الأربعاء، 2 يناير، 2013

إبراهيم محمد مهدي شمس الدين:في الدولة والشيعة والمقاومة والطائف


لأن الوطن للناس ولأن الدولة للناس، ولأنّ الحكومة للناس، ولأن الدين أرسله الله للناس، ولأن الحرب يموت فيها الناس والسلم يحيا فيه الناس، ولأنّ الجميع يدّعي العمل باسم الناس ولمصلحة الناس، ولأنّهم هم موضوع الحياة وموضوع الأوطان وموضوع الحساب في يوم الحساب، نخاطب الناس في هذا النص ونتوجّه إليهم ونعطيهم خيارات حقيقيّة موجودة ليختاروا لأنفسم منها حتّى يكونوا أحرارا فعلاً، ولأنّ الله سيحاسبهم هم كأفراد، وليس كأعضاء في أحزاب أو تنطيمات أو حكومات. 1- إن اللبنانيين المسلمين الشيعة هم مكوّن أساس من مكوّنات لبنان الوطن والدولة، وهم كغيرهم تماماً من الطوائف اللبنانية المكونة للبنان الوطن والدولة وليسوا "غير شكل" ؛ فلا يتعامل معهم أحد على أنهم "غير شكل" أو لا يتعاملوا هم مع أنفسم على أنهم "غير شكل". 2- إن اتفاق الطائف جعل من اللبنانيين المسلمين الشيعة شركاء كاملين وعلنيين ومعترف بهم في الدولة وفي الوطن وفي القرار الوطني. وهذه الشراكة الكاملة ليست منّة من أحد الشركاء أو من جميعهم وبالتالي لا يستطيع أحد انتزاعها أو "استرجاعها". 3- إنّ اللبنانيين المسلمين الشيعة ليسوا في خطر وليسوا موضوعاً لمؤامرة من المسيحيين عامّة أو من المسلمين السنّة أو من الموحدّين الدروز، ولا وجود لما يخيفهم، وأنا أدعوهم كما كان يدعوهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى أن لا يخافوا. 4- إن المسلمين الشيعة ليسوا قوماً عابرين للأوطان وهم ليسوا عرباً من البدو، هم مواطنون في أوطانهم حيث وجدوا : هم لبنانيون حصراً في لبنان، ومصريّون حصراً في مصر، وسعوديون حصراً في السعوديّة، وكويتيّون حصراً في الكويت، وإيرانيّون حصراُ في إيران... 5- إن المسلمين الشيعة مرجعيّتهم في أوطانهم، ودولتهم الوطنيّة هي إطارهم السياسي، وحكومة بلدهم هي مرجعيتهم السياسية، ولا إمرة سياسيّة عليهم من خارج أوطانهم ولا ينبغي لهم أن يقبلوها تحت أيّ عنوان. 6- إنّ اللبنانيين المسلمين الشيعة ليسوا حزباً أبداً، هم ليسوا حزباً مملوكاً من أحد وليسوا حزباً مسلّطاً على أحد ؛ توجد في داخلهم أحزاب ولكنها لا تختصرهم ولا تملكهم مهما بلغت قوّتها، وهم ليسوا جمهوراً بل جزء مندمج ومتكامل في مجتمع متنوع . كان الأمر دائماً هكذا قبل السيد موسى الصدر ومعه وبعده. لم يمتلك السيد موسى الصدر الطائفة ولا صادرها ولا اختصرها. وكذلك الأمر مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، كل منهما كان حريصاً على التنوّع السياسي داخل الطائفة وكان جزءاً منه. 7- إنّ مشروع الدولة العادلة كان دائماً مطلب الشيعة اللبنانيين : بناء الدولة العادلة لمواطنين أحرار مع اللبنانيين الآخرين. هذا المشروع عمل له السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين على مدار 30 عاماً، وحوربا واتُّهما وحوصرا وخوِّنا، وخطف الصدر وأوذي شمس الدين لإصرارهما على هذا المشروع، ولإصرارهما على حفظ لبنان متنوع وموحّد في آن معاً. 8- الفكرة المركزية للوطن أنّه لا يقوم إلا بالدولة، والفكرة المركزية للدولة أنها لا تقوم إلا بكونها، بالإضافة إلى مهامها الأخرى، المرجعية الثابتة والحصريّة للقتال وللدفاع ولاستعمال القوة المسلّحة (مشروعية استعمال العنف). وذلك كما الفكرة المركزيّة في الإسلام وجود إله واحد ووجود رسالة ودور (نبوّة) يؤدّيها نبي مكلّف من الإله الواحد، ويبقى مرتبطاً فيه ويتلقّى الإرشادات والتعاليم منه حصراً، ولا يخترع التشريعات، ولا يتصرّف بمفرده حتى لو كان نبيّاً. 9- لا توجد دولة في العالم فيها قوّة مسلّحة خارج إطار شرعيّتها ومنفلتة من القرار السياسي المركزي للدولة ؛ حتّى في إيران توجد قوة عسكرية نظاميّة هي الجيش الإيراني، وتوجد قوة عسكرية نظاميّة أخرى لا علاقة لها بالجيش هي حرس الثورة. إن حرس الثورة ليس منفلتاً من السلطة السياسية المركزية في إيران، وهو لا يستطيع ولا يجرؤ على القيام بأي عمل عسكري أو أمني بدون قرار أو موافقة السلطة السياسية. 10- اتفاق الطائف هو اتفاق الاختيار بين اللبنانيين ارتضوه نظاماً لهم ولدولتهم وهو قطعاُ ليس مقدّساً ومقفلاً، ولكنّه ليس ألعوبة وليس خاضعاً لموازين قوى متغيّرة، وهو ليس مصحفاً يرفع على رماح التحكيم عند الشعور بالضعف ويرمى جانباً عند الشعور بالقوّة. 11- إن الدولة اللبنانية مكوّنة على أساس اتفاق الطائف برضا واختيار اللبنانيين ودون إرغام، وهو النظام الذي ينتخبون من خلاله ممثليهم إلى مجلس النواب ومن خلاله الحكومة (الحاكم)، وبالتالي فإنّ الحكومة اللبنانيّة ليست حكومة غلبة بل حكومة اختيار. 12- إن من يريد أن يدخل لبنان ينبغي أن يدخله، على قاعدة الإسلام، من بابه الذي هو حكومته : أن تؤتى البيوت من أبوابها وليس من ظهورها ولا من نوافذها ولا من شقوقها، وإلا يكون آثماً ومخالفاً للشرع ولقواعد التعامل الدولي المقبولة، وبالتالي من يريد حاجة أو مصلحة من لبنان عليه أن يطلبها من جميع اللبنانيين عبر حكومتهم وليس من فئة خاصة أو جزئية منهم، ولا أن يأخذها من الحكومة بدون علم اللبنانيين، والحكومة ملزمة أن تعمل بطريقة شفافة وبناء على أنظمة وقوانين الدولة. 13- إن النظام اللبناني هو ديموقراطي جمهوري برلماني اختاره اللبنانيون غير مرغمين، والشعب هو مصدر السلطات ولا ولاية لأحد عليه. وحكومة لبنان، حتّى من ناحية فقهية، تمثّل الولاية السياسية على اللبنانيين. 14- إن ولاية الفقيه العامة - كنظام سياسي وصيغة حكم – ليست الصيغة التي اختارها اللبنانيون، وبالتالي هم ليسوا ملزمين بها ولا يخضعون لها أو لمفاعيلها ولا ينبغي إرغامهم عليها. إنّ حدود ولاية الفقيه كسلطة سياسية هي حدود إيران التي اختارها شعبها ،غير مرغم، نظاماً سياسياً له وصيغة حكم. 15- إنّ الدخول في الدولة اللبنانيّة لأي جهة لبنانيّة أو أي مواطن لبناني شرطه قبول صيغتها وصيغة الحكم فيها التي هي اتفاق الطائف ومن يرفض اتفاق الطائف ولا يعترف به لا يحق له الدخول في صيغة الحكم. 16- عندما نحصل على تأشيرة دخول إلى أي دولة أجنبية، الافتراض الضمني فيها أنّنا نوافق على الخضوع لأنظمة هذه الدولة واحترام قوانينها والتقيّد بقيودها وإلا سوف نُمنع من دخولها. حتى الدخول في حزب من الأحزاب يقتضي الخضوع لأنظمة وقوانين وإجراءات هذا الحزب. وكذلك عندما ندخل في صيغة الدولة ومؤسسة الحكم فيها، يعني القبول بدستورها وأنظمة عمل مؤسساتها الدستورية كافّة والعمل بموجبها والانصياع لها وليس التمرّد عليها. 17- إنّ الدولة عبر الحكومة ومجلس النواب والقضاء ملزمة تطبيق اتفاق الطائف الذي هو ملك الناس وليس ملك الأحزاب أو الرؤساء. 18- إن الدخول في إيّة اتفاقات جانبية داخل الحكومة لنفوذ أو حكم أوسلطة تتعارض مع صيغة الطائف وخارجة عليه، هو خداع للناس وتخريب للدولة. 19- إنّ التغيير أو التجديد والتطوير في صيغة الحكم أو في الحكومة يتم من داخل مؤسسات الدولة وباستعمال أدواتها القانونية ووسائلها وآلياتها، ولا يتم من خارجها وإلا يكون الأمر إرغاماً واستيلاء وبالتالي تخريباً لمنظومة الدولة. وهذا الأمر كحركة الاجتهاد عند المسلمين بما هو تطوير وتجديد في الفكر والفقه الإسلاميين : "فالاجتهاد هو حركة داخل الدليل" وليس خارجه، أي إن عمليّة التجديد والتطوير تتم من داخل المنظومة الدينية ومسلّماتها الشرعية ومنهجها وإلا تكون استنساباً خاصاً وشخصياً وإضعافاً للصيغة الشرعية. 20- أطروحة أن قوّة لبنان في ضعفه مرفوضة، كذلك أطروحة أن قوة المقاومة في ضعف الدولة مرفوضة. إن الدولة الضعيفة هي التي سمحت بالتفسّخ الداخلي والحرب الأهلية والتغلغل الإسرائيلي والاجتياح الإسرائيلي. 21- المقاومة حق للناس حين الاحتلال كما الحياة حق للمولود بعد الحياة. هي لا تنشأ بقرار أو بطلب من أحد، هي حركة الناس وحريتهم كمواطنين، وهي واجب وطني مُلزم للجميع وواجب ديني ملزم للبعض بشروطه الفقهية، وهي ليست أداة لغير المواطنين. 22- المقاومة لا تكون ضد شيء فقط، بل هي أصلاً تقوم دفاعاً عن شيء وهو الوطن وشعبه، وينبغي على العمل العسكري الدفاعي الحرص من أذية الناس في استقرارهم وأرزاقهم ودمائهم : هناك شروط فقهية لمشروعية أي عمل عسكري. 23- الجيش هو أداة الشعب والدولة في الدفاع هن الوطن، ووظيفته أن يقاتل وأن يُقتل دفاعاً عن حياة الناس، وليست وظيفة الناس أن يُقتلوا حفظاً للجيش بحجّة عجزه. 24- لا نستطيع أن نقبل فكرة أن اللبنانيين المسلمين الشيعة هم أكثر وطنية من غيرهم وبالتالي يجب أن يموتوا دون غيرهم وأكثر من غيرهم وقبل غيرهم دفاعاً عن لبنان. 25- المقاومة ليست حزباً والحزب ليس دولة، وتجريد المقاومة (كعمل دفاعي وليس كعمل حزبي) من سلاحها يقتضي تجريد الجيش من سلاحه، وكلاهما مرفوض. 26- المسألة ليست في أن الجيش قادر أو غير قادر، وهو قادر ؛ المسألة في أنه كافٍ أو غير كافٍ، وهو غير كافٍ، وبالتالي يجب أن يتوسّع مفهوم الدفاع عن لبنان ليشمل المقاومة الدفاعية الشعبية المندمجة في الدولة والمنضبطة في الجيش، وهكذا يصبح الجيش كمؤسسة نظامية قادراً، ويصبح كمنظومة دفاعية كافياً. 27- لا يفقأُ عينَ الفتنة إلا الناس. لا تحدث حرب أهلية في لبنان ولا فتنة مذهبية لأن الناس أحرص على حياتهم ومصالحهم من قادتهم وأحزابهم. 28- إن من يريد أن يبني شرق أوسط جديد فليشتر إحدى الجزر في أحد المحيطات المحاذية له، وليستورد بعض الصقالبة والفالاشا إليها وليصنع الشرق الأوسط الذي يريده هناك ؛ وإلا فليأتِ بجديد إلينا في سياسته الخارجية ونحن نضمن بناءً جديداً نرتضيه جميعاً. 29- إنّ تحصين لبنان في الداخل ومن الخارج هو تكليف الدولة الأوّل والأكبر، وهو واجب ملزم للدول العربية الكبيرة بشكل خاص التي يجب أن تحزم أمرها وأن تمتنع عن مجاملة بعض الجهات في الداخل والخارج، تلك المجاملات التي كلّفت لبنان والناس خسائر فادحة. 30- إنّ لبنان يحتاج فعلاً إلى دولة قوية وعادلة، وهو قطعاً يحتاج إلى رجال دولة.

مدخل الى علم نفس الدولة لدى اللبنانيين: حبيبتي الدولة


البروفسور انطوان مسّره ماذا تعني الدولة في إدراك اللبنانيين من منظار علم النفس؟ يسمح الغوص في الجذور الذهنية للفكر والسلوك في لبنان بالتشخيص والتحليل والمعالجة، بالمعنى الطبي، وعلى الأقل بالحد من استغلال البنيات الذهنية في التنافس والتعبئة النزاعية. تدور ابحاث ومناقشات ومطالبات دائمة من مختلف اللبنانيين الذين يُجمعون قولاً، وبالرغم من اختلافاتهم، على الحاجة الى بناء الدولة القوية. وتُجمِع السجالات بخاصة منذ 1975 على الاعتبار أن لبنان مجتمع لادولة او الدولة الضعيفة دون تعريف مفاهيم القوة والضعف لدى الدولة. -1- الدولة السلطوية في اللاوعي اللبناني الصورة في اللاوعي اللبناني عن الدولة هي الصورة السائدة في المنطقة حيث يطغى منطق القوة: منطق القوة الاسرائيلي الذي هو في اساس البناء الصهيوني تحت ستار رفع الظلم عن يهودية مضطهدة، ومنطق القوة في مجتمعات عربية لا تندرج في قمة سلم الديموقراطية حسب المعايير الدولية او هي في حالة تحول ديموقراطي. الدولة في طبيعتها الصرف هي قوة قمع حيث ان صفتها الاساسية احتكار القوة المنظمة. ما يجعل الدولة ديموقراطية خضوع قوتها الى القانون حيث القوة في خدمة العدل والمصلحة العامة. أما الدولة القوية بذاتها in se والتي ينتظرها الناس كشقة مفروشة مع مفاتيحها فهي دولة قمعية سلطوية او دولة استعمارية من صُنع الآخرين. النمط السلطوي للدولة هو الراسخ في علم النفس التاريخي لدى اللبنانيين حيث كانت الدولة تاريخياً جسماً غريباً مُحتلاً او مُستعمراً او مُنتدباً. الدولة في الادراك النفسي التاريخي لدى اللبنانيين ما زالت بابا عالياً خارجياً Sublime Porte. واستمرت الصورة الذهنية هذه بعد استقلال 1943 بخاصة بسبب الاستمرار في تعليم تاريخ لبنان بمنمطات استعمارية بالرغم من زوال الفترات الاستعمارية والانتدابية السابقة. الدولة في علم النفس اللبناني جسم خارجي غريب! تُعبّر عن ذلك حالات عديدة يومية في اقوال الناس. يُخبر الدكتور نواف كباره انه كان قادماً مناً طرابلس ووجد سائقاً يقود سيارته في اتجاه معاكس. قال له محذراً: انت مخالف! اجابه السائق: ليش في دولة! هذا القول للسائق هو مُعبّر عن علم نفس الدولة لدى اللبنانيين. ما علاقة الدولة بهذا اللبناني (ولا اقول مواطن) الذي يُخاطر بحياته في اتجاه معاكس على اوتوستراد والذي يعتبر ان كل الامور جائزة طالما ان الدولة بالنسبة اليه هي قمع؟ وتستمع احياناً الى موظف متقاعد في ادارة عامة عمل كمدير عام طوال اكثر من ثلاثين سنة ينتقد "الدولة" وكأنه هو غريب عن المؤسسات الرسمية وعن المؤسسة الرسمية بالذات التي كان مديراً عاماً لها ويتقاضى منها مالاً عاماً. او تستمع الى لبناني في قرية ينتقد الفساد في "الدولة" لان موظف بلديته يُمارس الغش في عيار المياه، ما يعني ان الدولة في تصوره ليست مجموعة مؤسسات، بل سلطة احادية قمعية عليا تُمارس الحكم على كل المستويات فلا مجلس نواب لمراقبة الحكم، ولا قضاء، ولا مجلس شورى، ولا تفتيش اداريا، ولا محافظين... -2- الضبابية في المضمون تكتنف الضبابية لبنانياً مفهوم الدولة. يظهر ذلك من خلال استعمال الناس لكلمة "دولة" في كل الشؤون دون استثناء. في حال خالف عامل في البلدية انظمة البلدية يُقال: "ما في دولة". وفي حال تعثرت معاملة في وزارة الاشغال ولم تأخذ طريقها الصحيح يقال: "وين الدولة؟" واذا كان مستوى التعليم في مدارس رسمية سيئاً يقال: "ما في دولة"... يدرس اللبنانيون في كليات حقوق (او بالأحرى كليات قانون) مبدأ فصل السلطات. لكنه لم يتأصل في الادراك اللبناني ان الدولة الديموقراطية متمايزة الوظائف والسلطات، لذلك يستعمل اللبنانيون، بخاصة في برامج متلفزة، لكل شاردة وواردة كلمة "دولة" التي يتذمرون من غيابها. يقضي المنطق حصر استعمال عبارة دولة في الشؤون المسماة ملكية droits régaliens اي في اربع حالات: 1. عند اللجوء الى القوة المنظمة من قبل الجيش، الامن، القضاء. 2. عند فرض الضرائب: للدولة وحدها الصلاحية في فرض الضرائب وجبايتها. 3. في العلاقات الدبلوماسية بين الدول. 4. في بناء السياسات العامة. في كل الحالات الاخرى يقتضي ذكر المسؤول وتحديده: مجلس النواب، الحكومة، وزارة الاشغال العامة او غيرها، الامن الداخلي، موظف البلدية... لكن غالباً لا يريد اللبناني الدخول في نزاع مع اعضاء مجلس بلديته الذين يعرفهم، ولا مع النائب الفلاني، ولا مع الوزير الفلاني الذي يعرفه... فيلقي التهم بالجملة ضد "الدولة" كجسم خارجي واحادي السلطة! ويتم تنظيم برامج حول الشفافية والمساءلة والمحاسبة... دون التطرق الى الجذور النفسية لدى اللبنانيين لمفهوم "الدولة" المتمايزة الوظائف وبالتالي المتمايزة في المسؤوليات. -3- الهروب من الالتزام في الدولة الديموقراطية كيف التوفيق بين الادراك النفسي اللبناني للدولة السلطوية الاحادية القوية بذاتها in se التي ينتظرها اللبنانيون دفاعاً عن سيادتهم ونوعية حياتهم اليومية ومستقبلهم، وبين تمسك اللبنانيين الغريزي بالحريات؟ بدلاً من التطرق الى اشكالية الدولة الديموقراطية، التي هي قوية ليس بذاتها بل بشرعيتها légitimité، اي بدعم المواطنين لها ومساندتهم، يلجأ باحثون ومُفكّرون واعلاميون في لبنان الى مختلف اشكال الهروب من خلال ابحاث تجريدية او قانونية شكلية. تتطلب الدولة الديموقراطية ثقة بالقدرة المواطنية citizen power ومُشاركة ومُحاسبة ودعماً من لبنانيين مُواطنين. الدولة الديموقراطية هي عربة بدولابين: الاول دولاب السلطة المركزية، والثاني دولاب المجتمع. لا تسير العربة الديموقراطية الا بهذين الدولابين. أضيفت على بُحوث ومُناقشات حول الدولة في لبنان صفتا الدولة القادرة والعادلة. لكن كيف تكون الدولة قادرة وعادلة في آن واحد؟ تُدخِل هاتان الصفتان شيئاً من اوتوبيا المدينة الفاضلة والمستبد العادل despote éclairé. تُظهر التجربة اللبنانية بالذات، بخاصة في العهود التي يعتبرها اللبنانيون في غالبيتهم مراحل تأسيسية، بخاصة عهد الرئيس فؤاد شهاب، ان الدولة التي تسعى الى القوة العادلة تواجه، بالرغم من كل ارادتها، عوائق عديدة من "اكلة جبنة" ومن "ذهنيات سائدة". هذا ما يقوله فؤاد شهاب في بيانه الشهير في 14 / 8/ 1970. وفي خضم الحروب المتعددة الجنسية في لبنان توجه الرئيس الياس سركيس الى اللبنانيين بالقول: "انا منكم انا لكم انا معكم." ولم يتلق جواباً! يُعاني اللبناني في علم النفس العيادي من انفصام في الشخصية، اذ يُطالب من جهة بدولة قوية هي بطبيعتها سلطوية وهو ايضاً متمسك من جهة اخرى غريزياً بالحريات لدرجة الفوضى. يعبّر بيار صادق عن هذا الانفصام في كاريكاتور ورد فيه: "مش معقول هـ البلد... لا بيطيق احتلال... ولا يحافظ على استقلال!" (النهار"، 12/8/2006) الدولة الديموقراطية متمايزة الوظائف. في حال رفضت وزارة الاشغال معاملة احد المواطنين، بإمكان الاخير ان يُقدّم دعوى امام مجلس الشورى الذي هو ايضاً جزء من الدولة. وبإمكان المواطن رفع شكوى على المدرسة الرسمية امام التفتيش التربوي الذي هو ايضاً جزء من الدولة. في ذهن اللبناني صورة الدولة كما هي في المنطقة وفي ذاكرته الاستعمارية والانتدابية والاحتلالية السابقة، اي دولة سلطوية تفرض ما تريده بالقوة. الدولة الديموقراطية قوية بشرعيتها اي بقبول الناس بها، وهذا عنصر "ضعف" بالنسبة للسلطويين! كلما زاد دعم الناس للدولة كلما ازدادت قوتها. كيف تكون الدولة قوية بشرعيتها؟ انا ايضاً الدولة، كما ان المدير العام والموظف في اية ادارة رسمية هم الدولة، ليس على طريقة لويس الرابع عشر، بل لاني مواطن واقترع واحمل جزءاً من سلطة الدولة. لم يحصل بعد الاستقلال سنة 1943 عمل تربوي ثقافي يساهم في ادخال دولة الاستقلال في عقول الناس فيدركون ان الدولة هي دولتهم. ونتبين الضبابية في مفهوم الدولة كلما يُطرح موضوع المجتمع المدني، فيسارع احدهم بالقول، مدعياً الفهم والبصيرة: "المجتمع المدني ليس بديلاً من الدولة!" من يتكلم عن بديل؟ لا احد بديل من احد في المجال الديموقراطي حيث تتعدد الوظائف وتتمايز وتنتظم. لا العين بديل من المعدة ولا الاذن بديل من اليد! ما هذا الادراك لاحادية الدولة وللمجتمع المدني ايضاً؟! كتب الشاعر محمد العبدالله اواخر 1989 كتاباً قد يكون الجواب في هذا المجال بعنوان: "حبيبتي الدولة". نحن من يجعل الدولة الديموقراطية قوية بدعمنا لها. يحتاج ذلك لعمل كبير على مستوى الدولة طبعاً وعلى مستوى المجتمع. تعاني الدولة في لبنان من مشكلة نابعة من ذاتها وجوارها وايضاً من مشكلة نفسية مع الناس. ان الجدل اللبناني حول السيادة خلال اتفاق القاهرة سنة 1969 هو الاكثر تعبيراً عن ادراك مختلف الفئات للدولة. جرى الجدل في السيادة وكأنها مجرد ديكور اضافي للدولة، لا عنصر ملازم للدولة التي تمتلك القوة المنظمة. والخطاب السياسي في مسألة الجيش هو مؤشر آخر لمفهوم الدولة في البنيات الذهنية. انحصرت الدراسة غالباً على نواحي دستورية شكلية بينما البحث متعدد الاختصاص والبعد. -4- لمن نوجه الاتهام بالضعف؟ هل يجوز، انطلاقاً من تحليل واقعي للتجربة اللبنانية، تضخيم مسؤولية الدولة اللبنانية في وضع اقليمي ودولي مُتفجر؟ ان قيام اسرائيل سنة 1948 زلزل المنطقة ولا يزال. اقولها لنرحم انفسنا قليلاً. صمد لبنان لغاية 1975 وبعدها. هذه حقيقة علينا الا نتجاهلها. ان المظهر السلطوي لطبيعة الدولة في المنطقة لا يشكل نموذجاً يُقتدى به في المجتمع. البديل الايجابي من الميليشيات والدويلات هو الدولة القوية العادلة التي لا تكون قوية اذا لم تستمد قوتها من الشعب وهي لا تكون عادلة اذا لم تتمكن من الوصول الى عقول الناس وقلوبهم. في لبنان استراتيجيتان متنازعتان: استراتيجية قوى طوائف ومنتحلي صفة تمثيلها، مع ما تحتويه من هواجس الامن الذاتي والامن بالتراضي وتكوين دويلات احتياطية في حال نشوب نزاع، واستراتيجية الدولة. لا يوجد في لبنان اقليات مقهورة من السلطة المركزية، بل بالاحرى اقليات قاهرة وحتى عاهرة في تعاملها مع الدولة ومع بعضها البعض. الدولة هي ضمان لوجود الطوائف. يظهر من السلوك السياسي ان الدولة بالنسبة الى ممثلي قوى تقليدية هي دولة اقحوانية تنتشل كل فئة ورقة منها دون الاهتمام بالزهرة ككل. تحصل الانتفاضات او الثورات او "المؤامرات"... في بعض الدول العربية اليوم في دول قوية وقوية جداً بذاتها (ولذاتها). يستتبع ذلك انهيار بنيان ضخم قائم على الخوف والتخويف. انه اثبات ان الدولة الديمقراطية قوية بشرعيتها اي قبول الناس بها. ولا نستثني الكيان الصهيوني الذي يعتمد على القوة والقوة فقط وهو تالياً مهدد بالانهيار اذا استمر في تجاهل مدى شرعيته داخل اسرائيل وبالنسبة الى الشعب الفلسطيني. ودولة الاتحاد السوفياتي ايضاً كانت قوية وقوية جداً ونووية طوال سبعين سنة وانهارت بسبب قوتها بذاتها (ولذاتها) دون شرعية شعبية. كل تهمة يوجهها لبنانيون الى الدولة اللبنانية حول ضعفها هو مشوب بالريبة. الدولة اللبنانية ضعيفة بسبب بنيات ذهنية مرضية وغالباً بسبب تقاعس زعامات سياسية وطائفية في الانخراط في الدولة الديموقراطية القوية بشرعيتها الاجتماعية. ما العمل في سبيل معالجة (بالمعنى الطبي) الحالة النفسية المرضية في الذهنية اللبنانية للعلاقة مع الدولة؟ انه موضوع يتعلق، من جهة السلطة المركزية، بالاعلام الاداري العام، ومن جهة المجتمع بمسارات في الثقافة المدنية والذاكرة الجماعية. وردت الأسس الكبرى في عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958 – 1964)، وفي برامج وزارة الدولة لشؤون التنمية الادارية بقيادة الوزير فؤاد السعد (2000-2004)، وفي برامج التأهيل المُتعثرة في المعهد الوطني للادارة (2004-2008)، وفي خطة النهوض التربوي في المركز التربوي للبحوث والانماء بقيادة البروفسور منير ابو عسلي (1997-2004)، شرط متابعتها في روحيتها. يقول احد المُناضلين التونسيين: "في الماضي كنت اتصرف مع البوليس بصفته جهازاً حامياً لسلطة طبقة حاكمة، اما اليوم فالبوليس هو بوليسنا نحن وهو يحتاج الى دعمنا لاعادة بنائه". ربما كثير من الدول القوية بذاتها في المنطقة مهددة بالانهيار. اما الدولة اللبنانية الضعيفة والمُستضعفة فهي ربما الاقوى في صمودها واستمراريتها. وستكون اكثر قوة عندما تدعمها القوى السياسية الكبرى والمواطنون... فلا ينتظرون!

الدكتور طارق متري : العولمة والصحوة الدينية


تتقارب الدول وتتشارك. ومن خلال هذا تقدم بعضًا من التنازلات طوعًا أو كرهًا, ويبقى مفهوم سيادة الدولة هو السؤال الرئيسي الذي يطرح في عالمنا المعاصر. أكثر من أي وقت مضى, تسمح لنا إمكانات السفر الفعليّة, أي ركوب الطائرة والباخرة والقطار, وإمكانات السفر الرمزيّة من خلال وسائل الاتصال الحديثة, أن نستحضر العالم كله في حياتنا اليومية. كما نلاحظ أن العالم اليوم يعرف توحيدًا في السوق الماليّة, فلم تعد الأسواق الماليّة منفصلة الواحدة عن الأخرى. التجارة الدوليّة تنمو بوتيرة أسرع بكثير من الإنتاج, ونسبة نموّها أعلى من نسبة نموّ الاقتصاد. واللافت على هذا الصعيد أن الاقتصاد الرمزي الذي لاعلاقة له مباشرة بالإنتاج الفعلي, يلعب أحيانًا دورًا أكبر بكثير من دور الاقتصاد الفعلي في تحديد السياسات الاقتصادية والأوضاع الاقتصادية والمعيشية للناس. تنتج العولمة بشكل رئيسي عن تفاعلات عدة متزامنة ومتبادلة التأثير: أوّلها الثورة في المعلومات, وثانيها حيوية الشركات الكبيرة, وثالثها النزعة القوية في الولايات المتحدة لكي تكون القوة العظمى الوحيدة والمهيمنة. الواقع أنه باستطاعة أي دولة عظمى أن تكون مهيمنة في أجزاء ما من العالم, ولكن الولايات المتحدة تحاول وتنجح بقدر كبير حتى الآن أن تكون القوّة العظمى الوحيدة المهيمنة في أكثر بقاع العالم وليس فقط في أجزاء معيّنة منه. هي تهيمن في أماكن لم يكن لها سابقًا دور وتأثير مباشر فيها. في المجال الثقافي نلاحظ عملية توحيد ثقافي للعالم تتم بواسطة أنظمة المعلومات ووسائل الإعلام, وكذلك بواسطة السلع التي تسهم في إحداث أنماط استهلاكية هي جزء من الثقافة السائدة والمتجانسة في عالم اليوم. فعلى سبيل المثال, يقول رئيس شركة (جيليت): (لم تعد غريبة البلدان التي كانت تعتبر غريبة), أي أن الأمريكي الذي يذهب إلى أي بلد في العالم, أو رجل الأعمال الذي يتنقل بين فنادقها, بات يعتبر أنّ هذه الدول ليست دولاً غريبة, لأنه يتناول فيها الطعام الذي يأكله في بلده, ويشاهد التلفزيون الذي يتابعه في بلده ويسمع الموسيقى التي يسمعها في بلده, ويطلع على بريده الشخصي الذي كان يصله في بلده... إلخ. هناك عملية توحيد ثقافيّة للعالم تبدو في بعض الأحيان قسريّة, يختبرها الناس كعملية مفروضة عليهم, وأحيانًا تتم عملية التوحيد هذه بهدوء من دون أن يعي الناس أنهم صاروا متجانسين مع من ينتمون في الأصل إلى ثقافة أخرى. الكثير من الشبّان يسافرون ظنّا منهم أنهم سيتعرفون على بلاد بعيدة حيث يختلف الناس عنهم, ولكنّهم يفاجأون أن شبّان تلك البلاد لا يختلفون عنهم, فهم يلبسون مثلهم, ويتكلمون مثلهم, ويسمعون الموسيقى نفسها المألوفة لديهم. إذن, هناك عملية توحيد ثقافي كبيرة, لكن في الوقت الذي تفرض فيه عمليّة التوحيد الثقافي هذه, تقوى عند المجتمعات وعند الأفراد أيضًا الرغبة في التمايز, لأن الناس مفطورون على أن يكونوا متنوعين. فكلما ازداد ضغط التوحيد والتجانس وازداد فرضهما قوّة ازدادت الرغبة في التمايز, وهذه إحدى مفارقات العولمة الثقافية وبقدر ما يشبه أحدنا الآخر, يريد أن يظهر فرادته فيبحث أحيانًا عن فروقات صغيرة تميزه. تأكيد الهوية ثمة حاجة لتوحيد الهويّة الخاصة, فردية كانت أم اجتماعية, في عالم يبدو لنا أكثر تجانسًا. يتحدث فرويد, العالم النفسيّ الشهير, عما يسمّيه في سياق آخر (نرجسيّة الفروقات الصغيرة), أي أنّ يكون المرء متمسّكا بفرق صغير يميّزه عن سواه. هناك من يثير في هذا السياق, أي في سياق المستوى الثقافي للعولمة, مسألة مهمة هي مسألة حريّة الأفراد وحريّة الجماعات. فالبعض يعتبر أنّ العولمة الثقافية تساعد الأفراد أن يحققوا قدرًا من الحرية في علاقتهم بجماعات الانتماء التقليدية. وكثيرًا ما نسمع في معرض الموقف المحبذ من العولمة أنها تساهم في ممارسة الحريّة عند الأفراد, فيستطيع الجالس في غرفته والقادر على أن يستحضر المعلومات من كلّ العالم بواسطة الإنترنت, أن يصبح أكثر حرية من الجماعة أو الطائفة التي ينتمي إليها. إذن, هو يستعين بالعالم لكي ينتزع حريته من جماعة الانتماء المحلي التي تقيّد حريته. من ناحية أخرى, لاشك أنه يوجد تزامن, قرينة زمنيّة كما يسمّيها الأقدمون, بين ظاهرة تدعى عند الكثيرين ظاهرة عودة الدين أو الصحوة الدينية والعولمة. ذلك أنّ العولمة التي تحدثنا عنها تسارعت في آخر السبعينيات وبداية الثمانينيات, بعد النجاحات الأولى للسياسة الريغانية, التي تواكبت مع حقبة ما بعد هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام. فانصرف الأمريكيون, بعد هزيمتهم تلك, إلى إعادة بناء قوتهم على أسس جديدة, وازدهر الاقتصاد الأمريكي, تاليًا, وصارت الشركات الأمريكية أكثر حيويّة فاستطاعت اقتحام الحواجز من كل نوع. كما سجّلت في الحقبة ذاتها قفزة نوعية في مجال أنظمة المعلومات. وبالتزامن مع ذلك كله, شهد العالم ما يسمّى عودة الدين. وإن كنّا نقول إنّ الدين لم يغب حتى يعود, فإن البعض من علماء السياسة والاجتماع يتحدثون عن عودة الأديان. بعبارة أخرى, يتحدث هؤلاء عن حيوية عدد الأديان مستجدة, وكذلك عن حضور للدين في الحياة العامة لم يكن له سابق في عقود ما قبل آخر السبعينيات. لقد ساد الاعتقاد, حتى منتصف السبعينيات, بأن تأثير الأديان هو إلى انحسار في حياة الناس, وبخاصة في الحياة العامة, أي في ميادين السياسة والاقتصاد. كما ساد الاعتقاد بأن المجتمعات تتعلم, بمعنى أنها تحقق قدرًا أكبر من الاستقلال عن المؤسسات والرموز الدينية, وأنّ عمليّة التعلم عمليّة تاريخية لارجوع عنها وأنّ هناك مجتمعات متقدمة, بمعنى أنها حققت قدرًا أكبر من استقلال المجتمع عن القيم والرموز والمؤسسات الدينية, ومجتمعات متأخرة لم تحقق هذا القدر من الاستقلال, وأن هذه المسألة, مسألة التقدم والتأخر مسألة وقت, أي أن المتقدم يدعو المتأخر إلى الاستعجال وأنه لا مفرّ من أن تتعلم كل المجتمعات بفعل التصنيع والتحديث. خصوصية التدين لقد قيل أيضًا إن الدين سوف يُحجر عليه في حياة الأفراد الخاصة, أي أن الناس إذا ما بقيت متدينة, فإنها ستمارس تديّنها في بيوتها, في غرف نومها. هذا ما كان شائعًا في منتصف السبعينيات عند كلّ الناس, حتى عند المتدينين الذين كان لديهم الشعور بأنهم يخوضون معركة للحفاظ على الهوية الدينية وعلى دور الدين في الحياة العامة أمام سيل جارف يقود مجتمعاتهم نحو علمنة تخرج الدين من دائرة الحياة العامة. إلا أن هذا تغيّر في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات, وأدرك الكثيرون أن المسألة ليست محسومة على الشكل الذي تصوّروه سابقًا, واتضح أن الدين يلعب أدوارًا في الحياة العامة أكثر تأثيرًا من السابق. وليس انتصار الثورة الإيرانية المثل الوحيد الذي نستطيع تقديمه للتأكيد على قدرة الدين أن يلعب دورًا كبيرًا في الحياة العامة, بل ثمة أيضًا ظواهر أخرى أقلّ أهميّة ربما, لم تحدث انقلابًا جذريًا كما أحدثت الثورة الإيرانية, ولكنها كانت ظواهر مؤثرة وفاعلة كما في الدول الشيوعية التي حصلت فيها تغييرات كبيرة على مستوى دور الدين. وقد اختلف مدى تأثير الدين في الحياة العامة باختلاف البلدان, ففي بولونيا لعب دورًا أكبر من الدور الذي لعبه في تشيكوسلوفاكيا, وكذلك الأمر بالنسبة إلى روسيا بالقياس إلى بلغاريا. كما لعبت عودة الدين دورًا في خلخلة النظام الاجتماعي السياسيّ القديم, وإن لم يصل إلى حجم الدور الكبير الذي لعبته الثورة الإيرانية في إقامة النظام الاجتماعي السياسي الجديد. إلا أنه على الأقل, استطاعت تلك الأديان تقويض النظام القديم وإسقاطه. تنامت, إذن, في أواخر السبعينيات, ومطلع الثمانينيات قوة الأديان في الحياة العامة. إنه لجلي أن ظاهرتي عودة الدين والعولمة قد تزامنتا, ولم يمض على عمرهما غير عقدين. هل هناك تأثير متبادل بين العولمة والصحوة الدينية? هل الصحوة الدينية في وجه من وجوهها هي أحد مظاهر العولمة أو مقاومة العولمة? أم أن التزامن هو مجرد صدفة? أي أن هناك أسبابًا أدت إلى نشوء ظاهرة العولمة, وأسبابًا من نوع آخر أدت إلى الصحوة الدينية, وشاءت الظروف وحدها أن تتزامن الظاهرتان? ثمة تأثير لظاهرة العولمة, كما وصفناها وصفًا أوليًا, على وضع الدين, أو على (الحالة الدينية). هناك مجالات عدة نستطيع أن ندرس فيها هذا التأثير, إلا أن مجالين منهما يستحقان الاهتمام بصورة خاصة. المجال الأول هو الظواهر الدينية الجديدة, التي تنمو نتيجة العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية. فالصحوة الدينية في الولايات المتحدة لم تزدهر إلا بنمو ثورة الاتصالات. وثمة ظواهر دينية لم تنتشر إلا بسبب الاستهلاك الموحد في العالم, لا بل هناك عدد من علماء الاجتماع الذين يقولون إن بعض الحركات الدينية, في الغرب بخاصة, يتعامل معها الناس وفق النمط ذاته, الذي يتعاملون من خلاله مع السلع الاستهلاكية. حتى أن بعض علماء الاجتماع شبّه هذه الأديان الجديدة بمخزن تجاري كبير, يختار المرء منه السلع التي تناسبه, ويبدّلها في كل مرة تستهويه سلعة أخرى. صحيح أن هذه الظاهرة تبرز في الولايات المتحدة, لكنها موجودة في كل مكان, فالناس يغيرون من أديانهم بسرعة لأن سوق الدين يوفر اختيارات كثيرة. غير أن هناك أيضا التعامل مع الأديان, ليس بوصفها نظامًا كليًا متماسكًا, بل بوصفها قطعًا أو أجزاء قابلة للترتيب والتلفيق بحسب رغبة المرء, الذي يختار عناصر مختلفة من أديان عدة ليكوّن دينه الخاص. هذا النمط يقوم به بعض الأفراد في العالم المعاصر, وبعض الجماعات الدينية تتكون وفق منطقه, أي وفق منطق التلفيق والتوليف. المقياس, عندئذ, لا يصبح الأمانة للدين الموحي به والموروث, وهو مقياس أهل الإيمان الذين ينتمون إلى أديان تاريخية. المقياس الذي يغلب هنا هو قدرة دين معين أو أجزاء من دين معيّن على تلبية حاجات الأفراد أو الجماعات الصغيرة. فيكون المقياس, أحيانًا الصحة النفسية أو الجسدية للمتدين. لاشك بأن هناك علاقة وثيقة بين هذه الظاهرة وبين العولمة, وبازدياد العولمة وانتشارها تزداد هذه الظواهر اتساعًا, وهي تخضع من حيث أراد أصحابها أم لم يريدوا إلى منطق السوق الاستهلاكية نفسه الذي يشهده العالم المعاصر. بعيدًا عن الساحات التقليدية المجال الثاني هو انتشار الأديان في كل مكان. ذلك أن الأديان في العقدين الأخيرين بخاصة, انتشرت بسرعة كبيرة خارج معاقلها التاريخية, والأمثلة التفصيلية تشهد لحجم التغيير الذي شهدته الخارطة الدينية في العالم. لقد كانت واضحة فيما مضى الحدود بين المعاقل التاريخية للأديان الكبيرة, فكان يقال: مثلا هذا هو العالم الإسلامي أو المسيحي أو الهندوسي. ففي جنيف مثلاً, مدينة (كالفينوس) أحد زعماء الإصلاح البروتستانتي, صارت أكثرية سكانها كاثوليكية. وقد أنشئ على بعد مائة كيلومتر من جنيف أكبر دير بوذي, والجدير بالذكر أن أكبر دير في سويسرا هو دير بوذي وليس كاثوليكيا. إنه لمن الواضح أن ثمة علاقة بين هذا التسارع في العشرين سنة الأخيرة وبين العولمة. هناك مصطلح لا أحب أن أستخدمه لأنه مستل من التاريخ اليهودي, ولكنه صار يستخدم من قبل الكل, وبخاصة في الأوساط الأوربية, وهو مصطلح الشتات, هذا يعني أن عددًا كبيرًا من المسلمين يحيون خارج الحدود المنظورة للأمة الإسلامية أو لدار الإسلام, وأن ثمة مسيحيين يحيون خارج المعاقل المسيحية, وهندوسيين موجودين خارج الهند, وبوذيين موجودين خارج الأراضي التاريخية للبوذية, هؤلاء جميعًا أصبح عندهم دور كبير في حياة جماعاتهم, ولم يعودوا منقطعين عنها كما في الماضي, أو منقطعين عن إمكانية التأثير فيها. لقد كبر دور الشتات, ونشأ تنظيم للأديان يراعي هذا الوضع. كما راجت أيضًا فكرة الشبكة, بحيث غدت شبكة العلاقات أهم من فكرة المعقل, وأضحى تجمّع المسيحيين أو المسلمين في مكان على أرض واحدة أقل أهمية من السابق. ثمة مستويان للنظر إلى العولمة, المستوى التحليلي الذي يعلق الأحكام القيمية, أي أن نحاول فهم ما يحدث في العالم المعاصر بمعزل عن إذا كنا مسرورين بالعولمة أو مستائين منها, أو إذا كانت تخدم مصالحنا أو تلحق بنا الضرر. لذلك ينبغي أن ندرس هذه الظاهرة لنرى إلى أيّ حد لا يمكن الرجوع عنها. إن التقدم, مثلا, في مجال أنظمة المعلومات لا رجوع عنه. كما أن بعض جوانب من ظاهرة العولمة هو قابل للجدل. ثم في مرحلة ثانية بعد أن نكون قد ميّزنا بين اللارجوع عنه وسواه نفكر بعضنا مع بعض بشكل قيميّ أكثر في مسألة العولمة كمتديّنين. وهنا يستوقفنا بشكل خاص موقف ديني, ليس فقط عند المسلمين كما يعتقد البعض, بل أيضًا عند المسيحيين وعند الآخرين, يعتبر أن العولمة الثقافية تطمس الخصوصيات الثقافية والهويات الدينية. إذن, يحدد هذا التيار الهوية الدينية بصيغة مقاومة للعولمة الثقافية. علينا أن ننتظر مقاومة العولمة الثقافية باسم الانتماء الديني, باسم الرسوخ في الأصالة الدينية, باسم الحفاظ على الهوية الدينية, ونرى حدود نجاح هذه المقاومة وحدود فرصها والمشاكل التي تثيرها, أنا أعتقد أن هذه مسألة تستحق البحث. المسألة الأخيرة التي تستحق البحث - باعتقادي - هي: هل من نقد أخلاقي للعولمة? النقد السياسي للعولمة سهل, إذ نستطيع أن نقدم نقدًا سياسيًا, وأن نقدم نقدًا لثقافة التوحيد القسري باسم الخصوصية, غير أن النقد الأخلاقي الديني المصدر يستحق أن نقف عنده. ثمة نقاش صعب, لا يخلو من الحدة أحيانًا حول هذه النقطة بالذات. فهناك من يقول إن العولمة خير وبركة, وإنها تلغي الحواجز بين البشر وتعزّز فكرة المساواة وحرية الأفراد, وتفتح الأبواب أمام حقوق الإنسان. وهناك من يقول إن العولمة شكل من أشكال الهيمنة, وهي تستغلّ الناس فيزداد الفقراء فقرًا والأثرياء ثراء. كما هناك فئة تقول إن في الرأيين بعض الصحة, ولعلها مصيبة..

سلامة كيلة: روسيا إمبريالية


يبدو أن هناك من مازال يعتقد بأن روسيا مازالت هي الاتحاد السوفياتي، وأن سياستها مبنية انطلاقاً من كونها نظاما اشتراكيا. وهناك من يسميها دولة بازغة رغم أنها تطورت منذ زمن طويل، وأصبحت دولة صناعية حديثة في ظل الاشتراكية. كلا الموقفين ينطلق مما هو سياسي، أي من طبيعة التوضعات الدولية، فيحاول رفض تسمية إمبريالية وإعطاء اسم بازغة كون روسيا تظهر في "صدام" مع "الثالوث الإمبريالي" (حسب تسمية سمير أمين)، رغم أن "صدامها" هو في الغالب مع أميركا، أو أنها تحاول منافسة أميركا في السياسات العالمية. ليبدو أن العالم ينقسم من جديد بين أميركا والرأسمالية القديمة من جهة، وروسيا/ الصين وبعض البلدان "البازغة" (حسب تسمية سمير أمين) من جهة أخرى. لكن ما هي طبيعة هذا الانقسام؟ هل هو ذاته الانقسام القديم بين البلدان الإمبريالية والبلدان الاشتراكية؟ لاشك في أن تصدّر روسيا كطرف "مضاد" لأميركا يعطي هذا الإيحاء، لكن فقط حين النظر الشكلي والعابر. وحين اعتبار أميركا والرأسمالية القديمة هي الإمبريالية دون ملاحظة إمكانية نشوء إمبرياليات جديدة. والانطلاق من تكريس هذه "البديهية" كمطلق لا يمكن تجاوزه. وهل الصراع بين هذه الإمبريالية والدول البازغة هو صراع ضد الإمبريالية أو أنه صراع بين رأسماليات يريد كل منها تكريس سيطرته وحصد الأسواق والهيمنة؟ أولاً يجري تناسي بأن الرأسمالية في تكوينها "الأصلي" هي إمبريالية، حيث أنها حال تسيطر قومياً تنزع مباشرة إلى التوسع العالمي، فليس من الممكن أن تتطور الصناعة وتستقر دون أن تحظى بأسواق كبيرة، وليس من الممكن للرأسمال أن يظل منحصراً في السوق القومي. لهذا سيكون كل صراع بين "رأسمالية ناشئة" (أو بازغة) وأخرى قديمة هو صراع بين إمبرياليات لإعادة تقاسم الأسواق، وإعادة ترتيب السيطرة العالمية. ليس من رأسمالية ليست إمبريالية، هذه مسألة يجب أن تكون واضحة، حيث حالما تبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الرأسمالية إمبريالية بالضرورة. فقد تشكل الرأسمال المالي، وأصبح تصدير الرأسمال سمة أساسية فيه، وتشكلت الاحتكارات، وبالتالي أصبح تقاسم العالم هو أساس الصراع بين الرأسماليات. وإذا كان نشوء الاشتراكية، وهزيمة الرأسمالية الألمانية الإيطالية اليابانية، قد فرض تشكل رأسمالية "موحدة" في مواجهة الاشتراكية، ليتأسس التناقض بين الإمبريالية والاشتراكية، فقد أدى انهيار الاشتراكية، وتحوّل كل من روسيا والصين إلى الرأسمالية، إلى إعادة تأسيس عالم منقسم بين رأسماليات بعد أن حاولت الإمبريالية الأميركية فرض سيطرة أحادية على العالم. روسيا تحوّلت من الاشتراكية إلى الرأسمالية في العقد الأخير من القرن العشرين. وإذا كانت الإمبريالية الأميركية قد عملت على تهميشها، وتحويلها إلى "رأسمالية عالمثالثية"، أي رأسمالية تابعة، وعمل يلتسين على أن تصبح رأسمالية ريعية تعتمد على تصدير النفط، فقد فرض تطورها الصناعي والعلمي الذي تحقق خلال المرحلة الاشتراكية أن تصبح رأسمالية مثل الرأسمالية القديمة (أي رأسمالية صناعية). لهذا تسعى روسيا إلى أن تجد أسواقاً لصناعاتها (والعسكرية خصوصاً)، وأن توجد مناطق نفوذ وسيطرة. لقد أعيد تشكيل الاقتصاد الروسي في مرحلة بوتين على أساس رأسمالي حديث، وباتت معنية بـ "التوسع" العالمي لكي يتسق تطورها بدل أن تنهار رأسماليتها نتيجة ضيق السوق. لكن يجب التنبه إلى أن هذا التشكل الرأسمالي تحقق في إطار التشابك مع النمط الرأسمالي ككل، فهذا أمر لم يعد ممكناً تجاوزه في التكوين الإمبريالي العالمي، لكن وانطلاقاً منه يجري الصراع من أجل فرض عالم جديد يقوم على تقاسم "منصف" للرأسمالية الروسية. وهذا ما يجري الآن بعد تراجع وضع أميركا بعد الأزمة العميقة التي بدأت سنة 2008، وبالتالي مع انفتاح أفق إعادة صياغة جديدة للعالم لا تقوم على سيطرة أحادية لأميركا. روسيا منذ انهيار الاشتراكية انحكمت لفئات مافياوية تنزع لفرض النمط الرأسمالي، ولقد باعت "القطاع العام" بأبخس الأثمان لكي تتشكل رأسمالية مافياوية جديدة "من عدم". ومن ثم مالت هذه الرأسمالية لإعادة صياغة الاقتصاد عبر الدولة التي فرضت إيقاع التطور الرأسمالي الصناعي. وكانت تشعر بالحصار الأميركي لتوسعها العالمي، وبمحاولة منعها من الوصول إلى الأسواق العالمية رغم الليبرالية المفرطة التي فرضتها على روسيا وكل البلدان التي كانت اشتراكية أو "تحررية". لهذا كانت أزمة سنة 2008 التي وقعت بها الرأسمالية (والنمط الرأسمالي ككل)، خصوصاً أميركا التي كانت هي القوة المهيمنة في النمط الرأسمالي، هي المدخل لمحاولة فرض دورها العالمي، وفرض مصالحها على الإمبرياليات الأخرى. ومن ثم إعادة صياغة العالم على أساس جديد، يقوم على تقاسم جديد، وربما يفرض تشكّل عالم متعدد الأقطاب، أو عالم منقسم إلى قطبين. والصين تسير في هذا المسار. فالسلع الصينية غزت العالم في عملية نهب كبيرة جعلتها تمتلك أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي هنا تمارس شكلاً "ميركنتلياً" عبر التجارة، لكنها تعمل من خلال التراكم الرأسمالي المتحقق على شراء الصناعات والشركات في كل بقاع العالم الرأسمالي، وتتحكم بالدولار عبر شراء سندات الخزينة الأميركية. وتتطور عسكرياً، كما تعمل على السيطرة على مناطق في آسيا وأفريقيا. وهي تتشكل رأسمالياً، بالتالي تعمل على فرض سيطرتها ونفوذها في العالم لكي تضمن تصريف بضائعها، والحصول على النفط والمواد الأولية. هذه ليست دولاً "بازغة"، وليست بلداناً "تحررية" أو "معادية للإمبريالية"، بل هي بلدان إمبريالية تحاول المنافسة من أجل فرض سيطرتها الإمبريالية. وهي لكي تكتمل رأسماليتها يجب أن تصبح إمبريالية، أي أن تسعى إلى السيطرة والنهب والاستحواذ على الأسواق. بالتالي، ليس علينا أن ننتظر إلى أن تتمكن الرأسمالية من فرض طابعها الإمبريالي لكي نقتنع أنها إمبريالية، هي صيرورة تبدأ بالتنافس مع الإمبريالية المهيمنة، ومن ثم تستغل ضعف هذه الإمبريالية لكي تحاول الإحلال محلها، بالضبط لأن بنيها الرأسمالية يفرض هذه الصيروة. وهذا صراع موضوعي لا يعني تأييد الطرف الذي يسعى للسيطرة لأننا ضد الطرف المسيطر، بل يعني أن نلحظ بأن صراعاً موضوعياً يجري بين رأسماليات يمكن أن يضعف سيطرة هذه أو تلك، وبالتالي يمكن الإفادة من ذلك في تطوير الصراع المحلي ضد الإمبريالية دون أن نقع في فخ الدفاع عن إمبريالية تسعى إلى السيطرة ضد أخرى. هذا المنظور يكرر الموقف من "دول المحور" (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، حيث إنها كانت دولاً "بازغة"، وفي صراع مع الرأسمالية الاستعمارية. حيث جرى اعتبار أنها "معنا" لأنها تقارع الاستعمار البريطاني الفرنسي، لكنها كانت دولاً إمبريالية تصارع من أجل السيطرة على السوق والمواد الأولية لكي تحقق التطور الأرقى لرأسماليتها. وبالتالي كانت تسعى لاستعمارنا. وهو منظور كما نلاحظ ينطلق من "السياسي"، أي من رفض الدول الاستعمارية أو الإمبريالية التي سيطرت وتسيطر على بلداننا، وليس من طبيعة تكوين هذه البلدان، وأسباب صراعها مع القوى التي تحتلنا أو تسيطر على مصيرنا. من الاحتلال والسيطرة السياسية وليس من التكوين الاقتصادي الذي يفرض هذه الضرورة للسيطرة والاحتلال. وهو الأمر الذي يجعلنا نرى المحتل أو المسيطر، والذي نكون ضده، ونرى منافسه لكن على أساس أنه "حليف"، رغم أنه يسعى إلى السيطرة ليحلّ محل سابقه. لهذا نميل إلى تبرير وضع هذه البلدان المنافسة في كلمات منمقة مثل "الدول البازغة" أو الدول المعادية للإمبريالية، وتجاهل أنها دول إمبريالية كذلك، وتريد الإحلال مكان إمبريالية تتداعى، او إزاحتها من أجل السيطرة بدلاً منها. لقد راهنت "الشعوب" في الشرق على انتصار هتلر لكي تتخلص من الاستعمار البريطاني الفرنسي، لكن هتلر كان يزحف من أجل أن يستعمر وليس من أجل أن يحرر الشعوب. وبعد أن هًزم زحفت أميركا للسيطرة رغم أنها كانت تبدو رمز "التحرر" (على ضوء مبادئ ويلسون المطالبة بحق الشعوب بتقرير مصيرها). والآن تبدو روسيا لبعض "اليساريين" كداعم للتحرر والتطور، وليجري اعتبار أنها حليف "موثوق"، رغم أنها تزحف للسيطرة على الأسواق والمواد الأولية. والدعوات التي أطلقها بوتين في الفترة الأخيرة تؤكد أنه يكرر دعوات الليبرالية الإمبريالية التي حاولت فرض العولمة عبر التحرير الكامل للأسواق. وحتى علاقات روسيا مع سوريا منذ سنة 1992 توضّح الطابع الرأسمالي الذي يحكمها، حيث أصبحت لا تقوم إلا على أساس رأسمالي.وهو الأمر الذي يحكم علاقتها مع إيران، حيث تدافع عنها دولياً مقابل الحصول على عقود تجارية. وربما هناك من مازال يعيش "الوعي" ذاته رغم الرقي الكبير في الفكر والثقافة والعلم، حيث يرى العالم من منظور سياسوي ينطلق من التوضعات التي يتكوّن العالم على أساسها. ولأننا ضد الإمبريالية القديمة لا نرى بأن إمبريالية جديدة تتشكل، وأنها تسعى للسيطرة والهيمنة (مستغلة السمعة الطيبة للاشتراكية)، وأن العالم يسير نحو توضّع جديد يتجاوز الأحادية الأميركية، والهيمنة الشاملة للإمبرياليات القديمة، بتشكّل إمبرياليات جديدة يكون نتيجتها إعادة صياغة العالم، لكن في إطار إمبريالي. لهذا لا يُدرس التكوين الاقتصادي لروسيا "الجديدة" (وكذلك للصين)، الذي يشير إلى تشكيل نظام رأسمالي على أنقاض الاشتراكية، وأن المافيا التي نهبت "القطاع العام" باتت رأسمالية تريد نهب العالم. وأن قوتها واستقرارها متوقفان على السيطرة على الأسواق، هذه حتمية لا يمكن تجاوزها في إطار التكوين الرأسمالي. أكرر، بمجرّد البدء في التشكل الرأسمالي لا يمكن أن يكون هذا التشكل إلا تشكلاً إمبريالياً نتيجة طبيعة النمط الرأسمالي ذاته الذي اكتمل منذ أكثر من قرن، وبات يمنع التطور الرأسمالي (في سياق الآليات الرأسمالية)، والذي يفرض أن يكون كل بلد تعمل رأسماليته على التطور قادراً على التوسع والسيطرة. وهذا أمر روسيا بعد أن تطورت في ظل الاشتراكية وتحوّلت إلى الرأسمالية. روسيا أصبحت إمبريالية، هذا ما يجب أن نلحظه ونؤسس عليه.

الحركات الاسلامية والربيع العربي


الدكتور سعود المولى لقد سمحت الأزمة العامة التي عصفت بالدول العربية كنتائج لأزمة العولمة وأزمة الكرامة وأزمة الحرية ، بانطلاق ثورات الربيع العربية وفي قلبها اسلاميون من شتى الأطياف، فهم أبناء هذا المجتمع وهذا الحراك وهذا الوضع الثوري المتأزم. لم يكن التيار الاسلامي على رأس الحراك الاجتماعي والثوري ولكنه لم يكن غريباً عنه بل كان في قلبه. لم يهبط الاسلاميون الى أرض الواقع بالباراشوت من خارج بلادهم بل كانوا في قلب الواقع الثوري... ففي مصر شارك الاسلاميون في تشكيل حركة كفاية وفي اضرابات معظم قطاعات المهن الحرة والجامعات والعمال.. وفي تونس والمغرب وسوريا كانوا الاكثر تعرضاً للقمع والاعتقال.. ومنذ التسعينات تطورت لغتهم وتقدم خطابهم نحو تبني شعارت ومقولات الحوار والتعددية والتسامح والانفتاح والدولة المدنية والسلم الأهلي والديموقراطية... والتيار الاسلامي حمل ويحمل في داخله توجهات وخيارات وبرامج ومشاريع واسعة ومتعددة تبرز فيها تناقضاته وحدوده.. ليس التيار الاسلامي إذن بالظاهرة الغريبة التي تحاول خطف الثورة أو حرفها عن مسارها.. هو إحدى قوى الثورة بل لعله أهمها وأكثرها تنظيمأً وحراكاً وتطوراً وحضوراً.. وليس التيار الاسلامي بالبعبع المخيف. فهو مثله مثل غيره، فيه المحافظ الرجعي والتقدمي الثوري، فيه السلفي التقليدي والمدني الحديث، فيه الديموقراطي والاستبدادي، فيه الإلهي والبشري، فيه من كل تنوعات الثورة والربيع وألوانه . ومن الأمور الأساسية التي تمخض عنها الربيع العربي مشاركة الإسلاميين الفاعلة في عملية التغيير (خصوصاً في مصر وتونس والمغرب). وقد صعد الاسلاميون الى الحكم عبر صناديق الاقتراع وبعد غياب استمر لعقود عملت خلالها السلطات القائمة على قمعهم وتهميشهم وعلى استعداء المجتمع والنخب ضدهم بحجة الظلامية والسلفية والارهاب... ولا ننسى أن النظام التونسي الهالك كان منع العمل السياسي الاسلامي ومنع الحجاب في الأماكن العامة والمدارس والجامعات... وقد تميزت سوريا بتجريم مجرد الانتماء الى الاسلاميين والحكم بالإعدام على كل من يثبت انتسابه إلى الإخوان المسلمين. وكنا قد تابعنا ورصدنا خلال السنوات الماضية بروز اتجاهات قوية وفاعلة لدى الحركات الاسلامية الأساسية للمشاركة السياسية ولتبني الدولة المدنية والمواطنة... ولعل أبرز هذه التطورات حصلت لدى حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية في المغرب ولدى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. كما أننا رصدنا اتجاهات المراجعة (النقد الذاتي) في حركتي الجهاد الاسلامي والجماعة الإسلاميّة في مصر، وقد امتدت هذه المراجعات الى العديد من الحركات الاسلامية الجهادية.. ومن أبرز ما حملته المراجعات تبني خطاب جديد في ضرورة التعايش السلمي داخل المجتمع أولاً ثم مع الدولة ثانياً، ونبذ العنف، والدعوة الى العقل والرشد.. غير أن سقوط الأنظمة القمعية (مصر وليبيا وتونس بالأخص) قد طرح على تلك الحركات (المعتدلة منها كالاخوان، أو صاحبة التجربة الجهادية التي مارست النقد الذاتي والمراجعة وتشكلت في أحزاب سياسية) تحديات جديدة تتعلق بكيفية ادارتها للحكم وتطبيقها لمقولاتها ومبادئها، وكسب ثقة الناس والافساح في المجال أمام الآخرين للمشاركة في التجربة، وكيفية عملها على بناء نموذج ديموقراطي جديد قابل للحياة... لقد كسبت الحركات الاسلامية رهان التأييد الشعبي عبر نجاحها الباهر في انتخابات ديموقراطية حقيقية ، ولكنها لم تكسب بعد رهان تمثيل الجماعة الوطنية وهموم الوطن ومستقبله.. صحيح أن الحركات الاسلامية صارت اليوم تحكم أو تشارك في الحكم، وتتمتع بنشاط حزبي وسياسي علني، الا أنها لم تصل بعد الى بر الأمان في قضايا ادارة الاختلاف والتنوع، والتضحية بالمصالح الحزبية والفئوية لحساب مصلحة الوطن والأمة..ويبرز في هذا المجال النموذج المصري الذي ما زال يتخبط... إن موقف الحركات الإسلامية من الديموقراطية عموماً، وبشكل خاص موقفها من قضية الديموقراطية والمواطنة والأقليات الدينية المسيحية والإسلامية على حد سواء، هو معيار أساسي للحكم على تجربة الاسلاميين في الحكم... فالديموقراطية في وعي وممارسة العديد من قادة وكوادر وجمهور هذه الحركات ليست نظاماً متكاملاً مؤسساً على الحقوق الأساسية للمواطنة، وإنما هي مجرد "لعبة برلمانية" تفوز فيها الأغلبية الانتخابية، أي أنها "وسيلة براغماتية" قد تخفي استبداداً سلطوياً اشد وأدهى من سابقيه.... فالمطلوب من الحركات الاسلامية الحاكمة حمل موقف واضح وممارسة جادة حيال مسألة التعددية الفكرية والسياسية التي تقول بها ، وحيال قضايا المرأة واندماجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي... والمطلوب أيضاً حسم مسألة ومفهوم الدولة المدنية كإطار لتنظيم العلاقة مابين الدين و القانون الدستوري أو الأساسي للدولة... السؤال الرئيسي الذي يجول في خاطر المواطنين العرب يتعلق بقابلية أو قدرة الحركات الإسلاميّة على التحول إلى أحزاب ديموقراطية إسلامية تتعايش مع العلمانية، على غرار التجربة التركية. وما يزيد من الحاح السؤال أن الدول التي نجح فيها الاسلاميون بقوة هي من النوع العلماني الوطني (مصر وتونس والمغرب) ذات التراث الطويل والعميق في الدولة الوطنية والدستور والبرلمان والتعددية الحزبية، رغم مراحل الاستبداد والقمع... والمعنى الأعمق للسؤال يتعلق بقابلية أو قدرة هذه الحركات على التطور الديموقراطي، أي على التحول من شكلها النضالي السري الثوري أو الجهادي أو الاحتجاجي الاجتماعي إلى شكل حزبي ديموقراطي وطني مدني ، وعلى قبول الاختلاف والتعدد الحزبي والفكري (وخصوصاً في داخل هذه الحركات) وحرية الرأي والتعبير (والحرية الدينية تحديداً) ... ويخطر في البال هنا تجربة حركة الأحزاب الديموقراطية المسيحية في إيطاليا وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي كانت وليدة الانهيار التاريخي للنازية والفاشية... ولعل من الواجب تنبيه الحركات الاسلامية الحاكمة الى ضرورة دراسة تلك التجربة... كما أن الحركات الاسلامية تواجه أيضاً قضية العلاقة مع القوى العلمانية في مجتمعها وهي قوى تاريخية ذات وزن واعتبار (خصوصاً في مصر وتونس والمغرب) وبالتالي فإن من واجباتها الملحة المساهمة في صياغة فقه الحوار والتعدد والتعايش والمصالحة والسلم الأهلي أولاً وفقه الدولة الحديثة ثانياً لجهة قضايا المساواة في المواطنة والحريات الدينية وحقوق الإنسان، والمشكلة الطائفية وحماية الأقليات، ومسألة تطبيق الشريعة وقوانين الأحوال الشخصية..الخ.... ولعل في التجارب الدستورية الايرانية والتركية والمصرية والتونسية والمغربية على السواء، كما في التجربة اللبنانية الميثاقية-الدستورية، ما يشكل تراثاً وذخيرة تستحق الدراسة في هذا المجال... إن التحالف مع العلمانيين (من يساريين وقوميين وليبراليين على السواء) يتطلب التخلص من نزعات الغلبة (التي عرفناها في لبنان)، ومن عقلية الاستئثار بالسلطة (كما حدث في مصر) أو استئصال الخصوم (كما في الجزائر). وأمامنا كمثال آخر ايجابي تجربة العدالة والتنمية في المغرب (كما في تركيا)، وتجربة النهضة في تونس، في قيام ائتلافات وطنية واسعة تضم اسلاميين وعلمانيين لادارة الحكم... وهذه التجارب تطرح الكثير من الأسئلة والاشكاليات... فبعض غلاة العلمانيين يرى أن الاسلاميين يطبقون مقولة أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنهم يتمتعون ببراغماتية عملانية كبيرة تصل الى حدود النفاق والانتهازية السياسية الرخيصة... ولذا فإن المطلوب من الحركات الاسلامية اليوم تقديم نموذج صحيح عن قيام توافقات وتحالفات استراتيجية تصون العمليّة السياسية الديموقراطية ومسيرة التغيير من خلال برامج واضحة وتحالفات مبدئية شفافة ومن خلال مواجهة المشاكل المزمنة عبر عقد تسويات نبيلة من صنف تلك التي تؤسس الأوطان والدول، أي أن تكون هذه التوافقات والتفاهمات الاستراتيجية هي أساس العقد الاجتماعي الجديد... وفي مجال العقد الاجتماعي الجديد يطرح الكثيرون قضية موقع ودور الحركات السلفية التي صارت كالفزاعة يستخدمها أعداء الربيع العربي لإفشال رياحه... وما ينبغي توضيحه دائماً هو أن السلفية كالاخوان كالشيوعية كالقومية هي ظواهر سياسية اجتماعية، وأنه ليست هناك سلفية واحدة بل سلفيات متعددة الوهابية واحدة منها لا تختزلها ولا تنوب عنها، والجهادية هي آخر افرازاتها ولكنها ليست التعبير الأول أو الأفضل أو الأكمل عنها... وأنه كان هناك سلفيات وطنية واصلاحية ابطالها أمثال محمد عبده ورشيد رضا وعلال الفاسي وشكيب أرسلان في زمانهم... والمهم هنا ابراز الاختلاف والتضارب بين هذه السلفيات على غرار الاختلاف والتضارب بين شيوعية ماوية وأخرى تروتسكية وثالثة روسية ورابعة فيتنامية أو كوبية .. الخ... والمهم هو فصل السلفية الجهادية والارهابية وحصرها في نطاقها الصحيح وتمييزها عن سلفيات الحديث والسنة والسلف الصالح والتقليد والمحاكاة والسلفيات البرلمانية (كما في مصر والكويت والبحرين مؤخراً).. ولعل ما تحتاجه الحركات الاسلامية اليوم أكثر من اي شيء آخر، هو العمل على الربط الصحيح والخلاق بين عملية بناء نظام سياسي ديموقراطي من جهة وتحقيق تنمية مستدامة في المجتمع من جهة أخرى... وهنا بالضبط يقع معنى عنوان "العدالة والتنمية".. وبالتالي فإن على الحركات الاسلامية العربية أن تدرس أكثر ايجابيات وسلبيات النموذج التركي في هذا المجال.. فالقضاء على البطالة والفقر وعلى التهميش المناطقي والاجتماعي وعلى التمييز القومي والاثني والديني، وتحقيق النمو الاقتصادي المترافق مع نهضة حقيقية للريف وللفقراء ومتوسطي الحال، وللتعليم والتربية، وللطبابة والاستشفاء والضمان الصحي والاجتماعي، هو المعيار الوحيد للنجاح الحقيقي في التحول والتغيير نحو الأفضل.. وهنا بالضبط يكمن معيار المفاضلة بين القوى الاسلامية نفسها وهو معيار البرنامج الاقتصادي الاجتماعي الذي يحقق الاستقلال والحرية والكرامة مع العدالة والتنمية والديموقراطية... ومن المهم والمفيد لكل الحركات السياسية الأخرى التعامل مع التيار الاسلامي كواقع اجتماعي سياسي شرعي له حق الوجود والعمل وحق الوصول الى السلطة كغيره، وعلى قوى اليسار والديمواقراطية والليبرالية التي تخشى على مكتسبات الثورة والربيع أن تعيد تنظيم نفسها ومراجعة خطابها وأدائها وطرح لغة جديدة وبنية جديدة تستطيع معها أن تستعيد حضورها ورياديتها.. ولا تبكي على وصول الاسلاميين الى السلطة، فهذا هو الصح وليس شواذاً أو استثناء.. وكلل وصول الى السلطة (سبقهم اليه القوميون والماركسيون) سيواجه التيار الاسلامي تحديات بناء الدولة والمجتمع، واقامة التحالفات، وصوغ السياسات، وتحديد الاصدقاء والاعداء، وتوضيح البرامج والشعارات، وسيتفاعل معها مثل غيره من التيارات، سلباً وايجاباً.. والنتيجة لن تكون معروفة سلفاً بل هي تتوقف على جهدنا المشترك وعملنا معاً للدفاع عن مكتسبات ثورة الربيع ولصون الأوطان وحفظ وحدة المجتمع ولحماية الديموقراطية والحرية والتعددية ولبناء توافقات وتفاهمات استراتيجية من أجل الوطن والشعب والمواطنة المتساوية في كل بلد، ومن أجل قضايا العرب والمسلمين، وخصوصاً قضية فلسطين، ومن أجل التنمية والتقدم على طريق العدالة الاجتماعية. لذا فان المطلوب هو التركيز على الشفافية والديموقراطية والمحاسبة والرقابة وعلى الحريات الفردية والعامة وعلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة ونبذ العنف بكل أشكاله وعلى التنمية البشرية وعلى المجتمع المدني وعلى تشجيع قيام مراجعات نقدية لدى كل التيارات اسوة بمراجعات جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية في مصر التي تحولت من العنف الجهادي الى الديموقراطية المدنية السلمية.. والمطلوب من كل القوى وعلى رأسها العلمانية القومية واليسارية والليبرالية، مع الاسلامية، التواضع، والنقد الذاتي، ونبذ التطرف والأصولية، ونبذ العنف والتكفير والتخوين، والدخول في مرحلة مصالحة وطنية شاملة، ومراجعة نقدية جذرية، وتحول سلمي ديموقراطي، ولبناء دولة مدنية عادلة لمصلحة تقدم وازدهار مجتمعاتنا وشعوبنا، ولمصلحة الاستقلال الوطني والتنمية والحرية والديموقراطية مع الكرامة....

عفيف فراج: حين نتكلم عنه يضيء قنديل المعرفة


كلمة الدكتور سعود المولى في ندوة تكريم المرحوم الدكتور عفيف فراج- بعلشميه 25/11/2012 التحية الأولى أوجهها قوية من القلب والعقل معاً إلى السيدة عائدة وإلى عائلة عفيف الذين لولاهم لما كان هذا اللقاء حول كتاب جديد هو السادس منذ وفاته التي كانت مؤلمة لنا جميعاً. والتحية الثانية أوجهها قوية من القلب والعقل معاً إلى أصدقاء وزملاء ورفاق عفيف الذين يلتقون هنا اليوم حول كتابه كما كانوا يلتقون في السنوات الثماني الماضية منذ وفاته. في الحديث النبوي الشريف انه اذا مات الانسان ينقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية ( ومعناها الوقف) وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له... وقد حقق عفيف هذه الثلاث من خلال السيدة عائدة، وأولادهما، وقد وقفوا أنفسهم ومالهم ووقتهم وعلاقاتهم على نشر وتعميم علمه النافع ما جعلنا جميعاً ندعو له بالحسنى والثواب وندعو لهم بطول البقاء.. واليوم يتجدد هذا العطاء صدقة جارية وعلماً نافعاً ودعاء له وللعائلة، يتجدد بكتاب هو بحد ذاته مَعلم من معالم وعينا وفكرنا ونضالنا ولو أنه جاء بعد 30 سنة على كتابته... وأنا سأحاول في هذه العجالة أن أموضع الكتاب الجديد في سياقه التاريخي الذي حمل تحولات وتطلعات عاشها عفيف وعشناها معه وواكبناها سوية وشكلت زاداً له ولنا في فهمه وفهمنا المتجدد للواقع وفي جهاده وجهادنا الدائم من أجل المستضعفين والفقراء الكادحين، ومن أجل المعرفة المفيدة والعلم النافع، وهذا ما ميزه كمثقف مناضل ملتزم، أي كمجاهد، شاهد وشهيد... عفيف الزميل والصديق والأخ والزوج والأب ورفيق النضال والمعاناة في سبيل الحق والعدل، هو مجاهد حر، بالعلم والعمل، من أجل وطن أفضل، من أجل لقمة عيش حلال، من أجل حرية وكرامة، ومواطنة ومساواة.. وهو شاهد على عصره، وشهيد على ما قاله وكتبه.. وهذا أيضاً من الحديث النبوي الشريف: من مات دون أهله فهو شهيد، من مات دون أرضه فهو شهيد... ومن الحديث النبوي أيضاً: أن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء.. وعفيف الشاهد الشهيد كان أولنا وأسبقنا في كل شيء.. بعد نكسة حزيران 67 وكان يومها في مصر ومنتمياً الى حركة القوميين العرب ذات الهوى الناصري الاشتراكي، كان عفيف من الذين شاركوا في نقد التجربة المريرة وفي بلورة طروحات التحول اليساري لحركة القوميين العرب الى جانب محسن ابراهيم ومحمد كشلي ورفاقهما.. وكان كتاب لماذا منظمة الاشتراكيين اللبنانيين (دار الطليعة، بيروت، 1970) باكورة انتاج هذا التطور اليساري في الحركة القومية العريقة... وأولى ثمار تحول عفيف كانت كتابه الأول ( دراسات يسارية في الفكر اليميني) (دار الطليعة 1970)، وفيه انتقد الفكر اليميني اللبناني بتجلياته المارونية الكتائبية كما القومية السورية، وصولاً الى التحريفية الماركسية للحزب الشيوعي اللبناني الموسكوبي، الى مثالية المعلم كمال جنبلاط، "ذات الفكر العتيق" (على حد وصفه لها)... كان سلاح النقد الثوري الجذري هو زاده الأول في تمّيزه بين اقرانه ، وهو سلاح ماركسي أساسي ولكننا امتطيناه على صهوة ربيع طلاب أوروبا الغربية في أيار 1968، وربيع براغ التي دمرتها الدبابات الروسية في آب 1968، الى ربيع الثورة الفيتنامية (هجوم الربيع 1968) ، فربيع الثورة الثقافية الصينية... وقد أسهم كتابه الأول ذاك في استثارة الحوارات والنقاشات داخل يسار الحزب القومي السوري الخارج من السجون، وأثمر انشقاق عشرات الشباب المتمركس من الحزب العتيق.. كما كان للكتاب دور كبير في النقاش الماركسي بين منظمة الاشتراكيين اللبنانيين (وريثة حركة القوميين العرب) وجماعة لبنان الاشتراكي (وضاح شرارة، أحمد بيضون، حسن قبيسي، وجيه كوثراني، محمود سويد، فواز طرابلسي).. ولكن الأثر الأكبر كان في الوسط الطلابي حيث أنه ساعدنا على بلورة صيغة (لجان العمل الطلابي) في المدارس والجامعات، كصيغة نضال مشترك تجمع قوى اليسار الجديد غير المتشكل بعد في إطار تنظيمي محدد.. الا ان الأهم في ذلك الكتاب أنه حمل مبكراً مقاربتين لم يسبقه اليهما أحد من ابناء جيله ورفاقه في اليسار.. المقاربة الأولى تتمثل في تشخيصه البنيوي لتمزق المواطن اللبناني والمجتمع اللبناني ما بين ثقافتين وهويتين ، ما بين "جذوره الحضارية والطبقية وحمى احتراق الحضارة الغربية الأخلاقي والمعنوي"، ما بين مجتمعه والمجتمعات العصرية، وما بين الطائفية السياسية والمواطنة المتساوية، وما بين مناهج التعليم المتعددة وضرورات الوحدة الثقافية الوطنية، وما بين كلنا للوطن وكلنا للطائفة والعائلة والطبقة الحاكمة... وقد أشار عفيف بعمق يومها الى ذلك الاغتراب والاقتلاع الذي يعانيه المواطن اللبناني.. ولكن الشيء الجديد يومها، بالنسبة ليساري ماركسي، لم يكن فقط في فهمه لمعنى المواطنة والدولة المدنية، وانما فهمه للتناقض الحضاري بين شرق وغرب، وللمسألة الثقافية تحديداً، ومسألة الهوية بالتالي، وهو الموضوع الذي سيستأثر بتفكيره وأبحائه وعناوين كتبه اللاحقة.. أما المقاربة الثانية المبدعة والمبكرة لعفيف فتمثلت في فهمه الماركسي الجديد للمسألة الدينية في بلادنا. وبرغم أنه لم يكن قد قرأ غرامشي يومها (على ما يبدو) إلا أنه استطاع مبكراً أن يقدم قراءة جديدة نراها تتكرر وتتطور لاحقاً في فهمه للشرق وللاسلام، ثم في فهمه للمسألة اليهودية وللصهيونية وحاضنتهما الحضارية والثقافية، على ما نراه في إثنين من كتبه اللاحقة على الأقل (اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية) و (رؤية آينشتين لليهودية ودولة اليهود)..ناهيك عن حضور هذه المقاربة في كتابيه (ثنائية شرق غرب) و(إشكالية النهضة). وقد استخدم عفيف في مقاربته للمسألة الدينية عدة نظرية وثقافية وفكرية كانت جديدة بالنسبة الى أبناء جيله وتياره السياسي والفكري تمثلت بكتابات ماكس فيبر واللاهوتي بولتمان (وهما غير ماركسيين بل ملعونان عند الماركسيين) إضافة الى كتاب كارل ماركس الرائع حول المسألة اليهودية (وهو كتاب يتم تجهيله ونفيه من تراث ماركس)، وكتابات الماركسيين اليهود أمثال أبراهام ليون ومكسيم رودنسون..ناهيك عن استشهاده بكتاب لكاوتسكي (الأمر الخطير يومها لأننا درجنا على تجاهل "المرتد كاوتسكي"، بحسب تصنيف لينين له). وقد عالج عفيف المسألة الدينية من زاوية المادية الجدلية الفلسفية (علاقة الفكر بالكائن، الإنسان بالطبيعة، وأيهما الأسبق)، كما من زاوية المادية التاريخية والسوسيولوجيا الماركسية الجديدة (لويس آلتوسير كمثال، وكان في بداية اكتشاف الماركسيين العرب له) .. فتكشّف عفيف فراج منذ ذلك التاريخ المبكر عن عالِم موسوعي مفكر مثقف مطلع وعن باحث سوسيولوجي واعد.. وفي كتابه الثاني (كمال جنبلاط المثالي الواقعي 1976) تميّز عفيف أيضاً عنا جميعاً وقد سبقنا الى التقاط خصوصية المسألة اللبنانية، والى فهم الأشخاص والأدوار خارج إطار التنصيف الطبقي الماركسوي التبسيطي .. عفيف الذي كان انتقد بشدة كمال جنبلاط ( في الكتاب الأول فصل بعنوان: الأستاذ جنبلاط مثالي يتجاوز الماركسية بفكر عتيق)، أجرى مراجعة نقدية شجاعة (أشبه بنقد ذاتي لفكرنا اليساري الراديكالي "الطفولي" آنذاك) شفافة وأخلاقية في آن، ولكن أيضاً وأساساً علمية وبحثية عميقة... وكنا جميعاً نترنح يومذاك تحت وطأة هول الواقع الذي اكتشفناه بصدمة 13 نيسان 1975 ، وكنا جميعاً من ضحاياه... في مقال له بعنوان "عمومية المثال الثقافي النضهوي، خصوصية الواقع اللبناني الطائفي" (منشور في كتابه إشكالية النهضة 2006) يستعيد عفيف فراج جملة كتبها الياس خوري في روايته (رحلة غاندي الصغير): "الرجال الحقيقيون باتوا أول من مات ، ليبقى الأنذال سرّاق الثورات، وهي ستقتل أول من تقتل، كل الذين يتفلسفون ويتحدثون عن حرب الشعب والجماهير، والحرب ستستمر من دونهم"... وقد استمرت الحرب من دوننا... وهي لم تكن طبعاً حرب تحرير شعبية... بل حرباً أهلية مدمّرة ... في لحظة الحرب الأهلية تلك، فارق عفيف فراج تراث "الجماهيرية" أو "الشعبوية اليسارية"، وانكفأ الى موقعه ووضعه كمثقف شاهد وشهيد.. ولعل في انتمائه الأصلي (الأهلي الدرزي، ولو العلماني الماركسي مدنياً) واضطراره للانقطاع الى الجبل في حياة عائلية واجتماعية وتعليمية وثقافية، بسبب الحرب وابان الحرب، ما يفسر تلك العزلة الثقافية، القدَرية، التي تظهر لنا بوضوح اذا عرفنا أنه لم ينشر أي كتاب بعد العام 1976 وحتى العام 2002 حيث كان كتاباه السابق ذكرهما: (اليهودية بين حضارة الشرق الثقافية وحضارية الغرب السياسية)، و (رؤية آينشاتن لليهودية ودولة اليهود)... وما ينبغي قوله هنا أنه بين 1976 (كتابه عن جنبلاط) و2002 (عودته للكتابة) كانت أطروحته/المرجع التي أنجزها إبان الإجتياح الاسرائيلي 1982 (وهي هذا الكتاب الذي بين أيدينا).. وبالتالي فان كتاب القمع السياسي هو المحطة الثالثة في تطور فكر وأدب عفيف السياسي ولو أنه التاسع إصداراً ونشراً.. واسمحوا لي هنا بالعودة والتوقف عند كمال جنبلاط.. عام 76 اذن عاد عفيف ليطل اطلالة جديدة، أكثر عمقاً وأكثر تسامحاً على شخصية وفكر كمال جنبلاط ، المثالي الواقعي.. يبدأ عفيف كتابه بجملة لجنبلاط تقول "واعلمي أن الانسان لم يخلق لمعنى من المعاني ألا للعلم والعمل به".. وبجملة أخرى : "الكشف عن الحقيقة وتحقيقها هو الهدف الذي يستحق وحده أن نعيش له ونسعى اليه في هذا الوجود".. ولم يكن عفيف ليكتب أو ينطق علماً الا ليعمل به ويطبقه على نفسه وفي حياته أولاً... وفي بحثه عن الحقيقة لا يخجل عفيف من تقديم نص جديد فيه تقويم عميق وسياسي وسوسيولوجي لفكر وممارسة كمال جنبلاط، ينطلق من موقف فلسفي وفكري جديد نجده مبثوثاً بقوة في هذا الكتاب، ومن نقد ذاتي جذري لمسلماتنا "وأساطيرنا" المؤسِّسَة حول المسألة الطائفية والطوائف والواقع اللبناني... في العام 75 كان اليسار الجديد قد توزع اتجاهات عدة ما بين ملتحق بالثورة الفلسطينية أو مشارك معها، وما بين ملتحق بالخط السوفياتي التحريفي الدولي، أو بالتيارات اليسارية الثورية العالمية (ماوية- تروتسكية- فوضوية- مجالسية)... أما نحن فكنا نخوض تجربة مميزة من داخل العلاقة المتوترة بين 3 مكونات رئيسة: موسى الصدر وكمال جنبلاط وحركة فتح... فقد قادتنا ماويتنا الى الارتباط مبكراً بموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين من جهة وتمتين العلاقة مع كمال جنبلاط وخليل الوزير من جهة ثانية... وهكذا بدأنا نقاشات مطولة حول الماركسية والدين، والاشتراكية والانسان، انطلاقاً من كتابات كمال جنبلاط وعلي شريعتي ومالك بن نبي وروجيه غارودي ومن محاوراتنا مع موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.. وكان عفيف أبرز من اشتغلوا خلال تلك السنوات 1975-1977 على اكتشاف العلاقة ما بين الفلسفة والسياسة، بين المثال والواقع، بين الماركسية والصوفية، وذلك على قاعدة اكتشافه لأولوية ومحورية الانسان، حياته، وحريته، وكرامته، وحقوقه، قبل أي شيء وفوق كل شيء... وقد صاغ عفيف فهمه الفلسفي الجديد بقوله إن الفلسفة هي الإمكان، والسياسة هي وسيلة تحقيقة، والانسان هو الغاية، والحزب هو هيئة معنوية توحد غايتها مع غايات التحقق المعنوي للانسان ... وهنا اكتشف عفيف أهمية كمال جنبلاط والاشتراكية الانسانية، ناقداً بقوة لا انسانية الماركسية وقد تكشفت وانهار اندهاشنا بها منذ اندلاع الحرب الأهلية... أعاد عفيف اكتشاف كمال جنبلاط في السياسة والاقتصاد، في الفلسفة والدين، في التصوف والأخلاق، فأعاد اكتشاف ذاته وهدفه في هذه الحياة... ولعل أهم ما اكتشفه عفيف في ذاته وهو المثالي الأخلاقي الانساني، هو أن وسائل بلوغ الأهداف السياسية يجب أن تكون موصولة بالغايات الأخلاقية، وأن النضال في الدنيا يهدف الى تحقيق غايات الدين ومضمونه الأخلاقي بوسائل لا تجافي تلك الغايات.. فالطريق هو ذاته الهدف.. واذا كان الطريق ملتوياً فإن الهدف نفسه يفسد... وما قيمة أن تربح الدنيا وتخسر روحك، معناك، ذاتك... وفي هذه المقدمات الفلسفية الأخلاقية صاغ عفيف فهمه لجنبلاط السياسي (المثالي الذي يخاطب الواقع الطائفي).. فأمام ما يبدو للناس انه مساومات وصفقات وتنازلات وقفزات جعلت الكثير من المثقفين والمفكرين يقولون بأن جنبلاط براغماتي في ألأصل والمتن فيلسوف وصوفي على الهامش، وبأنه توقف عند المنحى السكوني المحافظ من معادلة هيفل: كل ما هو واقعي، معقول.. اكتشف عفيف الوجه الآخر وهو أن جنبلاط كان يقف على الضفة التقدمية من معادلة هيغل: كل ما هو معقول، يجب أن يصبح واقعاً... وبحسب عفيف فإن جنبلاط كان يجيد التقاط علامات واشارات ومعطيات الواقع، ويحسن التعامل معه، واصطياد الفرص فيه، أو اللحظة المناسبة، لا لغاية ذاتية مادية او كسب مادي شخصي، (ومعلوم كم كان جنبلاط زاهداً عفيف النفس ما أشاد له سماء لا يطالها متطاول ، ويشهد لها، العدو قبل الصديق) ولكن هذا الاستغلال او الانتهاز للفرص والذي كان واقعهن الطائفي يتيحها كان دائماً لدفع قضية التقدم على شتى الأصعدة والمستويات... كان جنبلاط على حد وصف عفيف ينساب بليونة بين تعاريج مجرى الواقع الخدماتي المفسد، والواقع الطائفي المعطل، ليُحول الزيادة الكمية في عدد الانجازات البسيطة الى وعي اجتماعي نوعي جديد.. ومن ثىائية المثال والواقع، عالج عفيف عدة تنائيات تشطر وعينا الوطني وفكرنا السياسي : ثنائية العنف الثوري التغييري والسلم الأهلي المحافظ، ثنائية الطائفية السياسية واللاوعي الطائفي (ويسميها جوزيف مغيزل الحاسة السادسة عند اللبنانيين)، ثنائية التنافي والتدمير المتبادل في صيغة الكيان اللبناني (ويسميها عفيف الصليبية الهلالية)، ثنائية العلمانية والاسلام (وهنا ابتدأ أو عاد اهتمام عفيف بدراسة الاسلام الحضاري والثقافي والسياسي) ثنائية الوطنية اللبنانية والعروبة.. ومن خلال غوصه في عمق فكر وممارسة كمال جنبلاط أطل عفيف على القضايا التي ستشكل مفاتيح وعيه ونقده اللاحق للفكر السائد.. فقد عالج مسألة القومية بحسب الفهم الجنبلاطي الانساني وقارن بين القوميات المختلفة (بما فيها المارونية والسورية والعربية) وبين الصهيونية، متوقفاً عند خلو مساهمة جنبلاط في تعريف القومية من أي كلام عن التكوّن الطبقي والمصلحة الاقتصادية الخاصة بالفئات الحاكمة.. وقارن بينه وبين كلام فرانز فانون عن تخلف بورجوازية العالم الثالث دوراً وفكراً وامكانات، أي تشديد جنبلاط على الجانب المعنوي على حساب الجانب الاقتصادي... وهو في تلك المرحلة المبكرة كان يناقش المفكر الفلسطيني منير شفيق المسيحي الماركسي الماوي (المتحول لاحقاً الى الاسلام) الذي كان يومها يحاول بلورة أطروحة ماركسية قومية عربية جديدة لقيت رواجاً في أوساطنا التقى مع تيار درزي سوري تمثل بالحزب الشيوعي العربي ومؤسسه المرحوم هلال رسلان.. وقد تحدث عفيف في كتابه عن جنبلاط، عن القمع السياسي الناصري كسبب إضافي داخلي لفشل الوحدة العربية وفشل المواجهة مع الصهيونية.. فبذور فهمه لمركزية مسألة القمع في تطور النظام السياسي العربي بدأت مع فهمه المتجدد لكمال جنبلاط. في تلك المرحلة 1975-1977 كنا نخوض جدالات ونقاشات وحوارات واسعة وعميقة حول حركة التحرر الوطني العربية، وحول النموذج الفيتنامي والكمبودي في حرب الشعب القومية بقيادة ماركسية، وحول الوحدة العربية والتجزئة الاستعمارية والتخلف ومركزية القضية الفلسطينية في حركة التحرر الوطني العربية ، وحول الماركسيات السوفياتية والصينية في بناء الاشتراكية... وحول تجارب كوبا وفيتنام وكمبوديا وحركات المقاومة في فلسطين وافريقيا الخ..وانضاف الى نقاشاتنا التاريخية تلك حضور الاسلام الثقافي والاسياسي من خلال علي شريعتي وموسى الصدر وفرانز فانون وأحمد بن بللا... وكانت المناقشات تدور حول اشكاليتين: الاولى هي الهوية الحضارية الخاصة وهل تشكل قاعدة لصياغة وبلورة نظريات ثورية وفكر سياسي خاص مستقل عن الماركسيات التقليدية التي كنا نتبناها؟. وفي هذا الاطار كانت الماوية قد شكلت لفترة ما منقذاً لنا سرعان ما انهار في أعوام 76-77 بعد وفاة ماو ونشوب الصراع على السلطة في الصين ، ثم اندلاع الحروب بين فيتنام وكمبوديا، وبين الصين وفيتنام ... فكان بحثنا عن أدوات وأطر نظرية جديدة على قاعدة التجربة الفلسطينية من جهة، وتجربة الحركة الوطنية الللبنانية بقيادة كمال جنبلاط من جهة ثانية، هو ما ميّز فكرنا وممارستنا، حتى كان استشهاد كمال جنبلاط في آذار 77، ثم انهيار التضامن العربي وبدء الانقسام بعد زيارة السادات للقدس وكمب دايفيد، ثم انطلاق الثورة الاسلامية في ايران... وبين هذه وتلك كانت عملية الاجتياح الكبير لجنوب لبنان في آذار 1978.. والاشكالية الثانية تعلقت بمسألة النهضة ، والوعي الحضاري، وبناء الذات الحضارية، والاستقلال السياسي والاقتصادي، ومواجهة الآخر.. وكنا قد بدأنا نقرأ فرانر فانون وعلي شريعتي وأنور عبد الملك، ونعيد النظر في الاطروحات الماركسية اللينينية، التروتسكية والماوية على حد سواء، باتجاه البحث عن ماركسية عربية جديدة.. وهنا أيضاً كان كمال جنبلاط مفيداً لنا الى جانب أنور عبد الملك في اكتشاف رؤية حضارية بديلة لا تكون مقلدة للغرب ولا تكون خاضعة للشيوعية المادية، وانما تنبني على تراثات حضارات الشرق الغنية، كالصين والهند والاسلام،.. وقد أعاد عفيف فراج موضعة فكر جنبلاط الانساني هذا في إطار الموقف من الماركسية من جهة، ومن العرفان الصوفي من جهة ثانية، وصولاً الى صياغة تجمع بين الحكمة القديمة والعلم الحديت، وتجعل الحدس الصوفي يستكمل نظرية المعرفة الماركسية... في تلك السنوات المفصلية كانت الصين وروسيا وفيتنام وكمبوديا وكوبا ( وكل الدول الاشتراكية) قد تحولت بالنسبة الينا الى دول قمعية سلطوية استبدادية يموت فيها الانسان ويذبل فيها الضمير الحر والوجدان... لا بل أننا كنا نتبنى التسمية الماوية للاتحاد السوفياتي على أنه "امبريالية اشتراكية" وليس فقط مجرد "تحريفية"... وحين انطلقت ثورة ايران الاسلامية (آخر عام 77- مطلع عام 78) كنا نعيش جدالات وحوارات ونقاشات أفضت بالكثيرين منا الى الالتحاق بالاسلام الصاعد يومذاك كتعبير عن حالة حضارية نهضوية مقاومة وممانعة.. ويمكن القول هنا ان كتابات أنور عبد الملك ومنير شفيق ومحمد عمارة وعباس أحمد صالح وعادل حسين وطارق البشري وعادل عبد المهدي وفاضل رسول (وهم من الماركسيين الماويين الذين انتقلوا الى أرض الاسلام)، ثم كتاب ادوارد سعيد (الاستشراق) قد لعبت الدور الأهم في تحديد سياقات وأطر التحولات التي عصفت بجيلنا وجيل عفيف اليساري المناضل.. وفي كتاب (القمع السياسي) يبدو واضحاً كم كان لهذه الكتابات من وزن ومن دور في صياغة توجهات ومحاججات عفيف.. تلازم صعود الثورة الاسلامية الايرانية وعودة الاسلام السياسي الى ساحة الفعل العربي، مع تصاعد حدة الصراع العربي الاسرائيلي، وتصاعد حدة الأحادية الثقافية الامبريالية الغربية في شيطنتها للآخر، المسلم أو الشرقي، مع تصاعد الأزمة العميقة التي ضربت الماركسية وأقعدتها عن أن تكون أداة نظرية لفهم الواقع وممارسة التغيير ، وذلك قبل سقوطها الأخير مع سقوط الاتحاد السوفياتي وكل المنظومة الاشتراكية... في تلك الفترة كنت من بين الذين أعادوا اكتشاف الأمير شكيب أرسلان، ومن خلاله كل فكر النهضة الاسلامية وخصوصاً محمد عبده وجمال الدين الافغاني ورفاعة رافع الطهطاوي والكواكبي.. وشهدت تلك الفترة كتابات لوجيه كوثراني (الاتجاهات السياسية الاجتماعية في جبل لبنان) وسهيل القش (في البدء كانت الممانعة) ومنير شفيق (الاسلام في معركة الحضارة) وادوارد سعيد ( الاستشراق، وتغطية الاسلام) وحسن الضيقة ( في نقد الماركسية، ونقد سمير أمين) ونظير جاهل (في انتروبولوجيا الاسلام) ورضوان السيد (في الجماعة والسلطة والأمة) والياس خوري وحازم صاغية ووليد نويهض (في نقد التجارب اليسارية، وفي مسألة المثقف والسلطة، ومسألة الدولة والحزب الخ..) .. وقد صدرت مجلة الوحدة (1980-1981) تحمل هذه الكتابات وغيرها، ومنها مقالة لعفيف في العدد الأول من المجلة (15 كانون الثاني 1980) بعنوان (جنبلاط: حين نتكلم عنه يضيء قنديل المعرفة ). فتحت مجلة الوحدة نقاشات وجدالات كان لها أثر كبير في فكر ووعي عفيف فراج كما يظهر من استشهاده بها في كتابيه: القمع السياسي، واشكالية النهضة.. ناهيك عن استشهاده بأنور عبد الملك ومحمد عابد الجابري ومحمد عمارة وهشام جعيط وكمال عبد اللطيف وغالي شكري وعبد الله العروي وادوارد سعيد ومنير شفيق.. لكن المهم في مقاربة عفيف لهذه الإشكاليات هو إطلالاته النقدية التي تربط ماضي هذا الفكر الاسلامي التجديدي بحاضره.. فيقارن ما بين عبده والطهطاوي والعقاد وطه حسين والرافعي والزيات من جهة وما بين ادوارد سعيد ومنير شفيق وأنور عبد الملك وبقية مؤسسي ما سماه عفيف (الاستشراق معكوساً) من جهة أخرى.. ولا ينسى أن يتوقف وقفة خاصة عند أدونيس الذي كتب في مدح الخميني مقالته الشهيرة: "شمس الحقيقة وسيف الغضب" (وهي عبارة يستخدمها الشيعة لوصف الامام المهدي)، وقد استشهد عفيف بما كتب أدونيس في مجلته مواقف ( العدد 34-1979) من أنه " وفي المجتمع العربي القائم كلياً على الدين والذي لم تتطور فيه وسائل وأشكال الانتاج لتشكل وعياً طبقياً، يبقى الدين المرتكز الأساس".... تلك هي الأطر والسياقات التي واكبت اشتغال عفيف على أطروحته للدكتوراه (القمع السياسي) والتي انطلقت من ظاهرة (النظرة الغربية الاستعمارية الانتقاصية للشرق) ، وهي ظاهرة جرى لفت الانتباه اليها مع كتابات المفكرين المشار اليهم سابقاً والذين قدموا قراءة اعتبرها عفيف فراج اسشتراقاً معكوساً حين اعترف أمثال ادوارد سعيد وأنور عبد الملك ومنير شفيف (وحتى أدونيس الذي كتب أن انقسام العالم الى قطبين شرق/غرب هو حقيقة قائمة وأن الغرب تميّز بالتكنولوجيا وليس بالابداع، وأن الشرق ابداعي خيالي، الخ.).. وبحسب عفيف فإن هؤلاء المفكرين الذين اندفعوا يومها في تبني الخيار الحضاري الاسلامي اعترفوا فعلياً بالثنائية العرقية القومية وأقروا بها "فتساوى القامع والمقموع مع تعديل وهو أن المقموع قد عكس هوية من هو الأرفع ومن هو الأدنى فيدعي المسلم تفوقه الروحي على الغرب الطامع بالسلطة والربح المادي ويصبح الاسلام شعاراً للتحرير"... وهنا تبرز استثائية عفيف وسبقه لنا في مضمار استخلاص الدروس والتنائج من ذلك التحول الفكري والنظري الذي دخلنا فيه بعد عام 1980... فهو قد ماهى بيننا وبين فرانز فانون من حيث الكلام عن (ردة فعل) وعن انقسام العالم الى جنسين مختلفين (أبيض مستوطن وأسمر ملون) يقطنان في مدينتين مختلفتين .. الخ؟.. هذا التقسيم الى عالمين، شرق وغرب ، نحن وهم، هو أساس التقسيم اللاحق الذي أجراه بن لادن الى فسطاطين ، وأسماه جورج دبليوبوش محور الشر ومحور الخير، وهو ينطلق من نظرية توينبي في أن التاريخ هو (تحدي وردّ على التحدي)... ولكن عفيف يتميز أيضاً في قراءته لتلك المرحلة ومفكريها عن الموقف الأصولي العلماني الذي عبرّ عنه أفضل تعبير كتاب مهدي عامل (نقد الفكر اليومي) والذي تناول نفس المفكرين والأفكار وانما بنظرة احتقارية تدميرية نزقة، على عكس عفيف فراج الذي تناولهم بنظرة مُحِبّة ونقدية في آن مع الاعتراف لهم بفضل في أمور كثيرة خصوصاً تقديره لدور هذه الكتابات وهؤلاء المفكرين في إغناء عملية الانبعاث الاسلامي الجديد بمعطيات تنويرية هائلة.. وعلى الرغم من كون هذه الحركة الاستشراقية المعكوسة متطرفة في عدائها للغرب "بحيث تقفز فوق حقيقة أن الغرب في موقفه من الاسلام ليس واحداً متجانساً وان الثقافة الغربية ليست كلها متهمة بالمشاركة في العداء للاسلام والشرق"، إلا أن هذه الحركة "تبقى في المحصلة النهائية ردة فعل مناهضة للغزو البورحوازي الغريب لبلاد وعقول المسلمين"... ويحاول عفيف فراج أن يأخذ موقفاً وسطياً ما بين هؤلاء ومنتقديهم من غلاة العلمانيين الذين يتهمهم عفيف بتغربهم عن الثقافة الوطنية وعجزهم عن الانخراط مع الجماهير العريضة واغترابهم الاجتماعي الثقافي وعجز الماركسيين من بينهم عن انجاز أيديولوجية ثورية تتلاءم مع العصر دون القطع مع الماضي، أي دون التضحية بالاستمراية الثقافية التاريخية... وبرغم الاعتراف بصحة وعمق النقاشات التقدمية التي طرحها ماركسيون وعلمانيون تقدميون (صادق جلال العظم مثالاً) إلا أن عفيف لا ينسى أن يختم باستعارة مقولة غالي شكري: "يجب أن نهدم ثم نعيد بناء تراثنا الثقافي من منظور ثوري مقتبسين من تراثنا ومن الغرب ما يتناسب وحاجتنا الموضوعية"... وهذا الاستنتاج الخلاصة هو الذي جمع بيني وبين عفيف في المرحلة الأخيرة من حياته حين كنت أعمل مع سماحة الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين على مقولة استنباط وصياغة حداتثنا الخاصة بنا وعلمانيتنا النابعة من سياقاتنا التاريخية والحضارية الخاصة، وهو ما أسماه عفيف في مقولة أتبناها بالكامل وأدعو الى تعميمها والعمل بموجبها حين يقول: "إننا نحتاج الى فلسفة جديدة للنهضة.. وهذه قضية ملحة دائماً".. نعم فلسفة جديدة لنهضتنا المعوقة والناقصة..تستعيد تراثنا الحضاري ولا تموت غرقاً فيه، وتأخذ من الحضارة الغربية ولا تكون تابعة ذيلية لها..إنها اليوم (وكما كانت بالأمس) أكثر من قضية ملحة.. إنها هي القضية! وبعد فإن عفيف فراج أعطى في أطروحته عن القمع السياسي بين الشرق والغرب، قراءة علمية ناقدة حول المصادر المعرفية لتلك النظرة الغربية الاستعمارية للشرق والتي لخصها في مقولتي: الهمجية الشرقية والاستبداد الشرقي، دون أن يقع في فخ المصادرة والتعميم ... وقد حاول الدفاع عن بعض المواقف الماركسية واللينينية تجاه الشرق وتمييزها عن المنحى الانتقاصي والاحتقاري للغرب البورجوازي، وكان ذلك منه آخر سهام محاولة الجمع بين الاسلام والماركسية، وهي المحاولة التي عشنا تجربتها معاً خلال تلك المرحلة (1977-1980) قبل أن تطغى علينا فكرة المفاصلة الكاملة مع الغرب بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، والتي كانت على ما يبدو من منبع ماوي صيني وليس من منبع إسلامي تقليدي.. ذلك أن الاسلاميين من جيل عبده والافغاني والطهطاوي وأرسلان، ثم من جيل العقاد والرافعي وطه حسين، كانوا قد حاولوا الجمع والتأليف ما بين شرق وغرب على قاعدة الخصوصية الحضارية السمحة المنفتحة التي تأخذ الحكمة والعلم أنى وجدتهما... غير أن الإشكالية في عصرنا الراهن وفي حاضرنا المعيش هي أعمق وأبعد من ذلك... وعفيف حاول مقاربتها من خلال استعادة أسئلة عبد الله العروي دون أصولية العلمانيين اليساريين، وخارج أصولية الاسلاميين الجدد المبهورين بالصعود النضالي للحركة الاسلامية الجديدة بعد 1980.. فقدّم عفيف قراءة مميّزة في الفكر الغربي القديم والحديث من منظار (فكرة وممارسة القمع السياسي) وأعاد سبب تخلفّنا وتراجعنا أو عدم تقدمنا الى قوة الاستبداد والقمع السياسي في حضارتنا وثقافتنا وسياستنا.. فاستعاد بذلك موقف الافغاني التاريخي الذي وجد أن الاستبداد هو علة هذا الشرق، دون أن يغرق في التأبيد الذي اصطنعه الغرب والذي جعل من الاستبداد الشرقي جوهراً أزلياً ثابتاً يسم الشرق ، ودون أن يغرق في الاستشراق المعكوس الذي يجعل الاحتقار والانتقاص الغربي جوهراً أزلياً ثابتاً.. إن محاولة عفيف فراج بناء أسس فلسفة جديدة للنهضة العربية كانت المدماك الأول في ما صار لاحقاً يعرف باسم حوار الحضارات والتعددية الثقافية.. فعلاً كان عفيف هنا أيضاً سباقاً ومبكراً في استشراف ما ستصل اليه تجربتنا الفكرية والسياسية، وما سيتكشف عنه الاسلام السياسي: الثوري في كفاحه ضد الاستعمار، والقمعي حين وصوله الى السلطة.. وهذا من أبلغ دورس تجربتنا الثورية الماضية، ومن أوضح وصايا الربيع العربي الراهن..

محاولة الالتفاف على القوى الأكثر تطوراً في الربيع العربي: لبنان ومصر نموذجاً


سمير فرنجية - لبنان تثبت أحداث مصر وتونس يوماً بعد يوم عجز الأحزاب العقائدية التي وصلت الى السلطة عن التعامل مع التحولات العميقة التي أحدثها الربيع العربي. ليس هذا العجز ناجماً فقط عن خيارات هذه القوى السياسية، بل تعود اسبابه الى ما هو أبعد من السياسة وصراعاتها، تعود الى تحول أساسي لم تأخذه هذه القوى في الاعتبار وهو استعادة الفرد العربي لدوره، الأمر الذي أسقط منطق الاختزال الذي كانت تعتمده كل القوى العقائدية، من كان منها حاكماً باسم الأمة او معارضاً باسم الدين، وهو منطق قائم على اختزال الانسان بالجماعة والجماعة بحزب والحزب بقائد. هذه معادلة تؤدّي عملياً الى القول: في البدء كان "القائد"، وليس الانسان، ولا حتى "الكلمة". الربيع العربي هو في أساسه فعل أفراد قبل أن يكون فعل جماعات سياسية. بو عزيزي في تونس ووائل غنيم في مصر وحمزة الخطيب في سوريا وغيرهم، أفراد لا علاقة لهم بجماعات. أثار الظلم الذي طاولهم موجة من التماهي العاطفي تخطت كل الحدود وأحدثت ما لم يكن أحد يتوقعه، مُطلقة عملية محاكاة على مستوى العالم العربي لم يكن أحد يتوقعها. لقد شهدنا في لبنان مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ظاهرة شبيهة من التماهي العاطفي فاجأت الجميع وخصوصاً من كانوا وراء عملية الاغتيال. وقد نبعت قوة الحركة الاستقلالية من كون غالبية الناس الذين شاركوا في انتفاضة الإستقلال إنما تحركوا بقرار ذاتي. لم يأتوا استجابةً لنداء من خارجهم، بل اعتبر كلٌّ منهم نفسه، وعلى طريقته، شريكاً أصلياً في المعركة الدائرة. نعم كانت الأحزاب السياسية حاضرة وفاعلة بالتأكيد. غير أن وجودها كان أقلياً بلا جدال. ولئن كان استقلال 1943 من إنجاز نخبة لبنانية، هي "آباء الإستقلال الأول"، فإن استقلال 2005 هو من إنجاز كل لبناني شارك فيه بشكل أو بآخر. وهنا يكمن الفرق، كل الفرق، بين الإستقلالين. التحوُّلُ الأساسي الذي أحدثه 14 آذار 2005 كان تحوّلاً من طبيعة ثقافية – أخلاقية. لقد أطلق استشهاد رفيق الحريري دينامية مصالحة مدهشة لدى كل لبناني مع نفسه ومع الآخر. إن جوهر تلك الظاهرة، التي لم يقدّر أحدٌ مداها في حينه، لا ينتمي إلى حقل السياسة، بل إلى نظام القيم ومرتبة الأخلاق. ذلك أن تلك الصحوة الوجدانية أعادت اللحمة إلى مجتمع عصفت بتضامنه وقطّعت أوصاله حربان متواليتان، ساخنة (1975 – 1990) ثم باردة (1990 – 2005)، فصيّرته مجرّد رُكام من أفراد مشتتين وغير قادرين على التضامن والفعل. لقد شهد 14 آذار إذاً، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، انبعاثَ هوية وطنية لبنانية لا تُحدِّد مضمونها طائفةٌ بعينها؛ هوية جامعة تتجاوز الانتماءات الطائفية من دون أن تلغيها؛ هويةٌ من شأنها أن تُعيد إرساء العيش المشترك على شروط الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين لا على شروط قوى طائفية سياسية معينة. انبعاث هذه الهوية الوطنية الجديدة عبَّر عن نفسه بولادة رأي عام مدني، وازن ومستنير، ربما أيضاً للمرة الاولى في تاريخ لبنان. وهو أمرٌ في غاية الأهمية لمستقبل الوطن، لأنه أدخل بُعداً جديداً كل الجدّة على الحياة السياسية التي كانت حتى ذاك محكومة بعمليات التحالف والخصومة والنزاع في ما بين زعماء الطوائف وأعيان المناطق. هذا الرأي العام غير طائفي، لأنه غير قابل للإختزال في طائفة بعينها. لكنه أيضاً ليس علمانياً، لأنه لا يضع الهوية الوطنية في مواجهة الانتماءات الطائفية والمناطقية. إنه رأيٌ عام مدني، وهو بذلك أكثر حداثةً وانفتاحاً من الطبقة السياسية التي تحاول تمثيله وتواصل في الوقت نفسه إعطاء الأولوية المطلقة لـ"حقوق" الطوائف، أي عملياً لقيمومتها هي على تلك الحقوق. هذا الرأي العام مستقلٌ بطبيعته، بمعنى أنه لا يشكل احتياطياً ثابتاً لحزب بعينه، بل يمنح تأييده لكل اداء سياسي منسجم مع تطلعاته، ويمنعه عن أي أداء مخالف. لذلك فإنه لا يخضع لمنطق توازن الرعب الذي يحكم العلاقة بين القوى السياسية. فسلاحه هو اللا عنف! حاولت القوى العقائدية من دينية وطائفية تهميش هذا الرأي العام والعودة الى المنطق الذي كان سائداً قبل انتفاضة الاستقلال. كلفة هذا الأمر كانت باهظة؛ إذ باتت البلاد منقسمة انقساماً يصعب تخطيه، والدولة مشلولة شللاً كبيراً، وخطر الفتنة يزداد يوماً بعد يوم. الطريق نفسها يسلكها "الأخوان" في مصر. فهم ارتكبوا خطأً جسيماً عندما تصرفوا كأنهم أصحاب حق مطلق، فحاولوا الحصول على صلاحيات وصفها أحد المعلقين بـ"السلطانية"، الأمر الذي تسبب بانقسام المجتمع نصفين متقابلين، وهو انقسام أكدته نتائج الاستفتاء حول الدستور الجديد الذي نظمته السلطة. فاذا كان من حق "الأخوان المسلمين" في مصر الامساك بالسلطة نتيجة انتخابات نيابية و/ أو رئاسية شارك فيها المصريون بوصفهم مواطنين أفراداً، فليس من حقهم الإمساك بالدولة وتغيير طبيعتها استناداً الى مشروعهم الخاص من دون توافق المجتمع بكل مكوّناته الأساسية. إن أكثر ما يعبّر عن هذا التوافق المجتمعي، بصيغة قانونية تعاقدية، هو الدستور. لذا ينبغي ان يعكس الدستور هذا التوافق المجتمعي، وليس من شأنه التعبير عن ميزان قوى سياسي متغيّر بطبيعته، مثلما لا يحقّ له التعبير عن فئة واحدة في المجتمع، خصوصاً إذا كانت جماعة حزبية. الى ذلك لم يدرك "الاخوان" أمرين اساسيين: الأول أن معارضيهم اليوم "هم الذين أنهوا الحكم السابق بكل قوته وجبروته وواجهوا بطشه ورصاص جنوده". لم يتراجعوا في الأمس ولن يتراجعوا اليوم. الثاني أن من الصعب جداً الارتداد على هذا التحول التاريخي الذي أحدثه الربيع العربي والاستعاضة عن ديكتاتورية "علمانية" بأخرى "دينية". للتذكير فقط، فقد جرى منذ سقوط حسني مبارك تأسيس ما بين 6 و10 آلاف جمعية غير حكومية. إن التحدي الذي يواجه الحركة الاسلامية هو في الخروج من التقابل بين الاسلام والديموقراطية وابتكار "طريق اسلامية" نحو الديموقراطية شبيهة بـ"الطريق المسيحية" نحو الديموقراطية التي تجسدها اليوم الأحزاب الديموقراطية المسيحية في اوروبا. المهمة ملحة نظراً إلى التحديات التي تواجهها على أكثر من صعيد، ولاسيما الصعيد الاقتصادي- الاجتماعي، والتي تتطلب إعادة الوصل مع مكوّنات المجتمع الأكثر تطوراً وانفتاحاً.

حدود للتسليم "الواقعي" بتحوّلات الثورة السورية


أحمد بيضون - لبنان لا بدّ من حدّ للتسليم الواقعي بما تصير إليه حركة تاريخية تبدأ متّخذة لنفسها صورةً بعينها ومتطلعة إلى أفق معلن ثم تجد نفسها، بعد حين، وقد اتّخذت صورةً مغايرة وأصبح إفضاؤها إلى الأفق الذي أرادت فتحه، في البدء، أمراً معلّق الاحتمال أو غير مرجّح الحصول في مدى منظور. نفكّر في الثورة السورية: في ما آلت إليه موازينها العامّة وفي إلزامها المتدرّج لمثقفيها بالتقبّل المتتابع لأطوار وأحوالٍ آلت إليها وكان بعضهم قد عبّر عن أشدّ الخوف من التوجّه نحوها قبل أن تحصل فعلاً. ثمّة حدّ للمنطق الذي يتذرّع بكون النظام الأسدي، بإيغاله في القمع الهمجي وبما تمكّن من استنهاضه من دعم حاسم في النطاقين الإقليمي والدولي، هو الذي فرض هذا أو ذاك من التحوّلات التي شهدتها الثورة وراحت تزيدها غربة عن صورتها الأولى: عن الإلهام الأصلي الذي استنهض، طوال شهور، إعجاب العالم وإن يكن لم يستنهض نخوة قوى كبرى كان معوّلاً على حزمها لترجيح كفّة الثورة. فلم يقيّض لهذه حسم المواجهة لمصلحتها في مهلة مشابهة لما احتاجت إليه، في العامين الأخيرين، أقطار عربية أخرى وبأكلاف قابلة للمقارنة بتلك التي تكبّدتها شعوب تلك الأقطار. النظام فرض "هذا": هذا مؤكّد ولكن المعضلة الجديرة، هي أيضاً، بالنظر وبالعمل هي أن "هذا" قد حصل وأن نتائج بعينها ذات وقع غير هيّن على مستقبل سوريا تترتّب على حصوله. ما نشير إليه من أطوار وأحوال له أسماء معلومة يسهل استذكارها، فلا نبقى في عالم المجرّدات. كانت الثورة في شهورها الأولى سلمية: اتّخذت التظاهر أسلوباً رئيساً لحركتها وتركّزت بؤرها الكبرى في مدن متوسّطة الأهمية إجمالاً، معوّلها الأوّل على الأرياف المحيطة بها وعلى فائض الزراعة في هذه الأخيرة. وهي – أي المدن – تستقبل، إلى ذلك، فيضاً من أهل الريف من غير تهيئة أو توفّر لما يسهّل لها استيعابه. عالجت السلطة الأسدية حركة التظاهر هذه بالبطش الشديد وتمكنت من الحيلولة طويلاً دون غلبة يعتدّ بها للحركة على ساحات العاصمتين، دمشق وحلب، وتركّزها فيهما، على غرار ما تمكنت من تحقيقه، ردحاً من الزمن، في حمص وفي حماه، مثلاً... ولقد بدا، مع تعاقب المجازر، أن المنفذ المتاح من هذا النفق الدموي يتمثّل في تشقق آلة القمع على نحو يضعف ذراع النظام الضاربة مقلّصاً قدرته على البطش، من جهة، ويوفّر حماية للحركة، من جهة أخرى، وحاجزاً في وجه قمع بدا أنه لا يلوي في تصاعده على شيء. وقد حصل هذا التشقق وتوسّع. إلا أنه لم يبلغ حدّاً تشلّ معه آلة النظام القامعة وذلك لأسباب تتّصل بالتكوين التاريخي لهذه الآلة وبما أورثه هذا التكوين من تماسك طائفي لمعظم قياداتها ولأهمّ قطعاتها المقاتلة. وهذا في ظلّ الصفة الطائفية المعلومة للنظام والخشية الطائفية التي راح النظام يسعى إلى تعزيزها، في صفوف الأقليات عموماً، من مغبة سقوطه. هكذا راحت سوية القمع ترتفع إلى ذرى دموية مهولة وراح المكوّن العسكري في الثورة يزداد، مع ارتفاعها، أهمية، ويتوسع مستدرجاً، فضلاً عن النظاميين "المنشقّين"، عناصر من خارج القوّات النظامية، بل أيضاً من خارج سوريا كلها. وكان أن قوّات الثورة هذه قد أفلحت، مع تمادي المثابرة العنيدة، على الرغم من سوء تجهيزها المؤكّد والتبعثر الظاهر لقياداتها وتوجهاتها، في السيطرة على مناطق ومرافق كثيرة وفي التظهير المتزايد لعلامات التضعضع والتراجع في جهة النظام. على أن هذا التطوّر، في جانب الثورة، نحو مواجهة العنف بالعنف كان ينتهي، في الواقع، لا إلى حماية الحركة الشعبية بتنوّع قواها واتساع قواعدها الاجتماعية، بل إلى الدفع بها نحو الهوامش والحلول المتدرّج محلّها. كان ينتهي إلى ما سمّي "عسكرة الثورة" بما يعنيه ذلك من تغليب لأفق العسكر وأسلوبهم في الصراع السياسي ولمسلكيتهم الاجتماعية ولما يحتاجون إليه من أنواع الدعم التي يتعذّر المضيّ في المواجهة المسلّحة إن هي لم تكن متاحةً ولو على شحّ وندرة. اليوم أصبح وقع العسكرة هذا على الثورة أمراً مقضياً. وكان بين أبرز وجوهه نقل هذه الأخيرة من السباحة في مياه إسلام شعبي، غائم الملامح الاجتماعية وضعيف الإلزام في السياسة، إلى إسلام آخر، ضيّق في حركيّته ومتزمّت في شعائريته ولو على نحوين مختلفين كثيراً أحدهما عن الآخر: فواحد تفرضه، على الخصوص، انتقائية تعتمدها مصادر الدعم، الخليجية أساساً، فيعزّز في السياسة تنظيم "الإخوان المسلمين" الذي انتقل من حال الذواء المتأتي عن عقود القمع إلى حال التصدّر والحظوة الواسعة في صفوف العسكر المنشقّ وفي صفوف التمثيل السياسي للثورة سواءً بسواء. وواحد آخر يعتمد السلفية الجهادية هوية وأسلوباً ويستدرج إلى الساحة السورية من أشرنا إليهم من "مجاهدين" مختلفي المنابت على النحو الذي بات مألوفاً منذ بزوغ نجم "القاعدة" في أفغانستان. هذا كله يسّرته سيادة العنف على الساحة كلها ولكن يسّره أيضاً تهالك المعارضة السياسية المتمادي وضعف أطرها وعجزها عن الارتقاء بالعلاقات بين أطرافها وبمسلكية هذه الأطراف، في مهلٍ مقبولة، إلى السوية المصيرية للمواجهة الدائرة على أرض سوريا والسوية الرفيعة لاستعداد السوريين للبذل. يصحب هذه النقلة صراحة متفاقمة في رسمٍ ذي صفة طائفية لخطوط المواجهة السياسية الجارية في ميادين الداخل. والطائفية – وقد أشرنا إلى هذا أيضاً – أمر تسهل نسبته إلى النظام: تاريخاً وانتساباً. ولكن الطائفية شيء يتغير وينقله العنف خصوصاً من حال إلى حال. ولا يمكن القول إنه لا يزال حيث وصلت الثورة السورية اليوم في حاله التي كان عليها عند انبثاق الثورة. ثمّة شرعية لاتّهام النظام بفرض هذه التحوّلات بسائر وجوهها على من يواجهونه. ثمة شرعية للقول إن هذا الذي حصل ويحصل لم يكن منه بدّ بسبب ما أظهره النظام من همجية وبسبب استبسال حلفائه الخارجيين في إسناده. وهذا استبسال لم يتهيّأ ما يوازنه للثائرين وللثورة. ثمة وجه للبحث عن أصل الطائفية المتفاقمة في تكوين النظام ولتحميل قدر جسيم جدّاً من المسؤولية عن تفاقمها لسلوك النظام. بل يمكن أيضاً نسبة حال الخواء والتهاوي التي ظهرت فيها تشكيلات المعارضة السياسية إلى عشرات من السنين جهد النظام خلالها في إخلاء البلاد من السياسة. يصحّ القول أيضاً، من غير شك، أن أسوأ ما يمكن حصوله لسوريا هو بقاء النظام الأسدي محكّماً برقاب شعبها وأن ما سيقدم عليه هذا النظام، إذا استوثق من بقائه وإطلاق يده، نوع من الاستئصال المختلف الوجوه يضيق عن قباحته الخيال. ولكن العزاء الذي ينطوي عليه هذا التوجيه نحو النظام للاتهام، بمختلف شُعَبه، عزاءٌ محدود وإن تولّت تسديده بوصلة سليمة. فالحال أن هذه التحولات الفادحة حصلت وتحصل فعلاً وأنها تحمل على استذكار شعارات الحرّية والكرامة والوحدة الشعبية التي شارك السوريون في رفعها شعوباً عربية أخرى وتحمل على السؤال عن المصير المرجّح لهذه الشعارات في الآفاق التي باتت الثورة الجارية مشرفة عليها. ولا ريب أن الجواب (أو الأجوبة) عن هذا السؤال يفترض أن تترتّب عليه (أو عليها) وجهة (أو وجهات) تقترح، في الأفق الذي فتحته الثورة نفسها، على العمل السياسي. كان وعدُ الربيع العربي كله، والثورة السورية ساحة عزيزة من ساحاته وذروة من ذراه، "فَتْحَ المستقبل". فما العمل، اليوم وغداً، لمنع إغلاق المستقبل من جديد؟

هل يمكن حماية الثورات؟


منى فياض - لبنان بداية أود التعليق على تعبير "نحن كمثقفين". من نحن هذه؟ في ظل التغيرات الجذرية الحاصلة هل يشكل المثقفون جسماً واحداً متجانساً ينفعل ويتخذ مبادرات او مواقف متماثلة تجاه حدث او قضية او ما شابه؟ للمثقفين اتجاهات ومواقف وآراء متباينة ومتناقضة ومتعارضة، فهم ليسوا كتلة متراصة على غرار الاحزاب الدينية الفاشية السائدة. لكن يظل للتساؤل مبرره، إذ إن سؤالاً فرض نفسه تجاه الاحداث الاخيرة في مصر: ما هو موقف الجسم القضائي من قرارات الرئيس المصري؟ هنا قد لا ننتظر اجابة واحدة من هذا الجسم بل متعددة وقراءتنا لها هي التي تسمح ببلورة موقف او بتوضيح الصورة. من هذا المنظار يحق طرح السؤال نفسه عن المثقفين. الطبيعي في الحالتين، وفي غيرهما، بروز التعدد في الاتجاهات أو حتى تناقضها. غالباً ما كان المثقفون - ويكونون- مع السلطة. من هنا صفة "مثقفي السلطان". المثقفون الذين كانوا مع الضعفاء في التاريخ قلة. برهنت الثورات العربية أن المثقف العربي بشكل عام، ما عدا قلة قليلة، لم يكن في الطليعة؛ ونجوم الثقافة وابطالها لم يتوقعوها. على الأقل في ما يخص المثقف - النجم التقليدي. بيّن الحراك الحاصل منذ بدايات العام 2011 ان الفئات الشابة المتعلمة والمعولمة من الطبقة الوسطى هي الوسيط المحرك الذي ساعد على تفجير الثورات وليس المثقف التقليدي، الذي ربما أخّر أو حتى أعاق تطوير آليات مساعدة على التغيير. الكثير منهم كان قد التحق بالأنظمة البائدة واستفاد من فنادقها وجوائزها ودافع عنها. بلغ تزيين الاستبداد والدفاع عنه حد اختراع صفات للتخفيف من بؤس العيش تحت سلطانه الغاشم، من مثل القبول بالمستبد لعلمانيته هرباً من الاصوليات (المضحك المبكي أن من يدافع عن علمانية مثل هذه الأنظمة هو نفسه من يدافع عن حركات أصولية في سياق آخر مقاوم!). أو اللجوء الى الشعار المخاتل مثل الممانعة وما شابه. المرحلة الراهنة لم تعد مرحلة "المثقف النجم" التي يمثلها بامتياز أدونيس وكلنا يعلم مواقفه ومهادنته الطويلة للنظام "العلماني"، "العلوي" للمناسبة، واستسهال انتقاد الله والدين لسهولة النجاة من القصاص (الدنيوي مثلا!) والامتناع عن توجيه أي نقد علني للنظام المستبد. إذاً هذه المرحلة ليست مرحلة "المثقفين النجوم" الذين فقدوا دورهم وبريقهم مع ذهاب الأنظمة الحاكمة. لا دور للمثقفين الآن إلا بمقدار انتمائهم الى التحرك الثوري الجاري في العالم العربي والمساعدة على التخلص من آثار المرحلة الماضية والنضال المتواصل ضد المستبدين الجدد المختبئين تحت عمامة الدين، وتحمل تبعات ذلك. الانحياز الى الشعوب التي برهنت عن طفرة من الوعي غير المسبوق، يفرض نفسه هنا، بعدما اعتبرت طويلاً ميؤوساً منها وبعدما برزت تنظيرات سادت لبرهة من الزمن عن "العقل العربي" الجامد بتكوينه. والانحياز الى الجيل الشاب الذي استوعب معنى الحق في المطلق، الحق في الحرية والحق في الكرامة بمعناها الانساني الشامل، أي الحق في التمتع بالحقوق الانسانية الأساسية بحسب ما تنص عليها شرعة حقوق الانسان. والحق في الحرية بمعناها الرمزي والفعلي. الأرجح أن يبلور هذا الجيل الأمور بطريقة خلاقة تتخطى القيم التقليدية المعيقة في الثقافة العربية. الجديد المهم على الصعيد الثقافي أن حركات الاحتجاج الشعبية اثبتت الشرعية الاخلاقية والاستراتيجية للنضال غير العنفي. الجماهير استفادت من تجارب الشعوب. ففي وقت نجد الكثير من "مثقفينا" يدافعون عن النظام الوحشي الدموي في سوريا ومن خلفه حليفته إيران لمصالح غالباً ما تكون مادية ضيقة، نجد أن الشعوب العربية استفادت من تجربتها مع حكامها الذين امتهنوا كرامتها ووجودها من خلال قوانين "طوارئ" دامت لعقود وعقود! لذا نجد أن الشعب المصري العظيم الذي على أكتافه سوف يتحدد مصير الثورة المصرية ومستقبل الثورات العربية، لم تنطل عليه حيل الرئيس "الإخواني" في أنه يطلب السلطات شبه الإلهية لفترة آنية. سلطت قرارات الرئيس مرسي المفاجئة وإعلاناته الدستورية الضوء على مدى هيمنة جماعة "الإخوان" على آلية صنع القرار السياسي في البلاد، وتسبب إصرار الجماعة على إجراء الاستفتاء على مسوّدة دستور غير توافقية، موجة رفض عارمة خوفاً من أجندة الجماعة الضمنية وانعدام الثقة في مدى قبولها بدولة مدنية ديموقراطية تستوعب تنوع المجتمع المصري بكل مكوناته، ما يهدد بتغيير هوية مصر التعددية فتصبح دولة دينية تخفي تحكم "ولاية المرشد" على شكل "ولاية الفقيه" في النموذج الشيعي الإيراني. يبدو إن هذا أكثر ما يخيف المصريين، أن يغمضوا أعينهم ويفتحوها ليجدوا أنفسهم تحت نظام إسلامي متطرف من النوع الذي شكله آية الله الخميني في إيران منذ 33 سنة. والذي لم ينتخبه الشعب الإيراني رئيسا أو مرشدا أعلى. كان قد وعد الناس أنه سيترك السلطة للشعب بعد نجاح الثورة وسيذهب إلى قم لمتابعة مهنته في التدريس هناك. لكن ما حدث أنه بقي في السلطة ومنح نفسه صفة "الولي الفقيه". الثورة الإيرانية لم تنفذ وعودها. وعلى غرار ما يفعل "الاخوان" في مصر، تم إعداد الدستور في إيران بسرعة ولم يجد الناس المتحمسون فرصة كافية لقراءته بعناية، والذين قرأوه وأرادوا أن يعبّروا عن آرائهم المختلفة كانوا يعتبرون معادين للثورة. الدستور الإيراني بعد الثورة كتبه أنصار الخميني، وكان الخيار الوحيد المتاح للناس أن يصوتوا بـ"نعم" أو "لا" على الدستور. لم يكن هناك مجال لاقتراح أي تغييرات. وبعدما نجح الدستور في الاستفتاء بنسبة 99 في المئة أمر الخميني باعتقالات وإعدامات على نطاق واسع بهدف تصفية وتشتيت المعارضين للثورة الذين تجرأوا على النزول إلى الشارع للاحتجاج على زيادته لسلطاته. كانت الثورة في إيران إنجازا حققته جماعات مختلفة اتحدت على هدف واحد، كما حدث في مصر، وهو إطاحة الاستبداد. لكن سرعان ما اختُطفت الثورة واستغل الخميني محبة الناس له للتخلص من معارضيه وتأسيس أول حكومة إسلامية متطرفة في المنطقة. وهذا ما يحاول تكراره الرئيس مرسي. ثم ما قيمة دستور لا يؤمن استقرارا للبلاد؟ وما قيمة دستور يقسم المصريين؟ والأخطر ماذا سينتج من الاستفتاء من عدم استقرار وعنف؟ لكن المصريين تعلموا الدرس وهم واعون تماماً أن ثورتهم لم تنته بمجرد إجراء انتخابات رئاسية ديموقراطية. وهم يرفضون الادعاء بأن الصلاحيات المطلقة التي يطلبها "آنية" فقط، لأنهم صاروا يعرفون تماماً أنه لا يوجد ديكتاتور موقت. كل الحكام المستبدين زعموا أنهم مضطرون الى إجراءات استثنائية بشكل موقت ثم استبدوا بالسلطة الى الأبد. من إيجابيات الانقضاض السريع والشراهة الاخوانية للهيمنة على مصر، أن هذه الممارسات تقدم نموذجاً لما يمكن أن تسفر عنه ممارسات القوى الإسلاموية في دول الربيع العربي في مرحلة التحول الديموقراطي وبناء مؤسسات الدولة، التي تعني لهم عملية بناء دولة تسلطية باسم الدين الاسلامي، تؤمن بالانتخابات وتحترم نتائج الصندوق من دون أن تحترم بقدر مماثل حقوق الأقليات، والفصل بين السلطات. إنها ممارسة شكلية للديموقراطية جوهرها فرض الإذعان والقبول بدستور هو محل خلاف لكنه يؤسس لدولة إسلامية على غرار دولة "ولاية الفقيه"، من خلال استخدام براغماتي لأدوات ديموقراطية، ولغة مزدوجة، ووعود فارغة وفهم مغلوط لمفهوم الأغلبية نفسه بحيث يساء تفسيره. من حق الأغلبية إدارة الحكومة إذا فازت، لكن لا يحق لها أن تفرض أحكامها على الجميع. هناك فارق شاسع بين الحكم والحكومة. تستطيع الأغلبية إدارة الشؤون العامة المتغيرة وفق أنظمة ثابتة. وهنا الفارق بين الجماعات الفاشية والديموقراطية. الأغلبية في نظام ديموقراطي تدير شؤون الدولة في إطار نظام يقوم على توازن السلطات، ووفق الدستور الذي يفترض أنه توافقي ويمنح الجميع الحقوق نفسها ويحمي الأقليات وكل القوى التي يتشكل منها المجتمع. أمام ممارسات "الاخوان" يصبح من الطبيعي ان ينقسم المجتمع المصري حول نزعة الانفراد والهيمنة للإسلامويين، وان تتضخم مخاوف القوى المدنية والمسيحيين من احتمال أن تكون الانتخابات التي أتت بالرئيس مرسي هي الأخيرة. لكن مناخ الربيع العربي وانطلاق سيرورة التغيير العميقة يمنعان تكرار تلك النماذج. إن الطبقة الوسطى العريضة والقوى الشبابية النشطة التي راكمت خبرات نضالية خلال معاركها خلال العامين المنصرمين، يضاف إليها إعلام قوي مستقل عن الدولة، ونظام قانوني وقضائي مستقر ونخبة قضائية ذات تكوين مهني عريق، قادرة على النضال الطويل من أجل حماية الثورة. غلطة "الإخوان" تأتي من عدم إدراكهم أن مصر قد تغيرت وانتقلت خطوات بعد الثورة في اتجاه الحرية والكرامة الإنسانية على مستوى الإحساس الداخلي عند كل فرد. انها معركة مستقبل مصر بين "الإخوان" وبقية الوطن. ومن ينتصر في هذه المعركة سيرسم ملامح مصر المستقبل. وهذا ما سوف يؤثر في مختلف أنحاء العالم العربي. على كل حال يبدو أن لممارسات "الاخوان" في مصر إيجابية الدفع نحو استيلاد الكتلة المدنية الليبيرالية في وجه ممارسات الاستبداد العائدة باسم الدين. وإظهار أن قوة هذه الكتلة لا تأتي من تنظيمها، بل من قوة تمثيلها الفعلي لأكثر من نصف الشعب الذي ما عاد يرضى لا بالديكتاتورية العسكرية ولا بالديكتاتورية الدينية. هذا النصف يتضمن أيضاً المتدينين الاسلاميين المنفتحين والمعتدلين الذين يريدون إسلاما ليبيراليا يعتمد الفكر المتسامح والمنفتح. وكلما تبلور وعي هذه الفئات بنفسها ككتلة تاريخية ذات وزن وحاولت تنظيم نفسها وبلورة برامجها السياسية الموحدة ورؤيتها المشتركة، نجحت في تغيير التاريخ والتعجيل في بلوغ أهداف الثورات التي اندفعت مثل طوفان في العالم العربي، والتي ستنتصر على المديين المتوسط والطويل مهما تكن الأكلاف. النموذج البطولي السوري النادر ماثل أمام أعيننا.

الثورة، الإسلام، وامتلاك السياسة: في نقد "التيار المدني" والاستقطاب المدني الإسلامي


ياسين الحاج صالح- سوريا لا أرى، بداية، أن الكلام على "تيار مدني" متعدد الألوان يتقابل مع تيار إسلامي متعدد التيارات الفرعية، منتجٌ معرفيا أو سياسيا. من شأن ذلك أن يُغفِل تمايزات كبيرة ضمن كلا التيارين، يتواتر أن تتغلب على التمايز الكبير المفترض بين "مدنيين" و"إسلاميين". محور الاستقطاب الرئيسي في السياق العياني للثورة السورية اليوم هو الذي يفصل بين مَن هم مع الثورة إلى حين إسقاط النظام الأسدي، ومنهم مدنيون" و"إسلاميون"، وبين مَن هم مع النظام، ومنهم "مدنيون" يحصل أن يُعرِّف بعضهم نفسه بالليبيرالية واليسارية، وبالعلمانية خاصة، ومنهم "إسلام" حكومي داجِن ومدجِّن. لعل الأمر لا يختلف جوهريا عن ذلك في مصر وتونس. فليس الاستقطاب المنتج هو ذاك الذي يفصل قطاعين من النخبة تميزهما اعتبارات عقدية، مؤمنين مقابل ملحدين مثلا، أو إسلاميين مقابل علمانيين، أو شرع الله محل القوانين البشرية، على ما قد يفضل طرح الأمر إسلاميون تسلطيون ومدنيون تسلطيون. معيار التمييز اليوم هو الثورة في سوريا إلى حين إسقاط النظام، وهو الكفاح الديموقراطي في مصر وتونس، أي بين مَن يعملون من أجل مساحة اكبر للمبادرات والفاعلية الشعبية في حياتنا السياسية والعامة وبين تسلطيين إسلاميين ومدنيين تفكيرهم متمركز حول الدولة المربية، وحول فرض العقيدة الإسلامية أو "المدنية" عبر الدولة. هل توفر "الإسلامية" أساسا متميزا للطغيان؟ و"المدنية" أساسا تفضيليا للديموقراطية؟ لا أقول إن العكس هو الصحيح، لكن أتشكك كثيرا في هذا التقدير. 1 ليس صحيحا بحال أن "التيار المدني" ديموقراطي لمجرد كونه غير إسلامي، أو مناضل من أجل الديموقراطية. الواقع أن تاريخ متن هذا التيار طول العشرين عاما الماضية على الأقل يضع طيفاً واسعاً منه في موقع أقرب إلى النظم الحاكمة، وإن بتحفظ متفاوت عليها. فإن كان من توجه سياسي يمكن نسبته إلى التيار المدني المزعوم فهو "الاستبداد المستنير"، أي نسخة من الاستبداد أقل انحطاطا مما عرفنا في العقود الماضية، لكنها محبة للثقافة والمثقفين، وتعمل على "تنوير الشعب"، ولا بأس في أن تتعامل معه بغلظة أبوية. لزوم "التربية". والفاشية ليست نهجاً تفضه أجنحة من "التيار المدني" في التعامل مع انتفاضات العامة، على نحو تظهره الثورة السورية أيضا. أما الخصم النوعي لمختلف مكونات هذا التيار فهو "الإسلاميون". يمكن التكلم على تناقض بين الطابع المفتوح لتفكير هذا التيار والطابع المغلق لسياسته. لكن فكره خلال الجيل الأخير ليس منفتحاً في الواقع، ولا يحوز مبدأ انفتاح أصلاً على ما يصير ويتحول. لقد اغتال التيار المدني نفسه بنفسه حين وقف على أعتاب الدولة الاستبدادية المنحطة في مواجهة الإسلاميين وأي "مدنيين ديموقراطيين" (إثبات ذلك ميسور من أعمال مثقفين سوريين مكرسين). في المقابل يحمل التيار الإسلامي المعاصر تناقضاً بين وجه شعبي مكتسب في مقاومة الطغيان، وبين منزع سلطوي متجه نحو الهيمنة والاستئثار. ضمن هذا التيار تيارات فرعية، تشغل مواقع متفاوتة بين طرفي التناقض، مع كونها أقرب جميعا إلى المنزع التسلطي بحكم تكوينها الفكري، المفتقر بدوره إلى مبدأ انفتاح. كلما عرّف الإسلاميون أنفسهم بدلالة معتقدهم الديني حصراً كانوا أميل إلى التسلط (الجماعات السلفية والجهادية) والانعزال عن غيرهم، وكلما عرّفوا أنفسهم بمناهضة الطغيان والمطالب الاجتماعية كانوا أقرب إلى سند لحياة سياسية منفتحة وإلى الشراكة مع غيرهم. وتنجذب قطاعات من الجمهور إلى الإسلاميين اليوم لأنها تجد عندهم طاقة احتجاج نشطة، وانضباطاً أخلاقياً، ومغايرة جذرية للنظم النخبوية التي حكمت بلداننا خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، فيما لم يشكل "مدنيون" غير الجناح المعتدل للنظم النخبوية نفسها، ودون طاقة احتجاج عامة، ودون أن تكون لهم دعوة اجتماعية وأخلاقية عامة من أي نوع. 2 ليس الانطلاق اليوم من استقطاب إيديولوجي مدني إسلامي بالأمر المحايد سياسياً. فهو في الواقع يضع هياكل الحكم النخبوي في موقع الحكم الأعلى بين "تيار مدني" فاقد للعزيمة السياسية ولا مشروع إيجابياً لديه، وبين إسلاميين صاروا تجسيداً للمعارضة السياسية الأكثر جذرية. هذا يناسب تماماً النظم الاستبدادية المنحطة التي اجتهدت في العقدين الأخيرين، وفي سنوات ما بعد أيلول 2001 بخاصة، على تصوير نفسها متراساً "متمدناً" ضد محكوميها المتوحشين، الإسلاميين بخاصة. ليس في الكلام على نظم منحطة انزلاقاً نحو الهجاء، بل محاولة لإظهار افتقار هذه النظم إلى أي مبدأ أو فكرة عليا تسمو على البقاء المؤبد في الحكم وامتلاك كل الأشياء. إنها انحطاط منظّم. يناسب الطرح نفسه "مدنيين" عاجزين عن المبادرة الفكرية والسياسية، ومن شأن بقاء الأوضاع كما هي أن يحجب عجزهم عن تغيير أي شيء في أنفسهم أو في العالم حولهم. لكنه يناسب أيضا التيارات الأكثر تسلطية بين الإسلاميين حين يظهر أنهم المعارضون الحقيقيون والأكثر قرباً من الشعب. الطرف الذي يدفع ثمن هذا التركيب الإيديولوجي- السياسي هو "مدنيون ديموقراطيون"، إن جاز التعبير، مشاركون في مقاومة الطغيان، ومخاصمون للتيار المدني الداعي إلى الاستبداد المستنير، وللإسلاميين ومبادئهم الدينية السياسية التي لا تفيض عن نظام "الاستبداد العادل": نظام "يطبّق الشريعة" و"يُنزل الناس منازلهم" و"يعطي كل ذي حق حقه". ويخسر أيضا إسلاميون ديموقراطيون، مثقفون أفراد ومجموعات صغيرة، لا تشكل تياراً منظماً، حالها في ذلك حال "المدنيين الديموقراطيين". 3 لكن فلنعد إلى جذور المسألة. لماذا شغل إسلاميون هذا الموقع الكبير في المجتمعات العربية الأكثر تحديثاً؟ وكيف حصل أنهم أخفقوا في أي تمردات قادوها بأنفسهم (في سوريا بين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وفي مصر أواسط السبعينات، ثم على نحو متقطع في الثمانينات والتسعينات...)، بينما تقودهم ثورات لم يفجروها والتحقوا بها متأخرين ومترددين إلى مواقع الصدارة السياسية؟ غير ما سبق ذكره من المغايرة السياسية والأخلاقية الجذرية للنظم المنحطة القائمة، وطاقة احتجاج كبيرة، من أهم سوابقها التمردات الفاشلة المشار إليها، شكّل "الإسلام" استراتيجيا كبرى لا مثيل لها لامتلاك السياسة في مجتمعاتنا من جمهور مستبعد ومفقر سياسياً ومادياً. المقصود بامتلاك السياسة امتلاك التنظيم والرأي والقضية الواضحة، حيازة مبدأ عدالة أو تمرد ضد "الظلم"، وطاقة لتشكيل مجتمع مختلف عما هو قائم. قد نختلف قليلاً أو كثيراً في الحكم على "التيار المدني" المتعدد الألوان، لكن هل هناك من يعتقد جديا أنه يحوز مبدأ مغايراً لتنظيم المجتمع والدولة عما نعرف منذ عقود؟ أو أنه حائز قدرات خاصة في مجال التنظيم والتعبئة المجتمعية الواسعة؟ أو أن قضايا الحرية والعدالة للجميع تشغل بال أعلامه وعموم المنتسبين إليه؟ وإذا كانت هذه النظم بلغت المدى الذي نعلمه من الانحطاط، مما لا يكاد يتشكك فيه حتى دعاة "الاستبداد المستنير"، وإن فسّروه غالباً بطريقة تضع عبء الانحطاط على المحكومين لا على الحاكمين، إذا بلغت مدى الانحطاط المعلوم، ألا يقتضي الأمر إعادة نظر جذرية في فلسفتها التحديثية الدولانية (المماهاة بين الدولة والحداثة أو العقل)، وفي أولوية الهدف (التماثل مع النموذج الحداثي) على الممارسة العملية لملايين البشر وحياتهم وصراعاتهم؟ وعلى حساب القضايا الاجتماعية وقضايا القيم؟ لقد توافقت هذه الفلسفة التي يواليها "التيار المدني" وتطبّقها النخب المنحطة مع إنتاج "عالم أول داخلي" صغير، لا يكاد يتعدى عشر السكان، يتمايز عن عالم ثالث داخلي يعتبر متوحشاً ومهدداً للمتحضرين في العالم الأول الداخلي الوكيل، الذي يتماهى مع العالم الأول الأصيل. وينبغي إخضاعه بعنف استعماري نموذجي، مما بلغ فيه النظام الأسدي مرتبة لم يضاهها الاستعمار الفرنسي، ولا إسرائيل. بين العالمين، هناك عالم ثان ليس شريكاً في العالم الأول، لكنه يخاف كثيرا من العالم الثالث، ويغلب أن يكون عوناً للعالم الأول عليه. امتلاك السياسة عنصر مقاومة وتحرر في مواجهة نظم تعتمد في دوامها على تجريد محكوميها من السياسة، من التنظيم والرأي والمغايرة. في سوريا حيث أضحى امتلاك الحرب شرطاً لامتلاك السياسة، توفر تنويعات من "الإسلام"، بين الإسلام الشعبي إلى الإسلام السلفي والسلفي الجهادي، الأرض النفسية والفكرية الأنسب لامتلاك الحرب عبر مفهومَي الجهاد والاستشهاد. 4 قد يوافق "مدنيون" على ما سبق كتحليل لواقع مضى أو هو في سبيله إلى المضي، لكن على الأرجح ليسوا على استعداد للموافقة على ما يتضمنه من سياسة: إن السياسة الصحيحة هي التي تتيح للعالم الثالث الداخلي، للمتوحشين والبدائيين الداخليين، امتلاك السياسة والرأي والتنظيم، والحرب إن لزم الأمر، وإلا فليس من حق أحد أن يمتلك شيئاً. قبل ذلك تنطلق من أن بدائيتهم علائقية، هي الوجه الأخر للعمليات السياسية الفكرية الاقتصادية التي قادت إلى نشوء العالم الأول الداخلي، الطبقات العليا الأكثر تنظيماً وانضباطاً من مجتمعاتنا، والأكثر تحكماً في حياتها وفي حياة غيرها. تالياً لا سبيل إلى تجاوز البدائية والتوحش من دون تجاوز هذا العالم الأول أو الغرب الداخلي في الوقت نفسه. أعني الغرب كمسيطر عالمي لا كثقافة. ليست هذه معركة عقدية أو "ثقافية" (بالمعنى "المدني" للثقافة: "الذهنيات" و"صناديق الرؤوس"، يا للغرابة!). إنها صراع اجتماعي وسياسي من أجل الحرية والتحكم بالحياة. فالغرب الداخلي، خلافاً للغرب الغربي، ليس منتجاً للقيم، ولا يشكل نموذجاً ريادياً يقبل التعميم، ولا هو قوة ديموقراطية ولا "تنويرية". لكن هل من شأن الإسلاميين، الذين يحاولون احتكار تمثيل العالم الثالث الداخلي، أن يحملوا نموذجاً للديموقراطية والحداثة؟ ألا يحتمل أننا، ونحن نواجه الغرب الداخلي، ننزلق إلى التفكير في الغرب كهوية غريبة نواجهها بهوية أصيلة، بدل أن نفكر فيها كسيطرة نواجهها بمقاومة تحررية؟ السؤال في مكانه تماماً، وكانت اعتراضات على الهيمنة الغربية (إدوارد سعيد بخاصة) قادت بدروب متنوعة، إلى تبرير الأصالية، أو إلى تسهيل رد واقعنا إلى الإسلام والهوية الإسلامية، وليس إلى الصراع من أجل الحرية والكفاية والعدالة، الذي يساهم فيه مسلمون وغير مسلمين، مؤمنون وملحدون، إسلاميون وعلمانيون. هذا طريق مسدود لا يفضي إلى التحرر، ويفترض أن لا نهدر وقتاً على السير فيه اليوم. تحررنا لا يتمثل في استعادة طابع إسلامي ماهوي مزعوم لمجتمعاتنا، جرى استلابه من وراء ظهر مجتمعاتنا وفي غفلة عنها، بل في تحرر الأفراد والجماعات، وفي نهوض الشرائح الأشد حرمانا على الخصوص، وفي الحريات السياسية والاجتماعية، بما فيها حريات النساء والمخالفين وغير المؤمنين وكل أقليات محتملة. لا نُعرِّف مجتمعاتنا بـ"الإسلام"، على ما يفعل غربيون وإسلاميون و"مدنيون" ونخب منحطة، بل بصراع الناس من أجل امتلاك السياسة والحياة، والحرب، على نحو ما يفعل الناس في الغرب وغير الغرب، متوسلين بما في متناول اليد من متاع فكري وسياسي وأخلاقي. "الإسلام" استراتيجيا محتملة في هذا الصراع، أهّلته ظروف العقود الأخيرة لإشغال موقع متقدم في سياسة مجتمعاتنا ووعيها الذاتي، لكنه ليس موضوع الصراع، ولا هو الهوية الثابتة والنهائية للمنخرطين فيه. 5 هذا يعيد الموقف من الإسلاميين إلى الأرض الاجتماعية السياسية من قبة السماء التي تتنزل منها العقائد المطلقة، ومن قبب الرؤوس المكتفية بما فيها من نور؟ أليست القبتان قبة واحدة، على كل حال؟ ويعيد إلى النقاش تناقض الإسلاميين الذي سبقت الإشارة إليه: بين كون الإسلام الذي يستندون إليه خطة لامتلاك السياسة في مجتمعات مفقرة منها، وبين كونه عقيدة خاصة لمؤمنين؟ منهج مقاومة، ومنهجاً محتملاً للتحكم السياسي؟ في مصر وتونس نرى بوادر التحول من أحد الدورين إلى الآخر. منطلقنا المبدئي في مواجهة احتمالات استبداد إسلامي جديد، أن هذا لا يطرح تحدياً خاصاً مختلفاً عن تحدي مواجهة الطغيان الذي خبرناه في العقود الماضية، خلافا لما يفضل أن يعتقد "التيار المدني". الفرضية الأساسية لهذا التيار أن التقاء العقيدة الدينية بالاستبداد السياسي يجعل مستحيلاً مقاومة هذا التركيب وتجاوزه. لكن يبدو هذا افترضاً تأملياً لا سند له من الواقع. لا يدوم النظام الإسلامي في إيران لأنه إسلامي، وليس بفضل عقيدة المطلق ومناورات الاستبداد وحدها، بل لأنه يلقى دعماً شعبياً حقيقياً. وتدوم نظم الخليج، وهي غير منتخبة ولا تالية لثورات على كل حال، بفضل الريع النفطي والحماية الأميركية. ولا نرى سبباً لافتراض أن يكون طغيان أي حاكمين إسلاميين أشد، لمجرد كونه إسلامياً، من طغيان النظام الأسدي أو نظام مبارك أو بن علي. بل إن عنصر المقاومة والمغايرة وامتلاك السياسة الديموقراطي في تكوين الإسلاميين المعاصرين يرجح أن التحول نحو الطغيان اعتراض على أعسر بالأحرى، لا أيسر. فيما نعلم من المثال السوري أن حكم هذه النخبة واجه أي اعتراضات اجتماعية منذ شهوره الأولى بالدبابات والإعدامات وقصف الجوامع، وهذا لأنه على الأرجح فاقد للعنصر الشعبي جوهرياً، وبمثابة حكم استعماري غريب. هناك افتراض آخر يقول إن أكثرية سكان بلداننا، ولمجرد كونهم مسلمين، مضمونون للإسلاميين في كل حال. يشارك في هذا الافتراض الإسلاميون التسلطيون الذين يستخلصون وجوب خلوص الحكم لهم من الصفة الإسلامية الماهوية لمجتمعاتنا، ومدنيون يظنون أن شعبية الإسلاميين مستمدة من اعتبارات تتصل بالدين وبـ 15 قرنا...، لا بمقاومة نظم منحطة في أجيالنا الحاضرة، وكذلك هذه النظم المنحطة ذاتها التي ترى أن خصومة محكوميها لها نابعة من قبب رؤوسهم الفاسدة، وليس من انحطاطها هي. ليس هذا الافتراض صحيحاً بحال. وضع الإسلاميين الراهن تاريخي، ولد في تاريخ، وثبت في تاريخ ثابت لم يتغير، وهو متغير حتماً في تاريخ متغير. ولقد مرّت أزمنة لم يكن الإسلاميون فيها التيار المتصدر في مجتمعاتنا "المسلمة". الدلالة البسيطة لذلك أن اشتقاق موقع الإسلاميين السياسي الراهن من الصفة الإسلامية المفترضة لمجتمعاتنا أمر بالغ الزيغ والضلال أياً يكن قائله. نميل إلى أن الإسلاميين في الحكم سيواجهون مشكلات مع الجمهور الذي والاهم وانتخبهم، وليس أساساً من "التيار المدني". ولا يبعد في هذه الحالة أن يتوسلوا بالدين لنزع السياسة الثمينة من الجمهور، والاستئثار بالتنظيم والرأي، والسلطة، لأنفسهم. ولا ينبغي أن يكون أمراً مستغرباً تغير دور الدين بتغير موقعه: مقاوم في مواجهة الطغيان، لكنه نزاع إلى التسلط والطغيان حين يكون في الحكم. والسياسة الصحيحة للمدنيين الديموقراطيين في ما نفترض هي الانخراط في صراع الشعب ضد الطغيان الجديد، وليس الموقف الانعزالي المعادي للشعب والإسلاميين. 6 ماذا بخصوص موقف "المثقفين"؟ نتجاوز أنه ليس هناك حزب أو تيار أو طبقة اسمه "المثقفون". الأسوأ في تقديري هو موالاة "الفلول" تحت لواء الخوف من الإسلاميين، كما يبدو أن "مدنيين" في مصر يفعلون، أو العمل على تغليب استقطاب مصطنع، مدني/ إسلامي، في سوريا على الاستقطاب بين نظام منحط وإجرامي وثورة شعبية. ليس المثقفون سياسيين، لكن لا شيء يغفر للمثقفين افتقارهم للحس السياسي، في زمن الثورات بخاصة. الواقع أننا نرجح أن هناك خللاً جوهرياً في المثال التنويري الذي يصدر عنه التيار المدني وكثير من المثقفين. هذا المثال لا يقود إلا إلى مواقع قريبة من "الغرب الداخلي" (وهذا "طبقة"، وليس نموذجاً) أو الخارجي. ولا يقود إلى تعميم فعلي للنموذج الغربي في بلداننا. وفي ما يتجاوز الشراكة في الصراع ضد الطغيان الحالي، لا شيء يسوّغ الانضمام الثقافي إلى الإسلاميين بذريعة أنهم الممثلون الطبيعيون للشعب. ليس هناك أي مبرر وجيه لهذا الافتراض الأخير، إلا إذا افترضنا، مرة أخرى، أن الناس ينحازون إلى الإسلاميين لأسباب غير عقلانية، تتصل بـ"طبيعة" مجتمعاتنا، لا باعتبارات سياسية واجتماعية تاريخية. وهذا باطل سواء قاله الإسلاميون أو "المدنيون" أو الغربيون، أو النظم المنحطة. الثقافة مهمة لأنها تشرح، أو يفترض أن تشرح، الأوضاع الصراعية في كل حين، وتكشف ما هي الرهانات الفعلية وراءها. وكذلك لأنها تقترح أشياء إيجابية، غايات وضوابط، تشكل جزءاً من الصراع الحالي وتساهم في دفعه نحو الحصائل المرجوة. وأيضا لأن للثقافة بعداً أخلاقياً محرراً وبانياً للضمير، هو الذي أهدر خلال الجيل الأخير على يد المدنيين التنويريين (علامتهم الفارقة: الكلام الكثير على العقل والمعرفة...). المثقفون مهمون لأنهم يقومون بهذه الأشياء، ولأن الوضوح في شأن ما يجري يصنع فرقاً. يقتضي الأمر ألا ينخرط المثقفون في عملية تزوير منهجية للواقع على ما يفعلون كثيرا.