الجمعة، 25 نوفمبر 2011

عن الخطاب السوري الرسمي

مقال لوئام عماشة أسير سوري محرّر/ الجولان المحتل

منذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات في درعا، تمترس النظام السوري خلف خطوط دفاعه المكشوفة، فلم يتأخر في ذلك قبل أن يجري أي تحقيق لاكتشاف أن ما يحصل «مؤامرة» (خط الدفاع الأول) واستهداف لدور سورية الممانع والمقاوم والصامد بوجه الغرب وأميركا.
لكن المفاجأة كانت أن هذا الترياق لم يُنشّط جهاز المناعة لدى النظام! فلم يستطع التصدي لفيروس الثورة، مما ألزمه الانتقال إلى خط دفاعه الثاني: إبراز تفاصيل اختلاف المجتمع السوري عن التونسي والمصري والليبي واليمني، وما ينطوي عليه هذا الاختلاف من مخاطر تقسيم البلد، غامزاً بذلك إلى قدرته على افتعال حرب أهلية ربما تمتد الى دول مجاورة.
وفعلاً، هذا ما تجلى بالطريقة التي زج بها الجيش لقمع المظاهرات. وها هي بعض ألوية الجيش صمتت دهراً ونطقت قمعاً! إن رؤية الدبابات والمدرعات والمدافع وناقلات الجند تحاصر المدن والقرى السورية وتقصف وتقتل المتظاهرين العُزّل -إلا من كرامتهم- تبعث في نفوسنا الحزن وتشعرنا بتفاهة قوة البطش التي لا تتردد في سفك دماء مَن تحمل مسؤولية حمايتهم، لمجرد أنهم هتفوا للحرية والعدالة الاجتماعية؛ بينما لم تحرك ساكناً لصد الصفعات الإسرائيلية المذلة والمهينة للدولة والشعب، والتي تتالت على سورية في السنوات الأخيرة.
قد يكون استهداف لحـــمة المجتمــع السوري من مصلحة الدول المـــعادية، كما يستهدف النظام السوري الاستقرار في دولٍ إقليمـــية! لكن بـــعيداً من الخوض بهذا الموضوع، ترى من الذي يستهدف النظام السوري، ما دام أن كل تلك الــــدول المــتهمة بزعزعة الاستقرار فـــي الــبلد، ومنــــها إسرائيل، تراقب الأوضاع في سورية وكافة دول الربـــيع العربي بقلق عميق، ولا تخفي خشيتها وقلقها المتصاعد من الجديد القادم؟ وهل علــينا التسليم والتصديق بأن النظام السوري مستــهدف إسرائيلياً، بينما إسرائيل جعلت جبـــهة الجولان منطقة سياحية، بعد الهدوء المستمر منذ ثمانية وثلاثين عاماً؟
منذ آذار (مارس) 1963، صاغ نظام البعث خطابه الرسمي بمصطلحات تعبر عن نيته بإبقاء الشعب في حالة خشوع وصمت دائم، وأن يتخلى المجتمع السوري العريق عن حريته ويفرط بكرامته ويقبل بالقمع والخضوع لسلطة تضم حفنة من الفاسدين؛ يتعاملون مع الدولة على أنها إقطاعية خاصة، ولهم حرية التصرف بمقدراتها. والشيء المدهش في هذا الخطاب، هو الجرأة التي تصل الى حد الوقاحة باتهامها لفئات واسعة من مكونات الشعب بالعمالة؛ كما كان هذا الاتهام موجهاً دائماً للأقلية الكردية، واليوم لكل من يشارك بالتظاهرات المطالبة بإسقاط النظام.
والمفارقة، أن النظام نفسه يملك تاريخاً عريقاً في السياسات الانبطاحية للغرب وأميركا، وليس أدل على ذلك من التعاون مع الولايات المتحدة لدخول لبنان، والمكوث فيه ثلاثة عقود، إضافة إلى الانضواء تحت العلم الأميركي ضد العراق في حرب الخليج الثانية، بل أيضاً تلك السياسات المتعلقة بالاقتصاد، الذي تصب عوائده في جيوب رجالات الدولة الفاسدين.
لا أدري إذا كانت صدمة الثورة كفيلة بأن تبرر غباء هذا الخطاب، المستمر في اعتماد قصص «المندسين» «والعملاء» «والمأجورين»؟ وكأن سكان درعا وحمص وحماة واللاذقية وإدلب والقامشلي وريف دمشق والبوكمال وغيرهم في المدن والقرى السورية الذين انتصروا لحريتهم وكرامتهم الوطنية، ما هم إلا قوى عاملة تعرض خدماتها على الموساد والـ «سي آي إي»، وجهات أخرى يتفنن النظام السوري في خلقها؛ تارةً تكون قوى عالمية مثل أميركا ودول الغرب، وتارة أخرى دولا عربية وإقليمية، وكثيراً ما تكون هذه الجهات أفراداً مثل سعد الحريري وبندر بن سلطان وغيرهما!
إنّ الغباء يكمن في الإصرار على هذه الاتهامات الكاذبة؛ في الوقـــت الـــذي تتسع فيه رقعة التظاهرات ويزداد عدد المتظاهرين، حتى شاهدنا بعضها يضم مئات الألوف يهتفون للحرية وإسقاط النظام.
هذه القصص المفبركة التي نسمعها من النظام السوري، كما سمعناها من الأنظمة التي سقطت، ترغم المتابعين للأحداث بأن يعجبوا بهذا المتآمر الذي يقف بالعتمة ويحـــرك هذه الملايين من المحيط إلى الخلــيج! ليـــس هــذا وحسب، بل إن من حرك الملايين لـــطرد زين العابدين، وإعدام القذافي وسجن مبارك وحرق علي عـــبد الله صـــالح وإلهاب شوارع البـــحرين ومـــلء ساحات الأردن، وهز عرش الدكتاتورية في سورية، لا يستحق الإعجـــاب فقــــط، بل يستحق أن يحكم الوطن العربي كله!
إن الثورة السورية ستستمر بسلميتها وأحرار الجيش ممن يدافعون عنها، وسيبقى الثوار يقابلون أسلحة الشبيحة وعتاد جيش النظام بالهواتف النقالة وكاميرات التصوير واستخدام وسائل الاتصال الحديثة لفضح جرائم أجهزة الأمن وكشف كذب الإعلام السوري الرسمي.
لا بد لإرادة الحرية أن تنتصر على الهمجية، وأن تعري الخطاب الرسمي بمصطلحاته المبتذلة ووعوده الجوفاء التي باتت من دون قيمة. ولا بد لإرادة الحياة أن تنتصر على إرهاب النظام الهمجي.
إن من يستمع إلى الخطاب الرسمي، وينظر إلى الانتشار الغوغائي للجيش وأجهزة الأمن، وإلى الدمار الذي يخلفه في كل مدينة وقرية وشارع وبيت يدخله، لا بد أن يكتشف زيف الوعود الإصلاحية ودعوات ما يسميه النظام «حواراً وطنياً»، تشارك فيه كل فئات الشعب! وببساطة شديدة، لا يمكن لهذا النظام الاستجابة إلى مطالب الشعب في بناء دولة ديموقراطية مدنية حديثة.
فذلك يعني حل حزب البعث القائم بشكله الحالي، واسترداد الأموال المنهوبة، ومحاكمة الفاسدين الذين قال عنهم رأس النظام سابقاً بأنهم الأعمدة التي تقف عليها سورية! وهذا يعني أيضاً محاكمة كل من أصدر ونفذ أمراً بقتل المتظاهرين السلميين. والحال، فإن الحراك الداخلي للنظام السوري لا ينم عن رؤية، بقدر ما هو محاولات بائسة لامتصاص الغضب الجماهيري.
هذا النظام الديكتاتوري، كان مصدر الضعف لسورية على مدار عقود مضت؛ والانعتاق من استبداده ونيل الحرية والكرامة وبناء سورية الديموقراطية سيكون السبيل الوحيد لقوة البلد ومناعته.

السلفية الشعبوية في سورية و"ثورة المجتمعات المحلية"..

الحياة- الخميس 17 نوفمبر 2011
محمد جمال باروت
يشير مسار الحركات الاحتجاجية السورية وتطوره (على مستوى وعي حركات الاحتجاج المتركزة في المدن الصغيرة والمتوسطة وفي أطراف بعض المدن الكبيرة) إلى نمطين مهيمنين من الوعي، أو هكذا يظهران، الأول: وعي الفئات الوسطى الحديثة الشبابية الذي تنمذجه الكوادر الديناميكية في الهيئة العامة للثورة السورية عموماً، ويتمثل نشاطها الأساسي الإعلامي والسياسي برؤية ديموقراطية ومتلبرلة حديثة، ومحاولة السيطرة عبر» الركائز»على حركة اللافتات ومضامينها، وتمثل هذه جزءاً من شكل انخراط بعض الفئات المدينية الوسطى الحديثة في الحركات، لكنه حضور مرافق وليس محرّكاً أو قائداً لحركة الاحتجاجات، وإن كانت مساهمته في تشكيل الرأي العام قوية ومميزةً عبر تقنية» اليوتيوب» والتأثير بالصورة.
والثاني هو: تدين شعبي شبابي احتجاجي أو اعتراضي يقع في فضاء التدين السلفي الشعبوي العام. وإن كان بعض قادته المركزيين ينحدر من صلب مجموعة الآلاف الخمسة التي قاتلت في العراق، وكان معظمهم من ريف دمشق وجبل الزاوية وإدلب ونسبياً مركز حلب ( ظاهرة تنظيم غرباء الشام السابق بقيادة أبي القعقاع) الواصل بين جبل الزاوية والمنطقة الشمالية الشرقية وبين العراق.
نتوقف هنا عند النمط الثاني من الوعي بسبب حضوره الفعليّ في دفع وتائر حركة الاحتجاجات، أو ثورة «المجتمعات المحلية» بلغة التنمية في مرحلة أزمة النموذج التنموي التسلطي المتلبْرل، بالقياس إلى الافتراضية المهيمنة على نشاط «الفايسبوكيين»، ومحدودية الانخراط المباشر لهؤلاء في الحركات الاحتجاجية نفسها التي باتت تتغذى من قوى دفع ذاتي ليس لها قيادات حركية تستطيع ادعاء قيادتها، كما لا تستطيع أية قوة معارضة أن تدعي قيادتها، لكن يمكن لبعضها أن يقول إنه في داخلها وقلبها ميدانياً. وهذا محصور بحركات معارضة من أبرزها حركة السابع عشر من نيسان(أبريل) في درعا التي يوجهها هيثم مناع، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي الذي يحضر ميدانياً عبر حركات ريف دمشق بدرجة أساسية ثم في درعا وإلى حد ما في حلب، في شكل حركات البؤر الجوالة في بعض أطراف مدينة حلب وريف المركز قبل أن تفكك الأجهزة الأمنية قيادات هذه البؤر.
ضمور الحركات الحديثة
وعلى العكس من ضمور الحركات المعارضة الحديثة في قيادة الحركة فإن القيادات التقليدية والمشيخية انتعش دورها التعبوي بشكل» مفاجئ»، لا سيما في بعض مساجد مدينة دمشق والأحياء الشعبية وشبه العشوائية المنحدرة من أصول عشائرية في حمص ومدنها الصغيرة مثل الرستن وتلبيسة التي يشكل حجمها السكاني ما لا يقلّ عن نصف سكان عدد المدينة، وهي معقل التظاهرات الأكثر شدّة ومقاومةً، والتي غدت الفروق فيها بين السلفية الشعبوية والطائفية هشّةً جداً.
يجب هنا تمييز هذا التدين السلفي الشعبوي العام عن التدين السلفيّ المعهود، ولا عقيدة لاوهابية. وبهذا المعنى كانت السلفية التقليدية من أضعف التيارات الإسلامية حركياً وفكرياً في تاريخ العمل الإسلامي السوري في القرن العشرين. وظلت الانفعالات الجدية معها محدودةً، ليس بسبب تطويقها من جماعة الإخوان المسلمين ومن جماعة علماء دمشق بقيادة الشيخ البوطي، ومن السلطة أيضاً فحسب بل لـ «تنافرها» مع خصائص التدين الشاميّ التاريخيّ المعتدل وذي الخصائص الوسطيّة. لهذا كان تأثير» الرذاذ» الشعبوي السلفي في المدن الصغيرة والمتوسطة وفي المناطق الطرفية المهمشة والمفقرة أشدّ من تأثيره في المدن. فالتدين «الريفي» المحدث في ظل تأثير الفضائيات السلفية التبشيرية أو الدعوية هو عموماً تدين احتجاجي واعتراضي، ويقدم لها التدين السلفي المتشدد العام نوعاً من وظيفة «تنهيدة المقهور، وقلب عالم بلا قلب» بتعبير ماركس، احتجاجاً على تدهور حياتها. بينما في المدن المليونية والكبيرة عموماً ولدى الفئات الوسطى المدينية هو تدين تكيفي ومدني الطابع مع المجتمع.
وتكفي المقارنة بين تدين «القبيسيات» المدني الدمشقي المندمج بأساليب الخدمة التعليمية والاجتماعية وبين التدين الريفي المتمدين في ريف دمشق، أو في جبل الزاوية ومدن محافظة إدلب عموماً أو في أحياء حمص الشعبية وشبه العشوائية، أو في حي السكنتوري العشوائي في مدينة اللاذقية الذي ينحدر من «الشريقية» أي من محافظة إدلب حيث تجري فيها أعنف الاحتجاجات.
لذلك تسيطر الشعارات الإيمانية لا السياسية على هتافات أبناء البلد المحتجين من طراز: «عالجنة رايحين شهداء بالملايين» وظاهرة الاحتجاج بلباس الأكفان في بانياس والصنمين وغيرهما. وقيام المحتج بأداء ركعتين على نيّة الشهادة قبل انخراطه في تظاهرة يمكن أن تودي بالفعل بحياته.
ورداً على العنف الأمني المفرط وبروز عنف مواجه آخر يتجلى في عسكرة الاحتجاجات، والذي سقط في دورته الدموية المؤسية آلاف من الطرفين وآلاف من الجرحى وعشرات الألوف من المعتقلين ينهض الوعي الزائف بتصوير الصراع على أنه طائفي، وهو نمط من الوعي المقلوب الذي يعي تناقضه عبر المنظار الطوائفي وليس عبر المنظار السياسي للعلاقات المعقدة بين التنمية والديموقراطية. وفي دورة العنف والعنف المضاد تبرز الغرائزية الشعبوية في شكل شعارات تصدر عن ثقافة الكراهية، وتساهم في» جرائمها» على حد تعبير عزمي بشارة، لا سيما في إطار ظاهرة تكريس مصطلح» الشبيحة» الذين ارتبطوا بميليشات طائفية محلية لكنها تعمل في مجال الجريمة والتهريب في الأصل، ثم عمل جيل جديد منها كحراب في مواجهة المتظاهرين.
هذا التوتير الطائفي حضر في مناطق التماس مثل حمص وحماة وبانياس وغيرها التي تتميز بتعقدها المذهبي والطوائفي والديني، ويغذي العامل الطائفي هنا العامل الشعبوي المتسلفن في آلية تغذية راجعة، وقد بدأت مقاطع الاصطدام الأهلي هنا، وهو صدام لا بدّ واقع إن استمرّ الوضع الراهن، بينما حيث شبيحة حلب هم من أبناء أطراف المدينة نفسها لم يبرز ذلك. لكن هذا التدين العنيف والشديد، مثّل النسغ الروحي التعبويّ لشباب ومناطق ومجتمعات محلية مهمشة صبغت احتجاجاتها بالدم والثأر. وهذا هو مفتاح تفسير الإرادة البطولية الملحمية والتراجيدية لإقدام أبناء البلد أو المجتمعات المحليّة على التظاهر، مع معرفة بأن الموت احتمال أكيد.
قوة روحية ... لا غير
السلفية لا تشرح لا من قريب ولا من بعيد ثورة المجتمعات المحلية السورية، لكنها تشرح شكل الوعي العام الدافع بعوامل هذه الثورات، وتشكيل قوة روحية دافعة في المواجهة و»التضحية»، وكيفية تحويل التناقض الاجتماعي - السياسي إلى تناقض طوائفي حادٍّ مقلوب عن التناقض الفعليّ. وهذه هي السلفية الشعبوية والمتطيّفة (من الطائفية) المهيمنة على اتجاهات كثير من ثورات المجتمعات المحلية السورية، وتجد نموذجها في النسخة العرعورية من التحريض لا سيما في أحياء حمص الشعبية وشبه العشوائية حيث تختلط السلفية الشعبوية مع الطائفية الحادة بصورة لا فكاك فيها. وتشكل هذه النسخ في حد ذاتها تحريضاً طوائفياً يعزز ديناميكيات الوعي المقلوب الزائف، تنفّر المدينة السورية وفئاتها الوسطى العريضة منها، في ضوء أن بعض الدعاة السلفيين المحرضين الشعبويين يعتبرون أن الله لم يخلقهم سوى لمواجهة الشيعة، وعبر ذلك يتم طرح قصة الباطنية مثل العلوية، وربما المسيحية في بعض لحظات التوتير. ويتقهقر الوعي الاجتماعي في طوائفية تناسب الهيئات الاجتماعية في مراحل انحطاطها المجتمعي، وتجذّر الشروخ ما بين مكوّناتها.
إن السلفية سلفيات، ولعل الشكل الأكثر حضوراً منها اليوم في دفع الديناميكية اليومية أو شبه اليومية لثورات المجتمعات المحلية يتسم مظهره العام بما أطلقنا عليه وصف السلفية الشعبوية. وهذا النوع تحريض تعبوي وسلوكي مباشر، بمعنى أنه يحكم الموقف من القضايا والاتجاهات، ويدفع بهذا الموقف في ميدان الممارسة العملية الميدانية في ثورات المجتمعات المحلية. أما العوامل الاجتماعية - الاقتصادية - السياسية، أو بشكل أدق عوامل التنمية في تكوينه الأصلي، فقصة مختلفة، لكن يحضر استيعابها في شكل الوعي المقلوب، الذي يغذيه سكوت الإخوانية السورية بوصفها تياراً وليس بوصفها تنظيماً محظوراً في سورية، ويعمل من خلال أساليب «الركائز» و «السياج» التي ميزت تجارب أميركا اللاتينية اللاحقة في مرحلة الدكتاتوريات، لكن الإخوان يعرفونها من إمامهم حسن البنا، أحد أهم البنائين الكبار والمميزين للتنظيمات في خبرة أحزاب القرن العشرين العربية.
ماتشير إليه السلفية الشعبويّة هو ضمور الإخوانية التي كان من شأن حضورها أن يعقلن تلك السلفية، فحتى تأثير الشيخ يوسف القرضاوي في ثورات المجتمعات المحلية السورية يذوب في إطار ذلك النوع من السلفية وليس في إطار تكوين رؤية إسلامية وسطية معتدلة تناسب في حقيقتها وعي الفئات الوسطى المدينية المتعددة.
إن ضرب جماعة الإخوان المسلمين وتجريمها طيلة ثلاثة بل أربعة عقود من المحنة الكبرى قد ساهم في هيمنة السلفية الشعبوية، وأفقد المجتمع السوري قوة التوازن والعقلنة في تدينه العام.
وضمور دور «الجماعة» في التنوير الإخواني للسلفية الشعبوية، ليس بسبب ضمورها التنظيمي في الميدان، بل بسبب تواطئها في مناطق نفوذها الكبيرة مع السلفية الشعبوية، لا سيما في جبل الزاوية وجسر الشغور وعموماً في إدلب التي تصدر فيها وفق استقصائنا الميداني أبناء ضحايا الإخوان في محنة الثمانينات الحركات الاحتجاجية الأشد عنفاً وتهوراً، وتسلحاً بشكل مبكر، وتحويلاً للانتفاضة السلمية إلى انتفاضة معسكرة على غرار ثورات الريف في التاريخ، وهي أخذت شكل غزو مدن أريحا وجسر الشغور ومعرة النعمان وخان شيخون، ثم حاولت أن تمتد إلى مدينة إدلب نفسها.
هنا لم تلعب الجماعة سوى دور محدود أفلت منها في مركز كفرنبل في جبل الزاوية، لتغزل على دافعية السلفية الشعبوية في الاحتجاجات. ويثير ذلك السؤال عن قصة الإخوان والسلفية السورية العامة عموماً، وتطور الاختراق السلفي والسلفوي لها، وتمخض ذلك كله عن تراجع تأثير الخطاب الإخواني النمطي الأقرب في تحوله إلى مقاصدية الشريعة، والتكيف مع المجتمع لمصلحة نسخ متعددة، من أبرزها السلفية الشعبوية التي نكثف خلاصتها بأنها نسغ روحي تعبوي دافع ومعبئ ومحرّض أكثر منها سلفية متسقة بمعاني السلفيات المعهودة. إن الإخوان السوريين يركبون موجة السلفية الشعبوية أكثر مما يصوبونها على غرار وعي قيادة الإخوان في مصر أو النهضة في تونس، وهذا محور يحتاج معالجة خاصة.

ناشطو «ثورة حمص» العلويون والمسيحيون جيل يرث معارضة أمضت حياتها في السجون

الحياة- الجمعة 18 نوفمبر 2011
باسل محمد
أن تكون ثائراً في حمص، فهذا أمر طبيعي جداً، فالمدينة بمعظم أحيائها باتت ثائرة اليوم، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن تكون علوياً أو مسيحياً، وتكون إلى جانب الثورة أو ناشطاً بارزاً في التظاهرات، بخاصة إن كنت تقطن في حي يشبه كانتوناً طائفياً محمياً من جانب حواجز أمنية أو «شبيحة».
في حي الزهراء في حمص (الجزء الشرقي للمدينة)، وهو ذو غالبية علوية، يوجد عدد كبير من المعارضين التقليديين، وهم من معتقلي رابطة العمل الشيوعي السابقين، أو من معتقلي بعث العراق والبعث السوري، أو من الحزب الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً. وعلى رغم كثرة أعدادهم، فإن أعمارهم الكبيرة والمرارة التي كابدوها في سجون النظام لأعوام وعقود في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيدتهم نوعاً ما عن حراك الشارع المنتفض، ما كرس حالة الانفصال بين الأحياء الموالية وتلك المعارضة.
لكن ومنذ اليوم الأول للثورة، بدأت بوادر معارضات شبابية نابعة من وعي للظروف السياسية بعيداً من التأطير الحزبي.
شباب غير حزبيين
شباب مسرحيون ومثقفون وصحافيون وموسيقيون شاركوا منذ التظاهرة الأولى، لكن بحذر شديد. ففي البداية كانت الأحياء التي ينتمون إليها لا تعارض بشدة مشاركتهم، إلى أن بدأت حملات التخويف والرعب المنظمة التي قادها النظام على حد تعبير أحد النشطاء المعارضين، وبإقرار الكثير من الموالين، في تلك الأحياء بدءاً بالسيارات المجهولة التي تمر بأحياء النزهة وعكرمة (وسط المدينة وإلى الجنوب منها بمحاذاة باب السباع والفاخورة) وأحياء الزهراء والأرمن (شرق المدينة بمحاذاة أحياء البياضة وجب الجندلي ودير بعلبة وعشيرة)، وصارت هذه السيارات تطلق الرصاص في الشوارع، وتحديداً على الأحياء العلوية والمسيحية، وسط انسحاب كامل للأمن والشرطة خلال أسبوعين كاملين، وذلك في الشهر الأول للاحتجاجات في حمص. تبع ذلك انتشار فوبيا العرعور وإشاعات يومية وتقويله ما لم يقله.
عزز ذلك قيام الأحياء الثائرة بالتكبير بعد انتهاء حلقته على إحدى القنوات الفضائية. وهنا لا بد من التذكير باعتصام حمص الشهير الذي دام حوالى 9 ساعات، والذي انتهى بمجزرة تبعتها تكبيرات من مساجد حمص وشوارعها ودعوات لـ «الجهاد»، ويظن معظم الثوار أن مطلقي هذه الدعوات «الجهادية» هم من أجهزة الأمن، اذ إن إحدى السيارات التي أطلقت العنان لدعوات الجهاد كانت سيارة إطفاء موجودة مع الأمن، الهدف منها وسم المحتجين بالسلفية، وصولاً إلى قصص الخطف مجهولة الجهة المنفذة، والتي راح ضحيتها عشرات الشباب العلويين تنكيلاً وقتلاً. وهي وإن أثارت شكوكاً حول هوية منفذها، فإنها تطرح تساؤلاً عن أهلية وفعالية الحل العسكري والأمني المتبع مع حمص منذ الشهر الثاني للثورة.
لهذا كله بات الشباب العلوي والمسيحي اليوم أمام خيارين: إما ان يتخلوا عن مشاركتهم بالحراك في حمص، أو الطرد والتنكيل، وحتى التهديد الفعلي بالقتل على يد شبيحة الحارات التي يعيشون فيها. ولا يقتصر التهديد على النشطاء وحدهم، بل يصل الى حد تهديد الأهل والأقارب. فالبيئة المحيطة كالزهراء والأرمن وعكرمة تعيش حالة غضب وخوف ورعب من عمليات الخطف والقتل والتنكيل، وتشهد على ذلك مقبرة الفردوس (مقبرة لموتى الطائفة العلوية) الممتلئة بالقبور، كما تشهد على ذلك حالة الريبة والخوف الواضحة في شوارع الزهراء والأرمن وغيرها، مع تجييش إعلامي وحملة إشاعات باتت معها الحقيقة مختلفة بين حي وآخر.
وتعرض عدد من الشباب العلويين في الزهراء للاعتقال كالشاب دُمّر سليمان، صهر عضو مجلس الشعب السوري لأربع دورات متتالية شحادة كامل ميهوب، وذلك على خلفية مواقفه المعارضة. وسبَب اعتقاله إطلاق حملة إشاعات في الزهراء ابسط ما ورد فيها اتهامه بالتموّل من «الخليج»، والأخطر إلصاق تهمة تسهيل خطف العلويين لحساب المعارضة، وهذا طبعاً عار عن الصحة لكون الناشط السياسي دمّر السليمان يسارياً وعلوياً في الأساس. ولم يكتف شبيحة النظام بكيل الاتهامات للشاب دمر سليمان، بل طاولت تلفيقاتهم والد زوجته، عضو مجلس الشعب شحادة ميهوب وأقرباءه، مما تسبب بانتقال عدد من أفراد عائلته الى خارج حمص مخافة ردود الفعل. يضاف إلى ذلك اعتقال الشاب محمد ابراهيم في الحي نفسه، وإطلاق إشاعات تطاول سمعته وسمعة عائلته ومقاطعة شبه كاملة من معظم أهالي الحي للعائلة، بسبب اعتقال محمد أو مخافة تفسير العلاقة مع عائلته كتعاطف مع مواقف محمد. كما تم اعتقال شخصيات معارضة علوية معروفة كالمعارض نايف سلوم وأبو علي محمد صالح الذي اعتقل لساعات عدة، وهو أحد أعضاء ما يعرف بلجنة التضامن الأهلي التي أخذت على عاتقها تهدئة نفوس الأهالي من كل الطوائف عقب عمليات استفزاز طائفي وتقريب وجهات النظر والحفاظ على التضامن بين أطياف المجتمع الحمصي.
وبسبب حملات التخوين والاعتقال، فقد غادر عدد كبير من النشطاء العلويين والمسيحيين حمص، وبخاصة المسيحيين في أحياء الحميدية وباب السباع.
الاستهداف المضاعف
الفترة الأخيرة شهدت حوادث عدة قاسية بحق الناشطين من الأقليات. فقبل أسابيع تعرض منزل لآل ملحم، وهم من العائلات العلوية المعروفة في قرية أبو حكفة التابعة لمنطقة المخرم (شرق حمص) للحرق وتحطيم إحدى السيارات الخاصة بأحد أفراد العائلة بسبب مواقف عدد من أفراد العائلة المعارضة للنظام. كما تم اعتقال الطبيب علي ملحم من منزله من طرف أجهزة الاستخبارات، وعلي ملحم شاب في العشرينيات صرح عن مواقفه المعارضة للنظام مرات عدة.
وللمفارقة، فإن علي ملحم تخرج في كلية الطب البشري في حلب قبل أشهر قليلة، وكان الأول في دفعته، كما تخرج في العام نفسه في كلية الترجمة، قسم التعليم المفتوح، وبدرجات عالية. وكانت عائلة ملحم ذاقت الويلات أيام حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد حيث اعتقل عدد من الإخوة بتهمة الانتماء الى رابطة العمل الشيوعي في الثمانينات. وعلى رغم أن عائلة ملحم هي من اكبر العائلات العلوية، وتحوي عدداً كبيراً من المثقفين من أطباء ومهندسين، فإن حياتهم مهددة.
كما تعرض الناشط المعارض ومراسل تلفزيون «الدنيا» السابق في مدينة حمص، يامن حسين، لحملة تشهير وتخوين في أحياء الزهراء وعكرمة على خلفية استقالته من هذا التلفزيون، ومواقفه من الثورة والنظام، ما اضطره الى مغادرة حمص. وعلى رغم ذلك، فإن عائلته تتعرض لمضايقات يومية وتهديدات.
ويتذكر كثيرون المعارض المعروف محمود عيسى، وكيف هجمت قطعان من الشبيحة، مدفوعين بأمر أمني على منزله في حي الأرمن على رغم وجود أطفاله داخله، وذلك على خلفية حديث هاتفي له على قناة «الجزيرة». فكان أن اضطر بعض أصدقائه للاتصال بالجهات الأمنية وطلب حمايته. فقام فرع الأمن العسكري باعتقاله وإلصاق تهم عدة به، منها استخدامه هواتف الثريا وفبركة فيديوات وأخبار.
في حادثة أخرى أعقبت اعتصام الساحة في حمص، تعرض الطبيب منصور العلي من حي عكرمة لمضايقات وتهديدات هو وابنته الصحافية ديمة العلي على خلفية مشاركتهما باعتصام حمص، واتصال الصحافية ديمة بقناة «الجزيرة». طبعاً كان الاعتصام الحمصي الشهير علامة فارقة في تاريخ ثورة حمص وسورية، من خلال حجم المشاركة وتنوعها فيه وحالة التفاعل الأهلي معه، وميزه خيمة وسط ساحة الاعتصام، سميت خيمة الوحدة الوطنية، تم فيها استقبال الناشطين والمشاركين من مختلف الطوائف.
اختراق الطوق
بعد جهد مضن قمنا بجولة سرية في حمص زرنا خلالها عدداً من النـــشطاء العلويين، الذين بدت حركتهم خفيفة قياساً بالأسابيع السابقة بسبب ما تعرضوا له. وخلال الجولة التقينا عدداً من النشطاء الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 24 والـ 30 عاماً، وبينهم عدد كبير من الشابات، هم بمعظمهم غير حزبيين، وطلاب جامعات.
يرفض هؤلاء الشباب إلصاق تهمة التشبيح بالطائفة كلها، فمعظم أبناء الطائفة تم دوسهم من النظام على حد قولهم، وعانت الطائفة من الإفقار والتهـــميش، وهو واضح في شكل جلي في أحياء المهاجرين والزهراء ووادي الذهب، التي لا تختلف بشيء عن الأحياء الثائرة من حيث الأبنية العشوائية وغياب أبسط الخدمات.
تروي ندى، وهذا اسم مستعار لإحدى الشابات العلويات من حي عكرمة، أنها تشارك في التظاهر، وتقوم مع عدد من زميلاتها بإيصال الدواء والمساعدات العينية والطبية إلى الأحياء المنتفضة، كما تقوم مع صديقاتها وأصدقائها بعقد حوارات سرية مع شبان وشابات من الثائرين، وأغلب هذه الحوارات يتم في أحياء الإنشاءات والخالدية والحمراء والقصور وباب السباع، وموضوعها السعي لتطويق أي أزمة طائفية. وغالباً ما يتوصل هؤلاء الشباب إلى حلول لتلك الأزمات التي يفتعلها في رأيهم النظام، أو بعض الأشخاص المتطرفين الذين دفعهم النظام دفعاً إلى روح الانتقام. من جهة أخرى، يبرز على الأرض في حمص تجمع «نبض» للشباب المدني السوري، والذي استطاع جذب عدد كبير من شبان وشابات جامعيين ومن مختلف الطوائف والملل، وتمكن من بلورة حالة حراك مدني حقيقي في مدينة حمص.
وفي إحدى التظاهرات التي نظمها التجمع في حي الخالدية خرج شاب من الطائفة العلوية ليلقي بياناً باسمه وباسم الشباب العلويين. وعلى رغم رفض التجمع خطاباً يعرف الأفراد بطوائفهم، لكن «اقتضت ضرورات الحفاظ على السلم الأهلي التساهل في هذا الأمر». كما قام التجمع بتوزيع مناشير تحض على الثورة والابتعاد عن الغريزة الطائفية في كل الأحياء الثائرة في حمص، وحقق شباب هذا التجمع معجزة حقيقية، فقد قام عدد من الناشطين والناشطات بتوزيع تلك البيانات والمنشورات في الأحياء المحسوبة على الموالاة في حيي عكرمة والزهراء وغيرهما، على رغم الحواجز الأمنية الكثيفة وكثرة المخبرين. وسببت تلك المناشير استنفاراً امنياً من جانب أركان الشبيحة الذين أمسوا أدوات قمع الأحياء العلوية قبل غيرها.
ويعزو النشطاء العلويون أسباب عدم وجود أحياء علوية ثائرة بكاملها الى ما اتبعه النظام منذ اليوم الأول للثورة، من حملات تخويف مركزة وتجييش غرائزي أسس له الإعلام الرسمي. فكان أن غاب الحاضن الاجتماعي للثورة في الأحياء العلوية، وفي مدينة حمص تحديداً. هذا مع وجود عدد كبير من أبناء هذه الأحياء المنخرطين في سلك الأمن والشرطة أو في الجيش، بفعل سياسة ممنهجة اتبعها النظام منذ 40 عاماً. وبالنتيجة أصبحت الأحياء العلوية معتقلة تماماً طوال 40 عاماً.

فيصل سلمان: شكراً قطر

بعد حرب تموز العام 2006 استقبل امير دولة قطر في الضاحية الجنوبية لبيروت استقبال الفاتحين.
احتضنت وسائل اعلام "حزب الله" وحركة "أمل" زيارة الامير وعملت على رفع لافتات امتدت حتى اقصى الجنوب وقد خط عليها "شكراً قطر".
لاحقاً، في الجلسة الختامية لمؤتمر الدوحة اللبناني تحدث الرئيس نبيه بري فقال: "إذا كان اول الغيث قطرة فكيف إذا كان قطر"... وعلا التصفيق..
حتى ما قبل سنة كانت امارة قطر تعتبر بالنسبة للفريق العربي ـ اللبناني "المقاوم" عنوان العروبة والكرم الحاتمي وشيخ صلح العرب.
ولا ننسى ان قناة "الجزيرة" القطرية كانت ومنذ حرب تموز العام 2006 عنوان الاعلام المقاوم الذي رافق لاحقا الثورات في تونس ومصر وليبيا وناصرها.
فجأة وحين بدأ التحرك الشعبي في سوريا صارت قطر قلعة استعمارية وصار اميرها "حاييم" ورئيس حكومتها "شارون"!
فجأة تذكر البعض ان في قطر اكبر قاعدة عسكرية اميركية في الشرق الأوسط وربما في العالم.
ثم بعد مقررات جامعة الدول العربية الأخيرة صارت هذه "الجامعة العبرية" وخرج مؤيدو النظام في دمشق يشتمونها ويلعنونها.
لا يعنينا هنا الدفاع عن قطر بقدر ما يعنينا تنبيه الجميع الى ان ما يقال اليوم معيب وفيه اهانة لعقول الناس.
اذا كنت تعرف واخترت السكوت سابقا فهذا تواطؤ، وان كنت لا تعرف فهذا تقصير فاضح.. لا تأتي اليوم لتضحك على نفسك وعلينا.
قطر هي اليوم المشجب الذي سيعلق عليه البعض هزائمه و"مرتا" تتلهى بأمور كثيرة

نهاية النظام في الأفق!!

حسن خضر - كاتب فلسطيني يقيم في برلين
أوّلاً، أقترح على بلدية رام الله تسمية شوارع وأحياء قائمة أو قيد الإنشاء بأسماء مثل باب عمرو، وباب السباع، وحمص، وحماة، ودرعا، وجسر الشغور، وإدلب. وهذا الاقتراح موجه إلى بلديات أخرى في فلسطين. بهذا العمل لا نعبّر عن التضامن، فلا أحد يتضامن مع نفسه، ونحن من سورية وسورية منّا، بل عن الانحياز إلى الثورة السورية ولو بطريقة رمزية، فهذه الأسماء عناوين عزة وكرامة تستحق الاعتزاز والتكريم.
ثانياً، تحية خاصة إلى فدوى سليمان، وإلى كل الفنانين والمثقفين، رجالاً ونساءً في سورية، الذين انحازوا إلى الشعب في مجابهة الطاغية، أما العار فنصيب أقرانهم، الذين وقفوا إلى جانب الطاغية والطغيان.
أما بعد، فلنفكر على النحو التالي:
مجرد أن يقبل آل الأسد بمبادرة تأتي من الخارج، سواء من الجامعة العربية أو غيرها، لحل "الأزمة" في سورية، حتى وإن قبلوا من باب المراوغة أو التسويف، يعني أمرين أثنين:
أولاً، الموافقة على وجود طرف ثالث بينهم وبين الشعب السوري، وقد كانت موافقة كهذه مستحيلة حتى وقت قريب، لأنهم يتصرفون كجماعة تملك سورية، وهم بهذا المعنى لا يمكن أن يقبلوا التدخل، أو الوساطة، في ملكيتهم الخاصة، وإن قبلوا ففي القبول ما يعني بداية النهاية.
ثانياً، أن تأتي الموافقة في سياق الاعتراف بوجود "أزمة" في سورية، حتى وإن قالوا إنها نجمت عن وجود عصابات إرهابية مسلحة، فهذا يعني أن أدوات القمع لم تعد قادرة على الحيلولة دون وصول التمرّد المحلي، أو النشاط الإرهابي، أو المؤامرة (سمها ما شئت) إلى العلن. وبقدر ما يتعلّق الأمر بالأنظمة الشمولية فهذا أمر جلل، لأن يوتوبيا الشعب المجيد والقائد الفريد لا تعترف بوقوع أزمات، وإذا اعترفت ففي هذا ما يُضاف إلى بداية النهاية.
أكتب هذا الكلام مساء الاثنين، وقد اطلعت على قرار الجامعة العربية الداعي إلى تعليق مشاركة وفد سورية في الجامعة، كما شاهدت المؤتمر الصحافي الصاخب لسفير سورية في مصر، ومندوبها في الجامعة العربية، وكذلك المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري، الذي رحّب بقدوم وفد من الجامعة، ومراقبين، إلى سورية.
والواقع أن كل هذه التطوّرات لا تغيّر من دلالة الأمرين السابقين: القبول بطرف ثالث، والاعتراف بالأزمة. وما يعنيني، في هذا السياق، الوصول إلى أمر ثالث لا أعرف ما إذا كان آل الأسد على استعداد للاعتراف به، وتسديد فواتيره، والمقصود أن "الأزمة" تعبير مُضلل، فلا يحتمل ما يحدث في سورية من أسماء سوى تسمية الثورة على نظامهم، والعمل على إسقاطه.
لا أعرف ما إذا كان بشّار الأسد قد شاهد على شاشة التلفزيون القذافي أسيراً وقتيلاً، أعتقد أن أحداً من الحكّام العرب لم ينجح في مقاومة إغراء مشاهدة ما حدث لحاكم ليبيا، ولا أعتقد أن أحداً منهم لم يجر حسابات ذهنية سريعة للتفكير في نهايات مشابهة، أو في الحيلولة دون وقوعها. ومهما تكن النتائج المُستخلصة، فإن فرص بشّار الأسد في البقاء حاكماً لسورية في تناقص مستمر.
يمكنه، بالتأكيد، تسيير مظاهرات التأييد، والتعويل على الفيتو الروسي في مجلس الأمن، وعلى تماسك مؤسسة الجيش، كما يمكنه المراهنة على كسب المزيد من الوقت بمزيد من المراوغة، ويمكنه التفكير في إمكانية كسر إرادة المتظاهرين بمزيد من أعمال القتل، أو في شق صفوف المعارضة، ويمكنه أيضاً وأيضاً إلقاء المزيد من الخطابات التي يستعرض فيها بلاغته الخطابية، التي لا تُقنع أحداً.
ومع ذلك، ثمة ما ينبغي الاعتراف به: ديمومة الثورة رغم أعمال القتل، وتصدّع مؤسسة الجيش، وتدهور الموارد الاقتصادية القادرة على تمويل مؤسسة الجيش والأمن، واسترضاء جانب من الجمهور، أو على الأقل تسديد نفقات جهاز الدولة.
وثمة، أيضا، ما ينبغي الاعتراف به: العزلة العربية والدولية، تبلور معارضة سورية تحظى بالقبول في الإقليم والعالم، وبروز الحلف المعادي للنظام في الإقليم وخارجه، وتصميم أطراف فاعلة في هذا الحلف على تصفية الحساب مع آل الأسد. لكل طرف حساباته ومصالحه وهذه الأطراف مجتمعة أقوى من آل الأسد.
لذلك، فإن الخطوة المنطقية التالية بعد القبول بالطرف الثالث، والاعتراف "بالأزمة" تتمثل في التسليم بحقيقة أن بشّار الأسد لم يعد قادراً على حكم سورية. ولكي لا يجهلن أحد على أحد، فإن كلام العرب والأميركيين والأوروبيين والمتظاهرين السوريين والمعارضين عن حل الأزمة، وحقن الدماء، وحماية المدنيين، والإصلاحات الدستورية، والانتخابات.. الخ لا يعني سوى خلق آلية تؤدي إلى إخراج آل الأسد من السلطة.
وبالقدر نفسه فإن كلام آل الأسد عن العصابات الإرهابية المسلحة، والمؤامرة، والمقاومة والممانعة..الخ لا يعني سوى تجريب كل ما يمكن تجريبه للحيلولة دون الخروج من سدة الحكم.
الخروج من سدة الحكم قدر لا مفر منه. وكما يُقال بالإنكليزية فقد رمي النرد على الطاولة. والمسألة مسألة وقت لا غير. وربما يستطيع آل الأسد تغيير السيناريوهات المحتملة لنهايات دامية إذا شرعوا في التفاوض اليوم قبل الغد مع الجامعة العربية، والمعارضة السورية، والأميركيين والأوروبيين (ولمِ لا) لتأمين خروج آمن لهم مقابل تقصير أمد الصراع في وعلى سورية. وقد طرح حكّام عرب على آل الأسد فكرة الملاذ الآمن. هذا، بالتأكيد، أفضل الخيارات، فاللبيب كما قالت العرب بالإشارة يفهمُ، ومع ذلك لن يحدث، لا يتعلم أحد من أحد، حتى وإن بدت النهاية في الأفق، وسبقتها نهايات.

جواد الخوئي: لا قلق من اختيار مرجع أعلى بعد السيستاني

سعد سلوم-النجف- موقع نقاش
أكثر ما يشغل بال الشيعة العراقيين هو موقع النجف كعاصمة روحية لشيعة العالم في ظل منافسة حوزة قم الإيرانية لها. ويبدو هذا السؤال معقودا على من سيخلف المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (81 عاما) الذي يستقر في النجف ويؤثر بثقله الروحي على معظم الشيعة المتدينّين في العالم.
حول هاتين المسألتين كان لـ"نقاش" حوار مع السيد جواد الخوئي حفيد الإمام أبو القاسم الخوئي المرجع الأعلى السابق للحوزة في النجف.
يشغل الخوئي الشاب منصب الأمين العام المساعد لمؤسسة الإمام الخوئي العالمية ومدير فرعها في العراق. وقضى اثنا عشر سنة بالدرس والتدريس في الحوزة العلمية في قم ويواصل الدراسة في المراحل العليا بالحوزة في النجف، فضلا عن دراسته الدكتوراه في جامعة الأزهر. وسبق له أن حصل على شهادة الماجستير من من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن، وشهادة البكالوريوس من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في بريطانيا ببحث عنوانه "الأقليات الدينية في العراق".
كما أن الخوئي ناشط في مجال الحوار بين الأديان والمذاهب ومن الموقعين الـ 138 على وثيقة "كلمة سواء" التي قدمت من علماء المسلمين إلى المسيحين واليهود والأديان الأخرى، ودعت إلى الاحترام والسلام بناء على القواسم المشتركة بين الأديان.
"نقاش" التقت الخوئي في منزل جدّه الراحل في النجف وكان هذا الحوار:
نقاش- ما خصوصية مكانة النجف كمدينة دينية في العالم الإسلامي؟
الخوئي: عرفت النجف باعتدالها ووسطيتها وانفتاحها على المدارس الإسلامية الأخرى، واذا راجعت تاريخها لن تجد جملة أو فتوى صدرت عنها ذات مضمون يشجع على العنف، وهناك أدلة كثيرة من تاريخنا تشهد بمثل هذا الاعتدال والانفتاح ليس على المدراس الإسلامية الاخرى فحسب بل حتى على الديانات الاخرى. فالشيخ محمد جواد البلاغي على سبيل المثال تعلم اللغة العبرية لكي يقرأ النصوص المقدسة بلغاتها الأصلية، وها نحن نجلس في منزل الراحل الإمام الخوئي زعيم الطائفة الشيعية وعلى بعد عشرة أمتار على يسار المنزل مقر للحزب الشيوعي العراقي وعلى يمينه وعلى بعد عشرين مترا ساحة جمال عبد الناصر رمز القومية العربية، وهذا مؤشر على وسطية النجف واعتدالها.
نقاش- هل انتم مستعدون للانفتاح على الديانات الاخرى وتنمية الحوار بين الاديان؟
الخوئي: بالطبع، إن جهودنا لا بد ان تنصب على بقاء النجف على خط الاعتدال والانفتاح، ففي مدرسة العلم للامام الخوئي التي نشيدها الآن مشروع جامعة لتدريس الأديان والمذاهب، وطموحنا كبير لتدريس الأديان الاخرى، بل ولا مانع لدينا لاستقبال الطلاب من الفاتيكان وغيره من المؤسسات الروحية للأديان لدراسة اللاهوت الشيعي، وتدريس لاهوت الأديان الأخرى للطلبة في النجف. لذا اعتقد أن من السهل والضروري انفتاح المدراس الأخرى على النجف سواء داخل العالم الشيعي أو العالم الاسلامي بعامة او حتى بالنسبة لأتباع الديانات الاخرى، ما دامت النجف مستعدة للانفتاح على العالم الروحي لجميع الأديان.
نقاش- هل تعتقدون أن التقاليد الهادئة التي أرساها جدكم الإمام الخوئي بعدم التدخل في شؤون السياسة والتي استمر على خطها السيد السيستاني يمكن أن تزول مع رحيل السيستاني؟
الخوئي: هذه التقاليد الهادئة هي جزء من تراث النجف، ولا يمكن نسبتها إلى مرجع أو مرحلة زمنية بعينها، فالفكر الشيعي قائم على عدم الصدام مع السلطة الزمنية، والمرجعية لا تتدخل في السياسية فهي في جوهرها سلطة معرفية وروحية لا تهتم بمظاهر السلطة الدنيوية. ولكن القلق موجود، وهو أمر ايجابي لأنه يعكس الرغبة في استمرار هذا التراث الهادىء.
نقاش- كيف سيتم اختيار مرجع أعلى كخليفة للمرجع الأعلى الحالي السيد السيستاني؟
الخوئي: اختيار مرجع أعلى يخضع لآليات مختلفة عن بقية المؤسسات الدينية، ففي مؤسسة دينية سنية كالأزهر يجري اختيار شيخ الأزهر رسميا من قبل الحكومة وفي المؤسسة الدينية الكاثوليكية يجري انتخاب البابا من قبل الكاردينالات لكن المؤسسة الدينية الشيعية تختلف من نواح ثلاث: أولا يدرج الشيعة "العقل" بوصفه أحد مصادر التشريع، ويترك هذا الأمر أثره على المؤسسة الدينية من ناحية كونها تظل قائمة على فتح باب التفكير والرأي وهو ما نعبر عنه فقهيا بـ"الاجتهاد" فلا قدسية لدينا لأي فكر بشري، لذلك هناك حيوية في النقاش وتبادل الآراء، والمرجع يفرض نفسه على مقلديه بقوة معرفته وليس هناك سلطة لاختياره لا تنبع من الارادة الحرة لجماهير المؤمنين.
ثانيا، الاستقلالية المالية المحضة، فالمرجع في المؤسسة الدينية الشيعية يرعى شؤون الطائفة من خلال مساعدات المؤمنين المالية والخمس والزكاة وليس هناك اعتماد إطلاقا على الدولة أو الحاكم، وتتبع استقلاليته المالية استقلاليته الفكرية وهامش الضغط عليه منعدم لذا لا يمكن لسلطة رسمية ان تؤثر على اختيار المرجع الأعلى.
والثالث الانتخاب وهو انتخاب تلقائي -واستعمل كلمة انتخاب مجازا- من خلال استقطاب مقلدي المرجع السابق من قبل مرجع جديد، فليس هناك كاردينالات ينتخبون ولا سلطة زمنية تقوم بتعيينه دون النظر الى قوميته أو جنسيته أو لونه أو كونه سيد [متحدر من نسب الرسول (ص) أو الإمام] أو من عامة الناس فهناك شروط موضوعية لها علاقة بالتقوى والعلم. فالمرجع الأعلى يبدأ طالبا ثم أستاذا ثم أستاذا للبحث الخارج ثم مرجعا ثم مرجعا أعلى. وهي طريقة بطيئة من التكوين اللاهوتي والمعرفي تستغرق عقودا من الاجتهاد والدرس وتكريس الذات للمعارف اللاهوتية.
نقاش- أي أن جماهير المقلدين للمرجع هي التي ستحسم مسألة صعود المرجع الأعلى من بين المراجع الحاليين؟
الخوئي: نعم، فبعد غياب المرجع الأعلى سيتوزع مقلدوه على بقية المراجع الذين هم على قيد الحياة، وتتوزع نسبهم على نحو متفاوت 20% على ذلك المرجع و40% على غيره والبقية على الثالث وهلم جرّا، وبعد مدة تتبلور شخصية المرجع الأعلى باستقطابه النسبة الاكبر من المقلدين، وخلال فترة زمنية تتراوح حسب تقديري الشخصي بين 2- 4 سنوات تتبلور شخصية المرجع الأعلى. وهناك اعتقاد روحي يعكس الجانب الغيبي في اختيار المرجع الأعلى يذهب إلى أن الأمور تسير على ما يرام منذ أكثر من ألف عام في دورة تلقائية، فلا موجب للقلق إذ سرعان ما تظهر قيادة روحية تقود الشيعة الى بر الأمان.
نقاش- ما رأيكم في الآراء التي تماثل بين المرجعية الدينية في النجف والفاتيكان من حيث مركزية المرجع الأعلى التي تشبه مركزية البابا في العالم الكاثوليكي، وأن المراجع الدينيين حول المرجع الأعلى أشبه بالكاردينالات حول البابا؟
الخوئي: هناك أوجه شبه شكلية، لكن ليس هناك دخان أبيض بعد رحيل المرجع الأعلى يشير إلى انتخاب بديله من قبل الكاردينالات، بل هي كما شرحت لك في الدورة التلقائية لانتخاب المرجع الأعلى، كما أن المركزية الروحية للمرجع الاعلى ليست مرجعية حديدية أو بوليسية أو سلطوية بل هي مرجعية روحية، فآراءه لا تسري إلا على جمهور مقلديه وهم قد يصلون في يومنا هذا الى 60% من العالم الشيعي الذي يبلغ زهاء المائتي مليون حول العالم والباقي يتوزعون على بقية المراجع.
ولهذا قلت ان هناك في رحاب العقل الشيعي نوع من الانفتاح والتنوع على بقية الاراء حتى داخل العقل الشيعي نفسه، وليس هناك عصمة للمرجع الأعلى كما هي حال عصمة البابا، فآراء المرجع الأعلى تنصب حول الأمور الروحية والدينية (الحلال والحرام) فهو متخصص بالعلوم الدينية والفقهية ولا يرجع اليه في أمور الطب والهندسة والتي لها مرجعياتها العلمية من ذوي الاختصاص.
نقاش- هناك من يذهب الى قوة منافسة حوزة قم في ايران لحوزة النجف، وان النجف بعد رحيل السيستاني ستفقد مكانتها في العالم الشيعي لصالح حوزة قم؟
الخوئي: لا يمكن لأي مكان آخر في العالم أن ينافس النجف أو يتحدى رأسمالها الرمزي وسلطتها الروحية، ففيها أقدم جامعة شيعية في العالم، فضلا عن وجود مرقد الإمام عليّ عليه السلام، ومهما حاولت أي مدينة اخرى تقليدها فإنها لن تكون سوى نسخة فاقدة لسحر الأصل و كاريزميته الروحية. لذا يتطلع طلاب المعرفة من أندونيسيا أو ايران أو باكستان أو لبنان إو إحدى دول الخليج إلى هذه المدينة دون سواها من المدن الأخرى، وحتى بالنسبة للمرجع الأعلى فإن وجوده في النجف سيكون عاملا مساعدا على صعوده لذا تجد الكثير من رجال الدين الذين يقضون فترة في النجف يطلقون على انفسهم لقب "النجفي" حتى لو كان من مدن عراقية اخرى او كانوا ينتمون بجنسيتهم لدول أخرى ايضا. وهي مدينة تحفز رجل الدين على الابداع، فالامام الخميني عاش لعشر سنوات في النجف وانتج نظريته حول ولاية الفقيه في النجف وليس في ايران. كما انتجت النجف شعراء كبار مثل الجواهري وخرج العديد من قادة اليسار في العراق من بيئة النجف ايضا.
نقاش- ما رأيكم في الاراء التي تذهب الى أهمية ان تكون المرجعية الدينية للنجف من أصل عربي؟
الخوئي: المرجعية شأن روحي ومعرفي ولا اهمية للبعد القومي فيها إطلاقا، وعبر القرون تنوعت المرجعيات فهناك مرجع من أصل عربي: عراقي أو لبناني وآخر من أصل ايراني وغيره من اصل آذري الخ..، وهذا التنوع يعكس حالة ايجابية كما أسلفت، وليس هناك على الاطلاق صراع قومي بين المرجعيات بل تنافس معرفي علمي يحفز على تطور الآراء.
نقاش- إلى أي حد يمكن للنجف أن تسهم في تغيير الشرق الاوسط من خلال جماهير المؤمنين الغفيرة التي تفد سنويا للزيارة من دول المنطقة؟
الخوئي: تأثير النجف عميق في نهضة الهوية الشيعية في المنطقة وإن كان يتضح بشكل تدريجي، فهي تحتفظ بموقع القيادة الروحية للعالم الشيعي وتأثيرها يتخذ أشكالا عديدة: أولا نشر الوسطية والاعتدال التي تميز مدرسة النجف. والثاني يتمثل في التأثير الروحي الهائل لوجود المراقد المقدسة لا سيما الامام الحسين في كربلاء والإمام علي في النجف وبقية الأئمة الأطهار، وهذا يمنح مرجعية النجف قوة روحية لا تضاهى. وهو أيضا يترك أثرا على نمو وتطور الهوية الشيعية العابرة للحدود السياسية والقوميات. ولا شك أن هذا التأثير بدأ يتبلور بعد التغير في العراق بعد 2003 وهو في تطور مستمر من خلال تواصل جماهير المقلدين للمرجع الأعلى عبر العالم وعدد الزائرين الذي يقدر بالملايين.
نقاش- كيف تركت التطورات التقنية تأثيرها على الأجيال الجديدة من الدراسين للاهوت الشيعي في النجف؟
الخوئي: هي أثرت على النجف كما أثرت على بقية العالم، فالنجف مدينة عصرية غير منفصلة عن عالم العولمة برغم خصوصيتها الروحية، ورجال الدين المعممون اليوم يقتنون الموبايل ويتواصلون مع العالم الخارجي عبر الانترنت، وكل منهم لديه بريد الكتروني وصفحة على الفيس بوك، وحتى في الدرس الديني اصبحوا يجلبون معهم الـ (أم بي ثري) لتسجيل المحاضرات الدينية بدلا من استخدام القلم والورقة وحين يصلون الى المنزل يكتبون ملاحظاتهم الخاصة على الحاسوب المحمول" البلاتوب".
كما فتحت التطورات التقنيات الباب واسعا أمام مرجعية النجف لتعزيز حضورها في العالم الشيعي من خلال التواصل مع جماهير مقلديها حول العالم، فقبل أقل من مائة عام وربما نصف قرن إذا أراد شخص أن يرجع بالسؤال إلى مرجعيته بامور دينية تخص الزواج أو الميراث أو غيرها كان يبذل جهدا للحصول على إجابة فلو كان في باكستان فسيستغرق وصول رسالته العام حتى يحصل على الجواب، اما الان فبكبسة زر واحدة على الحاسوب يستطيع ان يرسل سؤاله عبر الموقع الالكتروني للمرجع ويحصل على الجواب في غضون يوم.
نقاش- وهل تغيرت المناهج التقليدية لتدريس اللاهوت الشيعي؟
الخوئي: لقد تغيرت طريقة التدريس، فالمرجع يحتك بالعالم ويتعلم المزيد لان مجال المعرفة مجال مفتوح للتطور وتبادل الخبرات والاطلاع على الآراء الأخرى.

ربيع الثورات يعيد العراق إلى خريطة العالم العربي

سعد سلوم-- بغداد
مقطع من كتاب للباحث سعد سلّوم حول الاحتجاجات الشعبية في العراق، يصدر قريبا عن مؤسسة مسارات لدعم الثقافة
خلال اسابيع، تابع الشباب في العراق بشغف ما فعله اقرانهم في أكثر من بلد عربي وخرجوا باحتجاجات تضامنية معهم، قبل أن يقرروا ان يبدأوا جمعتهم المفصلية في يوم 25 شباط (فبراير) الماضي.ومع أن العراق يعيش في عزلة عن أشقائه العرب منذ غزوه للكويت 1990 وفرض الحصار الاقتصادي عليه لمدة 13 عاما، ولم يتحرر من طوق عزلته منذ التغيير الذي حصل في 2003 بإرادة أميركية، لكن ربيع الثورات جاء ليعيد وضعه على الخريطة العربية مجددا.... المفارقة أن الشباب العفوي حقق ما عجزت عنه الدبلوماسية العراقية والحكومات المتعاقبة على السلطة منذ 2004. لقد كسرت هتافاتهم جليد العزلة عن المحيط العربي ورسمت شعاراتهم وأغانيهم رغبة جديدة عابرة للحدود وحدت العالم العربي تحت راية التغيير. وبدلا من الخطب العاطفية التي تعود القادة العرب اطلاقها عن الوحدة العربية منذ خمسينيات القرن الماضي انطلق الشباب من ساحات التغيير العربية وهم يحلمون بعالم يتشكل تحت سماء جديدة.
"الديمقراطية من تحت"
لم يمنع اشتداد القمع الحكومي لاحتجاجهم السلمي رسائلهم من ان تتوالى للعالم الخارجي: نعم، كان التغيير بعد 2003 مشروطا بإرادة خارجية، ومن ثم فإنه تغيير من الخارج، إلا إننا الآن نبدأ ثورتنا الخاصة: تدشين التغيير من الداخل. "إنه تغيير على طريقتنا وليس وفقا لمقاسات ومصالح الدول الكبرى"، كما يقول بسام جمعة احد شبّان مظاهرات شباط، ويضيف وهو يعدل من قبعته التي اكسبته لقب السينمائي: "نحن نمتلك الآن من القوة والأدوات ما يجعلنا قادرين على رفع شعار الإصلاح دون مساعدة من قوة خارجية". هكذا بدأ الشباب فلسفتهم للتغيير من نبض الشارع، في نوع من "الديمقراطية من تحت"، إزاء "ديمقراطية من فوق" فرضت من قبل قوة عظمى، ومن ثم طرحوا شرعية حركتهم الاحتجاجية على مستوى تمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية ازاء آليات ديمقراطية فشلت في الانتقال بالبلاد إلى مرحلة ما بعد الصراع. وبهذا الصدد يبرر مشتاق فرج (أستاذ جامعي 38 عاما) عدم مشاركته في التصويت في الانتخابات الأخيرة بقوله "ما الفائدة من الانتخابات اذا جاءت بهتلر أو صدام جديد أو ما هو أسوء من ذلك... أي أعداء الديمقراطية من أحزاب الإسلام السياسي".
غير أن شعار "إصلاح النظام" الذي رفعه شباب شباط بدا أقل حدة من مثيله العربي الذي تمحور حول "اسقاط النظام" وهو بهذا يلخص رؤية مغايرة ملخصها أن اسقاط النظام الدكتاتوري تم في العام 2003 ولكن المهمة لم تنجز بعد، إذ فشلت سياسة القوة الصلبة باستخدام الدبابات والصواريخ في تأسيس الديمقراطية. وبعبارة أخرى فشلت "الديمقراطية من فوق" في بلورة بديل ينقل العراقيين لبرّ الأمان.

"التغيير من الداخل" يحمل رسالة اصلاحية تطرح شعارات محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وتغيير المعادلة السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية، وهو ما يتضمن تغييرا لبنية النظام السياسي الحالي يصل الى مستوى الثورة عليه. إنها ثورة جديدة للقوة الناعمة على وسائل وأدوات القوة الصلبة، تستخدم أسلحة الشعارات الساخنة التي تطلقها ساحات التغيير لتحاصر برود طرق التفكير السائدة... لكن الربيع العربي جاء بفرصة أخرى: أن يفهم العرب أخيرا ويعيشوا ما عاشه العراقيون من مخاوف وآمال طوال عقودهم الاخيرة. إذ فتحت التحولات والمخاوف التي رافقت الاحتجاجات العربية لائحة من الامكانيات والخيارات والمخاوف والسيناريوهات كانت دوما مرتسمة في أفق التحولات العراقية: الخوف من اندلاع حرب أهلية بعد سقوط الدكتاتورية، اشتداد القمع الحكومي للثورة والذي يرقى في بعض الحالات الى إبادة جماعية، عدم اليقين حول عالم ما بعد الثورة والشعور بدوار التغيير، المخاوف من وصول الإسلاميين الى السلطة، وأخيرا الاستعانة بالتدخل الخارجي لحسم المعركة مع الأنظمة الدكتاتورية. جميع تلك التحولات اختبرها العراقيون في العقدين الماضيين وإن استغرقت مدة أقصر بكثير في الحالة العربية.
هذا ما اختبره العراقيون
التفاؤل بالتغيير والذي حمل الشباب العربي في مصر وتونس، على جناح الحلم بعالم جديد، لم يمنع مخاوف عودة النظام القديم بأشكال جديدة بارزة، فالاب الحاكم الذي تم اسقاطه أو رحيله الى الابد سيعيد الأبناء تمثيل دوره للفوز والاحتفاظ بالسلطة، فهذا منطق السلطة الذي سرعان ما يزيح منطق الحريات بمجرد القبض على كرسي الحكم.مثل هذه المخاوف اختبرها شباب عراق ما بعد 2003 في مرض الحنين للدكتاتور، "اسقطنا صدام ولكن لدينا الآن أكثر من نسخة عنه" كما تقول هناء حسين 32 عاما وهي تصف الزعماء السياسيين المتصارعين على السلطة في عراق ما بعد صدام.
كما أن فزاعة الحرب الأهلية التي استخدمها الدكتاتوريون العرب اختبرها العراقيون في عالم ما بعد الدكتاتور في حرب طاحنة 2006 بين السنة والشيعة رفض السياسيون الاعتراف بتورطهم بها، أو حتى الاعتراف بها كحرب طائفية، ومن دون تقديم الاعتذار للشعب عن الجرائم التي ارتكبوها باسم تمثيل الطائفة او الجماعة او الدين.. بل إن الصورة المظلمة لواقع الأقليات في العراق جعلت من التلويح بورقة الاقليات ممكنا لأكثر من نظام عربي، لتخويف الشعوب من نتائج الثورات.
أكثر مشاهد العراق العراقية استحضارا تلك التي كانت في ليبيا. فحين راقب العراقيون القمع الذي استخدمه العقيد القذافي تجاه الثائرين كانوا يحملون في ذاكرتهم ما فعله صدام في العام 1991 وقمعه الوحشي للجنوب والشمال آنذاك قبل أن يقرر التحالف الدولي تقديم حماية للمدنيين طبقا لقرر مجلس الامن 688 وفرض ما عرف أنذاك بـ"مناطق الحظر الجوي"، ولكن برغم ذلك لم يمنع التدخل الدولي من انتشار المقابر الجماعية على طول وعرض بلاد ما بين الرافدين.
التدخل الدولي في ليبيا أعاد العراقيين إلى جدل قديم: لماذا يصبح حلالا استعانة الليبيين بقوات دولية لحسم الصراع مع القذافي، وكان هذا حراما بالنسبة لنا؟
لم كان الإعلاميون والكتاب والسياسيون العرب- وبفصاحة قل نظيرها- متحمسين للتدخل الدولي في ليبيا ولكنهم كانوا حساسيين تجاه التدخل الأميركي في العراق؟
لذا يعتقد العراقيون حسبما يقول أثير ناظم الجاسور وهو تدريسي في كلية العلوم السياسية الجامعة المستنصرية "إن العرب عليهم أن يعيدوا حساباتهم وأن لا يتصرفوا على نحو ازدواجي" أو وفق سياسة "التصرف بوجهين".
إمكانية أن يتحول ربيع الحريات سريعا إلى خريف الفوضى، جعل مخاوف التغيير في العالم العربي مرهونة بتحقيق إجماع وطني. وهو ما أثبتت التجربة العراقية استحالة تحقيقه دون مخاضات مؤلمة. ولكن من سيكتب هذا العقد الاجتماعي الجديد وبأي كيفية؟ هذا تحد جديد تعين على الشعوب العربية خوضه في ظل عدم وضوح رؤية.
فحين شرع المصريون بالاستفتاء على دستور جديد والاستعداد لخوض معركة انتخابية محمومة، اراد العراقيون ان يخففوا من حماسة زملائهم، فالتجربة العراقية تقول أن تبني الآليات الديمقراطية كالانتخابات وكتابة دساتير جديدة ليست ضمانة لبناء دولة مدنية يتساوى فيها الجميع على قدم المساواة، فها هم العراقيون قد كتبوا دستورا وخاضوا دورتين انتخابيتين، ولكن قاطرة الديمقراطية انحرفت عن مسارها وأتجهت الى طريق أخر.
وكانت نتيجة التجربة دستورا زرع من ألغام الخلاف ما يهدد بتفكيك البلاد، وجاءت الانتخابات بأحزاب الإسلام السياسي للسلطة مع برامجها لتحويل العراق الى دولة دينية. أليست هذه مفارقة ان الآليات الديمقراطية كانت سببا في وصول اعداء الديمقراطية الى السلطة؟!.
"العرب متفاءلون بالتغيير أكثر من اللازم، انظروا إلى حالنا بعد سبعة سنوات من التغيير وسترون مستقبلكم"، هكذا تقول سرى غضبان 21 عاما وهي طالبة جامعية لم تفارق عيناها مشاهد الاحتجاجات العربية على شاشة التلفاز.
فهل أصبح حاضر العراق هو مستقبل المنطقة؟ هذا تساؤل قد يضع تقييم التحول الذي تشهده المنطقة من منظور جديد، ويجعل من نظريات المؤامرة المكرورة التي تتحدث عن تقسيم المنطقة أو الدعوة لشرق أوسط جديد أمر ممكنا وحقيقيا أكثر من أي وقت مضى.
بغداد عادت تدريجيا إلى الخارطة العربية الآخذة بالتبدل. يبقى على الديمقراطيات العربية الوليدة ألا تعيد وتكرر أخطاء بغداد.