الأربعاء، 8 ديسمبر، 2010

المصادر الإسلامية في دراسات محمد أركون: المشروع، وطرائق التعامل، والنتائج

د. رضوان السيد

ما كان تتبُّع المصادر التراثية الإسلامية التي رجع إليها الأستاذ محمد أركون صعباً. فهي محددة العدد، وباستثناء القرآن الكريم ورسالة الشافعي؛ تتكرر لديه سعةً وضيقاً حسب السياق، لحوالي الخمسين عاماً. وبؤرة تلك المصادر مؤلَّفات مسكويه والتوحيدي ويحيى بن عدي والعامري، من القرن الرابع الهجري. وهذه البؤرة أوالحقبة ( أي القرن الرابع الهجري/ الحادي عشر الميلادي) هي من اكتشاف آدم متز Adam Metz) ) الذي حَضَّر عنها أُطروحةً للدكتوراه نُشرت عام 1922. ولحسن الحظّ فإنّ هذه الأُطـروحة قام بترجمتها في الأربعينيات الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، ونُشرت في لجنة التأليف والترجمة والنشر( 1947) التي كان يقودها أحمد أمين تحت عنوان: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. وفكرة Metz عن القرن الرابع في نطاق الحضارة الإسلامية هي الفكرةُ ذاتُها التي كان يملكُها مؤرّخو الفكر الأوروبيون عن عصر النهضة. ويدلُّ على ذلك بالفعل أنه يعطيها بالألمانية: Die Renaissence des Islam أي نهضة الإسلام. إنما في الوقت الذي كان فيه محمد أركون يُحضّر أُطروحته للدكتوراه عن نزعة الأنسنة في الفكر العربي، نموذج مسكويه، حوالى أواسط الستينيات، كان يقع تحت تأثيرات متعددة زمانية ومكانية وسياسية وعلمية. في المجال السياسي والاستراتيجي كانت حركات التحرير في أَوجها في إفريقيا وآسيا، وكانت الجزائر تخرج لتوّها من قبضة الاستعمار الفرنسي الطويلة . وقد بدأ الخلافُ وقتها بشأن الإسلام، إذ كان جمهور التحرر في معظمه من المسلمين؛ في حين كان القادةُ من القوميين واليساريين. وفي السوربون المحافِظة وخارجَها الفرنسي، كانت ثلاثة تياراتٍ منهجية وعلمية في تنافُسٍ شديد على المنهجية الأجدى في العلوم الإنسانية: تيار المَدَيات الطويلة الذي قادته مدرسةُ الـ Annales وله عدة رموزٍ بالجامعة أهمُّهم بالنسبة لاختصاص أركون آنذاك كلود كاهن (Claude Cahen) الذي أقبل في الخمسينيات والستينيات على نشر ثلاثة أعمالٍ مهمة: الدراسة عن نشوء الإقطاع في المجال الإسلامي، وقد اعتبر القرن الرابع بداية ذلك التحول الكبير من النظام الخراجي إلى النظام الإقطاعي، والدراسة عن الحركات الشعبية في المدن الإسلامية، وقد وجد أكثر الشواهد عليها في مصادر القرن الرابع وما بعد، والتاريخ الشامل للإسلام وقد ظلّ أركون يحفظُ لكاهن جميلَ الذكرى للإشراف والمُساعدة، ولفرنان بروديل ومدرسة الحوليات أُطروحة المَدَيات الطويلة في التكوينات الحضارية والثقافية على اختلاف المفاهيم بين الباحثين حول الأمرين. والطريف والمؤْسي في الوقت نفسِه أنه تعرض مثل سائر شبان عصره في الاكاديميات للتأثيرين النقيضين لكلٍ من فوكو بقطائعه المعروفة، وليفي شتراوس بأنثروبولوجيات العوامل الخفية وراء الظواهر، وأنظمة الثقافة المادية والذهنية بلا قطائع واضحةً فيها. لقد ظلَّ المميِّز الرئيس في شخصية محمد أركون تلك الحساسية العالية، وذلك النَهَم المعرفي الهائل التطلُّب والاتّساع. وإذا شئنا أن نحدّد مراحل لتطور مشروعه النقدي والاستكشافي؛ فإننا نستطيع ذلك بسهولةٍ من طريق قراءة مقدّماته لكتبه، والمقدّمات الأُخرى لمقالاته المجموعة والمنشورة. وهو في كلٍّ من هذه المقدِّمات يذكر الكتب والبحوث الجديدة التي أثَّرت فيه في شتّى مجالات المعرفة. وأُشدّد هنا على أنّ التأثيرات على أركون في سنوات عمله العشرين الأخيرة هي كتبٌ ودراساتٌ ومقالات، وليست تيارات فكرية ومنهجية. أمّا التأثيرات شبه المستقرّة، والمستمرة منذ الستينيات والسبعينيات فهي المناهج التي ذكرناها، مع التفاتٍ في السبعينيات إلى تيار نقد الاستشراق تحت شعار نقد الأيديولوجيات الكولونيالية، وصناعة الإسلاميات التطبيقية (= الأنثروبولوجيا وفوكو)، وفي الثمانينيات والتسعينيات دراسات فلْسفة الدين، وتاريخية الدين ونقد النصّ. تبنّي مزيج وأمشاج وأخلاط من دراسات نقد الأرثوذكسيات الدينية والقومية، واهتمامٌ متزايدٌ بالمسارات الراديكالية في التغيير، ناجم عن اعتقاده أنّ الأُصوليات الإسلامية المعاصرة هي استمرارٌ بشكلٍ ما لأرثوذكسية العصور الوسطى الإسلامية، والتي أنتجت جموداً وانسداداً ما يزال مستمراً حتى اليوم. وهناك أخيراً ميلٌ متزايدُ لديه في السنوات الأخيرة يعود من خلاله إلى نزعةٍ إنسانويةٍ تستذكر عهده الأول في أطروحته في الستينيات. لكنني لا أريد اعتبار ذلك النزوع مرحلةً جديدةً، بل أرى أنه نوعٌ من اليأس نتيجة ما اعتبره انسداداً في الأُفُق، فعاد أدراجه ليتأمل منافذ للضوء لدى التوحيدي والعامري والصوفية.

-1-
إنّ لدينا إذن لدى أركون- كما لدى أكثر قراء التراث الإسلامي من غير الإسلاميين – اعتقاداً مسبَقاً يتمثل في أنّ الموروثَ الإسلاميَّ بمجمله تحوَّلَ إلى عبءٍ على العرب وعلى المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، وأنه ينبغي التحرُّرُ منه كما يقول اليساريون وأشباهُهُم، أوتحريره من طريق النقد والتجاوُز- كما يقول أركون. ومثالُهُم جميعاً في ذلك النهوض والسواد الحضاري والعالمي الأوروبي في مختلف تياراته. فأهل المادية التاريخية هيغليون وماركسيون، والليبراليون مثل محمد أركون إنسانويون وعِلْماتيون، وأكثر التزاماً بالمثال الأوروبي في البحث بمعنى الاهتمام بما حصل في عصر النهضة والأنوار من ظهور رؤيةٍ جديدةٍ للعالم تخرج على رؤيتي الكاثوليكية وأزمنة الإقطاع، وتتبنّى نقد الدين سبيلاً لتحرير العقل، ثم إخراج الدين من نظام الدولة استناداً إلى أولوية واستقلالية الحريات الفردية والحقوق الطبيعية.
ولستُ هنا في مجال قَصِّ مجريات النهوض الأوروبي، ولذلك أعود إلى أركون وأسباب اهتمامه بالتراث الإسلامي أو بمنتجات العقل الإسلامي في الأزمنة الوسطى، وما يقترحُهُ من أساليب للتعامل مع تلك المنتجات لتحرير الحاضر منها، والدخول في الحداثة. فهو يقول إنه أراد دائماً: "إعادة القراءة لتاريخ الإسلام والتراث العربي، اعتماداً على مناهج حديثة تمكّنُ من إلقاء ضوءٍ جديدٍ على التراث، وإبداع مواقف فكرية أكثر ارتباطاً والتزاماً بالفكر العلمي المعاصر" . وقد مَرَّ مشروعُهُ هذا كما سبق القول، بتطورات معرفية كثيرة وكبيرة. فهو في أُطروحته للدكتوراه في الستينيات . وهذه الأُطروحةُ بالذات ينبغي اعتبارُ نصِّها بالذات، وليس مقدّمتها المكتوبة عام 1996 أو 1997، لأنّ المقدّمة تمثّل وجهة نظر أركون في التسعينيات عندما كان قد دخل في أيديولوجيا الانسداد الأُصولي، وضرورة تحطيم الأرثوذكسيات لتحرير " العقل الإسلامي" المعاصر منها. وسأعود إلى هذه المقدمة بالطبع عندما أُعالج المرحلة الثالثة في فكر أركون التحريري.
اعتبر أركون إذن أنّ القرن الرابع الهجري أو جيل مسكويه (الذي أضاف إليه عند نشر الترجمة بالعربية اسم التوحيدي) امثلك نزعةً إنسانويةً تحررية، اتّسمت بسمات ليبرالية إذا صحَّ التعبير باتجاهين: اتجاه الموضوعات المبحوثة في الدين والاجتماع البشري، واتجاه المنهجية، وهي منهجيةٌ عقلانيةٌ ما اقتصرت على الفلاسفة، بل شاركهم فيها المتكلمون بمن في ذلك الأشاعرة مثل الباقلاّني، وليس القاضي عبد الجبّار وحسْب. وقد رجع في ذلك بالطبع إلى كلّ كتب ورسائل مسكويه المطبوعة والمخطوطة، مع اهتمامٍ خاصٍ بكتابه: تهذيب الأخلاق، وتأليفه في التاريخ: تجارب الأُمم، ورسائله: الفوز الأصغر، ورسالة في النفس والعقل، ورسالة في اللذات والآلام، ورسالة في العقل والمعقول. والملحوظ أنه ركّز على الجانب الأخلاقي في تفكير مسكويه، وأعرف أنه نشر فيما بعد رسالةً له في العلوم، كما نشر مقالةً عن الأخلاق والسياسة في تفكير الماوردي. إنما بالإضافة إلى الجوانب الأخلاقية الإنسانوية، هناك اهتمامٌ بارزٌ بتجربة مسكويه باعتباره مؤرِّخاً؛ بل إنه يقدِّمه بوصفه مبدعاً لنهجٍ جديدٍ في الكتابة التاريخية يتجاوز الطبري واليعقوبي والدينوري من مؤرِّخي القرن الثالث.
وما توسَّع أركون في الاهتمام بزملاء مسكويه من مثل التوحيدي والعامري، مع أنّ لأبي حيّان كتاباً مشتركاً مع مسكويه سمّاه " الهوامل والشوامل"، وهو الاسم الذي أطلقه أركون على الترجمة العربية للقسم الأول من آخِر كتبه: الهوامل والشوامل حول الإسلام المعاصر. وفي الواقع فإنّ أركون ما اهتمّ للجوانب الأدبية للثقافة العربية والإسلامية في تجربته الفكرية أو الكتابية، وهذا فيما يبدو السبب الذي جعله يُعْرِضُ عن التوحيدي الذي كانت كتبه معروفةً أثناء عمله على أُطروحته، ثم استدرك ذلك فيما بعد، إنما اهتمّ من التوحيدي بالجوانب غير الأدبية مثل التجربة الصوفية والنهم المعرفي وسعة الاطّلاع، والتحرر من التعصُّب الديني، والتهميش لدى أهـل السلطة والنُخَب الثقافية، شأنه في ذلك شـأن مسكويه والعامري . أمّا أبو الحسن العامري فهو مذكورٌ في كتب مسكويه والتوحيدي، لكنّ كتبه الرئيسية: السعادة والإسعاد، والأمد على الأبد، والإعلام بمناقب الإسلام، ما كانت قد نُشرت بعد، وهي تُظهره فيلسوفاً أخلاقياً رفيعاً، ويملك ميولاً غير أرسطية. وقد تابع أركون تطورات المعرفة بتفكير العامري، وكتب عنه وعنها شأنَه مع كلّ جديدٍ في الدراسات حول الفكر الإسلامي، والمعارف الحديثة في العلوم الإنسانية .
وقد ذهب أركون في مقدمته اللاحقة للنشرة العربية للأُطروحة الإنسانوية؛ إلى أنّ الجديد في بحث هذه المسألة ضئيل، وذكر أربع أو خمس مؤلَّفات أو أُطروحات. والواقع أنّ تيار الإنسانويات في الدراسات الإسلامية قديم، وهو يبدأ بمتز الذي ذكرناه واهتمَّ له أركون، لكنه يتتابعُ عبر الاهتمام بالزندقة والزنادقة ما بين القرنين الثاني والرابع للهجرة، إذ يعتبرهم ينبرغ وباول كراوس وماكس مايرهوف وجورج قايدا والآن أورفوي (Urvoy) أُناساً قادوا تيار حرية الفكر، وأسهموا في مكافحة الجمود من طريق الجدال العقلي وإظهار تناقُضات المتكلمين المسلمين في الاستدلال والاختلاف؛ ومن هؤلاء أبو عيسى الورّاق ومحمد بن زكريا الرازي، والراوندي. وكعادته في حقبته الوجودية ما أَهمل عبد الرحمن بدوي هذا النوعَ من الاهتمام، فترجم دراساتٍ لهنري كوربان عن العرفانية والشطح، وعن الحلاّج، وعن الرازي، وابن المقفَّع. ثم كتب عملاً عن الوجودية والإنسانوية في الفكر العربي الوسيط في أواسط الستينيات، أي عندما كان أركون يكتب أُطروحته. ويذكر أركون جوزف فان أس في أعماله منذ التسعينيات ويُثني عليه كثيراً، وبخاصّةٍ على موسوعته في علم الكلام. لكنّ فان أس نفسه كتب دراسةً في الستينيات عن الزندقة والزنادقة، توصل فيها إلى أنّ هؤلاء المساكين ما كانوا في الغالب مانويةً أو مُلحدين، بل هم على الأرجح من ضحايا الجدلات الكلامية المشتعلة في القرنين الثالث والرابع.
إنّ هذا الذي ذكرتُهُ من باب الملاحظة، استدرك أركون أكثره- كما أوضحتُ أيضاً- فيما بعد. بيد أنّ الأهمَّ الرؤية التي كانت تحكم أركون عندما كان يكتب أُطروحته. فهو دون أن يقول ذلك حرفياً، كان يعتنقُ مُثُلَ وقيم النهضوية الأوروبية وعصر الأنوار، وهوكان منزعجاً من السطوة الأوروبية والاختزالية الأوروبية وذلك التهميش للعالم خارج الحضارة الأوروبية. لكنه ما كان يرى مخرجاً خارجَها، وإنما الحلُّ بالعودة إلى مثالياتها ومرجعياتها النهضوية ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. ومن ضمن تلك المرجعيات الفلسفة الإغريقية، والعالم الرؤيوي لتلك الثقافة العريقة. ولذا فإنه في ترتيباته لإنسانويات القرن الرابع، يضع التفكير العقلاني لفلاسفة الإسلام في الذروة، وحصيلةُ هؤلاء في نظره آتيةٌ بمجملها من الإغريق، بما في ذلك الرؤى الليبرالية للدين والأعراف والعادات، والغايات الأخلاقية الكبرى للحياة الفلسفية والمتمثلة في السعادة والإسعاد. وهو جَذِلٌ بإغريقيات القرن الرابع- وبدون تفرقةٍ بين الأفلاطوينين والأرسطيين والأفلوطينيين والرواقيين- لأنه وجد في هذا القرن الرائع نموذجاً للتلاقي والتعاشق بين حضارتين، يمكن أن يكونَ نموذجاً لانبعاثٍ حضاريٍّ من جديد قائم على التعارُف نفسه، لكنْ ليس بين حضارة السطوة الأوروبية، وحضارة الإسلام المتنوّر، بل بين التنوير الإسلامي والتنوير الأوروبي ذي القيم العالمية .
وهكذا فإنّ أركون حتّى في الستينيات ما كان مستشرقاً تقليدياً تاريخانياً، بل كانت الاهتمامات الإبستمولوجية قد بدأت عنده. لكنه كان يضعُ أمله في شعبةٍ من شُعَب الاستشراق المتجدّد وهي المتعلِّقة باهتمامات بعض ليبراليي الدارسين بما اعتبروه بزوغاً قصيراً لتنويرٍ إسلاميٍّ ما لبث أن انقضى تحت وطأة حرفيات الحنابلة، ودوغمائيات الأشعرية. وبذلك فقد بدت لديه بذورٌ وجذورٌ للتذمُّر من الجمود والدوغمائية، وقد كان تنويريو القرن الرابع يواجهونهما؛ لكنه لاحظ أنه حتى "غير العقلانيين" من الحنابلة والأشاعرة والفقهاء، ما لبثوا أن أقبلوا على تعلُّم المنطق الأرسطي، وخاضوا في منهجيات الجدال الكلامي الذي كان أسلافُهُم يأْبَونه.
لقد انقلب ذلك كلُّه لديه في مرحلته الثانية، مرحلة الإسلاميات التطبيقية؛ ومع أنه ما استخدم خلالها مصادر إسلامية جديدة، فقد خرج من الاستشراق كلِّه أسئلةً وموضوعاتٍ ومناهج، واستناداً إلى أمرين: مناهج النقد الاستعماري، والدخول في الابستمولوجيات، وقطائع ميشال فوكو. لكنْ قبل الدخول في أُطروحات الإسلاميات التطبيقية وكيف أثّرت في رؤية الإسلام ونصوصه وقراءته، أريد لفْت الانتباه إلى ظاهرةٍ لديه ما أزال متردداً في اعتبارها مرحلةً رابعةً ظهرت في العقد الأخير من السنين. فقد عاد إلى إنسانيات الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، واكتشف هذه المرة يحيى بن عدي والتوحيدي والعامري، بل وعاد أيضاً إلى اكتشاف جوانب جديدة في فلسفة الأخلاق والسعادة عند مسكويه نفسِه. لكنه ما اكتفى طبعاً بذلك فبين إنسانياته الأولى، وإنسانوياته الأخيرة زُهاء الأربعين عاماً. وقد كانت إضافاته إلى المصادر قليلة أو كمية؛ إنما الجديد في إنسانوياته الأخيرة هما الرؤية والمنهج. فالرؤية تقول إنّ الإسلام يواجه انسداداتٍ تاريخية وأُصولية وإحيائية، وإنّ مواجهتها لا تستقيم إلاّ بالجهد النظري الدؤوب لتحطيم الحواجز الدوغمائية والأرثوذكسية، وتحرير الحقيقة القرآنية المتعالية وفكرة الوحدانية ونظامها الأخلاقي الراقي من تراكُمات القرون. ويحصل ذلك من طريق الأنثروبولوديا الدينية المقارنة، والاستعانة بسائر منجزات ومناهج العلوم الإنسانية. وقد ظهرت الإنسانويات التي ذكرتُها في ثلاثة كتبٍ هي آخِر ما صدر له: معارك من أجل الأنسنة، وهي مجموعة دراسات أُلقيت في مؤتمرات، وترجمها إلى العربية هاشم صالح، مترجم كتبه الأُخرى، وصدرت عام 2001. وفي هذه المجموعة تبرز موضوعة الإنسانيات من جديد في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. أمّا الكتاب الثاني، فاسمه: الأنسنة والإسلام. وقد صدر بالعربية عام 2010، وهو مدخلٌ تاريخيٌّ مقارنٌ كما سمّاه، ولا علاقة مباشرة له بالمصادر العربية والإسلامية، رغم ذكره للأنسنة العربية في القرن الرابع في فصله الأول. إذ إنه يعرض مشكلات نظرية تتعلق بماهية الدين، ومناهج دراسته، ومكانة المثقف في السياقات الإسلامية ومهامّه، ونقد العقل "الفقهي" في الإسلام، وإمكانية التاريخ التأملي للفكر الإسلامي. وأمّا الكتاب الثالث والأخير والصادر مترجماً أيضاً عام 2010 فاسمه: "الهوامل والشوامل، حول الإسلام المعاصر". وهو يتضمن إجاباتٍ على عشرين سؤالاً عن إشكاليات الإسلام القديم والحديث، وكيفيات مواجهتها- وهو لا يختلف كثيراً عن الكتاب الثاني، لكنه أكثر حِدَّةً وإلحاحاً وتعليميةً من الكتابين الآخرين. فلماذا عاد النزوع الإنسانوي إذن إلى فكر محمد أركون وكتاباته في العقد الأخيرة؟ هل لأنه رأى أملاً أومنفذاً في ذلك؟ لايبدو ذلك رغم المقدمات ذات الطابع التعليمي والإرشادي، والتي يعود فيها إلى التاريخ الديني والسياسي. فالانسداد ما يزال مسيطراً من وجهة نظره، لكنّ الإنسانيات عنده (رغم التوحيدي والعامري ومسكويه) هي إنسانيات الحداثة وقيمها العالمية والشاملة. ولذا فإلذي أراه أنّ تلك الرجعة ناجمة عن أمرين: تبلور الظاهرة الدينية الصحوية الإسلامية واستفحالها بحيث ما عاد من الممكن تجاهُلُها أو إلغاؤها وإنما لا بد من الاعتراف بها واستكشاف وسائل لتشخيصها ومعالجتها بالعلوم الحديثة. والأمر الثاني محاولة اشتراع إنسانوية معاصرة مشتركة بين أهل الأديان والثقافات، للتعامل مع ظواهر الصحوة الدينية ومن ضمنها الصحوة الإسلامية؛ بما يذكّر من بعيدٍ بمحاولة هانز كينغHans Küng) ) في العقود الأخيرة. فالمعروف أنّ كينغ الكاثولكي المؤمن من خارج الكنيسة، دعا إلى أخلاق عالمية مشتقة من سائر الديانات وبخاصةٍ ديانات التوحيد الإبراهيمية، وهذا يفسِّر اهتمام أركون بأخلاقيات إنسانوية المسلمين في القرن الرابع. هل في ذلك نوعٌ من اليأس؟ لا، ليس في ذلك يأسٌ أو أنّ أركون يجاهد ضدَّه، وإنما هناك نوعٌ من الأسى العميق، بعد فشل دعواته وأعماله السابقة للتحرر والتحرير، والإصلاح الديني، بحيث دفعه ذلك لإطلاق صرخة باسم الأخلاقيات الإنسانية الشاملة والحضارية في كلّ الديانات، ومنها الإسلام.
-2-
دخل محمد أركون إذن- مدفوعاً بالثورات في العلوم الإنسانية- في سبعينيات القرن العشرين، في مرحلة: الإسلاميات التطبيقية، وهي مرحلةٌ تتميز بأمرين: الخروج النهائي من الاستشراق، والقيام بقراءات أبستمولوجية ولسانية في القرآن الكريم؛ على سبيل الاختبار لعلوم وأساليب جديدة في الدراسات الإسلامية، مختلفة عن أساليب الاستشراق.
كيف حدَّد أركون الإسلاميات التطبيقية، ثم كيف حاول قراءة القرآن قراءةً جديدة؟ يُعرّف أركون الإسلاميات التطبيقية كما يلي: إنها "ممارسة علمية متعددة الاختصاصات، وهذا ناتجٌ عن اهتماماتها المعاصرة ومخاطرها، وكذا المتطلبات الخاصة بموضوع دراستها.." . وهذا يعني تجاوز الإسلاميات الكلاسيكية التي كان المستشرقون ما يزالون يقومون بها، وهي تتناول الجوانب النظرية والعملية للحضارة الإسلامية، ولواقع المسلمين اليوم، وهي تلتزم بالفكر العلمي الحديث، وبخاصةٍ شِقّيه. وقد شرح ما يعنيه بتعدد المداخل والمناهج، فذكر ثلاث مقاربات تتضافرُ ولا تتنافض، وهي: المقاربة السيميائية الألسنية، والمقاربة التاريخية الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، والمقاربة التيولوجية . وقد علَّلَ أركون تعددية المقاربات أو المناهج بأنّ "العقل الإسلامي" الذي يُصرُّ عليه في المصطلح والتطبيق، ليس نتاج النصوص وحسب؛ بل هو نتاج الممارسة في كلّ تمظهُراتها الحياتية. وهذا يشمل المكتوب منذ النصّ الأول، كما يشمل الشافعي والممارسات الشعبية، ويشمل المخيال بشتّى تعبيراته، كما يشمل المهمَّش والمنبوذ واللا مفكَّر فيه. فحقيقةُ العقل الإسلامي لا توجد في الخطاب الرسمي وحسْب، وإنما وبالخصوص في الإسلام الشعبي والمُعارض والمتعدِّد. وضمن هذا الإطار وضع أركون ما يسمّيه بالمفاهيم الثلاثة: المفكَّر فيه، واللامفكَّر فيه، والمستحيل التفكير فيه .
وقد كتب أركون، ووضع مشروعاتٍ كثيرة لقراءة القرآن، والتراث الإسلامي المكتوب، وجمع بحوثه حول القرآن أو خُلاصاتها في كتابٍ، كما فعل بعدة سُوَرٍ قرآنيةٍ مثل العَلَق، وألم نشرح لك صدرك، والضحى، وسورة براءة، وسورة الكهف. وقال في مطلع قراءته للفاتحة إنه استرشد بخمسة مبادئ : أن الإنسان هو بمثابة مشكلةٍ محسوسة لدى الدارس والمراقب- وأنّ على الباحث أن يعي الواقع بدقةٍ هي من مسؤوليته وحده- وأنّ معرفة "الواقع" هي مجازفةٌ مستمرةٌ لأنها عملية "خروج متكرر" على حدود الإغلاق الذي يفرضه كل تُراثٍ ثقافي- وأنّ على الباحث عدم التوقُّف عند حلٍ محدَّد مهما كانت النتائج كبيرةً، لأنّ مساره كالصوفي الذي لا يعرف الاستقرار في رحلته إلى الله. وكما طبَّق هذه المبادئ في ظلّ المقاربات الثلاث السالفة الذكر على سورة الفاتحة ضمن توتُري الشفهي والمكتوب، والمتلقَّى والمتلقِّي؛ فعل الشيئَ نفسه في قراءته لسورة العَلَق، مع التركيز على مسألة الوحي وماذا تعنيه دينياً وفي الديانات الإبراهيمية، وفي قراءته لسورة التوبة أو براءة وماذا تعنيه من الناحية اللاهوتية والقانونية. لكنه وهو يفعلُ ذلك لا يقتصر على القرآن أوعلى نبذ التراث التفسيري الإسلامي، بل ينطلقُ كعادته في سياحةٍ واسعةٍ تتناول المقدَّس الديني لدى الديانات التوحيدية، كما تتناول معنى الكتاب المقدَّس أو المنزَّل، وتتناول مسائل المخيال والأُسطورة والعجيب والمُدْهش، لتعود للحظة الأنثروبولوجية والأصل البدئي، دونما إهمالٍ للجوانب اللغوية واللسانية التي يعطيها أركون أهميةً استثنائية، إن بقيت أدواتٍ للفهم، وليست مقصودةً بحدّ ذاتها. فالمقصود الاعتصام بالمنهجيات الحديثة، وكيف تُسهمُ في تفتيح النصّ، وفي كشف اللامفكَّر فيه، وفي ضرب أو تجاوُز القراءة الكلاسيكية أو الأرثوذكسية . لكنْ إذا كانت مقاربتُهُ لسورة براءة (وآيات الجهاد والسيف والإقصاء والإلغاء فيها) تتّسم بقسوةٍ ظاهرة؛ فإنّ قراءته للفاتحة شديدة الودّ، وقراءته لسورة الكهف تفتح على عوالم ذات روعةٍ وسحرٍ بالفعل. وإذا كان خصومَهُ في السنوات الأولى من إسلامياته التطبيقية هم المستشرقون؛ فإنّ خصومُهُ في القسم الثاني من هذه المرحلة، أي بين أواسط الثمانينيات وأواسط التسعينيات هم أهلُ التقليد الإسلامي أو الإسلام الرسمي أو الأرثوذكيات أو أهل السنة. ففي كل مسألة من مسائل التفسير القرآني، يقدّم الرجل بمقدمة يحمل فيها على التفسير التقليدي، ويتهمه بظُلم النصّ القرآني أو خَنْقه أو تشويهه، ثم يعمد إلى جولةٍ أنثروبولوجية وسيميائية وفي رمزيات الدين وأخلاقياته، ليخرج بعدها بنتائج ليست مفاجئةً كثيراً، لكنه يعتبرها تحقيقاً متقدماً لتطبيقياته الإسلامية.
وفي أواخر الثمانينيات، وعندما اشتدّت عليه الضغوط والتساؤلات المتعلقة ببرامجه لإعادة كتابة تاريخ للفكر الإسلامي، عمد لتقسيم تاريخ ذاك الفكر إلى خمس مراحل : مرحلة البزوغ، ومرحلة التبلور والسواد أو الاستتباب، ومرحلة النضج والثبات، ومرحلة الاجترار والتكرار، وأخيراً مرحلة الانكفاء والتقوقُع. ولذا فإنّ على "العقل الإسلامي" خوض معركتين اليوم؛ الأولى في مواجهة القطيعة السلبية التي حدثت مع التراث الإسلامي الفلسفي والعقلاني والإنسانوي. والثانية في استدراك التأخر الذي أصاب ذلك العقل مقارنةً بعقل الأنوار الأوروبي وما بعد. وهاتان القطيعتان المؤلمتان ما تزالان مهمَّشتين أو في نطاق اللامفكَّر فيه، لأنّ ما قام به الأيديولوجيون القوميون هدفُهُ إحياء الشخصية العربية، وليس الانخراط في دراسة تاريخية نقدية تعتمد المقارنة بين مختلف الحضارات التي عرفها حوضُ البحر المتوسط، ولأنّ ما قام به الإسلاميون قصد إلى إثبات تمامية الفكر الإسلامي القديم بصيغته الأرثوذكسية، بقصد تحريمه وتقديسه وتأبيده. وما يقصد أركون إلى إنجازه الاشتغال على العقل باعتبار أنّ له تاريخاً وصيرورة تاريخية، فهو يتحول ويتغير عبر العصور، وبحسب إمكانيات كل عصرٍ وأدواته العلمية أو التقنية. ولذا يمكن الحديث في المرحلتين الرابعة والخامسة من تاريخه عن التفاوت أو الفوات، لتصنيف الواقع بدقة، والاندفاع إلى تغييره بالمقارنة بين مصائر ضفتي المتوسط. وهذا تحقيبٌ أو توجيهٌ أبستمولوجي لا يلجأ إليه أركون في العادة ابتعاداً عن التصنيفية التي لا يريدها؛ لكنه كما قال، أراد استحثاث المسلمين على النهوض من أجل تحقيق الثورات العلمية والمفهومية، كما حصل في الغرب .


-3-
بحسب تحقيب أركون لتاريخ الفكر الإسلامي؛ فإنّ المرحلة الثالثة من ذاك التاريخ، بعد القرن السادس الهجري؛ شهدت سيطرةً أيديولوجية ودوغمائية لأهل السنة، أو للتقليد أو للأرثوذكسية، والتي تميزت مرحلتاها الرابعة والخامسة بالاجترار والتكرار، وبالانكفاء والتقوقع. ولذا فقد انصرف أركون منذ أواسط التسعينيات، وبعد أن أعدَّ العُدَّة المعرفية لذلك طويلاً لمناطحة الأرثوذكسية الإسلامية رجاءَ تحطيمها لتخليص المسلمين من هذين الفواتين أو التفاوُت: التفاوُت والانحياز تُجاه التيارات العقلانية والصوفية والفِرَقية في الإسلام القديم، والتفاوت أو الفوات تُجاه الأزمنة الحديثة والمعاصرة.وخلال هذه المرحلة أضاف إلى مخاصمته للأرثوذكسية، مخاصمة الحركات الأُصولية الإسلامية، باعتبار أنّ الأرثوذكسية الدوغمائية استمرت من خلالها بواسطة التأصيل، وباعتبار أنّ تلك الأصوليات والإحيائيات تستخدم النصوص الدينية لفرض تفسيرات تُعادي العقل والتقدم وإقامة علاقات صحية مع عالم العصر وعصر العالم.
وما شهدت هذه المرحلة – الثالثة- استخدام مصادر إسلامية جديدة لديه باستثناء رسالة الشافعي في أصول الفقه، والتي أقام عليها أُطروحته حول تكوُّن الأرثوذكسية وتجذُرها. ولذلك فقد اهتمَّ في هذه المرحلة أكثر بالتكونات أو المدارس الفقهية الإسلامية، ومعنى المدوَّنة القانونية في الدين ( عند أهل الكتاب)، والفروق بين النصّ المقدَّس، والمدوَّنات الفقهية أوالقانونية. وهو يستعين بعد علم الدين المقارن، والدراسات الحديثة والمعاصرة عن الدين والمؤسسة الدينية؛ بالدراسات الحديثة عن الفقه الإسلامي، كما سبق له أن استخدم الدراسات الحديثة عن علم الكلام الإسلامي. إنما في حالة علم الكلام، فإنه يرجع أحياناً إلى نصوص مثل مقالات الإسلاميين للأشعري، والملل والنحل للشهرستاني. أمّا في حالة الفقه والفقهاء؛ فإنه لا يرجع بعد رسالة الشافعي لأيّ مصدرٍ فقهي؛ بل إلى شاخت ويوهانس. وآخرين من المستشرقين المحدثين. إنما وهو يشرح تكوينات الأرثوذكسية حتّى الفقهي منها، يذكر بعض أعمال المفسِّرين الأرثوذكس كما يسمّيهم مثل الطبري وفخر الدين الرازي وابن كثير. ورغم حملاته الشديدة على أهل الحديث والسلفيين؛ فإنه لا يرجع لكتبهم؛ بل إلى أعمال لاووست وجورج مقدسي عنهم. وإذا كان قد دافع عن أُطروحته أو مصطلحه للعقل الإسلامي بأنه لا يقصد به التخليد أو التأبيد بل التحول والتغيُّر وسط الشروط التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية؛ فإنه لا يُظهر أيَّ مرونةٍ بالنسبة للأرثوذكسية التي تعني عنده الدوغمائية والجمود في شتّى النواحي. وهي تشكّل عنده مثلَّثاً لا منفذ فيه أو منه مكوَّناً من رجال الدين ورجال السلطة وجمهور العامة. ولا راحة وسط هذا الهرم الهائل الذي استمرّ لقرابة الثمانمائة عام إلاّ من طريق هُوامات الصوفية، وانشقاقيات وأساطير بعض الفِرَق الخارجة على أطروحات السواد الأعظم على شكل هرطقات ساذجةٍ أو سحرية. ومع أنه يذكر الأرثوذكسية الشيعية أحياناً ويقول إنها تستدعي تحطيماً أيضاً، لكنه لا يقوم بنفسه بهذه المهمة؛ بل يذهب أحياناً إلى أنّ أمرها أسهل تارةً لأنها قِلّةٌ قليلة، وطوراً لأنّ لديها نزوعاًَ عرفانياً، أو لأنّ الحركية الاجتهادية مستمرةٌ لديها في الكلام والفقه لميولها الاعتزالية القديمة، ولاحتجاجيتها التاريخية على الأرثوذكسية المقابلة والطاغية وهو في حَمْأة هجومه على الأرثوذكسية، تُفارقُهُ نقديته المعهودة، فيصدّق بدون ترددٍ أنّ نهي المتوكّل عن الجدال في الدين والذي أنهى محنة ابن حنبل، قضى على الاعتزال وتيارات العقل جميعاً، وأنّ العقيدة القادرية- وهي بيانٌ سلطويٌّ سُنّيٌّ سلفيٌّ من مطلع القرن الخامس الهجري- سيطرت على العالم الإسلامي طوال الف عام! فالتفاوتُ أو الفوات التاريخي في الحقيقة وبشقّيه تجاه التاريخ وتجاه العصر، إنما هو وقْفٌ على أهل السنة، ولذا فإنّ مصائر الإسلام متعلِّقةٌ بهم فإمّا أن يتداركوا الفواتين، أو يتحطم الإسلام في مواجهة العالم والعصر، وهو الآن على أيّ حالٍ مشكلةٌ عالمية. وهكذا فإنّ محمد أركون يعود من حيث لا يشعر (بل ربما كان واعياً بذلك لأنه يذكر أُطروحة غاستون فييت التي تنسب ألفية الانحطاط إلى الأشعرية السنية التي قضت على التيارات العقلانية) إلى الاستشراق الكلاسيكي الذي خرج عليه في السبعينيات، فيستعير أُطروحته بشأن الانحطاط، لكنه يُضفي على ذلك شواهد جديدةً من علم الدين المقارن، ومن البحوث اللاهوتية البروتستانتية والكاثولكية المعاصرة، بيد أنّ سنده الرئيس في القياس أو التوازي أو المحايثة، هو أنّ علة المسلمين الرئيسة أنهم ما قاموا بإصلاحٍ دينيٍ يُخرج من الدوغمائيات اصطنعه البروتستانت في القرن السادس عشر وما بعده، ثم التحق بهم الكاثوليك في القرن العشرين.
وهناك مسألةٌ أُخرى بالغة الأهمية تتعلق بالإسلام المعاصر أو بالإحيائيات والأصوليات في الإسلام المعاصر. فقد تأخر الأستاذ أركون إلى منتصف الثمانينيات حتّى تنبَّه إلى وجود الإحيائية الإسلامية وأُصولياتها. وهو عندما اكتشف ذلك أخيراً علَّل الأمر بسرعةٍ في البدء قائلاً إنّ ظهورها يعود إلى تفويت إجراء إصلاح ديني راديكالي مثل الإصلاح البروتستانتي. ثم عاد في التسعينيات للقول إنّ الأرثوذكسية السنية ما تزال مستمرةً وقويةً، والأصوليات هي التعبيرات الأرثوذكسية القديمة والباقية في مواجهة الحداثة ورفْضها بكلّ سبيل، لأنها تنتمي إلى عالم القرون الوسطى! وهكذا فإنّ المسوؤل عن الأصولية أيضاً هو الإسلام الأرثوذكسي، الذي يختزل الماضي بما في ذلك القرآن، ويقف في وجه الحاضر والمستقبل، حاضر المسلمين ومستقبلهم، وحاضر العالم الذي يعيشون فيه ومستقبله.

وما أنجز الأستاذ أركون قراءةً شاملةً للفكر الإسلامي الوسيط أو الحديث والمعاصر، لكنه وضع الكثير من الخُطاطات والبرامج، وذكر بعض الأمثلة والأُمثولات. واستناداً إلى ظهور المصطلحات الجديدة لديه استنتجنا وجود مراحل ثلاث في تفكيره وكتاباته هي: مرحلة الاستشراق المتنوّر- ومرحلة الإسلاميات التطبيقية- ومرحلة مصارعة الأرثوذكسية والأُصوليات. وقد ذكرتُ من قبل أنه في العقد الأخير، وتحت وطأة "الاختناق" كما قال، نتيجة استمرار سطوة الأرثوذكسية؛ فإنّ الإنسانويات والعقلانيات من القرن الرابع، وإنجازات ابن رشد وابن خلدون وحتّى صوفيات الغزالي (أحد الأرثوذكس العُتاة من قبل لديه ولدى الجابري) استعادت بعض الذكر والقيمة، لكنْ ليس باعتبارها سبيلاً لانفتاحٍ من نوعٍ ما؛ بل لأنها تُظهر وجود شخصيات غير أرثوذكسية داخل الإسلام، ولأنه يمكن- حتى من وجهة نظر المناهج الحديثة- أن تكون بيئةً لدراساتٍ إيجابية بالشروط التاريخية طبعاً. وشأن الغزالي وابن رشد مع الأستاذ أركون مثل شأن المستشرقين الذين لعنهم في السبعينيات والثمانينيات حتّى الثمالة، ثم عاد منذ قرابة العشرين عاماً لذكرهم والثناء عليهم وذكْر أُطروحاتهم حتّى الغريب منها والنافر في حواشيه وأحياناً في متونه. لكنه ما أعاد النظر في اُطروحاته بشأن الاستشراق الكلاسيكي، ولا بشأن المستشرقين الجدد من المراجعين الراديكاليين .
***
لقد كانت مهمةُ هذا الاستطلاع التعرف على المصادر الإسلامية ووظائفها في مشروع الراحل الأستاذ محمد أركون وكتاباته. لكنْ تبين لنا أنه باستثناء المرحلة الأولى، حيث كان ما يزال يعمل من ضمن التقليد الاستشراقي؛ فإنه بخلاف الجابري وحنفي، اللذين قدما أُطروحاتٍ شاملةً في قراءة التراث الإسلامي، ما اعتمد على المصادر الإسلامية، وإنما استخدم أُطروحاتٍ حديثةً ومعاصرة من قراءاته في الإبستمولوجيا وفلسفة التاريخ والأنثروبولوجيا وفلسفة الدين واللاهوت. وما ذكر بعض الاصول التراثية إلاّ من أجل الاستشهاد أو التدليل على تلك الأُطروحات؛ من مثل قراءته لبعض السُوَر القرآنية، ونقده لبعض المفسِّرين، وقراءته لرسالة الشافعي باعتبارها مؤسِّسةً للأرثوذكسية السنية.
وهكذا فإنّ الأستاذ أركون ما احتاج إلى استخدامٍ كثيفٍ للمصادر الإسلامية لأنه ما أراد كتابة تاريخٍ ثقافيٍ أو اجتماعيٍ أو سياسيٍ أو ديني للإسلام الوسيط. وإنما كان يملك نهماً معرفياً غلاّباً، وإرادةً قويةً في الإصلاح والنهوض، وقد استخدم من أجل تحقيق هدفيه التحريري والتحرري (وهما متلازمان) عُدَّةً معرفيةًهائلةً من منتجات الثورات العلمية الحديثة في الدراسات الإنسانية. وقد تعلّمْنا كثيراً في شبابنا وكهولتنا من مقدمات كتبه ومن برامجها الثورية والإصلاحية. وسنظلُّ نذكر له ذلك، كما نذكر له عذوبته وصبره ونزاهته على المستوى الشخصي والإنساني. لكنْ ليعذرني رحمه الله، وليعذرني الزملاء الآخرون من رجالات النقد الراديكالي والمراجعات الثورية. لقد قضوا أربعين عاماً في القول والتكرار أنّ الإسلام هو المشكلة، بينما قضى خصومهم الإسلاميون خمسين عاماً وأكثر وهم يقولون: الإسلام هو الحلّ! والذي أراه أننا نعاني في حاضرنا من مشكلاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ هائلة، بيد أنّ الإسلام ليس هو الذي تسبّب بها، كما أنّ ديننا الذي لم يتسبَّبْ بها، لا يملكُ لها حلاًّ.

كمال جنبلاط وبرنامج الإصلاح السياسي

كلمة الدكتور سعود المولى
في ندوة: كمال جنبلاط وبرنامج الإصلاح السياسي المرحلي للأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية.
بيروت- الإثنين 6 كانون الأول 2010- رابطة أصدقاء كمال جنبلاط

لست من الذين يبالغون ويتصورون بأن الحل النهائي والصحيح للوضع اللبناني كان يكمن في تطبيق وثيقة الأحزاب للإصلاح..ولست بالطبع من الذين يُغالون في نسبة كل ما هو إيجابي وعظيم إلى موقعنا في سنتي 75-76...وكل ما هو سلبي وسيء إلى موقع خصومنا في اليمين اللبناني يومذاك.
لقد كان لكل منا أخطاؤه وخطاياه.. وتلك صفحة طويناها معاً عندما قررنا التوافق على صيغة جديدة للحكم في الطائف عام1989... ولكن التذكّر والتأريخ ينفع في الإضاءة على صفحات مضيئة ومجيدة وعلى لحظات أمل وأحلام كانت بالنسبة لنا هي الحياة وهي الوعود بالمستقبل لأولادنا..

1= أهمية الوثيقة:
أهمية وربما استثنائية "برنامج الإصلاح السياسي" الذي طرحته "الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية" في 18 آب من العام 1975 لا تنبع من مضمونه وبنوده ،على أهميتها لا بل خطورتها... فهذه لا تختلف كثيراً عما طرحته برامج العديد من القوى في تلك الأيام، أي خلال الفترة ما بين 13 نيسان (تاريخ إندلاع الحرب الأهلية) وتشرين الثاني 1976 (تاريخ تشريع دخول قوات الردع العربية بيروت وإنهاء الحرب الأهلية رسمياً بعد مؤتمري القاهرة والرياض-تشرين الأول 1976- وهما كانا "بروفة" إتفاق الطائف- تشرين الثاني 1989).. أشهر تلك البرامج هي تلك التي نوقشت في اجتماعات "لجنة التهدئة الوطنية" التي شكلها الإمام الصدر وعقدت أول اجتماعاتها في 24 نيسان 1975 في مقر المجلس الشيعي بحضور 77 مثقفاً لبنانياً من مختلف الطوائف والمناطق وصارت تعرف باسم لجنة ال77 شخصية..ثم مناقشات "اللجنة الدائمة للحوار الوطني" وهي هيئة أهلية غير رسمية تشكلت من مثقفين وعاملين في الشأن العام واجتمعت ما بين تموز وآب 1975 في نقابة الصحافة اللبنانية (رياض طه) وندوة الدراسات الإنمائية (حسن صعب).. ثم وثيقة المرحوم الدكتور حسين القوتلي (المدير العام لدار الفتوى يومذاك) بعنوان "الإسلام والحكم" والصادرة في جريدة السفير في 18 أيلول 1975، والتي أسست للقول بعدم قبول المسلمين لفكرة الوطن النهائي والدولة المدنية..ثم مناقشات هيئة الحوار الوطني التي تشكلت رسمياً (بمبادرة من الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي) في 24 أيلول 1975 وضمت 20 شخصية ممثلة رسمياً لمختلف الأفرقاء، وانهارت طبعاً على وقع تصاعد طبول الحرب ومجازرها.. وهناك أيضاً بيان جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية في 26 تشرين الثاني1975، ومذكرة الكتائب "حول الإصلاح السياسي" في كانون الأول 1975، ووثيقة "الإسلام والعلمنة" الصادرة عن مجلس العلماء والجمعيات والهيئات الإسلامية في لبنان في 25 آذار1976... ولكن أهم وثيقة رسمية صدرت خلال حرب السنتين هي تلك التي عُرفت باسم الوثيقة الدستورية (صدرت في 14 شباط 1976 )، وقد سبقها بيانا الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي في 29/11/1975 .. وتلاها مذكرة الشهيد كمال جنبلاط في 24 شباط 1976...
وهناك عشرات من الوثائق التي صدرت عن الكسليك وعن الجبهة اللبنانية كما عن قمم عرمون الإسلامية خلال العامين 1975-1976 وكذلك عن القمم والاجتماعات الروحية الإسلامية المسيحية المشتركة، وكلها تحمل برامج واقتراحات لحل الأزمة اللبنانية.
ولعل الورقة الأخطر والأشمل هي تلك التي صدرت عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بعنوان "ورقة عمل بالإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية"، وقد طرحها الإمامان موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين في 28 تشرين الثاني 1975، ثم أعاد المجلس التأكيد عليها وتوسيعها في وثيقته الصادرة في 11 أيار 1977، وكرر الإمام شمس الدين عرضها في 3/10/1983 بعد أيام من إذاعته بيان "ثوابت الموقف الإسلامي" في 21 أيلول 1983 والذي وقع عليه، إلى جانب شمس الدين، الشيخ حسن خالد والشيخ حليم تقي الدين والرؤساء عادل عسيران وصائب سلام وسليم الحص والوزير سامي يونس والنائب حسين الحسيني.. وباعتقادي أن وثيقة المجلس الشيعي هذه استوحت الكثير من البرنامج الإصلاحي المرحلي الذي طرحه الشهيد كمال جنبلاط..
وإن لم تكن وثيقة الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية بدعاً في مجالها، ولم تحمل جديداً يختلف كثيراً عن الوثائق المار ذكرها أو مميزاً فريداً في بابه..(كل هذه الوثائق والعشرات غيرها شكلت في ما بعد المصدر الأساس لصياغة وثيقة الوفاق الوطني في الطائف)..إلا أن أهمية واستثنائية وثيقة الأحزاب التقدمية هذه تكمن بالضبط في ثلاثة أمور:
1- توقيتها: أي المرحلة التي صدرت فيها (أو اللحظة السياسية بعبارة لينين).وهي مرحلة بدايات الحرب الأهلية ووضوح أطرافها وتدخلاتها حين كان السوريون والسوفيات ما زالوا يقفون إلى جانب جبهة الأحزاب الوطنية اللبنانية- الفلسطينية..وكانت الحرب الأهلية تراوح مكانها في حين كانت الجبهة التقدمية في وضع مريح أي أنها طرحت الحل الإصلاحي من موقع القوة وليس من موقع الضعف.
2- أنها صدرت عن أحزاب تقدمية يسارية كانت ترفض سابقاً مجرد الإعتراف بالكيان اللبناني الطائفي وتدعو لتغييره ولو بالقوة، ولا تؤمن بالتسويات التي أنتجته وحفظت استمراره..وهي أحزاب وقوى تنتمي إلى أيديولوجيات أصولية وترتبط بأنظمة عربية ودولية لها سياساتها المتعارضة على أرض لبنان..فكانت الوثيقة توليفاً سياسياً من جهة وبرنامج حد أدنى من جهة ثانية يؤمن تأييد ودعم كل تلك الأحزاب ودولها..
3- أنها كانت شاملة ومفصلّة تغطي مختلف جوانب الحكم والإدارةوعلى شتى الصُعد والمستويات..وهذا بحد ذاته كان جديداً إذ لم يسبق أن تناولت وثيقة سياسية أوضاع لبنان والحلول له من موقع لا طائفي ولا علماني في آن معاً..(وثيقة المجلس الشيعي كانت مفصلة وشاملة ولكن من موقع إسلامي أولاً وشيعي ثانياً...وكذا وثائق بقية الأطراف)فأقامت بذلك توازناً يُحقق مصالح جميع اللبنانيين من مسلمين ومسيحيين، ومن يسار ويمين..
وهنا بالضبط تاريخية وواقعية كمال جنبلاط...

2= مضمون الوثيقة:
* الهم الأساسي لكمال جنبلاط (كما يظهر في الوثيقة البرنامجية) كان إصلاح التمثيل الشعبي وإصلاح أداء أجهزة الحكم.. وقد تمثل الشق الأول بمسألة النسبية وخفض سن الانتخاب وجعل لبنان كله دائرة انتخابية واحدة، واعتماد البطاقة الانتخابية، وتحديد مراكز الاقتراع في أماكن السكن، والاستخدام المجاني والمتساوي للإعلام الرسمي، واعتبار الرشوة جناية، وتعديل النظام الداخلي للمجلس النيابي، وانشاء لجنة قضائية مستقلة للاشراف على الانتخابات وبت الطعون، وإخضاع النائب لرقابة ديوان المحاسبة ولقانون من أين لك هذا، وتحديد سن 64 لتقاعد النواب إفساحاً في المجال لتجديد شباب التمثيل النيابي...
* ولعل أهم مبدأ إصلاحي في الوثيقة (ولعله الجديد الممَّيز) تمثل في إقتراح إنشاء "مجلس الفعاليات والنشاطات الأساسية" من "مهنية واقتصادية واجتماعية وثقافية ومعنوية" ..وهو كما يبدو يجمع ما بين مجلس الشيوخ والمجلس الإقتصادي الإجتماعي المنصوص عليهما في إتفاق الطائف 1989.
* إذن حرصت الوثيقة على "إنقاذ" النظام المعمول به في لبنان من "الهنات والمساوىء" (بحسب تعبير كمال جنبلاط في مؤتمره الصحفي يوم 19-11-1975) ومن ضمنها "الإنتهازية والمصلحية" التي كانت تهيمن على "التمثيل الشعبي" وعلى الحكم؛ وكذلك انعدام المسؤولية وعدم التحسس بالواجب الوطني و"استخدام الطائفية السياسية والحزبية الانتهازية بحيث أصبح النظام السياسي النيابي عالة على اللبنانيين بسبب الفساد في المؤسسات وفي الأخلاق وفي السياسات العامة"...
*كما حرصت الوثيقة على تحديد الصلاحيات والمسؤوليات بشكل واضح وعلى فصل النيابة عن الوزارة وعلى جعل الإدارة سلطة مستقلة من حيث التعيين والترقية..وكذلك بالنسبة للقضاء، وذلك بغية رفع يد التدخلات السياسية..
* وحرصت ثالثاً على التوازن بين السلطات الثلاث بعد تحديد وتقوية هذه السلطات بما فيها السلطة القضائية المستقلة...ولم تعط الوثيقة "الحكومة مجتمعة" صلاحيات وسلطات رئاسة الجمهورية (كما في الطائف)...وهي في كل ذلك كانت إصلاحية سلمية لا تبغي التغيير الجذري أو العنيف..

3= كمال جنبلاط المثالي الواقعي:
* كان جنبلاط فيلسوفاً متصوفاً إنسانياً يحلم بالتغيير المثالي السلمي نحو إشتراكية إنسانية روحية ومجتمع تعاوني تكافلي... إلا أنه كان أيضاً يجابه الواقع الطائفي-المذهبي والعشائري-العائلي اللبناني والعربي..وهو كان يجيد قراءة الواقع بل لعله خير من "قرأ الواقع وتعامل معه بواقعية" (تماماً كما يقال اليوم عن وليد جنبلاط)..فهو كان يعرف كيف يقتنص منالواقع الضاغط المكبّلالذي ينيخ بكلكله على الأجيال "لحظة حرية" كانت كافية عنده للتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام..وكان يعرف أيضاً متى وكيف يتراجع خطوتين، وأحياناً خطوات، إلى الوراء.. البعض كان يرى ذلك "إقتناصاً للفرص"، أي انتهازية، وتقلباً، والبعض الآخر كان يرى سياسة جنبلاط "طوباوية" أو ممارسة "إقطاعية"..ولكن كمال جنبلاط كان "يصطاد الفرص السانحة"، لا لغاية ذاتية أو منفعة شخصية (وهو الصوفي الزاهد المترفع)، وإنما لدفع النضال وتسهيل التقدم وإزاحة العراقيل من أمام الوعي الجديد للشباب.. كان التقدم عنده عملية إنسياب هادئة بين تعاريج الواقع القائم لا تعنف فتقسو على المجتمع وتكسره أو تمزقّه (وهو الفسيفساء أو الموزاييك كما وصفه)، ولا تلين فتضعف وتنكسر أمامه.. إن إيجاد هذه المعادلة الدقيقة والصعبة بين المثال والواقع، بين العنف والإصلاح، بين المطمح والممكن، بين الوطن والكانتونات، بين الدولة والطوائف، بين العلمنة والدين، هو الذي ميّز كمال جنبلاط..
* وقف كمال جنبلاط "المثالي الواقعي" (على حد تعبير الصديق المرحوم الدكتور عفيف فراج) بين حدّين: حدّ الثورة/الحرب الأهلية/العنف ، وحدّ المصالحة/ التسوية/ الإصلاح... وكانت وثيقة الأحزاب لعام1975 دليلاً على موقفه التسووي الإصلاحي الذي كان يجنح إليه عند المنعطفات الحرجة ويحاول من خلاله الخفاظ على ما تحقق من إنجازات ومد اليد للخصوم للعبور إلى الأمان..
إلا أن مأساة كمال جنبلاط كانت في تخلف بقية القوى عن رؤية التغيرات وعن مواجهة التحديات بعقلية واقعية وبروح تقدمية.. إنه اليمين الغبي (على حد تعبيره الذي استعاده وليد)..ولكنه أيضاً الواقع المأساوي الذي تعيشه البلاد حيث قداسة الزعماء وصنمية الطوائف وفئوية المصالح..وحيث التداخلات العربية والدولية هي التي ترسم صورة التحولات: منذ حملة ابراهيم باشا المصري ونظام القائمقاميتين..وحتى حرب السنتين..لا بل وحتى الطائف فالدوحة فمعادلة السين- سين..
* في العام 1952 قاد جنبلاط انتفاضة شعبية سياسية سلمية (لا عنفية) لإسقاط حكم الطغيان والفساد.. إلا أن الجبهة التي شكلها (وفيها أقطاب من اليمين) لم يكن من الممكن أن تُكمل معه الطريق..فهذه القوى اليمينية "ذات طابع إصلاحي محدود وذات أهداف انعزالية..فكان لا مناص أن تنفك عرى التحالف عاجلاً أم آجلاً" (ربع قرن من النضال-ص24)... طبعاً كان جنبلاط يُدرك مسبقاً أن هذا التحالف العريض لن يستمر.. ولكنه خاض به أشرس معركة وحقق قفزة إلى الأمام في الوضع السياسي كما في الوعي الإجتماعي..فهو طبق سياسة ستالين وماوتسي تونغ في إقامة التحالفات الكبيرة الواسعة مع البورجوازية الوطنية وكل قوى الثورة الوطنية الديمقراطية التي تحتضن تحولات لا يمكن إلا أن تكون تقدمية وإيجابية على المدى البعيد..
* وفي العام 1958 قاد جنبلاط إنتفاضة سياسية شعبية مسلحة لإسقاط حكم الطغيان والفساد والعمالة
فجمع بين البُعد الأخلاقي المثالي للثورة وبين بُعدها العروبي السياسي..وانتهت إنتفاضة 1958 "إلى حيث لم يكن يجب أن تنتهي".."إلى حل نصفي جديد، إلى تنويعة جديدة على نظام القائمقاميتين القديم...أي إلى تسوية سهلة كتسوية 1943"..قال عنها جنبلاط أنها "حالة هدنة"(حقيقة الثورة اللبنانية-ص22-23)...ونحن ما زلنا ننتقل من هدنة إلى هدنة..
* كانت المرحلة الشهابية 1958-1964 (وملحقها رئاسة شارل حلو 1964-1970) هدنة طويلة نَعم فيها لبنان بشبه استقرار إقتصادي وسياسي (مع بعض المنغضات بالطبع مثل الثورة الكتائبية المضادة مطلع العهد) .. وقد دعم كمال جنبلاط التجربة الشهابية في بدايات مشروعها الإصلاحي لينفصل عنها لاحقاً بعد أن شكّل هو والكتائب قاعدتها الإجتماعية الأساسية..سبب إنفصال جنبلاط والكتائب معاً يعود إلى ملاحظاتهما (معاً) للتغيرات الدولية والعربية المحيطة والتي حملت بذور الحرب الأهلية اللاحقة (سقوط الوحدة المصرية-السورية 1961، ثورة اليمن 1962، انقلابات البعث في سوريا والعراق 1963 ، نشوء حركة فتح 1965 ، أزمة بنك انترا 1966، وصولاً إلى نكسة حزيران 1967 والإنطلاقة الثانية للعمل الفدائي، ثم دخول الثورة الفلسطينية إلى لبنان 1969-1970) ..
لقد حاول كمال جنبلاط دفع التجربة الشهابية إلى نهاياتها الإصلاحية الجذرية، وهذا كان منطق تحالفه القوي معها...إلا أن "أكلة الجبنة" في النظام (بحسب تعبير الرئيس شهاب) كانوا أقوى من المصالح البعيدة المدى للبورجوازية الوطنية..وهنا اصطدم جنبلاط مرة جديدة بالغباء وضيق الأفق...فكان الأوفق والأفضل ترك السفينة دون المشاركة في إغراقها وإنما العمل على ترسيخ خط آخر، ليس بالضرورة ضدها، وإنما إلى جانبها، لعله ينقذ التجربة نفسها أو يطرح بديلاً للأمل.
* وبين الأعوام 1960 و1975 قاد كمال جنبلاط الحركة الاجتماعية والتقدمية في البلاد وقام بتشكيل "جبهة الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية والتقدمية بعد مؤتمر بتخنيه التاريخي وانطلاق النضالات الاجتماعية الكبرى التي أدت إلى تحولات خطيرة داخل الحزب الشيوعي اللبناني (مؤتمر 1968) وحركة القوميين العرب (التحول إلى الماركسية-1968) وأحزاب البعث (يسار البعث والعمال الثوري ولبنان الإشتراكي) وحتى اليمين المسيحي الذي شهد ولادة تجمعات طلابية وشبابية (جبهة الشباب اللبناني- الوعي، الحركة الطالبية المسيحية) وعمالية (الحركة العاملة المسيحية) ودينية (حركة يسوع الملك) وفكرية (محاضرات الندوة اللبنانية)... وكلها تحمل عنوان العدالة الاجتماعية وتلتقي مع طروحات التغيير اليسارية... ومواقف كمال جنبلاط كانت برأيي أساسية وحاسمة في دفع هذه الاحزاب والقوى إلى التطور والتقدم وإلى التغيير الداخلي لمصلحة نضال الكادحين والمحرومين ولمصلحة الاصلاح الديمقراطي... وهنا بالتحديد يبرز دور جنبلاط ( ومعه عباس خلف وجورج حاوي ومحسن ابراهيم) في صياغة برنامج الإصلاح السياسي الديمقراطي الذي كان لبنة أساسية من لبنات التمهيد للطائف.
* وفي العام 1975-1976 قاد كمال جنبلاط الحركة الوطنية اللبنانية في برنامجها للإصلاح السياسي السلمي الديمقراطي..إلا أن مآلات تلك الحرب جعلته يعيد التفكير في المنطلقات..يقول في "من أجل لبنان" (صدر أولاً بعنوان هذه وصيتي): "كنا مثاليين أكثر مما ينبغي وبأكثر سذاجة مما يجب..وكلا الأمرين سواء..إذ أننا ظننا - ومن حق كل ثوري أن يخلي بين نفسه وبين مثل هذا االظن- أننا سويداء قلب هذه المنطقة من العالم" (ص 34 من طبعة باريس 1977).ولعل هذا الإعتراف يلخص كل مسيرة كمال جنبلاط مع الواقع اللبناني بشقيه الداخلي (قوة الطوائف والعصبيات العشائرية والمحسوبيات والحزبية-الغَرَضية) والخارجي (قوة التوازنات العربية-العربية والعربية- الدولية في صياغة معادلاته)..لقد حاول كمال جنبلاط في لحظة مناسبة "إقتناص" إصلاح سياسي سلمي ينقذ النظام..وحاول في لحظة سياسية أخرى (مناسبة أيضاً) "إقتناص" تغيير جذري يطيح بالنظام..وهنا كان مقتله..قتلته معادلات الغلبة والاستقواء وضيق الأفق والمصالح والأنانيات الضيقة..
* في العام 1975 طرح جنبلاط الإصلاح السلمي الديمقراطي وتحقيق التضامن العربي وذلك لحفظ القضية الفلسطينية وحفظ لبنان في آن معاً.. وهنا ينبغي طرح سؤال كبير: من كان صاحب فكرة وشعار عزل الكتائب في 13 نيسان؟ ذلك الشعار الذي ساهم في تأجيج الحرب الأهلية : من أقنع جنبلاط به ؟ موسكو وجماعتها في اليسار الفلسطيني اللبناني أم ياسر عرفات وجماعة اليمين الفلسطيني؟ أعتقد أنه يتوجب أن نرى صورة الوضع الدولي والاقليمي في حرب لبنان الأهلية أي صورة الصراع السوفياتي- الأميركي، ومحطاته الكبرى يومذاك في فيتنام والهند الصينية ، وفي افريقيا ، وصورة الصراعات العربية - العربية على أرض لبنان خصوصاً قبيل وبعد اتفاقية سيناء وفصل القوات 1975.. وضمن هذه الصراعات نقرأ موقف كمال جنبلاط وحرصه على الحق والعدل. وهذا باعتقادي هو معيار التقويم السليم لتلك المرحلة من حياتنا السياسية التي كان فيها كمال جنبلاط اللاعب الأول على مختلف المستويات..فالمسألة ليست حول العلاقة مع سوريا أو حول صداقة أو عداوة سوريا وقد أجمع اللبنانيون انه لا حياة للبنان في عداوة مع سوريا، كما أجمعوا على أن لبنان لا يحكم من سوريا كما لا يحكم ضد سوريا .. فهل كان جنبلاط جاهلاً بهذه المعادلة ؟ المسألة باعتقادي كانت وما تزال تتعلق بطبيعة العلاقات مع سوريا، وبموقع ودور سوريا، وبالموقف الصحيح الواجب اتخاذه من أجل خوض الصراع الحقيقي مع العدو الصهيوني ومن أجل حشد القوى العربية وتحقيق الحد الأقصى من التضامن العربي، الأمر الذي يحمي لبنان ويجنبّه الوقوع في الانعزال وفي دائرة الخطر..
ولكن كمال جنبلاط الذي طرح شعار العزل في نيسان 75 عاد فطرح برنامج الإصلاح في آب 75...فجوبه بالتعنت والإنعزال..ثم عاد فطرح تغيير المعادلة (الصعود إلى صنين في مطلع 76) فاصطدم بالواقع العربي-الدولي..فعاد لطرح التوافق الداخلي والتسوية مع الإصلاح في عام 77 ... وهكذا دواليك في حركة دائمة لا تتوقف وإنما تراكم إنجازات على أمل أن يأتي ظرف آخر "مناسب" يسمح "بالنفاذ" في هذا البحر الميت...هذه كانت معادلة كمال جنبلاط..

خاتمة:
"الكشف عن الحقيقة وتحقيقها هو الهدف الذي يستحق وحده أن نعيش له ونسعى إليه في هذا الوجود".
هكذا كتب كمال جنبلاط في "أدب الحياة" (طبعة 1980- ص120)..
ونحن لا نستطيع إلا أن نشارك في عملية الكشف عن الحقيقة وتحقيقها..
والحقيقة البسيطة السهلة الممتنعة التي أخلص إليها هي حقنا في الحلم..
نعم لقد حملنا مع كمال جنبلاط آمالاً وأحلاماً تهتز لها الجبال..
نعم لقد حاولنا وحاولنا ونجحنا وفشلنا...ولكننا لم نيأس..
نعم لقد تعلمنا أن لبنان بلد صعب ولعله فعلاًَ مستحيل..
ولكن ما العمل؟؟
لا يمكن لنا إلا أن نتشبث بالأمل وبالعمل فهما معنى الحياة..
ولا بد لنا إلا أن نتمسك بالوعي وبالتنظيم فهما مبنى النضال..
لن يكون لنا خلاص إلا بالعودة إلى كمال جنبلاط...وأنا أعني حرفياً ما أقول..
جنبلاط القائد صاحب الرؤية ..
جنبلاط الإنسان الزاهد المتواضع..
جنبلاط الصوفي المثالي الحالم...
جنبلاط السياسي الواقعي الفذ..
جنبلاط المسالم الحر النقي..
جنبلاط الصلب الواضح الحاسم..
أي ان خلاصنا هو بالعودة إلى أفكاره ومبادئه الإنسانية وإلى ممارسته العملية الواقعية..

مبادرة من أجل قيام "تجمّع العدالة والمصالحة"

تجمّع العدالة والمصالحة:وثيقة تأسيسية

في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2010 التقى جمع من المثقفين والناشطين اللبنانيين وأصدروا هذا النداءالتاريخي الموجّه إلى جميع اللبنانيين المهتمّين بمستقبل وطنهم، لا سيما أولائك الذين يرفضون البقاء مكتوفي الأيدي في انتظار ما سيكون. إنه دعوة إلى العمل معاً والتفكير معاً من أجل طَيّ صفحة الحروب بصورة نهائية، ومن أجل مصالحة وطنية قائمة على العدالة والإنصاف.
د. سعود المولى
أولاً- يعيش وطننا، منذ نحو نصف قرن، حالةً أشبه ما تكون بالحروب المتواصلة، تخلَّلتها فتراتٌ من الهدنة، طالت أو قصرت. فبعد الحرب الأولى عام 1958، شهد لبنان حرباً ثانية عام 1975 امتدت على خمس عشرة سنة، فدمرت الإنسان والدولة والعمران، ولم يسلم منها حتى الذين اعتزلوها أو حاولوا، كما لم تتوقف إلا بعد أن أنهكت الجماعات المتحاربة وجرَّحتها في الصميم. إلى ذلك شهد هذا البلد خمسة اجتياحات اسرائيلية في مدى ثلاثة عقود (1978،1982،1993، 1996، 2006) بلغ أحدها عاصمته (1982)، كما شهد في الفترة ذاتها تركّز السلاح الفلسطيني على أرضه بعد اتفاق القاهرة (1969) واحتلالاً اسرائيلياً (1978 – 2000) وهيمنة سورية كاملة على الدولة (1990 – 2005).

واليوم يعيش اللبنانييون تحت وطأة التهديد بحربٍ أهلية جديدة، إذا لم يتخلّوا عن حقّهم بإجراء حُكم العدالة في قضية الإغتيالات السياسية التي ارتُكبت منذ العام 2005، و إذا لم يرضخوا لمشيئة السلاح الخارج عن الدولة، ولم يقبلوا العيش في خوف من بعضهم بعضاً بصورة متواصلة، حيث تُنبش القبور وتغذّي حزازاتُ الماضي صراعات الحاضر.
إلى هذا الخوف من الآتي القريب، يشعر اللبنانيون بأنهم ما عادوا أسياد مصيرهم الذي يتقرر اليوم في مفاوضات بين دول المنطقة من دون مشاركتهم.

ثانياً- إن هذا الواقع الصعب والماضي الأليم لا ينبغي أن يحجُبا عن وعي اللبنانيين إنجازاتٍ كبرى حقّقوها معاً، فباتت في رصيدهم المشترك، ولم تكن متيسِّرةً لمعظم شعوب المنطقة:
 فلقد إعترفوا بتنوّع مجتمعهم وارتضوه، ثمّ بنوا على هذا الشيء مقتضاه، فأسسوا نظاماً سياسياً قائماً على التعدّد والديموقراطية، واستقلالية القضاء عن السلطة السياسية، وحيث لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك (أتفاق الطائف 1989).
 ثمّ حرّروا أرضهم من الإحتلال الاسرائيلي، مجبرين اسرائيل عام 2000 على الإنسحاب دون قيد أو شرط، تنفيذاً للقرار الدولي 425 بعد 22 سنة من صدوره (1978).
 وأخيراً أسقطوا الديكتاتورية، الطارئة على مجتمعهم، بانتفاضةٍ سلميّة عارمة، مُبرّأة من أي عنف، أخرجت معظم اللبنانيين المقيمين إلى ساحة الحرية في 14 آذار 2005 وأجبرت الجيش السوري على الجلاء عن الأراضي اللبنانية، وهي تجربة غير مسبوقة في تاريخ نضال الشعوب ضد الديكتاتورية.

ثالثاً- لقد حان الوقت كي يمسك اللبنانيون بمصيرهم الوطني، بأن يضعوا حداً لتلك الدورة الجهنمية من العنف والقتل، قيستعيدوا "الحلم اللبناني" الذي أبصر النور في ربيع 2005، والذي وعدهم باستعادة حلاوة العيش في بلدٍ فريدٍ بتنوع مجتمعه، واستثنائي بقدرة أبنائه على نسج العلاقات الطيّبة فيما بينهم ومع العالم.والحال أن العدالة هي وسيلتهم الوحيدة لوضع حد نهائي لحروبهم، ومن أجل إعادة الإعتبار إلى القانون الذي عليه يتأسس عيشهم المشترك.

عام 1989 إختار اللبنانيون أن يعيدوا تأسيس سلمهم الأهليّ على قانون للعفو وليس على فعل العدالة. غير أن هذا القانون لم يفلح – بمعزلٍ عن تطبيقه الكيفيّ الإستنسابيّ – في طيّ صفحة الماضي الذي استمرّ يُلقي بثقله على حاضر اللبنانيين، مقيِّداً قدرتهم على معانقة المستقبل.

في إطار هذه الرؤية إلى العدالة – كفكرة تأسيسيّة للبنان المتصالح مع نفسه – إنما تقع أهمية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. إذ للمرة الأولى في تاريخنا يستدعى مرتكبو جريمة سياسية كبرى للمثول أمام العدالة، لئلا تستمر سياسة الإفلات من العقاب في لبنان والمنطقة.


رابعاً- كي يتمكن فعل العدالة من طيّ صفحة الماضي بصورة نهائية ثمة شروط ينبغي توفُّرها:

ينبغي أولاً الإمتناع عن استخدام العدالة ضد أي جماعة أهلية أو فريق سياسي. فحكم العدالة إنما يستهدف أفراداً لا جماعات طائفية ينتمون إليها، فضلاً عن أنه ليس في لبنان"طوائف بريئة" وأخرى "مذنبة". ولقد حان الوقت كي نضع حداً لسياسة الإختزال المقيتة: إختزال هذه الطائفة أو تلك في أحزاب أو شخصيات سياسية تدّعي تمثيلها الحصري؛ وهي سياسةٌ وقفت وراء معظم مشكلاتنا، لأنها تحمّل المواطنين المسؤولية عن قرارات سياسية يتّخذها آخرون باسمهم وحتى من دون استشارتهم.

من الضروري أيضاً عدم الخلط بين قرار إتهامي يستدعي إجراءات إثبات، وبين حكم قضائي يصدر في نهاية المحاكمة. إن هذا الخلط بالغ الخطورة، لأنه يطعن في فكرة العدالة نفسها. فإدانة المتهم قبل المحاكمة واستخدام حق الدفاع لا تتيح طيّ صفحة الماضي على قاعدة العدالة والإنصاف.

من الضروري أخيرأ أن يبادر اللبنانيون إلى إجراء مصالحة فيما بينهم ومع الآخرين، مصالحة لا تستبق العدالة ولا تلغي أحكامها. هذه المصالحة لا يمكن أن تتم إلا على أساس الإعتراف بمسؤوليتهم المشتركة عن الحروب التي دمّرت بلدهم. إذ إن كل فريق منهم احتكم إلى السلاح، في مرحلة من المراحل، لحل خلافه مع الفريق الآخر، أو بدعوى الدفاع عن الذات، كما استعان بقوى خارجية لتلك الغاية، مضحّياً باستقلال الوطن وسيادته، ليغدو الجميع، من حيث يدرون أو لا يدرون، مجرد أدوات في حروب لبنان المتمادية.

هذا الإعتراف بالمسؤولية المشتركة أمرٌ في غاية الأهمية. فهو من طبيعة أخلاقية وسياسية. لم يكن اغتيال رفيق الحريري الجريمة السياسية الوحيدة في تاريخ لبنان، ولكنه كان الجريمة الأولى بعد الحرب التي وضعت في يد عدالة مقتدرة وشفافة. وإذا كنّا لا نستطيع إجراء حكم العدالة في الجرائم السابقة، فمن الضروري الإقرار بمسؤوليتنا الأخلاقية المشتركة عن تلك الجرائم. هذا الإعتراف الذي من شأنه إعادة الاعتبار إلى نظام قيمنا، يتيح لنا إعادة تأسيس عيشنا المشترك على قواعد جديدة.

خامساً- كي تؤتي المصالحة ثمارها العملية، ينبغي أن تدفع اللبنانيين إلى العمل على رفع القيود الطائفية التي تحول دون قيام دولةٍ تحمي العيش المشترك وتنهض بمسؤولياتها حيال المواطنين. وذلك بتوفير حقوقهم الأساسية التالية:

 حقُّهم بالعيش في بلدٍ لا يكون ساحة حروبٍ دائمة لخدمة مصالح حزبية أو خارجية، بلدٍ تحتكر فيه الدولة قوة السلاح، بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرارات ملزمة لجميع المواطنين.

 حقّهم بالعيش في كنف دولةٍ مدنية، حيث لا يجري اختزال الفرد في انتمائه الطائفي، مجرّداً من صفة المواطنة، دولةٍ يسري القانون فيها على الجميع، حيث القضاء مستقل عن السلطة السياسية، وحيث الإدارة العامة لا تشكل مرتعاً للمحسوبيات الطائفية أو الحزبية أو الشخصية، وحيث مشاركة المواطن في الحياة العامة مكفولةٌ بقانون انتخاب يؤمّن صحّة التمثيل ولا مركزية إدارية...

 -حقّهم بالعيش في مجتمع حديث ومنفتح، يحترم نفسه، حيث يستطيع الفرد أن يختار نظاماً مدنياً لأحواله الشخصية، وحيث لا تتعرض المرأة لأي شكل من أشكال التمييز، وحيث احترام الشخص الإنساني هو ذاته للميسورين كما للمعوزين، للعمال اللبنانيين كما للأجانب، وحيث القوانين الناظمة لأحوال الطوائف لا تجور على الحرية الفردية،وحيث تُصان حقوق الأطفال والمسنّين وذوي الإحتياجات الخاصة، وحيث يفرض القانون احترام الطبيعة، ويمنع الإعتداء على البيئة، ويحمي التراث الوطني مثلما يحمي صحة المستهلك...

سادساً- ينبغي للمصالحة بين اللبنانيين أن تعبّر عن نفسها أيضاً بنظرةٍ جديدة إلى علاقتهم بمحيطهم الإقليمي. فبدلاً من إستدعاء الخارج للتدخل في نزاعاتهم الداخلية، فإن مصالحتهم تساهم في تغيير نظرة المحيط الإقليمي إلى لبنان، بما يعزّز استقرارهم الداخلي وبما يتيح للبنان أن يلعب دوراً مرموقاً في بناء مَشرقٍ عربي جديد، محرّر من عبوديات القرن الماضي وصراعاته التناحرية، ومن عنفٍ يسكن حاضره، مَشرقٍ قادر على استعادة دوره الريادي الذي لعبه أبان عصر النهضة، مَشرقٍ قادر على تحرير فكرة العروبة من أي محتوى يوظفها في خدمة دين أو دولة أو حزب، عروبة حضارية تتسع لمفاهيم التنوع والتعدد والإنفتاح على الثقافات الأخرى، وتحتضن قيم الديموقراطية والتسامح واحترام حقوق الإنسان، عروبة تعطي الأولوية لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، الأمر الذي يمثل شرطاً ضرورياً لإنهاء مواجهة صدامية بين العالم العربي والغرب استمرّت عقوداً طويلة.
لقد طفح الكيل باللبنانيين من سياسات التهديد والوعيد، من التخوين والتخويف، من العنف والترهيب.
ليس قدر لبنان أن يكون منذوراً لحروبٍ مستدامة وإنما هو وطنٌ يستحق الحياة الحرة الكريمة كسائر الأوطان.