الخميس، 11 يونيو، 2009

حوار مع الشيخ راشد الغنوشي

حوار مع الشيخ راشد الغنوشي
بمناسبةالذكرى الثامنة والعشرين للإعلان عن

حركةالإتجاه الإسلامي بتونس

يونيو حزيران 1981 ـ 2009

الحوار.نت : نتقدم إليك بهذه المناسبة ( الذكرى الثامنة والعشرين للإعلان عن حركة الإتجاه الإسلامي ) بأحر التهاني. بما توحي إليك هذه المناسبة في هذا العام بالذات حيث تشهد تونس محطة إنتخابية رئاسية وبرلمانية ( هي الولاية الخامسة للرئيس الحالي) كما تشهد البلاد منذ سنوات نشوء صحوة إسلامية واسعة قد تكون ـ بحسب بعض المراقبين ـ وريثا شرعيا لحركة النهضة خاصة فيما يتعلق بقضية الهوية العربية الإسلامية للبلاد التي فشلت خطة تجفيف منابع التدين في إستئصالها.

الشيخ الغنوشي.بدء نحمد الله تبارك وتعالى حق حمده على أن هدانا لنعمة الاسلام "وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" وأن ساق لنا هذه النعمة على يد أكرم خلقه وخير أنبيائه ورسله وخاتمهم ، محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، تسليما كثيرا

* ولقد زادنا سبحانه فضلا ومنة أن حملنا شرف الدعوة الى تجديد دينه في زمن وبيئة سادهما الاعراض والتنكب عنه، فنفضنا غبار التاريخ عن العقائد حتى استقامت وعن بيوت الله حتى عمرت وعن القرآن فما عاد مهجورا، واقتحمنا بدعوة الاسلام قلاع الحداثة، تزاحم الدعوات المخالفة وتنتصر للقرآن بالحجة والبرهان حتى ظهرت عليها جميعا وعاد الاسلام بعد اغتراب وتهميش الى قلب التاريخ وقلب الصراع الحضاري، حتى أعجز أعداءه فما عادوا يمكلون سبيلا للصد عنه غير امتشاق حجة القوة للوقوف في وجه قوة الحجة.

* ونحن اليوم نحتفي بالذكرى الثامنة والعشرين للتأسيس الثاني للحركة الاسلامية في صيغة "حركة الاتجاه الاسلامي"خلفا للصيغة الاولى للحركة الاسلامية التونسية الحديثة ممثلة في "الجماعة الاسلامية"التي انبعثت في بدايات السبعينيات من القرن الماضي الاداري، بهذه المناسبة نترحم أولا على شهداء الحركة ممن لاقوا ربهم في هذا الطريق صابرين محتسبين سواء أكانوا على أعواد المشانق (مثل الشيخ أحمد الازرق وبودقة وبولبابة)أم كانوا يمارسون نشاطهم الدعوي فوجه الى صدورهم رصاص الغدر والاغتيال( الطالب عثمان ابن محمود والطالب الطيب الخماسي والطالب عدنان سعيد.. )أم كانوا تحت سياط الجلادين( الاستاذ عبد الرؤوف العريبي والرائد المنصوري...)أم كانوا ضحية القتل الممنهج في غياهب السجون( الاستاذ سحنون الجوهري والشيخ الزرن والاستاذ اسماعيل خميرة ..)ويلحق بهم الذين قذف بهم خارج السجن وهم على مشارف المنية.نحتسبهم عند الله شهداء ونهنئهم بما أعد الله لأمثالهم من مكرمات ومقامات، ونهنئ آباءهم وأمهاتهم وزوجاتهم وذرياتهم.







* كما نهنئ بهذه المناسبة البطل المقدام الدكتور الشيخ صادق شورو الرئيس السابق للحركة الذي زج به للمرة الثانية في غياهب السجون وكان قد أمضى في الاولى ثماني عشرة سنة لم يفصل بينهما غير ثلاثة أسابيع، وذلك بعد أن فشلوا في كسر شوكته والنيل من شموخه، نهنئه بصموده ونهنئ اسرته المناضلة كما نهنئ كل أبناء هذه الحركة المباركة حيثما كانت مواقعهم وما اختار الله لهم من البلاء، نهنئهم وعوائلهم وندعوهم جميعا الى المزيد من الصبر والثبات في هذا الهزيع الاخير من الليل الذي تمر بها بلادنا وأمتنا، ونبشرهم بأن الصبح قريب إن شاء الله" إن موعدهم الصبح ، اليس الصبح بقريب؟".

* كما نشكر بهذه المناسبة حلفاءنا في المعارضة وندعوهم الى المزيد من التضامن ورص الصفوف في مواجهة الاستبداد ، من أجل تونس حرة من دون قهر ولا وصاية ولا استثناء، فالحرية إما أن تكون للجميع او لن تكون لأحد. كما نشكر بهذه المناسبة كل من وقف معنا في محنتنا ومع شعبنا الأبيّ من قوى تحررية حقوقية وسياسية وإعلامية وأكادمية داخل البلاد وخارجها. كما نعبر بهذه المناسبة عن تضامننا الكامل مع كل ضحايا القمع سواء أكانوا من شباب الصحوة الاسلامية الذين تدور عليهم في صمت رهيب رحى القمع ، أم كانوا من أبناء الحوض المنجمي ونطالب بكف اليد عن الجميع وإفراغ السجون نهائيا من ضحايا القمع السياسي والديني والاقتصادي.وما ينبغي لنا أن نذهل لحظة عن أسرانا في فلسطين المحتلة ولا عن دعمنا الكامل لحركات المقاومة حيثما وجد احتلال.

*ونرى مناسبا في هذه الذكرى أن نلقي أضواء على سياقات الاعلان عن تاسيس حركة الاتجاه الاسلامي وما ترتب عن ذلك من آثار وردود أفعال وما خسرت تونس والمنطقة من وراء إقصاء الحركة الاسلامية.

سياقات التأسيس:

محليا:

جاء هذا التحول للحراك الاسلامي سنة1981 وكانت بداياته قبل عشرية دعوة اسلامية احيائية لإعادة الوصل بين الدين والحياة الحديثة التي صاغها عهد الاستقلال على أنقاض الاسلام أحيانا وبمعزل عنه أحيانا أخرى أو توظيفا له، جاء هذا التحول من دعوة إحيائية عامة لا تلامس السياسة إلا من بعيد، الى حركة سياسية ، جاء في سياق تحولات كبرى وقعت في البلاد، رغم تمظهراتها المتعددة إلا أنها كانت تعبيرا عن أزمة سلطة تشخصنت في زعيم، فتت في عضده امراض الشيخوخة وطالت شيخوخته فتمحورت الصراعات حول من سيخلفه ؟ورغم الطبيعة الاجتماعية الغالبة على الاحداث الكبرى التي حصلت في البلاد منذ نهاية الستينيات إلا أن مرض الزعيم والصراع على خلافته مثّلا العامل الرئيس وراء الاحداث الكبرى التي هزت كيان الدولة ومنها انتفاضة جانفي 1978 التي كانت زلزالا هز بشدة الثقة في النموذج التنموي السائد وفي زعامته وحزبه وما يتصل به من فكر وقيم ، وهو ما ادى غير بعيد الى تداعيات أخرى منها اندلاع العنف في قفصة جانفي1980على يد مجموعة من شباب تونس المهاجرتلقوا الدعم من جارتي البلد، ورغم أن وزنهم لم يكن يمثل تهديدا حقيقيا للدولة إلا أنها بسبب ما تعيشه من شبه فراغ في الزعامة استبد بها الهلع لدرجة استنجادها بالجيش الفرنسي والمغربي،بينما المتسللون أفراد معدودون بأسلحة خفيفة.وفي أجواء من الاضطراب الاجتماعي والحيرة المستبدة بالسلطة والرعب وكمخرج من حالة الانسداد طرح الوزير الاول الجديد مشروعا للاصلاح السياسي يفتح كوة لتنفيس الاحتقان من طريق السماح بتعددية سياسية محدودة، عبر عنها رئيس الدولة في مؤتمر حزبه في 9-4-1981أنه "لا يمانع من تاسيس جمعيات سياسية".

أ- لم يات هذا التطور دون سوابق سياسية وإعلامية وفكرية في البلاد هيأت له وضغطت من أجل حصوله رغم أن ولادته كانت قيصرية، سفحت فيها دماء غير قليلة. ومن تلك السوابق الممهدة ما كان قد حصل منذ بدايات السبعينيات من انشقاق داخل الحزب الحاكم قاده عدد من زعاماته المهمة رفضت ما أدمن عليه زعيم الحزب من انفراد مطلق بالسلطة. وكان على راس هؤلاء السيد أحمد المستيري أهم رواد المشروع الديمقراطي في تونس ، ولم يلبث هؤلاء أن أسسوا النواتات الاولى للغراس الديمقراطي في البلاد من طريق التاسيس للرابطة التونسية لحقوق الانسان ولجريدة الراي ثم الاعلان عن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين فلم تأت نهايات السبعينيات حتى كان في البلاد قاعدة لمؤسسات مجتمع مدني جمعيات وأحزابا وصحفا ، بل مضى الامر اكثر من ذلك الى تطوير علاقات تنسيق بين جماعات معارضة ذات توجهات ايدولوجية مختلفة لبراليين ، اشتراكيين ، شيوعيين ،اسلاميين. حتى أن الحركة الاسلامية كانت تنشر بياناتها في الراي دون اسم عدا توقيع شيخيها مورو والغنوشي، ما حمل صاحب الجريدة السيد حسيب ابن عمار رحمه الله ، ضمن تصنيفه للبيانات أن يطلق اسم الاتجاه الاسلامي على بياناتنا فارتضيناه. وإنه من قبيل الاعتراف بالفضل لأهله اعتبار السيد أحمد المستيري أبا شرعيا للمشروع الديمقراطي في تونس والسيد حسيب ابن عمار ناطقا باسم هذا المشروع الذي تتلمذ فيه الكثير، منهم الجيل الاول من ابناء الحركة الاسلامية ، الذين ردوا بعض جميله، فاستجابوا لندائه لهم وهم في ردهات المحاكم صائفة1981أن يدعموه في معركته الانتخابية، فأوعزوا الى قواعدهم بذلك، ففعلوا، فتحقق فوز له باهر، لولا عودة حليمة الى عادتها القديمة في التزييف، شاهدة على نفسها بالفشل في أول اختبار.

ب- إن كل حديث في تونس عن بدايات الانفتاح الديمقراطي التي طالما تعرضت ولا تزال للإجهاض ما ينبغي أن يقلل من أهمية دور المنظمة الشغيلة التي ارتبطت منذ نشاتها بالاحداث الكبرى في البلاد، فاعلا أساسيا فيها، إيجابا أو سلبا، فقد كانت حاضرة في الاحداث الفاصلة. وحيثما ما مالت حسمت. كان دورها مشهودا في بلورة وتعميق فكرة الاستقلال وربطها بالنضال الاجتماعي . وفي المعركة داخل الحركة الوطنية بين جماعة الديوان السياسي(حزب وبرقيبة) وجماعة اللجنة التنفيذية(حزب الثعالبي)، مالت مع الاولى فرجحت كفتها وهمشت الاخرى. وفي المعركة بين ابن يوسف وبورقيبة انحازت الى الاخير، فسلّمته البلاد . وفي سياق معركتها لانتزاع استقلالها من براثينه خلال السبعينيات التقط المجتمع بعض أنفاسه فنشات نواتات لحياة اعلامية وسياسية وجمعياتية وأمكن للجامعة أن تحصل على قدر كبير من استقلالها وتخريج اجيال مسيسة والاسهام معها في الحد من طغيان الدولة، غير أن الاتحاد وفي خضم معركته مع السلطة في نهاية السبعينيات وكان زعيمه التاريخي المرحوم الحبيب عاشور في غياهب السجون أمكن للسلطة أن تنسج مع قيادته اليسارية خيوط تحالف لمواجهة العدو الجديد الذي أخذت حراب السلطة تتجه اليه،فتشكل زواج شاذ لأول وآخر مرة في تاريخ هذه العلاقة إعلانا عن جبهة انتخابية بينهما، بينما كانت الاعتقالات والمحاكمات في صفوف الاسلاميين على أشدها،وكان ذلك بداية لتحالف قطاع من اليسار ضد الحركة الاسلامية وضد الديمقراطية أسهم ولا يزال في إجهاضها رغم ما حصل من تطور ايجابي من خلال ولادة 18أكتوبر فرزا بين يسار مناضل ويسار انتهازي، كما هو موجود في كل التيارات للاسف.وما استطاعت المنظمة الشغيلة ان تقوم من تلك الوهدة منذ انزلقت اليها بل بقدر امعان السلطة في القمع ومصادرة الحريات ونهب حقوق الشغالين كلما أمعنت المنظمة في التذيل رغم سخط وتململ قواعدها، وذلك تحت لافتة خادعة مقاومة الأصولية- وما من أصولية في البلاد بل في العالم طرّا أقسى وأنكى من أصولية نظام السوق الذي يطيح كل يوم بالملايين، وأوقف البلاد على شفى الافلاس وحمل مواطنيها على البحث عن مفر ابتغاء ما به يتبلغون، حتى بالارتماء في لجج البحار أو هروبا الى البلاد المجاورة.والحقيقة أن ضرب الحركة الاسلامية جاء عقب ضرب الاتحاد سنة1986 خطوة ضرورية لفتح الطريق أمام الخطة التي اعتمدتها الدولة سنة1986، خطة دمج تونس في البوتقة الراسمالة فكان لزاما تجريد الجسم الاجتماعي من أقوى أجهزة دفاعه التي يمكن أن تتصدى لخطة الدمج:اتحاد الشغل والاتجاه الاسلامي.

ج ــ وافق هذا التطور الجاري في المجتمع توجها صوب تحول ديمقراطي مع أزمة عميقة وحالة انسداد يعيشها النظام، ما حمله ليقدم على اتخاذ اجراءات تنفيسية لم تمس من بنية الدولة التسلطية الشمولية المتمحورة حول زعيمها وحزبها، توافق مع وضع داخلي كانت "الجماعة الاسلامية" تمر به والمتمثل في انكشاف تنظيمها لأول مرة لدى أجهزة الامن بما لم يبق معه مبرر لاستمرار الإسرار به وعدم الاعلان عنه للناس سبيلا لتأمينه في الحضن الشعبي ، لا سيما والدولة قد فتحت الطريق الى ذلك. وتم بسرعة بلورة مشروع للاعلان عن الحركة وطرحه للحوار مع صفّها، وخلال شهرين أمكن إجراء استفتاء على مبدإ الاعلان، فحصل على أكثر من ثلثي الاصوات، فانعقد مؤتمر للحركة أقر الاعلان وترك لمجلس الشورى وضع التفاصيل والتراتيب، وفي صبيحة 5-6-1981 انعقدت الهيأة التأسيسية ل"حركة الاتجاه الاسلامي"(الاسم البديل للجماعة الاسلامية)بمنزل الشيخ المرحوم محمد الصالح النيفر وحضور الشيخ عبد القادر سلامة الى جانب ثلاثين مندوبا قدموا من جميع انحاء البلاد.وضمت الهيأة ثلاث نساء.وتم الاتفاق على البيان التاسيسي لحركة الاتجاه الاسلامي . وفي اليوم الموالي انعقدت بمكتب الاستاذ عبد الفتاح مورو ندوة صحفية تم الاعلان فيها عن ولادة حركة سياسية وعن مكتبها السياسي وهيأتها التأسيسية.

عربيا.

وكما أن هذا التطور للحركة الاسلامية لم يكن معزولا عن سياق التطورات الجارية بالبلاد ، لم يكن كذلك معزولا عن سياقات التطور في المنطقة العربية والاسلامية، وبالخصوص التطورات الجارية في مصر بعودة الاخوان المسلمين الى ساحات العمل.وإن احتاج هؤلاء الى وقت أطول حتى يستعيدوا علاقتهم بالوقائع الجديدة مرتضين العودة الى السياسة ولو من طريق التحالف مع عدوهم التاريخي الوفد. كما كان لاندلاع الثورة الاسلامية في ايران 1979- بالاضافة الى انتفاضة 1978العمالية والتواصل مع تنامي الحركة الديمقراطية- تأثير غير قليل في تسييس الحركة الاسلامية وتعميق رؤيتها الاجتماعية والسياسية باعتبار الاسلام غدا منظورا اليه أنه ثورة المستضعفين على الاستكبار الدولي وعملائه المحليين كما هو ثورة على الفراعين والمتألهين.

آثار الاعلان:

لقد كان للاعلان عن حركة الاتجاه الاسلامي والوثيقة التي صاحبته(البيان التأسيسي) ووقائع الندوة الصحفية آثار واسعة وعميقة ممتدة في كل الاتجاهات.

أ ــ لا نكون مغالين إذا اعتبرنا أنه على الصعيد الوطني لا تزال البلاد على نحو أو آخر لم تخرج عن سياقات ذلك الحدث وما أفضى اليه من تداعيات أفضت الى استدعاء ابن علي للانقاذ، إنقاذ تأكدت الحاجة اليه وخصوصا إزاء نتائج انتخابات 1989التي كانت النهضة هي الفائز فيها وفي الاقل حسب اعتراف السلطة هي زعيمة المعارضة ، بنسبة قاربت 20% النسبة التي قررت السلطة بعد أن أفاقت من ذهولها توزيعها رشاوى على كيانات لا تحصل مجتمعة حتى على 1%. لقد ظل ذلك الحدث حتى يومنا هذا العامل الاساسي الحاضر الغائب الموجه لمعظم سياسات السلطة الداخلية والخارجية هروبا من شبح الكابوس النهضوي.



ب- مثل الاعلان على الصعيد الثقافي الحضاري تجسيدا لعودة الاسلام المهمش الى قلب التاريخ فاعلا في مراكز الحداثة،في المعاهد والجامعات والنقابات ونوادي الثقافة فضلا عن المؤسسات التقليدية.



ج- مثل البيان التاسيسي أول وثيقة اسلامية حديثة على صعيد الحركة الاسلامية وبالخصوص في العالم العربي وثيقة تتبنى بوضوح وحسم الخيار الديمقراطي دون تلعثم ولا استثناء ولا تردد وترفض العنف سبيلا للتغيير وتعلن انحيازها للعمال والمستضعفين ولحركات التحرر بما فيها الكفاح ضد التمييز العنصري في جنوب افريقيا والمناصرة لحقوق النساء كما تأخذ على عاتقها الاسهام في مهام التجديد والاجتهاد. وعندما تحدى خلال ندوة الاعلان ، صحفي، رئيس الحركة لاختبار حدود التعددية في تصوره،ماذا سيكون موقفه لو أن غالبية التونسيين اختارت في انتخابات حرة الحزب الشيوعي؟ لم يتردد في التصريح انه لن يسعنا غير احترام إرادة الشعب. كان ذلك الموقف متقدما على صعيد الحركات ذات الخلفية الايدولوجية اسلامية وماركسية وقومية على حد سواء، فلا يزال معظمها يتطور في اتجاه تبني ديمقراطية حقيقية أي بلا إقصاء ولا وصاية على الشعب. وما احتسته النهضة كأسا واحدة ظل الآخرون يتجرعونه على دفعات. وكثير منهم لمّا يبلغوا النهاية، ومعظمهم لا يزال متشبثا بحق الوصاية على الشعب، وكلّ له استثناءاته وشياطينه التي تستحق الاقصاء. ولا يقتصر الامر على بعد واحد من أبعاد الديمقراطية القبول بالنظام التعددي دون اقصاء وإنما يتجاوزها الى الابعاد الاجتماعية انحيازا الى مبدأ العدالة الاجتماعية وما يقتضيه من انحياز للمستضعفين وللنقابات المدافعة عن حقوقهم ومناصرة لحقوق النساء وهن القطاع الاوسع من المستضعفين الى جانب الاطفال . ولقد ذكرت لي ناشطة اسلامية مغربية أن أدبيات النهضة المدافعة عن حقوق المراة مثل كتابنا "المراة بين القرآن والمجتمع"كن يتداولنه سرا ، لما حمله من دعوة للمساواة لم تكن يومئذ مستساغة في الوسط الاسلامي في نهاية السبعينيات والنصف الاول من الثمانينيات.لقد كان لتلك الادبيات ولا يزال تأثيراتها على الصعيد المحلي وعلى امتداد الاسلام، ولم يحد من ذلك التاثير غير ما تعرضت له التجربة ولا تزال من عمليات اجهاض واغتيال حرم تونس – كما ذكر مرة الزعيم محمد المصمودي- من تجربة ثرية كانت ستتعزز بها مكانتها في العالم وقد غدا الاسلام عنصرا فعالا في السياسات المحلية والدولية على نحو غدا معه الحكم على نظام يقوم بمدى ديمقراطيته ، وديمقراطيته في بلاد العرب والمسلمين تقاس بمدى قدرته على دمج اسلامييه، من هنا ارتفعت في الميزان الدولي حظوظ دول كالمغرب وتركيا بسبب نجاحها في اشراك اسلامييها في المنتظم الديمقراطي بينما غدت دول مثل تونس ومصر لا تذكر إذا ذكرت إلا في سياق التنديد بانتهاكات حقوق الانسان( يكفي للتاكد متباعة بسيطة لبرنامج الحصاد المغاربي في الجزيرة).

ماذا كان من آثار لتغييب النهضة؟









على غرار المؤلف المشهور للعلامة الهندي الكبير أبي الحسن الندوي"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"كان أخونا الكاتب الداعية الشيخ الهادي بريك قد كتب سلسلة من المقالات ناسجا على منوال مشابه:ماذا خسرت تونس بإقصاء النهضة؟ ولكم كان الزعيم صديقنا الاستاذ محمد المصمودي قد عبر عن حسرته على خسران تونس فرصة كانت مهيئة لها أن تقدم من خلال حركة الاتجاه الاسلامي تجربة متميزة في المزاوجة بين الاسلام والحداثة ، فضاعت عليها فرصة التقطتها دول أخرى فغدت مضرب الامثال في الديمقراطية من خلال التعايش بين اسلامييها وحداثييها ، بينما غدت تونس شغلا شاغلا وموضوعا لأكثف وأطول تقارير المنظمات الحقوقية. وهل تذكر تونس في الحصاد المغاربي اليومي لقناة الجزيرة- مثلا- خارج وقائع الاعتداء على حقوق الانسان. ويمكن في هذا الصدد الوقوف على النقاط التالية :



أولا- لم تكد تمر عشرية على ظهور الدعوة في السبعينيات حتى كانت قد تغلغلت في أعماق الشعب ومؤسساته بما يذكر بتغلغل الحركة الوطنية في مرحلة الكفاح ضد المستعمر، بل يفوقها بحكم عمق التدين لدى التونسي وما ولّده عهد الاستقلال من تعطش للدين وخشية مما أخذ يتفشى بأثر حركة التغريب الجارفة من أخطار على الاسرة وعلى القيم فوجد في الحركة الاسلامية المنسابة عبر جيل جديد هو محط آمال أهله في ارتقاء اجتماعي تعزز باستقامة خلقية مثل البر بالوالدين والاحسان الى الجيران ، فلم يعد العائد الى أهله في الريف يحمل اليهم من المدينة كما كان معتادا عادات غريبة عنهم بل غدا يعود اليهم حاملا دعوة الاسلام تجدد مخزونه في نفوسهم، فغدا الشاب العائد من المدينة يؤم والديه في الصلاة ويدعو اليها جيرانه وينفض الغبار عن مسجد القرية المهجور ويقيم فيه حلقات لتدريس القرآن والفقه والسيرة، نافضا عن التدين غبار الزمن، مادا جسرا بين الماضي بالحاضر، بين الدين والحياة.

ثانيا: تحويل الدولة ماكينة قمع خالصة:ماكان ممكنا لمخطط الدولة في تجفيف ينابيع التدين الذي تبنته الدولة ولمخطط استئصال النهضة أن يأخذ طريقه الى النفاذ دون إخضاع الجسم الاجتماعي كله لمخطط تطهير شاملة وتكييف جهاز الدولة وتحويله ماكينة رهيبة للقيام بهذه الامة فكانت عشرية التسعينيات كما دعاها بحق بعض الدارسين بسنوات الجمر،العشرية الحمراء، حيث دخلت الدولة كلها والقطاع الاوسع من نخبتها الحداثوية في حرب صليبية شاملة ليس على الحركة الاسلامية وحسب بل على الاسلام ذاته وعلى كل صوت معارض حقوقي او سياسي او ثقافي فكانت حربا على ابسط قيم الحداثة التي طالما بشرت بها مثل الحريات وحقوق الانسان وحقوق النساء، فتم تكييف برامج التعليم والثقافة والاعلام والامن والقضاء والعلاقات الخارجية لتنفيذ تلك الخطط.

ثالثا: عشرية من التطهير الديني والثقافي والسياسي: لقد كان ضرب النهضة قضاء مبرما على الخطوات المتواضعة التي قطعتها البلاد على طريق الديمقراطية والحداثة الحقيقية التي تتمحور حول قيمة الحرية، بما يؤكد أنك لا يمكن لك القضاء على معارضتك الاقوى وتبقى لك صلة بديمقراطية أو حداثة. وكانت النهضة بشهادة السلطة نفسها كما صرحت بها انتخابات 1989زعيمة المعارضة.واضح اليوم أنه في عالم الاسلام لا ديمقراطية دون الاسلاميين.

وكان طبيعيا أن تشهد سنوات التطهير الديني والثقافي والسياسي حالة تصحر للحقوق والحريات حتى حظيت تونس – حسب تعبير حازم صاغية- بأطول تقارير منظمة امنستي.فأجهضت بدايات التطور الديمقراطي التي بدأت بذورها الاولى في بداية السبعينيات، كممت افواه الإعلام المستقل والمعارض حتى اختفت جريدة الراي وامثالها,وتم وضع اليد على مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والرابطة والجامعة، لا مكان لشيء من ذلك في دولة بوليسية بأتم معنى الكلمة حيث صوت البوليس يعلو فيها كل صوت. أما الثقافة فقد تحولت مهرجانات للتسلية الرخيصة وتكفي متابعة بسيطة للتلفزة التونسية وللاعلام الدائر في فلك السلطة- للوقوف على حجم الكارثة التي حلت بالبلاد حتى الثقافة الهابطة التي كانت شبه محظورة في عهد بورقيبة فرضت هيمنتها .ولاحديث عن المساجد التي غدت مصايد بوليسية للشباب فهجروها وارتحلوا خارج الوطن يبحثون عن مصادر للتزود بالغذاء الديني فوجدوها في الفضائيات والانترنات . أما السياسة فكانت الضحية الاكبر إذ أعلن عن موتها جملة ، كانت مسرحية هابطة التاليف والاخراج استعادة للزمن الستاليني حيث البناء كله ينهض على مسمار وحيد هو الرئيس وحده يحدد كل شيء: كم نصيب المعارضة ومن يرتضيه منافسا هزيلا له ومن يرفضه.كان من الطبيعي أن تتحول البلاد في غياب حراس الحرية والدين والقيم الى ما يشبه حالة الاستباحة العامة وملهى في المتوسط ومركز لتبييض الاموال الوسخة والاتجار بالمخدرات مركزا يتمول من التنازل عن العرض والدين وما تبقى من استقلال البلاد.

رابعا: تصحر سكاني وخراب اخلاقي وتبخر" للمعجزة التنموية" التي حسبوا أنها الثمن المناسب للتضحية بالديمقراطية والاخلاق والدين والسيادة، إذ ما لبثت أن طلعت عليها شمس سنن الله في "إنه لا يفلح الظالمون"فشاعت أخبار زوارق الموت تحمل الهاربين من نعيم المعجزة الاقتصادية حتى تحول المتوسط الى قبر لشباب تونس.كما توالت موجات هروب عشائر الى الجوار الجزائري فرارا من الجوع. أما السياسة الاجتماعية القائمة على ما يسمى بتحرير المراة وكان من أهم فصولها التعيسة ما يسمى بتحديد النسل التي بدأ تطبيقها سنة1966 فقد أفضت خلال اربعين سنة فقط الى زلزلة اللبنة الاساسية في البناء الاجتماعي لبنة الاسرة فانتقل الخطاب الرسمي من التنويه بالتيجان التي اكتسبها وحصد من ورائها الجوائز الدولية من الممولين لتلك السياسة الى الحديث عن تصحر النسل ودخول المجتمع التونسي طور الشيخوخة جراء العزوف الجماعي عن الزواج حتى اجتاحت العنوسة نصف التونسيات، وبلغ الطلاق نسبا غير مسبوقة(حوالي خمسة عشر ألفا سنويا) وفشا الاجرام والعنف في كل المستويات والبذاءة.ومن ثمار تلك السياسات حصول ازمات خلقية حادة فشوا للفحش في الخطاب والعنف في السلوك والغش في المعاملة والاستهتار بالمصلحة العامة، بما يشبه حالة الزلزلة والانفجار.

خامسا: ضرب النهضة فتح المجال أمام الامعان في التبعية للخارج وتدخلاته :كان رهان السلطة على اقتلاع الحركة الاسلامية خصمها السياسي الالد من الجذور قد صادف هوى لا من قبل القطاع الاوسع من نخبة "الحداثة" في البلاد التي يزداد شعورها بحصار الاسلام العائد فحسب بل أيضا في الضفة الشمالية خصوصا وفي الغرب عامة طردا لكابوس الاصولية المتصاعد فلم يكن عجبا أن تقبل تونس أول شريك في جنوب المتوسط لدول الاتحاد، وذلك في خضم حربها على الاسلام وعلى الحركة الاسلامية فتفتح خزائن ابواب التمويل سخية من قبل الشريك الاروبي الذي حركت السلطة مخوزنه العدائي للاسلام وأغرته بالشراكة في إنجاز التجربة المغرية ، تجربة اقتلاع حركة اسلامية تقف على بوابة من أهم بوابات الغرب وتمثل إغراء خطرا على عشرات الملايين من المسلمين المهاجرين في الضفة الاخرى مسحوقين ينتظرون قدوم دعم معنوي ياتيهم من بلاد المنشإ، بينما يراد لهم غربيا هضمهم وتحويلهم سمادا في تربته.

نحن إذن لم نكن إزاء مجرد مخطط محلي لضرب حركة اسلامية بل إزاء مخطط شراكةلانجاز تلك المهمة، لا شك أن اللوبي الصهيوني كان في مقدمة الضالعين في تلك الشراكة والدافعين اليها. وبلغ الامر الى حد توجيه الدعوة الى سفاح صبرا وشاتيلا لزيارة تونس.

عودة الصحوة والحركة.

إن ما سلط على المجتمع التونسي من صنوف التفكيك والتدمير لمقومات شخصيته الدينية والحضارية سواء أكان على يد الاحتلال المباشر أم كان على يد خلفائه إذ تواصل معهم بشكل أفدح ، لو أنه سلط على سلالسل جبال لدكها دكا ولكن الله سلّم ، إذ ما لبث المجتمع التونسي أن استشعر الخطر الداهم على هويته وما يراد به من دمار حتى انبعثت من صلبه صحوة دينية واسعة باعتبار الدين الاساس الاعظم لشخصيته والحارس الامين لمصالحه الحيوية . ودل الانتشار السريع والاقبال الواسع على تلك الصحوة على عمق الحاجة المجتمعية اليها، فلم يكن عجبا أنه خلال عشرية واحدة من انبعاث تلك الصحوة عم موجها البلاد وزاحمت بجدارة تيارات التغريب على اختلافها،وتجاوزت مرحلة الدعوة العامة الى التعبير السياسي في شكل الاعلان عن حركة سياسية ذات مرجعية اسلامية، وذلك لأول مرة في تونس الحديثة، وبدل الترحيب بهذا التطور لأوسع تيار فكري سياسي في البلاد من طور السرية والراديكالية الى طور العلنية والعمل في نطاق القانون جوبهت بالرفض والاعتقال بداية لموجات من الملاحقة متصاعدة لا يفصل بين أشواطها غير فترات قليلة من الهدنة لا تلبث سلطة القمع والانفراد والتغريب أن تقطعا بهجمة أوسع . ورغم فشل النظام السابق ، فإن خليفته لم يلبث أن استانف نفس المسار ضمن حملة اوسع وتصميم أعظم على الاستئصال جمع فيها حوله قوى التحديث الإستئصالية المرعبة من عودة الاسلام الى جانب القوى الدولية.ومرة أخرى يثبت المجتمع التونسي أصالة عظيمة بديعة ذكية فبعد أن بدت حياة التونسيين في التسعينيات وكأن الاسلام لم يمر فلا مساجد عامرة ولا شباب متدينا ولا لحية ولا حجاب ولا حتى كتاتيب وخلا الجو لقوى التخريب والدمار، لم يلبث المجتمع التونسي أن استوعب الهجوم الصاعقة فدبت مجددا الحياة في المساجد ضمن صحوة تعاظمت بسرعة في مفاجأة مذهلة لكل من حدثته نفسه بأن المعركة مع الاسلام ومع تعبيره السياسي قد حسمت الى الابد وأنها صالحة للتصدير الى العالم المتلمظ على احتساء دماء الاسلام والمسلمين. وكما بدات الحركة الاسلامية صحوة دعوية لم تلبث أن أفرزت تعبيرها الحركي والسياسي يستانف المشروع الاسلامي مساره على نفس المنوال . ولا يشك اليوم متابع للحياة التونسية في أن ما يسمونه الاسلام السياسي عائد بإثر وموازاة خلفيته العقدية الصحوية جزء فاعلا في مؤسسات المجتمع المدني ليمثل قوة تصليب لعوده ودعما لقوة المعارضة؟







الى متى تستمر المكابرة؟: مع أن عينا تتمتع ولو ببصيص ضئيل من البصيرة ما يمكن أن ترتاب في أن النهضة فرضت نفسها أمرا واقعا عبر النشاط الفاعل في مؤسسات المجتمع وبالتعاون مع قوى المعارضة، ومع ذلك فإن سلطة القمع لا تزال تكابر في عناد جموح ومحاولة بائسة إنكار واقع تنطق شواهده بكل لسان ، فتعتقل العريض والدولاتلي وتنفي الزواري وتحاصر الجبالي وتكمم لمدة ثلاثين سنة أذكى وأفصح خطيب اسلامي عرفته تونس الحديثة لمدة ثلاثين سنة الشيخ عبد الفتاح مورو، وتشرد حوالي ألفين من أبناء وبنات تونس تشتتهم في حوالي خمسين دولة، فالى متى ستستمر هذه المكابرة؟ متى سينتزع ملف النهضة من يد رجال الامن ليوضع بين يدي السياسيين – إذا وجدوا-؟ولو كان الامر بالتمني لتمنينا أن يتم ذلك في عهد الرئيس الحالي،فذلك أدنى لوضع حد لمعاناة الناس التي طالت وتفاقمت ولا تزيد الايام جراحاتها إلا عمقا واتساعا ، إلا أن السنن غلابة وليس فيما يبدو من مسالك ما يرجح السير في هذا الاتجاه، اتجاه الاعتراف بوجود شعب له حقوق وطموحات تعبر عنها قوى سياسية وفكرية يجب أن تحترم ويستمع لها ويستجاب لمطالبها ولا تعامل بالاحتقار والقمع والخداع والاقصاء والتمييز، ومنها الاسلاميون الذين ظلوا منذ ثلاثة عقود وهم يدقون أبواب القانون ليفسح مجال العمل أمامهم في نطاق الشرعية فلا يتلقون غير الصد وإلإحالة على مؤسسات القمع الامنية والقضائية والاعلامية،لكأن الدولة جهاز لتسليم شهادات الولادة لقوم وشهادات الوفاة لآخرين، وليس التعامل مع المواليد الحقيقية للمجتمع. وإن ثبات وصمود أبناء وبنات النهضة في وجه الاهوال التي سلطت عليهم فلا هم استسلموا واندثروا ولا هم استدرجوا الى مخاضة العنف التي طالما استدرجوا اليها لدليل على أنهم مواليد حقيقية تعبر عن جاجة مجتمعية عميقة . كما أن اندلاع موجة التدين في البلاد واختراقها كل طبقات المجتمع كاف لإقناع من ظل يعاند ويحدث نفسه بإمكان اجتثاث الاسلاميين. أننا إزاء ظاهرة عميقة وحاجة متاصلة في المجتمع لا يمكن للمجتمع ان يستعيد توازنه المفقود دون الاعتراف بها فلم المكابرة وتبديد الجهود واللهاث وراء السراب؟

* خرجوا من سجن مضيق الى سجن موسع:استقبلت المعتقلات في اوائل التسعينيات عشرات الآلاف من قيادات وأعضاء النهضة والمتعاطفين معها وحتى أقاربهم، في أوسع وأشرس حملات قمع عرفها تاريخ البلاد،ورغم أنهم لم يبق منهم اليوم غير أخوين إلا أن السجون لم تعرف العطالة منذ"الاستقلال" فقد استقبلت منذ بدايات الالفية الجديدة أفواجا من شباب الصحوة، إلا أن من غادروا السجون ولم يقضوا فيها نحبهم غادروها بنفوس سامقة عملاقة تحملها هياكل منهكة، ومع ذلك أخضعوا لخطة محاصرة يشبه السجن المتنقل. ولم يصرفهم ذلك عن قضيتهم فقد أثبتوا أن السجون لا تفني العقائد كما يؤكد ذلك أحد رموزهم الاستاذ الصحبي عتيق" إنّ خروج مساجين النهضة في تونس لا يؤكد سوى أن السجون والمعتقلات لا تنهي ولا تمحو حركات فكرية واجتماعية وسياسية معبرة عن حاجات الشعب الحقيقية، وإنما تجذرها وتضفي عليها شرعية نضالية إضافية، مما يستدعي من السلطة مراجعة سياساتها وتمكين كل التيارات من التنافس الشريف باتجاه جعل تونس لكل ابنائها ويستدعي ذلك التخلي عن منطق المواجهة ودق طبول الحرب أو التخويف من الاسلاميين"أقلام اون لاين العدد23.

الحوار.نت : هل من رسالة بهذه المناسبة إلى كل من الرئيس الأسبق للحركة الدكتور الصادق شورو في سجنه وإلى الشعب في تونس وأبناء الحركة في داخل البلاد وفي المنافي وإلى أهالي الشهداء وضحايا التعذيب الذي خلف في بعض المساجين المسرحين عاهات بدنية وإلى شركاء مطلب الحريات وإلى من شئت بعد ذلك من أطراف في الحكم أو في المعارضة أو غير ذلك.

الشيخ الغنوشي اصبروا وصابروا، فالفجر قريب قريب:إنه ليس أمامكم ياأبناء وبنات النهضة وأمثالهم من القوى السياسية الفكرية المقموعة ، ليس أمامكم إزاء تصامم السلطة عن كل نداءات الاصلاح وإصرارها على متابعة سياسة القمع والخطاب الخشبي غير الاستعانة بالله للتزود بالمزيد من طاقات الصبر والمصابرة والثبات وتوحيد الجهود ورص الصفوف من أجل تحقيق آمال مجهضة لجيلين من أبناء وبنات هذا الوطن العزيز منذ تبلورت مطالبهم وتمركزت حول مطلب الحرية"برلمان تونسي"حيث حصدهم في ثلاثينيات القرن المنصرم رصاص الاحتلال وهم يهتفون بهذا الشعار،وملأوا الدنيا هتافا للاستقلال وزعمائه متوهمين أن تضحياتهم قد تكللت بالنجاح وأن آمالهم قد تحققت إلا أنه لم تمض القافلة بعيدا حتى أخذوا يتكشفون عن هول الخديعة ،فخلال نصف قرن شهدت البلاد من القمع على يد دولةالاستقلال ما لم يسجل له التاريخ مثيلا فاستقبلت السجون من أحرار البلاد على اختلاف اتجاهاتهم أضعاف أضعاف ما استقبلته من رجال الحركة الوطنية ونال هؤلاء من ضروب النكال ما لم ينل أؤلائك؟فأي استقلال هو هذا ؟والعبرة من ذلك أننا ما ينبغي أن تخدعنا الشعارات مرة أخرى.ينبغي رفض أن يتلخّص الوطن والقيادة ومصير البلاد في رجل أيا كان.وأن نرفض نهج الاقصاء لأي كان،والوصاية على الشعب من أي كان.الانفراد والاستبداد وادعاء الوصاية على الشعب وممارستها أسّ البلاء، فلنعمل على تغييره، وتأصيل ثقافة الشورى والديمقراطية والمساواة في المواطنة وإعلاء سلطة الشعب والقانون والتعددية واحترام حقوق الانسان وكرامة الشعب والعمل المشترك مع كل من يؤمن بهذه القيم ولنؤصلها أكثر فأكثر في ثقافتنا الاسلامية العربية وتراثها، موقنين بأصالة مبادئ الحق والعدل في النفس البشرية وفي بنية الكون وأنها منتصرة لا محالة بإذن الله لا سيما وقد تراكمت في شعوبنا تجارب مريرة من شانها أن تكسبه حصانة من الإنخداع مرة أخرى بمنطق"أنا ربكم الأعلى""ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". يعزز هذا الامل ثورة الاعلام التي أخذت تعصف بحصون الدكتاتورية على امتداد العالم ولن تبقى منطقتنا العربية الاسلامية جزرا معزولة عن الأمواج المتصاعدة للتحررمن الدكتاتوريات.كفى انخداعا وتبديدا لآمال الاجيال .فلنجعل مطالبنا في تونس حرة بلا اقصاء ولا استثناء ، نصب أعيننا ونعض عليها بالنواجذ ولا نساوم عليها أو نتنازل عنها، فما بذل من زهرة شبابنا وأبداننا وارواحنا وارزاقنا وأسرنا أغلى من أن نؤوب بالانصاف والارباع والأسداس من الحقوق والحريات. ليس لنا في النهضة مطالب خاصة بنا ،مطالبنا هي مطالب الشعب هي مطالب الاجيال ما قبل "الاستقلال"وما بعده، حريات ديمقراطية غير منتقصة، أو بتعبير آبائنا ومطلبهم الذي ارتفعوا شهداء تحت لوائه ولماّ يتحقق "برلمان تونسي "منتخب انتخابا حرا نزيها.يكون منطلقا لإعادة البناء. إنه قد يبدو اليوم حلما بعيد المنال إن لم يكن ضربا من الخيال الجامح،وكذا كانت كثير من المشاريع الكبرى للشعوب التي تحققت.إن التونسيين اليوم على معاناة شبابهم وشاباتهم وارباب اسرهم ومناضليهم على اختلاف مواقعهم واتجاهاتهم هم من هذا الحلم الذي ناضلت من أجله اجيال هم اليه اقرب أكثر من أي وقت مضى بسبب ما تراكم عندهم من تجا رب وبسبب مناخات التحرر والديمقراطيية المنداحة في العالم.لن تبقى تونس جزيرة معزولة عن رياح الحرية التي تهب عاصفة.

وفي الاخير، نحن ابناء وبنات النهضة إذ نحتفي بالذكرى الثامنة والعشرين لتأسيس حركة الاتجاه الاسلامي نسجل بفخار أننا قد اجتزنا بنجاح - والفضل والمنة لله- امتحان الوجود وأنجزنا تقويم محنتنا ووقفنا على العبرة منها بعدما استهدفنا به من مخطط استئصال واستهدف به ديننا من مخطط تجفيف الينابيع ، فقد مني كلاهما بالفشل، فهاهي صحوة الاسلام تخترق كل الفئات ، وتتواصل حلقات الاصلاح، حقيقة ينطق بها كل شيء عدا جاحد مستكبر ذي بصر حسير.الثابت أن أنصار الاسلام والحرية على سلم صاعد على امتداد العالم وأن خصومهما في حالة اضطراب وتراجع، والى أن يبلغ الاتجاه الاول مداه والاتجاه الثاني مستقره من الانحدار بما يغير ميزان القوة لصالح الاول سيظل أصحاب النظر الحسير يمارون مرتابين. أما ذوو البصيرة فمصابرون واثقون من أن المسالة مسالة وقت، واتجاه التاريخ واضح."إن موعدهم الصبح اليس الصبح بقريب"؟

والى لقاء قريب على ارض الخضراء وقد استدار الهلال الذي أطل، فغدا بدرا، يبدد الظلمات أسودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه أيها الاخوة والاخوات والاصدقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحوار.نت :نشكر للشيخ راشد الغنوشي ما أولانا به من حوار بهذه المناسبة



- نقلا عن موقع الحوار نت بتاريخ 5 جوان 2009