الاثنين، 9 مايو، 2011

مرحلة انتقالية حتمية!

ميشيل كيلو

مراحل الانتقال هي أصعب المراحل على الإطلاق، ليس فقط لأنه يكون هناك دوما تيار في السلطة يريد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأمر القائم، متجاهلا أنه تقادم وصار من الصعب بقاؤه، وتيار مقابل يريد الخلاص من «النظام القديم»، والوصول بسرعة إلى هدفه: النظام البديل، الجديد، واضعا في أحيان كثيرة اعتباراته ومشاعره الذاتية فوق مستلزمات الواقع الموضوعي وخصائص الحالة المشخصة التي يواجهها. وتتزايد مصاعب الانتقال ويتعاظم الصراع بقدر ما يمسك التيار الأول بقوى وأجهزة مسلحة تستطيع الحفاظ بالقوة العارية والعنف المنهجي على أمر قائم وجوده، مصلحة شخصية أيضا، بالنسبة إلى قادته، و«يكون» في الشارع جماهير وقوى مؤيدة للتيار الثاني، أو مستعدة، وإن بصورة عفوية، للذهاب في الاتجاه الذي يدعو إليه. ويشتد الصراع بدرجة كبيرة إذا كان ساد اقتناع عام لدى سادة الأمر القائم بأن من الصعب الحفاظ على جميع مفرداته القائمة ومن يمثلونها، وأن تغييره مسألة لا مهرب منها، تتطلب التخلي عن أجزاء تكوينية منه، يتوقف إنقاذ النظام على التخلص منها، فإما أن يتم تغييرها بأيدي الممسكين بزمامه، ليكون الانتقال بطيئا ومحدودا ويحقق هدفه: إنقاذ جوهر النظام وحلقاته القائدة، ويتم قطع الطريق على خصومه الراغبين في استبداله بنظام مغاير بنيويا له، يعني قيامه خسارة كل شيء. في هذا الصراع المتفاقم والمتعاظم الاحتدام، من المحال أن تبادر النخب الحاكمة إلى تبني موقف كموقف قيادات بلدان وسط وشرق أوروبا الاشتراكية، التي فهمت معنى الاحتجاج الشعبي والمجتمعي ضد نظامها، فقررت التخلي سلميا وطوعيا عن السلطة، بعد أن رأت بأم عينها استحالة الحفاظ عليها، ليس لأنه لم يكن لديها أنصار ومؤيدون، أو لعجزها عن فبركة مؤامرات تلصقها بالشعب، بل لإدراكها أن زمن السلطة التي تديرها مضى وانقضى، وأنها لن تلد غير الأزمات والمتاعب، وأن الحفاظ عليها محال دون مجازر ومذابح. هكذا، اندفعت بحرص فريد في نوعه على سلامة شعبها ووطنها إلى التخلي عن نظامها من فوق، بعد أن أيقنت أنه بلا سند من تحت، مكذبه بذلك أطروحة لماركس تقول: ما من طبقة تتخلى عن السلطة بمحض إرادتها.
وتزداد صعوبات الانتقال بقدر ما يكون النظام متقادما، لكن قادته لا يعون ذلك أو يرفضون القبول بنتائجه العملية، ويتوهمون أن بوسعهم التحايل سياسيا على الواقع، إن هم فوتوا بالعنف فرص تغييره بواسطة معارضيه ورافضيه، حتى إن كانوا أكثرية شعبية. في هذه الحالة، تنبع المشكلات من مفارقة تتسم بالتناقض، لها حدود ثلاثة: حد أول هو قوة التيار العنيف، الراغب في المحافظة على الأمر القائم، وضعف قوى التغيير داخل النظام نفسه، وحد ثان هو استحالة بقاء النظام على وضعه القائم، بسبب فواته وتلاشي شرعيته المتعاظم، وحد ثالث هو إيكال أمره إلى القوة والعنف، الذي يتصاعد بقدر ما يرغب كل طرف في التخلص من الآخر والقضاء عليه، علما بأن أحدهما منظم ومسلح، وثانيهما قليل التنظيم وغير مؤسسي، له مصلحة في تقييد العنف لأنه تقييده شرط نجاح مسعاه، الذي يتخلق في سياق ولادة قيصرية مؤلمة ومكلفة، تتجسد في انبثاق الجديد من القديم، خلال معركة موضوعها الرسمي تغيير محدود للنظام يتم في منطقة هوامشه البرانية، يبقي على هياكل وأبنية يمكّن استمرارها من احتواء التغيير أو تقويضه، أما الشعبي فتعبئة طاقات متزايدة القوة في شروط متزايدة الصعوبة، تقوي فرص مؤيدي العنف المضاد لعنف السلطة، مع ما يعنيه ذلك من تراجع في الزخم الشعبي السلمي، وتقليص لفرص التسوية بتقليص عدد أنصارها وتراجع دورهم لدى الجانبين. عند هذه النقطة، تستقل التطورات عن موازين القوى وتتجه نحو خيار صفري مهلك، يصعب أن يخرج أحد منتصرا منه، حتى إن نجح في القضاء على الآخر، ما دام انتصار التيار الأول لا ينفي الحاجة إلى التغيير، لاعتبارات قد لا تكون داخلية بالضرورة، تنبثق من الحاضنة الدولية التي تم بالأمس إنتاج النظام العربي القائم بمعونتها وفي إطارها، ويتم اليوم بموافقتها ودعمها إنتاج نظام عربي جديد لن يكون فيه مكان لنظام مغلق، مركزي واستبدادي، يحافظ أو يسعى إلى المحافظة على قوامه الحالي، الذي سيتعارض مع إعادة إنتاج النظام العالمي، وسينتج قدرا من التوتر والأزمات لا قبل له بإدارته، سيطبع وجوده بطابعه، وسيفضي إلى إضعافه وتجدد الممانعة الداخلية ضده، فضلا عن عزله وتفاقم تناقضه مع بيئته الإقليمية والقومية والدولية. السؤال الآن: إذا كان التغيير حتميا نتيجة استحالة الإبقاء على الأمر القائم على حاله الراهن، فلماذا لا يكون الهدف المباشر لجميع الأطراف، ويتم منذ البداية ودون عنف، بالتوافق السلمي الذي يراعي مصالح الجميع؟
لن يعفي الانتصار طرفا من أخذ واقع ومصالح الطرف الآخر بعين الاعتبار. لنفترض أن التيار الأول حقق نصرا كاسحا، وقضى بصورة كاملة على أي صوت شعبي أو معارض يطالب بالتغيير. هل سيمكنه الانتصار من الإبقاء على النظام الحالي؟ لن أعود هنا إلى العوامل الدولية، التي ستتحول إلى عنصر داخلي خطير، خاصة إن تم تطبيق العقوبات ضد النظام ورموزه، التي يتحدثون عنها في الغرب وكثير من دول الإقليم، وستلعب دورا متزايد الأهمية في أي صراع يبلغ درجة من الاحتجاز تتطلب تدخلا دوليا، كما يظهر من تجربة ليبيا، ربما أفضي إلى جعل التعريب / التدويل مخرج الأزمة الوحيد، كما في اليمن وربما لاحقا عندنا : في سوريا، حيث يمكن أن يقع التدخل، الذي لن يكون بالضرورة عسكريا في مراحله الأولى، رغم أي انتصار عسكري مهما كان كاسحا يحرزه النظام، ليضعه في مواجهة واقع يصعب التغلب عليه أو الخروج منه، إن واكبه حصار عربي، يقوم على تقويضه وتقليص قدراته الاقتصادية ودوره السياسي إلى درجة التهميش. سيقوم النظام بخطوات من شأنها امتصاص ما هو مطلوب من تغيير، في خطوات يراد لها أن تبدو وكأنها تنشد الحلول الوسط مع الآخر، علها تمكن الأمر القائم من إعادة إنتاج نفسه في صورة مختلفة، تشعر الطرف الآخر - أو توهمه - بأن مطالبه تتحقق وفق اعتبارات عليا يمليها «منطق الدولة» ! هذا يعني، عمليا، أن الحل الأمني لن يحقق المطلوب: الإبقاء على النظام في أكثر الأوضاع قربا من واقعه الراهن. وأنه سيكون هناك حاجة إلى استكماله بحل سياسي، سيكون التفافيا ووهميا إن تم بمفردات النظام وحده، واستعان بجهات من خارجه، محايدة أو مماثلة له في المصلحة والبنية، يعتقد أن دمجها فيه وتعاونها معه سيعيدان توسيع قاعدته المجتمعية العامة، التي ستضيق كثيرا في سياق تطبيق الحل الأمني وبسببه. في احتمال آخر، قد يمد النظام خيوطا إلى أطراف معارضة، إن هو خرج من عقلية «من ليس معنا فهو ضدنا»، ولا بد من أن يعاقب بالسجن أو بالإقصاء التام من الحياة العامة. في هاتين الحالتين، لن يخرج النظام من أزمته، التي ستستمر داخليا وستتفاقم في الحاضنة القومية والإقليمية والدولية، وستأخذ أشكالا أشد حدة وعمقا وإنهاكا من أزماته السابقة والحالية جميعها. بقول آخر: لن ينجح النظام في استعادة توازنه ووظيفيته بغير تحقيق ما هو جوهري من مطالب الشعب، وأهمها قاطبة مطلب الحرية والعدالة والمساواة، التي سيتيح له تحقيقها، إن تم بجدية وفي أجواء مصالحة وطنية عامة، انتقالا تدريجيا إلى حال انتقالي مغاير في مكوناته لواقعه الراهن، عندئذ سيطرح نفسه بقوة أكبر السؤال: ماذا أفاد الحل الأمني، ولماذا تم اعتماده أصلا، إذا كان سيؤدي إلى هذه النتائج، التي ستعني فشله؟
أصل الآن إلى الطرف الآخر: إنه لن يتمكن بدوره، ومهما فعل، من القضاء على النظام دفعة واحدة، حتى إن اسقط حكمه، فالنظام ليس فقط أشخاصا بعينهم، وإن بدا الأمر كذلك بالفعل، وهو ليس حكومة فقط، بل هو أيضا قاع مجتمعي وشعبي، وله حوامل لا يجوز أن يفكر عاقل أو محب لسوريا في التخلص منها أو تقييد دورها وإقصائها عن المشاركة الكاملة في الحياة العامة. صحيح أن قطاعا منها يقاتل الآن مع النظام، رغم أن مصلحته في الحرية والتغيير لا تقل حيوية عن مصالح غيره من مكونات الجماعة الوطنية السورية، لكن شعبا ينشد الحرية لن يحجبها عن الذين عارضوها أو قاتلوا ضدها، وسيكون مكرها، لهذا السبب، على إيجاد مراحل وتوسطات الانتقال إلى إقامتها ودفعها نحو أفقها الديموقراطي، آخذا بعين الاعتبار واقع هؤلاء ومصالحهم ورغباتهم. ثمة هنا نتيجة مهمة هي التالية: سواء انتصر تيار السلطة المحافظ، أو التيار المجتمعي المناهض للنظام، سيجد الطرفان نفسيهما مجبرين على الانخراط في مرحلة انتقالية قد تقاس بالأعوام، لكنها ستكون إجبارية ولا مهرب منها، رغم تباين مكوناتها، الذي يمكن أن يبلغ حد التناقض.
لن يكبح العنف حتمية التغيير، ولن ينجح في تقييد السعي إليه، بسبب التطورات التي طرأت على المجتمع والدولة والشعب خلال حقبة نصف القرن المنصرم، وفشل النظم الاستبدادية المزري وما سببته لشعوبها من هزائم خارجية وبلايا داخلية، وتخلق طبقة وسطى جديدة ترفض الخروج من السياسة والشأن العام، وتراهما في ضوء جديد وواقع محلي ودولي مختلف، ورفض كتل الشعب الكبرى لما تعرضت له من ظلم وعانته من إذلال وتهميش واستعباد، ونتيجة أيضا لضغط العوامل الخارجية: العربية والإقليمية والدولية. لن يمنع العنف الشعب من التمسك بالحرية، خاصة أن تطور العرب ذاهب إليها. بالمقابل، لن ينتهي النظام بضربة واحدة، وإن سقط. وسيكون هناك مرحلة تختلف عن المرحلة القائمة في الحالة الأولى، والمتخيلة في الثانية. لذلك أتساءل للمرة المليون: لماذا نجري وراء ما يبدو بجلاء أنه مستحيل، ونفعل بأنفسنا ما يقوض أسس وجودنا الوطني، ما دام النظام القائم لن يبقى مرجعيتنا لفترة طويلة، وما دامت حاجتنا إلى إعادة إنتاج وحدتنا المجتمعية والوطنية ستفرض علينا المرور في مرحلة انتقال قد لا تكون قصيرة، تغاير قواعدها تلك التي قامت حياتنا السياسية عليها خلال قرابة نصف القرن الماضي؟
يمر العالم العربي، ومنه سوريا، في طور انتقالي صعب ومعقد... وحتمي. من لا يدرك هذا ويستجب لمقتضياته ومتطلباته، ويفد منه لتجديد المشروع السياسي العربي، فسيدفع ثمنا لا يخطر له على بال، مهما حقق من انتصارات على شعبه، أو ظن أن النجاح في معركته ضده سيكون حاسما ونهائيا!

الفقيه القاضي المجاهد العلامة فيصل مولوي

إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون
فقد لبنان والعالم الإسلامي بوفاة المرحوم الشيخ فيصل مولوي فقيها حكيما وقائدا متزنا وحركيا عاقلا وسياسيا استراتيجيا لم يخالف بوصلته المرشدة إلى أصل الصراع الإسلامي مع أعداء الدين ولم يتخبط في نزاعات كما لم يداهن في موقف .
انحاز إلى المقاومة حتى في ما بدا أنه ناقد قاس بعد أحداث السابع من أيار وكان من السباقين في قيادة الحركة الإسلامية باتجاه الوحدة الإسلامية في كل مواقع عمله وفي ما كتب أو أفتى أو علَّق على مواقف.
كان في ما عرفته حليما هادئا سلس المعشر متواضعا ينقاد قلب ملاقيه إليه كما ينقاد إلى أب شفيق وناصح رقيق وأخ شقيق .
كان كبيرا حاضرا في زمن نحتاج فيه الكبار ونفتقدهم , وظلَّ على مرضه المؤلم ومعاناته حاضرا لا يمكن تجاوز فكره وتجربته ومواقفه .
أتقدم من عائلته ومن الأخ الأستاذ إبراهيم المصري الأمين العام وسائر الأخوة في الجماعة الإسلامية ومن كل محبيه بالتعزية والمواساة سائلا الله أن يلهمهم الصبر والثبات على خطه ومنهجه.
توفي رحمه الله يوم الاحد 4 جمادى الثاني 1432 , 8 أيَّار عام 2011 م , يصلى على جثمانه عصر الإثنين 5 جمادى الثاني 1432 ,9 أيَّار عام 2011 م في المسجد المنصوري الكبير، قرب ساحة النجمة، في طرابلس، ويدفن في مدافن باب الرمل.رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه
وقد وزعت الجماعة الإسلامية، نبذة عن الراحل أبرز ما فيها:
- القاضي الفقيه المستشار الشيخ فيصل مولوي من مواليد 1941 طرابلس - لبنان، داعية ومفكر إسلامي معروف في لبنان والعالم العربي والإسلامي وفي أوروبا.
- من العاملين في الحقل الإسلامي في لبنان، وكان رئيسا لجمعية التربية الإسلامية في لبنان، وقد شغل منصب الأمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان.
- رئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990.
- عضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي.
- رئيس لجنة الفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
- حصل على: إجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية العام 1967، إجازة في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة في جامعة دمشق العام 1968، شهادة الدراسات المعمقة من جامعة السوربون في باريس. وحاز جائزة أفضل واعظ إسلامي من الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
- عين قاضيا شرعيا في لبنان سنة 1968. وتنقل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت. وعين مستشارا في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996.
- حائز على مرتبة قاضي شرف برتبة مستشار بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 أيار 2001.
- أمضى في أوروبا خمس سنوات من 1980 حتى 1985. وأسس في فرنسا اتحاد الطلبة المسلمين، ثم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وأنشأ الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية. وأصبح مرشدا دينيا لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثم في أوروبا منذ سنة 1986. وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتى وفاته.
- ساهم في تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في المملكة المتحدة في آذار 1997 تحت رئاسة الشيخ يوسف القرضاوي وهو نائب الرئيس.
- أصبح العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في شاتو شينون في فرنسا منذ تأسيسها سنة 1990، وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي مخصصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمر في هذا المنصب حتى سنة 1994. وشغل منصب نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
- بدأ العمل في الحقل الإسلامي في عام 1955، منطلقا من جماعة عباد الرحمن بطرابلس، ثم إلى الجماعة الإسلامية بعد تأسيسها سنة 1964.
- انتخب أمينا عاما للجماعة الإسلامية خلفا للدكتور فتحي يكن منذ 1992 حتى سنة 2009.
- من أبرز مؤلفاته: تيسير فقه العبادات - دراسات حول الربا والمصارف والبنوك - موقف الإسلام من الرق - أحكام المواريث، دراسة مقارنة - الأسس الشرعية للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين - نظام التأمين وموقف الشريعة منه - نبوة آدم - المرأة في الإسلام - حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول - السلام على أهل الكتاب - المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب - أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية - سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية (خمسة أجزاء) - سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة (أربعة أجزاء) - الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية.

عن مسيحيّي سوريّا

حازم صاغيّة

هناك اليوم مَن يستخدم "تأييد المسيحيّين السوريّين لنظام الأسد" حجّةً تُدان بها الانتفاضة السوريّة، ومن خلالها يُصار إلى توكيد "دور الإسلاميّين والسلفيّين" في الانتفاضة، وإلى توكيد "علمانيّة النظام" في المقابل.
وبالطبع، ليس لدينا ما يؤكّد أو ينفي هذا "التأييد" وحدوده. لكنّ وجوده، في حال صحّته، ليس سوى دليل آخر على ما زرعه نظام البعث منذ قيامه في 1963، ولا سيّما منذ "حركته التصحيحيّة" في 1970، وعلى ما تجنيه سوريّا اليوم.
فأن يكون خوف المسيحيّين هو ما قادهم إلى ما انقادوا إليه، فهذا إنّما ينمّ عن حجم التخريب الذي ألحقته العقود البعثيّة بالنسيج الاجتماعيّ السوريّ، بحيث باتت الجماعات لا تتبادل في ما بينها إلاّ الريبة والخوف، ولا ترى في المستقبل إلاّ حقول القتل المفتوحة.
وتقضي الأمانة القول إنّ الطائفيّة ومخاوف الأقليّات ليست بالطبع من إنتاج البعث وحكمه. فهي تضرب في تاريخ الملل والنحل وفي التراكيب والثقافات العصبيّة التي ازدهرت في منطقتنا. مع هذا يصعب القفز فوق ذاك الواقع المرّ القائل إنّ 48 سنة من سلطة "الوحدة والحريّة والاشتراكيّة" أطلقت هذه المشاعر وفاقمتها، بدل أن تحدّ منها وتحاصرها.
وما يمكن استنتاجه تالياً أنّ المزيد من حكم البعث هو مزيد من التفتّت الاجتماعيّ والمجتمعيّ، ومزيد من مخاوف الأقليّات التي تطالب الحاكم بـ"حمايتها"، بل مزيد من مخاوف الجميع حيال الجميع.
فإذا صحّ أنّ المسيحيّين "يؤيّدون" نظام الأسد، صحّ القول إنّهم يخطئون لأنّهم، بهذا، يؤسّسون لأوضاع أسوأ ترتدّ عليهم في مقبل الأيّام. أمّا مخاطر الانتقال، ويمكن أن تكون هناك مخاطر فعليّة على الأقلّيّات وأيضاً على الأكثريّات، فوجهها الآخر هو التأسيس لبدايات جديدة. وتبقى أكلاف عدم التسامح المصحوب باحتمالات التحوّل أقلّ من أكلاف عدم التسامح المثبّت والمكرّس والمغلق والمتعاظم.
لقد قيل سابقاً إنّ مسيحيّي العراق يؤيّدون صدّام حسين ونظامه لأنّه "يحميهم". وهذا، أيضاً في حال صحّته، دليل على الدور الذي تلعبه الأنظمة البعثيّة في تفتيت النسيج الاجتماعيّ لبلدانها وفي مقايضة ولاء الجماعات الأقليّة بحمايتها، بدلاً من تحكيم معايير المواطنة بديلاً عن ثنائيّ الخوف والحماية. ألم يكن عهد صدّام حسين، بتمييزه وبكبته المديدين، هو نفسه السبب وراء انفجار الأحقاد الدمويّة والمتعصّبة التي تبادلها العراقيّون بعد إطاحة صدّام؟.
إنّ أنظمة كهذه تنهض على نوع من عقدة استوكهولم، حيث يقع السجين في حبّ سجّانه. يكفي السجّان، في هذه الحالة، ألاّ يقضي على حياة السجين كي يبدو هو من يمنحه الحياة. والمسيحيّ السوريّ، بل أيّ كائن انسانيّ، يُفترض به أن يكون أذكى من ذلك وأعرف.

رسالة إلى دريد لحام وباسم ياخور ونضال سيجري

حكم البابا
السبت 7 أيار (مايو) 2011

عيب يا فناني سورية، هذا شعبكم الذي يتظاهر ويموت من أجل الحرية، عيب حديثكم عن مؤامرة خارجية وعصابات مسلحة، وأنتم تعرفون أن المخابرات هي التي تعتقل وتعذب وتقتل..
عيب يا أستاذ دريد لحام، وأنت تعرف أن شبيّحاً من آل شاليش عام 1999 تعرض لعائلتك بأقذع الألفاظ، وأن اللواء زهير حمد استدعاك عام 2007 للتحقيق معك من أجل تصريح صحفي ولم يحترم قيمتك الكبيرة، التي يقدرها هذا الشعب الذي أحبك وساهم في صنع نجوميتك، ولايطالب بأكثر من حريته اليوم، وينزل بصدور عارية ليواجه أشرس آلة قمع في التاريخ..
عيب يا أستاذ باسم ياخور وأنت تعرف ما الذي فعلوه بعمك في ثمانيات القرن الماضي، وكيف عذبوه في المخابرات، وتعرف إلى أي حد ضايقو والدك خلال عمله الصحفي، وكيف خوّنوك بعدما صورت "أيام الولدنة"..
عيب يا أستاذ نضال سيجري، وأنت تعرف كم سنه قضى أخوك في سجونهم وبماذا اتهموه..
أنا لا أعتب على أمثال هشام شربتجي ووائل رمضان وسلاف فواخرجي وسيف سبيعي وأمثالهم، فكلنا نعرف أنهم لا يملكون شرفاً ليبيعوه، ولا أعتب على بشار اسماعيل وعلي الديك وزهير رمضان وأمثالهم فهؤلاء أقرب إلى الشبيحة منهم إلى الفنانين، ولا أعتب على أيمن زيدان وزهير عبد الكريم وأمثالهم فهؤلاء معتادون على الانتقال من حذاء إلى حذاء لتقبيله.
ولكني أعتب عليكم أنتم بالذات لأنكم لستم بحاجة لعطايا ومنح وهبات، ولأنكم تعرفون أن البلد أكبر من أي نظام ومن أي شخص، وأن ما يحدث هو ثورة بكل معاني الثورة. وارجعوا لكتب وموسوعات التاريخ، لتقرأوا وتقارنوا، كيف اتهمت كل الثورات بالعمالة، ثم أصبح الانتساب إليها مفخرة، وناقشوا بينكم وبين أنفسكم مواقفكم المشرفة من ثورتي تونس ومصر، ومواقفكم المخجلة من ثورة شعبكم. هل برأيكم لا يستحق هذا الشعب الحرية والكرامة؟ وهل عليه أن يعيش إلى أبد الآبدين تحت أحذية المخابرات؟ فكروا على الأقل في مستقبلكم الشخصي والمهني وموقفكم الأخلاقي والوطني إذا ما انتصرت الثورة، وهي ستنتصر، لأن هذا الشعب يريد الحياة الآن. ألم ترددوا بيت أبو القاسم الشابي عن الحرية، أم أنه حلال على تونس ومصر وحرام على سورية..
أنا ومن موقع الصديق، ولأني أعرفكم جيداً، وأعرف مواقفكم الحقيقية من النظام، وأعرف أنكم أصحاب مظالم، أطالبكم على الأقل بالصمت، إن لم تكن لديكم القدرة على مساندة هذه الثورة، بدلاً من شتمها وتخوين أشخاص يواجهون بصدور عارية وبشجاعة منقطعة النظير جهاز المخابرات الأفظع والأشرس في العالم. أشخاص يشرفونني ويعيدون لي كرامتي واعتزازي وفخري بهويتي كسوري.
فأنتم بالتأكيد تعرفون من خلال خبرتكم كممثلين كيف تفبرك مشاهد الاعترافات المزيفة، وتعرفون أنه لا يوجد أحد في العالم يذهب للموت من أجل فتوى شيخ مجهول، أو من أجل الحصول على خمسين ألف ليرة، أو لأن الشيخ القرضاوي أو بندر بن سلطان أو عبد الحليم خدام أو رفعت الأسد أو سعد الحريري طلب منه ذلك. وتعرفونه لا يمكن لأحد بما فيه الشيطان نفسه أن يجمع هذه الأسماء ويضيف إليها قنوات العربية والجزيرة والبي بي سي وفرانس 24 والحرة والأورينت وبردى ليدبر مؤامرة على سورية، ثم لو اجتمع كل هؤلاء مع سكان الأرض لتحريك مظاهرة صغيرة لن يستطيعوا، ما لم يكن للمتظاهرين مصلحة في ذلك. فكيف بهذه المظاهرات التي لم تهدأ طوال خمسين يوماً، وامتدت لتشمل أغلب الأراضي السورية؟
ألم تسألوا أنفسكم كيف تحوّل أمير قطر حمد بن جاسم والرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء التركي أردوغان من أصدقاء وحلفاء لسورية بين ليلة وضحاها إلى أعداء؟!
أطالبكم من موقع الصديق أن تنظروا إلى مايحدث في سورية بضمائركم، فإن لم تستطيعوا ففكروا بعقولكم، فإن لم تستطيعوا فاصمتوا..
أرجوكم قولوا خيراً في هذه الثورة أو فاصمتوا..

حوار مع فاروق مردم بيك وبرهان غليون وصبحي حديدي

إصلاح النظام الاستبدادي مُتعذّر وإرادة التغيير الشعبي تتجذّر

تتواصل المظاهرات والانتفاضات الشعبية في سوريا منذ خمسة أسابيع مطالبةً بالحرية والديمقراطية، وتصل شعاراتها منذ أسبوعين الى حدّ المطالبة بإسقاط النظام. وفي الأيام الأخيرة اتّسعت رقعة التظاهر لتشمل بلدات ومدن في أغلب المناطق السورية ساحلاً وشرقاً ووسطاً وجنوباً. وقد ردّت السلطات منذ اليوم الأول على هذه التحرّكات بعنف شديد ومتصاعد أدّى الى سقوط مئات القتلى واعتقال المئات الآخرين. كما ردّت بحملة إعلامية تقوم على اتهام "الخارج" بالتآمر على سوريا واستقرارها وتبرير اعتمادها الحل الأمني بوصفه التعامل الوحيد المناسب.
في ظل هذا الحراك، وأمام الشجاعة الاستثنائية التي يظهرها الشعب السوري في مواجهة آلة استثنائية الشراسة، يتطارح المعنيون أسئلة عدة حول ما يجري، أسبابه ومساراته، أطرافه وخصائص علاقاتهم في بلد تعدّدي التركيبة الدينية والإثنية يحكمه نظام ظنّ كثر أنه سيكون استثناءً بين الأنظمة العربية في ربيع التحوّلات الذي نشهد منذ كانون الأول الماضي.

الحوار التالي هو محاولة لشرح الوضع في سوريا اليوم ولتشريح بنية النظام الحاكم وسياساته، وهو لقاء مع ثلاثة من أبرز المثقفين السوريين (والعرب) المعارضين المقيمين في المنفى الباريسي، المؤرّخ والناشر فاروق مردم بيك، الأستاذ الجامعي برهان غليون، والناقد الأدبي والكاتب السياسي صبحي حديدي.

حوار أجراه زياد ماجد، "لوريان ليترير"، عدد أيار 2011 -

ثمة من قال في الأيام التي تلت اندلاع الثورتين التونسية والمصرية إن لسوريا خصوصية ستجنّبها الحراك الشعبي المتوقّع انتقاله من بلد عربي الى آخر. وجرت الإشارة في معرض هذا القول الى عامل رئيسي يبرّر هذه الخصوصية: تماثل موقف النظام في السياسة الخارجية مع موقف أكثرية السوريين. ما رأيكم؟ وما هي وظائف السياسة الخارجية بالنسبة للنظام؟ وكيف يمكن فهم أدائه منذ بدء الانتفاضة الشعبية في وجهه وتصاعدها؟

فاروق مردم بيك
يهدف المتحدّثون عن "خصوصية" سوريا الى التركيز على ما يسمّونه خيار "الممانعة" الذي يدّعي النظام تبنّيه، وهو الخيار النقيض بعرفهم لما اعتمده نظاما تونس ومصر. على أن التدقيق في كلامهم يُظهر تهافت منطقه، كما أن تشريح النظام السوري ببنيته القائمة يظهر أن له فعلاً خصوصية، لكنها مختلفة تماماً عن تلك المشار إليها في ما خصّ سياساته الخارجية. فالنظام السوري منذ حوالي الأربعين عاماً هو نظام عشائري لا يشبه اليوم في مافياويّته العائلية إلا النظام الليبي. وهو النظام الجمهوري الوحيد الذي نجح في التوريث. وقد جرى تأسيسه على مبدأ عبادة الفرد وتركيز السلطة في شخص الرئيس وبعض أفراد أسرته، مما يجعل إصلاحه مستحيلاً لأن الإصلاح يعني الإنهيار، ومما يجعل الصدام معه مكلفاً جداً لأنه يستشرس في الدفاع عن نفسه وتتماسك الدوائر الأمنية الضيقة داخله في مواجهة المجتمع.
وإن تناولنا السياسة الخارجية التي يتحدّث عنها دعاة الخصوصية أو الاستثناء، نرى أن النظام، وعلى العكس من مقولتهم، يسعى الى الاندراج في "المنظومة الامبريالية الدولية"، والأخيرة هي التي تمانع لأسباب عديدة. لذلك، تراه يضع البلاد سياسياً وقانونياً في حالة حرب من دون أي نية لخوض الحرب... ولا مرة تجاوز هذا النظام الخطوط الحمر في الصراع مع إسرائيل منذ العام 1974. جلّ ما يفعله هو دعم حزب الله وحماس لنقل الجبهة من عنده وإبقائها مشتعلة أو متوترة في لبنان وفي فلسطين، ومن ثم تثمير ذلك لتحسين وظائفه الإقليمية.
وباستعراض لمواقفه ولأشكال استفادته من التطورات في المنطقة يمكننا التوقّف عن عدة أمور. في الموضوع الفلسطيني، قامت معادلة النظام على أساس طُرفة تردّدت كثيراً مفادها أنه "يعشق فلسطين ويكره الفلسطينيين". منع حافظ الأسد الغطاء الجوّي عن القوات البرية السورية التي حاولت التدخّل لإنقاذ الفلسطينيين في الأردن في أيلول عام 1970، واجتاحت قواته لبنان عام 1976 وضربت الفلسطينيين، وأسقطت مخيم تل الزعتر. ويمكن بعد ذلك استذكار كل فصول الحرب اللبنانية ودور جيشه فيها، من طرابلس الى حروب المخيمات.
وفي المواضيع أو المعادلات الإقليمية، استفاد نظام الأسد في أواخر السبعينات وطيلة الثمانينات من تراجع الدور المصري بعد كامب ديفيد وعزلة القاهرة، ومن حرب صدام حسين مع إيران وتراجع الدور العراقي. وترجم حضوره الإقليمي نتيجة هذه التراجعين في الداخل السوري استبداداً وقمعاً دموياً لشعبه. وحين انهار اقتصاد سوريا وبدا النظام في حالة إفلاس في النصف الثاني من الثمانينات، جاءته حرب الكويت بمثابة الفرج. شارك في عاصفة الصحراء بقيادة الأميركيين، ونعم بالمساعدات المالية الخليجية، ونال تفويضاً بالسيطرة على لبنان، ثم صدّر في التسعينات مئات آلاف العمّال السوريين الى بيروت مستفيداً من ورش إعادة الإعمار هناك ومقلّصاً من معدّلات البطالة داخل سوريا.
بهذا المعنى، أقام حافظ الأسد شراكة مع الأميركيين ومع الخليج ومع إيران مقابل تثبيت مشروعية حكمه في سوريا وتحكّمه بالشأن اللبناني.
واستمر وريثه بشار على نفس النهج. فاستفاد من حرب بوش في العراق ثم من أحداث لبنان ورقاعة الطبقة السياسية اللبنانية، وعمل على توسيع شبكات الفساد والإفساد بالترافق مع استكمال ما سُمّي بالانفتاح الاقتصادي، والذي هو في الحقيقة توزيع مغانم على الأقارب والأعوان، من دون أي قدرة شعبية بالطبع على الرقابة أو المحاسبة.

برهان غليون
أودّ أن أضيف الى ما إشار إليه فاروق أن جانباً من خصوصية النظام السوري يقوم في الحقيقة على اختلافه عن سائر الأنظمة العربية الاستبدادية بكونه قضى على أي مساحة انفتاح سياسي ولو ضيقة داخل البلاد. فالسلطة مطلقة عند شخص الحاكم. كانت عند حافظ الأسد، وصارت اليوم عند ابنه وريثه. في تونس ومصر مثلاً، لم تلتهم السلطة الديكتاتورية جميع المساحات السياسية أو المدنية. ففي مصر، ظلّ للأحزاب وجود وللمنظمات المجتمعية نشاط وللصحف حرية نسبية أو مقيّدة. وفي تونس بقيت بعض النقابات والتجمعات المهنية المستقلة موجودة. أما في سوريا، فمنذ نصف قرن تقريباً، لا وجود لأي تنظيم مدني أو سياسي ولا حياة نقابية مستقلة. أكثر من ذلك، لا سلطة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة تدير البلاد. كل ما نجده، وبخاصة منذ الثمانينات، هو أجهزة أمن متعدّدة تدير كل شيء، تعيّن الأشخاص في كل المواقع، تحرّك الملفات الأساسية، وتتحكّم بكل مفاصل الحياة. وحتى حين قام النظام بانفتاح نيوليبرالي في الاقتصاد، لم يترافق الأمر مع أي انفتاح سياسي. بل جلّ ما تبدّل هو أن مركّب السلطة توسّع بعض الشيء ليضمّ رجال أعمال يضافون الى رجال الأمن وعدد محدود من الأفراد المقرّبين الى الرئيس، وهم غالباً من عائلته. بذلك، شدّد النظام من قبضته وسحق كل حيوية في البلد وصار حضوره اشبه بالاحتلال الداخلي للدولة والاستعمار للمجتمع: مئات المثقفين ممنوعون من السفر، 150 ألف سوري منفي عن البلاد، 17 ألف مفقود ومعتقل رأي، لجان حزبية تسيطر على الجمعيات الأهلية والنوادي وتتحرّك بوحي من أجهزة الأمن والمخابرات. هذا بالإضافة الى وجود برلمان مهزلة رأينا تصفيقه وتهليله للرئيس، وحكومات لا يعرف المواطن أياً من أعضائها.
أكثر من ذلك، يمكننا أن نقول إن ما يميز النظام السوري عن معظم الأنظمة في العالم، هو أن لا سياسة فيه، بل مؤسسة أمنية لا وسطاء بينها وبين ما يفترض أن يكون المؤسسة السياسية المدنية. لذلك فلا مرونة عند النظام ولا قدرة على التفاوض. حتى أننا اليوم، في ظل المظاهرات والقمع والتحرّكات، لا نجد أي مسؤول سوري يتحدّث أو يعلّق على الأوضاع. لا نائبي الرئيس (فاروق الشرع ونجاح العطار) ولا الوزراء ولا رئيس الوزراء، ولا أحد من المفترض أنهم من قيادات النظام.
حتى أن الرئيس نفسه لا يتوجّه الى الشعب ولا يتحدّث بالسياسة. هو يخطب في مجلس الشعب ثم يستقبل وفوداً، ولا يتحدّث معها إلا ببعض الخدمات. يعد الشيخ البوطي بفضائية دينية، ويعد بعض وجهاء حوران بمشاريع، ويقول لجماعة من حمص إنه سيعزل المحافظ، إلخ. لكن في كل ذلك، لا مساحة للسياسة وللحقوق المواطنية ليلتفت إليها. وهو فعلاً لا يفقه بوجود معنى للسياسة أو بمنظومة إسمها الشعب. أعتقد أنه فوجئ بالأحداث، ولأنه لا يحسن التعامل في الشأن السياسي، لم يقل مثلاً "فهمتكم" على ما قال مبارك أو بن علي، ويستحيل عليه أن يقول "إنني لن أجدّد أو أمدّد" كما حاول رؤساء آخرون القول، لأن سوريا بالنسبة إليه ملك شخصي وعائلي ولا مفهوم للوطن في هكذا ملك.

صبحي حديدي
سأضيف الى ما قيل، ومن دون اختلاف معه، بضع ملاحظات.
نظام بشار الأسد هو امتداد عضوي للحركة التصحيحية بقيادة والده. فالأب أنشأ نظامه بعد نهاية حرب ال73 على ركيزتين: الأولى هي الأجهزة الأمنية الشديدة الولاء له بمختلف الرتب فيها، ومعظم ضبّاطها من أبناء الطائفة العلوية. والثانية هي السياسة الخارجية كمصدر مشروعية وتمويل للنظام: أموال من دول الخليج، تحالف مع إيران وأموال منها، تدخل في لبنان وشبكات نفعية واسعة، تعاون مع الولايات المتحدة في عاصفة الصحراء للحصول على دعم وتكريس للحضور الإقليمي الذي يُترجم داخل سوريا مزيداً من إحكام القبضة على الدولة والمجتمع.
وقد بلور النظام بعد استتباب الحكم له نظرّية قسّمت الناس الى فئات ثلاث. الفئة الأولى هي لأولئك الباحثين يومياً عن رزقهم غير القادرين على ممارسة أي نشاط سياسي. الثانية هي لأولئك الباحثين عن مكاسب وأرباح، وهو يمكن استيعابهم وإشغالهم ورشوتهم وبالتالي كسب ولائهم من خلال ربطهم بشبكة زبائنية واسعة. أما الثالثة، فهي للمثقفين والمعارضين الناشطين ممّن اعتبرهم النظام "حمقى يتمسّكون بمبادئ"، وهؤلاء خصّص لهم السجون، وسجن المزّة كان لفترة مقتصراً عليهم.
وحين دخل النظام مرحلة تحضير التوريث، دُفعت جميع الأجهزة الأمنية وشبكات الانتفاع فيه للولاء لباسل الأسد. لكن مقتله في حادث السير المعروف، أدخل النظام في دوّامة. واستُحضر بشار على عجل، لكنه لم يكن مجهّزاً للحكم. بل كان عليه الاتكال على المؤسسة الأمنية العسكرية القائمة، المدّعمة برجال أعمال ممّن انضمّوا الى التركيبة السلطوية بعد مسار "الانفتاح" الاقتصادي. لذلك اعتبر أن واجبه يقوم على الحفاظ على "أمانة الوالد"، وتأمين الاستمرارية، وهذا ما عبّر عنه القول السائد في سوريا من أن "حافظ الأسد ما زال يحكمنا من قبره". على أن المؤسسة الحاكمة التي لم تكن جاهزة تماماً لموالاة بشار عادت ووجدت ضالتها فيه وتوطّدت العلاقة بينه وبين أركانها، واقتاتوا معاً من مغانم السياسة الخارجية تحت مسمّى "الممانعة"، كما اعتمدوا نظرية جديدة تقسّم الشارع السوري الى فئتين (بدل الثلاث السابقة). فئة الشارع المدجّن/المحاصر إمّا القابل بالوضع الراهن أو المحال عبر القضاء العسكري-الأمني الى السجون، وفئة الجمهور الصامت (وهو الأكثرية) الخائف من أن مواجهة النظام تعني الوقوع في السيناريو العراقي البائس أو في المشاكل على الطريقة اللبنانية. وإن عطفنا هذا على السياسة الخارجية وسياسة المحاور، نفهم لماذا اعتقد النظام أنه محصّن لفترة ليست بالقصيرة، ونفهم أيضاً تصريح بشار قبل أشهر الى "الوول ستريت جورنال" وتأكيده على استقرار حكمه.
وبرأيي فإن المؤسسة الحاكمة (من الأجهزة الى بشار الى شبكات الانتفاع الاقتصادي) فوجئت بالانتفاضة الشعبية السورية، وربما فوجئت بها أكثر منا. وقد أصابها الأمر بارتجاج في البداية لأنها غير معتادة على مواجهة المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية. كما أن الجهاز الأمني (وليس العسكري) الذي لا تراتبية حقيقية فيه، يبدو تائهاً لجهة مرجعية القرار التي يمكن أن يكون ضباط متوسّطو الرتب هم المسؤولون عن بلورته نتيجة ارتباطهم المباشر بماهر الأسد أو ببشار. وقد بوغت أيضاً ركن الاقتصاد والأعمال في النظام المسيطر على مرافق حيوية، ابن خال الرئيس، رامي مخلوف. ولعل المعلومات عن الأسئلة التي طرحتها المخابرات على أوائل الموقوفين بعد انتفاضة درعا - والتي تدرّجت من المعهود في بروباغاندا النظام (إسرائيل ثم قوى 14 آذار اللبنانية) الى أسباب شتم رامي مخلوف "حامي الليرة السورية من الأنهيار" على ما ردّد المحقّقون - تظهر حجم الحضور للمكوّن المالي في مركّب السلطة وحجم "الخشية عليه".
في أي حال، يبدو أن القرار اليوم داخل النظام هو في عهدة مجموعة أشخاص هم بشار وماهر وكبار الضباط، وهم جميعاً يتخبّطون ضمن الخيار الأمني، ولا خيار أمامهم أصلاً غير اللجوء الى العنف. وهم لن يستسلموا بسهولة، لذلك أعتقد أن ثمن المواجهة والتحرّر من حكمهم سيكون فادحاً. والأرجح أن لديهم ثلاثة خطوط دفاع. الأول، العنف السافر والوحشي ضد المتظاهرين. الثاني: إثارة تناقضات داخل الجيش والدفع الى صراعات محدودة بين وحداته لإخافة الناس من إمكان انفجار المؤسسة العسكرية، والثالث: التوتير الطائفي في أقصى درجاته، والتلويح بالفوضى الشاملة في البلاد...

لكن ماذا عن الشق الثاني من المعادلة. المجتمع السوري: هل هناك خشية جدية من وقوع صدامات طائفية أو من تحوّل الانتفاضة السورية الى ما يشبه التنازع الطائفي المتأتّي من تركيبتي المجتمع والنظام على حدّ سواء؟ وهل يشكّل الإسلاميون اليوم عماد الحركة الشعبية؟

فاروق مردم بيك
لا يمكن نفي التوتّر في مجتمع مقموع. لكن حتى الآن يبدو حرص الناس على تجنّب كل شعار طائفي جلياً في التحرّكات وفي الأدبيات المتداولة. أما بالنسبة لمسألة الإسلاميين ودورهم، ففي الموضوع مبالغات وتعميمات وشمل لقوى وتيارات شديدة الاختلاف بعباءة واحدة. ويجب التذكير أن النظام السوري نفسه شجّع أسلمة المجتمع على نحو متزمّت. ذلك أنه في معرض ردّه على الأخوان المسلمين، قرّر منافستهم داخل الحقل الديني، وأنشأ مدارس قرآنية بإسم حافظ الأسد، وراح يزايد على بعض الفئات المحافظة من خلال تبنّي إسلام سلفي غير جهادي. واقتراح بشار الأسد الأخير بإنشاء قناة دينية إسلامية كهدية للشيخ البوطي ورجال الدين الموالين له لافت لجهة إظهاره دعماً لإسلام ظلامي وموال للسطلة. هذا ناهيك عن السلفيين الجهاديين الذين تلاعبت بهم المخابرات السورية وصدّرتهم الى العراق ولبنان في أكثر من مرحلة.

برهان غليون
المجتمع السوري متعدّد ومتنوع، وهذا مصدر غنى ثقافي واجتماعي كبير إن أدير على نحو يحفظ الوحدة ويحترم التنوّع والتسامح. وإنما واقع الأمر اليوم، يشير الى كون النظام الحاكم الذي ينفي - كما قلنا - وجود الشعب بمفهومه السياسي عمّق في سوريا الانقسامات الأهلية ويعمل الآن على تجييش العصبيات. ولا شك أنه نجح الى حدّ بعيد في ذلك إذ لا يمكن نفي التوتّر الطائفي الموجود. لكن ليس هذا، على أهمّيته جوهر الموضوع. فباعتقادي أن أغلبية السوريين اليوم يريدون المواطنة والحداثة السياسية، وأقلية في كل طائفة منغلقة وتفكّر على أسس طائفية. والنظام يراهن على فتنة ويهدّد بحصولها وبوصولها الى حال الحرب والفوضى إن استمرّ الحراك الشعبي وإن تحرّر الناس من سطوة الإستبداد. وهو بهذا بنفي وجود أي أفق إصلاحي ومواطني، ويحافظ على الجاهزية القمعية لدى أجهزة الامن لمنع كل تشكّل للمجتمع السياسي كي تبقى الانقسامات الأهلية. التحدي الفعلي إذن هو الوحدة الوطنية.
أما الإسلاميون، فكما أشار فاروق، عمد النظام الى تبني بعض حركاتهم السلفية الدعوية واستخدامها، إضافة الى عمله المخابراتي مع جماعات أخرى. وبالنسبة للأخوان المسلمين، فهم كتنظيم غير موجودين في سوريا، إذ استأصل النظام كل أطرهم، وتحكم المادة 49 الشهيرة على كل عضو في التنظيم بالإعدام. لكنهم كأفراد حكماً موجودون في البلاد، وخطابهم السياسي صار منذ زمن خطاباً معتدلاً يتحدّث عن الدولة المدنية ويقترب من النموذج التركي. ولا أعتقد بالتالي أننا أمام خطر سيطرة أصولية كما يحاول البعض أن يصوّر الأمور.

صبحي حديدي
تقتضي الصراحة أن نقول إن النظام السوري نجح الى حد لا بأس به في إقناع أكثرية أبناء الطائفة العلوية بأن مصيرهم من مصيره. وما يرد من كلام اليوم من الساحل السوري على ألسنة أناس من الطبقة الوسطى ومفاده "نحن نكره نظام الأسد، ولكن... إن سقط هذا النظام، فلا نعرف ماذا سيحلّ بنا" يشير الى تنامي شعور بالانتماء الطائفي يعمل النظام على تجذيره وتعميمه لتعميق الانقسامات العامودية. لكن في نفس الوقت، علينا أن نقول إن في الطائفة العلوية تنوّع وتعدّد، وإن المعارضين للنظام من هذه الطائفة دفعوا أثماناً باهظة لمواقفهم، وأعداد المعتقلين من حزبنا مثلاً، حزب الشعب الديمقراطي، من أبناء الطائفة كبير، والمعاملة الوحشية التي يتعرّضون لها تفوق قسوة كل معاملة أخرى. كما أن في الطائفة تناقضات طبقية ومظاهر ثراء فاحش عند البعض مقابل فقر مدقع عند البعض الآخر، وهناك عشائر ومصالح متناقضة لقوى من داخل النظام، وهناك المرشديون وهم معارضون لبعض زعامات ومشايخ الطائفة. يعني نجد تنوّعاً واختلافاً في الأوساط العلوية تماماً كما في كل الجماعات الأهلية في سوريا، ويمكن له في حال وصول الامور الى صدامات أن يتفسّخ رغم الرُهاب الطائفي.
حتى الآن، الشارع السوري يفاجئنا بشجاعته وعزيمته، لكن أيضاً بوعيه ووحدته. وسوريا، المختلفة عن مصر وتونس واليمن وليبيا حيث تركّزت المظاهرات والانتفاضات في عدد من المدن الكبرى أو المتوسطة، تنتشر فيها التحركات اليوم على مستوى جغرافي واسع جداً، من حمص وحماه ودير الزور الى بانياس وجبلة ودوما ودرعا وعدد كبير من المناطق الأخرى. وهذا يعني في ظل التعددية الموجودة في المجتمع السوري مشاركة سوريين من طوائف وشرائح عمرية وفئات اجتماعية مختلفة تضم العلمانيين والإسلاميين وغيرهم. كما تضمّ طبعاً أناساً لم يخوضوا أي تجربة حزبية أو تنظيمية. ولا أعتقد أن الكلام عن تهديد إسلامي هو كلام جدي، حتى في الغرب، حيث الحسابات تبدو أكثر ارتباطاً بمواقف إسرائيل مما يجري وتأكيد معظم التقارير والمقالات في صحافتها على تفضيل الأسد على المجهول.

سؤال أخير لكم، هو عن مدى تمثيل انتشار المظاهرات والتحركّات الشعبية المواجهة للنظام لما يمكن أن نسمّيه سوسيولوجيا سوريا، إن لجهة التركيبة الإجتماعية أو لجهة ثنائية الريف والمدينة. ذلك أن ما قد يتبادر الى ذهن المراقب هو ضعف الحراك في كل من دمشق وحلب، واشتداده في مناطق تعدّ ريفية أو طرفية. فهل هذا صحيح؟

فاروق مردم بيك:
هناك مفارقة لافتة في الوضع السوري هذه الأيام. وهي مفارقة مرتبطة بما يُسمّى "بارادوكس الريف والمدينة". الدراسات الأكاديمية والكتابات البارزة عن سورية كانت تركّز في الماضي عند تحليل القواعد الاجتماعية للنظام على كون العديد من قادة البعث وضباط الجيش الداعمين للإنقلابات في حقبة الستينات مثلاً من أرياف حماه وحوران. ثم كان تحليل سياسات النظام في السبعينات وحتى الثمانينات يقوم على دراسة سعيه المستمر الى ترييف المدن أو محاصرتها بضواح ومناطق مريّفة نتيجة النزوح إليها وتشجيعه. وكان الافتراض أن ريف دمشق بتكوينه الاجتماعي يبدو وكأنه يحاصر العاصمة بوصفها "مدينة معادية"... الواقع اليوم، أن أبرز التحرّكات والمظاهرات ضد النظام انطلق من المناطق المذكورة، ووجد له خزاناً وبيئة داعمة فيها. وهذا يشير الى تبدّلات جوهرية في سوريا يعجز النظام عن استيعابها وينتهج العنف والانتقام كأسلوب تعامل وحيد مع المنتفضين.
وبالنسبة لحجم التحرّك، أعتقد أن أعداد المتظاهرين كبيرة، وهي كانت في الجمعة العظيمة مثلاً ضخمة في العديد من المدن والبلدات نسبة لعدد السكان الإجمالي في هذه المدن والبلدات، كما أن حجم الانتشار على صعيد الخريطة السياسية كان واسعاً، والشعارات المرفوعة جذرية.
أما في ما خص حلب ودمشق، فسأترك لزميليّ شرح وضعيهما، لكن أودّ الإشارة الى نقطة ينساها البعض في تحليلهم، وهي أن نسبة المسيحيين في هاتين المدينتين عالية مقارنة بنسبتهم على الصعيد الوطني. وأكثرية هؤلاء يبدون حالياً في وضع ترقّب وقلق، ويعمل النظام على تخويفهم من كون بديله إن قام فسيكون سلفياً متطرّفاً، ويقول لهم إن مصيرهم عندها لن يكون بأفضل حال من مصير مسيحيي العراق. وهذا، مضافاً الى أسباب أخرى، يحول دون مشاركتهم الفاعلة حتى الآن في الانتفاضات.

برهان غليون:
تشهد الثورة السورية إنتشاراً كبيراً على صعيد جغرافيا سوريا ومناطقها. وفي هذا ظاهرة جديدة لجهة كثافة المشاركة المحلية أو الجهوية مقارنة بما كنّا قد شهدناه في الحالتين المصرية والتونسية من مظاهرات ضخمة، ولكنها متركّزة في 3 أو 4 مدن كحد أقصى.
بالنسبة للمدن الكبرى تحرّكت حمص وكان فيها مظاهرات حاشدة، ومن أحياء مختلفة، وحاول المتظاهرون تحويل الساحة الأكبر في المدينة الى ساحة اعتصام كي يأخذ التحرّك بعداً يشبه ما جرى في القاهرة أو ما يجري في صنعاء مثلاً. لكن القتل وإطلاق النار وهجوم الأجهزة الأمنية على المتظاهرين حالت دون ذلك. ومع هذا لم تهدأ المظاهرات في المدينة. أما دمشق وحلب، فلهما وضع خاص. أوّلاً، فيهما طبقات مستفيدة من النظام، وفيهما كذلك أناس متردّدون، يفضّلون الانتظار ويخشون مما يسمّونه الفوضى. كما أن بين سكان المدينتين من استسلم للسلطة الشديدة الحضور بمؤسساتها ورموزها عنده. وثانياً، تقيم السلطات في كل جمعة طوقاً أمنياً هائلاً حول المدينتين وتمنع الدخول إليهما. كما أنها أقامت في ساحة العباسيين في دمشق متاريس لسدّ المنافذ المؤدّية الى الساحة. والقوى الأمنية فتحت النيران أكثر من مرة على مسيرات خرجت من المساجد وقتلت واعتقلت عشرات الأشخاص، وهي جاهزة لفعل أي شيء لمنع المتظاهرين من الوصول الى قلب العاصمة كي لا يكون حضورهم محرّضاً لآخرين على الانضمام إليهم. لذلك، ليس من السهل التحرّك ميدانياً في دمشق ولا في حلب.
لكن، وفي كل الأحوال لا يشير القمع المتصاعد إلا الى الخوف المتصاعد عند معتمديه، وهو لم يحل دون تسيير مظاهرات في عدد من أحياء المدينتين وفي ضواحيهما القريبة، وخاصة ضواحي دمشق، المتّصلة بها عمرانياً.

صبحي حديدي:
سأضيف الى ما قيل، أن لكبار التجار في حلب ودمشق سيطرة واضحة على التراتبية التجارية في سوريا. ولبعضهم، خاصة في حلب، علاقات مع الأتراك بمليارات الدولارات. وتركيا تريد التهدئة وتحثّهم على الالتزام بها. مع ذلك، يجب أن نتذكّر أن بدايات الحراك الشعبي في سوريا وأول شعارات الانتفاضة على النظام السوري انطلقت من منطقة الحريقة، في وسط دمشق التجاري، ثم من الجامع الأموي في قلب العاصمة. كما أنه، وربطاً بما ذكره فاروق من تبدّل في وظائف العلاقات الريفية- البدوية- المدينية، تمكن الإشارة الى أن الضباط الأمنيين كانوا يهدّدون المعتصمين القلائل في دمشق تضامناً مع الثورات العربية أو مع أهالي معتقلي الرأي، وذلك قبل بدء المظاهرات في سوريا بأسابيع قليلة، بأنهم سيرسلون "الشوايا" لتأديبهم. والشوايا هم بدو من منطقة الجزيرة انتقلوا للعيش في المدن، وخاصة في دير الزور، وشاركوا في العمليات العسكرية في أوائل الثمانينات دعماً للنظام في مواجهة مدينة حماه. ومع بدء الانتفاضة السورية، وانخراط دير الزور فيها، تبيّن أن الشهيد الأول في المظاهرات هناك كان شاوياً... هناك إذن جيل جديد في كل المناطق يعيد خلط التعريفات والحدود المتعارف عليها سابقاً.
وأيضاً ربطاً بالحديث عن وضع دمشق الصعب والحضور الأمني الهائل فيها، هناك إجراءات تُعتمد على نحو سوريالي أحياناً. فإضافة الى بناء المتاريس ومنع الوصول الى وسط المدينة، يقوم الأمن بالتمركز على أبواب المساجد، وخاصة المسجد الأموي والباحات المحيطة به، ويطلب من المصلّين الذين يقنّن دخولهم ويفتّشهم تسليمه هواتفهم الخليوية وبطاقات هويتهم قبل الدخول ويعيدها لهم عند خروجهم ليضمن عدم تظاهرهم وعدم قدرتهم على تصوير أي هتافات يمكن أن تُطلق داخل المسجد أو باحاته ذاتها.
باعتقادي، وسأختم هنا، أننا أمام مرحلة لن يعود من بعدها شيء الى ما كان عليه سابقاً، لا في المدن ولا في الأرياف ولا في أي فئة اجتماعية أو طائفية. المعركة اليوم هي معركة إرادات وصمود، وبطش النظام سيكون مروّعاً. لكن الشجاعة الاستثنائية للناس في الشارع، وتراكم النضالات رغم المصاعب الكبيرة، والكفاءة العالية لجيل جديد من السوريين والسوريات من خلفيات مختلفة (يتجلّى الأمر على الانترنت وفضاءات التواصل الاجتماعي كما في المظاهرات وفي فعاليات التضامن)، ستعيل سوريا والسوريين في الداخل على الاستمرار في مسيرتهم من أجل الخلاص من الاستبداد.

... سوريا اليوم هي إذن غير سوريا السنوات الماضية. وإن كان الامر بديهياً إن قيل في بلدان تعيش الحرية فيها ويمارس أهلها حياتهم بشكل عادي، إلا أن قوله في "مملكة الصمت" ليس على هذا النحو. ولعلّ هذا الحوار مع فاروق مردم بيك وبرهان غليون وصبحي حديدي دليل على ذلك، وهو يضيء على عدد من الأمور التي يفيدنا جميعاً أن نتعرّف إليها.
على أمل أن يكون اللقاء المقبل معهم في سوريا، بين أهلهم وأصحابهم ورفاقهم، في مقهى أو في منزل استعاد روحه وهواءه وياسمينه...
ز.م.

فنانون سوريون ..نداء عاجل للحكومة السورية "من اجل اطفالنا في درعا"

الجمعة 6 أيار (مايو) 2011
أصدرت مجموعة من الفنانين السوريين بياناً يطالبون فيه بـ "إيقاف الحظر الغذائي المفروض على درعا وقراها"، والي اعتبروا أنه "يؤثر سلباً على الأطفال الأبرياء في المحافظة".وحمل البيان، الذي وقع عليه أكثر من ثلاثمئة من نجوم الدراما السورية وصنّاعها، عنوان «نداء عاجل للحكومة السورية "من أجل أطفالنا في درعا»، ونشر على الصفحة الشخصية للكاتبة ريما فليحان على موقع التواصل الاجاتماعي "فيس بوك"، وكان نصه كالتالي:
«نحن الموقعون أدناه على هذا النداء نطالب الحكومة السورية بإيقاف الحصار الغذائي المفروض على درعا وقراها منذ خمسة أيام، والذي أدى إلى نقص المواد التموينية والضرورية لاستمرار الحياة وأثر سلباً على الأطفال الأبرياء الذين لا يمكن أن يكونوا مندسين في أي من العصابات أو المشاريع الفتنوية بكل أنواعها..! مما تقدم فنحن نطالب بدخول إمدادات غذائية من مواد تموينية وأدوية وأغذية أطفال وبإشراف وزارة الصحة السورية أو الهلال الأحمر، لا نريد لأطفال بلدنا أن يجوعوا أو يتعرضوا للأذى، نرجو الاستجابة بالسرعة الكلية فأطفال درعا جائعون ويحتاجون للأغذية والأدوية بشكل عاجل وطارئ».
وقع على البيان عدد كبير من الفنانين والعاملين في مجال الدراما السورية، وما زال باب التوقيع على البيان مفتوحاً، والموقعون إلى لحظة نشر البيان هم:
«ريما فليحان، يم مشهدي، رشا عمران، يارا صبري، إياد شهاب أحمد، رشا شربتجي، كاريس بشار، كندة علوش، الفارس الذهبي، إياد إبراهيم النجار، ماهر صليبي، سهير الذهبي، حكم البابا، عبير الذهبي، لويز عبد الكريم، رواد إبراهيم، لارا علي، عدنان عودة، خالد خليفة، علا ملص، إياد شربجي، برار أبو درغم، سارة فياض، منى غانم، تيما محمد نور، صباح حلاق، يمن أبو الحسن، ليندا أحمد، ضياء الأشقر، زاهر هاشم، سهاد بدر، أحمد بقدونس، باسل عصيدة، دانا بقدونس، سيرين الخطيب، زينة سالم، رهادة عبدوش، إياد عيسى، فادي الداهوك، عمر أنور العليوي، كندة فليحان، رغد مخلوف، زينة بيطار، مضر فياض، فاتنة نورس مزيد، كاد نظام الدين، شهد صالحة، أحمد الخطيب، أسامة مسالمة، ماء السماء صالحة، يامن القضماني، رهان ناصيف، مروان حمزة، إيمان الحجار، ماهر أبو عاصي، ميلان الحاج علي، نزار أبو فخر، رواد عزام، برهان زيدان، بلال خلقي، سلام حجاز، هويدة حجاز، عاطف رضوان، محمد ماشطة، تمام مزهر، علاء الشوفي، هيا الشبل، عماد البني، ربيع البني، رامي سالم، هشام البديوي، صابر العظمة، علاء الغفير، رانيا القاري، منال الجنابي، عمر بريك، تينا أبو الفضل، صخر فياض، عمر سخيطة، رزان أحمد، مصطفى كاكو، أميرة أبو الحسن، نسرين الجنابي، رهف الشريف، طارق الحناوي، مؤيد النابلسي، فواز حمادي، كرم الأطرش، أحمد باسل، سليم زيدان، رامي العرموني، رامي سلام، آمال فياض، مؤيد فياض، ثمر فياض، شذى العبد، عمر فياض، علاء صيموعة، هالة الأتاسي، ياسر الأطرش، جهان قطيش، لواء يازجي، عمار مصارع، محمد منصور، إيهاب غسان اسعيد، فادي بدير، ريم عامر، سعد شجاع، منار شعبوق، نسرين طرابلسي، هيا كلاس، تهاني المعلم، عزت إبراهيم، محمد الفحام، رشا فائق، محمد الشرع، هند مرشد، تغريد الزعبي، محمد ملص، أحمد ملص، لبنى القلعاني، عمر شعيب، أماني الحيوك، نور فضلون، محمد حومد، أنس زرزر، عروة الأحمد، سلافة حجازي، خلود سابا، إيناس عزي، حازم سليمان، بشر إدلبي، سعد الله مقصود، وفاء علوش، عليا رمضان، زينة مارتيني، حكمة شافي الأسعد، عماد حورية، إبراهيم زرقة، ربى بلال، قاسم بلال، ثروة الحافظ، مي أبو عمار، حازم أبو عمار، ناديا أبو عمار، غادة الأحمد، نسرين أبو عمار، غادة أبو عمار، جميل السراج، أمل عبود، نورا مراد، محمد عمران، عتاب عواد، حاتم عروق، كندة مفتي، عزة البحرة، ثائر موسى، رفيف السليم، سليم مخول، ميسا جبور، ليال العتيري، مجدولين طنوس، علي طه، سوسن السليم، سارة السليم، كريما أليتسكي، أليكساندر أليتسكي، أغنيشكا أليتسكي، نبيل سلطان، ثائر دليلة، أيمن جبر، جمال السابا، جميلة الشماس، مريم السابا، أيهم أبو شقرة، د. جمال خليل صبح، إيناس الخياط، يشار بشارة، يزن زيدان، محمود بي، رشا مسالخي، عمار ملص، أيمن جابر، مها حسن، رشا القتابي، مي اسكاف، دانا نصر، بسام القاضي، رجائي القوجا، غالية قباني، نينار حسن، نوار قاسم، باسل قنديل، آداد قنديل، عائدة عثمان، لين الحمد، هالة الأحمد، نهلة الأحمد، فاتن سليلاتي، سالار أوسي، لمى الأحمد، هانيبال عزوز، عمر إدلبي، هلا آل رشي، شاهر خضرة، إبراهيم العلوش، أسامة العساف، ياسر أبو شكر، نوال يازجي، سوسن زكزك، سعاد حلاق، ريما بديوي، لبنى مشلح، هالة العبد الله، فادي لاذقاني، حسام عزام، أليسار حسن، أمجد الزغبي، سهى رحال، محسن الحلاق، لؤي حسين، أنوار العمر، رشا العابد، رندة بعث، متولي أبو ناصر، شيرين حاتم، سارة فتاحي، سناء المر، مرام المصري، آداد خضور، كنان أبو عفش، نور أتاسي، أيمن مارديني، مية الرحبي، غيداء العويدات، قيس زكريا، رقيا قضماني، رؤيا عبدلكي، هاني عرقسوسي، مريام ريس، طلال ديركي، بنانة سنجقدار، سوزان الديري، حسام الديري، روعة عطار، نوال الرفاعي، يسرى المسالمة، سليمان عوكان، ناهد بدوية، هبه طه، سلمى الديري، ديمتري أفيرينوس، علا عبد الحميد، مهند عبد الحميد، عمار عبد الحميد، أمجد ناجي، منى واصف، محمد سمير ناجي، أحمد ناجي، إيمان الجابر، لينا الطيبي، خولة يوسف، سمر يزبك، وليد بني، علاء محمود، إبراهيم محمد، سمر علوش، كندة كوكش، وائل القاق، طارق صفية، نجيب جورج عوض، روى الحموي، عبير فرهود، لمى محمد، غسان الصحناوي، تهامة ياسين حسن، نانسي خوري، هيفاء خوري، نوار محمود، محمد علي، ميادة الرهونجي، سوريا مبارك، زبيدة خربطلي، رشا عباس، حلا عمران، حنان شقير، ماهر الجندي، عمرو كوكش، رامي مغربي، سعد أسعد، رامي الجلبي، زينة طعما، سرى علوش، هلا ميوس، خلود الزغير، دشاد عثمان، نيرمين فريحات، راشد دحنول، نانيت خوري، هيفاء خوري، خليل خوري، هنادي مبارك، خالد المشرقي، محمد حسن المصري، سناء طابا، رشا علوش، خالد قطاع، محمد وطفة، أرز الأسمر، حسان الديري، منار العودة الله، أحمد كنعان، خليل درويش، صخر حاج حسين، عارف حمزة، أحمد المحاميد، زويا بوستان، نوار بركات، جديع دواره، قاسم ملحو، خطيب بدلة، يزن أتاسي، صبا مبارك، ناندا محمد».

سينمائيون دوليون يتضامنون مع المتظاهرين السوريين

الخميس 5 أيار (مايو) 2011
رويترز - شارك عشرات السينمائيين الدوليين في التوقيع مع سينمائيين سوريين على إعلان يشجب حملة القمع ضد متظاهرين مطالبين بالديموقراطية في سورية.ونشر الإعلان هذا الأسبوع على موقع «فايسبوك» الاجتماعي على الإنترنت وجاء فيه «يقتل المواطنون السوريون العزل المسالمون وتغتال أحلامهم في التغيير لمجرد مطالبتهم السلمية بمواطنتهم. إن الاستبداد والفساد الأمني الذي اعتقل السوريين وعذبهم وابتلع أحلامهم وأموالهم وعيشهم يقتل اليوم أجسادهم وأرواحهم بالرصاص».واستطرد الإعلان: «ننادي كل سينمائيي البلدان العربية وفي العالم للمساهمة في وقف القتل بكشفه وشجبه وبإعلان التضامن مع شعب سورية ومع حلمه بالعدالة والحرية والمساواة».
ووقع الإعلان المخرج اليوناني كوستا جافراس والمخرج الفرنسي السويسري جان لوك جودار والكاتب الأميركي هاوارد رودمان والممثلتان الفرنسيتان كاثرين دونوف وجولييت بينوشيه من بين مئات آخرين من أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط. ومن بين السوريين الذين وقعوا الإعلان المخرجان محمد ملص وأسامة محمد اللذان ساعدا المخرج السوري عمر اميرلاي في إخراج أفلام عن المشاكل الاجتماعية والسياسية في سورية. كما وقع الإعلان أيضاً المخرج نبيل المالح الذي تناولت أفلامه أيضاً قضية التهميش الاقتصادي والاجتماعي.