السبت، 17 أبريل، 2010

قانا وأخواتها : متى العقاب؟؟

بقلم سعود المولى

في 18 نيسان 1996 ارتكبت دولة اسرائيل العنصرية أبشع الجرائم بحق الانسانية وبحق المجتمع الدولي قاطبة حين قصفت طائراتها ومدفعيتها مركزاً للأمم المتحدة كانت تختبئ فيه عشرات العائلات التي هربت من قراها وهي تظن أن علم الامم المتحدة يحميها من جنون العنف الوحشي الإجرامي الذي برع به الصهاينة منذ وطأوا أرض فلسطين... لم تكن مجزرة قانا هي الأولى ولا الأخيرة في تاريخ المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب..ولكن حرب نيسان 1996 تميّزت بثلاث مجازر أخرى ضد الأطفال والنساء: في سحمر يوم 12 نيسان وفي المنصوري يوم 13 وفي النبطية يوم 17.. ولم تنفع صور الظباط والجنود من قوات الطوارئ الدولية وهم يبكون أثناء رفعهم أشلاء الجثث المحترقة للأطفال والنساء والشيوخ في قانا، ولم تنفع صور مراسلي التلفزة العالمية وهم يبكون ويرتجفون أمام هول ما كانوا يصورون في المنصوري وسحمر والنبطية، لم ينفع ذلك كله ولا غيره في إثارة عطف المجتمع الدولي على تلك الضحايا البريئة وهي تذوي وتحترق على مذبح الحقد والهمجية التوسعية العنصرية...
والحال أن الضمير الإنساني في أوروبا واميركا معطل في ثلاجة الهولوكوست ومعاداة السامية..
كلما ارتكب العدو مجزرة وجدوا له ألف سبب تخفيفي وألف عذر حربي (من النوع الذي تبرع به عسكريتاريا الدول الاستعمارية في كل عصر وكل أرض).. فلم يفعل الصهاينة شيئاً لا أو لم تفعله أميركا أو فرنسا أو بريطانيا في مسيرتها الاستعمارية الطويلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية...لم يفعل الصهاينة أكثر من تكرار مذابح النازية والحلفاء في الحرب العالمية الثانية...نعم الحلفاء وليس فقط النازية والفاشية.. نعم تلك الدول الديمقراطية التي أحرقت الحرث والنسل في المانيا واليابان تحقيقاً لشهوة الانتقام والإذلال ضد من قاتلوها وهزموها..وإلا فكيف نفسّر قصف وتدمير وإبادة مدينة دريسدن الألمانية بعد استسلام ألمانيا( 350 ألف قتيل)؟؟ وكيف نفسر قنبلتي هيروشيما وناكازاكي بعد استسلام اليابان ؟؟ وكيف نفسر مجزرة سطيف بحق الجزائريين الذين خرجوا يحتفلون بانهزام النازية في الحرب (سقدط فيها 45 الف شهيد)؟؟؟ وكيف نفسر القاء الفرنسيين لمئات الجزائريين في نهر السين حين خرجوا بتظاهرة باريسية تطالب بالاستقلال ؟؟ وكيف نفسر مجازر الانكليز في الهند والعراق وفلسطين ، ومجازر الفرنسيين في جزائر المليون شهيد وفي الهند الصينية كما في دمشق وجبل الدروز وجبل عامل والبقاع؟؟ وكيف نفسر مجازر فيتنام وكمبوديا وأفغانستان والعراق المجانية ؟؟
حين يصبح مسموحاً لدول الديمقراطية أن تفعل ما فعلته بحجة التمدين والدمقرطة فكيف لا يغض هؤلاء الطرف عما يفعله الصهاينة؟؟
منذ العام 1917 (تاريخ وعد بلفور المشؤوم) والصهاينة لا يُسألون عما يفعلون، فكيف يستقيم صيف وشتاء تحت سقف واحد؟ كيف سيقتنع الناس بأن العقوبات على إيران هي بسبب مسعاها لامتلاك سلاح نووي في حين يعرف القاصي والداني أن البلد الوحيد في الشرق الأوسط المدجج بالرؤوس النووية هو اسرائيل؟ كيف سيقتنع الناس بمكافحة الارهاب في حين أن الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس الارهاب علانية هي اسرائيل التي تتبجح بعملياتها لاغتيال قادة فلسطينيين في كل مكان؟؟ كيف سيقتنع الناس بادانة الشيشان والداغستان والقاعدة وطالبان ممن قاموا ويقومون باعمال قتل ارهابية اجرامية إن لم تتم إدانة ومعاقبة اسرائيل على جرائمها الارهابية كما في قانا وأخوات قانا؟؟؟
إننا من هذا المنبر نوجه الدعوة لجميع العرب والمسلمين ولجميع الشرفاء والمناضلين وخصوصاً في الكنائس المسيحية المحبة للسلام والعدالة، للعمل معاً على بناء حركة عقوبات عالمية ضد الكيان الصهيوني تعمل بوحي من حركة الحصار العالمية ضد الأقلية البيضاء العنصرية في جنوب أفريقيا ، ومن أجل العدالة والسلام..فقط وليس إلا.. ولا غير العدالة والسلام لشعوب أضناها القهر والظلم والعدوان والاستباحة الوقحة لكل القيم الانسانية..

13 نيسان... لكي تنذكر ولا تنعاد

سعود المولى
لكي تنذكر ولا تنعاد علينا نحن أن نتذكر وأن لا ننسى وأن نتعلم من دروس 13 نيسان..
لقد اندلعت الحرب الأهلية عند تقاطع عوامل إقليمية ودولية محددة أشعلت فتيل الانفجار وأمدته بالوقود للاستمرار..ولكن هل كانت الحرب لتندلع لولا أن كنا مهيئين لها...
المهم أن الحرب الأهلية انتهت، فهل انتهت عقلية الحرب الأهلية وممارسات الحرب الأهلية ؟
هل انتهى التكفير والتخوين؟ هل انتهى الاصطفاف الطائفي والمذهبي؟ هل انتهى الشعور بالغلبة والاستقواء بالخارج؟ هل انتهى الشعور بالغبن والاستنجاد بالخارج؟ هل تحققت المشاركة الفعلية والتوازن الفعلي بين جميع مكونات هذا الكيان؟ هل تحقق التوازن في العلاقات الخارجية (لا ممراً للاستعمار ولا مقراً له، لا شوكة في خاصرة سوريا ولا تابعاً لها)؟
هل صرنا الى فهم واحد موحد حول العروبة الحضارية الجامعة وحول اللبنانية العربية المنفتحة وحول التسامح والتضامن وحول قبول الآخر والاعتراف به آخراً مختلفاً ؟؟ وهل تحققت المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة للجميع دون استئثار أو نبذ أو إلغاء أو استعلاء أو تشبيح ودون صهر وتطابق وتماهي وفرض وقهر ؟
إننا اليوم وبعد 35 سنة على 13 نيسان نحتاج أكثر من أي يوم مضى الى الانتهاء من لعبة الاستقواء بالخارج، أياً كان هذا الخارج، شقيقاً أو صديقاً أو حتى خصماً أو عدواً..
نحتاج الى الاقتناع بأن القوة الحقيقية هي في الوحدة الداخلية أولاً ، ثم في التعاون والتضامن مع الأشقاء العرب ثانياً، ثم في العلاقات الطبيعية والمعافاة مع سوريا ثالثاً....لقد حسم اتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لبنان عربي الهوية والانتماء،لا توجد أدوار سياسية-أمنية-عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً) ولن يكون لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو ممراً للهجوم عليها..وتكرس مبدأ الندية والاعتماد المتبادل وآليات التعاون والتنسيق في المجالات التي تهم البلدين وتطورهما المشترك..وما نحتاجه هو إعادة التأكيد على هذه المبادئ التي شكلت أساس الطائف..
نحتاج الى الشراكة الحقيقية وهي تكمن في صدق القول والفعل، لا بلقلقة اللسان، وإنما بالإعتراف للآخر بحقوقه الكاملة وبثقافته المميزة، وبخصوصياته كلها، ضمن إطار الوطن الواحد والديمقراطية البرلمانية والنظام التوافقي... ونحتاج الى الاعتراف بأن الغلبة الحقيقية هي في تغليب الحق والعدل ولو على النفس أو ذي قربى،وأن التوازن الحقيقي هو في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع، وعلى اساس النزاهة والكفاءة والشفافية والرقابة والمحاسبة..
نحتاج الى بناء دولة وطنية ديمقراطية حقيقية: دولة لا تكون غائبة عن الوعي ولا مغيبة عن الحضور، دولة لا تكون ضائعة ما بين تركة ثقيلة وتصفية حسابات وما بين تسيب وتردد وفساد كارثي..دولة تحقق الانماء المتوازن الذي نتحدث عنه منذ العام 1920..دولة تحقق الفصل الفعلي للسلطات والتوازن بينها...دولة تنهض بالجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي والخدمات الاساسية للمواطن من ماء وكهرباء وطبابة ...
نحتاج الى نقد ذاتي حقيقي ومراجعة فكرية عميقة، لتجديد الحياة السياسية وتجديد الثقافة السياسية وتجديد النخب السياسية، مراجعة لا تصادر تاريخ الآخرين ومشاعرهم، ولا تتعامل مع الآخر تعامل المنتصر مع مهزوم أو تعامل وطني مع عميل، بحيث يكون واجب الآخر تقديم الاعتذار والتوبة في حين ننتفخ نحن غروراً وزهواً حاملين مفاتيح الجنة وموزعين صكوك الوطنية ..
نحتاج الى جرأة المصارحة العارية ونبل الوجدان والضمير...
والحال أن الشعور بالمسؤولية عن هذا الوطن وشعبه والحرص على مستقبل البلاد والعباد، يدعونا الى استعادة أنصع وأجمل ما في تراثنا الحضاري المشترك وتاريخنا الوطني المشترك من قيم انسانية نبني عليها حوارنا الدائم ونعمر بها حياتنا لنفتح ابواب الأمل أما الأجيال القادمة..
وإلا فلا معنى لكل ما نكتبه أو نقوله في مناسبة 13 نيسان...

الجمعة، 9 أبريل، 2010

عن فائض التدّين عند المثقفين

عن فائض التدّين عند المثقفين
بقلم سعود المولى
في إحدى مداخلاته النابهة تحدث الدكتور هشام جعفر (وهو مدير موقع اسلام اون لاين الالكتروني في مصر، وعضو في الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي) فلفت النظر الى مسألة "فائض التديّن" في المجتمع المصري (ولعله العربي أيضاً)..كما أن زميله القبطي الدكتور سامح فوزي (النابه ايضاً) لفت النظر الى ظاهرة "تديين المجال العام"..(أو تطييف المجال العام إن أردتم) ..والمقصود بذلك أنه لم يعد هناك مساحات مدنية للتفاعل الانساني بين الناس كمواطنين وكأفراد وكمنتجين وكمبدعين لحياتهم....الفاعلون الأساسيون في المجتمعات العربية (ومصر هي حالة بارزة) هم اليوم القادة الدينيون..ويحدث في المجتمعات العربية عموماً اصطفاف ديني (أو طائفي أو مذهبي، ناهيك عن القبلي العشائري) والكل صار يُعرّف نفسه في الإطار الديني..الهوية الوطنية أو المدنية لم تعد هي بطاقة التعريف والتحديد للمواطن والفرد وإنما حلت محلها هوية الجماعة الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو غيرها..وتصاعد السجال الديني حتى داخل كل طرف، والأجندات الدينية صارت هي المطروحة على الساحة العامة وفي المحافل والمجالس وفي الصحافة والإعلام، ما أدى الى مصادرة الأجندات الوطنية.. وكل هذا يؤدي الى تشتيت جهد النخب والقوى الوطنية في بناء الدولة والمجتمع..
غير أن ما يثير القلق أكثر من اي شيء آخر هو اختفاء فكرة القانون... ويتوارى موضوع الدولة نفسها ومدى جديتها وقدرتها..لم يعد هناك تمييز عضوي ووظيفي بين المجال السياسي والديني والدعوي بحيث يمكن الحكم عليها وفق قواعد تحكمها.. كما انه تم استدعاء اسوأ الخطابات الدينية ما زاد الوضع تأزيماً وتأزماً.... ورغم سيل الكلام عن الحوار والعيش المشترك والوحدة الوطنية، فاننا بالمقابل لا نرى أي جهد في اتجاه بناء توافقات استراتيجية بين القوى المحلية لإنجاز مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والعدالة الاجتماعية..
بالأمس كنا في مصر ولفت انتباهنا حدة خطابات التشكيك والتخوين حتى بين أطراف الفريق العربي للحوار من مسلمين وأقباط..وهم المفترض أن يكونوا طليعة التهدئة والحوار العقلاني وضبط النزاعات وإطفاء الحرائق..
وعلى مقلب آخر وجدنا المكتبات المصرية تعج بالكتب السخيفة التافهة والحقيرة التي تحرّض على الحقد والكراهية وتبرر سفك دماء كل مسلم مخالف لعقيدة أو مزاج صاحب الكتاب..والأشد غرابة وجود كتب صادرة عن دور نشر محترمة (دار الشروق ودار الحرية مثلاً) وعن كتاب محترمين من اليساريين والتقدميين، أبسط ما يقال فيها أنها تنم عن جهل وعن ضيق افق وعن عقل مذهبي تكفيري أصحابه من أهل الفتن ليس إلا...فهذا الشيخ عبد المنعم النمر (عضو مجمع البحوث الاسلامية وأكاديمية البحث العلمي والمجلس الأعلى للثقافة الخ..) يكتب عن "الشيعة والمهدي والدروز" خالطاً شعبان برمضان،ومقترفاً أبشع صوَر الجهل والتجهيل، والتزوير والتشويه والتحقير والدعوة الى الفتنة وسفك الدماء.. وهذا المثقف الجهبذ والكاتب الفهامة جمال بدوي يكتب عن الدولة الفاطمية "دولة التفاريح والتباريح" ناسفاً كل ما هو جميل ومجيد في تاريخ مصر المعز والأزهر وبيت الحكمة..جاعلاً من المرحلة الفاطمية مرحلة فرض المذهب الشيعي والدرزي على الناس باسنة الرماح؟؟؟ خلاصة المقال أن فائض التدين الذي تحدث عنه هشام جعفر، وتديين المجال العام الذي تحدث عنه سامح فوزي، يبرزان أكثر ما يكون في هذه الأمثلة التي ذكرناها عن كتابات مصرية، حيث أن عدداً من مثقفي التسامح والوعي والعقلانية والانفتاح صاروا يسابقون عصابات التكفير في إبراز فائض تدينهم" المزعوم ، وفي محاولة تديين مجال الثقافة الوطنية والبحث العلمي ...
وتلك لعمري هي المصيبة الكبرى التي اصابت مصر منذ عقدين من الزمان..

سينودس فاتيكاني أم وقفة مسيحيين عرب ؟

سينودس فاتيكاني أم وقفة مسيحيين عرب ؟
بقلم سعود المولى
خلال زيارته "الأرض المقدسة" (المقصود فلسطين المحتلة) في الفترة من 8 الى 15 أيار 2009، استمع البابا بينيديكتوس السادس عشر إلى شكاوى مسيحيي فلسطين (وعلى رأسهم مطارنة وكهنة) الذين استعرضوا أمامه هموم الشعب الفلسطيني ومعاناته: من جدار الفصل العنصري الذي صادر الأرض وحوّل المدن والقرى سجوناً وكانتونات، الى المستوطنات التي تسيطر على كل الموارد وتقتل البشر وتدمّر الحجر، الى المذلّة والهوان عند الحواجز العسكرية، الى قضية اللاجئين في بلدان الشتات...
ولم يكتفِ المسيحيون الفلسطينيون بهذه الوقفة الأولى مع البابا، فتنادى عدد من الأساقفة والآباء من مختلف الكنائس (كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية) ليطرحوا أمام الرأي العام العالمي، وكنائس الغرب خصوصاً، وثيقة عُرفت باسم وثيقة "وقفة حق"... قدمت الوثيقة قراءة نقدية شجاعة في المواقف الفلسطينية المتنوعة والمختلفة حيال أسلوب مقاومة الاحتلال: أكان موقف السلطة الوطنية التفاوضي أم موقف "حماس" المسلّح. كما أخذت مسافة واعية مُحبة وناقدة للموقفين معاً، إذ هما تسلّما زمام قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، ووصلا معاً (وأوصلا الشعب) إلى الحائط المسدود. إلا ان الوثيقة حملت المجتمع الدولي مسؤولية الانقسام الفلسطيني وتداعياته حين لم يقبل هذا المجتمع بالتعامل مع نتائج انتخابات 2006 برغم تغنّيه بالديموقراطية وتداول السلطة.
كانت الوثيقة بحق "كلمة إيمان مسيحي" حملت الهمّ الفلسطيني إلى مستوى اللاهوت حين قدّمت فهماً فلسطينياً ومسيحياً لمسألة "الوعد بالأرض"، فقالت إنه لم يكن عنواناً لبرنامج سياسي، بل مشروع لخلاص كوني شامل حمل رسالته كل الأنبياء وتجسد في الديانات التوحيدية الثلاثة. وفلسطين هي اليوم مكانٌ وزمانٌ لظلم مزدوج اذ ان التكفير عن الظلم الذي لحق باليهود لا يكون بظلم أشنع على حساب فلسطين. والوثيقة في جانبها المسكوني نداء للوقوف مع المظلوم ولقول كلمة حق ولاتخاذ موقف حق، من الاحتلال وتبعاته. ولذلك فهي تتوجه أيضاً إلى المجتمع الدولي للكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وتدعوه إلى تطبيق نظام عقوبات على الكيان المحتل لفلسطين، ليس للإنتقام بل من أجل عمل جدي في سبيل السلام العادل والنهائي الذي ينهي كل أشكال الاحتلال ويضمن السلام والأمن للجميع.
ملاحظاتنا على الوثيقة:
-1 يجب ألا يغيب عن بالنا أنها وثيقة صادرة عن مجموعة من مسيحيي فلسطين، دعمها مجلس الكنائس العالمي: فهي إذن ليست وثيقة سياسية حزبية أو إسلامية جهادية. وهي من ناحية أخرى تأتي ضمن سياق المواقف المسيحية المسكونية (أي العالمية الموحدة) فهي بالتالي خلاصة الحد الأدنى لنقاط الاتفاق بين مختلف الكنائس المسيحية في العالم بما فيها موقف الفاتيكان.
-2 الا انها في الآن نفسه تنطلق من الانتماء الفلسطيني لأصحابها إذ هي تحمل الهمّ الوطني الفلسطيني والايمان الديني المسيحي معاً. ومن هنا تركيز الوثيقة على التوجه إلى الكنائس في العالم وإلى القادة السياسيين والمجتمع الدولي، ولكن أيضاً إلى "المجتمعين والشعبين" في فلسطين (المقصود الفلسطيني والإسرائيلي).
-3 سقفها السياسي هو إذن سقف الموقف العربي الرسمي المتجسّد في قرارات قمة بيروت أي مبادرة السلام العربية: الدعوة للسلام والعدالة بين شعبين ودولتين (فلسطين وإسرائيل).
-4 سبب وجود الوثيقة أو المسوغ الأساس هو الأزمة الفلسطينية العميقة: لا حل سيأتي من "فتح" أو "حماس"، والصمت الدولي بإزاء خطر الضياع الكامل لأي أمل بسلام ما.
-5 لا تقدم الوثيقة حلولاً إلا انها تتبنى ضمناً دعوة إلى إعادة توجيه فوائد ونتائج العمل المسلح وخصوصاً العمليات الاستشهادية وقصف الهاون، وإلى تبني المقاومة المدنية السلمية دون التخلي عن حق الدفاع (ولو المسلح) إنما الدفاع وليس أية سياسة أصولية تفاقم أزمة الشعب الفلسطيني.
-6 تدعو الوثيقة إلى استنهاض داخلي وإلى حشد دولي لعزل العدو. وتتبنى الدعوة الى فرض حصار على الكيان الصهيوني شبيه بالحصار الذي فرض على الأقلية العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا.
-7 غموض موضوع الحلول السياسية حول القدس، المستوطنات، حق العودة، لعله يعود إلى عدم الدخول في السياسة التفصيلية وترك ذلك للسياسيين. أو لعله يعود إلى عدم وجود موقف كنسي موحد حول ذلك أو حتى عدم وجود موقف فلسطيني أو عربي موحد.

من "وقفة حق"
إلى "شركة وشهادة"
صدرت وثيقة "وقفة حق" في أيام عيد الميلاد 2009 ولقيت فوراً تأييداً كنسياً عالمياً رفع لواءه مجلس الكنائس العالمي (مركزه جنيف) وعدد من الكنائس البروتستانتية في أميركا وأوروبا.
سبق ذلك إعلان البابا بينيديكتوس السادس عشر خلال اجتماعه مع بطاركة الشرق الأوسط ورؤساء الأساقفة (19 ايلول 2009) الدعوة الى عقد "جمعية خاصة لسينودس الأساقفة حول الشرق الاوسط". وهو شكّل لهذه الغاية مجلساً من سبعة بطاركة يمثلون ست كنائس شرقية (الموارنة، السريان، الكلدان، الملكيين، الأرمن، الأقباط) وبطريركية القدس للاتين، يعاونهم عدد من كبار العاملين في الفاتيكان. قام هذا المجلس بإعداد وثيقة أولى تعرف باسم "الخطوط العريضة" (صدرت في 8 كانون الاول 2009) أرفقت كل فصل منها بعدد من الأسئلة "بهدف إثارة النقاشات في كنائس الشرق الأوسط"، على أن تصل الأجوبة كلها قبل عيد الفصح (4 نيسان 2010) ليتم بعدها إعداد "ورقة العمل" التي سيسلمها البابا "لممثلين مؤهلين" من أساقفة الشرق الأوسط الكاثوليك، خلال زيارته الى قبرص في حزيران 2010.
وقد اجتمع الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي (محمد السماك، رياض جرجور، عباس الحلبي، حارث شهاب، كميل منسى، سعود المولى، هاني فحص، جورج مسوح) بممثل عن اللجنة الخاصة بالسينودس (سيادة المطران سليم غزال) وطرح أمامه ملاحظاته الكثيرة على الوثيقة وأبرز نقاطها باختصار شديد:
-1 عنوان السينودس هو حول الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط وليس عن مسيحيي الشرق أو المسيحيين العرب. فيما المطلوب هو التركيز على المشاكل التي يواجهها المسيحيون في الشرق العربي تحديداً. والمطلوب إبراز دورهم، وتاريخهم، والحديث عن مستقبلهم المشترك مع إخوانهم المسلمين العرب.
-2 لقد استمر التحضير لسينودس لبنان أكثر من أربع سنوات (من 12 حزيران 1991 الى آخر كانون الأول1995) برغم إلحاح وضغط المسألة اللبنانية أيام ما كان يسمى الإحباط المسيحي، في حين فاجأنا أن التحضير لهذا السينودس الخاص بالشرق الأوسط أعطي اقل من سنة (من تاريخ الدعوة في 19 أيلول2009 الى تاريخ الإنعقاد في 10 تشرين الأول 2010). فما هو المبرر لهذا الاستعجال؟
-3 كان من المطلوب الكلام تفصيلاً عن معاناة الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين. وإبراز الالتزام بقضية الشعب الفلسطيني ومعاناته. والانطلاق على الأقل من وثيقة "وقفة حق" المسيحية.
-4 في موضوع هجرة المسيحيين لا بد من الحديث عن أسباب الهجرة المسيحية وأهمها الحروب والنزاعات والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية. وأخطرها ما يجري في فلسطين.
-5 هل الهدف من السينودس إصدار وثيقة تدين المسؤولين عن معاناة مسيحيي الشرق أم البحث عن حل لمشكلة مسيحيي الشرق؟ وهل الحل خارج الشرق أم ينبع من أهله؟
-6 مسيحيو الشرق جزء من ثقافة المنطقة وهويتها وهم يفهمون هذه الأمور فلماذا لم يُستشاروا في الأمر عند صوغ الوثيقة والإعداد لها؟
-7 هناك خطورة في طرح خيار الهجرة وكأنه الخيار الوحيد أمام المسيحيين في حين أن المطلوب استبداله بخيار البقاء والتجذر وطرح المسائل التي تساعد عليه ومسؤولية المسلمين فيه ودورهم. المطلوب إثارة مواضيع الحرية والديموقراطية والقهر والتمييز والمواطنة وهذه هي القضايا التي توحّد المسلمين والمسيحيين للعمل معاً في بلادهم.
-8 ضرورة التأكيد والتشديد على التمييز بين المسيحية والغرب. فلا يجوز أن يستمر الخلط بين المسيحية (الكاثوليكية تحديداً) والدول الغربية.
إضافة الى هذه الملاحظات القيَّمة التي شاركتُ في إعدادها أتمنى على الهيئة المسؤولة عن أعمال السينودس النظر في الملاحظات التالية النابعة من حرص إسلامي على الحوار:
-1 إن هذا المجمع هو مجمع خاص بالفاتيكان وليس بنا (مسلمين ومسيحيين غير كاثوليك) فلا نستطيع تغيير عنوانه أو أهدافه. وانما فلنحاول الاستفادة ما أمكن من إلتزام الفاتيكان بهذا الموضوع للتقدم معاً على طريق الخير لشعوبنا، مستذكرين مشاركتنا كمسلمين في السينودس الخاص بلبنان.
-2 أعتقد أن الملاحظة الأهم تتعلق بصيغة "الشرق الأوسط". فالخطوط العريضة واضحة حين تتحدث عن هذا الشرق الأوسط باعتباره يشمل المسيحيين "في وسط مجتمعاتهم الاسلامية: العربية - التركية - الاسرائيلية - الايرانية" (هكذا بالنص)، فنحن هنا نتحدث عن شرق أوسط ليس للعرب فيه (وتحديداً للمسيحيين العرب) أي وزن أو دور. وهو شرق أوسط لا يتسع فقط لإسرائيل (حيث يوجد مسيحيون بالطبع) ما يفرض بالتالي التعامل مع اليهود (إذ هم جزء من الشرق الأوسط - إسرائيل- وليس فقط باعتبارهم الديني)، وإنما يقيم تساوياً بين مختلف أضلاع هذا المربع السياسي الإقليمي: تركيا - إيران-إسرائيل - العرب... وبالتالي فإن المسألة تتعلق بالهدف من السينودس: هل هو الشرق الأوسط (وهي تسمية مطاطة قد تشمل أيضاً أفغانستان وباكستان وليس فقط تركيا وايران) أم العالم العربي؟ وهل المقصود بالشرق الأوسط صيغة ملتبسة لضمان الكلام مع الإسرائيليين؟ وهل مطلوب من المسيحيين العرب أن يكونوا عرّابي الحوار والتسوية مع إسرائيل؟ هل هكذا يفهم البابا الدور الجديد للمسيحيين في الشرق؟ ثم ألا يوجد خصوصية للمسيحيين العرب في هذا المجال؟ هل يتساوون في قضاياهم وهمومهم ووزنهم ودورهم مع مسيحيي تركيا وإيران؟ وأين ضاع مسيحيو فلسطين (الأرض المقدسة)؟
-3 ومن هنا ربما أيضاً ما سمعناه عن أن البابا سيقوم بتسليم الكنائس وثيقة "أداة العمل" في قبرص وليس في أي مكان آخر (لبنان أو سوريا مثلاً). فقبرص أيضاً هي جزء من هذا الشرق الأوسط. ومركز مجلس كنائس الشرق الأوسط كان طوال 30 سنة في قبرص (والقس الدكتور رياض جرجور كان هناك أميناً عاماً للمجلس). حين تأسس مجلس كنائس الشرق الأوسط (1974) كان الهاجس الأساسي وراء تأسيسه له علاقة بالمشكلة القبرصية وبالقضية الأرمنية (وهما تتصلان بتركيا). ناهيك عن انخراط البروتستانت في دور متعاظم في المنطقة من خلال القضية الفلسطينية، وبروز الدور القبطي من خلال الصراع بين البابا شنودة والرئيس السادات وانطلاقة الشرارة الطائفية في مصر أولاً (أحداث 1971) ثم في لبنان (منذ 1973). وصعود الوزن الارثوذكسي نسبة الى صعود دور وقوة الاتحاد السوفياتي في المنطقة بعد تبنيه لمنظمة التحرير الفلسطينية رسمياً(1974). وكان الارثوذكس دخلوا مجلس الكنائس العالمي العام 1961 ولم يدخله الكاثوليك. ولا ننسى أن الكنيسة الكاثوليكية لم تنضم الى مجلس كنائس الشرق الأوسط إلا في العام 1990 أي عشية سقوط الاتحاد السوفياتي ودخول العالم مرحلة جديدة. أما اليوم فهل هناك ما يستدعي التوجه الى "كنائس الشرق الأوسط الكاثوليكية" وليس الى كنائس العالم العربي؟
-4 حين نقرأ وثيقة الخطوط العريضة لهذا السينودس نرى الفرق الكبير بينها وبين وثيقة الخطوط العريضة للسينودس من أجل لبنان. ولكن ما لفت انتباهي في الوثيقة في القسم الخاص بوضع المسيحيين في الشرق الأوسط (نظرة تاريخية، الفقرات 8 الى 11، ص6-7) القول بأن الكنائس الكاثوليكية في الشرق (وهي سبع) ذات أصول ثقافية وبالتالي أيضاً طقسية، مختلفة، وينبع غناها من تنوعها. "لكن التمسك الزائد بالطقس وبالثقافة الخاصة يمكن أن تكون سبباً لفقرها جميعاً" (ص7). ولا يوجد بعد ذلك ما يشير الى ضرورة نقاش هذا الكلام الخطير أو الى معناه وهدفه ويمكننا الاستنتاج أن هناك دعوة الى جعل الكنائس الشرقية لاتينية رومانية في طقسها وثقافتها فهل هذا ما يقصده النص؟
-5 ورد أيضاً في الوثيقة دعوة واضحة الى تجديد التبشير!! هذا ما فهمته على الأقل من النص الذي يتحدث عن "الرسالة الخاصة بكنائسنا" والمتمثلة "بحمل الانجيل الى العالم أجمع"، وأن هذا الدافع الرسالي الرسولي كان "ملهماً للعديد من كنائسنا عبر التاريخ: في بلاد النوبة والحبشة وفي شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند، وحتى الصين". ومن قول النص بأن "هذا الدافع الانجيلي قد تباطأ اليوم غالباً وخبت شعلة الروح" (الصفحة 8، الفقرة 13)؟ ألا يعرف كاتبو الوثيقة من المطارنة والآباء الأجلاء خطورة هذا الكلام في هذه المرحلة؟ وهل الشهادة للمسيح في عالم اليوم تعني التبشير كما كان في القرون الغابرة أم هي تعني بالضبط الحوار والعيش المشترك والاحترام المتبادل والتعاون على الخير والبر والعدل والسلام، ورد الإثم والظلم والعدوان؟
-6 افهم أن يكون هناك همّ مسيحي كاثوليكي بالعلاقة مع اليهود. فالفاتيكان بدأ منذ فترة مسيرة الاعتذار والتوبة. وأفهم أن تتضمن الوثيقة (كما وثيقة وقفة حق بالمناسبة) دعوة للمصالحة مع اليهود وللسلام في المنطقة. ولكن ألفت الانتباه الى أن المسلمين والعرب سينظرون الى الوثيقة بمنظار الواقع السياسي وليس بمنظار لاهوتي أو فلسفي. فالمطلوب الانتباه كثيراً الى الصياغات والى الإشكالية الرئيسية التي يريد السينودس التعبير عنها. إذا لم يكن هناك تضامن صريح وواضح مع آلام وعذابات الشعب الفلسطيني وإذا لم يكن هناك كلام صريح وواضح حول مستقبل القدس من زاوية إسلامية مسيحية وزاوية وطنية فلسطينية (إسترشاداً على الأقل بوثيقة وقفة حق)، وإذا لم يكن هناك حوار صريح وشفاف مع العالم العربي والإسلامي حول العمل معاً من أجل التنمية والعدالة والسلام، فإن كل كلام آخر سيصب في طاحونة المواقف الإسرائيلية خصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تجتازها القضية الفلسطينية.
-7 يجب الانتباه إلى كيفية مقاربة موضوع هجرة المسيحيين من المنطقة أو قضية التعديات الواقعة على المسيحيين في بعض البلدان العربية. المسألة ليست مسألة "إضطهاد ديني" وإنما هي مسألة جرائم سياسية إرهابية تقع على المسلمين أيضاً وربما بقسوة أكبر، كما هو الحال في العراق على سبيل المثال. إن تصاعد الإرهاب "الإسلامي" التكفيري ضد الآخر ليس إضطهاداً دينياً تعيشه المجتمعات المسلمة أو تقوم به الدولة أو المجتمع بحق أقلية دينية. إنما هو من نوع الأزمات التي تطول مجمل المجتمع وتصيب كل أبنائه وتهدد نسيجه ووحدته في غياب الحلول العادلة والشاملة وفي غياب الدولة الحاضنة والضامنة للحرية والديموقراطية والعدالة والمواطنة.
أما في فلسطين فإن هناك سياسات تمييز عنصري وديني وسياسات احتلال واستيطان تمارسها الدولة الصهيونية.
-8 لا أدري لماذا قفزت الوثيقة (والأعمال التحضيرية لهذا السينودس) عن منجزات ومكتسبات تحققت خلال الخمسين سنة الماضية من الحوار والعيش معاً في هذا الشرق العربي؟ أقصد بالتحديد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وبيانه التاريخي (نوسترا آيتاتي)، والسينودس الخاص بلبنان (حزيران1991- كانون الأول1995) والإرشاد الرسولي الصادر عن البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته التاريخية للبنان لتسليم الإرشاد (10 ايار 1997)، ومؤتمرات بطاركة الشرق الكاثوليك (انعقد المؤتمر التاسع عشر في تشرين الاول 2009) وبياناتها ومقرراتها؟ ولنأخذ بعض الأمثلة من هذه الوثائق:
"إن حواراً حقيقياً بين مؤمني الأديان التوحيدية الكبرى، يرتكز على الاحترام المتبادل والعمل معاً على حفظ العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية وتنميتها لجميع الناس" (المجمع الفاتيكاني الثاني، بيان في العلاقات مع الأديان غير المسيحية، الفقرة3).
"إن الكنيسة الكاثوليكية منفتحة على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان، وتريد أن تكون منفتحة على الحوار والتعاون مع مسلمي سائر البلدان العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها. وفي الواقع إن مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة. وكل ثقافة خاصة لا تزال تحمل طابع ما رفدتها به على الصعيد الديني وغير الديني الحضارات المختلفة التي تعاقبت على أرضهم" (سينودس الأساقفة الخاص بلبنان، وثيقة العمل، الفقرة 99).
"ومسيحيو لبنان وكامل العالم العربي فخورون بتراثهم، يساهمون مساهمة نشطة في التطور الثقافي... بودي أن أشدد بالنسبة الى مسيحيي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها، وأدعوهم الى اعتبار انضوائهم في الثقافة العربية التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، موقعاً مميزاً لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيي البلدان حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين. إن مسيحيي الشرق الأوسط ومسلميه، وهم يعيشون في المنطقة ذاتها، وقد عرفوا في تاريخهم أيام عز وأيام بؤس، مدعوون الى أن يبنوا معاً مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف الى تطوير شعوبهم تطويراً انسانياً وأخلاقياً، وعلاوة على ذلك قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان أخرى" (الإرشاد الرسولي، الفقرة 93 وعنوانها "التضامن مع العالم العربي").
-9 إن التحدي الرئيسي الذي يواجه أهل هذه البلاد يتعلق بدور المسيحيين العرب ومساهمتهم الفريدة في مجتمعاتهم وبالمسؤولية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة هجرة المسيحيين من الشرق، ناهيك عن المسؤولية المشتركة في تجديد الحياة السياسية والثقافة السياسية وفي بناء أفق عربي إسلامي مسيحي علماني للعيش معاً وللتطور الديموقراطي لمجتمعاتنا العربية المأزومة.
-10 وفي هذا المجال لا أدري ما الحكمة من تجاهل مواقف رجال مثل السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان والشيخ محمد الغزالي في مصر والشيخ حسن الترابي في السودان والشيخ راشد الغنوشي في تونس والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني في العراق؟
ألا يمكن أن نتقدم إلى السينودس على أساس ما قاله الشيخ شمس الدين في وصاياه؟ "أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
باعتقادي أن هذه الكلمة الطيّبة الصادقة هي التي كان ينبغي أن تجسّد معنى عنوان السينودس "شركة وشهادة". شراكة كاملة مع المسلمين، وشهادة للحق والعدل قبل أي شيء آخر!
النهار- الأحد 04 نيسان 2010 - السنة 77 - العدد 2400

الجيش الأميركي في أساس الأزمة الأميركية - الإسرائيلية الراهنة

الجيش الأميركي في أساس
الأزمة الأميركية - الإسرائيلية الراهنة

بقلم منير شفيق
كثير من الخبراء في الشؤون الأميركية الداخلية يستثنون الجيش (يضمّ القوات المسلحة والأجهزة الأمنية) من لعب أي دور في صوغ السياسات الأميركية، فهو في نظرهم لا يتدخل في السياسة ولا علاقة له بمراكز القرار أو اللوبيات المؤثرّة فيها. هؤلاء ليسوا على خطأ حين يتعلق الأمر بكثير من السياسات الأميركية التفصيلية عموماً، ولا سيما في الحالات العادية حيث لا يكون فيها الجيش منخرطاً في حروب، أو في الحالات التي ليس له علاقات عسكرية مباشرة بها (قواعد عسكرية أو ما شابه ذلك). وهذا ينطبق، عموماً، على الديموقراطيات الغربية كافة، ولكن الأمر ليس كذلك في كل الأوضاع والأوقات.
الجيوش في الديموقراطيات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، لها دور رئيس في تحديد الإستراتيجية العسكرية المتبعة وفي تحديد أولوياتها، بل إن هذه الإستراتيجية غالبا ما تفرض نفسها على صانع القرار السياسي كأولوية مطلقة على ما عداها من أولويات في المجالات الأخرى سواء في السياسة أو الاقتصاد وغيرها. فدور الجيوش في الغرب يظل أهم بكثير مما يلقى عليه الضوء في اتجاهات السياسة التي يفترض فيها أن تخدم الإستراتيجية أو تترجمها، فلولا الجيوش التي تخوض الحروب أو تهدّد بخوضها، ومن ثم تحدّد مناطق النفوذ وموقع كل دولة كبرى في ميزان القوى العالمي، ومن ثم أدوارها السياسية والاقتصادية والثقافية، لما كانت هنالك هيمنة غربية على العالم منذ مئات السنين حتى اليوم.
صحيح أن دور الجيش في ضبط النظام الديموقراطي نفسه وفي حماية الرأسمالية نفسها، لا يظهر على حقيقته ضمن اللعبة الديموقراطية، ولكن ذلك لا يعني إسقاطه من الحساب أو عدم أخذه في الاعتبار، عندما يبدأ بالتململ أو الاعتراض على سياسات معينة، بل يجب أن يُحسب له ألف حساب عندما يبدأ بإرسال الإشارات التي يجب أن يفهمها الرئيس ومن حوله، بل كل من يهمّه أمر إدارة أوضاع البلد المعني.
عندما جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما كان وضع الجيش الأميركي مأزوماً في العراق وأفغانستان وباكستان، وكانت سمعة أميركا قد تدهورت إلى حد كبير، وأخذ يضعف دورها على المستوى الدولي بصورة متزايدة. وقد فقدت القدرة على بناء نظام القطب الواحد عالمياً، ووجدت نفسها غير قادرة على قيادة نظام عالمي متعدّد القطب.
هذا إلى جانب الفشل في "إعادة بناء الشرق الأوسط الكبير"، ونشوء نوع من الفراغ فيه بسبب انحسار النفوذ الأميركي وتزعزع مكانة الدول العربية التي راهنت على السياسات الأميركية، وعملية التسوية. وكان الأمر كذلك بالنسبة إلى الحليف الأول في المنطقة؛ إذ خسر الجيش الإسرائيلي حربَيْ 2006 في لبنان و2008-2009 في قطاع غزة، فيما كبر الدور الإيراني والسوري ودور المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية والأفغانية. وهذا كله شكل، ومازال يشكل قلقاً أميركياً، ويحفر في أخاديد تدهور الوضع الأميركي العام. ثم انفجرت الفقاعة المالية التي تداعت إلى أزمة اقتصادية شاملة في ما بعد، مما أخذ يزيد من تدهور قوّة الدولار، وتعاظم الأدوار الاقتصادية الإنتاجية للصين والهند والبرازيل، وعدد من الدول الأخرى من الدرجتين الثانية والثالثة.
هذه الأزمة الأميركية التي لم يسبق لها مثيل منذ نيل الولايات المتحدة الأميركية استقلالها وتحقيق وحدتها، ولا سيما أزمة الوضع العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان، فرضت دوراً متزايدا للجيش والـ"سي.آي.إي" والـ"أف.بي.آي"، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السياسات الأميركية في المنطقة التي يسّمونها "الشرق الأوسط الكبير"، وهي الممتدّة من فلسطين إلى باكستان.
لوحظ هذا الدور منذ اليوم الأول لوصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأميركية. وذلك من خلال جملة من زيارات لجنرالات من الجيش الأميركي وفي مقدّمهم رئيس هيئة الأركان مايكل مولن لمعظم دول المنطقة. وقد صدرت تصريحات عدّة تعتبر بأن تحقيق التسوية للصراع في فلسطين (النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي) يشكل مصلحة أميركية، خصوصاً للجيش الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان. وكتب توماس فريدمان يحذر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو بأن إفشال جورج ميتشل يتعارض مع رغبة الجيش و"السي.آي.إي" وذلك لأهمية إنجاز تسوية ما من شأنها أن تسهل مهمة الجيش الأميركي في جبهات العراق وأفغانستان وباكستان، ولكن كما يبدو لم تصل الرسالة، ولم تجد آذانا صاغية من جهة نتنياهو و"اللوبيات اليهودية" القريبة منه.
لا شك في أن توماس فريدمان ومعه عدد غير قليل من مؤيدّي إسرائيل و"اللوبي الصهيوني" الأميركي، يشعرون بقلق شديد عندما يذهب نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل إلى حدّ تحدّي إرادة الجيش الأميركي في ما يعتبره مصلحة أميركية عليا، وهذا القلق مشروع تماماً. وقد زاد الأمر تعقيدا بعدما أُفشلت مهمة ميتشل الأولى، وأُجبِر أوباما على التراجع والخضوع لمشروع نتنياهو الخاص بوقف جزئي للاستيطان في الضفة الغربية واستثناء القدس تماماً، في مقابل إطلاق المفاوضات؛ الأمر الذي أطاح هيبة أوباما وأضعف سياساته الخاصة بتحسين صورة أميركا الخارجية، لا سيما في نظر العالم الإسلامي.
ربما اعتبر اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل وحكومة نتنياهو أن إفشال مهمة ميتشل ستمرّ مرّ الكرام، ولن تكون لها آثار سلبية عليهما. وهو ما شجع حكومة نتنياهو على الإعلان عن قرار بناء 1600 وحدة سكنية استيطانية جديدة في القدس أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وقد جاء إلى القدس ليدعم مهمة جورج ميتشل في مرحلتها الثانية في إطلاق مفاوضات غير مباشرة لمدة أربعة أشهر.
جاء ردّ فعل جو بايدن شديداً أقوى مما كان يمكن أن يتوقعه نتنياهو. مما اضطرّه للاعتذار عن التوقيت وليس القرار، ولكن ذلك لم يُنهِ الأزمة. وقد تدخلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لتصعِّد في الاحتجاج والنقد. مما يكشف أن ردود بايدن وكلينتون والناطق الرسمي عبّرت عن احتقان وغضب حقيقيين، بعد أن فاض الكيل بسبب عدم تعاون نتنياهو وامتناعه عن المساعدة في إنجاز طلب أميركي يمسّ مصلحة أميركية عليا لا يمكن التهاون بشأنها.
على أن التقرير الذي أبرزه مارك بيري في 17 آذار 2010 تحت عنوان "تقرير بترايوس وإحراج بايدن لا يغطيّان كل القصة"، يُظهر ما يكمن وراء موقف بايدن وكلينتون وإدارة أوباما. كما أن صدوره في هذا التاريخ بعد ثلاثة أشهر من تقرير بترايوس وكشْف ما تضمنه يحمل دلالة مشحونة برسالة لكل من نتنياهو و"اللوبي اليهودي" الأميركي. وخلاصتها أن اللعب الآن ليس مع أوباما ويخرج عن حدود اللعبة السياسية الأميركية الداخلية. يتعلق الأمر الآن بمواجهة مع الجيش وهي تمسّ الدم الأميركي والمصلحة العليا الأميركية.
ما كشفته مقالة مارك بيري من تقرير فريق ضباط القيادة المركزية (آسيا الوسطى) المسؤولين عن النظر في المصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط التي يقودها الجنرال ديفيد بترايوس، قُدِّم في 16 كانون الأول 2010 إلى هيئة الأركان برئاسة الأدميرال مايكل مولن في البنتاغون. وقد عبّر التقرير عن شدة قلقه بسبب عدم التقدّم في الصراع العربي الإسرائيلي، وجاء التقرير صادماً لمولن. فقد أكد كاتبو التقرير على ازدياد الاقتناع لدى الزعماء العرب بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل، وأن القادة العرب في "المنطقة الوسطى" التي يُشرف عليها بترايوس فقدوا، في الغالب، الثقة بالوعود الأميركية. وأن التجاوزات الإسرائيلية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني راحت تشكل خطراً على الموقف الأميركي في المنطقة.
إن التقرير المقدَّم لمولن لا سابق له من قِبَل قائد المنطقة الوسطى من حيث التعبير عن رأيه في مسألة سياسية. فقد أكد الفريق الذي قابل معظم الزعماء العرب في كانون الاول 2009 بأنه حيثما ذهب كانت الرسالة واضحة: "ليست أميركا ضعيفة فحسب، وإنما أيضاً سمعتها العسكرية آخذة في التآكل في المنطقة".
هذا وقد سُرِّبت أنباء، نُفيت لاحقاً، ولكنها تدخل ضمن إطار التقرير ومن ذلك أن بترايوس طالب بضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مجال المنطقة الوسطى وليس للقيادة الأميركية في أوروبا. وذلك ليقتنع القادة العرب بأن القيادة العسكرية الأميركية منخرطة في أشدّ الصراعات المعقدّة في المنطقة. لقد نزل التقرير على إدارة أوباما نزول الصاعقة، وكان ردّها مضاعفة جهودها، مرّة أخرى، والضغط على إسرائيل حول موضوع المستوطنات وإرسال ميتشل إلى عدد من الدول العربية ثم إرسال رئيس هيئة الأركان مولن لمقابلة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غابي أشكينازي.
وبعد الإهانة التي تلقاها بايدن بعث إلى نتنياهو يقول "ما تفعله يُهدّد أمن قواتنا التي تقاتل في العراق وأفغانستان وباكستان، كما أنها تُعرضنا للخطر وتعرّض السلام في المنطقة للخطر". عاد بترايوس وصرّح علناً بما ورد في التقرير المذكور، ثم كرّره وزير الدفاع روبرت غيتس. وكان ذلك في 23-25 آذار الماضي أثناء زيارة نتنياهو لواشنطن. وقيل إنه رجع بعد لقاء مطوّل مع أوباما ولقاءات مجهدة بين وفديْهما إلى إسرائيل، وهو يحمل، أي نتنياهو مجموعة من الطلبات التي لم يستطع أن يبّت فيها، وطلب أن يردّ عليها بعد عودته.
خلاصة
صحيح أن هذه ليست أول أزمة تحدث بين حكومة إسرائيلية وإدارة أميركية، بل ربما ما حدث من أزمات سابقا كان أشدّ. ولكن هذه الأزمة تحدث في ظل تراجع وضع كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في ميزان القوى الدولي، وفي ظروف تمسّ أمن القوات الأميركية المقاتلة، وشبه المهزومة، في العراق وأفغانستان وباكستان. مما يعني أن التناقض هذه المرّة يحمل خصوصية تختلف عن كل ما سبقها. فالجيش الأميركي هو الذي يصرخ وهو الذي يطلب، وليس من اليسير على الرئيس، كما كان يحدث في المرّات السابقة، أن يتجاوزه ويطالبه بتجاوز الإشكال.
من هنا سيكون لهذه الأزمة بُعدان أساسيّان:
الأول: إذا لم يستجب نتنياهو و"اللوبي الصهيوني" لما يطلبه الجيش الأميركي وهو ينزف الدماء، فالتناقض سيتعمّق بين الجيش وفئات واسعة من "الواسبس" (البيض البروتستانت الأنكلوسكسون الأميركيون) ضدّ "النفوذ الصهيوني" في الولايات المتحدة وليس ضد إسرائيل فقط. إنه امتحان شديد لحنكة القيادة "الصهيونية" في الولايات المتحدة، حتى لو كانت بوسائل الضغوط المختلفة قادرة على ليّ ذراع الإدارة وتجاهل ما يريده الجيش. ذلك لأنها إن فعلت كما فعلت أول مرة مع مشروع ميتشل عام 2009، فسوف تبدأ بتخريب بيتها في الولايات المتحدة نفسها.
أما إذا تراجعت فهذا يعني أن آفاق الوصول إلى تسوية تصبح أقوى من أيّة فترة سابقة لا سيما مع وجود قيادة عباس-فياض في السلطة الفلسطينية في رام الله ووجود القيادة المصرية الحالية. ولكن إذا تمّ ذلك وسيكون، لا محالة، مرفوضاً من الشعب الفلسطيني ومن العرب والمسلمين عامّة، فمعنى ذلك الدخول في صراع في المنطقة أشدّ من ذي قبل. إن سقف التسوية الذي يعمل ميتشل تحته، على نحو ما عبَّر عنه بيان الرباعية من موسكو يقتطع في طريقه جزءاً كبيراً من الحقوق الفلسطينية في القدس ولا سيما شرقيها في المدينة القديمة بما في ذلك من المسجد الأقصى نفسه. هذا إلى جانب ما تُرِك للمفاوضات من تبادل أراضٍ في الضفة الغربية قد
يصل إلى ابتلاع معظم ما ضمّه الجدار والمستوطنات وحتى الأغوار.
الثاني: ثمة أثر عميق تحقق منذ الآن على هامش الأزمة الحالية، وما عكسته من انطباعات على الرأي العام الأميركي والغربي. فنتائج هذه الأزمة على الرأي العام الأميركي والغربي عموماً ستكون شديدة السلبية على الموقف من إسرائيل، مما سيضيف عاملاً جديداً إلى ما تركته حرب العدوان على غزة من آثار سلبية في نظر ذلك الرأي العام إليه. إن خسارة إسرائيل لتعاطف الرأي العام الأميركي والغربي عموماً معه ستكون لها أبعاد إستراتيجية على مجرى الصراع. علماً أن تعاطف الرأي العام الأميركي والأوروبي مع المشروع الصهيوني منذ 1948 كان له أثر كبير في ما حققه من إنجازات ظالمة وغير شرعية على الأرض. وبهذا يكون السحر قد أخذ ينقلب على الساحر في مجال من المجالات المهمّة جداً في الصراع على أرض فلسطين.
النهار-- الثلاثاء 06 نيسان 2010

مبدأ التسامح الديني ومناهضة العنف في الاتفاقيات الدولية

مبدأ التسامح الديني ومناهضة العنف في الاتفاقيات الدولية

محمد المجذوب
يعتبر التسامح من أعظم القيم والمبادئ التي يجب أن تقوم عليها المجتمعات البشرية في العصر الحديث، بعدما زالت الفواصل بين الشعوب، وتلاشت الأبعاد بين الأقطار، وتشابكت المصالح بين الدول، وامتزجت الحضارات والثقافات حتى غدت ملكاً للعالم بأسره ينهل من ينابيعها كل إنسان مريد.
ناضل الإنسان الأوروبي قرونا لتحرير نفسه وفكره من سيطرة الكنيسة وسطوة رجال الدين فنجح، منذ قرنين تقريباً، وبصورة متدرجة، ومع تبلور فكرة الدولة والمجتمع المدني، في فصل الدولة عن الكنيسة، والحصول على المشاركة في اتخاذ القرارات في الدولة، والأخذ بمفهوم التسامح الذي يدل على قدر من المغايرة المسموح بها، وعلى قدرة المجتمع على استيعاب المعارضة واحترام الاختلاف في الرأي والعقيدة. وبذلك خرج مفهوم التسامح، بمعناه الشامل، من نطاق السلوك الفردي أو الذاتي أو الاختياري الى نطاق السلوك الجماعي والدولي والإلزامي، وأصبح أساساً لكل تنظيم سياسي، في الغرب أولا، ثم في العالم.
وقد تجلى هذا التطور في الإقرار بانتفاء العصمة، واحترام حق الغير في الاختلاف، والاعتراف له بكامل الحقوق والواجبات والحريات التي يتمتع بها (أو يجب أن يتمتع بها) كل مواطن.
وجاءت النظريات الليبرالية والديموقراطية تدعم هذا الاتجاه وتدعو الى مشروعية الحكم وسيادة الإرادة العامة المنبثقة من الاقتراع العام. وأكد العديد من المفكرين الذين نادوا بالحرية الدينية أن التسامح لا يصبح فضيلة إلا اذا اقترن باحترام عقائد الآخرين.
وبدأت آنذاك ساحة التعصب، وهو نقيض التسامح، تتقلص، وبدأ الإنسان يشعر ويقتنع بمحاسن التسامح بين البشر. وهكذا نرى أن التسامح بدأ دينياً، وحظي بتأييد فلسفي، ثم اكتسب، بفعل تنامي ظاهرة التعصب، موقعاً قانونياً، وأصبح، في الأنظمة السياسية الديموقراطية، الدعامة الأساسية لتقدم مسيرة حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وليس للتسامح موقف سلبي يتمثل في تجاهل الغير واللامبالاة بما يحدث ويجري في المجتمع من مآس وظلم وقهر وتحيّز بسبب التعصب. إن الأخذ بمبدأ التسامح يقتضي رفض عدم التسامح والدفاع عن المبادئ والقيم والتشريعات التي تنادي بالتسامح.
والتسامح الديني ليس الجانب الأوحد أو الأهم من جوانب التسامح، فهناك أيضا جوانب أخرى عديدة تتمثل في التسامح السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. وغياب هذه الأنواع من التسامح، وأحيانا غياب أحدها أو تغييبه، قد يكون سببا في اندلاع الاضطرابات أو المعارك والاتجاه نحو التعصب أو العنف الديني
كان الفيلسوف البريطاني جون لوك John Locke (1632ـ1704) في (رسائله عن التسامح) التي نشرها في العام 1689، أول الفلاسفة المتنورين الذين اعتبروا أن التسامح هو الحل العقلاني الوحيد لوضع حد للصراعات والحروب الدينية التي استفحلت آنذاك في أوروبا، وان الحرية هي هدف المجتمع السياسي المتسامح.

وجاء بعده الأديب الفرنسي فولتير Voltaire (1694ـ1778) فقال في (قاموسه الفلسفي)
الصادر في العام 1764: «كلنا ضعفاء وميالون الى الخطأ، فدعونا نتسامح بعضنا مع بعض... ذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعية والمبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة».
وجرت محاولات لإيجاد الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها التسامح، فتم الإجماع على اعتبار التسامح واجبا أخلاقيا وعنصراً مكونا لحرية الإنسان الذي لا يمكن إكراهه على أن يكون حراً، ولكن يمكن إكراهه على أن يدع الآخرين أحراراً.
ومع النظريات والتطورات الديموقراطية التي طرأت على المجتمع الدولي تحوّل التسامح من مجرد فضيلة فردية الى قيمة قانونية، وأصبح أهم ركيزة في كل تنظيم سياسي واجتماعي يحرص على توفير الحقوق والحريات لأفراده والدفاع عنها.
وهذه المكانة الرفيعة التي تبوأها التسامح، منذ القرن التاسع عشر على الصعيد الدولي، دفعت الدول الى عقد معاهدات لرعاية حقوق الإنسان والقضاء على كل أنواع التمييز بين البشر. وكانت الإرهاصات الأولى مع المعاهدات التي نصت على حظر تجارة الرقيق والقضاء على العبودية. ففي عهد عصبة الأمم تمّ، في العام 1926، إبرام اتفاقية خاصة بتحريم الرق الذي يعد حالة اجتماعية يكون فيها المرء ملكاً لشخص آخر، أو لطرف آخر، وسلعة تقتنى كالأثاث، وتباع.

وفي القرن العشرين صدرت تشريعات وطنية حرّمت العبودية. وأبرمت اتفاقيات دولية بعدها نصت على تحريمها، حتى أصبح حظر ممارسة العبودية من القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، ومن ضمن الجرائم الدولية ضد الإنسانية التي تخضع للعقوبات أمام المحاكم الجنائية الدولية. وقد شكل ذلك حدثاً مهماً في تاريخ محاربة التعصب. وفي الذكرى الستين لتبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (في العام 2008) أطلقت منظمة اليونسكو حملة ضد الرقّ باعتباره آفة قضي عليها رسمياً مع حظر تجارة العبيد.
وميثاق الأمم المتحدة هو المرجع الأهم في الدفاع عن حقوق الإنسان وترسيخ أركان التسامح. ففي ديباجته أكدت الشعوب إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الكائن البشري وقيمته، وبحق المساواة بين الناس، وأعلنت عزمها على أن تسلك طريق التسامح وتعيش معا في سلام وحسن جوار. وفي الفقرة الثالثة من المادة الأولى ورد أن من مقاصد الأمم المتحدة «تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا وتشجيعها، بلا تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين». ونصت الفقرة الثالثة من المادة 55 على إشاعة الاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، بلا تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين».
وفي العام 1948، صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعتبر حدثاً تاريخياً وإنجازاً حضارياً متميزاً للمجتمع الإنساني، وخلاصة رفيعة لأنبل ما دعت إليه الكتب المقدسة والفلسفات والنظريات الإنسانية التي نشرت في القرون الماضية وعبّرت عن توق الإنسان الى الحرية والمساواة والتسامح.
وفرادة «الإعلان العالمي» تكمن في ميزات متعددة، أهمها:
1ـ الطابع الإنساني الشامل والشمولي الذي أكسب «الإعلان» بعداً إجماعياً كونياً لم تحظ أية وثيقة أخرى بمثله، وجعل منه وثيقة عالمية تعبّر عن تطلعات إنسانية تسمو على التمايزات والفروق بين البشر.
2ـ انطلاق مفهوم حقوق الإنسان في «الإعلان» من مسلّمة تعتبر هذه الحقوق نابعة من الكرامة الأصيلة والملازمة للإنسان. ومن هذه الكرامة تنبثق الحقوق الأساسية التي يملكها الإنسان، مثل الحق في الحياة والحرية والمساواة والأمن.
3ـ اعتبار «الإعلان» المرجعية العالمية لحقوق الإنسان، فصدوره بغالبية ساحقة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإشادة به في كل مناسبة في المحافل الدولية، وإعلان الالتزام به في كثير من الدساتير الوطنية، يضفي عليه صفة الإلزام.
4ـ الإقرار بمبدأ عالمية حقوق الإنسان. وهذا يعني أن الوصول الى هذه الحقوق كان ثمرة كفاح البشرية عبر التاريخ ضد كل أشكال الظلم والقهر والتمييز والتعصب، وحصيلة تلاقح الحضارات والثقافات وتفاعلها خلال قرون طويلة. وعالمية الحقوق تعني أيضا أنه لا يجوز استثناء أحد في أي نظام أو منطقة في العالم من التمتع الحر بتلك الحقوق.
5ـ الإقرار العالمي بأن «الإعلان» دشّن، في إطار الأمم المتحدة، قيام نظام مؤسسي لحماية حقوق الإنسان. وقد غدا «الإعلان» من أهم أعمدة ذلك النظام الذي يضم أركان ما يسمى بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومنها العهدان الدوليان المتعلقان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والصادران في العام 1966. ومنها البروتوكولان الاختياريان للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومنها عشرات الاتفاقيات المتعلقة بمختلف حقوق الإنسان، مثل منع جريمة الإبادة الجماعية، ومكافحة جميع أشكال التمييز العنصري، وإلغاء الرق وتجارة الرقيق، وتحريم السخرة... ومنها عشرات الاتفاقيات المتعلقة بالآليات والمؤسسات الخاصة بمراقبة انتهاك حقوق الإنسان، وربط حماية هذه الحقوق بهدف حفظ السلام والأمن في العالم، وإنشاء محاكم جنائية دولية لمعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية.
وكان (الإعلان العالمي) المحطة التاريخية الأولى في مسيرة تطور حقوق الإنسان. والمادة 18 منه حسمت بعض الإشكالات عندما أقرت بحق كل شخص «في حرية التفكير والضمير والدين»، واعتبرت أن هذا الحق يشمل «حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده، أو مع جماعة، وأمام الملأ، أو على حدة».
وجاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقر، في المادة 18، حق الإنسان في أن يدين بدين ما، وأن يعتنق أي دين أو معتقد يختاره.
وفي العام 1981، صدر الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد، وسار في الاتجاه ذاته وكرّس حرية الدين، وعرّف مصطلح التعصب والتمييز، ومضمون عبارة الحرية الدينية.
وفي 14/6/1993، عقد في فيينا المؤتمر العالمي حول حقوق الإنسان، فطالب، في برنامج العمل الصادر عنه، جميع الحكومات باتخاذ جميع التدابير المناسبة لمواجهة أشكال التعصب والعنصرية وعدم التسامح.
ولم يقتصر أمر الاهتمام بمبدأ التسامح الديني على الأمم المتحدة وأجهزتها ومؤتمراتها، بل شمل كذلك المنظمات الإقليمية التي أتيح لها إصدار العديد من البيانات والقرارات لحماية الحرية الدينية.
ففي تموز 1992، أصدر مؤتمر لمنظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي اليوم) قراراً نبّه فيه الى خطورة استعمال الدين لغايات تقوم على التمييز العرقي، ودعا الى تعميق التشاور لتعزيز قيم التسامح والاعتدال والتضامن في العلاقات الأفريقية. وفي اجتماعه في تونس، في حزيران 1994، أقر مدوّنة قواعد السلوك ودعا الى ضرورة التصدي للتطرف والإرهاب.
وكان مؤتمر القمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي قد أصدر، في كانون الأول 1991، قراراً أكد فيه «عدم السماح لأية حركة تستغل ديننا الحنيف للقيام بأي نشاط مناوئ لأي بلد عضو، ودعا الى التنسيق بين الدول الأعضاء لتطويق ظاهرة الإرهاب الفكري والمغالاة».
وفي حركة عدم الانحياز تعرّض رؤساء الدول والحكومات، في اجتماع جاكرتا في ايلول 1992، لمسألة الحرية الدينية، واعتبروا أن الإرهاب يشكل تهديداً خطيرا يحول دون التمتع بحقوق الإنسان، ومنها الحرية الدينية.
وهناك، على المستوى الأوروبي، وثائق عديدة في هذا الصدد، منها توصية صادرة عن المجلس الأوروبي، في شباط 1993، تدعو الديانات الى تأكيد القيم الأخلاقية المتصلة بالتسامح وحرية المعتقد.
وبعد صدور «الإعلان العالمي» توالى صدور الاتفاقية الدولية الداعمة والحامية لحقوق الإنسان ومبدأ التسامح، وازدادت الجهود الدولية الرامية الى إرساء مبادئ التسامح ومقاومة التعصب، ومنها:
ـ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (21/2/1965 (
ـ الاتفاقية الدولية للقضاء على جريمة الفصل العنصري وقمعها (30/11/1973(
ـ الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد (25/11/1981(
ـ اتخاذ لجنة حقوق الإنسان (التي حل محلها في العام 2006 مجلس حقوق الإنسان، المرتبط مباشرة بالجمعية العامة للأمم المتحدة) قراراً في العام 1986 قضى بتعيين مقرر لتقصي مظاهر التعصب ومتابعة الإجراءات الحكومية الهادفة الى القضاء على هذه الآفة.
ـ إعلان حقوق الأشخاص المنتمين الى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية (18/12/1992(
وفي 20/12/1993، صدر قرار الجمعية العامة باعتبار سنة 1995 السنة الدولية للتسامح، «اقتناعا منها بأن التسامح ـ الاعتراف بالآخرين وتقديرهم، والقدرة على العيش مع الآخرين والاستماع الى الآخرين ـ هو الأساس السليم لأي مجتمع مدني...». ونص القرار على أن تكون منظمة اليونسكو الرائدة في تنسيق أنشطة السنة الدولية للتسامح، وأهدافها:
1ـ السعي للحصول على الدعم النشط لكل فرد يؤيد التسامح كأسلوب للسلوك الشخصي.
2ـ زيادة الوعي بالمشاكل المتصلة بالتعصب والعنف في العالم.

وفي الخلاصة نبدي بعض الملاحظات والانطباعات:

أولا ـ رغم الجهود التي بذلت، منذ عدة عقود، في القانون الدولي لإرساء مبادئ التسامح بين الدول وداخل كل دولة، فإن التعصب الديني أو العرقي أو الفكري قد عاد، في الآونة الأخيرة، الى الظهور والانتشار في مختلف أنحاء العالم. ومن مظاهره اللجوء الى السلاح والقيام بالأعمال الإرهابية، واشتداد العداوات والأحقاد، واندلاع المنازعات بدعوى الدفاع عن المعتقدات. وكل ذلك يؤكد لنا أن التسامح يحتاج الى دعم وحماية على الصعيدين الوطني والدولي.
ثانيا ـ على المؤمنين بمبدأ التسامح الديني أن يتنبهوا الى أمر مهم يتلخص في أن الدين أو المذهب الديني يمكن أن يوظف لغايات سياسية، أو لغايات لا علاقة لها بالدين، مثل الصراع على الحكم بين فئات تنتمي الى دين واحد أو أديان مختلفة، أو التذرع بحجة تقرير المصير، أو الرغبة في التخلص من حاكم معين، أو التمهيد للسيطرة على بلد معين. ولهذا ينبغي لنا التمييز بين التسامح والمصالح لئلا ينقلب الدين الى مجرد ذريعة.
ثالثا ـ إن حماية مبدأ التسامح الديني أو الحرية الدينية تحتاج الى وقاية تتعهد دول العالم بتوفيرها، وتتمثل أولا في إعادة الاعتبار للدين ورفعه الى مستوى الثوابت العصية على المتغيرات، وثانيا في توجيه عناية فائقة الى طرق التربية (في المنزل والمدرسة والبرامج التربوية) التي تشكل أفضل وسيلة لإعداد أجيال تنبذ التعصب والتطرف والتمييز، وتناضل من أجل سيادة مبدأ التسامح، وثالثا في وضع برامج ودراسات، يمكن أن تنجزها منظمة اليونسكو وتعممها، تهدف الى إثبات العلاقة الجدلية بين التسامح الديني وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار داخل كل دولة وبين الدول كافة.
رابعا ـ إن اللاتسامح أنواع، أهمها وأخطرها اللاتسامح السياسي الذي تنتجه الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة والشمولية. وخطره يكمن في عملية التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو اللون. وهو يؤدي الى ممارسة أقسى درجات التعصب

تحية الى الرفاق في المغرب

السيناريو الذي ارادوه
د مصطفى المسعودي
ا
كان دائما واضحا كالشمس ..حادا في الحق كالسكين ..عاشقا لبلاده حتى أخر الحدود ..حالما بمستقبل زاهر لكل أبناء المغاربة .
..كان المعتصم ولازال نموذجا جديدا لجيل من المناضلين المغاربة الذين يصعب ترويضهم ..وبعد تربّص طويل اعتقد خصومه أنه ظفروا به أخيرا لمّا عادوا إلى أرشيف إدريس البصري البائد وصاغوا رواية هزلية رديئة الإخراج ثم خرجوا على العالم وهم يصرخون في فرح هيستيري :
"هاهو المعتصم الإرهابي ..ها قد ظفرنا به متلبسا ..
أنظروا إلى من كان يدعي الإسلامية والديمقراطية ومن أسس "القطب الديمقراطي .."
إنه ومن معه ليسوا سوى مجموعة من الإرهابيين المجرمين الذين كانوا يخططون ل"قربلة "المغرب وإغراقه في الدماء"
مكر كبير وإصرار رهيب على قتل الرجل وسحقه تحت أقدام الظلم بدون رحمة أو شفقة وكأن هذا المعتصم ومعه إخوته صنف آخر من البشر لا يستحقون سوى إلقاءهم من فوق جبل شاهق ..كان السيناريو يقتضي أن تمر الأمور بسلاسة كبيرة ودون كثير من الضجيج تماما كما حدث "للسلفيين"..سيَصرخ البعض سيحتج البعض ثم ينفضُّ السوق ويذهب كل إلى حال سبيله بعد أن يكون المشهد قد انفتح على مغرب جديد ..مغرب النماء والتشييد والأوراش التي تعمّ البلاد من أقصاها إلى أقصاها.. وديمقراطية "العهد الجديد" التي يحق التباهي بها في كل العالم العربي.. والمشهد السياسي الجميل الذي يؤدي فيه الكل دوره بمهارة وكثير من التعقل والوطنية ..فقط بعض المتنطعين المشكوك في إخلاصهم وحتى في مذهبهم صاروا إلى الجحيم وتمّ التخلص منهم وليَكن ..فالمغرب أكبر والمستقبل أجمل ..
ومن أجل هذا الهدف الغير النبيل استعملت كل الأمْشاط الحديدية وكل المُدى الصّدئة ومَعاول السّحق في محاكمة أسطورية تذكر بأكثر الفترات فضاعة في تاريخ خرْق حق الإنسان ..فكأن الزمن المغربي تقهقر عقودا نحو الوراء حتى تمرّ المؤامرة ضد المعتصم وإخوته وفق السيناريو الذي وُضع سلفا ..خروقات يندى لها الجبين ..قاعة محاكمة مجهزة بكل الكاميرات الخفية والظاهرة ..أبْواق إعلامية تم استئجارها ل"تغطية الجريمة".. تهديدات وزارية ضد كل من سوّلت له نفسه التشكيك في الرواية الرسمية المقدسة ..إنه الجنون ..في أي زمان مغربي نحن ..؟ وهل يُعقل أن كل دماء المناضلين المغاربة التي سالت منذ الاستقلال فداء للحلم الديمقراطي تنتهي إلى هذا المستوى من العبث والدمار ..؟ هل كان سادة النضال المغربي على مر الأجيال يلعبون ؟ هل كل صرخات العذاب في سجون أوفقير والدليمي والبصري ..ترجمت إلى هذا المسخ الجديد من السحق ..شئ لايصدق..تموت الشعوب لتحيا ..ولكن بدا كما لو أن شعبنا مات ليوغل في الموت ..
كانت المؤامرة كبيرة ،وبدا المعتصم ومعه إخوته هذه المرة كما لو أنهم صار رمادا تحت آلة القمع الأسطورية ..لكن الذين مكروا ضد ه لم يقدّروا جيدا المَدى الذي يمكن أن يذهب إليه هذا المناضل في المواجهة ..كانوا يظنون أنه سينكسر ويستسلم لقدره في صمت حتى يتفتت لحمه في السجن أو قد يتداركه ذات يوم عفو نتيجة حسن السلوك ..لكن الرجل كان حازما حين واجه القاضي الذي أدانه بقول ينبُض بالبلاغة والعنفوان فقال :" تملكون أن تصدروا فينا أحكام الإعدام ..ولكن نحن من سيختار الطريقة التي سنموت بها .."كلام لم نتعود على سماعه من رؤساء الأحزاب انه بالفعل كلام مدجّج بالرصاص..
إلى أين سيصير هذا الملف ..؟
أنا أعرف جيدا هؤلاء الرجال : المعتصم والركالة والمرواني والعبادلة والسريتي ، وقد جمعتني بهم دروب النضال الطويلة ..لن ينكسروا..وهما أمران لاثالث لهما : إما أن تعود الدولة المغربية إلى رشدها بأن تحق الحق وترفع آلة القمع الرهيبة عن خيرة أبناء هذا الوطن وإما سيَنضاف هؤلاء الشرفاء إلى صفوف الشهداء المغاربة الذين سقطوا في معركة الكرامة لتصير دماؤهم زيتا جديدا في مشكاة النهوض الحضاري القادم بإذن الله وقدره إلى هذا الوطن وقد قالها المعتصم وكان جادا في كلامه :" نموت ..ليحيا الوطن" .

السبت، 3 أبريل، 2010

Europe: The Crisis Of The Left

By Roberto Savio Inter Press Service
[IPS news agency]
March 29, 2010
http://other-news.info/index.php?p=3335

ROME, Mar (IPS) The victory of the right in January's
elections in Chile has stirred reflections on the crisis of
the left. Of the 15 countries in Europe that had leftist
governments in 1992, only five do today, and of these three
-Portugal, Spain, and Greece-presently find themselves in
grave financial and social difficulty. For people under
fifty, it is hard to grasp how deep the roots of this crisis
go. The solution does not seem to be a quick one.

It should be remembered that since the end of the Second
World War and the creation of the UN, we have seen an
extraordinary process of political modernisation built on
constitutional foundations: social justice and democratic
participation. Economic expansion was accompanied by a major
process of reform, in particular agrarian, and the expansion
of labour rights and health and employment protections.

At the global level, the UN General Assembly adopted in the
1970s a declaration on the New International Economic Order
which postulated "global social justice" and recognised the
Third World's right to participate equitably in the world
economy. In this period, the values of human development
were the basis of political debate. A North-South dialogue
was inaugurated involving 22 heads of state, with a first
summit held in Paris and a second in Cancun in 1980,
attended by the newly-elected Ronald Reagan - a man
uninterested in international justice but very interested in
trade.

Reagan introduced the famous slogan, "Trade, not aid". And
with his allies, like British prime minister Margaret
Thatcher, he began to change the course of history. In the
1980s the World Trade Organisation was created outside of
the UN system, which was targeted by a campaign to
delegitimise it as a forum for international decision-
making.

Then came the replacement of the New Information Order and
the New Economic Order with the so-called Washington
Consensus, which imposed a single neoliberal orthodoxy as
the basis of international economic relations. At the same
time, Reagan and Thatcher undertook a focused assault on the
power of labour unions, beginning a liquidation of state
social services that continues to this day.

In 1989, the Berlin Wall fell. The claim was made that what
had been defeated was not an enemy -the Soviet Union- but
rather the entire opposition to capitalism. Neoliberal
author Francis Fukuyama argued that the world had reached
"the end of history", because from that point on there would
only be capitalism and continuous growth, unrestrained by
noxious regulation.

After the death of communism, the death of ideology was
proclaimed. The new orthodoxy eliminated all differing
opinion. The market was exalted as the best regulator of the
economy, society, and culture.

In the face of this colossal lie, the left, in Europe
especially, sought to be as unobtrusive and ahistorical as
possible, remaking itself according to the styles and the
collective imagination of the moment. In general, it split
into two groups: "widows" and "virgins".

The widows of the left, except in ex-socialist countries,
withdrew from politics. The virgins, in contrast, began to
speak of the end of ideology and to espouse pragmatism. "You
have to be pragmatic," was the slogan of the 90s.

Many words were dropped from the political lexicon, which
did not help the virgins: social justice, solidarity,
transparency, participation, progressive imposition, etc.
But pragmatism has a major flaw: without a conceptual
framework, it becomes a mechanism that undertakes only that
which is possible, and therefore what is useful. Which means
it is not pragmatism but utilitarianism.

Politics then focuses its energies only in administrative
goals, without a larger social vision and without a defined
set of values. It is a left without an identity, locked into
a chronic polemic with the right over personal and
administrative questions.

At the same time as this transformation was taking place, a
more significant economic change was occurring. After the
abolition of banking regulation decreed by Bill Clinton in
1989 and during the neoliberal binge of the G.W. Bush
administration, there was an explosive creation of new
unprecedentedly high-risk financial instruments. The real
economy of goods and services became subservient to the
financial sector, which grew twenty times faster. The
relation between politics and economics underwent a drastic
change. Production ceased to be the primary economic
referent. And with finance completely globalised and
unregulated, the national arena and its laws and
institutions began to grow inconsistent.

In the current debate, the old terms have been captured to
use in a new Cold War. Republicans are attacking Barack
Obama as a socialist. Similarly, Italian premier Silvio
Berlusconi denounces the opposition as communists.

And the left?

The left finds itself without the terminology to identify
itself with the people. It can no longer speak of social
justice, solidarity, equality, or redistribution without
being accused of communist nostalgia. In Italy, the
situation is so extreme that the Labour Ministry is now
referred as the Ministry of Welfare, without a peep of
objection from the left, which doesn't want to appear too
leftist.

The list of concessions made by the left in the countries of
Europe would fill volumes. In the United States, after the
exceptional election of a black man as president in a
massive popular vote, we now see that Obama was accompanied
into office by the old economic team that was responsible
for the current crisis. This blocks any possibility for
reform of the bankrupt financial system, which has created
hundreds of millions of new poor and will probably suffer
another collapse in the not-so-distant future if reform is
not forthcoming.

Nobel economist Joseph Stiglitz has said that the winners
when the Berlin Wall fell are the losers today as the other
wall (Wall Street) falls. How can a young European who has
not lived through this stretch of history grasp the paradox
Stiglitz points to and believe that a left without any
identity could be the road to a society different from that
of today? (END/COPYRIGHT IPS)

[Roberto Savio is founder and president emeritus of the
Inter Press Service (IPS) news agency.]

"مرايــا بيــروت" لروجيــه عســاف .. فــن المعــلّم

عباس بيضون- السفير- الجمعة 2 نيسان 2010


لا يمكننا أن نتكلم على روجيه عساف إلا بمزيد من الاحترام لرجل تولى، في ظروف حالكة، مهمة انقاذ المسرح، واستطاع بمثابرته وعناده، وموهبته أيضاً ان يبقيه واقفاً. هذه تحية يستحقها روجيه وتستحقها تجربته ويستحقها معاونوه في كل حين ويستحقها معه مسرحه «دوار الشمس».
غير ان روجيه يذكر بسلف عنيد أيضاً هو ابن المقفع الذي كره ان يبيت على غثر دين، غيّر روجيه دينه (السياسي أو الديني) غير مرة إلا انه لم يبت ليلة على غير دين. ربما لذلك يؤدي في حياته لله ما لله ولقيصر ما لقيصر، غير ان خدمة إلهين ليست دائماً سهلة، يؤدي روجيه للمسرح حقه وللدين «السياسي او الديني» أيضاً حقه. غير ان المسرح فن شكاك غير ممتلئ ولا مستوف خبيث وشائك والدين بعكسه بسيط مؤمن يقيني كامل ممتلئ. يعطي روجيه للمسرح ما للمسرح فنقع على المهارة والايقاع بل ونعثر أيضاً على الاسئلة والشكوك، ويعطي للدين ما للدين فنقع هذه المرة على الدوغما والكليشيه والتلاوة وما الى ذلك.
كانت، على سبيل المثال «في انتظار غودو» تحفة وكذلك «المغنية الصلعاء» فهنا كان المسرحي وحده في اللعبة ولم تكن المرأة العمودية وبوابة فاطمة على سبيل المثال أيضاً، إلا هذا العمل المتنازع بين المسرح والايمان، حيث الذكاء والرشاقة من ناحية والتلاوة والدوغما من ناحية ثانية، تنازع قد يصل الى حد التنافر فترى مسرحيتين في واحدة. المسرح في جهة والدعوة في جهة والاثنان ليسا من جنس واحد ولا من جبلة واحدة.
في مرايا بيروت يبدأ روجيه بذلك الحجر/ النيزك يحاوره الممثل الواحد تقريباً وهو روجيه، ثم يرسمه على اللوح بقلم ضوئي فيتدور الرسم وتظهر عليه ملامح بول غيراغوسيان والبورتيه الشهيرة التي كان صنعها لنفسه. لا نجادل في اننا أمام بداية بارعة، روجيه يظهر هنا سحره المسرحي وحين نرى فوراً بورتريهات غيراغوسيان الذاتية نفترض ان السحر سيستمر وان البداية تحوي في داخلها مفاجآت أخرى لكن بول يغافلنا وينتقل بخفه الى حديث عن وحدة الفنون، ودرس في أنواع الموسيقى ينتهي برقصة، وكلام عن فضل القدمين غير المعترف به من قبل الذين يكرمون الرأس والجزء الأعلى من الجسد، ثم هناك بالطبع الإبادة والشتات الأرمنيين وهناك الموسيقي الفلسطيني «جوهرية» العائد في نهايات الليل الى بيته حيث تلقاه أمه بالسباب والسخرية، هناك بالطبع الشتات الفلسطيني وهناك حكاية بول وأبيه الأعمى الذي يخرج من لوحة، هناك قصة بتر رجل بول وقصائد عن بيروت واشارات بيروتية. هذه بدون ترتيب صحيح بالضرورة قائمة ناقصة بالموضوعات التي تطرق اليها الممثل الوحيد الذي أدى ادوار الموسيقي والوالد الأعمى من ضمن مونولوغه المثابر. موضوعات لا يكفي ما تقوله أروى عيتاني انه ينتقل بينها ببراعة وايقاع لكننا امام شتات موضوعات متفرقة تتسلسل بدون رابطة إلا ذلك الإيقاع الذي يغدو هو نفسه اصطلاحياً وبرانياً أيضاً. نحن هنا أمام سيولة سطحية لا تملك فعلا أي بنية، فقط الاسترسال الخطي والانسياب الفائض، انها لمامة موضوعات اثيره غالباً على روجيه لكنها لا تصنع مسرحية، فهي في تراصفها وتحاذيها تبقى هكذا ذات انتشار افقي، هي أخبار متجاورة كما لو أنها في جريدة، لا تتداخل حقاً ولا تشتبك الا في مقابلة ذهنية كتلك التي قامت بين الشتات الفلسطيني والأرمني. عدا ذلك نحن أمام عمل لا تنجح اداءاته المسرحية (الأعمى والموسيقي والدرس الراقص في الموسيقى) الا في مسرحة آلية ووظيفية لكن الناتج ليس مسرحية، الناتج ليس أكثر من مسرحة.
الممثل الوحيد ليس «الحكواتي» إذ ان ما ينقص فعلاً هو الحكاية. الممثل الوحيد لا يحكى بقدر ما يعلّق. أما أداءاته المسرحية فهي فقط وسائل ايضاح، انه في الواقع وهذا ظاهر في صوته وأدائه. لا يفعل شيئا سوى أن يعلّم. هو على الخشبة يتنقل من درس الى درس، وكل هذا الكلام عن الموسيقى ليس سوى درس في الموسيقى، والكلام عن وحدة الفنون درس واضح وصريح، وكل هذا الكلام عن فلسطين وارمينيا وحتى بيروت دروس، (مع ان درس الأخيرة «بيروت» بقي معلقاً وإضافياً ومستعجلاً بحيث بدا أكثر من غيره ملصقاً الصاقاً وزائداً بغير حاجة واضحة، الا ما يستدعيه عنوان المسرحية، وما تفترضه السياحة الجغرافية الأرمنية الفلسطينية.
أما الدروس فهي حقاً كذلك، انها امثولات فحسب، هذا الحديث عن وحدة الفنون والموسيقى والقدمين والشتات الأرمني الفلسطيني لا يقول في الواقع سوى المعاد المكرور، وكونه يقال بلا مناسبة واضحة وبدون ان يكون في سياق درامي أو سياق حواري لا يعدو أن يكون درساً فحسب، وإذا أخذناه بهذه الصفة لن نجد سوى خلاصات. سوى عناوين مشهورة معروفة، ولو بدا لأول وهلة جديداً فهو من الجدة التي تواطأ الجميع عليها وباتت في العموم، هذا الحديث عن وحدة الفنون مثلاً هو حقا شرح لفكرة شائعة لم يعد لها مؤلف. انها دروس او عناوين وإذا استعملنا مصطلحاً آخر، قلنا انها كليشهات، إذ ان لكل موضوع الكليشه الخاص به، وما يجمعه روجيه في مسرحيته هو تماماً هذه الكليشهات.
إذ ذاك نعود الى السؤال أين المسرحية إذ لا نزال نفكر ان المسرح حوار حتى حين يكون مونولوغاً. هنا ثمة أجوبة على اسئلة غير مطروحة وغير قائمة في الأصل، الممثل الوحيد تقريباً يقرر فحسب ويمثل لزيادة الشرح و»لتمثيل» الفكرة الجازمة النهائية. الممثل الوحيد ليس وحيداً تماماً، ان له تابعاً لا يتكلم ولا يقوم بشيء الا ما يقوم به صاحبه الذي يتكلم وحده ويقرر كل حركة. الممثل الآخر صامت فهو ظل للمتكلم الذي لا يصمت لحظة. حق الكلام موكل فقط إليه وهو بهذا المعنى صاحب الأمر وليس الآخر سوى تابعه، وإذا شئنا ان نجد وجهاً آخر للصلة بين الاثنين بدا لنا اننا أمام الاستاذ وتلميذه، أمام الشيخ وتابعه، أمام الولي وتلميذه كما في القديم، كل هذا ليس الا نفياً للحوار الذي يحل محله التقليد والتابعية.
أين بيروت في المسرحية انها فضيلة، لكننا نسال أيضاً عن الرسام، لوحات غيراغوسيان تنطبع على الشاشة ونتف من حياته تستعاد. لكن في أحيان كثيرة لا نعود نعرف الصلة بين كلام الممثل وبين ما يرتسم على الشاشة. يستمر عرض اللوحات بإطاراتها وبأحجام لا تزيد كثيراً جداً عن الاخص. انها اللوحات كما يمكن ان تظهر في المرسم، كما يمكن ان تعلق في معرض. ليس ثمة دخول إليها إلا في القليل. انها أيضاً للتمثيل على ما يقال ولتوضيحه، أي انها تدخل في آلية التعليم. أما العالم الذي فيها فبقي مغلقاً. أما الفن الذي فيها فلم يصل إليه الدرس. كان كلام عن الموسيقى ووحدة الفنون لكن فن بول غيراغوسيان، فيما يبدو، لم ينتج الكليشه الخاص به. لم يصر بعد درساً.
أذكر في هذا السياق مسرحية لروجيه عن فن سمير خداج. ورغم مشكل النص فيها إلا ان العرض البصري للوحات خداج كان ملحمياً بحق واستطعنا، وإن من تعارض مع الحكاية الملعوبة، ان ننفذ الى داخل اللوحة الخداجية وأن نراها حية مجسمة بمسافات وجوانيات عميقة وحركة درامية.
ربما أفضل ان انهي المقالة بما بدأتها به، تحية روجيه ومسرحه. لم يدر وقت طويل على مشاهدتي إخراجه لمسرحية «بيكيت» في انتظار غودو كانت هذه متعة بحق. أما فيما يؤلفه روجيه أخيراً فإن منكر المسرح الذي فيه هو الذي يظهر. لا يعود المسرح رجوعاً الى الأسئلة الأولى وصراعاً حول كل شيء بقدر ما يغدو أجوبة وخلاصات وتلقيــناً، ولنا عندئذ أن نسأل أين المسرحية؟

سمية المعتصم:لقدأضرب أبي وزملاؤه عن الطعام بسبب غياب الأمل في محاكمة عادلة

قالت سمية المعتصم،ابنة المصطفى المعتصم،أحد المعتقلين الستة في القضية التي تعرف ب"خلية بلعيرج"،إن إضراب والدها عن الطعام جاء للمطالبة بتوفير أبسط حقوق المواطنة،وهو الحق في محاكمة عادلة.وحول فكرة إنشاء موقع على الفايسبوك لمساندة المعتقلين،قالت المعتصم(21 سنة)،والتي تدرس بشعبة الصناعة واللوجستيك في السنة الرابعة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بطنجة،إنها جاءت اساسا للتعريف بقضيتهم وإيصالها إلى الرأي العام.ابنة المعتصم قالت:إن دعم المعتقلين عبر "الفايسبوك" هدفه إيصال مواقفهم إلى الرأي العام
سمية المعتصم:لقدأضرب أبي وزملاؤه عن الطعام بسبب غياب الأمل في محاكمة عادلة
حاورها:عمر بن شعيب
. لماذا اختار أبوك وباقي المعتقلين الستة الدخول في الإضراب عن الطعام ة؟
كانت فكرة الإضراب عن الطعام قائمة مند مدة، لكن أبي ارتأى أن يتريث آملاً أن تصحح الخروقات التي سجلت في هذا الملف خلال المرحلة الابتدائية. إلا أنه بعد مرور بضعة أشهر من بداية الاستئناف، وبعد رفض جميع الدفوع الشكلية التي تقدمت بها هيئة الدفاع لإحضار الشهود والمحجوزات و ترجمة الوثائق و فقدان أدلة الإثبات و غيرها من الخروقات التي أصبحت معروفة وبعد أن قررت محكمة الاستئناف ضم الدفوع الشكلية إلى الجوهر، ما اعتبره الدفاع رفضا لهاته الدفوع، ارتأت هيئة الدفاع أن تنسحب لأنه لم يبق هناك أمل في محاكمة عادلة. ولقد أدرك المعتقلون السياسيون الخمسة ذلك، فقرروا الخوض في إضراب عن الطعام.
هل هذا الإضراب مفتوح أم لمدة زمنية محددة؟
هذا الإضراب إضراب مفتوح، فأبي مصر على الاستمرار فيه و تحمل هذه المعاناة إلى حين توقف المسؤولين عن تبني سياسة الأذن الصماء و الاستهزاء بهم عبر محاكمات صورية و إعادة الاعتبار لصوتهم وصوت دفاعهم.
. متى كانت آخر زيارة لك لأبيك في السجن وماذا دار بينكما ؟
لقد زرته أول يوم لدخوله في الاضراب عن الطعام. وكان من الصعب بالنسبة إلينا تقبل هذه الفكرة خاصة أننا اعتدنا مشاركته وجبة الغداء عند كل زيارة.
لقد كنت و لا زلت قلقلة و خائفة من إضراب أبي عن الطعام ،خصوصا أن صحته ليست بأحسن حال. و حينما سألته عن سبب الإضراب .أجابني بما قالته أسماء بنت أبي بكر"لقد حان لهذا الفارس أن يترجل "
فبالنسبة إليه، إضرابه عن الطعام ليس فقط احتجاجا على مصادرة الحق في محاكمة عادلة، بل جاء القرار انتصارا للحرية والكرامة والحـق في المواطنة والعـدل والمساواة والديمقراطية والحق في الاختلاف والمرجعية ورفض الإكراه ولو في الدين ورفض التوسل بالعنف والإرهاب سواء كان إرهاب أفراد أو جماعات أو دولة...ولكي يصبح المغرب وطنا لكل أبنائه لا فرق بين غنيهم وفقيرهم في الحقوق والواجبات وأمام القانون،ولا بين أبناء الأسر العريقة وغير العريقة و بين إسلامييهم وعلمانييهم و بين عربهم وأمازيغييهم،إلا بالعمل الصالح والنافع الذي يخدم أمن البلاد واستقرارها وتقدمها
و قال لي في الأخير "أن أكبر ديمقراطية في العالم قامت بسبب بطن غاندي الجائع"
كيف جاءت فكرة إنشاء مجموعة داخل الفايسبوك لمساندة أبيك ورفاقه من المعتقلين ؟
فكرة إنشاء مجموعة مساندة المعتقلين السياسيين الستة جاءت أساسا للتعريف بالقضية و إيصال مواقف هؤلاء الرجال الشجعان إلى الرأي العام , و فيسبوك موقع اجتماعي من المواقع الأكثر شعبية في العالم ,وعملية التواصل فيه أسهل.
تحدثي لنا عن الفترة التي سبقت اعتقال أبيك، ومتى كان آخر لقاء لك به قبل اعتقاله
آخر مرة كانت قبل ثلاثة أيام من اعتقاله , غادرت مدينة الرباط عشية يوم الجمعة 15 فبراير 2008 لأتوجه إلى طنجة مكان دراستي , ولم ألحظ أي شيء غريب حتى صدمت يوم الثلاثاء في 8 صباحا بالخبر.
هل شعرت بنوع من الإحراج أمام زملائك في الدراسة بعد اعتقال أبيك ؟
في الحقيقة شعرت بالإحراج طوال العامين الأخيرين , شعرت بالإحراج لانتمائي لنظام تسخر أجهزته إمكانيات كبيرة لإقناع الرأي العام الوطني و الدولي وربما أنفسهم بمسرحية خيوطها غير متشابكة , سيئة الإخراج والتمثيل. شعرت بالإحراج في كل مرة حضرت فيها منظمات حقوقية عالمية و مراقبون دوليون جلسة حكم و عاينوا فيها رداءة القضاء وغياب المنطق وانعدام المساواة و العدالة في بلدنا.
هل تنسقين مع أبناء المعتقلين الآخرين أم أنك تقودين هذه المبادرة لوحدك ؟
لم أتخذ وحدي هذه المبادرة إننا ثلاثة مسيرين من بينهم أميمه المرواني التي نسقت معها في البداية وهي من أضافتني كمديرة للمجموعة بعدما طلبت منها ذلك .
كيف تجد أسرتك الصغيرة نفسها اليوم بعد أكثر من عامين من اعتقال والدك ؟
كيف يكون المنزل بلا سقف يحميه، وكيف حال الزرع بلا ماء يرويه و كيف هو عباد بلا شمس تهديه ؟ إن أسرتي مبتورة أعضاؤها, مجروح فؤادها, مفتقدة لحبيبها كل يوم, كل ليلة وكل عيد.
لقد ترعرع حلم أبي داخلنا و عاش معنا، فقد جعل من حب الوطن هويتنا التي تاهت مع سجنه. فنحن و بعد مرور اكتر من عامين، لا نفتقد فقط أبا و صديقا و معلما، بل كذلك هويتنا داخل وطننا
ما هي الرسالة التي تودين توجيهها إلى أبيك وهو خلف قضبان السجن وإلى المعتقلين الآخرين؟
أود توجيه مجموعة من الرسائل لجهات متعددة:
رسالة إلى الهيئات المسؤولة لأقول أن الرجل الذي غيبتموه في السجن مند أكتر من سنتين مظلوم ،و هو ضحية وشايات المتآمرين و الفاسدين و الحاقدين.
إن قضية أبي ورفاقه و قضايا الصحافة و غيرها، قضايا مست و تمس بصورة المغرب.فأرجوكم كفى، كفى، ارحموا هذا الوطن و ارحموا شعبه.
رسالة إلى رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، إلى من كان في يوم ما أستاذ أبي و صديقا له، إلى من قال في برنامج "حوار " إن المهم هو ضمان المحاكمة.
رسالة إلى الحقوقيين و الإعلاميين، إن معركة أبي جزء من معركة الديمقراطيين في هذا البلد، أتمنى ألا تتخلوا عنهم في هده اللحظة العصيبة.
و إلى أبي و رفاقه الشجعان البواسل أقول لهم اصمدوا فأنتم أملنا و قدوتنا ،اصمدوا يا من زرعتم فينا قيم التضحية في سبيل الوطن ،اصمدوا فخياركم هو خيار الشجعان .
لقد عاش أبي عمره كله سجين، سجين هذا الوطن، سجين حبه، فإن انتهى عهد الرق فقد كان أبي عبدا لوطنه ، و إن ولى زمن القرابين فأبي وهب حياته فدى مغربه ،فأينك يا وطن من كل هذا؟ أتراك تحرمنا منه بعد مشاركتنا حبه و عناقه و قبلاته؟
جريدة "المساء"
العدد:1092
الجمعة 9 ربيع الثاني1431
الموافق ل26مارس2010

جمعية الدفاع عن حقوق الأنسان بالمغرب

جمعية الدفاع عن حقوق الأنسان بالمغرب تذكر ان للمغرب التزامات في مجال حقوق الإنسان عليه الوفاء بها وتعلن دعمها للمعتقلين السياسيين المضربين ىعن الطعام وعائلاتهم
ASDHOM
Affaire Belïraj : la défense des prisonniers politiques se retire
& les détenus entament une grève de la faim


Le procès en appel du groupe Belïraj qui se déroule au tribunal d’appel de Salé, a connu un tournant significatif le mercredi 17 mars 2010. La défense des six prisonniers politiques du groupe (Mohamed El Marouani, Abdelhafid Sriti, Mohamed Amine Raggala, Al Mostapha El Moâtassim, Laâbadla Maelâinin et Hamid Najibi qui a recouvré sa liberté le 19 février après avoir été condamné à deux ans de prison ferme) a décidé de se retirer du procès. Rappelons que la défense était constituée des bâtonniers Abderrahman Benamer, Abderrahim Jamaï , Abderrahim Ben Barka et des avocats Khalid Soufiani et Mustapha Erramid.
Dans son communiqué qu’elle a rendu public pour annoncer son retrait, on peut lire l’indignation de la défense. Elle considère qu’elle a désespérément essayé tout au long de ce procès « d’apporter un peu de lumière dans ce qu’elle estime être un long tunnel sombre et sans issue ». Tous ses droits ont été ignorés et bafoués. Toutes ses demandes, que ce soit sur la forme ou sur le fond du dossier, ont reçu une fin de non recevoir. Elle est convaincue que tout était joué d’avance. Le groupe était déjà condamné quoi qu’il arrive.
La défense a dénoncé dans son communiqué tous les aspects négatifs qui ont entaché le procès : manque flagrant de garanties, absence totale de transparence, dépendance de la justice, pression accrue du ministère de l’Intérieur, impossibilité de consulter le dossier dans son intégralité, etc.
Elle estime que tout a été fait pour la décourager et l’empêcher de faire son devoir de défense. Elle en avait assez de cette mascarade. Elle en appelle à l’opinion nationale et internationale ainsi qu’aux organisations de défense des droits de l’Homme pour faire pression sur les autorités marocaines afin de les amener à revenir sur cette injustice.

Les prévenus ont bien saisi la portée de la décision de leur défense. Ils ont également décidé de quitter le procès.

Dix sept détenus ont même entamé une grève de la faim à partir du lundi 22 mars pour protester contre les conditions dans lesquelles s’est déroulé leur procès et réclamer leur libération. Nous venons d’apprendre qu’en plus de sa grève de la faim, le prisonnier politique Laâbadla Maelâinin a entamé une grève de la soif pour protester contre le traitement dégradant et inhumain qui lui a été infligé le 31 mars quand il a voulu assister à l’audience du procès. Leurs familles craignent le pire. Elles ont publié un communiqué de soutien et appellent l’opinion à se solidariser avec les leurs.
La famille du détenu d’opinion Sriti a, quant à elle, décidé d’entamer une grève de la faim ouverte et tournante jusqu’à ce que la vérité éclate et que son fils retrouve sa liberté et sa dignité.

L’Association de Défense des Droits de l’Homme au Maroc (ASDHOM) qui suit ce procès avec attention, a déjà interpellé le ministre de la justice au Maroc en lui adressant le 24 février 2010 une lettre accompagnée d’un dossier complet sur cette affaire. Elle apporte tout son soutien au groupe, à ses familles et à sa défense. Elle réitère sa demande avec insistance pour que les droits du groupe et de sa défense soient respectés. Elle rappelle que le Maroc a des engagements en matière des droits de l’Homme et qu’il se doit de les honorer s’il ne veut pas être mis à l’index.

Paris, le 31 mars 2010
Bureau exécutif

تحالف اليسار الديمقراطي --- اللجنة التنفيذية الوطنية

بلاغ
تضامنا مع المعتقلين السياسيين الستة

تابعت اللجنة التنفيذية الوطنية لتحالف اليسار الديمقراطي بقلق بالغ التطورات الخطيرة لملف المعتقلين السياسيين الستة المتابعين ظلما وعدوانا في ما سمي بقضية بليرج بملحقة محكمة الاستتئناف بسلا، وخاصة بعد دخول المعتقلين في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 22 مارس 2010، احتجاجا على الخروقات الجسيمة التي عرفتها كل مراحل التقاضي، مما أصبح يهدد بوقوع مأساة إنسانية حقيقية.
وبعد وقوفها على انعدام أدنى شروط المحاكمة العادلة كما أثبتت ذلك هيئة الدفاع بالحجج القانونية الدامغة منذ المرحلة الابتدائية، وهو ما أكدته المرحلة الاستئنافية من خلال الرفض المنهجي للمحكمة لكل المطالب الأولية والدفوعات المسطرية الجوهرية للدفاع في إنكار واضح للقانون، فإن تحالف اليسار الديمقراطي يعلن للرأي العام ما يلي:
تنديده الشديد بإقحام المتابعين السياسيين الستة في هذا الملف، لحسابات سياسوية ضيقة، رغم معرفة الجميع بانخراطهم في العمل السياسي السلمي المشروع وتبنيهم للديمقرطية ورفضهم لكل أشكال العنف.
مطالبته لمؤسسات الدولة، الحكومية والقضائية، بالتدخل العاجل لإحقاق الحق وإعمال القانون واحترام استقلالية القضاء، لضمان شروط المحاكمة العادلة لكل المتابعين في هذا الملف، وفتح تحقيقات جدية ونزيهة في الخروقات الخطيرة التي رافقته منذ اختطاف المعتقلين وتعذيبهم، مرورا بخرق قرينة البراءة ثم تزوير المحاضر وانتهاء برفض كل الطلبات القانونية للدفاع.
تضامنه المطلق مع المعتقلين المضربين عن الطعام ومع أفراد عائلاتهم التي دخلت في إضراب مماثل، دفاعا عن براءتهم وعن حقهم في محاكمة عادلة، ومناشدته لكل المؤسسات السياسية والحقوقية بالتدخل لإنقاذ الحق المقدس في الحياة للمضربين عن الطعام ولتجنيب البلاد كارثة إنسانية لن تكون في مصلحة أحد.
وفي الأخير فإن تحالف اليسار الديمقراطي يدعو المسؤولين في كل المستويات إلى استحضار روح الحكمة والتعقل في معالجة هذا الملف بما يخدم مصلحة البلاد وقضاياها الوطنية.
الرباط، في: 31-3-2010
الحزب الاشتراكي الموحد حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي المؤتمر الوطني الاتحادي

بيان المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والانصاف

المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف

عقد المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي من اجل الحقيقة والإنصاف اجتماعه الدوري العادي يوم الجمعة 26/03/2010،وبعد تدارسه لمستجدات الوضع الحقوقي ببلادنا وتتبعه بالخصوص لتطورات محاكمة المعتقلين السياسيين الستة و انسحاب دفاعهم بعد اليأس في ضمان محاكمة عادلة ،وخوض المعتقلين لإضراب مفتوح عن الطعام خلص إلى بيان مايلي :

- تسجيله التردي المتصاعد للوضع الحقوقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ببلادنا؛
- إدانته للعنف الذي تواجه به السلطات العمومية أشكال التعبير والتظاهر السلمي للمواطنين.
- شجبه استخدام القضاء في ملف المعتقلين السياسيين الستة المتابعين في ما يعرف بملف بلعيرج بغاية تكريس و افتعال عدالة صورية و إدانته البالغة للإجهاز على حقوق الدفاع وانتفاء شروط المحاكمة العادلة؛
- اعتباره أن المس بالحريات و انتهاك الحق في محاكمة عادلة من مؤشرات استمرار ممارسات ماضي الانتهاكات؛
- تجديده لمطلبه بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين باعتباره شرطا للقطع مع ممارسات الماضي؛
- تثمينه لما عبرت عنه الأحزاب السياسية أثناء اللقاءات التشاورية التي عقدت معها من استعداد للتعاون وتنسيق الجهود لمواصلة تنفيذ توصيات هيأت الإنصاف والمصالحة ، ويؤكد مواصلة هذه اللقاءات مع باقي الأحزاب والنقابات والجمعيات ؛
- يدعو كافة مناضلي المنتدى وكل القوى الحية إلى مزيد من التعبئة لتحصين المكتسبات ولصد كل محاولات الإجهاز عليها وذلك بكافة الوسائل النضالية الممكنة.

المكتب التنفيذي

سياسيون مغاربة معتقلون تحت طائل 'قانون الارهاب' ينهون الاسبوع الاول من اضراب عن الطعام

الجزائر تايمز /محمود معروف

يواصل سياسيون مغاربة معتقلون على خلفية اتهامهم بالمشاركة بشبكة تقول السلطات انها كانت تعد لاعمال ارهابية، اضرابا عن الطعام يخوضونه منذ يوم الاثنين الماضي احتجاجا على اعتقالهم وعدم توفر العدالة في محاكمتهم.
وقالت اوساط هيئة الدفاع عن هؤلاء المعتقلين ان الاعتقال جاء على خلفية سياسية وليس للمعتقلين اية علاقة بشبكة بلعيرج التي اعلنت السلطات عن تفكيكها في شباط/فبراير 2008 كما ان سير المحاكمة منذ انطلاقتها اكد عدم توفرها على شروط العدالة وان الاحكام كانت جاهزة قبل الاعتقال.
واعتقلت السلطات المغربية في شباط/فبراير الماضي كلا من مصطفى المعتصم الامين العام لحزب البديل الحضاري ونائبه محمد الامين ركالة الناطق الرسمي باسم الحزب ومحمد المرواني الامين العام لحزب الامة (تحت التأسيس) وماء العينين العبادلة مسؤول لجنة الوحدة الترابية والصحراء بحزب العدالة والتنمية وعبد الحفيظ السريتي مراسل قناة 'المنار' اللبنانية وحميد نجيبي الناشط بالحزب الاشتراكي الموحد (يسار معارض).
وقالت السلطات ان هؤلاء السياسيين الستة على علاقة بشبكة اطلقت عليها اسم بلعيرج نسبة لعبد القادر بلعيرج المواطن البلجيكي من اصل مغربي متزعم الشبكة.
وشككت الاوساط السياسية والحقوقية والاعلامية المغربية بادعاء السلطات وشكلت شخصيات سياسية بارزة لجنة للتضامن مع هؤلاء السياسيين الا ان السلطات لم تأخذ هذا التشكيك بعين الاعتبار وقررت ادانة المتهمين الستة والحكم عليهم في تموز/يوليو الماضي بالسجن النافذ ما بين 20 و15 عاما فيما حكمت على نجيبي بالسجن سنتين واطلق سراحه في شباط /فبراير الماضي وقال في تصريحات صحافية انه وزملاءه تعرضوا للتعذيب اثناء التحقيق معهم. وتمسك نجيبي ببراءته وبراءة زملائه السياسيين.
وقررت هيئة دفاع المعتقلين السياسيين الستة الاسبوع الماضي الانسحاب من المحاكمة في مرحلة الاستئناف بسبب 'انعدام شروط المحاكمة العادلة'، وبعدما رفضت هيئة المحكمة الالتماسات الأولية ورفضت الفصل العلني والأولي في الدفوعات الأولية التي تقدمت بها.
وقد أجمع المحامون على أن هذه المحاكمة 'افتقرت إلى أدنى شروط المحاكمة العادلة'، وأن الطريقة التي عولجت بها 'تكرس عدم استقلالية القضاء الذي تعامل مع الملف بمنطق التعليمات'.
ورفض المعتقلون السياسيون الستة الذين ما زالوا مستمرين في إضراب مفتوح عن الطعام منذ الاثنين الماضي في جلسة عقدت في محكمة الاستئناف بمدينة سلا المختصة بملفات الارهاب يوم الاربعاء الماضي أي مساعدة قضائية، متشبثين بدفاعهم.
وبدأت بالرباط عائلة الصحافي عبد الحفيظ السريتي المحكوم عليه بالسجن 20 سنة نافذة اضرابا عن الطعام تضامنا معه و'حتى تظهر حقيقة الملف المخدوم الذي اعد له لاهداف سياسية، واطلاق سراحه'.
وقالت سكينة قادة السريتي عقيلة عبد الحفيظ ان الاضراب عن الطعام خطوة رمزية من العائلة للتضامن مع ابنها 'القابع في السجن ظلما وعدوانا'.
ووصفت اسرة السريتي في بيان ارسل لـ'القدس العربي' ابنها عبد الحفيظ بـ'معتقل الرأي القابع في زنزانته الانفرادية لأكثر من سنتين ظلما وتعسفا، والذي يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام احتجاجا على المسار المظلم لمحاكمة افتقدت أبسط شروط المحاكمة العادلة، وعصفت بكل الجهود التي بدلها الدفاع الذي تشكل من نقباء كبار وأساتذة أجلاء لكشف الحقيقة التي باتت عصية وممتنعة بعد أن أصرت محكمة الدرجة الثانية على صمّ آذانها وضم الدفوع الشكلية إلى جوهر القضية لتضيع مرة أخرى كافة حقوقه التي يضمنها القانون و تكفلها المحاكمة العادلة.'
واضاف البيان 'إننا أمام هكذا وضعية لم نعد نشعر بالأمن القضائي، خاصة وأن هذا الذي يحدث اليوم يجري في ظرف يكثر فيه الحديث عن إصلاح القضاء الذي أطلق ديناميته الملك محمد السادس' وانه 'ثبت جليا للرأي العام المغربي والدولي أن هذه المحاكمة لا تعدو أن تكون مجرد توأم ورديف المحاكمات الصورية التي شهدها مغرب سنوات الرصاص' في اشارة لسنوات المواجهة الدموية بين الحاكمين بالمغرب واحزاب المعارضة الوطنية في العقود الثلاثة من حكم الملك الحسن الثاني.
ويعتبر عبد الحفيظ السريتي (متزوج وله ولدان ـ بنت عمرها 15 عاما وولد عمره 5 سنوات) من الصحافيين المهنيين بالمغرب ويحظى باحترام زملائه نظرا لمهنيته ودماثة خلقه.
ونفت سكينة قادة السريتي انتماء عبد الحفيظ الى اي حزب او تيار سياسي وقالت لـ'القدس العربي' ان عبد الحفيظ ومنذ سنة 2000 ليس ناشطا باي حزب او تيار سياسي.
واعلنت عائلته في بيانها عن تضامنها المطلق معه و'خوضها إضرابا مفتوحا عن الطعام بالتناوب حتى تظهر الحقيقة كاملة ويستعيد ابننا حريته و كرامته.' ودعت كافة القوى السياسية والمنظمات الحقوقية والفعاليات الوطنية 'إلى التحرك العاجل لتجنيب بلادنا كارثة حقوقية وإنسانية هي في غنى عنها.'

بيان إلى الرأي العام الوطني والدولي

عائلات المعتقلين السياسيين في المغرب
على إثر الإضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوضه المعتقلون السياسيون فيما يعرف بقضية بليرج احتجاجا على انتهاك حقوقهم وحقوق دفاعهم وعلى انعدام أدنى شروط المحاكمة العادلة، نعلن نحن عائلات المعتقلين السياسيين:
ـ تضامننا المطلق مع ذوينا في معركتهم من أجل استرداد حريتهم وحقوقهم؛
ـ تأييدنا لموقف هيئة الدفاع ولطريقتها في إدارة هذه المعركة القضائية ورفضها الاستمرار في العبث والإساءة لقيم العدالة والاستخفاف بالأمن القضائي؛
ـ استنكارنا للطريقة التي تعاملت بها السلطات مع هذا الملف، فهذه المحاكمة عرفت كل أشكال الخروقات القانونية والمسطرية وتفتقد إلى أدلة الإثبات، وتكرس عدم استقلالية القضاء مما يتعذر معها انصاف ذوينا؛
ـ تأكيدنا إيماننا ببراءة ذوينا المعروفين بانخراطهم في العمل السياسي المشروع وقناعتهم بثقافة الحوار والديمقراطية ونبذهم لكل أشكال العنف، معتبرين أن ذوينا هم ضحية حسابات سياسية وترتيبات ضيقة، ومطالبين لهم بالحرية الفورية؛
ـ مناشدتنا كافة الهيئات الحقوقية ولجان التضامن وهيئة الدفاع وجميع الشرفاء العمل
من أجل تعزيز وحماية قيم الإنصاف والمساواة أمام القانون واحترام كرامة وحقوق الإنسان والحق في المواطنة، ودعوتنا لهم إلى مؤزرتنا وذوينا في هذه المعركة؛
ـ دعوتنا كافة القوى والأحزاب السياسية إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية لتفادي تكرار انتهاكات الماضي الأليم؛
ـ تحميلنا السلطات المعنية والمسؤولين كامل المسؤولية عن جميع التداعيات والمضاعفات الصحية والإنسانية التي ستنتج عن الاضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوضه ذوونا؛
ـ خوضنا إضرابا إنذاريا عن الطعام واعتصاما بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وذلك يوم الاثنين 29 مارس 2010 تضامنا مع ذوينا واحتجاجا على انعدام شروط المحاكمة العادلة .

ملف الاعتقال السياسي في المغرب ما زال مفتوحا

عبد العلي حامي الدين

صباح يوم الجمعة المنصرم أكمل المعتقلون السياسيون على خلفية ما سمي بملف بليرج سنتان داخل القضبان، سنتان مضت قبل أن يعانق الحرية أول معتقل في هذه القضية حميد نجيبي عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد في الوقت الذي يقبع داخل السجن المحلي بسلا مجموعة من خيرة أبناء هذا الوطن أعرف منهم شخصيا الإخوة: المصطفى المعتصم الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل، ونائبه محمد الأمين الركالة الناطق الرسمي باسم الحزب، ومحمد المرواني الأمين العام لحزب الأمة الغير معترف به، وماء العينين العبادلة عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وعبد الحفيظ السريتي مراسل قناة المنار اللبنانية..
استقبلنا المناضل حميد نجيبي بكثير من مشاعر الفرح والبهجة، لكن بكثير من الحزن والألم والغضب على مصير الإخوة الآخرين...
استرجعت بعض الذكريات التي جمعتني بباقي المعتقلين السياسيين الخمسة، ندوات، نقاشات، وقفات نضالية، اجتماعات جمعوية... تذكرت الأستاذ محمد الأمين الركالة ونحن نتوجه معا للمشاركة في ندوة فكرية بمدينة آسفي في إحدى ليالي رمضان بدعوة من إحدى الجمعيات المحلية...اضطررنا أن نركب سيارة أجرة من مدينة مراكش إلى آسفي حتى نكون في الموعد المحدد، بعدما تأخر بنا القطار ولم نجد حافلة تقلنا من مراكش...
تذكرت دفاعه المستميت عن مفاهيم الديموقراطية والحرية والتعددية وعن ضرورة التنسيق بين جميع الديموقراطيين في البلد..وعن الآمال التي كان يتطلع إليها من وراء مبادرة القطب الديموقراطي...
تذكرت الأستاذ المصطفى المعتصم، تذكرت غيرته الوطنية ومزاجه الصعب، تذكرت البعد الإنساني في شخصيته عندما كنت أبحث عن منزل للكراء، فاقترح علي منزلا لأحد أقربائه بحي أكدال بالرباط وعمل كل ما في وسعه لمساعدتي...
تذكرت الآمال التي ظل يعلقها على العهد الجديد بعد ولاية محمد السادس، وتذكرت نضاله المستميت من أجل تأسيس حزب البديل الحضاري...
قرأت البارحة حوارا مؤثرا لابنته سمية في هذه الجريدة، وهي تتحدث عن أبيها بالكثير من الفخر والاعتزاز والشجاعة، تأثرت كثيرا وأنا أقرأ فقرة من رسالتها وهي تخاطب أباها قائلة له:"ننتظرك يا أبي، فمهما طالت ظلمة الليل لابد أن تنجلي وشمس الحق ستشرق لا محالة..أنت مصدر فخري واعتزازي وأنت النجم الذي ينير دربي ..فبنضالك أنال حريتي وبصمودك تتقوى عزيمتي وبشجاعتك أرفع هامتي..ولا تنس أن ذاك الشبل من ذاك الأسد، فشعارك شعاري:"نموت نموت ويحيا الوطن"...
تذكرت الأستاذ محمد المرواني الذي جمعتني وإياه مقهى الحصبة عدة مرات بشارع فرنسا بأكدال، وهي مقهى قريبة من محل عمله ومن محل سكناي، جمعتنا نقاشات فكرية وسياسية ممتعة..كانت قناعاته بالديموقراطية قناعات راسخة وأفكاره أفكارا معتدلة..كان يقدم بعض الملاحظات النقدية حول العدالة والتنمية بالكثير من اللطف، كان يقول لي مبتسما: "رغم اختلافي معكم فعندما تطرحون سؤالا جيدا في البرلمان، فإن بعض المواطنين يتصلون بي لتهنئتي ظنا منهم أني من العدالة والتنمية..فلا أجد بدا من مبادلتهم التهنئة " ثم يضحك..
تذكرت الأخ عبد الحفيظ السريتي الذي أعرفه منذ سنوات النضال الطلابي، رجل هادئ، نظراته البعيدة تخفي وراءها براءة الأطفال، ولعه بالصحافة وموهبته الإعلامية دفعته ليكون مراسلا ناجحا لقناة المنار اللبنانية، عمله الإعلامي تميز بالكثير من المهنية والالتزام، علاقاته بزملائه مبنية على الاحترام والتقدير، آمن بعمله المهني ووهب كل وقته لخدمة رسالته الإعلامية...
تذكرت الأخ العبادلة ماء العينين، آه من العبادلة، الأديب والشاعر وصاحب الإحساس المرهف.. لم أر في الحزب الذي أنتمي إليه رجلا أكثر منه حياء..ابن كلميم باب الصحراء الذي عشق النضال السياسي والمدني منذ صغره..
أحب وطنه ودافع عن مغربية الصحراء بكل ما أوتي من حكمة وقوة، في أوساط صحراوية تخترقها أفكار انفصالية لم تعد خافية على أحد، ترأس اللجنة المكلفة بمتابعة ملف الصحراء المغربية داخل حزب العدالة والتنمية بكثير من الاقتدار...
عجل الله بإطلاق سراحكم أيها الأخيار....
كثيرا ما يسألني بعض المهتمين : ما السر وراء اعتقال المرواني والمعتصم والأمين والسريتي والعبادلة ..والآخرون؟ فأعجز بصدق عن الإجابة، وأقول: اسألوا من كان وراء اعتقالهم؟
لكن، منذ البداية ظهر بأن الأجهزة الأمنية هي صاحبة اليد الطولى في ملف المعتقلين السياسيين الستة، بحيث خرج وزير الداخلية السابق بتصريحات تضمنت إدانة مسبقة للمعتقلين الستة..
وفي الوقت الذي كان فيه الملف بيد الضابطة القضائية، قام نفس الوزير بعقد ندوة صحافية للترويج لمعطيات البحث التمهيدي التي ينبغي أن تحاط بالسرية، والتي لاحق له في الاطلاع عليها لأن مجريات البحث التمهيدي تخضع لسلطة النيابة العامة، ولكنه بهذا السلوك يعبر عن المكانة التي تحتلها الأجهزة في ظل الوضع السياسي الراهن، وقدرتها على توجيه باقي المؤسسات..
لقد أحاطت بهذا الملف مجموعة من التجاوزات القانونية الخطيرة منذ البداية ، بحيث أصدر الوزير الأول مرسوما يقضي بحل حزب البديل الحضاري بناء على تفسير تعسفي لقانون الأحزاب، وذلك قبل صدور حكم القضاء وقبل إدانة المتهمين، بل إن قرار الوزير الأول تضمن حكما "قضائيا سريعا" حينما استند على ما أسماه" ثبوت العلاقة بين الشبكة وتأسيس حزب البديل الحضاري"! وهي سابقة في تاريخ المغرب لم تحدث حتى في الوقت الذي كان فيه مسؤولون من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يتابعون بتهمة التآمر على الملك، وصدرت فيهم أحكام بالإدانة وصلت إلى الإعدام في ظروف سياسية صعبة، ولم يتم إغلاق الحزب..
وتوالت التجاوزات برفض قاضي التحقيق تمكين دفاع المعتقلين من صورة من محاضر الملف ووثائقه، بينما تولت بعض الصحف المقربة من الأجهزة نشر مقاطع منها بطريقة "مخدومة" تتعارض مع ميثاق مهنة الصحافة وتمس بقرينة البراءة..
كما تم توظيف الإعلام العمومي للنيل من سمعة المعتقلين السياسيين الستة، بينما اكتفت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بتوجيه إنذار إلى القناة الأولى..
إن غياب المقاربة السياسية وتغول المقاربة الأمنية هو الذي سمح بأن يتخذ ملف المعتقلين السياسيين الستة المسار الذي اتخذه، فلو كانت الدولة تتوفر على عقول كبيرة لتم تغليب منطق الحكمة والتبصر، و لتم التعاطي مع هذا الملف بطريقة سياسية مسؤولة تجنب بلادنا معركة سياسية وحقوقية جديدة ، تبدو فيها الدولة قد تورطت في ملف يجعل الاعتقال السياسي ملفا مفتوحا إلى إشعار آخر...
يومية "أخبار اليوم المغربية"العدد:67-الثلاثاء 23 فبراير2010