الأربعاء، 30 مايو 2012

دولة البربرية

زياد ماجد، الثلاثاء 29 أيار 2012 في العام 1986، لقِي ميشال سورا حتفه في الضاحية الجنوبية لبيروت، العاصمة اللبنانية التي عصفت بها الحرب الأهلية وقبضة المخابرات السورية، بعد عام على اختطافه وعلى معاينته للبربرية التي ناقشها وحلّلها في كتاباته عن سوريا. اليوم، تذكّرنا نصوصه المجموعة في الطبعة الثانية من كتابه "دولة البربرية" بألمعيّتها وراهنيّتها رغم مضيّ ثلاثة عقود على أوّل نشر لها. ويمكن لنا التوقّف في السياق السوري الثوري عند قضيّتين عالجهما سورا في نصوصه: "العصبية" و "صراع المجتمع والدولة". العنصر المحرّك للنظام: العصبية لفهم طبيعة النظام الذي أسّسه حافظ الأسد، اعتمد ميشال سورا مفهوم "العصبية" الخلدونية (أو ما أسماه دوركهايم "التكافل الآلي"). وقد أتاح له اعتماد هذا المفهوم شرح الدور الذي لعبته دوائر السلطة والجمعيات الأهلية التي أنشأها آل الأسد في عملية تحويل "الجماعة العلوية" الى طائفة سياسية، وليس فقط دينية (على نحو يعدّه سورا شبيهاً بحال بعض الطوائف اللبنانية وقتها). وقد حصلت عملية التحويل هذه بواسطة خطاب ومصطلحات، وبواسطة إحياء في الذاكرة الجمعية للنقمة على المدينة بوصفها تاريخاً من الاستغلال لأبناء الريف. وحصلت أيضاً من خلال التركيز على تنسيب الألوف من شباب الطائفة الى الجيش وأجهزة المخابرات. ثم جرى تدعيم كل ذلك عبر فرض سيطرة حزب البعث على الحياة العامة وتوظيف هيئاته من أجل إخضاع مؤسسات الدولة ومنظّمات المجتمع، وبخاصة المدينية، والتحكّم بها. بذلك، تمكّن الأسد من إقامة عصبية مهيمنة في البلاد، تبع ترسّخها توسيعٌ تدريجي للقاعدة الاجتماعية للنظام وللشبكات الاقتصادية والنفعية (المتنوّعة الانتماءات الطائفية) المرتبطة به. واليوم، نرى أن المسألة الطائفية كما المسائل المتعلّقة بأدوار الأجهزة العسكرية والمخابراتية وحزب البعث تبدو قويّة الحضور وأساسية لفهم ما يجري في سوريا، تلك التي ورثها إبن حافظ، بشار الأسد. فالعصبية حاضرة كعنصر تماسك للمحافظة على النظام. وهي على الأرجح، عنصر القوّة الأساسي الذي بقي له بعد تراجع سلطته وتفكّك سطوته الرمزية وخطابه، وتقلّص قاعدته الاجتماعية وتحوّله الى مجرّد آلة قمعية منذ آذار 2011. في المقابل، عدّلت التطوّرات الديموغرافية والاجتماعية المعطى المديني – الريفي. فلم تعد حركة الثورة مدينية كما كان سورا يصفها في مطلع الثمانينيات (من القرن الماضي). هي أيضاً ريفية، وثنائية الريف – المدينة لم تعد قادرة على اختزالها أو رسم خطوط فصل داخلها. فالخطوط المذكورة تخطّاها الجيل الجديد الذي يعيد إنتاج الفعل السياسي، إن في المناطق الطرفية الريفية، أو في المساحات التي توسّعت المدن لتضمّها، أو في قلب المدن السورية نفسها. "المجتمع السوري ضد دولته" إستخدم ميشال سورا "الجدلية الهيغيلة الماركسية" حول المجتمع والدولة لعنونة أحد نصوصه حول الصراع الذي نشب بين الأخوان المسلمين (والعديد من التشكيلات السياسية والنقابية الإسلامية واليسارية) وسلطة حافظ الأسد بين العامين 1979 و1982. وهو صراع انتهى الى مجازر رهيبة في مدينة حماة المتمرّدة، والى حملات اعتقال وتوقيف طالت الآلاف من المعارضين السياسيين. ونجح الأسد في نهاية الأمر، مستنداً الى العصبية في الداخل، والى غضّ الطرف أو التواطؤ في الخارج، والى الخطاب والشعارات الايديولوجية المعلنة قومية عربية وكفاحاً ضد الامبريالية والصهيونية، في تحويل الحقل السياسي السوري الى رماد والقضاء على الأخوان المسلمين داخل البلاد. لكن نجاحه كان أيضاً نتيجة عجز الأخوان عن توسيع شعبيّتهم أفقياً، وتمنّع دمشق وبرجوازيّتها عن مناصرتهم، وارتفاع جدران الخوف والصمت التي ابتناها البطش والرعب. وبذلك، صارت سوريا حيّزاً مفتّتاً، بسكّان متوحّدين، وبناس "مسحوقين بعضهم على بعض" كما يقول توصيف هنّا أرندت لماهية الطغيان وأثره في المجتمع. وإن كانت هزيمة المجتمع السوري في بداية الثمانينات قد منعت كل محاولة فعل سياسي مواطني على مدى عقود (باستثناء ربيع دمشق القصير أواخر العام 2000 ومطلع العام 2001)، فإن الثورة السورية المستمرة منذ أكثر من عام تشكّل الانعتاق النهائي من التوحّد والموات. فمن درعا الى حمص، ومن دير الزور الى حماة، ومن دمشق الى إدلب، ومن حلب الى السلمية، ومن كفرنبل الى القامشلي، يُعيد السوريون - في مظاهراتهم اليومية وفي مقاومتهم لآلة الموت - بناء الحقل السياسي على أنقاض الخوف. يستعيدون تضامنهم المواطني وصِلاتهم الترابية ويُعيدون تملّك جغرافيتهم، حيّزهم العام، من أجل تخطّي التمزّق والتفتّت وإعادة نسج علاقاتهم الاجتماعية. هكذا، يتحرّر المجتمع السوري يوماً بعد يوم من بقايا أثقال الطغيان. يولد من جديد، يكتشف ذاته ويكوّن ذاكرة جديدة للمستقبل. وحده الحكم الآفل بقي ما كان عليه قبل ثلاثة عقود، تماماً كما أسماه ميشال سورا: دولة البربرية.

وائل غنيم يؤيد 'مرسي' لرئاسة الجمهورية..ويوجه 7 نصائح للإخوان

أعلن الناشط السياسى وائل غنيم على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعى 'فيس بوك' دعمه الدكتور محمد مرسى فى انتخاب رئاسة الجمهورية، مؤكدا أن القرار جاء بعد تفكير طويل لمقاطعة الانتخابات، ولكنه قرر أن يكون صوته لمحمد مرسى. ووجه غنيم لحزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين عدة مقترحات لسلامة العملية الانتخابية الفترة القادمة، وتبديد المخاوف، قائلا: 'حتى يستطيع محمد مرسى الفوز فى هذه الانتخابات وحشد أكثر من 25% من المصريين الذين لم يصوّتوا له فى المرحلة الأولى وهو أمر ليس بالسهولة بمكان، بل أراه شديد الصعوبة فى ظل ما يحدث حاليا فى مصر، فمن الضرورى أن يتم علاج المخاوف التى لدى الكثيرين ممن قرروا مقاطعة الانتخابات أو عدم انتخابه. ولخص غنيم هذه المخاوف فى: الخوف من استبداد الجماعة بالحكم بعد أن أصبحوا أغلبية فى مجلسى الشعب والشورى والآن الرئاسة إن فاز د. محمد مرسى بالانتخابات، ومن ثمّ تكون النتيجة صناعة حزب وطنى جديد يسيطر على كافة مفاصل الدولة، والتخوف الثانى هو الخوف من التضييق على الحريات الخاصة والعامة، وهذه المخاوف وإن اختلف معها الإخوان أو اتفقوا فهى مخاوف حقيقية موجودة على الأرض ينبغى التعامل معها. وتوجه الناشط السياسى وائل غنيم بعدة نصائح إلى حزب الحرية والعدالة جاء فيها: 'يجب صناعة حالة من الاصطفاف الوطنى تشمل كل فئات الوطن، وخاصة أقباط مصر بالإعلان عن حكومة إنقاذ ائتلافية يشارك فيها الجميع ويرأسها شخصية مصرية وطنية غير محسوبة على الإخوان المسلمين تعمل على الأقل لمدة عامين، على أن تشمل الحكومة الشباب والنساء ذوى الكفاءة لصناعة قيادات مستقبلية لهذا الوطن. والنصيحة الثانية، بحسب غنيم تعيين شخصية عامة لها قبول شعبى وغير محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين نائبا للرئيس بصلاحيات محددة. كما يجب الإعلان عن تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، بما يضمن أنها بالفعل تمثل كل أطياف الشعب المصرى بدون سيطرة فصيل أو تيار عليها، والسعى لكتابة دستور يرسّخ من المبادئ التى قامت من أجلها الثورة وهى: 'عيش – حرية - عدالة اجتماعية'، ولا يضع فروضا على الحياة الشخصية للمواطنين تحت أى مسمّى. وجاءت النصيحة الرابعة التى وجهها غنيم للإخوان المسلمين وهى الابتعاد عن الاستقطاب الدينى فى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة والتركيز على التوافق الوطنى، حفاظا على الصف المصرى وتماسك وحدة الوطن وأبنائه، وعدم تحويل المعركة إلى معركة 'ثورة' أو 'لا ثورة' لأن الثورة مستمرة وليست مرهونة بمن الرئيس ولا يمكن اختزالها فى معركة الرئاسة. كما يجب الإعلان عن النية فى إصدار تشريعات جادة لتقنين أوضاع الجماعة، وغيرها من الحركات السياسية بشكل رسمى وقانونى خلال أقل من 6 أشهر، بما يضمن أن عملها السياسى منفصل بشكل تام عن عملها الدعوى، ويتم بوضوح إنهاء علاقة مكتب الإرشاد فى الجماعة بالحزب السياسى، وأن تكون الجماعة خاضعة للرقابة والقوانين وتحت منظار الأجهزة الرقابية للدولة، وذلك تأكيدا على مبدأ تكافؤ الفرص فى العمل السياسى وضمان نزاهة العملية السياسية. وناشد غنيم الجماعة مراجعة أخطائها طوال العام ونصف العام السابقين، خاصة فيما يتعلق بالأداء الإعلامى السيئ لقياداتها والتصريحات والبيانات التى نالت من كثير من الثوار والفصائل الوطنية واتهمتهم فى وطنيتهم وصنعت حالات من الاستقطاب أغلبها وللأسف على أساس دينى، والتوقف عن بعض الممارسات التى تؤدى بشكل أو بآخر لاستبداد الأغلبية بالأقلية. كما يجب التعهد بالحفاظ على الحياد الكامل لمؤسسات الدولة خاصة الجيش والشرطة وضمان عدم إقحامهما فى العمل السياسى أو اختيار قياداتهم بناء على الولاء الحزبى، وتأكيد أهمية أن يتولى المناصب فى الدولة أهل الكفاءة وليس أهل الثقة. وقال وائل غنيم، فى نهاية كلمته إلى جماعة الإخوان: 'أرجو أن تدرك جماعة الإخوان أن أهمية هذه المطالب لا تتعلق فقط بالفوز فى الانتخابات ولكنها أيضا مهمة جدا لتحقيق استقرار الوطن المنشود والبدء فى صناعة نهضة تتحدث عنها الأجيال القادمة، وأن هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن تحتاج ليس لما يسمّى بالـتنازلات ولكن تحتاج إلى إدراك الصورة بشكل كامل، نحن فى لحظات تاريخية وأتمنى أن يكون الإخوان هذه المرة على قدر المسئولية. واختتم غنيم مقالة دعمه للدكتور محمد مرسى بقوله: 'أحب أن أؤكد أن الثورة لن تموت ولن تضيع، سواء كان الرئيس مرسى أو شفيق، هناك تحديات سنواجهها من نوعية مختلفة مع كل مرشح منهما، ولكن فى النهاية لا يمكن أبدا اعتبار أن فوز أحدهما هو نهاية للثورة، لأن العملية الانتخابية من أولها لآخرها فى حد ذاتها انتصار للثورة، ومهما حدث من خسائر مرحلية فيجب أن نتعلم منها ونصحح من أخطائنا ونستمر فى طريقنا فالثورة مستمرة وستنتصر.

الأطرش: على أهالي جبل العرب وحوران عدم الانجرار وراء الفتنة التي يخطط لها النظام

الاربعاء 30 أيار 2012 طالبت الناشطة الحقوقية، الناطقة الرسمية باسم منظمة حقوق الانسان "سواسية" منتهى الأطرش أهالي جبل العرب وحوران بعدم "الانجرار وراء الفتنة المذهبية التي يخطط لها النظام"، وذلك إثر الحديث عن عمليات خطف متبادلة بين منطقتي جبل العرب وحوران، ما دفع رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط إلى التنبيه من مخاطر الفتنة المذهبية مطالباً "أهل جبل العرب باليقظة". الأطرش، وهي إبنة سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، أكد لصحيفة "الراى" الكويتية أن "النظام (...) يستغل التوتر الأمني من أجل اثارة المشاكل الطائفية"، مشيرة إلى الدور المهم الذي يلعبه المشايخ الدروز لـ"وأد الفتنة"، وداعية أهالي السويداء وحوران إلى "التعقل والصبر والثبات". ورداً على عمليات خطف متبادلة بين السويداء ودرعا، أوضحت أن "النظام يثير المشاكل الطائفية في السويداء ودرعا، وحسب معلوماتي فإن الجيش يضع على كافة نقاط التفتيش في حوران جنوداً من الدروز، ما يؤدي إلى استفزاز أهل المنطقة. وحين يمرّ أهالي حوران عند الحواجز يتبادل الطرفان الاتهامات، وكما نعلم فإن جزءاً من أبناء الطائفة الدرزية وتحديداً الفقراء يعملون لمصلحة النظام وينخرطون في فرق "الشبيحة"، وهذا الأمر دفع البعض في حوران إلى خطف درزي من السويداء وقتلوه، فقامت جماعتنا بخطف 12 شخصاً من حوران وأخذوهم رهينة، ما دفع بعض المشايخ من الطائفة الدرزية الى التدخل وبعدها تمّ الأفرج عنهم". وتابعت: "أكد لي المشايخ الذين اتصلتُ بهم أن هؤلاء لم يتعرضوا لأي أذى. المشكلة أن البعض من جماعتنا لا سيما الفقراء، يعلمون في فرق الشبيحة ويدفع لهم النظام 1500 ليرة سورية في اليوم". وأضافت: "لا أنفي مخاوفي، لكنني على ثقة أن أهالي حوران والسويداء لن ينجروا إلى أي فتنة مذهبية. فأهل حوران هم أهلنا، ونحن أبناء وطن واحد، وعلينا جميعاً تجاوز هذه المرحلة الخطيرة بالصبر والثبات، والمهم الآن المحافظة على هدف الثورة السورية أي إسقاط النظام، ولا يجوز الانجرار وراء أي فتنة تدبرها السلطة". وعما إذا كان أهالي جبل العرب سيتجاوبوا مع نداء النائب وليد جنبلاط لإسقاط مخططات الفتنة المذهبية، قالت: "العقلاء في جبل العرب وحوران يعملون جميعاً لتجاوز هذه المرحلة، لكن هذا لا يمنع وقوع بعض الحوداث هنا وهناك. وأتمنى أن يصغي الجميع لنداء الاستاذ جنبلاط وأتصور أن دعوته لإسقاط الفتنة المذهبية سيكون لها صدى عند اهالي جبل العرب". ووجهت رسالة إلى "العقلاء" الشباب من المنطقتين في حوران وجبل العرب، قائلة: "اياكم الإنجرار وراء الفتنة المذهبية والفخ الذي ينصبه النظام، لأن الجميع سيدفعون الثمن. وأدعوهم الى التعقل والصبر والثبات، وأطالبهم بالسير وراء المطلب الحقيقي الذي يطالب به الشعب السوري. معركتنا الآن اسقاط النظام الاستبدادي، والانحراف عن هذا الخيار الوطني لمصلحة الفتنة الطائفية يعني خيانة الثورة". ورأت ان "مجزرة الحولة (في محافظة حمص، والتي راح ضحيتها 108 أشخاص بينهم 35 طفلاً) رهيبة ويجب محاسبة مَن ارتكبها. لكن المشكلة أن النظام والمعارضة يتبادلان الاتهامات، وأعتقد أن أخلاقيات الجيش السوري الحر تمنعه من ارتكاب مثل هكذا جريمة. النظام يقول إنه وضع لجنة تحقيق وعيّن لجانا للكشف عن مرتكبي المجزرة، وأنا لا أثق بهذه اللجان. وما أعرفه أن الشعب السوري يُقتل ويُذبح كل يوم، والمجتمع الدولي لم يخطو أي خطوة للحد من هذه المأساة التي يتعرض لها أهلنا، فهم يكتفون بالادانة والتنديد. ولم نرَ أي خطوة اجرائية للحدّ من المذابح التي تُرتكب من السلطة يومياً، ولا أفهم كيف أن روسيا التي تدّعي دعم الشعوب المظلومة والفقيرة تقف الى جانب أخطر نظام استبدادي. العالم كله يراقب نزيف الدم في سورية ولم نحصل إلاّ على الاستنكار".

الثلاثاء، 29 مايو 2012

سعود المولى: وداعاً يا نصير بيك

كما في مسيرة حياته النضالية هكذا كان نصير في رحلته الأخيرة الى صيدا.. الجامع المانع القابض على الجمر المتمسك بالحرية الشديد الوفاء للوطن السيد الحر المستقل وللبناء والاعمار وللمصالحة والسلم الأهلي وللوحدة والحوار الصادق وللقلم الحر وللاستقامة على الحق والعدل وللقضية الفلسطينية وللربيع العربي.. حشود كبيرة من رفاق الأمس واليوم ومن كل الطوائف والمناطق والفئات امتزجت دموعهم بلوعة الحزن على رحيله المبكر في عز النضال والعطاء... نعم بكرت علينا يا نصير.. كنا نريدك معنا لتشهد انتصار ربيعنا الذي حلمنا به منذ ربيع العام 1968... نواب ووزراء وقادة واعلاميون وسياسيون ورجال دين وأطباء وصيادلة ومحامون وقضاة وأساتذة وطلاب جامعات ورجال أعمال وموظفون رسميون وفقراء كادحون جاءوا من كل مكان وزمان ليقولوا له وداعاً يا رفيق الأيام الحلوة والمرة.. وداعاً يا رقيقاً كالنسيم يا خفيف الظل كالياسمين يا حبيب القلوب كالعاشقين يا دمعة الوطن الحزين على شهدائه المناضلين وعلى أهله المستضعفين.. رجال ونساء وشباب وصبايا زحفوا من أقصى عكار وحلبا والضنية والمنية في الشمال الى أقصى عرسال وسعدنايل وبعلبك والهرمل وجب جنين ولبايا ومشغرة في البقاع الى أقصى مروحين وحانين وشقرا وجبشيت وبنت جبيل في الجنوب الى أقصى جرود العاقورة وبشري وزغرتا وكسروان والمتن فالى قلب بيروت وطرابلس وصيدا وصور والنبطية وجونية.. رجال ونساء من كل الطوائف والمناطق والفئات العمرية والاجتماعية ساروا جنباً الى جنب من أمام مستشفى الجامعة الأميركية حيث كان ينتظرهم العلامة السيد علي الأمين الى خلدة ومنها الى صيدا...رجال ونساء من كل الطوائف والمناطق والفئات دخلوا مسجد الحاج بهاء الدين الحريري.. لحظات لقاء داخل المسجد الذي شيده الرئيس رفيق الحريري لذكرى والده المرحوم بهاء الدين ثم واصلوا السير الى البوابة الفوقا وحسينيتها حيث استقبلهم مفتي صيدا الجعفري الشيخ محمد عسيران وأهالي حارة البوابة الفوقا حيث عاش آل الأسعد ومروة وعسيران والزين وابراهيم منذ مطلع القرن التاسع عشر وحيث قبورهم ومدافنهم تشهد على أصالة صيدا ووحدة أهلها... ثم حمل رفاق نصير النعش يتقدمهم السيدان محمد حسن الأمين وهاني فحص والشيخ عباس الجوهري والاستاذان محسن ابراهيم وكريم مروة وسفير دولة فلسطين وقيادات حركتي فتح وحماس ورفاق نصير في الأمانة العامة لـ14 آذار وفي تيار المستقبل ووفد كبير من قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي ووزراء ونواب جبهة النضال الوطني وممثلو القوات اللبنانية وحركة التجدد الديمقراطي وكل رفاق وأحباب نصير من الذين حملوا معه هموم الوطن والناس وسؤال الحقيقة والعدالة... كما في مسيرة حياته النضالية هكذا كان نصير في رحلته الأخيرة الى صيدا جمع لبنان كله ومعه كل العرب وعلى رأسهم فلسطين وفي القلب منهم ربيعُ عاش له نصير ومات فالى روحه الطاهرة ألف فاتحة والى أهله الكرام كل المحبة والدعاء لهم بالصبر والسلوان والى رفاق دربه القدامى والجدد تجديد للعهد والوفاء للمسيرة والى أن نلتقي يا نصير لك مني أحلى ما في القلب والوجدان

سعود المولى: نصير الحقيقة والعدالة

ثلاثة لم أكن أستحي بمناداتهم يا بيك: وليد جنبلاط وسمير فرنجية ونصير الأسعد... ثلاثة بكوات "حمر" تركوا كل شيء من أجل النضال في سبيل الحقيقة والعدالة في حياة البشر... عرفت نصير الأسعد منذ عام 1969.. كنت قد انتقلت حديثاً من طرابلس الى بيروت ودخلت ثانوية البر والاحسان الرسمية في الطريق الجديدة..وكان هو في الليسيه الفرنسية.. أسسنا معاً ومع رفاقنا في منظمة الاشتراكيين اللبنانيين- لبنان الاشتراكي (التنظيم الموحد الذي صار لاحقاً منظمة العمل الشيوعي 1971) ما صار أهم منظمة طلابية جماهيرية لسنوات السبعينيات: لجان العمل الطلابي.. وفيها برزت ثلة من الشبان الحالمين بلبنان أفضل: حكمت العيد ونصير الأسعد ومختار حيدر وحسان يحيى وعلي يوسف وبسام عكاوي وفتحي اليافي وحسن منيمنه ووديع حمدان من الجيل الأول... وبرز لاحقاً الكثيرون ممن صاروا قادة حقيقيين للنضال الطالبي.. كان نصير أحد ابرز قيادات الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية لسنوات 1973-1975...وكان أحد أبرز قيادات منظمة العمل الشيوعي خلال أصعب سنوات ومراحل النضال الى جانب محسن ابراهيم... وحين استقل هو وغيره عن المنظمة لم يتحول نصير الى شتام هدام بل كان مثالاً للأخلاق السياسية الرفيعة وقدوة في السلوك الانساني، لا يعرف غير لغة الحوار والعقل والحب العميق لقضايا الناس المستضعفين.. لم يكن التحول الذي جرى في حياته، كما في حياة جيلنا هذا، تحولاً نحو رغد العيش في أحضان السلطات وانما نحو استمرار النضال بأشكال أكثر ملاءمة لمتطلبات وضعنا اللبناني والعربي.. كان الهم الذي دفع بنا في أول مراحل الصبا والشباب نحو الانخراط في كل معارك النضال اليساري، هو نفس الهم الذي حركنا وما يزال يحركنا في كل موقع نحتله أو نعمل فيه: البحث عن الحقيقة والعدالة من أجل سعادة الانسان... نعم الحقيقة التي هي ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها... والعدالة التي هي شوق الإنسانية العظيم في كل الأمكنة والأزمنة... نصير الأسعد لم يغادر موقعاً نضالياً إلا ليحتل موقعاً أصعب وأكثر قابلية لتطوير طاقات وقدرات الناس نحو الفعل السياسي الثوري التغييري الحقيقي... كان يؤمن بالناس وبأنها هي صانعة التغيير ولكن من خلال الوعي الصحيح والتنظيم السليم..وقد آمن مثلنا بأننا نعيش مرحلة ديموقراطية وطنية بحسب تعبير الشهيد كمال جنبلاط، أو ديموقراطية جديدة بحسب تعبير ماوتسي تونغ، ما يعني العمل على تحقيق أوسع جبهة للنضال المشترك في سبيل وقف الحرب الأهلية وتحقيق السلم الداخلي واعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدالة وديموقراطية.. لم يحمل نصير أي وهم يسرواي خبيث ولا اعتبر يوماً أن النضال وقف على ألمعية هذا أو ذاك من الكتبة المرتزقة الذين يعيشون في حضن أجهزة المخابرات ويقتاتون من دم الناس الشرفاء... وحين صار نصير صديقاً للرئيس الشهيد رفيق الحريري فإنما كان ذلك بسبب استقلاليته الفكرية والنضالية واستقامته المعنوية على الحق وتمسكه بالعدل في كل الأمور... ولم يكن ذلك طلباً لموقع أو جاه أو مناسبة لاستخدام النفوذ والسطوة... كان نصير/الرجل هو الذي يصنع الموقع لا العكس كما نرى للأسف في الكثير من حالات المثقفين والصحفيين... كان الموقع بالنسبة اليه هو القرب من نبض الناس وحقوقها وقضاياها لا البرج العاجي البعيد عن الناس االقريب من الأجهزة. شارك نصير في تأسيس اللقاء الشيعي اللبناني وحمل منذ ذلك الوقت همّ البحث عن مخرج تاريخي للأزمة الشيعية من خلال الاندراج في العمل الوطني المتكامل عبر مسيرة 14 آذار... نعم رأى نصير أن حركة 14 آذار هي خلاص لبنان وبالتالي فهي خلاص الشيعة أنفسهم من كل ما عانوه ويعانونه من خوف وتهميش ومن مصادرة واستئثار... ولكنه كان يعرف أيضاً مواطن ضعف حركة 14 آذار وخصوصاً في الموقع الشيعي... أما تميزه هنا فهو أنه لم يكن من نوع النقاقين العاجزين عن رؤية المسار التاريخي الذي شقته حركة 14 آذار والتحديات الكبيرة التي تنوء من ثقلها الجبال...عرف نصير بقوة بصيرته وحاسته السياسية واستقامته الفكرية والمبدئية أن حركة 14 آذار ليست ملكاً لشخص أو لحزب وأن ما تواجهه ليس رحلة صيفية وإنما أشرس معركة حضارية في وجه أعتى أمبراطوريات مافيا الحقد والإجرام والظلام.. ولذلك فإنه لم يتخل يوماً عن أهداف حركة 14 آذار ولا انخرط كغيره من الصحفيين السريعي العطب في عملية جلد الذات والبكاء على الأطلال.. ظل نصير يكافح في موقعه لتصحيح كل خطأ ولتأكيد كل صح في مسيرة الناس نحو الحقيقة والعدالة... تميز كصحفي جريء واضح شفاف وتميز كمناضل شجاع حاسم قائد في الملمات لا يهتز أمام النكسات ولا يضعف أمام المغريات وما أكثرها.. فكان ينتقل من موقع الى موقع أصعب وليس العكس... اليوم يغيب نصير وتغيب معه قامة وطنية كبيرة وقلم حر مستنير وفكر متوهج وقاد ووثاب... وتغيب معه سطور من ملحمة نضالية تاريخية شارك هو في بنائها وكانت مرحلة جميلة من تاريخنا عبرناها معاً بكل الآمال والآلام... مرحلة سيقول التاريخ عنها يوماً أنها مرحلة أمثال نصير الأسعد وسمير قصير وجورج حاوي من اليسار الحقيقي لا اليسار المزيف، اليسار المناضل في أشرس المعارك لا اليسار الثرثار في صالونات باريس ولاس فيغاس وصحافة وتلفزيونات الحقد واللؤم والقتل... وكما وقف نصير دائماً مع الناس وفي صف المستضعفين وفي موقع الحقيقة والعدالة، نقول له: نم هنيئاً يا رفيق... هذا هو طريقنا الوحيد نحو فجر جديد..

عادل عبد المهدي:المجلس الاعلى.. من رحم الاخفاقات تولد النجاحات.. والعكس صحيح

برز "المجلس الاعلى" منذ ثمانينات القرن المنصرم كاهم قوة سياسية عراقية.. فاتجهت اليه الانظار.. والتفت حوله جموع كبيرة.. وخشيت منه وخاصمته اخرى. فاز "المجلس" بانتخابات مجالس المحافظات الاولى.. وكان حجر الزاوية في فوز "الائتلاف العراقي" في انتخابات الجمعية، وفي الدورة التشريعية الاولى.. وتصدر العمل لاعداد الدستور.. وتشكيل اولى الحكومات.. وتصور ان هذه النجاحات قد وفرت له رصيداً متواصلاً، وتسرب الغرور والكسل الى جوهر مناهجه وتنظيماته.. ولم يستوعب كلياً التطورات الجديدة.. وتفككت بعض طروحاته.. فجاء اداؤه في انتخابات 2009 (المحافظات) مخيباً للامال.. وبدت تشكيلاته قديمة، مفككة، فاقدة المبادرة، عاجزة عن تجنيد جمهورها، ناهيك عن جمهور الوطن. ولم يستوعب ان الثوابت شيء ومناهج العمل شيء اخر.. وان تكرار النظريات والثوابت والمبادىء بمفردها لا تبني حركية سياسية.. وان طروحات المعارضة قد انتهت.. والاوضاع بحاجة للتجديد والتعامل مع منطق الدولة وبناء المجتمع. وان تعبئة الشعب وبناء التحالفات والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخارجية تختلف عن رفع السلاح ومعارضة الدكتاتورية. بدا لكثيرين ان طروحات "المجلس الاعلى" قد ذبلت وانتهت.. وهي انطباعات وجدت صداها داخل "المجلس" وقياداته وجماهيره العريضة. فبدا كل شيء في تراجع الا صلابة النواة.. وتقوى العمل امام الله والمرجعية والمواطنين.. والامانة لدماء الشهداء،.. والتي امامها تنحني القامات.. وتعترف بالاخطاء.. وتراجع نفسها.. وتستعد للاصلاحات.. وتتجرأ في تجديد الافكار وتغيير الدماء، وفقاً لسنن الحياة.. لتعتمد الروحيات الشابة فكراً ونشاطاً، والعمل والانتاج معياراً.. ولتأكيد ما برهنت الحياة صحته ونبذ البالي والمستهلك. فاصدر بيانه العلني الجريء في 2/2/2009 مهنئاً الفائزين واعداً بمراجعة اخطائه، وببدء حملة اصلاحات تنظيمية ومنهجية كبيرة. لم يتخلص "المجلس" من عوامل العطل والعرقلة كاملة.. لكنه يمتلك اليوم ما يكفي للتدليل بانه يتقدم متجاوزاً عوامل التراجع.. وانه ليس جزءاً من الماضي فقط.. بل هو جزء واعد من المستقبل ايضاً.. وان خطاب رئيسه النافذ، ومؤتمره الاخير، والجموع الغفيرة لتنظيماته التي احيت "يوم الشهيد"، خير دليل على عودة الحيوية لبنيته وافكاره.. والمطلوب الاستمرار بتطويرها. والخطر الذي يهدده اليوم هو ان يتوقف عند هذا النجاح الجزئي.. ليأخذه الغرور مجدداً.. فالنجاح باب من ابواب الهزيمة، ان لم تدرس عوامله ومخاطره ومغرياته في آن واحد.. لاستثمار الاولى.. ومواجهة الثانية.. والتصدي للثالثة.

عادل عبد المهدي:أربيل، النجف.. صراع قوى ومؤسسات، ام صراع جماعات؟

العراق بلد ورث الكثير من الانقسامات والصراعات والقضايا المثيرة للخصومة بل للاقتتال.. ومصلحتنا جميعاً تصريف هذه الشؤون وجعلها ملفات في مؤسسات الدولة والمحاكم ووسائل الضغط والاعلام.. بطرق حضارية عادلة تبقي الاختلاف مدنياً وسلمياً يستخدم الوسائل التي يتيحها الدستور حقيقة وليس لفظاً او ادعاءً.. ويضمن حق التعبير الحر عن الرأي والتنظيم والتظاهر.. بعيداً عن الانتقائية والرشوة والتهديد والابتزاز. بخلافه ان تحولت الاختلافات الى خلافات وانقسامات في الشارع والمجتمع والجماعات، ليصبح لكل طرف قانونه الخاص.. ومنطقه ووسائله المتفردة في الفهم، او الصراع، فاننا ندمر وحدتنا التي ندافع عنها لكننا ننسف اعمدتها.. ونعبر عن عدم احترام لشركائنا، بل لانفسنا وذكائنا وحكمتنا.. ونغلب غرائزنا ووحشيتنا التي ستأكلنا وغيرنا. والخلافات على مستويين.. اما بين اطراف تتشارك السلطة.. او بين الجماعات خارجها.. ولدينا امثلة للنوعين. وازمتنا اليوم هي بالخلافات بين جماعات وقوى لديها جميعا ممثليها في السلطة والدولة وبكافة المستويات الاتحادية والمحلية. ولا حل للخلافات بين اجنحة السلطة غير مؤسسات الدولة وتحت قبة البرلمان.. اما الخلاف بين الجماعات والمكونات فحلوله من خلال العقد التأسيسي والدستور واحترامه نصاً وروحاً، وما يتوصل اليه الفرقاء تحت مظلته من توافقات واتفاقات. وللاسف الشديد، يحاول البعض تحريك الشارع والرأي العام وحساسيات كل جماعة لشن حملة من التشويهات والتسقيطات لخدمة اهداف تضع الزيت على النار وتحرق الوطن ومكوناته بدون استثناء. وهذا اسلوب وطريق خطير.. لان ما يستطيع طرف ان يفعله يستطيع طرف اخر ان يقوم به ايضاً. فاذا اضعفنا دور المؤسسات ووضعنا الدستور على الرف نأخذ منه ما يفيدنا ونعطل ما يلزمنا.. وافقدنا الدولة والحكومة والمسؤولية والموقع اتحادياً او محلياً ادوارها الراعية والحيادية، لتصبح ملكاً لطرف ضد اطراف، فاننا حقيقة نتآمر على انفسنا قبل التآمر على غيرنا. فلقد اخترنا المؤسسات طريقاً للمنافسة. فاذا خرجنا الى سواها، متعمدين او جاهلين، فلن نسقط شرعية غيرنا بل سنسقط شرعيتنا ايضاً، لنعود الى سلوكيات الماضي. ولقد اخترنا الدستور ومؤسساته وقوانينه المستندة اليه -وليس بالضد منه- حكماً بيننا.. فان تفردنا برؤيتنا، واصبح لكل منا حكمه وتفسيره الذي يعمل به دون الاخرين، فكأننا نمزق العقد الذي ابرمناه بملىء ارادتنا، ووضعنا فيه امالنا وتصوراتنا وتوازناتنا ومعادلاتنا وعوامل نجاحنا ونجاح الوطن والمواطن.