نهلة الشهال
يبدو الإمعان في القمع الفظيع في سوريا وكأنه مفتكر، مخطط له بمعنى استراتيجي محسوب النتائج السياسية، وليس فحسب كممارسة للأسلوب الوحيد الذي يجيده نظام استبدادي. فكأنه يتعمد استدراج ردتي فعل: واحدة تدفع الناس دفعاً الى استخدام السلاح على نطاق واسع وشعبي، فلا يعود مقتصراً على مجموعات مسلحة متفرقة، كما هو الحال اليوم. ويمكن الخشية من انزلاق بعض المناطق ذات الطابع العشائري الى هذه الممـارسة، كـدير الزور المتداخلة مع العراق جغرافياً وقبلياً. وردة الفـعل الثانيـة تبحث عن دفع الدول الغربية الى التفكير بعـمل عســكري ما، أو التهديد به، رغم الصعوبات الجمة التي تقف في وجه مثل هذا الاحتمال.
لو حصل انتشار للمواجهات المسلحة ضد القوات السورية، فإن ذلك يبيح للسلطة الانتقال الى المرحلة الثانية من العنف. وهو ما يبدو أنها تسعى إليه طالما القمع الممارس حتى الآن لم يتمكن من إخافة الناس الى الحد الذي يدفعهم للاحجام عن المشاركة في التظاهرات، بل أدى الى نتيجة عكسية على العموم، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعـونه. تلك المرحـلة الثانية من العنف لا تبتغي إخافة النـاس بل هزيمتـهم، بالمعنى العسكري للكلمة. ولكي تُعتمد، فهي تحتاج الى عنف مقابل، يتجاوز هو الآخر ما تدعيه السلـطة السـورية وأجهزتها الاعلامية (البائسة!) من ممارسات وحشية لعصابات تقطع أوصال الجنود بالبلطات بعد أن تتمكن من قتلهم. والسلطة بذا تكون بصدد تقبّل، بل اعتماد فكرة أن البلاد دخلت مرحلة الحرب الاهلية، حتى لو أسمتها «تمرد» بعض المناطق أو المدن. ورغم أن في ذلك إقراراً بالفشل التام وبفقدان الشرعية، لأن النظام يتحول حينها الى ميليشيا (ولو بالغة القوة) من ضمن ميليشيات. إلا أن أهل السلطة قد يفعلون أي شيء للحفاظ عليها في يدهم، ولو كان ذلك الـ«أي شيء» هو دمار البلد وخرابه. وربما يمكن القول إن الامور لم تصل بعد الى هذا المستوى في سوريا، ولكنها تبدو متجهة إليه!
وأما استدراج التدخل الغربي أياً كانت أشكاله، فيلعب على معادلات متعددة. أولاها يقصد إظهار عجز الدول الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية، عن تجاوز الادانات في مجلس الامن، أو تلك التي تنطق بها بلسانها هي حين تضطر الى تخطي ما يمكن الاتفاق عليه في الاطار الدولي، كما حدث بُعيد البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الامن فيما كان يجري اقتحام مدينة حماه. كما يقصد إظهار عجز العقوبات الاقتصادية، حتى وإن وصلت الى حالاتها القصوى: لم يسبق أن أطاحت عقوبات نظام حكم. وكلما كان هذا الاخير تعسفياً، كلما تمكن من تحميل الناس كلفة العقوبات بل الحصار الاقتصادي، دون أن يرف له جفن. ومن المعلوم أنه لم يعد وارداً لدى واشنطن كما لدى سواها من العواصم الغربية الدخول في مغامرات عسكرية، لا احتلالية على طريقة العراق وأفغانستان، ولا حربية على طريقة ليبيا. وهذا الاستدراج يسجل في باب التحدي وتبيان حدود الضغوط الغربية. وفي حال انتقال القمع الى مستوى آخر من العنف، قد يمكن لحلف الاطلسي اتخاذ قرار بعمل ما، على صعوبة ذلك الشديدة. ولكنه سيكون من قبيل انقلاب السحر على الساحر، فتحتل السلطة السورية موقع الضحية المعتدى عليها من قبل غرب تحركه أطماعه. وعلى أية حال، فالتدخل الغربي على العموم، وبالاخص مكبلاً بكل هذه القيود والحدود، قليل الفعالية لجهة تمكنه من التعجيل بإسقاط النظام.
ليس إذاً من وصفة سحرية! ولا صيغ سريعة يمكن بموجبها التخلص من نظام مبني على القمع بمعناه الواسع والعميق، أي ذاك الذي يستبق في الاحوال العادية تململ المجتمع، أي مجتمع، وجنوحه الطبيعي الى التعبير عن نفسه، وعن مطالبه الاجتماعية والمعيشية والسياسية المحددة، أو كإبداع حر وفي كل الميادين. يستبقه بتأطير هذا المجتمع وحصي أنفاسه و«هندسته» بما لا يتيح له الافلات من الرقابة والوشاية والاستزلام والخوف... ثم يتدخل ليضــبط استمرار هذا الايقاع بواسطة الاعتقالات، وأغلبها يجري لأسباب واهية، وبطريقة اعتباطية ـ مدروسة (وليس في تلازم التعبيرين أي تناقض، بل ذلك هو جوهر نظام الترويع) لتكــون سيفاً إضافياً مسلطاً على رؤوس العباد. وأخيراً لا يتوانى نظام القمع عن ممارسة المجازر الجماعية حين يلزمه ذلك، كوسيلة لحماية النفس من السقوط، وكطريقة لتحقيق الغلبة الحاسمة.
لا وصفة سحرية مع الأسف، ولا مجال أمام السوريين سوى الاشتغال على تحررهم. وهذه مهمة شاقة وعالية الكلفة، تفترض امتلاك خيال سياسي خصب وفعال، واستعداداً لممارسة التفاهم الاجتماعي الذي يناقض الاستئثار والغلبة والانتقام، ويُعلي ويسيِّد مفهوم المواطنة بوصفه تقاسماً للحق في البلد، وليس في السلطة فحسب. هذا علاوة على طول النفَس والقدرة على تجنب منزلقات خطرة، على رأسها استسهال طلب التدخل العسكري الغربي، لأنه لن يحصل، ولأنه لو حصل فلا يحقق شيئاً غير الإضرار بشكل لا شفاء منه ببنية البلد ومستقبله.
قد يبدو فظيعاً الطلب من الممثلين المدنيين لمجتمع يتعرض للقصف والتقتيل أن يعملوا على بلورة تصورهم عما يطمحون إليه، وعن نواياهم بخصوص كيفية تنظيم مجتمعهم لو تخلصوا من الوضع الحالي، وذلك على كل الصعد: بما في ذلك المسائل المتعلقة بالاقليات الكثيرة التي تتقاسم المواطنة في سوريا، بما في ذلك مصير العلويين الذين حكم النظام باسمهم، وأحياناً بواسطة توظيف لحمة عصبية تعززها مكاسب ومناصب متاحة، والذين يلعب بعضهم دوراً بشعاً في آلة القمع، كما حدث في الماضي ويحدث في الحاضر، وعلى الارجح في المستقبل. وليس المطلوب طمأنة الناس لفظياً أو عاطفياً، أو تكتيكياً فحسب، لتعطيل انحيازاتهم الضارة بالتغيير، والتي قد يحفزها الخوف من المجهول. بل انه لا يمكن موازنة البطش الفظيع للنظام إلا بالارتقاء الى الوفاء بهذه المهمة.
الأربعاء، 10 أغسطس 2011
الثلاثاء، 9 أغسطس 2011
الجهاز العشائري ـ الأمني يشنّ حرب عصابات على مجتمع السوريين السياسي ورابطة الدولة الوطنية
وضاح شرارة
في مطلع الاسبوع الاخير من تموز المنصرم، قبل حملة حماة الثانية وغداة انقضاء 4 أشهر وأسبوع على خروج الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية الى العلن، قتلت "قوات الامن" نحو 11 شخصاً، أو "ما لا يقل عن" هذا العدد على تقدير عمار القربي، رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان، في مدينة أو بلدة كناكر (25 ألفاً) بريف دمشق، الى جنوب دمشق الغربي. وأعلن "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية" اسماء 7 من القتلى وسن معظمهم. و4 منهم لم يبلغوا العشرين حين قضوا. ونظمت "العملية الامنية" على شاكلة غارة تولاها تراكس، أو جرافة، هَدَم البيوت على أصحابها. وحمت الجرافة دبابات القوات المسلحة او قوات الامن، وقطعت الطرق الداخلية ورابطت على المفترقات وبوابات الدخول الى البلدة. وقامت هذه بحملة اعتقالات طاولت 250 من اهالي كناكر. والغارة "الامنية" أو الانتقامية، على البلدة الجنوبية الغربية، بريف دمشق المحاذي خراج درعا، هو رد جواب على تزويد البلدة، وغيرها من بلدات خراج دمشق، زميلاتها الدرعاوية المؤن، واسهامها في كسر الحصار التمويني الذي تضربه وحدات التدخل المتحركة على المدن والبلدات الناشطة.
التنسيقية والائتلاف
ودرعا نفسها تحتل أسواقها، وعلى الخصوص ساحة الحرية فيها (سابقاً ساحة السرايا) قوات تدخل عسكرية وأمنية، في عشرات سيارات الامن، يحمل أفرادها هراوات. وعودة قوات التدخل، وسياراتها وهراواتها، الى احتلال المدينة، والى مداهمة "القرى" او البلدات التي تصلها بالعاصمة وتصل العاصمة بها مثل برزة والحجر الاسود والسيدة زينب والكسوة وحرستا، وهذه من دمشق "الكبرى" والمتصلة- على خلاف زعم قوى "الاعلام" الرسمية التي أخرجتها من الخريطة الدمشقية تهويناً وتصغيراً من شأن الحركة المدنية في دمشق نفسها- هذه العودة مردها الى دعوة أهلها الى التضامن مع ... حمص وحماة والمدن المحاصرة الاخرى. وهي المدن التي تتظاهر نهاراً و(أكثر فأكثر) ليلاً تضامناً مع درعا والمدن الاخرى المتضامنة والمتظاهرة والمحاصرة. وعلى هذا، نشأت روابط قوية وثابتة من المدن وبين المدن، من "درعا الى القامشلي"، وبين الارياف، في جهات سوريا المتفرقة كلها، بلاداً أو جهات وسكاناً وتجارة وادارة وهيئات مهنية، وأمست الروابط هذه دائرية. وتخطت التأثير الصادر عن بؤرة، شأن درعا في الفصل الاول من الحركة ثم حمص في الفصل الثاني ومعها بانياس فحماة فالحسكة فإدلب...، نحو بؤرة اخرى. وتجاوزت العلاقة الخطية او الرأسية الى شبكة متماسكة ومتضافرة أفعوانية، إذا جازت العبارة.
فالسوريون بنوا، ولا ينفكون يبنون تماسكهم وأواصرهم و"تنسيقياتهم" على مراتبها الوطنية والمحلية (شأن اتحاد تنسيقية حرستا وعربين وزملكا التي نعت في 27/7 محمود طه قاسم "المتزوج منذ ثلاثة أشهر" وقتيل قوات "الامن" على مفرق قرية سليمة وهو عائد على دراجته النارية من عمله)- في ثنايا حركتهم الوطنية والمدنية، وفي سياقتها الكثيرة الفروع والملتفة. وهم يسعون في النهوض جماعة وطنية متضامنة، ومؤتلفة من أهالٍ وأحياء ومدن وأرياف وعشائر وأقوام وطوائف وطبقات. ويرجو "المراقب"، المتعاطف والمتضامن والنصير، أن تكون "التنسيقية" إحياء وتجديداً "للائتلاف"، ولـ"حزب" الائتلاف أو تياره العثماني (في أوائل القرن العشرين) بإزاء "الحزب الاتحادي" المركزي والاندماجي والدمجي قسراً. وأورث ضباط قوميون تُرك اتحاديون البلدانَ والمجتمعات العربية انقلابييها الاوائل الى عتبة النصف الثاني من القرن العشرين. فكان حسني الزعيم، الانقلابي السوري الاول، أحد أواخر هؤلاء الضباط العرب. وهو خلف الضباط العراقيين الذين استولوا على حكم العراق في 1937 1941. ولعل حسم نزاع الاتحاديين، القوميين المتعصبين وقادة الجهاز العسكري البيروقراطي والمحترف، والائتلافيين، وهم ليبراليو الادارة المتحالفون مع ممثلي الاقوام والمجتمعات المحلية والوطنية، لمصلحة الاتحاديين كان فاتحة من فواتح بناء "الدولة" العربية المشرقية على الركن العصبي (العشائري والاهلي) والبيروقراطي العسكري والامني الذي غلب على معظم بلدان المشرق وحركاتها السياسية. وتمثل عليه "القيادة" السورية الاسدية خير تمثيل، غداة انهيار صدام حسين.
فما تضطلع به تنسيقيات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية المتحدرة من المنتديات والبيانات والمنابر والتيارات، منذ نحو 5 اشهر، لا يقتصر على جمع معارضة شعبية متراصة في وجه الحلف العصبي البيروقراطي الذي ينيخ بثقله على المجتمع السوري، ويحول دون استواء الحكم على صورة الدولة المدنية المشروعة. فهي، الى استيلاء هذه المعارضة، ورص صفوفها، تصنع خيوطاً وجسوراً بين الجماعات الاهلية والبلدية والافراد، وترسي النسيج أو البنيان على لحمة سياسية وطنية، عَرْضية وائتلافية، تنحو نحو التعاقد الحر أو تعاقد أحرار، على الاشتراك سواسية في دولة ووطن (أمة) جامعين ولا ينفكان في طور الجمع والتأليف. فلا تنزل "الدولة القومية" الناجزة والخاوية، وهي فعلاً متعينة في حلف عصبي اداري يتقاسم السلطة والاجهزة والعوائد، جسماً قاهراً وساحقاً على الرعايا والاهل، المتفاوتين كعباً ومكاناً، وعلى البلاد. والانشاء، الوطني والسياسي على هذا المثال، في مجتمع مثل المجتمع السوري سلط عليه الاستيلاء الانقلابي البعثي، في أطواره الثلاثة او الاربعة وفي الطور الناصري و"الوحدوي" السابق، عوامل تفريق وتآكل وتعصب، يقتضي (الانشاء) تدبيراً وحكمة، وحِلماً وحصافة وتأليفاً في المصطلح القديم، من ضرب أو صنف لا عهد للسياسات العربية الانقلابية والاستيلائية، في شقيها وركنيها الاهلي العصبي والجهازي المركزي، به.
التمرد الرسمي
ويحقق هذا الزعمَ ويؤيده نهجُ الكتلة السورية الاسدية في معالجة ما تسميه التنسيقيات "الثورة" (وما يليق به ربما أكثر وسمُ الحركة الوطنية المدنية الديموقراطية السورية، وينزهه عما علق بالثورات العربية الاقليمية وانقلاباتها العسكرية، وحركاتها المسلحة الاهلية والمتعسفة وفوضاها المدمرة، من دواعي النفور والصد). فالكتلة الاسدية المتسلطة تعالج حوادث الحركة الوطنية والمدنية ووقائعها، أي اجتماعاتها وتظاهراتها واعتصاماتها واعلاناتها، على الطريقة التي انتهجتها وعرفت بها حروب العصابات، أو حروب الغوار. وهي حروب غارات على الدولة وهيئاتها ومواطنيها ومرافقها. فـ"الدولة" المزعومة تغير على جماعات الاهالي، وعلى مساكنهم وطرقاتهم ومواصلاتهم وجسورهم ومحالهم ودكاكينهم ومساجدهم ومنتدياتهم، وتُعمل في هذه تقطيعاً وتخريباً وهدماً، وفي الناس ارهاباً وتخويفاً وعزلاً وتبعيداً وتحريضاً. وما يتولاه "التمرد" وهو الاسم البوليسي والعسكري الذي سمت به اجهزة مكافحة الانتفاضات الفلاحية، الاوروبية والاميركية، الحركات الاستقلالية و"العالمثالثية" والاجتماعية المسلحة في خمسينات القرن الماضي- وهو تقطيع أوصال جهاز الدولة المتصلة والمتشابكة، وعزل أجزاء البلاد والمجتمع بعضها عن بعض، وتخريب المنشآت وشل الاعمال وتهديد الامن، تتولاه اليوم في سورية (الاخوين الاسد ورهطهما ودوائر "الحلف" ومراتبه الجهازية المصلحية والطائفية) غارات العصابات الاهلية الرسمية و"ألوية الموت" والقتل والاغتيال. وذلك باسم "الدولة"، ونيابة عنها، وتعويضاً عن قصورها عن انجاز المهمات هذه في اطار الاجهزة الرسمية المتماسكة.
وينتدب المركز، وهو النواة القيادية المزدوجة الصفة، قوات مختلطة، أمنية وعسكرية رسمية في زيها المتميز والظاهر وأخرى "مدنية" أهلية في حل من امساك العسكريين والامنيين الرسميين المفترض، وتتولى قتل المتلكئين والمترددين، ينتدب المركز القوات المختلطة الى مواقع ومناطق ذات أدوار معنوية وجغرافية بارزة. ويمهد لتجريده حملتَه تمهيداً "اعلامياً" ومسرحياً حاداً، على شاكلة ذاك الذي سبق الحملة التأديبية والدامية على جسر الشغور ثم على البوكمال. واليوم على حماة. فيعلن عن مقتل عدد كبير من رجاله، ويعزو القتل الى جماعات مسلحة محلية، ويسوغ حملته المختلطة بتلبية نداء الاهالي واستغاثتهم. وكأن الدول تفتقر الى مسوغ مباشر من القانون ومن وظيفتها يدعوها الى بسط الامن. فتوَسِّطُ المواطنين وتلتمس العذر منهم. ويسدل المركز الغفل ستاراً صفيقاً على وقائع الحملة نفسها. فلا شهود من الاهالي، ولا من الصحافة، ولا من جمعيات حقوق الانسان، ولا من البعثات الاجنبية، ولا من الجهاز الذي نفذ العملية. وحين دعي بعض الديبلوماسيين الاجانب، وفيهم السفير الاميركي، الى جسر الشغور بعد حملة التأديب التي لا شاهد عليها، ولا أثر لها في وثيقة مصورة معاصرة، جيء الى البلدة ببعض اهل بلدات مجاورة أو قريبة، وعُهد اليهم بأداء دور العائدين الى بلدتهم الآمنة بعد أن تحررت من مروعيها ومرهبيها بإنعام من القوات المختلطة...
وتشبه الحملات البوليسية والارهابية المختلطة، وعزلها المناطق التي تقصدها، وفرزها السكان والاهالي فريقين، وتصفيتها في ظل يضطرب بين السر والعلن الفريق "المشبوه" والتمثيل به نهج العمليات الثورية الذي انتهجته حركات كاستروية وغيفارية وماوية في أميركا اللاتينية لعل "الطريق المضيء" في قيادة غوزمان بالبيرو المثالَ عليها. فالعمليات الثورية والحملات التأديبية التي تشنها الطوابير الاسدية المختلطة ترميان الى حماية "البؤر" و"القواعد" المحررة، أو المسلوخة من كيان المجتمع المتصل في كنف دولة (طيفية في احيان كثيرة) مشتركة، وإخراجها من هذا الكنف الى عراء سيطرة مباشرة لا قيد عليها من طيف الدولة. وقبل اقتحام حماة في الاول من آب، سلّط جدولُ جمعية حقوقية مدنية ("أفاز" ومعها "انسان" وسام طريف) أحصت 3 آلاف مخطوف ليسوا في عداد الـ13 ألف معتقل الى يومها (من 26 ألفاً اعتقلوا في وقت من الاوقات وأفرج عن بعضهم في اثناء الاشهر الخمسة المنصرمة) ولا هم في عداد الـ1650 قتيلاً، الضوءَ على وجه آخر شبيه بأعمال العصابات الخاصة، الثورية وشبه الرسمية، في كولومبيا الاميركية اللاتينية. (وهذه الارقام يضاف اليها نحو مئتي قتيل وبضعة آلاف من المعتقلين وربما مئات من المفقودين). فمعتقلات قوات كولومبيا الثورية ("فارك")، وهي المنظمة التي احتجزت بيتينكور المرشحة الرئاسية الكولومبية الفرنسية نحو 5 سنوات، تعج بآلاف المخطوفين المدنيين من الاصناف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها. والصيغة الاسدية والمحلية تبلورت في فصل "القيء الاهلي"، على ما سمى أحدهم أعوام 1979 1982 وغداتها المباشرة. فمذ ذاك لا يُعلم شيء عن مصير عشرات الآلاف (40 ألفاً؟ 60 ألفا؟ 70 ألفاً؟) من المفقودين الذين تبددت آثارهم بين السجن والتخفي والتوقيف والتحقيق والخطف والتصيفة المواربة.
سوريا (الاسد) من غير السوريين
وقطع الاتصالات الهاتفية والالكترونية، واغراق المناطق المستهدفة في الظلام وحجب التيار الكهربائي عنها، والحؤول بينها وبين التموين بالسلع الاساسية، ومراقبة أماكن الاجتماع المتوقعة والمقدرة (مثل المساجد وصالات الاعراس والفنادق ونوادي النقابات المهنية) ومحاصرتها وإحراق بعضها، وتعقب الجرحى الى المستشفيات والعيادات الخاصة- هذه كلها وسائل يتوسل بها الجهاز العصبي والبيروقراطي المستولي الى انتزاع الاهالي من الكتلة الوطنية السورية، والى فك عرى العمران والاجتماع والخيوط التي نسجتها الدولة، منذ عهد الولايات فالانتداب فالاستقلال فالديكتاتورية، بين الاهالي. وذلك من تلقاء (قيام) الدولة والادارة واضطلاعها بوظائفها. ومهاجمة الجهاز العصبي - البيروقراطي الاسدي وشائج العمران والاجتماع المدنيين وروابطهما وأبنيتهما الحيوية، جزء من الحرب الاهلية العميقة التي استولى من طريقها هذا الجهاز على آلات الغلبة والقهر والعزل، واختصر الحُكم والدولة فيها.
فلا يطيق الجهاز دوام روابط اجتماعية بين جماعات السكان والافراد، ولا سريانها في عروق عمران مشترك، ولو في حدودها الخدمية والاجرائية الدنيا. فهو يقحم وساطته ومشيئته في عمل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الاساسية، وفي العلاقات المتبادلة التي تنشئها بين الاهالي. فلا ينزع الناس الى التوهم في أنفسهم القوةَ على التواصل التلقائي، خارج مشيئة الرأس العشائري الاهلي والاجهزة الامنية والادارية التي تصدر عن إرادته وأمره القاهرين. فإذا أقدرت الابنيةُ الاجتماعية والادارية، المتخلف بعضها عن "انجاز" الجهاز الاسدي، السوريين على التواصل ارتد الجهاز على ابنية التواصل ومسالكه، وأعمل فيها تحطيماً وتدميراً، على نحو ما يصنع في مداخل حماة ووسطها. فهي، الابنية والمسالك، تنم بكيان عمراني وطني مستقل وقائم بنفسه، وملازم لكيان الجماعة الوطنية والاهلية السورية وأجيالها المتعاقبة.
وعلى هذا، "ينزل" التسلط الارعن والاحمق من الابنية المعنوية والسياسية، شأن الصحافة والاعلام والانتخاب والتحزب والتحالف، الى الابنية الادارية والمادية. ففي الاوقات "العادية"، وجَّه الجهاز المستولي شفرة سكينه (سكاكينه ومقصه ومقصاته) الى الابنية المعنوية والسياسية هذه. فحال بينها وبين انشاء دائرة علانية عامة ومشتركة يسهم في رفعها، وفي رصف حجارتها ومداميكها، من يمثلون جماعات واجساماً خاصة متفرقة، بلدية وأهلية واقتصادية واعتقادية وعصبية، ويسعون في بلورة لحمة سياسية جامعة تتعالى عن الجماعات ومصالحها، وتؤلف بين بعض كتلها وأجنحتها، وتنافس على التمثيل والحكم. واحتكر الجهاز المستولي مُلكية الابنية المعنوية والسياسية، على المعنى المادي والحقوقي للملكية، وانفرد بها، أو نصَّب بعض فروعه ومراقبيه ولياً مطلقاً عليها. فلفّق في حق من ارتضى، في وقت أول، شراكتَهم الانتخابية والنيابية، وأقر لهم بصفة تمثيلية واجتماعية مستقلة، تهماً أحالتهم بين ليلة وضحاها مجرمين ومتآمرين ومحتالين. وضيّق تضييقاً خانقاً على هامش اعلامي هزيل وطرفي. ولم يقصر انقلابه وتضييقه على إعمال الوسائل القانونية والادارية الكثيرة والطيعة التي لا ينازعه عليها منازع. فعمد الى وسائل من خارج اطار العدة القضائية والادارية، وهي المتاحة على مصراعيها، مثل حوادث السير القاتلة، والسطو على الممتلكات والاموال، والتحريض الخاص والغفل على "المنحرفين" وسد أبواب العمل في وجوههم.
فولاية السلطات العامة واحتكارها من غير استثناء، وانتداب الموالي المطواعين والمقيدين الى تصريف بعض اعمالها التنفيذية، لم تحمل على اقتسام السلطان، على أدنى درجات الاقتسام وأقلها. ومثل هذا الانقسام على أدنى درجاته، يفترض الاشتراك في شيء عام ومشترك، ويقر بقصور السلطان، وصاحبه (رأس) الجهاز العشائري البيروقراطي، عن الاضطلاع وحده، ومن غير حاجة الى شركاء متعاقدين، بالتمثيل على "سوريا" (الاسدية)، وتجسيدها وجمع متفرقها (المنكر والمبطل) في نفسه. وينكر السلطان الاسدي و"دولته" انكاراً ضارياً وشرساً حاجته الى شركاء يتعاقد معهم على تمثيل "سوريا". وهذه تعلو السوريين، الافراد والاعيان، وتلتهمهم وتبطل حقيقتهم المادية المتفرقة والتاريخية والاجتماعية. والنظام الاسدي في غنى عن ولاء السوريين، وبالاحرى عن محبتهم واقتناعهم. ويريد منهم، على معنى الاكراه، الطاعة والسمع. ولا يترتب هذا على ضرب من الدهاء والمواربة المعقدة، بل على صنف الاستيلاء الخاص الذي ينفر من أي قيد لا بد أن ينجم عن العقد والشراكة والائتلاف والاقرار بالكثرة الاهلية والاجتماعية. وهذا "سر" الكراهية الحاقدة التي يصليها الجهاز المستولي وأنصاره اللبنانيون الاعراف السياسية اللبنانية، وجهرها الوقح طائفتيها وميثاقيتها، أي كثرتها.
حملة التطويق
وعلى هذا، لا يدعو الاستيلاء على مقاليد الدولة ومرافقها وهيئاتها النيابية والقضائية وادارتها، وعلى مواردها، واحتكار السلطان، وملء قلبه الرمزي والتمثيل عليه من غير شريك، لا يدعو هذا كله الجهازَ أي رأسَه الى الفعل من داخل الدولة ومقاليدها وأبنيتها وأحكامها. فهو يؤثر إعمال الوسائل الخاصة، والمنافية للقانون والخارجة عليه. ويتعمد مهاجمة سفارات الدول الاجنبية بواسطة محازبين انصار وأجراء، وليس من طريق أعراف ديبلوماسية واجراءات تؤدي معاني الانكار والتحفظ والتنديد. والاعراف والاجراءات الديبلوماسية،شأن طرق القضاء والادارة ولوائحهما، قرينة على كيان دولة مقيد بإقرار ملزم، ويبادل الالتزامات بمثلها ونظيرها. وأما المحازبون الانصار والموالي فلا قيد عليهم، ولا يلزمهم اقرار أو تبادل. وهم عَرَض الاستيلاء الخاص، الاسدي العشائري والجهازي، على "سوريا" وتمرد هذا الاستيلاء على العمومية الديبلوماسية القانونية. فهم، على الاراضي السورية هذه المرة، صنو "حلفاء" الجهاز الاسدي وصنائعه وأجرائه ومُديِّه أو "سكاكينه الثانية"، على قول أجنبي، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي المنظمات "الجهادية" التي ترعى مرابع المشرق وجنباته. ولا غنى للجهاز عن "الحلفاء" والصنائع والاجراء والمدي "الثانية" بإزاء أنواع وأصناف كثيرة من الخصوم والاعداء والمعارضين والمتحفظين المحليين والاقليميين. وبعض "الحلفاء" انخرط في أبنية دول، وكيانات دول وطنية، ولم يكف عن خوض حرب عصابات وطياحة على دولته الوطنية المفترضة. وآية حربهم انشاء مرافق موازية لمرافق الدولة، وإخراج مناطق "محررة" من ادارتها، واقتطاع "شعب" أو "أمة" من الكيان السياسي والحقوقي المتصل. وتترتب "الطائفية" في سوريا ولبنان والعراق، وفي غيرها، على تسليح الطوائف الغالبة واللابسة زيّ "الدولة"، والمتسلطة باسمها.
ويروي معارضون سوريون كرد أن بعض "الامن" الاسدي دعاهم الى التظاهر الآمن في أيام الجمع على شرط ترك العلم السوري الواحد، والتلويح محله وبدلاً منه بعلم "حزب العمال الكردستاني". وذلك آنَ عبدُالله أوجلان، زعيم الحزب وأسير قلعة في عرض بحر استانبول، يفاوض الحكومة التركية على ترك حرب حزبه على الدولة التركية وجيشها ومناطقها المختلطة. وحمل مراقبون كثر عمليات "الكردستاني" الدامية الاخيرة على قيادة الحزب الطليقة والمتعاطفة مع الامن السوري والمتمردة على أوجلان وسياسته المعتدلة. ويُصدَّق رأي المراقبين هذا في ضوء نهج "القيادة" الاسدية في أثناء الاشهر الخمسة الاخيرة. فهي سعت في تقسيم السوريين طوائف ومذاهب. فاستجابت المطاليب "الفئوية": إعادة المحجبات الى التدريس، وغلق الكازينو "المنكر"، وتجنيس "الاجانب" الكرد في الحزام العربي، ورشوة الموظفين وبعض أهالي الارياف بعلاوات على الرواتب وبمساعدات عينية، وزيادة علامات الاستلحاق في امتحانات الشهادة الرسمية، وتخفيض سن تقاعد العاملين... وهذه اجراءات صريحة ومباشرة. وأما المطاليب السياسية والمشتركة، مثل حرية العمل السياسي وحرية الاعلام والاحتكام الى القوانين المدنية وإلغاء القيادة الفرعونية، فرد عليها رأس الجهاز المستولي بالتسويف و"التشاور" وبالقتل والاقتحام والخطف والاعتقال والتهجير، أي بحملة التطويق الاخيرة على قول ماوي سائر. فحيث يفترض الجواب السياسي، والتوجه الى السوريين على صفة المواطنين العامة والجامعة، يصيب البكم والعيّ رأسَ الجهاز وسياسته. وهذا مفهوم وجلي: شرط الجواب السياسي اطار الدولة الواحدة والمتماسكة والمشتركة. وهذا على طرف نقيض السلطان الاسدي. فإذا اجتمع السوريون، من غير انكار جماعاتهم أو اختلاف أحوالهم ومشاربهم، على وطنية سياسية مدنية وديموقراطية، دعاهم "النظام" الى الانفراط اسلاميين وكرداً ومعوزين ومتقاعدين وتلاميذ. فأما أن يكون السلطان الاسدي، العشائري والبيروقراطي، ركن "سوريا" وكتلتها ولحمتها ومسكتها وحده من غير شريك، وإما كان حُكم السوريين التفتت والتشرذم والاقتتال والعمالة. ولا لبس في خروج السوريين، والوطنية السورية، من أسر التخيير بين الامرين العقيمين.
في مطلع الاسبوع الاخير من تموز المنصرم، قبل حملة حماة الثانية وغداة انقضاء 4 أشهر وأسبوع على خروج الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية الى العلن، قتلت "قوات الامن" نحو 11 شخصاً، أو "ما لا يقل عن" هذا العدد على تقدير عمار القربي، رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان، في مدينة أو بلدة كناكر (25 ألفاً) بريف دمشق، الى جنوب دمشق الغربي. وأعلن "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية" اسماء 7 من القتلى وسن معظمهم. و4 منهم لم يبلغوا العشرين حين قضوا. ونظمت "العملية الامنية" على شاكلة غارة تولاها تراكس، أو جرافة، هَدَم البيوت على أصحابها. وحمت الجرافة دبابات القوات المسلحة او قوات الامن، وقطعت الطرق الداخلية ورابطت على المفترقات وبوابات الدخول الى البلدة. وقامت هذه بحملة اعتقالات طاولت 250 من اهالي كناكر. والغارة "الامنية" أو الانتقامية، على البلدة الجنوبية الغربية، بريف دمشق المحاذي خراج درعا، هو رد جواب على تزويد البلدة، وغيرها من بلدات خراج دمشق، زميلاتها الدرعاوية المؤن، واسهامها في كسر الحصار التمويني الذي تضربه وحدات التدخل المتحركة على المدن والبلدات الناشطة.
التنسيقية والائتلاف
ودرعا نفسها تحتل أسواقها، وعلى الخصوص ساحة الحرية فيها (سابقاً ساحة السرايا) قوات تدخل عسكرية وأمنية، في عشرات سيارات الامن، يحمل أفرادها هراوات. وعودة قوات التدخل، وسياراتها وهراواتها، الى احتلال المدينة، والى مداهمة "القرى" او البلدات التي تصلها بالعاصمة وتصل العاصمة بها مثل برزة والحجر الاسود والسيدة زينب والكسوة وحرستا، وهذه من دمشق "الكبرى" والمتصلة- على خلاف زعم قوى "الاعلام" الرسمية التي أخرجتها من الخريطة الدمشقية تهويناً وتصغيراً من شأن الحركة المدنية في دمشق نفسها- هذه العودة مردها الى دعوة أهلها الى التضامن مع ... حمص وحماة والمدن المحاصرة الاخرى. وهي المدن التي تتظاهر نهاراً و(أكثر فأكثر) ليلاً تضامناً مع درعا والمدن الاخرى المتضامنة والمتظاهرة والمحاصرة. وعلى هذا، نشأت روابط قوية وثابتة من المدن وبين المدن، من "درعا الى القامشلي"، وبين الارياف، في جهات سوريا المتفرقة كلها، بلاداً أو جهات وسكاناً وتجارة وادارة وهيئات مهنية، وأمست الروابط هذه دائرية. وتخطت التأثير الصادر عن بؤرة، شأن درعا في الفصل الاول من الحركة ثم حمص في الفصل الثاني ومعها بانياس فحماة فالحسكة فإدلب...، نحو بؤرة اخرى. وتجاوزت العلاقة الخطية او الرأسية الى شبكة متماسكة ومتضافرة أفعوانية، إذا جازت العبارة.
فالسوريون بنوا، ولا ينفكون يبنون تماسكهم وأواصرهم و"تنسيقياتهم" على مراتبها الوطنية والمحلية (شأن اتحاد تنسيقية حرستا وعربين وزملكا التي نعت في 27/7 محمود طه قاسم "المتزوج منذ ثلاثة أشهر" وقتيل قوات "الامن" على مفرق قرية سليمة وهو عائد على دراجته النارية من عمله)- في ثنايا حركتهم الوطنية والمدنية، وفي سياقتها الكثيرة الفروع والملتفة. وهم يسعون في النهوض جماعة وطنية متضامنة، ومؤتلفة من أهالٍ وأحياء ومدن وأرياف وعشائر وأقوام وطوائف وطبقات. ويرجو "المراقب"، المتعاطف والمتضامن والنصير، أن تكون "التنسيقية" إحياء وتجديداً "للائتلاف"، ولـ"حزب" الائتلاف أو تياره العثماني (في أوائل القرن العشرين) بإزاء "الحزب الاتحادي" المركزي والاندماجي والدمجي قسراً. وأورث ضباط قوميون تُرك اتحاديون البلدانَ والمجتمعات العربية انقلابييها الاوائل الى عتبة النصف الثاني من القرن العشرين. فكان حسني الزعيم، الانقلابي السوري الاول، أحد أواخر هؤلاء الضباط العرب. وهو خلف الضباط العراقيين الذين استولوا على حكم العراق في 1937 1941. ولعل حسم نزاع الاتحاديين، القوميين المتعصبين وقادة الجهاز العسكري البيروقراطي والمحترف، والائتلافيين، وهم ليبراليو الادارة المتحالفون مع ممثلي الاقوام والمجتمعات المحلية والوطنية، لمصلحة الاتحاديين كان فاتحة من فواتح بناء "الدولة" العربية المشرقية على الركن العصبي (العشائري والاهلي) والبيروقراطي العسكري والامني الذي غلب على معظم بلدان المشرق وحركاتها السياسية. وتمثل عليه "القيادة" السورية الاسدية خير تمثيل، غداة انهيار صدام حسين.
فما تضطلع به تنسيقيات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية المتحدرة من المنتديات والبيانات والمنابر والتيارات، منذ نحو 5 اشهر، لا يقتصر على جمع معارضة شعبية متراصة في وجه الحلف العصبي البيروقراطي الذي ينيخ بثقله على المجتمع السوري، ويحول دون استواء الحكم على صورة الدولة المدنية المشروعة. فهي، الى استيلاء هذه المعارضة، ورص صفوفها، تصنع خيوطاً وجسوراً بين الجماعات الاهلية والبلدية والافراد، وترسي النسيج أو البنيان على لحمة سياسية وطنية، عَرْضية وائتلافية، تنحو نحو التعاقد الحر أو تعاقد أحرار، على الاشتراك سواسية في دولة ووطن (أمة) جامعين ولا ينفكان في طور الجمع والتأليف. فلا تنزل "الدولة القومية" الناجزة والخاوية، وهي فعلاً متعينة في حلف عصبي اداري يتقاسم السلطة والاجهزة والعوائد، جسماً قاهراً وساحقاً على الرعايا والاهل، المتفاوتين كعباً ومكاناً، وعلى البلاد. والانشاء، الوطني والسياسي على هذا المثال، في مجتمع مثل المجتمع السوري سلط عليه الاستيلاء الانقلابي البعثي، في أطواره الثلاثة او الاربعة وفي الطور الناصري و"الوحدوي" السابق، عوامل تفريق وتآكل وتعصب، يقتضي (الانشاء) تدبيراً وحكمة، وحِلماً وحصافة وتأليفاً في المصطلح القديم، من ضرب أو صنف لا عهد للسياسات العربية الانقلابية والاستيلائية، في شقيها وركنيها الاهلي العصبي والجهازي المركزي، به.
التمرد الرسمي
ويحقق هذا الزعمَ ويؤيده نهجُ الكتلة السورية الاسدية في معالجة ما تسميه التنسيقيات "الثورة" (وما يليق به ربما أكثر وسمُ الحركة الوطنية المدنية الديموقراطية السورية، وينزهه عما علق بالثورات العربية الاقليمية وانقلاباتها العسكرية، وحركاتها المسلحة الاهلية والمتعسفة وفوضاها المدمرة، من دواعي النفور والصد). فالكتلة الاسدية المتسلطة تعالج حوادث الحركة الوطنية والمدنية ووقائعها، أي اجتماعاتها وتظاهراتها واعتصاماتها واعلاناتها، على الطريقة التي انتهجتها وعرفت بها حروب العصابات، أو حروب الغوار. وهي حروب غارات على الدولة وهيئاتها ومواطنيها ومرافقها. فـ"الدولة" المزعومة تغير على جماعات الاهالي، وعلى مساكنهم وطرقاتهم ومواصلاتهم وجسورهم ومحالهم ودكاكينهم ومساجدهم ومنتدياتهم، وتُعمل في هذه تقطيعاً وتخريباً وهدماً، وفي الناس ارهاباً وتخويفاً وعزلاً وتبعيداً وتحريضاً. وما يتولاه "التمرد" وهو الاسم البوليسي والعسكري الذي سمت به اجهزة مكافحة الانتفاضات الفلاحية، الاوروبية والاميركية، الحركات الاستقلالية و"العالمثالثية" والاجتماعية المسلحة في خمسينات القرن الماضي- وهو تقطيع أوصال جهاز الدولة المتصلة والمتشابكة، وعزل أجزاء البلاد والمجتمع بعضها عن بعض، وتخريب المنشآت وشل الاعمال وتهديد الامن، تتولاه اليوم في سورية (الاخوين الاسد ورهطهما ودوائر "الحلف" ومراتبه الجهازية المصلحية والطائفية) غارات العصابات الاهلية الرسمية و"ألوية الموت" والقتل والاغتيال. وذلك باسم "الدولة"، ونيابة عنها، وتعويضاً عن قصورها عن انجاز المهمات هذه في اطار الاجهزة الرسمية المتماسكة.
وينتدب المركز، وهو النواة القيادية المزدوجة الصفة، قوات مختلطة، أمنية وعسكرية رسمية في زيها المتميز والظاهر وأخرى "مدنية" أهلية في حل من امساك العسكريين والامنيين الرسميين المفترض، وتتولى قتل المتلكئين والمترددين، ينتدب المركز القوات المختلطة الى مواقع ومناطق ذات أدوار معنوية وجغرافية بارزة. ويمهد لتجريده حملتَه تمهيداً "اعلامياً" ومسرحياً حاداً، على شاكلة ذاك الذي سبق الحملة التأديبية والدامية على جسر الشغور ثم على البوكمال. واليوم على حماة. فيعلن عن مقتل عدد كبير من رجاله، ويعزو القتل الى جماعات مسلحة محلية، ويسوغ حملته المختلطة بتلبية نداء الاهالي واستغاثتهم. وكأن الدول تفتقر الى مسوغ مباشر من القانون ومن وظيفتها يدعوها الى بسط الامن. فتوَسِّطُ المواطنين وتلتمس العذر منهم. ويسدل المركز الغفل ستاراً صفيقاً على وقائع الحملة نفسها. فلا شهود من الاهالي، ولا من الصحافة، ولا من جمعيات حقوق الانسان، ولا من البعثات الاجنبية، ولا من الجهاز الذي نفذ العملية. وحين دعي بعض الديبلوماسيين الاجانب، وفيهم السفير الاميركي، الى جسر الشغور بعد حملة التأديب التي لا شاهد عليها، ولا أثر لها في وثيقة مصورة معاصرة، جيء الى البلدة ببعض اهل بلدات مجاورة أو قريبة، وعُهد اليهم بأداء دور العائدين الى بلدتهم الآمنة بعد أن تحررت من مروعيها ومرهبيها بإنعام من القوات المختلطة...
وتشبه الحملات البوليسية والارهابية المختلطة، وعزلها المناطق التي تقصدها، وفرزها السكان والاهالي فريقين، وتصفيتها في ظل يضطرب بين السر والعلن الفريق "المشبوه" والتمثيل به نهج العمليات الثورية الذي انتهجته حركات كاستروية وغيفارية وماوية في أميركا اللاتينية لعل "الطريق المضيء" في قيادة غوزمان بالبيرو المثالَ عليها. فالعمليات الثورية والحملات التأديبية التي تشنها الطوابير الاسدية المختلطة ترميان الى حماية "البؤر" و"القواعد" المحررة، أو المسلوخة من كيان المجتمع المتصل في كنف دولة (طيفية في احيان كثيرة) مشتركة، وإخراجها من هذا الكنف الى عراء سيطرة مباشرة لا قيد عليها من طيف الدولة. وقبل اقتحام حماة في الاول من آب، سلّط جدولُ جمعية حقوقية مدنية ("أفاز" ومعها "انسان" وسام طريف) أحصت 3 آلاف مخطوف ليسوا في عداد الـ13 ألف معتقل الى يومها (من 26 ألفاً اعتقلوا في وقت من الاوقات وأفرج عن بعضهم في اثناء الاشهر الخمسة المنصرمة) ولا هم في عداد الـ1650 قتيلاً، الضوءَ على وجه آخر شبيه بأعمال العصابات الخاصة، الثورية وشبه الرسمية، في كولومبيا الاميركية اللاتينية. (وهذه الارقام يضاف اليها نحو مئتي قتيل وبضعة آلاف من المعتقلين وربما مئات من المفقودين). فمعتقلات قوات كولومبيا الثورية ("فارك")، وهي المنظمة التي احتجزت بيتينكور المرشحة الرئاسية الكولومبية الفرنسية نحو 5 سنوات، تعج بآلاف المخطوفين المدنيين من الاصناف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها. والصيغة الاسدية والمحلية تبلورت في فصل "القيء الاهلي"، على ما سمى أحدهم أعوام 1979 1982 وغداتها المباشرة. فمذ ذاك لا يُعلم شيء عن مصير عشرات الآلاف (40 ألفاً؟ 60 ألفا؟ 70 ألفاً؟) من المفقودين الذين تبددت آثارهم بين السجن والتخفي والتوقيف والتحقيق والخطف والتصيفة المواربة.
سوريا (الاسد) من غير السوريين
وقطع الاتصالات الهاتفية والالكترونية، واغراق المناطق المستهدفة في الظلام وحجب التيار الكهربائي عنها، والحؤول بينها وبين التموين بالسلع الاساسية، ومراقبة أماكن الاجتماع المتوقعة والمقدرة (مثل المساجد وصالات الاعراس والفنادق ونوادي النقابات المهنية) ومحاصرتها وإحراق بعضها، وتعقب الجرحى الى المستشفيات والعيادات الخاصة- هذه كلها وسائل يتوسل بها الجهاز العصبي والبيروقراطي المستولي الى انتزاع الاهالي من الكتلة الوطنية السورية، والى فك عرى العمران والاجتماع والخيوط التي نسجتها الدولة، منذ عهد الولايات فالانتداب فالاستقلال فالديكتاتورية، بين الاهالي. وذلك من تلقاء (قيام) الدولة والادارة واضطلاعها بوظائفها. ومهاجمة الجهاز العصبي - البيروقراطي الاسدي وشائج العمران والاجتماع المدنيين وروابطهما وأبنيتهما الحيوية، جزء من الحرب الاهلية العميقة التي استولى من طريقها هذا الجهاز على آلات الغلبة والقهر والعزل، واختصر الحُكم والدولة فيها.
فلا يطيق الجهاز دوام روابط اجتماعية بين جماعات السكان والافراد، ولا سريانها في عروق عمران مشترك، ولو في حدودها الخدمية والاجرائية الدنيا. فهو يقحم وساطته ومشيئته في عمل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الاساسية، وفي العلاقات المتبادلة التي تنشئها بين الاهالي. فلا ينزع الناس الى التوهم في أنفسهم القوةَ على التواصل التلقائي، خارج مشيئة الرأس العشائري الاهلي والاجهزة الامنية والادارية التي تصدر عن إرادته وأمره القاهرين. فإذا أقدرت الابنيةُ الاجتماعية والادارية، المتخلف بعضها عن "انجاز" الجهاز الاسدي، السوريين على التواصل ارتد الجهاز على ابنية التواصل ومسالكه، وأعمل فيها تحطيماً وتدميراً، على نحو ما يصنع في مداخل حماة ووسطها. فهي، الابنية والمسالك، تنم بكيان عمراني وطني مستقل وقائم بنفسه، وملازم لكيان الجماعة الوطنية والاهلية السورية وأجيالها المتعاقبة.
وعلى هذا، "ينزل" التسلط الارعن والاحمق من الابنية المعنوية والسياسية، شأن الصحافة والاعلام والانتخاب والتحزب والتحالف، الى الابنية الادارية والمادية. ففي الاوقات "العادية"، وجَّه الجهاز المستولي شفرة سكينه (سكاكينه ومقصه ومقصاته) الى الابنية المعنوية والسياسية هذه. فحال بينها وبين انشاء دائرة علانية عامة ومشتركة يسهم في رفعها، وفي رصف حجارتها ومداميكها، من يمثلون جماعات واجساماً خاصة متفرقة، بلدية وأهلية واقتصادية واعتقادية وعصبية، ويسعون في بلورة لحمة سياسية جامعة تتعالى عن الجماعات ومصالحها، وتؤلف بين بعض كتلها وأجنحتها، وتنافس على التمثيل والحكم. واحتكر الجهاز المستولي مُلكية الابنية المعنوية والسياسية، على المعنى المادي والحقوقي للملكية، وانفرد بها، أو نصَّب بعض فروعه ومراقبيه ولياً مطلقاً عليها. فلفّق في حق من ارتضى، في وقت أول، شراكتَهم الانتخابية والنيابية، وأقر لهم بصفة تمثيلية واجتماعية مستقلة، تهماً أحالتهم بين ليلة وضحاها مجرمين ومتآمرين ومحتالين. وضيّق تضييقاً خانقاً على هامش اعلامي هزيل وطرفي. ولم يقصر انقلابه وتضييقه على إعمال الوسائل القانونية والادارية الكثيرة والطيعة التي لا ينازعه عليها منازع. فعمد الى وسائل من خارج اطار العدة القضائية والادارية، وهي المتاحة على مصراعيها، مثل حوادث السير القاتلة، والسطو على الممتلكات والاموال، والتحريض الخاص والغفل على "المنحرفين" وسد أبواب العمل في وجوههم.
فولاية السلطات العامة واحتكارها من غير استثناء، وانتداب الموالي المطواعين والمقيدين الى تصريف بعض اعمالها التنفيذية، لم تحمل على اقتسام السلطان، على أدنى درجات الاقتسام وأقلها. ومثل هذا الانقسام على أدنى درجاته، يفترض الاشتراك في شيء عام ومشترك، ويقر بقصور السلطان، وصاحبه (رأس) الجهاز العشائري البيروقراطي، عن الاضطلاع وحده، ومن غير حاجة الى شركاء متعاقدين، بالتمثيل على "سوريا" (الاسدية)، وتجسيدها وجمع متفرقها (المنكر والمبطل) في نفسه. وينكر السلطان الاسدي و"دولته" انكاراً ضارياً وشرساً حاجته الى شركاء يتعاقد معهم على تمثيل "سوريا". وهذه تعلو السوريين، الافراد والاعيان، وتلتهمهم وتبطل حقيقتهم المادية المتفرقة والتاريخية والاجتماعية. والنظام الاسدي في غنى عن ولاء السوريين، وبالاحرى عن محبتهم واقتناعهم. ويريد منهم، على معنى الاكراه، الطاعة والسمع. ولا يترتب هذا على ضرب من الدهاء والمواربة المعقدة، بل على صنف الاستيلاء الخاص الذي ينفر من أي قيد لا بد أن ينجم عن العقد والشراكة والائتلاف والاقرار بالكثرة الاهلية والاجتماعية. وهذا "سر" الكراهية الحاقدة التي يصليها الجهاز المستولي وأنصاره اللبنانيون الاعراف السياسية اللبنانية، وجهرها الوقح طائفتيها وميثاقيتها، أي كثرتها.
حملة التطويق
وعلى هذا، لا يدعو الاستيلاء على مقاليد الدولة ومرافقها وهيئاتها النيابية والقضائية وادارتها، وعلى مواردها، واحتكار السلطان، وملء قلبه الرمزي والتمثيل عليه من غير شريك، لا يدعو هذا كله الجهازَ أي رأسَه الى الفعل من داخل الدولة ومقاليدها وأبنيتها وأحكامها. فهو يؤثر إعمال الوسائل الخاصة، والمنافية للقانون والخارجة عليه. ويتعمد مهاجمة سفارات الدول الاجنبية بواسطة محازبين انصار وأجراء، وليس من طريق أعراف ديبلوماسية واجراءات تؤدي معاني الانكار والتحفظ والتنديد. والاعراف والاجراءات الديبلوماسية،شأن طرق القضاء والادارة ولوائحهما، قرينة على كيان دولة مقيد بإقرار ملزم، ويبادل الالتزامات بمثلها ونظيرها. وأما المحازبون الانصار والموالي فلا قيد عليهم، ولا يلزمهم اقرار أو تبادل. وهم عَرَض الاستيلاء الخاص، الاسدي العشائري والجهازي، على "سوريا" وتمرد هذا الاستيلاء على العمومية الديبلوماسية القانونية. فهم، على الاراضي السورية هذه المرة، صنو "حلفاء" الجهاز الاسدي وصنائعه وأجرائه ومُديِّه أو "سكاكينه الثانية"، على قول أجنبي، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي المنظمات "الجهادية" التي ترعى مرابع المشرق وجنباته. ولا غنى للجهاز عن "الحلفاء" والصنائع والاجراء والمدي "الثانية" بإزاء أنواع وأصناف كثيرة من الخصوم والاعداء والمعارضين والمتحفظين المحليين والاقليميين. وبعض "الحلفاء" انخرط في أبنية دول، وكيانات دول وطنية، ولم يكف عن خوض حرب عصابات وطياحة على دولته الوطنية المفترضة. وآية حربهم انشاء مرافق موازية لمرافق الدولة، وإخراج مناطق "محررة" من ادارتها، واقتطاع "شعب" أو "أمة" من الكيان السياسي والحقوقي المتصل. وتترتب "الطائفية" في سوريا ولبنان والعراق، وفي غيرها، على تسليح الطوائف الغالبة واللابسة زيّ "الدولة"، والمتسلطة باسمها.
ويروي معارضون سوريون كرد أن بعض "الامن" الاسدي دعاهم الى التظاهر الآمن في أيام الجمع على شرط ترك العلم السوري الواحد، والتلويح محله وبدلاً منه بعلم "حزب العمال الكردستاني". وذلك آنَ عبدُالله أوجلان، زعيم الحزب وأسير قلعة في عرض بحر استانبول، يفاوض الحكومة التركية على ترك حرب حزبه على الدولة التركية وجيشها ومناطقها المختلطة. وحمل مراقبون كثر عمليات "الكردستاني" الدامية الاخيرة على قيادة الحزب الطليقة والمتعاطفة مع الامن السوري والمتمردة على أوجلان وسياسته المعتدلة. ويُصدَّق رأي المراقبين هذا في ضوء نهج "القيادة" الاسدية في أثناء الاشهر الخمسة الاخيرة. فهي سعت في تقسيم السوريين طوائف ومذاهب. فاستجابت المطاليب "الفئوية": إعادة المحجبات الى التدريس، وغلق الكازينو "المنكر"، وتجنيس "الاجانب" الكرد في الحزام العربي، ورشوة الموظفين وبعض أهالي الارياف بعلاوات على الرواتب وبمساعدات عينية، وزيادة علامات الاستلحاق في امتحانات الشهادة الرسمية، وتخفيض سن تقاعد العاملين... وهذه اجراءات صريحة ومباشرة. وأما المطاليب السياسية والمشتركة، مثل حرية العمل السياسي وحرية الاعلام والاحتكام الى القوانين المدنية وإلغاء القيادة الفرعونية، فرد عليها رأس الجهاز المستولي بالتسويف و"التشاور" وبالقتل والاقتحام والخطف والاعتقال والتهجير، أي بحملة التطويق الاخيرة على قول ماوي سائر. فحيث يفترض الجواب السياسي، والتوجه الى السوريين على صفة المواطنين العامة والجامعة، يصيب البكم والعيّ رأسَ الجهاز وسياسته. وهذا مفهوم وجلي: شرط الجواب السياسي اطار الدولة الواحدة والمتماسكة والمشتركة. وهذا على طرف نقيض السلطان الاسدي. فإذا اجتمع السوريون، من غير انكار جماعاتهم أو اختلاف أحوالهم ومشاربهم، على وطنية سياسية مدنية وديموقراطية، دعاهم "النظام" الى الانفراط اسلاميين وكرداً ومعوزين ومتقاعدين وتلاميذ. فأما أن يكون السلطان الاسدي، العشائري والبيروقراطي، ركن "سوريا" وكتلتها ولحمتها ومسكتها وحده من غير شريك، وإما كان حُكم السوريين التفتت والتشرذم والاقتتال والعمالة. ولا لبس في خروج السوريين، والوطنية السورية، من أسر التخيير بين الامرين العقيمين.
نظرية ولاية الفقيه السياسية ضحية تناقضاتها
همايون كتيرائي
عن موقع ايران امروز
من المؤكد أن آية الله الخميني عندما كتب مؤلفه "الجهاد الأكبر" المكرّس لنقد المشاكل
الأخلاقية وسلوك رجال الدين، لم يفكر باحتمال أن تتعرض نظريته السياسة إلى موجة من النقد في هذه النقطة بالذات. والآن وبعد مرور ثلاثة عقود على تأسيس نظام ولاية الفقيه، فلم يعد هناك حاجة إلى إثبات اجراءات ولاية الفقيه المتمثلة بالتصفية الجسدية وغير القانونية لمنتقديه ولكل النشطاء السياسيين، وتعذيب السجناء والتجاوز على النساء والرجال السجناء، وفبركة الملفات الأخلاقية والمالية والسياسية للمنافسين والمخالفين، واللجوء إلى أساليب الكذب وتوجيه التهم وبث الاشاعات، وانكار الحقائق وتقديم احصائيات غير صحيحة للشعب، والتصرف بالموارد العامة، وكل الخروق التي لها مساس مباشر بالأخلاق السياسية، وهي تصرفات أضحت بادية للعيان ولا يمكن انكارها.
عند نقد وتحليل مثل هذه العملية، فمن الممكن الرجوع إلى سياق بعض الاصلاحيين والمنتقدين، وتحليل مواقف الحكام، وفي نهاية المطاف التطرق إلى عدم الالتزام بالقانون الأساسي والقوانين والقرارات الجارية. ولكن عندما نواجه بالسؤال التالي عن سبب عدم تطبيق القوانين بعد ثلاثة عقود والتي أصبحت المشكلة الأساسية في نظام ولاية الفقيه، فإننا سوف لا نحصل على جواب شاف ومقنع. من الممكن أن نستذكر قول آية الله الخميني بعد عدة سنوات من عدم تطبيق القوانين، حيث عبّر عن أمله بأن يعود الجميع إلى الالتزام بالقوانين، هذا الالتزام الذي لم يتمسك به آية الله الخميني واستمر الأمر على هذه الشاكلة طوال العقود الماضية.
ولكننا ندقق في هذا المقال ، قبل تناول فعل وسياسة الحكام، في الأسس النظرية لمبدأ ولاية الفقيه الذي مهد الطريق لممارسة هذه الأفعال وما تبعها من خروق قانونية. وبعبارة أخرى فإننا لا يمكن أن نعزو استمرار مثل هذه العملية طوال ثلاثة عقود إلى سوء الإدارة، بل يجب النظر إلى البناء الذي احتضن مثل هذا الانهيار الاخلاقي، والذي مهد له نظام ولاية الفقيه والذي يتطلب تقييمه. وحتى إذا تمتعنا بأعلى حالات حسن النية وافترضنا أن لولي الفقيه بعداً أخلاقياً، ونفترض تولي شخص مثل محمد خاتمي منصب ولاية الفقيه، فإننا لا نستطيع أن نتجنب إعادة انتاج الأساليب والسلوك غير الأخلاقي في نظام ولاية الفقيه.
التناقضات العملية في نظرية ولاية الفقيه
إن من اطلع على كتاب ولاية الفقيه وقرأ واستمع إلى خطابات ورسائل آية الله الخميني قبل عام 1978، فسوف لا يتردد بالقول إن رؤيته للنظام كان مبنياً على الفقه الشيعي، والذي يؤكد على أن من يتولى هذا المنصب هو فقيه يجمع كل الشروط. وكانت مجمل خطاباته تدور حول هذا المحور القائل بأن الفقه الشيعي يتمتع بإمكانية بناء نظام سياسي اجتماعي، وإذا ما توفرت الفرصة لرجال الدين، فإن هذه الإمكانية الكامنة ستبرز للعيان. إن هذا الادعاء كان سارياً حتى ثورة عام 1978. ولكن ما إن بدأ تشكيل نظام ولاية الفقيه، واجه آية الله الخميني عملياً المشاكل الصغيرة والكبيرة التي يعاني منها المجتمع الإيراني. ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى برز إلى العلن مأزق الفقه الشيعي في إدارة النظام السياسي والاجتماعي.
إن أكبر عقدة واجهت هذا المشروع هي أن الأحكام الفقهية طوال قرون عديدة لم تعالج الحياة الاجتماعية، بل كانت تعالج حياة الفرد. فهذا الفقه لم يطرح حلولاً لإدارة المجتمع، وذلك لأن أهم عامل في إدارة المجتمع لم يجد له مكاناً في الفكر الفقهي. هذه المشكلة التي حاول آية الله النائيني أيجاد حل خاص لها في مرحلة ثورة المشروطة.
ففي الفكر الكلاسيكي والتاريخي للشيعة حُدد تشكيل الدولة كلياً ضمن اطار خيارات الإمام المعصوم. وبالنظر للاعتقاد السائد بغيبة الإمام، فإن الفقهاء قرروا عدم الخوض في هذا الموضوع لحين ظهور الإمام، لاعتقادهم بأن أية حكومة تتسلم زمام الأمور في عصر الغيبة، تعتبر حكومة غاصبة لحق الإمام المعصوم.
وبالاستناد إلى هذه الجذور، فإن نظام ولاية الفقيه محروم من أي سند نظري وتاريخي، وإن الحديث عن الفكر الفقهي في هذا المجال لا يتمتع بالجدية.
وهذا ما انعكس في مقاومة التيار التقليدي والكلاسيكي للحوزة لقرارات نظام ولاية الفقيه، ومعارضة مجلس الحراسة لقرارات أصدرتها الحكومة والمجلس. ولذا وقع الإمام الخميني في مأزق متزايد، مما دفعه في أكثر من خطاب وبوضوح إلى الاعتراف بعدم قدرة الفقه التقليدي على إدارة نظام الحكم والنظام الاجتماعي، وسعى عن طريق اللجوء إلى بعض التكتيكات للخروج من هذا المأزق. فعلى سبيل المثال أفتى الخميني في حالة أن اتخذ مجلس الحراسة قراراً شرعياً بعدم شرعية قرارات مجلس الشورى، بأن يتم الموافقة على هذه القرارات في حالة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشورى عليه. وعندها يصبح من غير الممكن لمجلس الحراسة التصويت بنقض هذه القرارات.
نظرية حفظ النظام، تحريفية كبيرة
بعد أن بان التعارض بين نظام ولاية الفقيه وبين الفقه التقليدي، وأصبح واضحاً أنه من غير الممكن حل مشاكل النظام بالنظريات الفقهية، لم يبق أمام آية الله الخميني سوى طريقين. الطريق الأول التراجع أمام المرجعية التقليدية للحوزة واشراكها في الحكم، والثاني الاعتراف بصدق أمام الرأي العام بفشل نظرية ولاية الفقيه.
إن الطريق الأول، في ظل المواجهات التاريخية لآية الله الخميني مع النسيج التقليدي للحوزة، أي طريق الشراكة مع المنافس والعدو الداخلي في مشاريع بُذلت من أجلها السنوات لتحقيقها وتحملوا جهوداً كبيرة، فهو لم يكن مقبولاً من قبل آية الله الخميني. فإن صراعه العنيف مع المرجعيات المنافسة ومن ضمنهم آية الله شريعتمداري وآية الله الخوئي وآية الله القمي وآخرهم آية الله منتظري يدل على أنه من غير الممكن تحمله حضور هذه المراجع على رأس هرم الحكم.
أما الطريق الثاني وهو التراجع عن نظرية ولاية الفقيه فهو خيار كبير، بمعنى أن يتخلي عن دعواته التي طرحها منذ شبابه وحتى السنوات الأخيرة حول نهجه الأصلي.
ويبدو أنه لو اعترف بخطأ نظريته، ونظراً لتعلق المجتمع به في تلك الفترة، فإنه فسوف لا يحذف على الإطلاق من الميدان السياسي، بل وبفعل الظروف في تلك الفترة أن يظل الخميني يمارس دوره السياسي كزعيم وطني.
ولكن آية الله الخميني رجّح عدم اختيار أي من الطريقين، بل وسعى عن طريق الالتفاف الكبير على رؤياه النظرية كخيار للخروج من هذا المأزق. وفي الواقع فقد أخذ على عاتقه اعادة النظر في اساسيات تفكيره، ولم يوكل ذلك إلى من يخلفه على غرار ما قام به الايديولوجيون المعاصرون.
وبعبارة أخرى فقد جرى ما يصطلح عليه في ثقافة اليسار منحى "التحريفية" على يد مؤسس النظرية وليس على يد من خلفه في إدارة المجتمع، كمثال خروشوف مقابل ستالين ودنغ زياو بينغ مقابل ماو. إن آية الله الخميني بتحريفه للبناء النظري لولاية الفقيه قد تراجع عن ما ورد في كتابه ولاية الفقيه. فهو عندما يطرح مسألة حماية النظام بمثابة المهمة الأولى، فذلك يعني تخلي حكومة ولاية الفقيه عن مهمتها الأصلية كخادمة ومنفذة للفقه. كما يبرز تناقض كبير يتمثل في أنه لو لم يكن بالامكان تحقيق الفقه بشكله التقليدي، فما هو الامتياز الذي يتمتع به حامل الفقه أي الفقيه مقارنة بالآخرين بحيث يصبح ماسكاً بزمام أمور الحكم؟
لقد جرى تجاهل هذا السؤال ولم يطرح في المجتمع، فظروف الحرب التي سادت على المجتمع المأزوم، من قبيل الدفاع عن السيادة وتجنب الانهيار السياسي قد طغى على الأمور الأخرى ولم تسمح بمناقشة مثل هذه الأمور. ويضاف إلى ذلك فإن جزءاً كبيراً من المثقفين، وخاصة من ذوي الاتجاهات الدينية، استقبلوا هذه التحريفية، بقدر ماهي قد تحد من دور رجال الدين التقليديين في الحكم.
مصلحة النظام والتوجه
نحو البرغماتية
بعد أن أعاد آية الله الخميني النظر جذرياً في موقفه السابق من ولاية الفقيه، بادر إلى تكييفه مع معيار حفظ النظام، واللجوء إلى كل الوسائل للحفاظ على الحكم بذريعة مصلحة النظام، واعتبر ذلك أمراً مباحاً. ولذا أقترح تغييراً في القانون الأساسي المتعلق بالمؤسسات، وقدم اقتراحاً بتشكيل ما سمي بـ"مجمع تشخيص المصلحة". وطبقاً لثقافة ولاية الفقيه ففي أي وقت تطرح مسألة المصلحة فذلك يعني أنه لا يوجد حل أصولي وله ما هو مشترك مع القواعد الفقهية. وعندها ينبغي اللجوء إلى حاجات النظام. وهذه الحاجات هي من الكثرة بحيث تبرز الحاجة إلى تأسيس مؤسسات لذلك.
وبعبارة أخرى فإن نظام ولاية الفقيه لم يستطع أن يبدو وكأنه على غرار حكومات صدر الإسلام يعمل على أساس معايير الكتاب والسنة النبوية، لأنه راح مضطراً وضمن احتياجات حكمه إلى اختيار المعايير التي يعمل على ضوئها. لإن هذه البراغماتية بحد ذاتها يمكن أن تشكل تحولاً منطقياً لحل المشاكل التي يواجهها النظام. ولكن بما أنها ارتبطت بالبراغماتية فإنها راحت ترسي تدريجياً الأرضية كي يضع نظام ولاية الفقيه رجليه على جادة الانهيار.
وفي الواقع إن التيار الحاكم لم يكن مستعداً لتسليم الحكومة إلى الآخرين، وعلى الرغم من المأزق النظري والعملي لولاية الفقيه، فإنه مازال يرى نفسه الأحق بالجلوس على كرسي الحكم. وبعبارة أخرى، فبعد إعادة النظر بشكل كبير بنظرية ولاية الفقيه من قبل آية الله الخميني، فقد فَقَد موضوعيته في كل شيء اسمه تطبيق الفقه التقليدي وحل محله مصلحة النظام. ولذا فإن التيار الحاكم لم يعد يستطيع انطلاقاً من الأحقية الأيديولوجية أن يصف الآخرين بعدم صلاحيتهم لتولي الحكم.
ومن هنا بدأت الاستنسابية في نظام ولاية الفقيه بالنمو، أي أن الحكام تلبسوا بلباس يدركون جيداً أنه غير مناسب لهم. وبتعبير آخر اذا كانت كلمة الفقيه تعني الايمان بالفقه والعمل به، ولكن بعد أن وضُعت مصلحة النظام في المقدمة ووضِع النظام الفقهي جانباً، فعندها أصبحت البراغماتية وشهوة الحكم هي السائدة.
إن من ارتبطت أرواحهم بعجين الثقافة التقليدية والمذهبية يدركون جيداً عواقب تقديم حماية النظام على بعض اركان الدين. وفي الواقع اذا كان حفظ النظام يتخطى الصلاة والصوم والحج، فيمكن تجاهل العديد من المقولات الأخرى. وهذه بداية لما أشير في بداية المقالة إلى "الانهيار النظري السياسي لولاية الفقيه".
وهنا وقبل أن نتابع مصداقية الانهيار لهذا النظام في أمثلة ملموسة، نود أن نشير إلى أن إعادة النظر ووضع الأولوية لموضوعة السلطة، لا تعني إلاّ تخطي الحدود الأخلاقية.إن تقديم الأولوية لحفظ النظام يفتح كل الطرق بوجه القيام بأي عمل من أجل تحقيق هذا الهدف. وأصبحت المصلحة وحفظ النظام بمثابة باب يولج من خلاله كل شيء دون أن يتقيد ويتحدد بأي فقه وقواعد وأصول حقوق الإنسان والقوانين المدنية.
إن آية الله الخميني في طرحه للولاية المطلقة في مقابل الولاية المحدودة (المحدودة بالإطار الفقهي )، أجاز للنظام السياسي أن يعبر كل الحدود العرفية والشرعية من أجل الحفاظ على بقائه. وهذا ما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية حيث لم يتردد اركان النظام عن اللجوء إلى كل الأساليب بذريعة حفظ النظام. وراوحت ممارسات هؤلاء من تقديم الإحصائيات الكاذبة إلى التستر على الوقائع بدعوى أن ذلك يتعارض مع مصلحة النظام. ومارس هؤلاء أساليب تراوح بين التدخل في الشؤون الشخصية للشعب إلى التلصص على الحياة الخاصة تحت ذريعة مكافحة المنكرات. هذه الاتهامات التي طالت حتى شخصية مثل آية الله منتظري وبدون أدلة سوى ذريعة عدم استيعابه لنظرية ولاية الفقيه التي تحتاج إلى اتخاذ تكتيكات وأساليب حتى ولو كانت غير مألوفة من أجل حفظ النظام. أي، وحسب تعبيرهم ، أن لا يُصب الماء في طاحونة الأعداء والمنتقدين.
إن كل محتوى المقالة يدور حول ذلك الكم الهائل من الأساليب غير المألوفة في ستراتيجية النظام الحالي وتكتيكاته، وقبل الحديث عن سوء الإدارة لدى فرد أو أفراد في النظام. فالحديث يدور حول الأساس النظري الذي بني عليه نظام ولاية الفقيه المطلق. وما دام هذا البناء قائماً وبدون نقد، فسيجري إعادة توليد الأساليب السابقة. وسوف لا يؤدي التغيير في أقطاب الحكم إلى حل مشكلة النظام السياسي لولاية الفقيه المطلقة.
عن موقع ايران امروز
من المؤكد أن آية الله الخميني عندما كتب مؤلفه "الجهاد الأكبر" المكرّس لنقد المشاكل
الأخلاقية وسلوك رجال الدين، لم يفكر باحتمال أن تتعرض نظريته السياسة إلى موجة من النقد في هذه النقطة بالذات. والآن وبعد مرور ثلاثة عقود على تأسيس نظام ولاية الفقيه، فلم يعد هناك حاجة إلى إثبات اجراءات ولاية الفقيه المتمثلة بالتصفية الجسدية وغير القانونية لمنتقديه ولكل النشطاء السياسيين، وتعذيب السجناء والتجاوز على النساء والرجال السجناء، وفبركة الملفات الأخلاقية والمالية والسياسية للمنافسين والمخالفين، واللجوء إلى أساليب الكذب وتوجيه التهم وبث الاشاعات، وانكار الحقائق وتقديم احصائيات غير صحيحة للشعب، والتصرف بالموارد العامة، وكل الخروق التي لها مساس مباشر بالأخلاق السياسية، وهي تصرفات أضحت بادية للعيان ولا يمكن انكارها.
عند نقد وتحليل مثل هذه العملية، فمن الممكن الرجوع إلى سياق بعض الاصلاحيين والمنتقدين، وتحليل مواقف الحكام، وفي نهاية المطاف التطرق إلى عدم الالتزام بالقانون الأساسي والقوانين والقرارات الجارية. ولكن عندما نواجه بالسؤال التالي عن سبب عدم تطبيق القوانين بعد ثلاثة عقود والتي أصبحت المشكلة الأساسية في نظام ولاية الفقيه، فإننا سوف لا نحصل على جواب شاف ومقنع. من الممكن أن نستذكر قول آية الله الخميني بعد عدة سنوات من عدم تطبيق القوانين، حيث عبّر عن أمله بأن يعود الجميع إلى الالتزام بالقوانين، هذا الالتزام الذي لم يتمسك به آية الله الخميني واستمر الأمر على هذه الشاكلة طوال العقود الماضية.
ولكننا ندقق في هذا المقال ، قبل تناول فعل وسياسة الحكام، في الأسس النظرية لمبدأ ولاية الفقيه الذي مهد الطريق لممارسة هذه الأفعال وما تبعها من خروق قانونية. وبعبارة أخرى فإننا لا يمكن أن نعزو استمرار مثل هذه العملية طوال ثلاثة عقود إلى سوء الإدارة، بل يجب النظر إلى البناء الذي احتضن مثل هذا الانهيار الاخلاقي، والذي مهد له نظام ولاية الفقيه والذي يتطلب تقييمه. وحتى إذا تمتعنا بأعلى حالات حسن النية وافترضنا أن لولي الفقيه بعداً أخلاقياً، ونفترض تولي شخص مثل محمد خاتمي منصب ولاية الفقيه، فإننا لا نستطيع أن نتجنب إعادة انتاج الأساليب والسلوك غير الأخلاقي في نظام ولاية الفقيه.
التناقضات العملية في نظرية ولاية الفقيه
إن من اطلع على كتاب ولاية الفقيه وقرأ واستمع إلى خطابات ورسائل آية الله الخميني قبل عام 1978، فسوف لا يتردد بالقول إن رؤيته للنظام كان مبنياً على الفقه الشيعي، والذي يؤكد على أن من يتولى هذا المنصب هو فقيه يجمع كل الشروط. وكانت مجمل خطاباته تدور حول هذا المحور القائل بأن الفقه الشيعي يتمتع بإمكانية بناء نظام سياسي اجتماعي، وإذا ما توفرت الفرصة لرجال الدين، فإن هذه الإمكانية الكامنة ستبرز للعيان. إن هذا الادعاء كان سارياً حتى ثورة عام 1978. ولكن ما إن بدأ تشكيل نظام ولاية الفقيه، واجه آية الله الخميني عملياً المشاكل الصغيرة والكبيرة التي يعاني منها المجتمع الإيراني. ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى برز إلى العلن مأزق الفقه الشيعي في إدارة النظام السياسي والاجتماعي.
إن أكبر عقدة واجهت هذا المشروع هي أن الأحكام الفقهية طوال قرون عديدة لم تعالج الحياة الاجتماعية، بل كانت تعالج حياة الفرد. فهذا الفقه لم يطرح حلولاً لإدارة المجتمع، وذلك لأن أهم عامل في إدارة المجتمع لم يجد له مكاناً في الفكر الفقهي. هذه المشكلة التي حاول آية الله النائيني أيجاد حل خاص لها في مرحلة ثورة المشروطة.
ففي الفكر الكلاسيكي والتاريخي للشيعة حُدد تشكيل الدولة كلياً ضمن اطار خيارات الإمام المعصوم. وبالنظر للاعتقاد السائد بغيبة الإمام، فإن الفقهاء قرروا عدم الخوض في هذا الموضوع لحين ظهور الإمام، لاعتقادهم بأن أية حكومة تتسلم زمام الأمور في عصر الغيبة، تعتبر حكومة غاصبة لحق الإمام المعصوم.
وبالاستناد إلى هذه الجذور، فإن نظام ولاية الفقيه محروم من أي سند نظري وتاريخي، وإن الحديث عن الفكر الفقهي في هذا المجال لا يتمتع بالجدية.
وهذا ما انعكس في مقاومة التيار التقليدي والكلاسيكي للحوزة لقرارات نظام ولاية الفقيه، ومعارضة مجلس الحراسة لقرارات أصدرتها الحكومة والمجلس. ولذا وقع الإمام الخميني في مأزق متزايد، مما دفعه في أكثر من خطاب وبوضوح إلى الاعتراف بعدم قدرة الفقه التقليدي على إدارة نظام الحكم والنظام الاجتماعي، وسعى عن طريق اللجوء إلى بعض التكتيكات للخروج من هذا المأزق. فعلى سبيل المثال أفتى الخميني في حالة أن اتخذ مجلس الحراسة قراراً شرعياً بعدم شرعية قرارات مجلس الشورى، بأن يتم الموافقة على هذه القرارات في حالة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشورى عليه. وعندها يصبح من غير الممكن لمجلس الحراسة التصويت بنقض هذه القرارات.
نظرية حفظ النظام، تحريفية كبيرة
بعد أن بان التعارض بين نظام ولاية الفقيه وبين الفقه التقليدي، وأصبح واضحاً أنه من غير الممكن حل مشاكل النظام بالنظريات الفقهية، لم يبق أمام آية الله الخميني سوى طريقين. الطريق الأول التراجع أمام المرجعية التقليدية للحوزة واشراكها في الحكم، والثاني الاعتراف بصدق أمام الرأي العام بفشل نظرية ولاية الفقيه.
إن الطريق الأول، في ظل المواجهات التاريخية لآية الله الخميني مع النسيج التقليدي للحوزة، أي طريق الشراكة مع المنافس والعدو الداخلي في مشاريع بُذلت من أجلها السنوات لتحقيقها وتحملوا جهوداً كبيرة، فهو لم يكن مقبولاً من قبل آية الله الخميني. فإن صراعه العنيف مع المرجعيات المنافسة ومن ضمنهم آية الله شريعتمداري وآية الله الخوئي وآية الله القمي وآخرهم آية الله منتظري يدل على أنه من غير الممكن تحمله حضور هذه المراجع على رأس هرم الحكم.
أما الطريق الثاني وهو التراجع عن نظرية ولاية الفقيه فهو خيار كبير، بمعنى أن يتخلي عن دعواته التي طرحها منذ شبابه وحتى السنوات الأخيرة حول نهجه الأصلي.
ويبدو أنه لو اعترف بخطأ نظريته، ونظراً لتعلق المجتمع به في تلك الفترة، فإنه فسوف لا يحذف على الإطلاق من الميدان السياسي، بل وبفعل الظروف في تلك الفترة أن يظل الخميني يمارس دوره السياسي كزعيم وطني.
ولكن آية الله الخميني رجّح عدم اختيار أي من الطريقين، بل وسعى عن طريق الالتفاف الكبير على رؤياه النظرية كخيار للخروج من هذا المأزق. وفي الواقع فقد أخذ على عاتقه اعادة النظر في اساسيات تفكيره، ولم يوكل ذلك إلى من يخلفه على غرار ما قام به الايديولوجيون المعاصرون.
وبعبارة أخرى فقد جرى ما يصطلح عليه في ثقافة اليسار منحى "التحريفية" على يد مؤسس النظرية وليس على يد من خلفه في إدارة المجتمع، كمثال خروشوف مقابل ستالين ودنغ زياو بينغ مقابل ماو. إن آية الله الخميني بتحريفه للبناء النظري لولاية الفقيه قد تراجع عن ما ورد في كتابه ولاية الفقيه. فهو عندما يطرح مسألة حماية النظام بمثابة المهمة الأولى، فذلك يعني تخلي حكومة ولاية الفقيه عن مهمتها الأصلية كخادمة ومنفذة للفقه. كما يبرز تناقض كبير يتمثل في أنه لو لم يكن بالامكان تحقيق الفقه بشكله التقليدي، فما هو الامتياز الذي يتمتع به حامل الفقه أي الفقيه مقارنة بالآخرين بحيث يصبح ماسكاً بزمام أمور الحكم؟
لقد جرى تجاهل هذا السؤال ولم يطرح في المجتمع، فظروف الحرب التي سادت على المجتمع المأزوم، من قبيل الدفاع عن السيادة وتجنب الانهيار السياسي قد طغى على الأمور الأخرى ولم تسمح بمناقشة مثل هذه الأمور. ويضاف إلى ذلك فإن جزءاً كبيراً من المثقفين، وخاصة من ذوي الاتجاهات الدينية، استقبلوا هذه التحريفية، بقدر ماهي قد تحد من دور رجال الدين التقليديين في الحكم.
مصلحة النظام والتوجه
نحو البرغماتية
بعد أن أعاد آية الله الخميني النظر جذرياً في موقفه السابق من ولاية الفقيه، بادر إلى تكييفه مع معيار حفظ النظام، واللجوء إلى كل الوسائل للحفاظ على الحكم بذريعة مصلحة النظام، واعتبر ذلك أمراً مباحاً. ولذا أقترح تغييراً في القانون الأساسي المتعلق بالمؤسسات، وقدم اقتراحاً بتشكيل ما سمي بـ"مجمع تشخيص المصلحة". وطبقاً لثقافة ولاية الفقيه ففي أي وقت تطرح مسألة المصلحة فذلك يعني أنه لا يوجد حل أصولي وله ما هو مشترك مع القواعد الفقهية. وعندها ينبغي اللجوء إلى حاجات النظام. وهذه الحاجات هي من الكثرة بحيث تبرز الحاجة إلى تأسيس مؤسسات لذلك.
وبعبارة أخرى فإن نظام ولاية الفقيه لم يستطع أن يبدو وكأنه على غرار حكومات صدر الإسلام يعمل على أساس معايير الكتاب والسنة النبوية، لأنه راح مضطراً وضمن احتياجات حكمه إلى اختيار المعايير التي يعمل على ضوئها. لإن هذه البراغماتية بحد ذاتها يمكن أن تشكل تحولاً منطقياً لحل المشاكل التي يواجهها النظام. ولكن بما أنها ارتبطت بالبراغماتية فإنها راحت ترسي تدريجياً الأرضية كي يضع نظام ولاية الفقيه رجليه على جادة الانهيار.
وفي الواقع إن التيار الحاكم لم يكن مستعداً لتسليم الحكومة إلى الآخرين، وعلى الرغم من المأزق النظري والعملي لولاية الفقيه، فإنه مازال يرى نفسه الأحق بالجلوس على كرسي الحكم. وبعبارة أخرى، فبعد إعادة النظر بشكل كبير بنظرية ولاية الفقيه من قبل آية الله الخميني، فقد فَقَد موضوعيته في كل شيء اسمه تطبيق الفقه التقليدي وحل محله مصلحة النظام. ولذا فإن التيار الحاكم لم يعد يستطيع انطلاقاً من الأحقية الأيديولوجية أن يصف الآخرين بعدم صلاحيتهم لتولي الحكم.
ومن هنا بدأت الاستنسابية في نظام ولاية الفقيه بالنمو، أي أن الحكام تلبسوا بلباس يدركون جيداً أنه غير مناسب لهم. وبتعبير آخر اذا كانت كلمة الفقيه تعني الايمان بالفقه والعمل به، ولكن بعد أن وضُعت مصلحة النظام في المقدمة ووضِع النظام الفقهي جانباً، فعندها أصبحت البراغماتية وشهوة الحكم هي السائدة.
إن من ارتبطت أرواحهم بعجين الثقافة التقليدية والمذهبية يدركون جيداً عواقب تقديم حماية النظام على بعض اركان الدين. وفي الواقع اذا كان حفظ النظام يتخطى الصلاة والصوم والحج، فيمكن تجاهل العديد من المقولات الأخرى. وهذه بداية لما أشير في بداية المقالة إلى "الانهيار النظري السياسي لولاية الفقيه".
وهنا وقبل أن نتابع مصداقية الانهيار لهذا النظام في أمثلة ملموسة، نود أن نشير إلى أن إعادة النظر ووضع الأولوية لموضوعة السلطة، لا تعني إلاّ تخطي الحدود الأخلاقية.إن تقديم الأولوية لحفظ النظام يفتح كل الطرق بوجه القيام بأي عمل من أجل تحقيق هذا الهدف. وأصبحت المصلحة وحفظ النظام بمثابة باب يولج من خلاله كل شيء دون أن يتقيد ويتحدد بأي فقه وقواعد وأصول حقوق الإنسان والقوانين المدنية.
إن آية الله الخميني في طرحه للولاية المطلقة في مقابل الولاية المحدودة (المحدودة بالإطار الفقهي )، أجاز للنظام السياسي أن يعبر كل الحدود العرفية والشرعية من أجل الحفاظ على بقائه. وهذا ما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية حيث لم يتردد اركان النظام عن اللجوء إلى كل الأساليب بذريعة حفظ النظام. وراوحت ممارسات هؤلاء من تقديم الإحصائيات الكاذبة إلى التستر على الوقائع بدعوى أن ذلك يتعارض مع مصلحة النظام. ومارس هؤلاء أساليب تراوح بين التدخل في الشؤون الشخصية للشعب إلى التلصص على الحياة الخاصة تحت ذريعة مكافحة المنكرات. هذه الاتهامات التي طالت حتى شخصية مثل آية الله منتظري وبدون أدلة سوى ذريعة عدم استيعابه لنظرية ولاية الفقيه التي تحتاج إلى اتخاذ تكتيكات وأساليب حتى ولو كانت غير مألوفة من أجل حفظ النظام. أي، وحسب تعبيرهم ، أن لا يُصب الماء في طاحونة الأعداء والمنتقدين.
إن كل محتوى المقالة يدور حول ذلك الكم الهائل من الأساليب غير المألوفة في ستراتيجية النظام الحالي وتكتيكاته، وقبل الحديث عن سوء الإدارة لدى فرد أو أفراد في النظام. فالحديث يدور حول الأساس النظري الذي بني عليه نظام ولاية الفقيه المطلق. وما دام هذا البناء قائماً وبدون نقد، فسيجري إعادة توليد الأساليب السابقة. وسوف لا يؤدي التغيير في أقطاب الحكم إلى حل مشكلة النظام السياسي لولاية الفقيه المطلقة.
الأربعاء، 3 أغسطس 2011
أمين معلوف: فرحت فرحاً كبيراً لأنني عشت كفاية لأرى هذا الربيع العربي الملحمي
مجلة "لوبوان" الفرنسية اجرت حواراً مطولاً مع امين معلوف وحادثته في انتخابه في الاكاديمية ومستقبل الفرنكوفونية وفي الثورات العربية والربيع العربي والمواءمة بين الاسلام والديموقراطية وحول مستقبل لبنان.
يقول أمين معلوف ان العام 2011 يعني الاثارة والجلجلة وبأن انتخابه بالاكاديمية
يشكل رمزاً بالغ الأهمية بالنسبة للبنان ويرسم الخطوط العريضة لمسؤولياته المستقبلية كروائي في مواجهة العالم العملاق ناسباً مفهوم الخلود الى عالم الطرائف معتبرا للفرنكفونية دوراً مهما في المعركة العالمية للتنوع في اللغات ومعتبراً الربيع العربية حدثا كبيرا ويقاس على مستوى العالم العربي والانسانية ككل، متخوفاً في الوقت نفسه على لبنان بلد الحريات والديموقراطية من عدم التكيف مع الوقائع الجديدة في المنطقة.
هنا ابرز مقاطع الحوار
الترجمة والتقديم: يقظان التقي
["لوبوان": ماذا تمثل الأكاديمية الفرنسية لكاتب اللبناني، اكتشف الأدب من خلال اللغة العربية والذي يصرح بأنه يحب النقاشات والمراجعات بالانكليزية مع المقربين منه؟
ـ معلوف: مثل كثير من اللبنانيين، كان عندي في الطفولة 3 لغات العربية والفرنسية والانكليزية، العربية اللغة التي اتكلم فيها في المنزل مع أهلي واستمررت بالتكلم بها مع أولادي كي لا ينسوها. الانكليزية هي لغة العائلة والأهل. حين نزلت جدتي لأمي من القرية للاقامة في بيروت في الثلاثينات، كان هدفها الأول اعطاء اولادها الستة فرصة التعلم في الجامعة الأميركية. هي نفسها درست في مدرسة الارساليات البروتستانيتة الانكلو ساكسونية. في مكتبة والدي غالبية الكتب باللغة الانكليزية وبتلك اللغة قرأت "دونكيشوت" و"الاخوة كارامازوف". الفرنسية جاءت عن طريقة والدتي، اخوتي تلقوا دروسهم بالفرنسية عند الآباء اليسوعيين في مصر ونهجت المسار نفسه من دون الغاء تأثير المدرسة البروتستانتية واللغة الانكليزية. وفي المنهاج الدراسي احتلت الفرنسية المرتبة الرئيسة كلغة ثقافية من دون صخب اللغات الأخرى.
لبنان
[ كيف تعيش هذا الانتخاب وكيف استقبل لبنان ذلك وما المعنى الذي ينطوي عليه الحدث، وما هو معناه العميق بالنسبة اليك وبالنسبة الى لبنان وما هي هذه المرحلة في مسيرتك؟
ـ منذ سنوات عدة وعندما قررت تكريس حياتي للكتابة اتخذت قرارا بالعيش في عزلة، وأنا لن أجري تغييرا في الأمور الاساسية. اعتدت الانعزال خلال اربعة او خمسة أشهر سنوياً للكتابة. ولكن هنا، وبسبب المسؤولية المعنوية التي تربطني بالأكاديمية الفرنسية لا اعتقد انني سأتمكن من الابتعاد لأكثر من شهرين وثلاثة أشهر على التوالي. من الضروري ان يعرف المرء كيف يعيش الأحداث وان يقفل الأبواب احيانا ويعود الى ما هو اساسي اي الكتابة.
بالنسبة للانتخاب والى شخص قرر تكريس حياته للكتابة ينطوي الحدث على معنى قوي وعميق وبمثابة خطوة قوية موجهة الى لبنان وردة الفعل في بلدي كانت الفخر والحماس وهذا اعتراف لا يقتصر على شخص، انما يشمل تقليداً أدبياً طويلاً واعترافاً بسلسلة اشخاص لربما حققوا نجاحات كانت اقل حجماً مما سيحققون، اذ بقيت اعمالهم مجهولة احياناً، الا ان كلاً منهم ساهم في بناء تقليد ادبي لبناني استخدم اللغة الفرنسية للتعبير، ومن بين المهمات التي اضعها على عاتقي بناء تقليد ادبي لبناني والمساهمة في التعريف بصورة افضل بالأدب اللبناني، أكان باللغة الفرنسية أو العربية.
صحيح الأكاديمية تشعرك بـ"برستيج" كبير ولكن الأمور تذهب الى اشياء أخرى وبرسائل عديدة من مثل اننا نمر في مرحلة مظلمة جداً، ودعني اقول غامضة.
وهذه المرحلة الجديدة تأتي بمثل شعاع من ضوء ويجب ان اشرح بكلمات قليلة قلق اللبناني في هذا الصيف، فسوريا البلد الجار للبنان تعيش أزمة كبيرة وتفاقمت خلال الأشهر الماضية وعلينا ان لا نستبعد انعكاسات بما يجري في سوريا على لبنان حيث الناس في لبنان منقسمة عمودياً، بين من يتمنى سقوط النظام في سوريا وسقوط نظام الرئيس بشار الاسد شخصيا وبين من يشكك ويجهر بعلاقته مع النظام ويخشى من نتائج محتملة لهذا الانقلاب.
..وستراوس
[ تشغلون موقع كلود ليفي ـ ستراوس. ما هي ابعاد العمل الذي وضعه والذي يؤثر فيك بشكل خاص.
ـ بقدر كبير من العفوية، افكر في دراسة المجتمعات التي تعتبر بدائية وقد كرس لها ليفي ستراوس وقته وهو أثر بي كثيراً وبدأت بدراسته في الجامعة في دراستي السوسيولوجية والانتروبولوجية وله دراسات عديدة شغلت البرنامج الدراسي.
قد لا انتمي الى عائلة ستراوس لكن اعتقد انني انتمي الى تياره الفكري والأمور التي يؤكدها قريبة من قناعاتي وأنا مجرد روائي في مواجهة هذا العالم الكبير. ستروس يشدد على نقاط التشابه بين حضارات تبدو شديدة التباعد ظاهريا وساهم في اخراج الغربيين من عقلية الاعتداد بالعرق وكتب صفحات جميلة جداً عمد فيها العالم الغربي الى تدمير الحضارات البدائية قبل ان يصرخ: "انظروا الى مدى الخراب الذي تعيش به هذه الشعوب".
..والفرنكوفونية
[ بشكل عام كيف ترى مستقبل الفرنكوفونية وهل ستتمكن من الإيفاء بالتزامك بتشجيع الحوار بين الشعوب والعوالم والحضارات ومن أداء دورك كجسر عبور في الشرق والغرب؟
- أفكر في مستقبل اللغة الفرنسية ولكن ليس على النحو الذي نتخيله. وخلال عدة عقود حاولت ترجمة رؤيتي بالصورة التعبيرية التالية: "الفرنسية ليست الأضعف بين الذئاب ولكن الأقوى بين الحملان". سأشرح ذلك إذا اعتقدنا أن الفرنسية يمكن أن تدخل بمواجهة مع منافستها الإنكليزية على مستوى العالم ككل لن تربح الفرنسية المعركة. ولكن إذا نظرنا الى الفرنسية وبالتأكيد الفرنكوفونية كأدب فرنسي يستخدم تعابير مختلفة لغوية في البلدان كافة ويهدف الى إنشاء روابط بين هذه اللغات والتعابير المختلفة بدلاً من اللجوء الى التفرقة والتمييز، يمكن حينها أن تربح الفرنسية المعركة(..).
.. والربيع العربي
[ انتخابك ترافق مع "الربيع العربي" ما هو تحليلك للانقلابات التي تجري؟
- أتابع هذه الأحداث منذ الأيام الأولى لاندلاعها كنوع من الأزمات غير المتوقعة، وأفكر في الاضطرابات التي تجري، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالعالم الأوسع نطاقاً يختبر تبدلاً في الأجواء السائدة. أمور كثيرة تحصل وجديدة، وتعاد غربلة الأوراق، والناس تشعر بالحاجة الى التطور والتقدم نحو اتفاق جديد على الصعيدين السياسي والاستراتيجي. وتشهد العلاقات بين العالم العربي والغرب تبدلاً مهماً، وسيكون للجانب الحضاري وقع كبير على التبدلات الحاصلة، الأمر الذي يحصل في العالم العربي كما لو أن شقيقك في "كوما" منذ وقت بعيد وكل الأطباء صرحوا بأنه لن يخرج منها، وفجأة ينهض ويبدأ بالكلام والصراخ. أنا فرح جداً بأني عشت كفاية لأرى هذا الربيع. أنا قصصت منذ بداية هذا العام الكلام الرائع لـ"Holderlin" من القيامة من تحت الرماد. وهذا يصح في التحليل السياسي، والشعب العربي المحروم مسلوب الحرية ومسلوب الكرامة ومحروم ومسلوب من المستقبل. لقد وجد هذا الشعب أخيراً أن لا شيء بعد يخسره(...) خلال العقد الأول من هذا القرن ترجم الحراك العربي عبر التفجيرات الانتحارية القاتلة وهذا يعود الى رجعيات إيديولوجية سلفية متخلّفة، لكن بسرعة ظهرت طريقة أخرى في الحراك أكثر تمدناً وحضارة وأكثر فاعلية. طريقة الرهبان البوذيين أن تواجه النار وأن تفتح صدرك للرصاص والشهادة والتضحية طريق لاختراق الفراغ والجمود الحاصل منذ عقود من السنين باتجاه الحريات والحضارة. هذا حدث كبير ولا نعرف الى الآن أن نقيس كل مضامينه وإشكالياته على مستوى العالم العربي وعلى مستوى الإنسانية ككل ومن الصعب التورط مسبقاً في كل ذلك.
الإسلام والديموقراطية
[ هل تشك بمدى المواءمة بين الإسلام والديموقراطية؟
- للإجابة عن هذا السؤال سأقسم إجابتي الى جزءين اثنين. هل أعتقد بمدى مواءمة الإسلام للديموقراطية، جوابي نعم وأستطيع أن أقدم سلسلة من الحجج والمقاربات التي تؤكد على ذلك، ممكن للإسلام أن يتوافق مع الديموقراطية وحتى مع العلمانية ولكن السؤال الأهم المطروح اليوم هو معرفة ما إذا كانت الشعوب العربية في صلب احتجاجاتها لديها تعريف واضح حول موقع الإسلام في الحياة الاجتماعية وفي حياتها السياسية وفي تعريفها المعاصر لمصطلح الشعب ليس بالمعنى الضيق للكلمة، بل بالمعنى الأوسع لمفهوم المواطنة في القوانين والدساتير الحداثية. وأنا مضطر للقول في هذه اللحظة أني لا أرى ذلك بوضوح. بالتأكيد يلعب الدين دوراً فاعلاً في الحراك الشعبي ونرى أن الأحداث تتركز الجمعة في المساجد ومنها تكون انطلاقة الحركات الاحتجاجية. نقاش كبير يدور حالياً حول هذه الأسئلة. أتمنى أن يستمر مسار هذه الثورات وأن يقود الشعوب العربية نحو الحداثة السياسية والاجتماعية وبدون عنف ومن الصعوبة الآن الحسم بذلك.
اللاربيع
[ بالتأكيد لديكم شخصياً حساسية تجاه "اللاربيع" السوري؟
- أنا معجب بشجاعة المتظاهرين في كل البلدان العربية وفي سوريا أكثر من غيرها. والتاريخ يقول لنا إن هذه السنة 2011 هي ملحمة مليئة بالإثارة والجلجلة. ولكن علينا أن ننتظر بضع سنوات ونراقب تلك الحركات ومساراتها اليومية الديموقراطية لكي تأخذ طريقها نحو الحداثة وبكل الوعي المنجز.
[ وكيف سيتأثر مستقبل لبنان نتيجة "الربيع العربي"؟
- هذا السؤال يشغلني. لبنان ومنذ فترة بعيدة وطويلة كان البلد العربي الأكثر ديموقراطية وفي مقدمة البلدان العربية والشرق أوسطية على مستوى الحداثة السياسية والاجتماعية. ولكن النظام السياسي اللبناني الحالي تقليدي وقديم، ودرجة التماسك الشعبي ضعيفة وأنا قلق على بلدي ألا يعرف أن يتكيّف مع الوقائع والمعطيات الجديدة، وأعترف أني أراقب الأمور من بعد وبحذر وخشية عميقين.
[ ألا تعتقد أن ما يجري في الربيع العربي يهدف للعودة الى شروط "الهويات الصغيرة" أو "الهويات القاتلة" وألا تخشى من ظهور ديكتاتوريات جديدة؟
- لا نستطيع أن نستبعد ذلك. ما يحصل في العام 2011 هو تأكيد قوي على خروج الشعوب العربية وتعبيراتها الجديدة ورغبتها بالحرية والكرامة. على هذا الصعيد لا عودة الى الوراء. ولكن جواً جديداً يأتي ويسود المنطقة ويفتح على معطيات جديدة ويجب أن نضع في سلم الاهتمامات متابعة هذه الحركات الاحتجاجية والمناخات الجديدة بتفعيل عمل المؤسسات الديموقراطية والإصلاحات الاقتصادية والتنمية البشرية وتعزيز روح المواطنة وهذا يتطلب سنوات وربما عقوداً من السنين للوصول الى الحداثة الى الأفضل وليس الى الأسوأ.
يقول أمين معلوف ان العام 2011 يعني الاثارة والجلجلة وبأن انتخابه بالاكاديمية
يشكل رمزاً بالغ الأهمية بالنسبة للبنان ويرسم الخطوط العريضة لمسؤولياته المستقبلية كروائي في مواجهة العالم العملاق ناسباً مفهوم الخلود الى عالم الطرائف معتبرا للفرنكفونية دوراً مهما في المعركة العالمية للتنوع في اللغات ومعتبراً الربيع العربية حدثا كبيرا ويقاس على مستوى العالم العربي والانسانية ككل، متخوفاً في الوقت نفسه على لبنان بلد الحريات والديموقراطية من عدم التكيف مع الوقائع الجديدة في المنطقة.
هنا ابرز مقاطع الحوار
الترجمة والتقديم: يقظان التقي
["لوبوان": ماذا تمثل الأكاديمية الفرنسية لكاتب اللبناني، اكتشف الأدب من خلال اللغة العربية والذي يصرح بأنه يحب النقاشات والمراجعات بالانكليزية مع المقربين منه؟
ـ معلوف: مثل كثير من اللبنانيين، كان عندي في الطفولة 3 لغات العربية والفرنسية والانكليزية، العربية اللغة التي اتكلم فيها في المنزل مع أهلي واستمررت بالتكلم بها مع أولادي كي لا ينسوها. الانكليزية هي لغة العائلة والأهل. حين نزلت جدتي لأمي من القرية للاقامة في بيروت في الثلاثينات، كان هدفها الأول اعطاء اولادها الستة فرصة التعلم في الجامعة الأميركية. هي نفسها درست في مدرسة الارساليات البروتستانيتة الانكلو ساكسونية. في مكتبة والدي غالبية الكتب باللغة الانكليزية وبتلك اللغة قرأت "دونكيشوت" و"الاخوة كارامازوف". الفرنسية جاءت عن طريقة والدتي، اخوتي تلقوا دروسهم بالفرنسية عند الآباء اليسوعيين في مصر ونهجت المسار نفسه من دون الغاء تأثير المدرسة البروتستانتية واللغة الانكليزية. وفي المنهاج الدراسي احتلت الفرنسية المرتبة الرئيسة كلغة ثقافية من دون صخب اللغات الأخرى.
لبنان
[ كيف تعيش هذا الانتخاب وكيف استقبل لبنان ذلك وما المعنى الذي ينطوي عليه الحدث، وما هو معناه العميق بالنسبة اليك وبالنسبة الى لبنان وما هي هذه المرحلة في مسيرتك؟
ـ منذ سنوات عدة وعندما قررت تكريس حياتي للكتابة اتخذت قرارا بالعيش في عزلة، وأنا لن أجري تغييرا في الأمور الاساسية. اعتدت الانعزال خلال اربعة او خمسة أشهر سنوياً للكتابة. ولكن هنا، وبسبب المسؤولية المعنوية التي تربطني بالأكاديمية الفرنسية لا اعتقد انني سأتمكن من الابتعاد لأكثر من شهرين وثلاثة أشهر على التوالي. من الضروري ان يعرف المرء كيف يعيش الأحداث وان يقفل الأبواب احيانا ويعود الى ما هو اساسي اي الكتابة.
بالنسبة للانتخاب والى شخص قرر تكريس حياته للكتابة ينطوي الحدث على معنى قوي وعميق وبمثابة خطوة قوية موجهة الى لبنان وردة الفعل في بلدي كانت الفخر والحماس وهذا اعتراف لا يقتصر على شخص، انما يشمل تقليداً أدبياً طويلاً واعترافاً بسلسلة اشخاص لربما حققوا نجاحات كانت اقل حجماً مما سيحققون، اذ بقيت اعمالهم مجهولة احياناً، الا ان كلاً منهم ساهم في بناء تقليد ادبي لبناني استخدم اللغة الفرنسية للتعبير، ومن بين المهمات التي اضعها على عاتقي بناء تقليد ادبي لبناني والمساهمة في التعريف بصورة افضل بالأدب اللبناني، أكان باللغة الفرنسية أو العربية.
صحيح الأكاديمية تشعرك بـ"برستيج" كبير ولكن الأمور تذهب الى اشياء أخرى وبرسائل عديدة من مثل اننا نمر في مرحلة مظلمة جداً، ودعني اقول غامضة.
وهذه المرحلة الجديدة تأتي بمثل شعاع من ضوء ويجب ان اشرح بكلمات قليلة قلق اللبناني في هذا الصيف، فسوريا البلد الجار للبنان تعيش أزمة كبيرة وتفاقمت خلال الأشهر الماضية وعلينا ان لا نستبعد انعكاسات بما يجري في سوريا على لبنان حيث الناس في لبنان منقسمة عمودياً، بين من يتمنى سقوط النظام في سوريا وسقوط نظام الرئيس بشار الاسد شخصيا وبين من يشكك ويجهر بعلاقته مع النظام ويخشى من نتائج محتملة لهذا الانقلاب.
..وستراوس
[ تشغلون موقع كلود ليفي ـ ستراوس. ما هي ابعاد العمل الذي وضعه والذي يؤثر فيك بشكل خاص.
ـ بقدر كبير من العفوية، افكر في دراسة المجتمعات التي تعتبر بدائية وقد كرس لها ليفي ستراوس وقته وهو أثر بي كثيراً وبدأت بدراسته في الجامعة في دراستي السوسيولوجية والانتروبولوجية وله دراسات عديدة شغلت البرنامج الدراسي.
قد لا انتمي الى عائلة ستراوس لكن اعتقد انني انتمي الى تياره الفكري والأمور التي يؤكدها قريبة من قناعاتي وأنا مجرد روائي في مواجهة هذا العالم الكبير. ستروس يشدد على نقاط التشابه بين حضارات تبدو شديدة التباعد ظاهريا وساهم في اخراج الغربيين من عقلية الاعتداد بالعرق وكتب صفحات جميلة جداً عمد فيها العالم الغربي الى تدمير الحضارات البدائية قبل ان يصرخ: "انظروا الى مدى الخراب الذي تعيش به هذه الشعوب".
..والفرنكوفونية
[ بشكل عام كيف ترى مستقبل الفرنكوفونية وهل ستتمكن من الإيفاء بالتزامك بتشجيع الحوار بين الشعوب والعوالم والحضارات ومن أداء دورك كجسر عبور في الشرق والغرب؟
- أفكر في مستقبل اللغة الفرنسية ولكن ليس على النحو الذي نتخيله. وخلال عدة عقود حاولت ترجمة رؤيتي بالصورة التعبيرية التالية: "الفرنسية ليست الأضعف بين الذئاب ولكن الأقوى بين الحملان". سأشرح ذلك إذا اعتقدنا أن الفرنسية يمكن أن تدخل بمواجهة مع منافستها الإنكليزية على مستوى العالم ككل لن تربح الفرنسية المعركة. ولكن إذا نظرنا الى الفرنسية وبالتأكيد الفرنكوفونية كأدب فرنسي يستخدم تعابير مختلفة لغوية في البلدان كافة ويهدف الى إنشاء روابط بين هذه اللغات والتعابير المختلفة بدلاً من اللجوء الى التفرقة والتمييز، يمكن حينها أن تربح الفرنسية المعركة(..).
.. والربيع العربي
[ انتخابك ترافق مع "الربيع العربي" ما هو تحليلك للانقلابات التي تجري؟
- أتابع هذه الأحداث منذ الأيام الأولى لاندلاعها كنوع من الأزمات غير المتوقعة، وأفكر في الاضطرابات التي تجري، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالعالم الأوسع نطاقاً يختبر تبدلاً في الأجواء السائدة. أمور كثيرة تحصل وجديدة، وتعاد غربلة الأوراق، والناس تشعر بالحاجة الى التطور والتقدم نحو اتفاق جديد على الصعيدين السياسي والاستراتيجي. وتشهد العلاقات بين العالم العربي والغرب تبدلاً مهماً، وسيكون للجانب الحضاري وقع كبير على التبدلات الحاصلة، الأمر الذي يحصل في العالم العربي كما لو أن شقيقك في "كوما" منذ وقت بعيد وكل الأطباء صرحوا بأنه لن يخرج منها، وفجأة ينهض ويبدأ بالكلام والصراخ. أنا فرح جداً بأني عشت كفاية لأرى هذا الربيع. أنا قصصت منذ بداية هذا العام الكلام الرائع لـ"Holderlin" من القيامة من تحت الرماد. وهذا يصح في التحليل السياسي، والشعب العربي المحروم مسلوب الحرية ومسلوب الكرامة ومحروم ومسلوب من المستقبل. لقد وجد هذا الشعب أخيراً أن لا شيء بعد يخسره(...) خلال العقد الأول من هذا القرن ترجم الحراك العربي عبر التفجيرات الانتحارية القاتلة وهذا يعود الى رجعيات إيديولوجية سلفية متخلّفة، لكن بسرعة ظهرت طريقة أخرى في الحراك أكثر تمدناً وحضارة وأكثر فاعلية. طريقة الرهبان البوذيين أن تواجه النار وأن تفتح صدرك للرصاص والشهادة والتضحية طريق لاختراق الفراغ والجمود الحاصل منذ عقود من السنين باتجاه الحريات والحضارة. هذا حدث كبير ولا نعرف الى الآن أن نقيس كل مضامينه وإشكالياته على مستوى العالم العربي وعلى مستوى الإنسانية ككل ومن الصعب التورط مسبقاً في كل ذلك.
الإسلام والديموقراطية
[ هل تشك بمدى المواءمة بين الإسلام والديموقراطية؟
- للإجابة عن هذا السؤال سأقسم إجابتي الى جزءين اثنين. هل أعتقد بمدى مواءمة الإسلام للديموقراطية، جوابي نعم وأستطيع أن أقدم سلسلة من الحجج والمقاربات التي تؤكد على ذلك، ممكن للإسلام أن يتوافق مع الديموقراطية وحتى مع العلمانية ولكن السؤال الأهم المطروح اليوم هو معرفة ما إذا كانت الشعوب العربية في صلب احتجاجاتها لديها تعريف واضح حول موقع الإسلام في الحياة الاجتماعية وفي حياتها السياسية وفي تعريفها المعاصر لمصطلح الشعب ليس بالمعنى الضيق للكلمة، بل بالمعنى الأوسع لمفهوم المواطنة في القوانين والدساتير الحداثية. وأنا مضطر للقول في هذه اللحظة أني لا أرى ذلك بوضوح. بالتأكيد يلعب الدين دوراً فاعلاً في الحراك الشعبي ونرى أن الأحداث تتركز الجمعة في المساجد ومنها تكون انطلاقة الحركات الاحتجاجية. نقاش كبير يدور حالياً حول هذه الأسئلة. أتمنى أن يستمر مسار هذه الثورات وأن يقود الشعوب العربية نحو الحداثة السياسية والاجتماعية وبدون عنف ومن الصعوبة الآن الحسم بذلك.
اللاربيع
[ بالتأكيد لديكم شخصياً حساسية تجاه "اللاربيع" السوري؟
- أنا معجب بشجاعة المتظاهرين في كل البلدان العربية وفي سوريا أكثر من غيرها. والتاريخ يقول لنا إن هذه السنة 2011 هي ملحمة مليئة بالإثارة والجلجلة. ولكن علينا أن ننتظر بضع سنوات ونراقب تلك الحركات ومساراتها اليومية الديموقراطية لكي تأخذ طريقها نحو الحداثة وبكل الوعي المنجز.
[ وكيف سيتأثر مستقبل لبنان نتيجة "الربيع العربي"؟
- هذا السؤال يشغلني. لبنان ومنذ فترة بعيدة وطويلة كان البلد العربي الأكثر ديموقراطية وفي مقدمة البلدان العربية والشرق أوسطية على مستوى الحداثة السياسية والاجتماعية. ولكن النظام السياسي اللبناني الحالي تقليدي وقديم، ودرجة التماسك الشعبي ضعيفة وأنا قلق على بلدي ألا يعرف أن يتكيّف مع الوقائع والمعطيات الجديدة، وأعترف أني أراقب الأمور من بعد وبحذر وخشية عميقين.
[ ألا تعتقد أن ما يجري في الربيع العربي يهدف للعودة الى شروط "الهويات الصغيرة" أو "الهويات القاتلة" وألا تخشى من ظهور ديكتاتوريات جديدة؟
- لا نستطيع أن نستبعد ذلك. ما يحصل في العام 2011 هو تأكيد قوي على خروج الشعوب العربية وتعبيراتها الجديدة ورغبتها بالحرية والكرامة. على هذا الصعيد لا عودة الى الوراء. ولكن جواً جديداً يأتي ويسود المنطقة ويفتح على معطيات جديدة ويجب أن نضع في سلم الاهتمامات متابعة هذه الحركات الاحتجاجية والمناخات الجديدة بتفعيل عمل المؤسسات الديموقراطية والإصلاحات الاقتصادية والتنمية البشرية وتعزيز روح المواطنة وهذا يتطلب سنوات وربما عقوداً من السنين للوصول الى الحداثة الى الأفضل وليس الى الأسوأ.
أمين معلوف في الأكاديمية الفرنسية
أمين معلوف
اختيرالكاتب اللبناني أمين معلوف صاحب الروايات التاريخية المتعددة عضواً في الأكاديمية الفرنسية خلفاً لكلود ليفي ستراوس عالم الأجناس الشهير. ويعد معلوف العربي الثاني الذي يدخل الى هذه المؤسسة الفرنسية العريقة المرموقة بعد الكاتبة والروائية الجزائرية آسيا جبار. وأكاديمية اللغة الفرنسية أو الأكاديمية الفرنسية أو مجمع الخالدين هي مؤسسة أنشئت عام 1635 وهي أقدم المؤسسات في فرنسا وأكثرها احتراماً.
ثم تأسست بمرسوم ملكي من قبل الملك لويس الثالث عشر باقتراح رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك الكاردينال ريشيليو ومهمة الأكاديمية هي الحفاظ على اللغة الفرنسية.
وقد سبق لأمين معلوف ان نال عدة جوائز أدبية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته "ليون الافريقي" وجائزة الغونكور، كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية عام 1993 عن روايته "صخرة طانيوس"
أمين معلوف اعتبرته الصحافة الفرنسية الحدث "لبنان في الأكاديمية"، حمله الى سجل فولتير وهوغو ونخبة المخلدين وتجاوز الرفاق من سحرة الفرنسية: جورج شحادة وناديا تويني وصلاح ستيتية واندريه شديد، كما تجاوز سحرتها العرب: جورج حنين والطاهر بن جلون وروبير سوليه وبلغ مقعد كلود ليفي ستراوس في كاتدرائية ريشيليو.
هذا ويعتبر أمين معلوف اليوم واحداً من أهم الكتاب المميزين الذين يؤلفون بشكل رائع وناضج في الرواية والأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمعلومة المفيدة وان كان مأخوذاً أكثر بالمادة التاريخية. وتسجل مؤلفاته ارقاما عالية في التوزيع والانتشار واثارة المناقشات والآراء المتعددة.
ولد أمين معلوف في بيروت في 25 شباط/ فبراير عام 1949 والده الصحافي رشدي معلوف،ووالدته من آل غصن وهي لبنانية/ مصرية. انتقل العام 1973 الى فرنسا هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية وأقام فيها مراسلاً لعدد من الصحف الصادرة في فرنسا وغطى أحداث حرب فييتنام والثورة الإسلامية في إيران ومراسلاً لجريدة "النهار" و"النهار العربي والدولي". ليترأس فيما بعد تحرير مجلة "إفريقيا الفتاة" أو "جون أفريك".
أصدر العديد من الروايات منها: "الحروب الصليبية كما رأها العرب" (1983)، "ليون الإفريقي" (1986)، "سمرقند" (1986)، "صخرة طانيوس" (1993)، "موانئ الشرق" (1996) وغيرها من الروايات والمقالات السياسية والمسرحيات الشعرية. نال العام 1993 جائزة غونكور عن روايته "صخرة طانيوس" والعام 2010 على جائزة أمير أستوريس، وعرف أكثر بكتبه الفكرية مثل "الهويات القاتلة" (1989) و"اختلال العالم" (2009). لكن شهرته بدأت مع روايته الأولى "ليون الإفريقي" (1986).
اختيرالكاتب اللبناني أمين معلوف صاحب الروايات التاريخية المتعددة عضواً في الأكاديمية الفرنسية خلفاً لكلود ليفي ستراوس عالم الأجناس الشهير. ويعد معلوف العربي الثاني الذي يدخل الى هذه المؤسسة الفرنسية العريقة المرموقة بعد الكاتبة والروائية الجزائرية آسيا جبار. وأكاديمية اللغة الفرنسية أو الأكاديمية الفرنسية أو مجمع الخالدين هي مؤسسة أنشئت عام 1635 وهي أقدم المؤسسات في فرنسا وأكثرها احتراماً.
ثم تأسست بمرسوم ملكي من قبل الملك لويس الثالث عشر باقتراح رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك الكاردينال ريشيليو ومهمة الأكاديمية هي الحفاظ على اللغة الفرنسية.
وقد سبق لأمين معلوف ان نال عدة جوائز أدبية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته "ليون الافريقي" وجائزة الغونكور، كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية عام 1993 عن روايته "صخرة طانيوس"
أمين معلوف اعتبرته الصحافة الفرنسية الحدث "لبنان في الأكاديمية"، حمله الى سجل فولتير وهوغو ونخبة المخلدين وتجاوز الرفاق من سحرة الفرنسية: جورج شحادة وناديا تويني وصلاح ستيتية واندريه شديد، كما تجاوز سحرتها العرب: جورج حنين والطاهر بن جلون وروبير سوليه وبلغ مقعد كلود ليفي ستراوس في كاتدرائية ريشيليو.
هذا ويعتبر أمين معلوف اليوم واحداً من أهم الكتاب المميزين الذين يؤلفون بشكل رائع وناضج في الرواية والأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمعلومة المفيدة وان كان مأخوذاً أكثر بالمادة التاريخية. وتسجل مؤلفاته ارقاما عالية في التوزيع والانتشار واثارة المناقشات والآراء المتعددة.
ولد أمين معلوف في بيروت في 25 شباط/ فبراير عام 1949 والده الصحافي رشدي معلوف،ووالدته من آل غصن وهي لبنانية/ مصرية. انتقل العام 1973 الى فرنسا هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية وأقام فيها مراسلاً لعدد من الصحف الصادرة في فرنسا وغطى أحداث حرب فييتنام والثورة الإسلامية في إيران ومراسلاً لجريدة "النهار" و"النهار العربي والدولي". ليترأس فيما بعد تحرير مجلة "إفريقيا الفتاة" أو "جون أفريك".
أصدر العديد من الروايات منها: "الحروب الصليبية كما رأها العرب" (1983)، "ليون الإفريقي" (1986)، "سمرقند" (1986)، "صخرة طانيوس" (1993)، "موانئ الشرق" (1996) وغيرها من الروايات والمقالات السياسية والمسرحيات الشعرية. نال العام 1993 جائزة غونكور عن روايته "صخرة طانيوس" والعام 2010 على جائزة أمير أستوريس، وعرف أكثر بكتبه الفكرية مثل "الهويات القاتلة" (1989) و"اختلال العالم" (2009). لكن شهرته بدأت مع روايته الأولى "ليون الإفريقي" (1986).
الاثنين، 1 أغسطس 2011
نحن والعالم سوياً من أجل دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس
استحقاقات أيلول الفلسطينية
الفلسطينيون ومعهم الدول العربية يتوجهون للعالم، ممثلاً بالأمم المتحدة، لترسيخ الاعتراف بحقهم في تجسيد دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وهو الموقف الذي يتمتع بإجماع دولي غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي..
ولكن لا بد لنا ونحن نتحدث عن استحقاقات ايلول والخيارات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني، أن نُميز بين قيام دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبين قبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة.
فالاعتراف شيء (Recognition) ، وقبول العضوية (Admittance) شيء أخر.
إن الوضع الذي خلقه إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، وما نتج عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ، واتفاقات أوسلو لعام 1993 ، وميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية ، جعلت من الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية ، أمراً مُكملاً ومُسانداً لعملية السلام وليس مُناقضاً له، كما أنه لا يدخل ضمن الإجراءات أحادية الجانب على اعتبار أن الاعتراف هو قرار سيادي لكل دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم...وقد اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين منذ العام 1988..
أما في مسألة طلب فلسطين الانضمام كعضو في الأمم المتحدة (Member State)، فيتم تقديم الطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويتضمن الطلب وثيقة رسمية في شكل إعلان قبول الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة. ويتعين على الأمين العام أن "يعرض الطلب أمام مجلس الأمن فوراً " وإرسال نسخة من الطلب إلى الجمعية العامة "للعلم فقط ".والمادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن "الدول" فقط هي التي يحق لها الحصول على عضوية في الأمم المتحدة. وبالتالي فإن طلب القبول يجب أن يكون من كيان يستوفي معايير "الدولة" حسب (اتفاقية مونتيفيديو) لسنة 1993 ، بما في ذلك وجود إقليم محدد ووجود حكومة معترف بها. ومع ذلك فإن هذا لا يستبعد المتقدمين في الحالات التي لا تزال هناك خلافات كبيرة فيها حول الحدود الإقليمية. والسوابق الماضية تؤكد أيضاً أن وجود إجماع دولي حول الاعتراف ليس شرطاً مُسبقاً لتقديم طلب العضوية. الجمعية العامة للأمم المتحدة هي صاحبة القرار بشأن قبول العضوية في الأمم المتحدة. لكن حسب المادة 4 يتطلب أن يكون هذا "بناء على توصية من مجلس الأمن". بالتالي فإن مجلس الأمن هو من ينظر في طلب العضوية أولاً.
أمام العالم فرصة لتبني مقترحا جديدا قد يتمكن من تغيير مسار عقود من الفشل في محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، ألا وهو: اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين عضواً كامل العضوية.
لقد أيدت أكثر من 120 دولة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية هذه المبادرة التي أطلقتها منظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها جامعة الدول العربية ، ولكن الولايات المتحدة ودولة إسرائيل يعارضانها بشدة. ولا تزال أوروبا مترددة.
لقد فشلت مبادرات السلام، التي تقودها الولايات المتحدة، على مدى عقود، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعتقل الفلسطينيين وتصادر أراضيهم وتشجع الاستيطان البربري وتقيم جدار الفصل العنصري وتعتدي على لبنان وتحتل الجولان، وتمنع فلسطين أن تكون كيانا سياسيا مستقلا كامل السيادة.
قد تغير المبادرة الفلسطينية الجديدة الجريئة اللعبة، وعلى أوروبا أخذ زمام المبادرة لدعم الحق.
وتوازياً مع العمل العربي المشترك أصبح من الأهمية بمكان العمل على حشد الرأي العام الدولي واعتباره جزءاً من إستراتيجية سياسية أشمل تعزز وتدعم الجهود الفلسطينية والعربية للاعتراف بدولة فلسطين.
الفلسطينيون ومعهم الدول العربية يتوجهون للعالم، ممثلاً بالأمم المتحدة، لترسيخ الاعتراف بحقهم في تجسيد دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وهو الموقف الذي يتمتع بإجماع دولي غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي..
ولكن لا بد لنا ونحن نتحدث عن استحقاقات ايلول والخيارات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني، أن نُميز بين قيام دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبين قبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة.
فالاعتراف شيء (Recognition) ، وقبول العضوية (Admittance) شيء أخر.
إن الوضع الذي خلقه إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، وما نتج عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ، واتفاقات أوسلو لعام 1993 ، وميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية ، جعلت من الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية ، أمراً مُكملاً ومُسانداً لعملية السلام وليس مُناقضاً له، كما أنه لا يدخل ضمن الإجراءات أحادية الجانب على اعتبار أن الاعتراف هو قرار سيادي لكل دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم...وقد اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين منذ العام 1988..
أما في مسألة طلب فلسطين الانضمام كعضو في الأمم المتحدة (Member State)، فيتم تقديم الطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويتضمن الطلب وثيقة رسمية في شكل إعلان قبول الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة. ويتعين على الأمين العام أن "يعرض الطلب أمام مجلس الأمن فوراً " وإرسال نسخة من الطلب إلى الجمعية العامة "للعلم فقط ".والمادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن "الدول" فقط هي التي يحق لها الحصول على عضوية في الأمم المتحدة. وبالتالي فإن طلب القبول يجب أن يكون من كيان يستوفي معايير "الدولة" حسب (اتفاقية مونتيفيديو) لسنة 1993 ، بما في ذلك وجود إقليم محدد ووجود حكومة معترف بها. ومع ذلك فإن هذا لا يستبعد المتقدمين في الحالات التي لا تزال هناك خلافات كبيرة فيها حول الحدود الإقليمية. والسوابق الماضية تؤكد أيضاً أن وجود إجماع دولي حول الاعتراف ليس شرطاً مُسبقاً لتقديم طلب العضوية. الجمعية العامة للأمم المتحدة هي صاحبة القرار بشأن قبول العضوية في الأمم المتحدة. لكن حسب المادة 4 يتطلب أن يكون هذا "بناء على توصية من مجلس الأمن". بالتالي فإن مجلس الأمن هو من ينظر في طلب العضوية أولاً.
أمام العالم فرصة لتبني مقترحا جديدا قد يتمكن من تغيير مسار عقود من الفشل في محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، ألا وهو: اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين عضواً كامل العضوية.
لقد أيدت أكثر من 120 دولة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية هذه المبادرة التي أطلقتها منظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها جامعة الدول العربية ، ولكن الولايات المتحدة ودولة إسرائيل يعارضانها بشدة. ولا تزال أوروبا مترددة.
لقد فشلت مبادرات السلام، التي تقودها الولايات المتحدة، على مدى عقود، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعتقل الفلسطينيين وتصادر أراضيهم وتشجع الاستيطان البربري وتقيم جدار الفصل العنصري وتعتدي على لبنان وتحتل الجولان، وتمنع فلسطين أن تكون كيانا سياسيا مستقلا كامل السيادة.
قد تغير المبادرة الفلسطينية الجديدة الجريئة اللعبة، وعلى أوروبا أخذ زمام المبادرة لدعم الحق.
وتوازياً مع العمل العربي المشترك أصبح من الأهمية بمكان العمل على حشد الرأي العام الدولي واعتباره جزءاً من إستراتيجية سياسية أشمل تعزز وتدعم الجهود الفلسطينية والعربية للاعتراف بدولة فلسطين.
مقتطفات من مقابلة مع شيخ المناضلين السوريين رياض الترك
الحياة-- الجمعة, 29 تموز/يوليو 2011
محمد علي الأتاسي
-- سبب صمتي عائد في جزء كبير منه إلى رغبتي في أن تعطى الحقوق إلى أصحابها. الآن الكلام للشارع. الكلام للشباب الثائر. الكلام لمن يصنع الحدث. الكلام للشعب الذي يخرج اليوم عن صمته ويقوض جدران مملكة الصمت…طبعاً، لا يعني كلامي هذا أن علينا نحن السياسيين أن نلتزم الصمت ونتقاعس عن مواكبة الثورة السورية، وأنا من جهتي موجود حيث يمكنني أن أساعد تنظيمياً ومعنوياً وسياسياً رجال الثورة الحقيقيين، ضمن حدود طاقتي وإمكانياتي وإن كان هذا النشاط لا يظهر في الإعلام. مع ذلك اسمح لي بالقول إن ما أسمعه من بعض المتسلقين على ظهر الثورة في التسابق للتعليق السهل على الحدث، يصيبني بحالة من القرف والنفور من الكلام المجاني، ويدفعني لتكريس جلّ وقتي، للعمل الميداني وجمع شمل المعارضة في الداخل ومنع انزلاق بعض أطرافها إلى أي مواقف تلفيقية أو متخاذلة، تخدم النظام وتقوض أهداف الثورة.
دعني أقول في هذا السياق إن من إيجابيات هذه الثورة أنها سرعت من عملية الفرز داخل أوساط المعارضة السورية، وإننا نحن في حزب الشعب الديموقراطي وفي «إعلان دمشق» حددنا منذ البداية انحيازنا إلى جانب الشباب الثائر وركزنا جهودنا على دعم الثورة بمختلف الأشكال المتاحة. من هنا موقفي السياسي لا ينفصل عن موقف «إعلان دمشق» وعن البيانات التي لم ينفك يصدرها منذ بداية الأحداث، وعن التحركات الميدانية التي لم يتقاعس عن المشاركة فيها.
-- الثورات لا تصنع بالتصريحات والمقابلات التلفزيونية، ولكنها تصنع بالفعل على أرض الواقع، وهذا الفعل له اليوم، طعم وشكل وروح الشباب. ولا أعتقد أن تصريحاتي يمكنها أن تضيف الكثير في هذا السياق. أنا كنت ولا زلت وسأبقى إلى جانب أبناء شعبي، ولن أتقاعس عن تقديم أي جهد في سبيل أن تنجح هذه الثورة وتصل بالمجتمع والدولة (لا السلطة المستبدة) إلى بر الآمان. لقد نشأ وضع في الماضي كنت فيه من بين القلائل الذين رفعوا أصواتهم جهراً بالحقيقة، لكننا اليوم أمام شعب يخرج عن صمته ويصنع لغته ويصوغ شعاراته ويبدع تحركاته، فلنستمع له بتأنٍّ، ولنمش معه لا أمامه، ولنمتنع عن مصادرة صوته أو تجييره لمصلحتنا.
-- صدقاً لم يفاجئني اندلاع الثورة، وإن كنت في البداية، كما هو حال أي إنسان، غير قادر على تحديد أين ومتى وكيف ستندلع الثورة كحدث. مع ذلك، لقد بدا الأمر واضحاً بالنسبة لي، كما بالنسبة للكثير من متتبعي مخاضات المجتمع السوري، ومفاده أن هذا المجتمع لن يبقَ بمنأى عن حركة التغيير العربية وأننا لن نكون الاستثناء وأن سورية لن تبقى مملكة الصمت. وهذا ما كان.
أذكر هنا ساعات النقاش الطويلة التي كانت تجمعني ببعض الصحافيين والديبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يركزون على غياب البديل للنظام القائم وضعف المعارضة المنظمة وينتهي الأمر بهم إلى نوع من الدفاع غير المباشر عن النظام في مواجهة مطالبتنا بالبديل الوطني الديموقراطي. وكنت أجيبهم باستمرار أنه لا يكفي أن ينظروا إلى عملية التغيير من خلال السلطة والمعارضة، بل عليهم أن يرصدوا حركة المجتمع السوري، لأنه هو الذي سيثور وهو الذي سيحسم في النهاية هذا الصراع. وأن مصير هذا المجتمع في النهاية عندما يسترجع حقه في انتخاب ممثليه الحقيقيين، أن ينتج ليس فقط معارضة فاعلة ولكن كذلك سلطة سياسية ذات صدقية وتتمتع بمشروعية شعبية حقيقية. وها نحن اليوم نرى كيف أن هذا الشعب عاد ليكون الرقم الصعب واللاعب الأساس في هذه الثورة، وسينتهي به الأمر إلى تكريس قيادات سياسية جديدة، تكون جديرة به وبتضحياته. وأنا هنا لا أرى أي سلبية في غياب القيادات السياسية بالمعنى التقليدي للكلمة عن هذه الثورة. وهذه الظاهرة الجديدة، تشترك فيها معظم الثورات العربية، وتسجل لها على الصعيد العالمي، بعد أن كانت الثورات في الماضي ترتبط بقادة كاريزماتيين وبأحزاب وتيارات أيديولوجية أو حتى بانقلابات عسكرية.
-- دعني أقل بداية إن واحداً من أهم منجزات الثورة السورية هو نجاحها في تهشيم وجه الاستبداد وكسر هيبته وضعضعة نقاط قوته الأساسية المتجسدة في أجهزة الأمن والميليشيات المسلحة. ولقد أتى زج الجيش الوطني في هذه المواجهة مع الناس، ليعيد إلى الواجهة شبح الانشقاقات والتفكك. من هنا أنا أعتبر أن السلطة أصبحت ساقطة موضوعياً والمسألة مسألة وقت وحسن تنظيم بين القوى الميدانية والتنسيقيات والقوى الفاعلة في مختلف المدن والبلدات. من هنا تأتي أهمية توحد جهود التنسيقيات المحلية والتقائها في لجنة وطنية جامعة تتشكل من حول برنامج حد أدنى سياسي.
دعني أقل في هذا السياق إن أفضل وثيقة سياسية صدرت حتى الآن بخصوص مستقبل الثورة، هي تلك التي أنجزتها لجان التنسيق المحلية تحت عنوان "رؤية لجان التنسيق المحلية لمستقبل سورية السياسي"، كونها تمثل رؤية متكاملة لآلية نجاح الثورة وإيجاد مخارج آمنة للبلاد توقف حمام الدم وتتيح انتقالاً هادئاً ومتدرجاً للسلطة يبدأ من الإقرار بأن القضية المركزية والهدف الأول للثورة هما تغيير النظام السياسي، متمثلاً كنقطة انطلاق في إنهاء ولاية الرئيس الحالي.
الثورة اليوم بحاجة لتسييس معين أراه متضمناً في هذه الوثيقة. كما أن هذه الثورة بحاجة لتأكيد استقلاليتها تجاه الأحزاب المتلكئة التي لا تزال عاجزة عن الالتحاق بركب الثورة. من هنا فإنني أتقاطع في هذه اللحظة مع هذه الوثيقة، وهي تعبر عن وجهة نظري في الظرف الحالي، لكن تطورات الثورة قد تفرض علينا تسويات وتدفعنا إلى تطوير مواقفنا في حال مال ميزان القوى لمصلحة الثورة واقتربنا من تحقيق الانتصار.
طبعاً يظل التحدي الأساس للثورة متجسداً في إمكانية كسب عقول وقلوب الفئات الصامتة التي لم تتحرك بعد، إما لحذرها من التغيير أو لخوفها من القمع أو لحرصها على مصالحها. ومن هنا تأتي أهمية تأكيد سلمية الثورة وكونها ستأتي بالحرية ليس فقط للثوار ولكن لجميع فئات المجتمع وستضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية. فسورية الجديدة ستكون للجميع وفقاً لمبادئ المساواة والعدالة.
تبقى الإشارة إلى البعد الاقتصادي في عملية التغيير. فالوضع القائم إذا استمر على ما هو عليه فسيؤدي إلى انهيار شامل في الأوضاع المعيشية، وهذا ما تتحمل مسؤوليته السلطة القائمة، وهو سيؤدي في النهاية إلى ابتعاد فئات اجتماعية جديدة عن السلطة القائمة. فالثورة السورية هي في المحصلة ثورة مجتمع تبدأ من جنوبه وتنتهي بشماله، وتمتد من غربه إلى شرقه.
في المحصلة، فإن استمرار الثورة على سلميتها وإمعان السلطة في سياسة العنف الأعمى والهروب إلى الأمام، لا بد له ن أن يؤدي في النهاية إلى ظهور عوامل التفكك في دوائر السلطة في شكل تنشأ عنه قناعات داخل بعض هذه الدوائر بضرورة عزل القوى الشرسة والهوجاء، وبأن العنف والمزيد منه لن يؤديا في النهاية إلى أي نتيجة، وبالتالي فإنه لا بد من إيجاد تسوية مع الناس، تتيح آلية انتقال سلمي للسلطة وتعمل على قلب صفحة الجمهورية الوراثية نهائياً من تاريخ سورية المعاصر.
-- النظام، وعلى رأسه بشار الأسد، انتهى سياسياً وهو يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عما جرى، ومن غير الممكن ولا المقبول أن يلعب دوراً سياسياً في أي مرحلة انتقالية. رأيي ألا مهادنة مع (الرئيس) بشار وعليه أن يرحل. في المقابل نحن مستعدون لأن نمدّ أيدينا إلى أهل النظام من الذين لم تلوث أيديهم بالدماء ولا بالمال الحرام، وذلك من أجل تأمين مخرج آمن للبلاد يقطع الطريق على أي نزعات ثأرية ويجنب الجميع المزيد من الدمار والدماء.
-- برأيي إن ما حدث في درعا وبانياس وحمص من تهويل بخطر الفتنة الطائفية، هو من إنتاج المصنع الأمني السوري الذي يكذب ويفبرك ادعاءات بوجود أصوليين ومندسين وقوى متطرفة تدير الاحتجاجات في الشارع وتقوم بأعمال القتل والتنكيل، في حين أن المصنع الأمني هو المسؤول عن معظم الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء بما فيها بعض الجرائم المرتكبة بحق بعض عناصر الجيش.
إن التغيير الوطني الديموقراطي السلمي والمتدرج، هو الذي يقطع الطريق على الفتنة الطائفية، ولا يمكنه في النهاية إلا أن يصب في مصلحة جميع مكونات المجتمع السوري، وهيهات أن يجرى في هذا السياق استبدال استبداد بآخر مقابل. فالثورة السورية حررت نفسها وهي ستحرر في النهاية غيرها. و بمعنى آخر فإن الذين ينزلون اليوم إلى الشارع هم أحرار وسيحررون غيرهم لاحقاً، ليتساوى الجميع في ظل دولة مدنية حديثة ودستور ديموقراطي يضمن الحقوق والواجبات للجميع.
زرت أخيراً طرطوس وبعض المناطق بالجبل والقدموس وحمص والسلمية، وسنحت لي الفرصة، على رغم ظروف العمل السري، أن أتبادل الآراء مع بعض الأوساط المتنورة في تلك المناطق، ولمست وعياً جدياً لدى العقلاء بأن الحل الأمني لن يقود إلا إلى الطريق المسدود، وأن المخرج الآمن هو في فك الارتباط بالنظام. وفي هذا السياق جاءت البيانات المشتركة لأحياء حمص وبيان الشباب العلويين وبيان مشايخ علويين لتقول كلها بصراحة، إن ما يجرى في سورية هو ثورة ديموقراطية من أجل الحرية والكرامة، ولا علاقة له بالطائفية ولا بالطائفيين.
-- هذه الثورة أدخلت البحــث عن سورية المستقبل في كل بيت وداخل كل عــائلة، وبالتالي أصبح من حق كل إنسان أن يضع رأيه وأن يتخذ الموقف الذي يراه مناســباً. فالأمــر بات يتعلق ليس فقط بمصير ســورية ومصير المنطقة، بل بمصير كل عائلة وكــل فرد ينتمي إلى هذا الوطن، سواء كان مع الثورة أو ضدها.
هذه الثورة بدأت من داخل سورية، وتطورت في داخل سورية، وستتوج من داخل سورية. مع ذلك لا أرى أي مصلحة في وضع الداخل السوري في تناحر مع الدور الإيجابي للجاليات والقوى السورية الموجودة قسراً في الخارج. فمهمة الطرفين أن يتكاملا لا أن يتناقضا.
-- هذه الثورة هي أولاً وقبل كل شيء ثورة وطنية شعبية جامعة. ولا يغير من هذا التوصيف أن بعض الأوساط الاجتماعية الحاضنة لها هي بيئات مسلمة ومتدينة تمارس شعائرها بعيداً من أي تزمت أو غلو أو إقصاء لآخر. هكذا كان المجتمع السوري على مدى تاريخه الطويل وهكذا سيظل، مثالاً للتعددية والتعايش المشترك والتسامح المتبادل.
مع ذلك أحب أن أضيف هنا، أن في ظل سورية الجديدة المحررة من الاستبداد وفي ظل الحريات ودولة القانون، لا يمكن إلّا أن يكون هناك مكان ورأي للإسلاميين، ومكان ورأي لكل من الليبراليين والقوميين واليساريين والشيوعيين. فعلى الحياة السياسية في سورية الجديدة أن تتسع لجميع أبنائها، ما عدا أولئك الذين تلوثت أيديهم بالدم والمال الحرام.
-- على رغم كل الذي حدث علينا جميعاً أن نحرص على مؤسسة الجيش ونبعدها عن السياسة ونحذر من مغبة إقحامها في هذا الصراع إلى جانب السلطة المستبدة. صحيح أن هناك داخل الجيش مجموعة من الضباط والهياكل التي سعت جاهدة خلال السنين الماضية إلى تحويل هذا الجيش من جيش يدافع عن الوطن إلى جيش يدافع عن الأسرة، ولم تتردد في سبيل هذا من أن توجه سلاحها إلى صدور أبناء شعبها. لكن الجيش كمؤسسة وكتركيب وكتاريخ، كان وسيظل جيش الوطن، ومن يقف في الشارع ليتظاهر قد يكون أخاً أو قريباً أو صديقاً لمن يقبض على الزناد ويرتدي اللباس العسكري. ألم تلاحظ التوتر، بل والاشتباكات التي حصلت في مناطق عدة بين القوى الأمنية وتشكيلات الجيش. ألا تعتقد معي أن ظاهرة الانشقاقات الفردية التي بتنا نراها داخل الجيش، إذا دلت على شيء فعلى أن هؤلاء هم الأحفاد الحقيقيين ليوسف العظمة والشيخ صالح العلي. صحيح أنهم قاموا بذلك في شكل فردي وبمعزل عن المؤسسة العسكرية الأم. لكن هذه المؤسسة، على رغم كل الضغوط التي تتعرض لها من خلال محاولة زجها في مواجهة أبناء شعبها، لا بد لها في نهاية المطاف أن تثبت أنها هي الأخرى مؤسسة الوطن ووريثة أبطاله.
-- من مميزات هذه الثورة أنها في جوهرها وقيمها عابرة للطوائف والمذاهب، وهناك الكثير من الشهداء والمعتقلين من أبناء الطائفة المسيحية. وإذا كان هناك بعض الخائفين أو المترددين من أبناء هذه الطائفة، فإنني لن أذكرهم فقط بفارس الخوري، ولكنني سأذكرهم بموقف البطريرك إبان الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي. فكون البطريرك كان غير قادر على إعلان تضامنه العلني مع الثوار، فإن هذا لم يمنعه من أن يرسل سراً القمح والدقيق لتغذية الثوار في غوطة دمشق، كما أنه قام في بداية عهد الاستقلال بإدخال الكثير من أبناء الشهداء في الميتم المسيحي وعلّمهم مجاناً حتى دخولهم الجامعات.
وإذا كان صحيحاً أن هم السلطة الأول والأخير هو زرع الشقاق والفتنة بين أبناء المذاهب والطوائف، حتى يسود لها الأمر، فإن علينا جميعاً أن نتذكر أن هذه الثورة هي ثورة من أجل المواطنة ومن أجل حرية السوريين وكرامته جميعاً، على تعدد مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والدينية والقومية.
-- توافر الشروط الموضوعية لعقد مؤتمر للحوار الوطني بالداخل ، يرتبط برجحان كفة ميزان القوى لمصلحة الثورة، وبأن يدرك أهل النظام ألّا تسوية ولا حل مع (الرئيس) بشار الأسد وأن المخرج هو في فك الارتباط بين العائلة والنظام، وبعدها يأتي البحث في شروط الانتقال السلمي إلى الدولة المدنية الديموقراطية. عندها يمكن أن أشارك في مثل هكذا مؤتمر على أن يكون بين المشاركين فيه ممثلو الشباب والتنسيقيات وممثلو فاعليات المجتمع والأحزاب المعارضة وأهل النظام ممن لم تتلوث أيديهم بالدم أو بالمال الحرام. والواقع أن تفاعل هذه القوى وتعاونها فيما بينها، سيسمح في مرحلة لاحقة بوضع الخطوط العريضة لعملية التغيير والخروج بحل سلمي وتأمين بديل يضمن قيادة سورية في المرحلة الانتقالية وصولاً إلى انتخاب مجلس تأسيسي تكون مهمته وضع دستور جديد والتحضير لانتخابات حرة وديموقراطية.
-- أنا إنسان حر، وأدرك أن سورية باقية والاستبداد إلى زوال، ويسعدني أن أرى نضال هذا الشعب العظيم وقدرته غير المحدودة على التضحية، وفي هذا تأكيد أنه سينال في النهاية حريته كاملة وغير مجتزأة. ودعني أنتهز هذه الفرصة لأطالب الدول العربية والجامعة العربية والمجتمع الدولي بأن ينتصر لهذا الشعب الذي يواجه منذ أربعة أشهر الدبابات والرصاص الحي بصدره العاري، كما انتصر لمصر وتونس. فهذه الثورات في جانب منها، تنطلق من مشترك أساسي هو توق الناس إلى العيش بكرامة وحرية.
محمد علي الأتاسي
-- سبب صمتي عائد في جزء كبير منه إلى رغبتي في أن تعطى الحقوق إلى أصحابها. الآن الكلام للشارع. الكلام للشباب الثائر. الكلام لمن يصنع الحدث. الكلام للشعب الذي يخرج اليوم عن صمته ويقوض جدران مملكة الصمت…طبعاً، لا يعني كلامي هذا أن علينا نحن السياسيين أن نلتزم الصمت ونتقاعس عن مواكبة الثورة السورية، وأنا من جهتي موجود حيث يمكنني أن أساعد تنظيمياً ومعنوياً وسياسياً رجال الثورة الحقيقيين، ضمن حدود طاقتي وإمكانياتي وإن كان هذا النشاط لا يظهر في الإعلام. مع ذلك اسمح لي بالقول إن ما أسمعه من بعض المتسلقين على ظهر الثورة في التسابق للتعليق السهل على الحدث، يصيبني بحالة من القرف والنفور من الكلام المجاني، ويدفعني لتكريس جلّ وقتي، للعمل الميداني وجمع شمل المعارضة في الداخل ومنع انزلاق بعض أطرافها إلى أي مواقف تلفيقية أو متخاذلة، تخدم النظام وتقوض أهداف الثورة.
دعني أقول في هذا السياق إن من إيجابيات هذه الثورة أنها سرعت من عملية الفرز داخل أوساط المعارضة السورية، وإننا نحن في حزب الشعب الديموقراطي وفي «إعلان دمشق» حددنا منذ البداية انحيازنا إلى جانب الشباب الثائر وركزنا جهودنا على دعم الثورة بمختلف الأشكال المتاحة. من هنا موقفي السياسي لا ينفصل عن موقف «إعلان دمشق» وعن البيانات التي لم ينفك يصدرها منذ بداية الأحداث، وعن التحركات الميدانية التي لم يتقاعس عن المشاركة فيها.
-- الثورات لا تصنع بالتصريحات والمقابلات التلفزيونية، ولكنها تصنع بالفعل على أرض الواقع، وهذا الفعل له اليوم، طعم وشكل وروح الشباب. ولا أعتقد أن تصريحاتي يمكنها أن تضيف الكثير في هذا السياق. أنا كنت ولا زلت وسأبقى إلى جانب أبناء شعبي، ولن أتقاعس عن تقديم أي جهد في سبيل أن تنجح هذه الثورة وتصل بالمجتمع والدولة (لا السلطة المستبدة) إلى بر الآمان. لقد نشأ وضع في الماضي كنت فيه من بين القلائل الذين رفعوا أصواتهم جهراً بالحقيقة، لكننا اليوم أمام شعب يخرج عن صمته ويصنع لغته ويصوغ شعاراته ويبدع تحركاته، فلنستمع له بتأنٍّ، ولنمش معه لا أمامه، ولنمتنع عن مصادرة صوته أو تجييره لمصلحتنا.
-- صدقاً لم يفاجئني اندلاع الثورة، وإن كنت في البداية، كما هو حال أي إنسان، غير قادر على تحديد أين ومتى وكيف ستندلع الثورة كحدث. مع ذلك، لقد بدا الأمر واضحاً بالنسبة لي، كما بالنسبة للكثير من متتبعي مخاضات المجتمع السوري، ومفاده أن هذا المجتمع لن يبقَ بمنأى عن حركة التغيير العربية وأننا لن نكون الاستثناء وأن سورية لن تبقى مملكة الصمت. وهذا ما كان.
أذكر هنا ساعات النقاش الطويلة التي كانت تجمعني ببعض الصحافيين والديبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يركزون على غياب البديل للنظام القائم وضعف المعارضة المنظمة وينتهي الأمر بهم إلى نوع من الدفاع غير المباشر عن النظام في مواجهة مطالبتنا بالبديل الوطني الديموقراطي. وكنت أجيبهم باستمرار أنه لا يكفي أن ينظروا إلى عملية التغيير من خلال السلطة والمعارضة، بل عليهم أن يرصدوا حركة المجتمع السوري، لأنه هو الذي سيثور وهو الذي سيحسم في النهاية هذا الصراع. وأن مصير هذا المجتمع في النهاية عندما يسترجع حقه في انتخاب ممثليه الحقيقيين، أن ينتج ليس فقط معارضة فاعلة ولكن كذلك سلطة سياسية ذات صدقية وتتمتع بمشروعية شعبية حقيقية. وها نحن اليوم نرى كيف أن هذا الشعب عاد ليكون الرقم الصعب واللاعب الأساس في هذه الثورة، وسينتهي به الأمر إلى تكريس قيادات سياسية جديدة، تكون جديرة به وبتضحياته. وأنا هنا لا أرى أي سلبية في غياب القيادات السياسية بالمعنى التقليدي للكلمة عن هذه الثورة. وهذه الظاهرة الجديدة، تشترك فيها معظم الثورات العربية، وتسجل لها على الصعيد العالمي، بعد أن كانت الثورات في الماضي ترتبط بقادة كاريزماتيين وبأحزاب وتيارات أيديولوجية أو حتى بانقلابات عسكرية.
-- دعني أقل بداية إن واحداً من أهم منجزات الثورة السورية هو نجاحها في تهشيم وجه الاستبداد وكسر هيبته وضعضعة نقاط قوته الأساسية المتجسدة في أجهزة الأمن والميليشيات المسلحة. ولقد أتى زج الجيش الوطني في هذه المواجهة مع الناس، ليعيد إلى الواجهة شبح الانشقاقات والتفكك. من هنا أنا أعتبر أن السلطة أصبحت ساقطة موضوعياً والمسألة مسألة وقت وحسن تنظيم بين القوى الميدانية والتنسيقيات والقوى الفاعلة في مختلف المدن والبلدات. من هنا تأتي أهمية توحد جهود التنسيقيات المحلية والتقائها في لجنة وطنية جامعة تتشكل من حول برنامج حد أدنى سياسي.
دعني أقل في هذا السياق إن أفضل وثيقة سياسية صدرت حتى الآن بخصوص مستقبل الثورة، هي تلك التي أنجزتها لجان التنسيق المحلية تحت عنوان "رؤية لجان التنسيق المحلية لمستقبل سورية السياسي"، كونها تمثل رؤية متكاملة لآلية نجاح الثورة وإيجاد مخارج آمنة للبلاد توقف حمام الدم وتتيح انتقالاً هادئاً ومتدرجاً للسلطة يبدأ من الإقرار بأن القضية المركزية والهدف الأول للثورة هما تغيير النظام السياسي، متمثلاً كنقطة انطلاق في إنهاء ولاية الرئيس الحالي.
الثورة اليوم بحاجة لتسييس معين أراه متضمناً في هذه الوثيقة. كما أن هذه الثورة بحاجة لتأكيد استقلاليتها تجاه الأحزاب المتلكئة التي لا تزال عاجزة عن الالتحاق بركب الثورة. من هنا فإنني أتقاطع في هذه اللحظة مع هذه الوثيقة، وهي تعبر عن وجهة نظري في الظرف الحالي، لكن تطورات الثورة قد تفرض علينا تسويات وتدفعنا إلى تطوير مواقفنا في حال مال ميزان القوى لمصلحة الثورة واقتربنا من تحقيق الانتصار.
طبعاً يظل التحدي الأساس للثورة متجسداً في إمكانية كسب عقول وقلوب الفئات الصامتة التي لم تتحرك بعد، إما لحذرها من التغيير أو لخوفها من القمع أو لحرصها على مصالحها. ومن هنا تأتي أهمية تأكيد سلمية الثورة وكونها ستأتي بالحرية ليس فقط للثوار ولكن لجميع فئات المجتمع وستضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية. فسورية الجديدة ستكون للجميع وفقاً لمبادئ المساواة والعدالة.
تبقى الإشارة إلى البعد الاقتصادي في عملية التغيير. فالوضع القائم إذا استمر على ما هو عليه فسيؤدي إلى انهيار شامل في الأوضاع المعيشية، وهذا ما تتحمل مسؤوليته السلطة القائمة، وهو سيؤدي في النهاية إلى ابتعاد فئات اجتماعية جديدة عن السلطة القائمة. فالثورة السورية هي في المحصلة ثورة مجتمع تبدأ من جنوبه وتنتهي بشماله، وتمتد من غربه إلى شرقه.
في المحصلة، فإن استمرار الثورة على سلميتها وإمعان السلطة في سياسة العنف الأعمى والهروب إلى الأمام، لا بد له ن أن يؤدي في النهاية إلى ظهور عوامل التفكك في دوائر السلطة في شكل تنشأ عنه قناعات داخل بعض هذه الدوائر بضرورة عزل القوى الشرسة والهوجاء، وبأن العنف والمزيد منه لن يؤديا في النهاية إلى أي نتيجة، وبالتالي فإنه لا بد من إيجاد تسوية مع الناس، تتيح آلية انتقال سلمي للسلطة وتعمل على قلب صفحة الجمهورية الوراثية نهائياً من تاريخ سورية المعاصر.
-- النظام، وعلى رأسه بشار الأسد، انتهى سياسياً وهو يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عما جرى، ومن غير الممكن ولا المقبول أن يلعب دوراً سياسياً في أي مرحلة انتقالية. رأيي ألا مهادنة مع (الرئيس) بشار وعليه أن يرحل. في المقابل نحن مستعدون لأن نمدّ أيدينا إلى أهل النظام من الذين لم تلوث أيديهم بالدماء ولا بالمال الحرام، وذلك من أجل تأمين مخرج آمن للبلاد يقطع الطريق على أي نزعات ثأرية ويجنب الجميع المزيد من الدمار والدماء.
-- برأيي إن ما حدث في درعا وبانياس وحمص من تهويل بخطر الفتنة الطائفية، هو من إنتاج المصنع الأمني السوري الذي يكذب ويفبرك ادعاءات بوجود أصوليين ومندسين وقوى متطرفة تدير الاحتجاجات في الشارع وتقوم بأعمال القتل والتنكيل، في حين أن المصنع الأمني هو المسؤول عن معظم الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء بما فيها بعض الجرائم المرتكبة بحق بعض عناصر الجيش.
إن التغيير الوطني الديموقراطي السلمي والمتدرج، هو الذي يقطع الطريق على الفتنة الطائفية، ولا يمكنه في النهاية إلا أن يصب في مصلحة جميع مكونات المجتمع السوري، وهيهات أن يجرى في هذا السياق استبدال استبداد بآخر مقابل. فالثورة السورية حررت نفسها وهي ستحرر في النهاية غيرها. و بمعنى آخر فإن الذين ينزلون اليوم إلى الشارع هم أحرار وسيحررون غيرهم لاحقاً، ليتساوى الجميع في ظل دولة مدنية حديثة ودستور ديموقراطي يضمن الحقوق والواجبات للجميع.
زرت أخيراً طرطوس وبعض المناطق بالجبل والقدموس وحمص والسلمية، وسنحت لي الفرصة، على رغم ظروف العمل السري، أن أتبادل الآراء مع بعض الأوساط المتنورة في تلك المناطق، ولمست وعياً جدياً لدى العقلاء بأن الحل الأمني لن يقود إلا إلى الطريق المسدود، وأن المخرج الآمن هو في فك الارتباط بالنظام. وفي هذا السياق جاءت البيانات المشتركة لأحياء حمص وبيان الشباب العلويين وبيان مشايخ علويين لتقول كلها بصراحة، إن ما يجرى في سورية هو ثورة ديموقراطية من أجل الحرية والكرامة، ولا علاقة له بالطائفية ولا بالطائفيين.
-- هذه الثورة أدخلت البحــث عن سورية المستقبل في كل بيت وداخل كل عــائلة، وبالتالي أصبح من حق كل إنسان أن يضع رأيه وأن يتخذ الموقف الذي يراه مناســباً. فالأمــر بات يتعلق ليس فقط بمصير ســورية ومصير المنطقة، بل بمصير كل عائلة وكــل فرد ينتمي إلى هذا الوطن، سواء كان مع الثورة أو ضدها.
هذه الثورة بدأت من داخل سورية، وتطورت في داخل سورية، وستتوج من داخل سورية. مع ذلك لا أرى أي مصلحة في وضع الداخل السوري في تناحر مع الدور الإيجابي للجاليات والقوى السورية الموجودة قسراً في الخارج. فمهمة الطرفين أن يتكاملا لا أن يتناقضا.
-- هذه الثورة هي أولاً وقبل كل شيء ثورة وطنية شعبية جامعة. ولا يغير من هذا التوصيف أن بعض الأوساط الاجتماعية الحاضنة لها هي بيئات مسلمة ومتدينة تمارس شعائرها بعيداً من أي تزمت أو غلو أو إقصاء لآخر. هكذا كان المجتمع السوري على مدى تاريخه الطويل وهكذا سيظل، مثالاً للتعددية والتعايش المشترك والتسامح المتبادل.
مع ذلك أحب أن أضيف هنا، أن في ظل سورية الجديدة المحررة من الاستبداد وفي ظل الحريات ودولة القانون، لا يمكن إلّا أن يكون هناك مكان ورأي للإسلاميين، ومكان ورأي لكل من الليبراليين والقوميين واليساريين والشيوعيين. فعلى الحياة السياسية في سورية الجديدة أن تتسع لجميع أبنائها، ما عدا أولئك الذين تلوثت أيديهم بالدم والمال الحرام.
-- على رغم كل الذي حدث علينا جميعاً أن نحرص على مؤسسة الجيش ونبعدها عن السياسة ونحذر من مغبة إقحامها في هذا الصراع إلى جانب السلطة المستبدة. صحيح أن هناك داخل الجيش مجموعة من الضباط والهياكل التي سعت جاهدة خلال السنين الماضية إلى تحويل هذا الجيش من جيش يدافع عن الوطن إلى جيش يدافع عن الأسرة، ولم تتردد في سبيل هذا من أن توجه سلاحها إلى صدور أبناء شعبها. لكن الجيش كمؤسسة وكتركيب وكتاريخ، كان وسيظل جيش الوطن، ومن يقف في الشارع ليتظاهر قد يكون أخاً أو قريباً أو صديقاً لمن يقبض على الزناد ويرتدي اللباس العسكري. ألم تلاحظ التوتر، بل والاشتباكات التي حصلت في مناطق عدة بين القوى الأمنية وتشكيلات الجيش. ألا تعتقد معي أن ظاهرة الانشقاقات الفردية التي بتنا نراها داخل الجيش، إذا دلت على شيء فعلى أن هؤلاء هم الأحفاد الحقيقيين ليوسف العظمة والشيخ صالح العلي. صحيح أنهم قاموا بذلك في شكل فردي وبمعزل عن المؤسسة العسكرية الأم. لكن هذه المؤسسة، على رغم كل الضغوط التي تتعرض لها من خلال محاولة زجها في مواجهة أبناء شعبها، لا بد لها في نهاية المطاف أن تثبت أنها هي الأخرى مؤسسة الوطن ووريثة أبطاله.
-- من مميزات هذه الثورة أنها في جوهرها وقيمها عابرة للطوائف والمذاهب، وهناك الكثير من الشهداء والمعتقلين من أبناء الطائفة المسيحية. وإذا كان هناك بعض الخائفين أو المترددين من أبناء هذه الطائفة، فإنني لن أذكرهم فقط بفارس الخوري، ولكنني سأذكرهم بموقف البطريرك إبان الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي. فكون البطريرك كان غير قادر على إعلان تضامنه العلني مع الثوار، فإن هذا لم يمنعه من أن يرسل سراً القمح والدقيق لتغذية الثوار في غوطة دمشق، كما أنه قام في بداية عهد الاستقلال بإدخال الكثير من أبناء الشهداء في الميتم المسيحي وعلّمهم مجاناً حتى دخولهم الجامعات.
وإذا كان صحيحاً أن هم السلطة الأول والأخير هو زرع الشقاق والفتنة بين أبناء المذاهب والطوائف، حتى يسود لها الأمر، فإن علينا جميعاً أن نتذكر أن هذه الثورة هي ثورة من أجل المواطنة ومن أجل حرية السوريين وكرامته جميعاً، على تعدد مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والدينية والقومية.
-- توافر الشروط الموضوعية لعقد مؤتمر للحوار الوطني بالداخل ، يرتبط برجحان كفة ميزان القوى لمصلحة الثورة، وبأن يدرك أهل النظام ألّا تسوية ولا حل مع (الرئيس) بشار الأسد وأن المخرج هو في فك الارتباط بين العائلة والنظام، وبعدها يأتي البحث في شروط الانتقال السلمي إلى الدولة المدنية الديموقراطية. عندها يمكن أن أشارك في مثل هكذا مؤتمر على أن يكون بين المشاركين فيه ممثلو الشباب والتنسيقيات وممثلو فاعليات المجتمع والأحزاب المعارضة وأهل النظام ممن لم تتلوث أيديهم بالدم أو بالمال الحرام. والواقع أن تفاعل هذه القوى وتعاونها فيما بينها، سيسمح في مرحلة لاحقة بوضع الخطوط العريضة لعملية التغيير والخروج بحل سلمي وتأمين بديل يضمن قيادة سورية في المرحلة الانتقالية وصولاً إلى انتخاب مجلس تأسيسي تكون مهمته وضع دستور جديد والتحضير لانتخابات حرة وديموقراطية.
-- أنا إنسان حر، وأدرك أن سورية باقية والاستبداد إلى زوال، ويسعدني أن أرى نضال هذا الشعب العظيم وقدرته غير المحدودة على التضحية، وفي هذا تأكيد أنه سينال في النهاية حريته كاملة وغير مجتزأة. ودعني أنتهز هذه الفرصة لأطالب الدول العربية والجامعة العربية والمجتمع الدولي بأن ينتصر لهذا الشعب الذي يواجه منذ أربعة أشهر الدبابات والرصاص الحي بصدره العاري، كما انتصر لمصر وتونس. فهذه الثورات في جانب منها، تنطلق من مشترك أساسي هو توق الناس إلى العيش بكرامة وحرية.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)