السبت، 16 يونيو، 2012

كيف قادنا النظام السوري الى هزيمة 1967؟!

شمس الدين الكيلاني
انقسمت الحياة السياسية السورية بعد انفصال سوريا عن مصر، في أيلول 1961، بين كتلة أساسية من الشعب أرعبها ضياع حلم الوحدة فتعلقت بشعار: عودة الوحدة مع رئيسها عبد الناصر، وهو شعار وقفت وراءه الحركة الناصرية، وبالمقابل وقفت قوى أخرى من المجتمع مع الدفاع عن الكيان السوري الديموقراطي، جمعت الفئات التي تضررت من الإصلاح الزراعي والتأميم، والأوساط السياسية لحزبي الشعب والوطني، ومعهم أكرم الحوراني والشيوعيون، وغالبية الأقليات، وأيضاً الإخوان المسلمين. لم يترك انقسام الحياة السياسية السورية، بهذا الشكل الحاد، على مسألة الوحدة/الانفصال، لحزب البعث الذي اتخذ موقفاً وسطياً ملتبساً - من وزن سياسي جماهيري يذكر، فعملت (اللجنة العسكرية) البعثية على تعويض هذه العزلة الجماهيرية - في ظل وضع سياسي دراماتيكي، قامت فيه، خلال سنتين، ثلاث محاولات انقلابية لاستعادة الوحدة - بأن استَبَقَت تحرك الناصريين في توقيت انقلابهم، فأجبرت الأخيرين على مساندتها من موقع الصف الثاني في انقلاب 8 آذار1963. مهد هذا التحرك الاستباقي (للجنة العسكرية) البعثية لتفردها بالسلطة، عبر تصفية شركائها وإزاحتهم بطريقة جمعت بين العنف والخبث. فكان لا بد، في ظل عزلة حزب البعث الجماهيرية، أن تغدو الأرجحية للجنة العسكرية، التي حرِصت، مؤقتاً، على إبقاء القيادة التاريخية (عفلق - البيطار) في واجهة المسرح الحزبي السياسي، لتتفرغ هي لبناء قواعد السلطة وأجهزتها الأمنية الضاربة، ولتُلحِق النقابات وهيئات المجتمع المدني بالسلطة. ومن ثم توجت ممارستها السلطوية بطرح نهج يساري في الداخل كي تستولي على القاعدة الاجتماعية للناصرية، وقدَّمت خطاباً قومياً راديكالياً لتنافس عبد الناصر عربياً. فرفعت شعارها المدوي: عبر تحرير فلسطين نحو الوحدة، وعملت مع (حركة فتح) وراديكاليين فلسطينيين آخرين على القيام ببعض العمليات (الفدائية) عبر الحدود، كانت كافية لإسرائيل لتتخذها ذريعة للحرب... إن ما جمع بين النظام السوري و(فتح)، آنئذ، ليس أكثر من عدائهم المشترك لعبدالناصر واستعدادهما للعمل عبر الحدود، تحت ذريعة تثوير الأنظمة ودفعها إلى المعركة، و(تحرير) الجمهور من هيمنة الخطاب الناصري! شنّ البعث حملة مركزة على عبد الناصر وموقفه تجاه القضية الفلسطينية، ولقبوله وجود قوات طوارئ دولية تفصله عن إسرائيل. وفي 28 أيلول 1964 أطلق الإعلام السوري نفير المعركة، فاتهم عبدالناصر بأنه يقبض من الغرب معونات كي يؤجل تحرير فلسطين، ويضع قوات الطوارئ الدولية بينه وبين إسرائيل بدلاً أن يواجهها. ثم حسمت اللجنة العسكرية صراعها على السلطة بحركة 23 شباط 1966، فتخلصت من القيادة التاريخية للبعث بعد أن استثمرتها كيفما شاءت. وشرعت على الفور باستخدام (حركة فتح) لتوجيه الأنظار على (الجبهة) بدلاً من الانشغال بخيارات الوحدة مع مصر واستحقاقات الداخل. لقد ادعى النظام و(فتح) أن هدف تحرير فلسطين هو في أمر اليوم. فشرعت (فتح) في عملياتها، التي لم تُكبد إسرائيل سوى قتيل واحد حتى هزيمة حزيران، لكنها كانت كافية لتتخذها إسرائيل ذريعة لعدوانها ولتوسعها الشامل. وفَّرت هذه (العراضة)، على الحدود، فرصة لإسرائيل لتنفيذ مخططاتها الجاهزة. وفي حين استمرت القاهرة بالدفاع عن شعار الوحدة العربية والتقدم "طريق لتحرير فلسطين"، قلبت دمشق الشعار وأشهرت شعار "تحرير فلسطين طريق الوحدة"، ووصل الأمر أنه في مؤتمر القمة المنعقد في كانون الأول 1964، بناء على طلب عبد الناصر لمناقشة تهديدات إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن، فاجأ رئيس الوفد السوري (أمين الحافظ) الجميع بأنه يملك خطة لتحرير فلسطين خلال ثلاثة أيام! وذلك في مواجهة ما صرح به عبدالناصر من أنه ليس لديه خطة لتحرير فلسطين. الغريب في الأمر، أن عبدالناصر وجد نفسه مساقاً إلى المعمعة التي مهد لها البعث، وهو الذي صرح أكثر من مرة أنه ليس لديه خطة حالية لتحرير فلسطين، وأن هزيمة إسرائيل ليست ممكنة إلاَّ بعد تحقيق الوحدة العربية مع تفوق عسكري عربي واضح تسنده تنمية فعَّالة. بدا وكأنه لم يستطع مقاومة اتهامات البعث له بالتقصير والعمالة، فانساق الرجل إلى الهاوية أمام معمعان الديمغاوجية والقومجية الزائفة، والضغط النفسي الذي تركته اتهامات البعث له، وأمام تأكيدات قوية من الحكومتين السوفياتية والسورية في 1967 عن حشود إسرائيلية كثيفة على الحدود السورية - تبين فيما بعد أنها غير صحيحة - وثقة في غير محلها بأن الاتحاد السوفياتي الذي دعاه لاتخاذ إجراء في مواجهة الحشود الإسرائيلية تلك لن يتركه ينهزم. وهكذا انزلقت خطوات عبد الناصر نحو معركة غير محسوبة نتائجها، بإعلانه عن حالة حرب مع إسرائيل وإغلاق مضايق تيران وسحب قوات الطوارئ الدولية، وهو ما اعتُبر من قبل أميركا وإسرائيل كافياً لتبرير عدوان 5 حزيران. كما انزلقت قدما الملك حسين أيضاً بإعلانه الوقوف مع مصر وسوريا، تحت خشية الاتهام بالخيانة. فاتجه العرب بطريقة غير معقولة إلى الحرب، دون تخطيط أو استعداد لها، فذاقوا ويل هزيمة 5 حزيران الشنيعة، ومازالوا يتجرعون سمها الزعاف إلى أيامنا هذه، أضاعوا معها الأرض والأوطان والكبرياء. هزت هزيمة حزيران البنيان السياسي - الاجتماعي العربي، ومعه الذهنيات والإيديولوجيات السائدة، ودفعت كل التيارات السياسية إلى تفحص مواقعها وآلية عملها، وإلى مراجعات متفاوتة العمق والجدية. لكن السلطات السورية اكتفت بتقديم أطروحتها الصماء القائلة:إن العدوان لم يحقق اغراضه بإسقاط نظامها التقدمي! وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين سنة على تلك الهزيمة الشنيعة، بقيت الذهنية التي أوصلتنا إليها هي الذهنية الحاكمة على تفكير السلطة السورية وممارستها إلى الآن، مرة تحت شعار الصمود والتصدي، ومرة أخرى تحت شعار الممانعة! إلى جانب إنكارها الدائم للواقع، والتعامل مع ما تفبركه من أوهام على أنها الحقيقة الثابتة.

غاب روجيه غارودي وهو يبحث عن توحيد المتناقضات

احمد زين الدين يُعدّ الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، الذي رحل أمس عن عمر ناهز الثمانية والتسعين عاماً، اكثر المفكرين الفرنسيين شعبية بين العرب والمسلمين، بسبب تحوّله الصاخب من الماركسية الى الإسلام، وكان قدّم نفسه باكراً الى الصفوة العربية، عندما زار مصر ايام عبد الناصر، مفكراً ذا نظرة شمولية، وبُعد إنساني. جاء إلى القاهرة حاملاً التوراة بيد، وكتاب رأس المال باليد الأخرى، كما باح إلى أحد الصحافيين العرب. كان غارودي ماركسياً يختلف عن سائر الماركسيين ببطانته الدينية. يحلم بما يجمع الديانة الإبراهيمية إلى البروميثيوسية (اليونانية). ويتمنى أن يُدفن بلا عازل يعزله عن الأرض، مرتدياً معطف الكون الذي نسجته له الحياة. وما تعلمه من الأديان جميعاً، هو القبول بكلام الله بلا قيد أو شرط. انتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وكان نائباً عنه، وعضواً في مكتبه السياسي، محتفظاً بروحانية مسيحية، ومتشبّعاً بروحانية الهند والتقاليد الإفريقية الحيوية، والإرث الإسلامي العربي الحضاري. نزعته إلى توحيد المتناقضات غدت علامة على طريقة مقاربته المسائل. وتحوّلت هذه النزعة إلى بحث عن المعنى أو القصدية الواعية التي يترجمها البُعد الإلهي في ضمير الإنسان وعمله. ذلك البُعد المفقود في الماركسية، كما في العالم الغربي الذي استبعد المتعالي. غير أنّ التوجه إلى الله لم يقتض منه إدارة الظهر إلى العالم. والأمل الأخروي لم يُنقص لديه من أهمية المهمات الدنيوية، وإنّما يزوّدها ببواعث جديدة. وكان لكيركغارد في كتابه «الخوف والارتعاد» الفضل في اكتشاف غارودي الأهمية القصوى للقيم المطلقة. وإله غارودي، مثل إله كيركغارد غير بعيد عن قلب المؤمن، وعن يده الفاعلة في تغيير العالم وتطويره. نقد الستالينية أوصله الحوار الشخصي مع تيارات لاهوتية إلى أنّ الإنسان يكون دائماً شيئاُ آخر، غير جملة الشروط التي ولّدته. وهو يحكم ويعمل في الحاضر انطلاقاً من المستقبل، من النداء المتجدد، من الغاية الشمولية التي تتجاوز حياته وتمنحها معنى. وفي محادثاته مع الشيخ الإبراهيمي، إبان نفيه إلى الجزائر في الحرب الكونية الثانية، تولّد لديه أفق جديدة أضحى ركناً أساسياً، ومنعطفاً في تجربته، يتلخّص في العمل كتعبير خارجي عن الإيمان المتجذّر الأبدي في التاريخ. بعد سنوات طوال، أفضت مراجعته لنفسه عن اعتراف صريح بأخطائه وقصوره، ورغبته أحياناً في التكفير عن «ذنوب» فكرية وتبكيت الضمير، على رغم محاولته الإيحاء في سيرته بأنّ تحوّلاته الفكرية لم تكن انقلاباً مباغتاً أو طفرة، أو تجارب متقلّبة، بل حصيلة مراجعة ذاتية دائمة، وخاتمة تطوّر حتمي. أقرّ غارودي، في سيرته «جولتي في العصر متوحّداً»، بأنه ساهم كمنظّر للماركسية في نشر الفكر الدوغمائي الستاليني. وكان يسمي نص ستالين «المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية» «كتاب الصلوات الدوغمائية» بيد أنه يرى نسباً عميقاً يربط الستالينية بالديكارتية وكل المناهج الوضعية الغربية. وتتماثل لديه عقيدة ستالين التي تجعل قوانين الديالكتيك مطلقة، بفلسفة ديكارت الذي يحوّل قوانين الميكانيكا إلى قوانين مطلقة أيضاً. والاثنان يعبران في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين عن المنطق الاستبدادي نفسه للسيطرة على الطبيعة والناس. وكلا النظريتين تختزل المنهج إلى مخططات بسيطة تتحول إلى عقائد متحجّرة. ويندم غارودي على كتابة أطروحته «النظرية المادية في المعرفة»، ويصفها بأنّها «الأطروحة التعيسة» وأسوأ كتبه. وقد تُرجم الكتاب إلى العربية في وقت مبكر (1970). واحتفى به ماركسيو العرب وقتذاك، وعدّوه واحداً من مصادر الاشتراكية «العلمية». في حين أنّ المؤلف خجل من إعادة طبعه، على رغم نفاده بعد عام، معتبراً إياه «تركيباً متقناً» لما كُتب في فلسفة العلوم في الاتحاد السوفياتي، ولدى مفكري مختلف الأحزاب الشيوعية في العالم. نحو الإسلام ويعترف غارودي بتأثير أستاذه غاستون باشلار عليه، وإسهامه العميق في تحوّله الفكري، وعدوله عن «النظرية المادية في المعرفة» بعدما ألمّ بنظرية باشلار التي تعزو إلى التخيّل دوراً مركزياً في المعرفة. إلى المراجعة الذاتية، عاش خيبات وطنية ودولية، خصوصاً عقب الحرب العالمية. مثل خدعة الجماعية، وحلم المصالحة الوطنية، والتدابير العفنة من أجل ترميم الماضي، وصراع ديغول والشيوعيين، وتحوّل أميركا في نظر الفرنسيين إلى البديل الذي يحميهم من الشيوعيين أبناء وطنهم. في تجربته كنائب في الجمعية التأسيسية، تبين له أنّ الجهاز الانتخابي والبرلمان لا يندمجان بحياة الشعب الواقعية، ولا يخدمان إلا واجهة كاذبة تحجب مراكز القرار الحقيقية. ولاحظ من موقعه التنظيمي، وزياراته المتكررة للاتحاد السوفياتي أنّ النظام الشيوعي يجمع أشّد المفارقات: الدناءات إلى العظمة، والجهد لمحو خرائب الحرب، إلى التخلّف المزمن منذ قرون. وحيال تفاقم النزعة السيبيرنتيقية في كل حقول العمل والمعرفة الغربية، رأى أنّ الدماغ الإنساني ليس آلة حاسبة، بل إن خاصيته النوعية، هي طرح سؤال الغايات النهائية والمعنى. أخيراً كان الإسلام ملاذه، وكان أول احتكاك به في جزائر الحرب العالمية، عندما رفضت فرقة من الجيش الفرنسي أن تطلق النار على المعتقلين، وتبيّن لغارودي، أحد الناجين آنذاك، أنّ هذه الفرقة هي من المسلمين «العباديين» الذين لا يسمح لهم شرفهم كمحاربين بأن يطلقوا النار على غير المسلّح. هذه الحادثة دفعته إلى أن يعيش ما يدعوه تجربة التعالي، على رغم شيوعيته. دفعته إسلاميته هذه بعد مخاضات فكرية، إلى تأمّلٍ في القرآن ومعانيه المتجددة. وبعد أن أشهر روجيه إسلامه، أضحت مقارباته عصية على التأطير، فمساره الفكري يشبه مختبراً لصهر ثقافات متعددة، تستدمج عناصر متنافرة. وقد بدأت هذه التعقيدات غداة انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي العشرين، في الاتحاد السوفياتي، عندما استيقظ روجيه من (سباته) العقائدي، بحسب قوله، فأجرى دون كللٍ، نقداً ذاتياً لعقيدته الوثوقية السابقة، بعد أن اجتاز «منعطف الأحلام» باحثاً عن اليقين، والإيمان بعينين مفتوحتين. من هنا كانت قراءته المعدّلة للماركسية التي هيمنت على تفكيره، منتقداً في «ماركسية القرن العشرين « 1996، جذور الدوغمائية الستالينية، والمادية الاقتصادية المبتذلة، والجبرية الميكانيكية، والمواقف العدمية من الفرد وطاقاته الذاتية، والتصلّب الفلسفي، والحزبية العقلية، والتقنين المدرسي لمبادئ الديالكتيك، والعزلة الذاتية عن الأفكار المخالفة. نقّب غارودي في دأبٍ، عن سبل التوفيق أو التقريب بين الماركسية واتجاهات العصر، وإثرائها بالتقاليد والمكتسبات الإنسانية الإغريقية الرومانية، والإيمانية التوحيدية، والجمالية الإفريقية. وحضّ على التعددية المتجددة بالحوار، بدلا من مفهوم الحقيقة الأحادي، وعلى تقديم الممكن على المعطى، ودعا إلى التجاوز الخلاّق بدلا من النظام. وإعادة تسليط الضوء على اللحظة «الفعّالة» في نظرية المعرفة، عوضا عن اللحظة «التأملية». ماركسية مفتوحة أخذ على جان بول سارتر خلطه بين الماركسية والانحراف الستاليني، وأكد صعوبة التكامل بين الفكر المادي الديالكتيكي والوجودية، لمفهومها اللازمني عن الحرية، وصورتها الأخلاقية، وإعاقة «الكوجيتو» الفردي المنعزل عن الاتصال بالآخرين، ونشدانها المسؤولية، دون تحديد أي من الأهداف المادية الملموسة، أو النهايات التاريخية لتطبيقها، ومع ذلك أقرّ بجدارة الوجودية، في تثبيت البُعد الذاتي (رغم شططه)، وقلق الاختيار الإنساني. وأيّد غارودي انتقاد هربرت ماركوز الوضعية التي تخدم نزعات المحافظة، وتحصر الإنسان في حدوده المعطاة، وتبقيه في النظام السائد، وتقيده بالأعراف المستقرة. في حين أن الماركسية (الطامح إليها) تقيم علاقة جدلية بين الممكن والواقع لاكتشاف طرائق الفعالية التاريخية الحقيقية. وعبر مراجعته هذه، لم يتنكر غارودي (لماركسيته)، وعمل على إضفاء «المشروعية» على تصوّراته واجتهاداته «الخاصة». وحيث قوبلت هذه المشروعية بحذر شديد، من الماركسيين المتصلّبين، بادئ الأمر، فإنّ انفتاحه على الدين أثار حفيظتهم. وهو أعاد تفسير (أو تصحيح) مقولة ماركس الشهيرة «الدين أفيون الشعوب»، كاشفاً عن (القاع الإنساني) للدين، لافتاً إلى إسهامات المسيحية الحضارية، موازياً بين الاشتراكية ومراحل المسيحية الأولى. هذا الموقف (الديني) قطع جسوره الواهية مع الماركسيين الذين اتهموه بالانحراف عن التعاليم الماركسية، والابتعاد عن المواقع الطبقية، وتمويه الفارق بين المادية الإلحادية والمثالية الدينية، لصالح بورجوازية إصلاحية وتفسير (إنساني) زائف. إنّ تصوّراً إنسانياً ذا نزعة أخلاقية منفتحة، ومنهجاُ مرنا، يدعو إلى تواصل داخلي خصب بين المستويات الثقافية المتباينة، في المجتمع الغربي، وتواصل خارجي بين حضارات أوروبية ومشرقية، أو أفريقية، لم يلقَ آذاناً مصغية من ماركسية وثوقية متشددة، أمينة على «نقاء» العقيدة، وعدم المسّ بها، ما اضطر غارودي إلى إعادة النظر في انطلاقته الماركسية (أو ما تبقى منها). تحرر غارودي في كتابه «وعود الإسلام» من عواقب النزعة الاستشراقية، السائدة حينذاك، بيد أن تصوره عن الدين الإسلامي دار في فضاء ميتافيزيقي لاهوتي، ولم يقتف الآثار الملموسة لمساره التاريخي، وهو ما كان يأخذه على الآخرين، فجاء إسلاماً فوق المذاهب، «مصفى» متناسقاً، منسجماً في عناصره وبنيته، إسلاماً متصوراً بدلا من الإسلام الواقعي الحي، المتلجلج بين تناقضات الملل والمذاهب، وصراعاتها الدموية على السلطة والحكم. أحمد زين الدين

روجيه غارودي.. قرن في الميزان

ولد في ٧/٧/١٩١٣ في مرسيليا. - درس الفلسفة ونال درجة الدكتوراه سنة 1953 من السوربون. - عمل في فترة شبابه المبكر مع حركة «العمل» مع الفيلسوف الكاثوليكي «موريس بلونديل». - انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1933. وأصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب لمدة عشرين عاماً، وعضو المكتب السياسي لمدة 12 سنة. - اشترك بصورة فعالة في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واعتقله الجيش النازي في ١٤/٩/١٩٤٠، وأمضى في المعتقل 33 شهراً. - أسس خلال الحرب «جامعة شعبية» في مدينة الجزائر، ثم في تونس، وكان مديراً لأكبر مجلة جزائرية آنذاك «الحرية». التقى في الجزائر قيادات التيارات الإسلامي أمثال الشيخ محمد بشير الإبراهيمي وتعرف منه على جهاد عبد القادر الجزائري وكتابات بن باديس الإصلاحية. - خلال تواجده في أقطار المغرب العربي تعرف إلى التراث والفكر العربيين. وأعد دراسات عدة ترجمت ونشرت فيما بعد. - انتخب نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1945 وبقي فيها حتى عام 1962، وقد شغل بين العامين 1956 و 1958 منصب نائب رئيس الجمعية الوطنية، وبين العامين 1959 و 1962 مثل دائرة السين في مجلس الشيوخ الفرنسي. - شغل مناصب جامعية عدة في كليات فرنسية متعددة. - أسس وأدار لسنوات «مركز الدراسات والأبحاث الماركسية» التابع للحزب الشيوعي. - دعي مرات عدة إلى أقطار عربية للاشتراك بندوات فكرية في العام 1969، ودعي إلى مصر من قبل الاتحاد الاشتراكي العربي. - بدأ خلافه مع قيادة الحزب الشيوعي يتصاعد منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، وتفاقم خلال أزمة تشيكوسلوفاكيا عام 1968. - قررت قيادة الحزب طرده عام 1970 لمواقفه «التحريفية» والتجديدية في مسائل عدة، منها: الموقف من الدين، والعلاقة بالمثقفين، ومسألة الانتقال إلى الاشتراكية، والموقف من الفن. - أسس وترأس سنة 1974 «المعهد الدولي للحوار بين الحضارات في باريس». - مسيرة غارودي الفكرية غنية بالمفارقات، بدأ حياته ستاليناً متزمتاً، ثم مع تيار نزع الستالينية. بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي قاد تيار «إعادة النظر». وعام 1975 كان انشداده واضحاً إلى الفكر الكاثوليكي. - في العام 1983 ترشح لرئاسة الجمهورية في فرنسا. - تزوج سنة 1983 من الفلسطينية سلمى التاجي الفاروقي التي اغتيل والدها في الولايات المتحدة الأميركية مع أفراد أسرته. وكانت مقيمة في إسبانيا. - إنتاجه الكتابي متعدد الاهتمامات من الدراسات النظرية حول الأدب إلى البحث المنهجي إلى كتابة السيناريو. - مع تعمّق الأزمة الفكرية في الغرب، وتحت تأثير الثورة الإيرانية، كان غارودي واحداً من مجموعة مثقفين أوروبيين وفرنسيين خصوصاً، اعتنقوا الإسلام، بينهم موريس بيجار، ومدير عام دار «سوى» للنشر. وهو أعلن إسلامه في المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف في 2/7/1982. - زار لبنان وسورية والأردن بين 21/7/1996 وأوائل آب 1996 حيث جرى تكريمه وألقى محاضرات عدة. - زار العراق وإيران قبل الثورة الإسلامية وبعدها، وقابل صدام حسين وجمال عبد الناصر، وفرح ديبا زوجة الشاه السابق وطلبت منه تأسيس فرع لمعهد «حوار الحضارات». كما قابل الرئيس خاتمي ووصفه بالرجل المثقف والمفكر. - بدأت محاكمته بتهمة التشكيك في جرائم النازية ضد الإنسانية في 8/1/1998 . وفي 27/2/1998 أصدرت المحكمة الجزائية في باريس حكماً قضى بتغريمه 50 ألف فرنك فرنسي. ثم حكم في 16/12/1998 بالسجن تسعة شهور مع وقف التنفيذ وغرامة 160 ألف فرنك. - أهم مؤلفاته: «الأصول الفرنسية للاشتراكية» (1949)، «الكنيسة، الشيوعية والمسيحيون» (1949)، «نظرية المعرفة» (1953)، «الإنسانية الماركسية» (1957)، «ما هي الأخلاق الماركسية» (1963)، «المشكلة الصينية» (1967)، «من أجل نموذج وطني للاشتراكية» (1968)، «ماركسية القرن العشرين» (1968) ترجم إلى العربية، «كل الحقيقة» (1970)، «البديل: تغيير العالم والحياة» (1972) ترجم إلى العربية، «منعطف الاشتراكية الكبير» ترجم إلى العربية (1982)، «مشروع الأمل» ترجم إلى العربية (1988)، «من أكون في اعتقادكم؟» ترجم إلى العربية (1988)، «حوار الحضارات» ترجم إلى العربية (2007)، «واقعية بلا ضفاف» ترجم إلى العربية، «وعود الإسلام» ترجم إلى العربية (1993)، «الإسلام ليسكن المستقبل»، «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، 1996، (أثار هذا الكتاب جدلاً كبيراً في الأوساط الصهيونية، وجه على أثره قاضي التحقيق في باريس إيرفيه ستيفان، نتيجة الضغوط اليهودية في 25 نيسان 1996، تهمة التشكيك في جرائم ضد الإنسانية» إلى المفكر غارودي ويندرج هذا الاتهام في إطار تحقيق قضائي فتح في 13 آذار 1996 في باريس إثر شكاوى قدمتها منظمتان لمعتقلين سابقين في مخيمات الاعتقال النازية. وقد دافع الأب بيار عن غارودي وكتابه). - حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام سنة 1986. - توفي في 13 حزيران 2012. وأعلن عن وفاته بعد يومين.