيرياً، رجعياً، لا يراعي حقوق الإنسان". ثورة لم تأكل أبناءها في واقع الحال؛ فإن النموذج التونسي ناصع إلى درجة أنه كسر القاعدة السياسية المعروفة: "الثورة تأكل أبناءها". ولعله من قبيح التجني طرح الشكوك حول الثورة التونسية المجيدة؛ فقد عانى التونسيون جراء قمع نظام زين العابدين بن علي ومن قبله نظام الحبيب بورقيبة- (اعتباراً من العام 1957). بن علي حكَم طيلة 23 سنة، فحوّل البلد إلى سجن كبير، وابتكر صنوفاً من القمع دُونت باسمه في سجل الطغاة. لا داعي للإطالة في تفصيل فساد وطغيان بن علي، فما وُجد في بيته من كنوز مسروقة ومخدرات مخبوءة، وما صوّرته وسائل الإعلام عن أقبية ووسائل التعذيب يغني عن الشرح. البوعزيزي كان الشرارة التي فجّرت بركان الاحتقان. اندلعت الثورة، واستشهد العشرات، وتدخل الجيش (الذي تعرّض خلال حكم بن علي لإذلال ممنهج وتقييد شديد مخافة أن يقوم انقلاب) فحسم الموقف وأجبر بن علي على الفرار في 14/1/2011. وفي اليوم التالي تولى رئيس مجلس النواب محمد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت، وأصبح الباجي قائد السبسي في 27/2/2011 رئيساً للحكومة المؤقتة، ثم جرت انتخابات المجلس التأسيسي في 23/10/2011. خلال هذه المدة، ورغم الفراغ الأمني والسياسي فإنه لم تحصل انتقامات، ولا إعدامات، خلافاً لأهم الثورات في العالم. لم يقع اقتتال داخلي، ولم تأكل الثورة أبناءها، ولم يحصل فلتان أمني بالمعنى الواسع، بل سادت روح من التسامح، كان أكثر من دعا إليها ضحايا القمع السياسي، ومعظمهم إسلاميون. الجميع في تونس احتكموا إلى صناديق الاقتراع، التي رفعت تمثيل حزب "النهضة" الإسلامي (إخوان مسلمون) من صفر % تمثيل برلماني إلى 41%. فماذا فعل الحزب الذي حل أولاً ونال ثلاثة أضعاف مقاعد أقرب منافسيه؟ ما فعله هو صناعة "النموذج التونسي" في "عصر الربيع العربي"، فبدل أن يشكّل الحكومة منفرداً أو ينال رئاسة البرلمان أو الجمهورية، كما هي العادة في الأنظمة الديمقراطية؛ فضّل حزب "النهضة" أن يشكّل حكومة ائتلافية برئاسته، وأن يتفاهم مع حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" العلماني، بزعامة منصف المرزوقي (حصل على 30 مقعداً)، فتكون رئاسة البلاد للمرزوقي، وأن يتفاهم مع حزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" اليساري بزعامة مصطفى بن جعفر (حصل على 21 مقعداً)، ليكون بن جعفر رئيساًَ لمجلس النواب. وفوق ذلك أعلن زعيم "النهضة" راشد الغنوشي عزوفه عن تولي أي منصب رسمي، فاتحاً المجال للمناضل السياسي حمادي الجبالي (15 سنة في سجون بن علي بينها 10 سنوات من السجن الانفرادي!) ليكون رئيساً للوزراء. في النموذج التونسي أيضاً النموذج التونسي -الذي يخوّف منه من لم يسمع أو يرَ ماهيته- يحفل بما هو أكثر غرابة من ذلك؛ فقد حاول منافسو حزب "النهضة" إحراجه بطرح ترشيح نسبة عالية من النساء في القوائم الانتخابية. "النهضة" كان أول الموافقين، والمفاجأة أن مرشحات "النهضة" كن فائزات في غالبية الدوائر- خلافاً لبقية الأحزاب- بحيث أدخل "النهضة" إلى البرلمان التونسي 42 من أصل 49 امرأة ممن انتخبن أعضاءً في المجلس التأسيسي! لم يغرّ هذا الفوز المبهر قيادة "النهضة"، فما التزمت به مع باقي المعارضين (هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات عام 2005) أيام المحنة، حافظت عليه في زمن المنحة؛ فأعادت الالتزام بالديمقراطية، بما هي "قيم ومبادئ وآليات ومؤسسات"، وأكدت "احترام حقوق وحريات المواطنين الفردية والعامة"، و"قيام دولة مدنية قائمة على مبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وتستمد مشروعيتها من إرادة الشعب". في أدبيات النهضة اليوم؛ تأصيل مكثف لمنهجية العرض دون الفرض، وللتغيير بالإقناع لا الإجبار. درجة الالتزام بهذه المنهجية مذهلة، لدرجة أن الحركة الفائزة في الانتخابات تجد صعوبة اليوم في تغيير موظف حكومي، لئلا يتهمها المنافسون بأنها تفرض لونها على الدولة، مع أن تغيير الإدارات بعد الثورة، وجعلها أكثر قرباً من الحكم الجديد أمر متعارف عليه في أعرق الديمقراطيات الغربية! من يزر تونس اليوم لا يجد أي دليل على أن الإسلاميين يسعون الى فرض قناعاتهم على الناس. لم يفرضوا الحجاب، ولم يقيّدوا حرية المأكل أو المشرب... جل ما فعلوه أنهم نظفوا بلادهم من الفساد السياسي والاقتصادي، وسمحوا للناس أن تعبر عن نفسها، فنشأت آلاف الجمعيات وعشرات الأحزاب ووسائل الإعلام في عام واحد. أكثر من ذلك، فعلى الرغم من أن تونس بلد مسلم 100% تقريباً إلا أن قانون الأحوال الشخصية فيه (صادر عام 1956) يتضمن نصوصاً تخالف الشريعة الإسلامية صراحة، كتغيير أحكام الميراث، وأحكام التبني، والسماح بزواج المسلمة من غير المسلم، وإعطاء أبناء الزنا الحق في حمل اسم الأب والحق في ميراثه كالأبناء الشرعيين، وحظر تعدد الزوجات ولو لأسباب واضحة... ومع ذلك فإن هذا القانون ما زال معمولاً به في ظل حكم الإسلاميين! في تونس أيضاً مثال على احترام الأقليات، إذ يعيش في جربة نحو 2000 يهودي قدموا من إسبانيا قبل قرون خوفاً من الاضطهاد، واندمجوا في المجتمع التونسي؛ لم يتعرض لهم أحد في الماضي، ولم يسئ إليهم أحد بعد صعود نجم الإسلاميين. والأهم أن "النهضة"، هو من يتولى اليوم مكافحة التطرف، عن طريق نشر الوسطية في الفكر والدعوة، وعن طريق القانون، دون إفراط أو تفريط، وذلك عندما يحصل ما يخل بالانتظام العام، وما عدا ذلك فللجميع ان يعبر عن رأيه مهما كان متطرفاً. في تونس اليوم أيضاً اقتصاد ينتعش (من 2-% إلى +2%)، وسياحة تزدهر من جديد، ووزراء ينتظرون نهاية الشهر ليقبضوا رواتبهم، ونواب يركبون في وسائل النقل العامة، ونظافة كف لدى وزراء الحكومة الجديدة، من الإسلاميين وغير الإسلاميين... وخطط واعدة للمستقبل. هذا هو النموذج التونسي، فأين منه خطاب الأحقاد والتحريض في لبنان؟ والسرقات والفساد والتراجع الاقتصادي والوقوف على حافة الحرب الأهلية كل يوم؟!

سمير قصير كما عرفته

التقيت به في باريس في العام الجامعي 1981- 1982، وكنت أتابع تحضير الدكتوراه في صف أستاذنا المرحوم دومينيك شوفالييه. كان سمير قد جاء الى باريس ليكمل دراساته في السوربون.. لم أعرف إن كان قد جاء قبل ذلك التاريخ ودرس الإجازة في السوربون أم أنه كان قد حضر فقط لتحضير الماجستير في تلك السنة..ولم أسأله لاحقاً حول هذه المرحلة من حياته التي كانت بداية تشكل خياراته السياسية والأكاديمية. ولكن أحد اصدقائنا المشتركين قال لي مرة بأن سمير كان منخرطاً لا بل أحد قادة طلاب الحزب الشيوعي اللبناني خلال المرحلة الثانوية وبدايات الجامعة... وما أعرفه شخصياً عنه أنه كان يحضر صفوف الدكتوراه معنا من باب توسيع معارفه وخوض النقاشات.. وكان من رواد المحاضرات في صف شوفالييه غسان سلامة وأمين معلوف ومرة حضر أيضاً غسان تويني.. كان شوفالييه يحب أن يفتح حوارات فكرية وسياسية في صفه وكان مغرماً بلبنان واللبنانيين عموماً ناهيك عن تاييده للقضايا العربية ؛ فكان يدعو الى الصف خيرة أهل الفكر والسياسة العرب للنقاش والاستمتاع بخبرتهم وألمعيتهم.. في تلك السنة التقيت إذن بسمير وكان معنا من صاروا أحلى وأجمل أصدقائه: فاروق مردم بيه من سوريا، وإيلي صنبر من فلسطين، ثم مجموعتنا اللبنانية: أستاذنا وزميلنا المرحوم أنطوان عبد النور (استشهد أمام منزله في بحمدون برصاص الغزو الاسرائيلي حزيران 1982) وأحمد بيضون ونواف سلام، وغيرهم طبعاً، ناهيك عن الطلاب الفرنسيين وعلى رأسهم من صار باحثاً مميزاً مثل هنري لورنس...في تلك الفترة كان سمير ما يزال ملتزماً في إطار الفكر اليساري الماركسي التقليدي ولكنه وقد بدأ يكتب في مجلة لوموند ديبلوماتيك اليسارية الفرنسية العالمثالثية فإنه خرج عن شيوعيته اللبنانية الرسمية التي كان قد بدأ يصارع ضدها وضد جمود وتحريفية الأحزاب الشيوعية العربية منذ كان طالباً في اللليسيه الفرنسية ببيروت(بحسب ما روى لي لاحقاً)..لا أعرف الكثير عن مرحلة سمير كعضو ناقد ومشاكس في الحزب الشيوعي "التحريفي" ولكنني أعرف أنه اكتشف في باريس عالماً جديداً صار محبباً ومقرباً إليه: عالم الماركسية الماوية واليسارية الانسانية الممتزجة بنكهة باريسية مميزة من ربيع 1968، وبفتحاوية فلسطينية لبنانية ثورية صاحبة تجربة نضالية عميقة، ثم لاحقاً بتشيع ثوري فجرته الثورة الايرانية، وقد كان بعض رموزها يعيشون في باريس ونلتقي بهم ونتحاور معهم.. منذ أول لقاء لنا وكان قد سمع عن تجربة جيلنا ومجموعتنا في لبنان أخذ سمير يمطرني بعشرات الأسئلة عن تجربتنا في الكتيبة الطلابية وكيف جمعنا بين الماركسية الماوية والوطنية الفتحاوية والاسلام الخميني... كانت أسئلة سمير كما كتاباته تنم عن نضج ثوري مبكر وعن عمق تخال معه أنه شيخ كبير من شيوخ تجربة الحرب الأهلية ومرحلة السبعينيات النضالية اللبنانية... ومن الأمور التي أذكر نقاشها معه تفاصيل بدايات التجربة الايرانية الثورية (1977-1981) والتي كانت قد آذنت بنهايات مأساوية مع سقوط التيار الديموقراطي الثوري ممثلاً بمهدي بازركان وابراهيم يزدي وأبو الحسن بني صدر.. وأذكر أننا ناقشنا مرة تقييمنا المشترك لفشل وانهيار تجربة الاسلام الماركسي الماوي الذي مثلّه الخط القديم لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية التي تأسست عام 1965 على أيدي الشهداء محمد حنيف نجاد وسعيد محسن وعلي أصغر بديع زادكان، (أعدمهم الشاه يوم 25 أيار 1972) بوصفها "منظمة مسلمة ثورية وطنية وديمقراطية"... وكان حزيران 1981 قد شهد انتهاء النضال السلمي لتيار مجاهدي خلق وتيار بني صدر وانتقالهم الى خارج ايران والى المعارضة العنيفة لنظام الخميني... وفي نفس الفترة (1981-1982) كنا نحن اللبنانيين الماويين الفتحاويين نعيش أزمة عميقة ناتجة عن تمزق تيارنا مع صعود الإسلام المقاتل (حزب الله وحركة التوحيد وقد بدأ صعودهما بالارتباط بالصراع السوري الفلسطيني على لبنان قبل وبعد 1982) الأمر الذي أدى الى انهيار تجربتنا في المقاومة الشعبية المدنية والمسلحة (الكتيبة الطلابية) برغم محاولات الشهداء علي أبو طوق ومروان كيالي وأبو حسن إبحيص وسلطان التميمي (حمدي) انقاذ التجربة قبل استشهادهم جميعاً... وفي باريس كانت المجموعات العربية تلتقي وتناقش أزمة اليسار العربي والماركسية والثورة الفلسطينية والتجربة الايرانية كما تناقش دروس أيار 1968 الفرنسي ومجموعاته وتجارب اليسار الأوروبي القريب الشبه بيسارنا... ومن رحم هذه التساؤلات والاشكاليات الثورية تشكلت خيارات سمير قصير... ولكن الصاعق المفجر لخياراته (باعتقادي) كان غزو لبنان صيف 1982... التقيت سمير بعد غزو 1982 وكنت أتردد ما بين باريس وتونس لانهاء أطروحتي.. وعملنا معاً على دعم مبادرة المناضل إيلان هاليفي في اللجنة الدولية للدفاع عن المعتقلين والأسرى اللبنانيين والفلسطينيين في معتقل أنصار... وخلال الأعوام 1982-1985 استمر سمير في متابعة سمينار شوفالييه للدكتوراه في حين كان ينهي مرحلة الماجستير.. وأذكر تماماً مشاركته الرفاق والأصدقاء في جلسة مناقشة أطروحتي في السوربون يوم 12 شباط 1984 وقد تابعنا النقاش في المقهى القريب رفقة صديقنا عبدالله حداد وبعض الأصدقاء المغاربة والمصريين... كان حماس سمير للمقاومة الوطنية والاسلامية، اللبنانية - الفلسطينية، يجد مبرراته في القيادة المشتركة التي أقامها الشهيدان أبو جهاد (اغتاله الاسرائيليون في 16 نيسان 1988) وأبو الوليد (سعد صايل اغتاله السوريون صباح عيد الأضحى 29 أيلول 1982) والشهيد أبو أنيس (جورج حاوي اغتاله السوريون في 21 حزيران 2005) والمناضل أبو خالد (محسن ابراهيم أطال الله بعمره)... وقد ساعدني سمير على جمع مواد كتاب توثيقي تأريخي للمقاومة في سنوات 1982-1985 (تاريخ الانسحاب الاسرائيلي الأول والكبير وتأسيس حزب الله في 12 شباط) ولكننا لم ننشر الكتاب للأسف وما زالت مخطوطته بحوزتي... نعم انخرط سمير في الدعم الكامل للمقاومة كتابة وتحريضاً وتنظيراً...واقترب أكثر فأكثر من فلسطينيته الفتحاوية التي كان يفتخر بها كلما التقينا أنا وهو والياس خوري أو كلما صار هو يلتقي محمود درويش والياس خوري في إطار نشاطات باريسية أو عربية أو في إصدار مجلة الكرمل... وشارك في الكتابة والتحرير في مجلة اليوم السابع التي أسسها بلال الحسن في باريس (1984) إلى جانب جوزيف سماحة وثلة من الشبان اللبنانيين ومنهم نصير الأسعد.. وترك سمير ونصير اليوم السابع عام 1985 وعاد نصير الى بيروت ليعمل في مجلة منظمة العمل الشيوعي (بيروت المساء) في حين تابع سمير صراعه مع الصهاينة واقترب أكثر فأكثر من رفاق حياته المثقفين فاروق مردم بيه وايلي صنبر ما جعله يشاركهما لاحقاً تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية التي تقرر صدورها بالفرنسية في باريس...ولم أعد أراه بعد العام 1985 حيث أنني عدت واستقريت نهائياً في بيروت.. واستمر سمير يقوم بكل ما هو ممكن لنشر الثقافة الفلسطينية الثورية ولنشر المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني...وتشهد الأعوام 1985-1990 قمة نشاط سمير أولاً في الدراسة لانهاء الدكتوراه في السوربون، وثانياً في مجلة الدراسات الفلسطينية التي كرس لها المزيد من الوقت والجهد كعضو في مجلس ادارتها وتحريرها (1986-1994)، ثم في مجلة لوموند ديبلوماتيك اليسارية التي صار أحد أبرز كتابها ومحرريها (1981-2000) الى حد تسليمه مهمة اصدار وتحرير الطبعة العربية للمجلة في بيروت لاحقاً (1998-2000)...هذا ناهيك عن بدايات كتابته في النهار البيروتية والحياة اللندنية (1988).. عاد سمير الى بيروت في العام 1990 أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة القديس يوسف وكان ذلك في أجواء اتفاق الطائف الذي لم ير النور في التطبيق...ومنذ العام 1993 صار مديراً عاماً لمنشورات النهار وكاتباً لعمود أسبوعي (يوم الجمعة) إلى جانب عمودي غسان تويني وجورج خضر التاريخيين، وكان ذلك في حد ذاته تكريساً له مثقفاً عضوياً وكاتباً وصحفياً مبدعاً وناشراً متميزاً.. وكرس سمير وقته لعمله الصحفي والنشري وأيضاً لاصدار بعض كتبه بالفرنسية... كتب مع فاروق مردم بيه «الطريق من باريس الى القدس»، «فرنسا والصراع العربي الاسرائيلي» الجزء الاول 1917- 1958 (منشورات مجلة الدراسات الفلسطينية-باريس 1992) الجزء الثاني: 1958- 1991 (باريس 1993). وكتب «مساحة أزمات»، وهي مقالة ضمن مجموعة دومينيك شوفالييه واندريه ميكال، «العرب من الرسالة الى التاريخ» (باريس، فايار 1995)... في العام 1992 أطلقت منظمة العمل الشيوعي نقداً ذاتياً غير مسبوق، صدر جزء منه في كراس صغير بعنوان "في الاشتراكية: نص نقدي تحليلي" (صدر في منتصف نيسان 1993).. وكان الحزب الشيوعي هو الآخر يشهد حالة تململ ثوري وانتقادات ودعوات لمراجعة تجربة اليسار اللبناني والحرب الأهلية... في نفس تلك السنة أطلقنا (سمير فرنجيه وفارس سعيد وهاني فحص وسعود المولى ومحمد حسين شمس الدين وشوقي داغر وجان حرب وسمير عبد الملك ورشيد الجمالي وخالد لطفي وغيرهم) المؤتمر الدائم للحوار اللبناني وعقدنا عدة خلوات وندوات ناقشنا فيها تجربة الحرب الأهلية وضرورات المكاشفة والمراجعة والمصالحة لبناء سلم أهلي راسخ... وأصدرنا نشرة أسبوعية (قضايا الأسبوع) ثم مجلة شهرية (أوراق الحوار) ودراسات موسمية (قضايا لبنانية) شكلت كلها رافعة حوار فكري ثري وعمل وطني جدي انخرط فيه سمير قصير ونصير الأسعد وغيرهما من التيار اليساري المستقل الباحث عن الحقيقة والعدالة في حياة البشر... كان الحوار بيننا وبين سمير يدور حول معنى اليسار في الوضع اللبناني الباحث أولاً عن تحقيق سلم أهلي ووقف الحروب الأهلية وتوحيد المجتمع وحفظ التعددية والديموقراطية والحرية فيه وعن بناء دولة ونظام سياسي يناسبان هذا الواقع وعن شروط فتح آفاق تطور وتقدم حقيقةً وليس لفظاً... وكان حوارنا يدور أيضاً حول معنى المقاومة وشروطها وآفاقها في فلسطين ولبنان، وحول الوضع الدولي والعربي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وبروز نظريات نهاية التاريخ وصدام الحضارات... وكان سمير يتجاوب مع حواراتنا في ما كان يكتبه على صفحات النهار ومجلة الأوريان أكسبرس التي رئس تحريرها (1995-1998).. ولكن سمير تميز بحفاظه على موقعه اليساري المميز ضمن الحالة الحوارية الوطنية ولعل ذلك هيأه ليشارك في تأسيس المنبر الديموقراطي (2001) الى جانب حبيب صادق وسمير فرنجية وحكمت العيد ونصير الأسعد ومحمد علي مقلد وعبدالله رزق وأنطوان حداد ومئات الأصدقاء والرفاق في حركة يسارية ديموقراطية ضمت المئات ولم يشهد لبنان لها مثيلاً (لا من قبل ولا من بعد للأسف) ثم في تأسيس حركة اليسار الديموقراطي (2004) مع رفاقه الياس خوري وزياد ماجد والياس عطاالله ونديم عبد الصمد وحكمت العيد وحنا صالح ووديع حمدان ومارك ضو ووليد فخر الدين وفاروق يعقوب إضافة إلى المنظمات الشبابية اليسارية ومنظمة طلاب شيوعيون المنشقة عن الحزب الشيوعي... كان سمير متحمساً لكل تيارات الاعتراض والممانعة داخل اليسار عموماً والحزب الشيوعي خصوصاً وكان يستمتع بالحوار مع جورج حاوي وسمير فرنجيه وحبيب صادق ومحسن ابراهيم وكريم مروة وجورج بطل ونديم عبدالصمد وغسان الرفاعي ونسيم ضاهر وحكمت العيد ونصير الأسعد ويدعوهم الى كتابة تجربتهم اليسارية القيادية خدمة للجيل الجديد وللحقيقة والتاريخ، مطالباً إياهم في نفس الوقت بتقديم كشف حساب صارم مع العقل التآمري والاستبدادي داخل اليسار ومن أجل بلورة رؤية يسارية وطنية تحمل هموم الناس وخلاصات تجاربها ودروس حروبها الأهلية كافة... ومنذ التمديد للرئيس لحود (2004) ابتدأ صراع سمير الكبير والخطير مع أنظمة العسكر والاستبداد ومع الوصاية السورية ومن أجل الحرية والكرامة.. ولا ننسى هنا أن نذكر مؤلفاته الأشهر والتي تقول لنا عناوينها عن ماهية خيارات سمير الحقيقية وتوجهاته النضالية والانسانية: «عسكر على مين؟ لبنان الجمهورية المفقودة» (دار النهار-2004)، «ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان: البحث عن ربيع دمشق» (دار النهار- (2004)، «تأملات في شقاء العرب» (دار النهار -2005)، «تاريخ بيروت»، (منشورات فايار، باريس 2003) (بالعربية عن دار النهار-2006)، «حرب لبنان من الشقاق الوطني الى النزاع الاقليمي 1975- 1982» (منشورات كارتالا سيرموك 1994) (وبالعربية عن دار النهار-2007).. وبعد... فهذا هو سمير قصير كما عرفته...كان في أول ربيعنا العربي ومن أول شهدائه...

عادل عبد المهدي: أزمة ادارة.. تولد ازمة طوائف وقوميات

الازمة المتصاعدة في جوهرها ازمة ادارة واختلال علاقة بين الدولة وشعبها.. فما دامت مواقع القدرة هي اموال النفط والسلطة والدولة، فسيعيش العراق هذه الازمات باشكال متكررة ومتجددة.. وما لم تنتقل مواقع القدرة والثروة الى المجتمع والجامعات والمدارس والمستشفيات والملاعب والمسارح وانواع الفنون والاسواق والاقتصاد والمصالح الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية والاجتماعية، ليصبح التنافسفي تلكالساحات وقدراتها واعتبارياتها، وليس في الدولة او عليها، فاننا سنستمر بتجديد الازمات.. التي نختفي فيها وراء جماعاتنا وقومياتنا وطوائفنا. عندما تصبح الدولة -وليس المجتمع- مصدر الثروة والقدرة الوحيدتين.. ولا يكون هناك من طريق امام من يمسك بمقاليد السلطة سوى الاستيلاء على المزيد، فان ممارسة نمطية ستتولد لطرد الاخر والطعن والشك به..كلما اقترب من مواقع السلطة والقدرة. عندما يحصل ذلك، والعراق مثالاً، فان الاخر سيحتج ويتمرد،عن حق او باطل، ليعطيللحاكمحججاً وقناعات بنظرية المؤامرة، خصوصاً عند اللجوء للدول الاخرى.. هرباً من الملاحقة او البطش، او عند تقاطع المصالح الخارجية ومصلحة الحكم. هكذا عاش العراقيون لعقود طويلة. لهذا عندما سقط النظام الاستبدادي،ووقفت المرجعية الدينية العليا،والعديد من القوىتطالب بدستور تعده جميعة منتخبة،فان الهدف كان استخلاص تجارب الماضي وبناء نظام ينصف الجميع، بتوزيع الحقوق على الشعب بشكل متساو.. وبجعل الدولة راعية تحكم وفق منطق الانتخاب والتداول والمساءلة وتوزع السلطات والقدرات. لكن القوى السياسية، والحكومات الجديدة غرقت في شؤون الدولة اكثر من اهتمامهابشؤون الشعب والمجتمع.. شجعها على ذلك الارهاب والعنف،الذي لم يترك سوى تعزيز قدراتها وقواتها.. كما شجعتها العلاقات الدولية الجديدة التي يهمها اولاً العقود والصفقات، قبل اهتمامهابالمجتمع واستعادة الشعب لحقوقه.. ومع زيادة الواردات النفطية، ازدادت هيمنة اقتصاديات الدولة، وازداد التنافسوالتنازع -بدل التعايش- ليصبح القاعدة الاساسية في علاقة البعض بالبعض الاخر. بعيداً عن الاشخاص والاحزاب والمصالح الاقليمية والدولية وادوارهم، فان الازمات مرشحة ان تزداد ما لم تقلب العلاقة، لتصبح القدرات ومجالات التقدم والرقي بيد المجتمع اساساً لتأتي الدولة مكملة وخادمة.. عندها سيأخذ التنافس طابعاً ايجابياً -وليس اقصائياً او عدائياً- وسيوفر لنفسه مساحات رحبة تسع الجميع.. وليس كما هو الامر اليوم، عندما يجري الصراع في مساحات الدولة الضيقة التي قاعدتها التفرد والطرد.

الخميس، 31 مايو 2012

مصر.. الديمقراطية ليست الاغلبية فقط

عادل عبد المهدي نرجو ان لا يكون "الاسلاميون"، و"الاخرون" قد وقعوا في الخطأ الذي وقعنا فيه في العراق.. فمن حق "الاخوان" و "الوطنيين" و"الناصريين" وغيرهم ان يخوضوا الانتخابات التشريعية والرئاسية ويفوزوا فيها.. لكنه ليس من حقهم ان يخطئوا في حساباتهم ومعادلاتهم التي تكلمت يوماً عن الاعتدال والاعتراف بالاخر، وعدم استخدام الاغلبية للاستئثار.. والاقلية للتمرد والعصيان. فالله سبحانه وتعالى قادر على ما يشاء، وغني عن رضا الناس، لكنه رحيم بهم، يدفع بعضهم ببعض، والا لفسدت الارض، ولهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد. والرسول صلوات الله عليه وآله، معصوم، بوحي السماء ووعده الجنة، لا يجرمنه شنآن قوم الا يعدل.. يدرء الفتنة.. ويعطي كل ذي حق حقه، حسب ظرفه ووضعه. فالمجتمع المصري، مثلنا، تلاوينه عديدة. لذلك امر طبيعي ان يخاف "الاسلاميين" من يخالفهم.. وامر طبيعي ان يخاف "الاسلاميون" من يخاصمهم. ولاشك ان فوز "محمد مرسي" في الانتخابات سيثير قلقاً شديداً.. كما ان فوز "احمد شفيق" سيثير قلقاً مقابلاً.. والانتخابات لا تكفي بمفردها لتطمين الخواطر.. بل قد تكون سبباً لتفجرها.. خصوصاً اذا شعر من يفوز انه امتلك اغلبية يستطيع عبرها فعل ما يشاء.. فيعبر الحواجز التي كان يقدرها ويراعيها من قبل.. ويبدأ بكسر المعادلات مما قد يدخل البلاد في فتنة، اشد من القتل. فالديمقراطية ليست حكم البلاد عبر الاغلبية فقط.. بل حكم البلاد عبر اغلبية يجب ان تحميها مؤسسات مستقرة تضمن حقوق المواطنين والاغلبية والاقلية بشكل سوي، وبكافة المتطلبات.. بدون تلك المؤسسات والحمايات قد تحول الاغلبية السياسية انتصارها الى اعتى اشكال الدكتاتوريات.. فالاغلبية لن تستحق ديمقراطيتها وشرعيتها ان لم تحمل معها امكانيات تداولها. فاقلية اليوم قد تكون اغلبية الغد.. وما لم يحم الدستور والمؤسسات حقوق الحكومة ويمنحها فرص العمل والنجاح.. ويحمي حقوق المعارضة كاملة، وتداول السلطة، ومراقبة المسؤولين، وقدرة ووسائل التغيير، فان فوز اي طرف سيرعب الاخرين قبل ان يطمئنهم.. فلا تهاني او تبريكات، بل ادانات وطعونات ومؤامرات.. فالخاسرون سيرتعبون ويستنفرون ويشككون بالانتخابات، فيشاكسون ويعطلون ويفسدون، بل ويتآمرون. والفائزون سيصيبهم الغرور.. وسيثيرون الخوف والشكوك من طمعهم لتحويل السلطة الى احدى ادواتهم لترسيخ التفرد والهيمنة.. التي فيها خسارة الجميع حاكمين ومحكومين.. مما قد يجعل من النظام الديمقراطي -بغياب مرتكزاته الاخرى- نظام فتنة وفوضى واستبداد.

جنبلاط يعلن طي صفحة الخطف والخطف المضاد في درعا والسويدا

الاربعاء 30 أيار (مايو) 2012 أدلى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بالتصريح التالي عطفاً على معالجة أحداث الاختطاف التي حصلت بين منطقتي درعا والسويداء في سوريا: مع طي الصفحة الأليمة التي شهدتها منطقتي درعا والسويداء وتمثلت باختطاف واختطاف مضاد وهو ما لا يتلاءم مع تقاليد وعادات اهالي هاتين المنطقتين الذين لطالما تميزوا بالمروءة والشجاعة والوطنية، أتوجه بالشكر الجزيل لكل الذين ساهموا في انهاء هذه المشكلة وفي مقدمهم مشايخ العقل الثلاثة وفاعليات وعقلاء السويداء ودرعا وتنسيقيات الثورة في المنطقتين. التحية ايضاً لدرعا الصامدة والثائرة والمقاومة التي انطلقت منها الثورة والتي يدرك كل أبنائها وعقلائها اهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم السقوط في أفخاخ الاقتتال الداخلي او الفتنة التي يرسمها النظام. وأخص بالشكر رئيس المجلس العسكري فيها غياث العبود والشيخ احمد الصياصنة والشيخ ناصر الحريري والدكتور عماد الدين رشيد على جهودهم الحثيثة لانهاء هذه القضية. كما أتوجه بالشكر الى المجلس الوطني السوري ورئيسه الاستاذ برهان غليون الذي بذل جهوداً استثنائية لاقفال هذا الملف الحساس واشكر ايضاً كل اطياف المعارضة السورية لدورهم الايجابي. واشكر ايضاً كل العقلاء المجهولين والمناضلين والثوار الذين أدوا ادواراً إيجابية بعيداً عن الأضواء في سبيل حل هذه القضية. وأتوجه بتحية وشكر خاص للأمير طلال ارسلان الذي اثبت رفضه ان ينزلق اهل جبل العرب ودرعا الى الاقتتال وساعد بكل امكانياته لانهاء هذه القضية بكل فصولها. كما أشكر الهيئة الروحية الدرزية في لبنان وشيخ العقل نعيم حسن والمجلس المذهبي الدرزي لمواكبتهم ومساعدتهم. وأتمنى ان تكون هذه التجربة المرة بمثابة عبرة للمستقبل للحيلولة دون تكرارها وان تشكل حافزاً لأهل جبل العرب، الذين لطالما اشتهروا بعنفوانهم وعزتهم، للامتناع عن إرسال أبنائهم الى الخدمة العسكرية كي لا يكونوا وقوداً جاهزاً للاستخدام من قبل النظام خدمةً لمصالحه الخاصة. إن تمسك الشعب السوري بأكمله بالوحدة الوطنية هو وحده الكفيل بحماية منجزات وتضحيات الثورة لان كل الخيارات المعاكسة تصب في خدمة النظام ومشروعه التسلطي. 30 أيار 2102

النقاط الست لخطة كوفي أنان لسوريا:

1- عملية سياسية شاملة: الالتزام بالعمل مع انان من اجل عملية سياسية شاملة يقودها السوريون. 2- وقف جميع عمليات القتال: التزام بوقف جميع اعمال العنف المسلح، بما في ذلك وقف استخدام الاسلحة الثقيلة، وسحب القوات، ووقف تحركات القوات باتجاه المناطق المأهولة بالسكان. 3- هدنة لادخال المساعدات الانسانية: اتفاق لتطبيق هدنة يومية لمدة ساعتين للسماح باحضار المساعدات من جميع المناطق المتضررة من القتال. 4- الافراج عن جميع من تم اعتقالهم تعسفيا: الاتفاق على الافراج عن جميع من جرى اعتقالهم تعسفيا بمن فيهم المعتقلون لقيامهم بنشاطات سياسية سلمية. 5- ضمان حرية الحركة للصحافيين: الاتفاق على ضمان حرية الحركة للصحافيين في جميع انحاء البلاد وتبني سياسة لا تقوم على التمييز بشان منحهم تاشيرات لدخول البلاد. 6- الحق في التظاهر: الاتفاق على حرية تكوين المؤسسات وحق التظاهر بشكل سلمي على انها حقوق مضمونة قانونيا.

الأربعاء، 30 مايو 2012

دولة البربرية

زياد ماجد، الثلاثاء 29 أيار 2012 في العام 1986، لقِي ميشال سورا حتفه في الضاحية الجنوبية لبيروت، العاصمة اللبنانية التي عصفت بها الحرب الأهلية وقبضة المخابرات السورية، بعد عام على اختطافه وعلى معاينته للبربرية التي ناقشها وحلّلها في كتاباته عن سوريا. اليوم، تذكّرنا نصوصه المجموعة في الطبعة الثانية من كتابه "دولة البربرية" بألمعيّتها وراهنيّتها رغم مضيّ ثلاثة عقود على أوّل نشر لها. ويمكن لنا التوقّف في السياق السوري الثوري عند قضيّتين عالجهما سورا في نصوصه: "العصبية" و "صراع المجتمع والدولة". العنصر المحرّك للنظام: العصبية لفهم طبيعة النظام الذي أسّسه حافظ الأسد، اعتمد ميشال سورا مفهوم "العصبية" الخلدونية (أو ما أسماه دوركهايم "التكافل الآلي"). وقد أتاح له اعتماد هذا المفهوم شرح الدور الذي لعبته دوائر السلطة والجمعيات الأهلية التي أنشأها آل الأسد في عملية تحويل "الجماعة العلوية" الى طائفة سياسية، وليس فقط دينية (على نحو يعدّه سورا شبيهاً بحال بعض الطوائف اللبنانية وقتها). وقد حصلت عملية التحويل هذه بواسطة خطاب ومصطلحات، وبواسطة إحياء في الذاكرة الجمعية للنقمة على المدينة بوصفها تاريخاً من الاستغلال لأبناء الريف. وحصلت أيضاً من خلال التركيز على تنسيب الألوف من شباب الطائفة الى الجيش وأجهزة المخابرات. ثم جرى تدعيم كل ذلك عبر فرض سيطرة حزب البعث على الحياة العامة وتوظيف هيئاته من أجل إخضاع مؤسسات الدولة ومنظّمات المجتمع، وبخاصة المدينية، والتحكّم بها. بذلك، تمكّن الأسد من إقامة عصبية مهيمنة في البلاد، تبع ترسّخها توسيعٌ تدريجي للقاعدة الاجتماعية للنظام وللشبكات الاقتصادية والنفعية (المتنوّعة الانتماءات الطائفية) المرتبطة به. واليوم، نرى أن المسألة الطائفية كما المسائل المتعلّقة بأدوار الأجهزة العسكرية والمخابراتية وحزب البعث تبدو قويّة الحضور وأساسية لفهم ما يجري في سوريا، تلك التي ورثها إبن حافظ، بشار الأسد. فالعصبية حاضرة كعنصر تماسك للمحافظة على النظام. وهي على الأرجح، عنصر القوّة الأساسي الذي بقي له بعد تراجع سلطته وتفكّك سطوته الرمزية وخطابه، وتقلّص قاعدته الاجتماعية وتحوّله الى مجرّد آلة قمعية منذ آذار 2011. في المقابل، عدّلت التطوّرات الديموغرافية والاجتماعية المعطى المديني – الريفي. فلم تعد حركة الثورة مدينية كما كان سورا يصفها في مطلع الثمانينيات (من القرن الماضي). هي أيضاً ريفية، وثنائية الريف – المدينة لم تعد قادرة على اختزالها أو رسم خطوط فصل داخلها. فالخطوط المذكورة تخطّاها الجيل الجديد الذي يعيد إنتاج الفعل السياسي، إن في المناطق الطرفية الريفية، أو في المساحات التي توسّعت المدن لتضمّها، أو في قلب المدن السورية نفسها. "المجتمع السوري ضد دولته" إستخدم ميشال سورا "الجدلية الهيغيلة الماركسية" حول المجتمع والدولة لعنونة أحد نصوصه حول الصراع الذي نشب بين الأخوان المسلمين (والعديد من التشكيلات السياسية والنقابية الإسلامية واليسارية) وسلطة حافظ الأسد بين العامين 1979 و1982. وهو صراع انتهى الى مجازر رهيبة في مدينة حماة المتمرّدة، والى حملات اعتقال وتوقيف طالت الآلاف من المعارضين السياسيين. ونجح الأسد في نهاية الأمر، مستنداً الى العصبية في الداخل، والى غضّ الطرف أو التواطؤ في الخارج، والى الخطاب والشعارات الايديولوجية المعلنة قومية عربية وكفاحاً ضد الامبريالية والصهيونية، في تحويل الحقل السياسي السوري الى رماد والقضاء على الأخوان المسلمين داخل البلاد. لكن نجاحه كان أيضاً نتيجة عجز الأخوان عن توسيع شعبيّتهم أفقياً، وتمنّع دمشق وبرجوازيّتها عن مناصرتهم، وارتفاع جدران الخوف والصمت التي ابتناها البطش والرعب. وبذلك، صارت سوريا حيّزاً مفتّتاً، بسكّان متوحّدين، وبناس "مسحوقين بعضهم على بعض" كما يقول توصيف هنّا أرندت لماهية الطغيان وأثره في المجتمع. وإن كانت هزيمة المجتمع السوري في بداية الثمانينات قد منعت كل محاولة فعل سياسي مواطني على مدى عقود (باستثناء ربيع دمشق القصير أواخر العام 2000 ومطلع العام 2001)، فإن الثورة السورية المستمرة منذ أكثر من عام تشكّل الانعتاق النهائي من التوحّد والموات. فمن درعا الى حمص، ومن دير الزور الى حماة، ومن دمشق الى إدلب، ومن حلب الى السلمية، ومن كفرنبل الى القامشلي، يُعيد السوريون - في مظاهراتهم اليومية وفي مقاومتهم لآلة الموت - بناء الحقل السياسي على أنقاض الخوف. يستعيدون تضامنهم المواطني وصِلاتهم الترابية ويُعيدون تملّك جغرافيتهم، حيّزهم العام، من أجل تخطّي التمزّق والتفتّت وإعادة نسج علاقاتهم الاجتماعية. هكذا، يتحرّر المجتمع السوري يوماً بعد يوم من بقايا أثقال الطغيان. يولد من جديد، يكتشف ذاته ويكوّن ذاكرة جديدة للمستقبل. وحده الحكم الآفل بقي ما كان عليه قبل ثلاثة عقود، تماماً كما أسماه ميشال سورا: دولة البربرية.