الأربعاء، 2 يناير، 2013

الإسلام ديناً ودنيا وثورة

بكر صدقي - سوريا

اتفق كل من أحمد معاذ الخطيب وجورج صبرة، في تصريحين متزامنين، على رفض قرار الولايات المتحدة وضع "جبهة الجهاد والنصرة لأهل الشام" على قائمة المنظمات الإرهابية، ويشغل الرجلان موقعين قياديين في تجمعين رئيسيين من تجمعات المعارضة السورية. هذه واقعة ذات دلالات عميقة يمكنها أن تشكل مدخلاً ثرياً للكلام على العلاقة بين ثورات التحرر العربية الراهنة والصعود الذي يشهده الإسلام السياسي بمناسبتها. واضح من القرار الأميركي والرد السوري عليه أننا أمام عالمين متصلين ومنفصلين في الآن نفسه، يتكلمان لغتين مختلفتين، لهما هموم مختلفة وتطلعات مختلفة. بدا للوهلة الأولى أن موجة الثورات العربية التي نادت فيها الشعوب الثائرة بالحرية والعدالة والكرامة، تستهدف الانتقال من أنظمة استبدادية إلى النظام الجمهوري الديموقراطي وفقاً للمعايير الغربية السائدة في العالم. سواء أكان النظام الاستبدادي على علاقة طيبة مع الغرب كما كان واقع الحال في كلٍّ من تونس ومصر واليمن، أو في حال من المشاكسة معه كنظامَي القذافي في ليبيا والأسد في سوريا، بدا الهدف البديهي للشعوب الثائرة تقويض الاستبداد وإقامة النظام الديموقراطي، بل و"اقتصاد السوق" على أنقاض أنظمة اقتصادية مافيوية سمتها المشتركة فساد بلغ مستويات غير مشهودة، وبات يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي. عنيت أن ظاهر الأمور يشير إلى أن هدف ثورات الشعوب العربية يتسق مع التطلعات الغربية المعلنة في عولمة نموذجها الاقتصادي – السياسي – الثقافي. وكانت البرامج المعلنة للقوى السياسية الثورية في شقّها العلماني – الليبيرالي بمثابة التعبير الشفّاف عن هدف تلك الثورات. بيد أن الحركات الإسلامية سرعان ما انخرطت في هذه الثورات، بعد شيء من التردد، وطغى على المشهد الإعلامي لون إسلامي صريح كاد أن يحجب في ظله التيارات الليبيرالية والعلمانية. وإذا كانت محطتا "الجزيرة" القطرية و"العربية" السعودية قادتا الجانب الإعلامي في الثورات العربية، فأبرزتا دور التيارات الإخوانية والسلفية فيها بدوافع مفهومة، فإن نتائج الانتخابات الحرة في كلٍّ من تونس ومصر كشفت القوة الحقيقية للإسلاميين. مقابل فوز الليبيراليين المفاجئ في الانتخابات العامة في ليبيا، كان الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي من مجموعة سلفية، بمثابة استدراك دموي لخسارة الإسلاميين في اللعبة الديموقراطية، وخروجاً منهم على قواعدها، فضلاً عن دلالته على العداء الصريح والعدمي للغرب. لكن المشهد السوري يبقى الأكثر غنى بالدلالات، والأكثر خصباً في انفتاحه على الاحتمالات المستقبلية. فلندقق في معطياتها بصورة مخصوصة: يمكن الحديث عن بدايات عدة للثورة السورية، على رغم تكريس الخامس عشر من شهر آذار 2011 تاريخاً متفقاً عليه بين السوريين. ففي 18 شباط من العام نفسه تعرّض شاب للضرب على يد شرطي مرور في سوق الحريقة وسط دمشق القديمة، فهبّ تجار السوق والزبائن وعابرو السبيل للتظاهر تضامناً معه، فأطلقوا شعارات ستطبع الثورة السورية بطابعها: "الشعب السوري ما بينذلّ!" و"حرامية! حرامية!" في إشارة مغفلة منهم إلى المجموعة الحاكمة التي يشكل الفساد ملمحها الأبرز والأشد ضرراً بالمجتمع. جاءت البداية الثانية بتخطيط مسبق، فقد استجاب عدد من الشبان يعد بالعشرات لنداء أطلقته صفحات على موقع الـ"فايسبوك"، فخرجوا، في 15 آذار، من الجامع الأموي وعبروا سوق الحميدية الأثري وهم يهتفون "الله، سوريا، حرية وبس!" مستبدلين الحرية باسم الرئيس السوري في هتاف معروف كان يعلو في المسيرات المؤيدة له. أما البداية الثالثة فانطلقت، في 18 آذار، من مدينة درعا على الحدود الجنوبية مع الأردن، احتجاجاً على اعتقال 15 طفلاً من أبناء المدينة من جهاز الأمن السياسي بقيادة ابن خالة الرئيس حافظ مخلوف الذي رفض إطلاقهم وأهان أهاليهم في شرفهم حين قصدوه يطالبونه بأطفالهم. كان القمع المنفلت المجنون هو الرد الوحيد للنظام على تلك التظاهرات السلمية المحدودة، وسال الدم غزيراً منذ البداية، ونمت التظاهرات ككرة الثلج وانتشرت على كامل المساحة الوطنية، بتناسب طردي مع حجم العنف الذي واجهها به النظام، وواظب السوريون على سلميتهم ووطنيتهم الجامعة على الضد من عنف السلطة ونزوعها الطائفي المكشوف. كانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار أن المكوّن المدني "العلماني" القائم على شذرات من الطبقات الوسطى المتعلمة، انحسر بتناسب طردي مع تفاقم حجم العنف المنفلت من جانب النظام، ولم يبق في ساحة الفعل الثوري إلا الطبقات الأكثر تهميشاً والأقل تعليماً في بيئات مسلمة سنية بصورة غالبة. كذلك أدى العنف السلطوي من جهة والصمت العربي والدولي عليه من جهة ثانية، إلى تفاقم الشعور بالمرارة والغضب اللذين شكّلا تربة خصبة للتسليم بمشيئة الله واللجوء إلى حمايته ورحمته، فصعد ذاك الشعار المعبّر بشفافية بليغة عن هذه الحالة: "يا الله، مالنا غيرك يا الله!" ثم بدأت الانشقاقات من الجيش كنتيجة طبيعية للزجّ به في الحرب ضد الشعب، الأمر الذي عرّى في المقابل اعتماد النظام أكثر وأكثر على عصبية طائفية شكلت قاعدته الاجتماعية الأكثر تماسكاً وربطت مصيرها بمصيره. وحمل ثوار المناطق الريفية السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأهلهم، فتشكلت أولى مجموعات ما سيطلق عليه لاحقاً "الجيش السوري الحر" وهي مجموعات متناثرة تفتقر إلى التنسيق على المستوى الوطني، وإلى قيادة سياسية كفؤة. باستثناء النموذج الليبي، لم يمد الغرب يد العون إلى ثورات "الربيع العربي" وخصوصاً الثورة السورية التي تركت لمصيرها أمام إجرام نظام فقد كل شرعيته المطعون بها أصلاً، وتحول عصابة مسلحة عدوّها الوحيد الشعب والوطن. مع تفاقم الحالة الإنسانية وبلوغ إجرام النظام مستويات فظيعة (قصف المدن بالمدفعية والطيران والبراميل المتفجرة، والإعدامات الميدانية والمجازر الطائفية التي ركّزت على ذبح الأطفال والنساء بطرق بشعة، واستهداف الطوابير أمام المخابز بالقصف الجوي، وقتل المعتقلين في سجون النظام وحرق أجسادهم، ونهب الممتلكات الخاصة) واستمرار التواطؤ الدولي شهراً بعد شهر، أصبح واضحاً لدى السوريين أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يريدون لثورتهم أن تهزم، بخلاف ادعاءاتهم، ولا يقلّون عداءً لها عن حلفاء النظام المعلنين كإيران وروسيا والصين و"حزب الله" وحكومة المالكي ومجموعة دول البريكس. حُبِّر الكثير من الورق لفهم الموقف الأميركي الذي حيَّرَ المراقبين والمحللين. يمكن القول اليوم بدون مجازفة كبيرة إن السياسة الأميركية من الثورة السورية استهدفت منذ البداية وأدها، وحين فشل النظام في تحقيق ذلك، أصبح الهدف احتواء نتائجها واحتمالات انتشارها خارج حدود سوريا، وهو هدف يشمل الثورات العربية ككل. لقد أحست الولايات المتحدة بالهلع أمام حجم التغييرات الكبيرة التي تنبئ بها هذه الثورات، والتي من شأن انتصارها تغيير معادلات القوة وموازينها على المستويين الاقليمي والعالمي. كان من شأن سقوط الأنظمة العربية المتتابع كأحجار الدومينو، وبروز لاعب جديد في المشهد السياسي هو الشعب صاحب الإرادة وممتلك زمام القوة، أن يفتح الطريق أمام نهوض هذه البلدان المنضوية بأشكال مختلفة في إطار الهيمنة العالمية للغرب بقيادة الولايات المتحدة. لنتصور عالماً عربياً (وإسلاميا) تحرر من قيود الاستبداد والفساد ومن حكامه المعتوهين، وانطلق إلى الأمام لامتلاك أسباب القوة الاقتصادية والثقافية والسياسية، وانخرط في العصر والعالم. هذا في وقت يشهد الغرب أزمة مالية فتّاكة عبّرت عن أزمة النموذج الاقتصادي الغربي في حلقته الأحدث (الليبيرالية الجديدة المتحررة من قيود الدولة والحدود بين الدول معاً). وتضافرت أزمة النموذج الاقتصادي هذا مع أزمة أعمق وأشمل هي أزمة النموذج الحضاري الغربي الذي نطلق عليه اسم الحداثة. تتمثل أزمة الحداثة الغربية هذه في أنها خسرت رهانها الأصلي في التحول إلى نموذج عالمي، ولم تعد تعبّر سوى عن هيمنة الجزء على الكل. الحداثة الغربية نموذج خاص تفاقمت خصوصيته وعنصريته باطراد، فبات مثاله الأكثر تقدماً (الاتحاد الأوروبي) مجرد نادٍ للدول المسيحية لا يتحمل التعدد والاختلاف، ينغلق أكثر وأكثر على نفسه، ويتخذ من الإسلام خصماً ونداً يثير مخاوفه (رهاب الإسلام). إن صح هذا التحليل، نصبح أمام السؤال الذي يخصّنا: ما هو ردّنا المجدي على هذا الوضع؟ يرتسم في الأفق جوابان، يقول الأول بـ"الإسلام هو الحل" ويقول الثاني بـ"الحداثة هي الحل". يرتسم المشهد الاجتماعي – السياسي لدينا، على ضوء "الربيع العربي"، كما يأتي: تيار إسلامي صاعد يتطابق مع الهوية الدينية للأكثرية، وتيار حداثي يُعلي من شأن قيم الحداثة الغربية تحت عناوين التنوير أو النهضة أو التقدم، ويُظهر تشدداً في تمسكه بالعلمانية المفهومة بوصفها على عداء مع الإسلام، ويخاطب قشرة نخبوية متغربة ومنفصلة عن المتن الاجتماعي العريض. الواقع أن هذا التيار كان منسجماً مع نفسه فاختار مبكراً الاصطفاف وراء الأنظمة التي استهدفتها ثورات الشعوب التي أثارت هلعها. قسم صغير فقط من التيار الحداثي العلماني انحاز بوضوح إلى جانب ثورة الشعب، لكنه فضّل الهرب بمعظمه من قمع النظام إلى الخارج، خارج الوطن وخارج الفعل. هكذا حدث تطابق شبه كامل بين الثورة والمتن الاجتماعي الأكثري، وتوزعت الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية بين العداء الصريح للثورة والمساهمة المحدودة فيها والنأي بالنفس في انتظار نتيجة الصراع، بقدر ما يمكننا الحديث عن تلك الجماعات كـ"أحزاب سياسية" ترى وتتصرف ككتلة عصبوية واحدة. إن دفاع العلماني المسيحي جورج صبرة ورجل الدين السني المعتدل معاذ الخطيب عن "جبهة النصرة" في مواجهة الاتهام الأميركي لها بالإرهاب، يعبِّر بشفافية عالية عن تماسك "الداخل الوطني" أمام غربٍ رائزه "صدام الحضارات" ورهاب الإسلام، وعن ثورةٍ تستعيد ملامح ثورات التحرر الوطني من الاستعمار الأوروبي. وقد أطلق كثيرون بحق على الثورة السورية اسم "ثورة الاستقلال الثاني"، كما شكّل اتخاذ علم الاستقلال رمزاً للثورة، بدلاً من العلم المعمول به، تعبيراً آخر عن عمق الاغتراب الوطني بين النظام والشعب. ولكن ألا تشكل "جبهة النصرة" أو غيرها من المجموعات الجهادية خطراً جدياً على مستقبل بلداننا؟ ألا نرى اليوم بالعين المجردة النزعات الاستبدادية المكشوفة لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وتونس؟ بلى، هي مظاهر من مرض الإسلاموية الطفولي على غرار الوصف اللينيني لليسارية الطفولية. وهي طفالةٌ خطرة قد تكلفنا الكثير من الدماء والآلام وتمزقات في النسيج الوطني. يبدو أن بلداننا مقبلة على مرحلة إسلامية لا مفر منها، قد تكون فرصةً للتيارات الإسلامية الصاعدة لاكتساب النضج المطلوب الذي من شأنه أن يجد صيغة مبتكرة قوامها التمسك بالهوية الثقافية في مواجهة غرب خسر رهان التعميم، والانخراط في العصر والعالم بلا حدود. أما التيار الحداثي العلماني ومعه الأنظمة المتهاوية، فقد تكشفا عن أنهما مجرد استطالتين سطحيتين للغرب المستعمر في الأمس والعنصري المنغلق على نفسه اليوم. كاتب سوري مقيم في دمشق، نشر مقالةً صحافية في وقت مبكر من الثورة، زلّ قلمه زلة معبّرة حين كتب عن دمشق باسم الإشارة "هناك". فعقل كاتبنا ووجدانه مشدودان إلى حواضر أوروبا إلى درجة يرى فيها دمشق التي يقطنها "هناك"! هذا ليس مما يسرّ. فالإسلاموية المصابة بمرضها الطفولي أحوج ما تكون إلى معارضة ديموقراطية علمانية توازنها وتضبط شططها وتدفعها إلى تطوير نفسها في اتجاه التكيف مع شروط العصر وقيمه الكونية. بكلمات أخرى: مجتمعاتنا الخارجة من ظلام الاستبداد بحاجة إلى تركيب يجمع التيارين الرئيسيين، الإسلامي الذي يمكنه أن يساعد العلماني على استعادة هويته الثقافية الوطنية، والعلماني الذي يمكنه دفع الإسلامي إلى التصالح مع قيم العصر.