الأربعاء، 18 أغسطس، 2010

ما هو الإصلاح السياسي المطلوب؟

سعود المولى
إن الإصلاح السياسي هو أحد المداخل المهمة للنهضة التى ننشدها والشرط الضروري لتحقيق المصلحة العامة. ولأن الهدف الأساسي لأية عملية تنمية هو البشر فلا يمكن حدوث تلك التنمية دون حفظ كرامة هؤلاء البشر وحقوقهم وحرياتهم. ومن هنا فإن الحريات العامة شرط ضروري لتحقيق النهضة وهي مدخل لا غنى عنه لتفجير طاقات الإبداع والتفكير الخلاق لدى أبناء أي مجتمع.ورغم أن هدف أي إصلاح سياسي ودستوري هو المواطن المنوط به رفعة شأن وطنه وكرامة انسانه، فقد ثبت أيضا بالدليل الواقعي من تجارب دول أخرى أن غياب الديمقراطية يؤدى إلى ضياع الأوطان أو على أقل تقدير إلى وقوعها فى براثن التدخل الأجنبي الذى يتخذ من غياب الديمقراطية ذريعة لتحقيق مآربه الخاصة الدولية والإقليمية... وهذا التدخل الأجنبي لا يراعي – فى جميع الأحوال- خصوصية المجتمع اللبناني، ولا يقيم وزناً لتاريخه السياسي ولا لنضال شعبه الوطني والديمقراطي... ولبنان كان ولا يزال هو المثال والنموذج العربي الوحيد في حماية الحريات وصون الديمقراطية برغم كل التدخلات والوصايات الأمنية والعسكرية والسياسية التي عرفها في الماضي القريب..
ومن هنا فإن إحترام الحريات العامة والفردية وتحقيق الإصلاح السياسي والدستوري من شأنه أن يزيد قوة المجتمع على قوة . كما أن الحرية والديمقراطية تؤدي إلى دعم الاستقرار، وتحمي المجتمع من التعرض لهزات وقلاقل نتيجة استمرار الأوضاع الراهنة.
وهذا ما يدعونا إلى التمسك بالمبادئ والأسس التالية التى هي السبيل نحو النهضة المنشودة:
1- الشعب مصدر جميع السلطات التي يجب الفصل بينها واستقلال كل منها عن الأخرى في إطار من التوازن العام ، وهذا المبدأ يتضمن حق الشعب في أن يشرع لنفسه وبنفسه القوانين التي تحقق مصالحه .
2- المواطنة أساس العلاقة بين أفراد الشعب اللبناني، فلا يجوز التمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو العرق أو المكانة أو الثروة في جميع الحقوق والإلتزامات وتولي المناصب والولايات العامة وعلى كل المستويات...
3- المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الأهلية السياسية ، والقانونية ؛ فالمعيار الوحيد لتولي المناصب والولايات العامة مثل القضاء والنيابة والوزارة وحتى رئاسة الدولة هو الكفاءة والأهلية والقدرة على القيام بمسؤليات المنصب.
4- احترام الكرامة الإنسانية وجميع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، التي نصت عليها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية .
5- احترام حق التداول السلمي للسلطة عبر الانتخاب الحر المباشر، واحترام نتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع..
6- التأكيد على مبدأ سيادة القانون وحده ومساواة الجميع أمام القانون..
7- تأكيد التعددية الفكرية والسياسية والتأكيد على احترام حرية الصحافة والإعلام والجمعيات والأحزاب وإلغاء أية قوانين مقيدة لهما.
8- تأكيد حرية الرأي والتعبيرعنه والدعوة إليه . وتعتبر حرية تدفق المعلومات – بما فى ذلك تلك التى تأتي عبر الشبكة الدولية للمعلومات- وإنشاء وسائل الإعلام وتملكها ضرورة لتحقيق ذلك.
9- تأكيد الحق في تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني كافة، على أن تكون الجهات الإدارية عوناً في أداء مهماتها. ولا يكون لأية جهة إدارية سلطة التدخل بالحرمان من هذا الحق أو تقليصه. وتكون السلطة القضائية المستقلة هي المرجع لتقرير ما هو مخالف للنظام العام والمقومات الأساسية للمجتمع والسلم الاهلي والأمن الداخلي .
10- تفعيل مؤسسات الوطن والمجتمع من اتحادات ونقابات وجمعيات ونوادٍ وغيرها ، بما يعيد التوازن إلى علاقة الدولة بالمجتمع .
11- تأكيد حق التظاهر والإضراب السلميين والاجتماعات العامة والدعوة إليها والمشاركة فيها.
12- التوسع في تولي المناصب بالإنتخاب ، وخاصة المناصب ذات العلاقة المباشرة بجماهير المواطنين [البلديات والهيئات الاختيارية ـ المحافظون والقائمقامون- رؤساء الجامعات- عمداء الكليات...]. والعمل على تحقيق اللامركزية الإدارية الموسّعة بما يضمن حقوق المواطن وخدمته.

مذبحة القضاء المغربي في زمن الإنصاف والمصالحة

بقلم الأستاذ: عبد الحفيظ السريتي
بعد سنتين و نصف السنة ،و بعد جلسات مراطونية تجاوزت المائة جلسة ،أسدل الستار على واحدة من أغرب القضايا السياسية بتأكيد جل الأحكام الجائرة و تخفيض بعضها بديلا عن البراءة وانتصارا أعمى للرواية الرسمية التي أطلق صفير شؤمها وزير الداخلية السابق شكيب بن موسى في مؤتمر صحفي بتاريخ 20 فبراير 2008 ،حيث أصدر حكمه حتى قبل أن يرسو ملف القضية على مرفإ القضاء . لقد تتبع الجميع كيف انتهى الشوط الثاني من هذه القضية ،فقد كانت النهاية عبارة عن مذبحة قضائية جديدة ،بعد أن ظن الجميع أن مغرب اليوم انتصر على جراحه و لو بضمادات ناعمة من دون جراحة و لا استئصال الغدد القمعية التي اعتبرها الضحايا و منظمات حقوق الإنسان المسؤولة عن المراحل السوداء التي عاشها المغرب طيلة السنوات الماضية. إن هذه المدة التي استغرقتها هاته المحاكمة السياسية و ما شهدته من مرافعات قوية و نوعية تقدمت بها هيأة الدفاع التي تشكلت من خيرة أبناء البلد و من كبار و أقطاب مهنة المحاماة كالنقيب عبد الرحمن بن عمرو و النقيب عبد الرحيم الجامعي و النقيب عبد الرحيم بن بركة و الأستاذ خالد السفياني والأستاذ مصطفى الرميد والأستاذ عبد العزيز النويضي و الأستاذ محمد الصبار والأستاذ خليل الإدريسي و الأستاذ عبد الله زعزاع و الأستاذ محمد جلال و الأستاذ سيداتي ماء العينين و الأستاذة يوحاند ماء العينين و القائمة طويلة ، نعم لقد أثبتت هذه المحاكمة الجائرة أن هناك أياد خفية تعبث بالقانون و تسخر القضاء لإدامة التوتر الاجتماعي و السياسي في البلاد . لقد قام الدفاع بفضح هذه المؤامرة الدنيئة التي استهدفت سمعة البلاد قبل استهداف أشخاص بالزج بهم وراء القضبان .إن هؤلاء الشرفاء أفنووا حياتهم في الدفاع عن العدالة و نذروا أنفسهم للذود عن الكرامة الإنسانية ،هؤلاء العظام عندما تتأمل صفاء عيونهم من وراء نظاراتهم الطبية ترى بريقها يصدح بحب هذا الوطن ،تراها تلخص الآمال الصامتة التي تسكن قلوب و عقول الملايين الطامحة و الحالمة بغد أفضل تسوده العدالة و الحق في العيش الآدمي الكريم .
ستذكر حيطان قاعة الجلسات رقم 1 بمحكمة الإستيناف بسلا مرافعة النقيب عبد الرحمان بن عمرو و هو يفضح تناقضات الملف بتركيز قل نظيره ،ستذكر أيضا النقيب عبد الرحيم الجامعي و هو يرافع بكل قواه موجها كلامه لرئيس الجلسة " العصابة الحقيقية السيد الرئيس التي يجب أن تحاكم أمامكم اليوم هي العصابة التي صنعت هذا الملف " و ستذكر كذلك الأستاذ خالد السفياني بنبرته الحاسمة :"نحن واثقون من براءة موكلينا ،لا نريد تخفيف الأحكام ، نريد البراءة ..." نعم إن الفلسفة التي نحتها هؤلاء على مدار عقود زمنية في القضايا السياسية و في قضايا النشر و الرأي لم تكن في يوم من الأيام دفاعا بذاك المعنى الضيق للكلمة بل كانت دفاعا عن استقلالية القضاء المستهدف الأول من مثل هذه المحاكمات ، دافعوا بشراسة عن قضية واحدة عنوانها دولة القانون و سيادة القانون و احترام القانون لأن انتصار القانون هو انتصار لكافة المظلومين ، هو انتصار لكل أولئك الذين تم الاعتداء على حريتهم وكرامتهم ،هو انتصار للحق في المواطنة الكاملة ، هو انتصار أولا و أخيرا للأمن القضائي الذي تم نحره ببرودة دم خلال مرحلتين ، مرحلة الحكم الابتدائي الباطل الذي لم يصدر باسم جلالة الملك و مرحلة الحكم الإستئنافي الذي سار بعكس كل الإنتظارات التي تطلعت إلى الإنصاف - في زمن الإنصاف و المصالحة – خاصة مع التطمينات التي أطلقها وزير العدل السيد محمد الناصري بعد معركة الإضراب المفتوح عن الطعام و التي دامت 19 يوما ، و لم يتم تعليقها إلا بعد تدخل هيأة الدفاع و منظمات حقوق الإنسان و الأسر التي تحركت في اتجاه وزير العدل الذي وعد بضمان الحق في المحاكمة العادلة . كم كنا محظوظين بوقوف أسماء وازنة إلى جانبنا و إلى جانب الحق و القانون ، أسماء بحجم النقباء و الأساتذة الأجلاء و كم كنا مسنودين بإجماع قل نظيره من قبل منظمات حقوقية وطنية ودولية وأصدرت بيانات و تقارير كان لها دور كبير في إبراز الخلفيات التي تحكمت في تدبير هذا الملف .نذكر السيدات الفاضلات خديجة مروازي ،خديجة الرياضي ،أمينة بوعياش و د.فيوليت داغر و الأساتذة عبد القادر العلمي والمانوزي وخالد الشرقاوي السموني و مصطفى صوليح د.هيثم المناع ود.منصف المرزوقي و إيريك كولتشتاين .... و كم كنا فخورين بالتضامن اللامشروط الذي تلقيناه من قيادات تاريخية من مثل القائد الفذ محمد بن سعيد آيت يدر و الأستاذ محمد مجاهد و الأستاذ عبد الإلاه بنكيران و الأستاذ فتح الله أرسلان و الدكتور عبد المجيد بوزبع و الأستاذ إبراهيم ياسين و الأستاذ محمد الحمداوي و الأستاذ محمد الساسي و الأستاذ حسن العلوي و الأستاذ محمد حقيقي و المناضل سيون أسيدون و الفنان الكبير أحمد السنوسي والأستاذ حسن طارق و الدكتور عبد العلي حامي الدين و الأستاذ أحمد وايحمان و الزملاء خالد الجامعي ومحمد معروف وعلي أنوزلا ومحمد حفيظ ومصطفى الخلفي ......
و الآن أين سيتجه هذا الملف بعد أن "نجح" مهندسوه في إغراق البلاد في قضية حامت حولها شكوك كثيرة ؟ و ماذا بعد أن أسدل الستار عن هذه المحاكمة بتأكيد جل الأحكام الصادرة في المرحلة الابتدائية من طرف محكمة الدرجة الثانية ؟هل بهكذا نهاية يمكن للقضاء أن يرفع رأسه و ينسل من بركة الفساد ؟ هل بإصدار أحكام جائرة دون إيلاء أي اعتبار لما راج داخل المحكمة سنفتح باب إصلاح القضاء ؟ أسئلة لا تبدو لها أهمية ما دام القاضي بنسامي سار منتشيا على نهج سلفه القاضي بن شقرون معلنا الأحكام بدم بارد ،مخيبا بذلك الآمال الضئيلة التي علقت على القضاء للفصل في هذه القضية التي شغلت الرأي العام الوطني و الدولي و أسالت مدادا كثيرا و أتخذت حيزا هاما على صفحات الجرائد و شاشات الفضائيات العربية و الدولية و تابعتها منظمات حقوقية من داخل المغرب و خارجه . لكن السؤال الذي يظل مفتوحا كما أسلفنا هل طويت هذه القضية بالنطق بالأحكام الجائرة ؟ وهل زالت الألغاز التي فجرها هذا الملف ؟ الجواب حتما لا .انظروا إلى المواقف التي عبرت عنها المنظمات الحقوقية و بعض الأحزاب السياسية و الجمعيات المدنية عقب صدور الأحكام ،جميعها أدانت بقوة هذه الأحكام التي عبرت عن الجهة التي صنعت الملف و حولت البلاد وتركتها عارية و في صورة من يرسل خطابا و يأتي عكسه : (dissonance entre les principes et la conduite) .
لقد تأكد لجل المتتبعين و لكل الذين راقبوا هذه المحاكمة عن قرب أن القضاء "المستقل جدا" لم يكن سوى الأداة الطيعة التي تم بواسطتها تنفيذ إرادة الذين وقفوا وراء هذا الملف لطمر الأبرياء و تغييبهم وراء القضبان.لقد كان القضاء المريض جدا لا يقدم و لا يؤخر في مثل هذه القضايا كما في قضايا الهجوم المنهجي على الصحف المستقلة التي غيبتها الأحكام الجائرة و الغرامات الخيالية كما غيبت إعلاميين و أقلام جريئة كبوبكر الجامعي و علي المرابط و علي أنوزلا و علي عمار و توفيق بوعشرين و عدد من المراسلين كمدير مكتب الجزيرة بالرباط حسن الراشدي و الصحفيين محمد البقالي و أنس بنصالح . فعن أي ديمقراطية يتحدثون وسط هذا الانحدار و هذا التردي الذي قفزت نحوه البلاد على صعيد التضييق على حرية التعبير و حرية الصحافة و عودة الاعتقال السياسي و الاختطاف و التعذيب و تصفية الحسابات السياسية عبر الزج بالأبرياء في ملفات غريبة و مصنوعة بغباء فاضح ؟
لقد كانت الغرابة و شدة الاندهاش في هذا الملف في المرحلة الثانية كما في المرحلة الأولى.تذكروا معي أين وصل الاستخفاف بالقانون يوم طلب دفاع المعتقلين السياسيين معاينة ما سمي "بالأسلحة" ،مجرد معاينة ما وجدته هيأة الحكم موضوعا على الطاولة بدون تشميع و لا ختم قبل دخولها قاعة الجلسات ،تصوروا أن رئيس الجلسة لم يتمكن من المعاينة واضطر إلى رفع الجلسة للمداولة في طلب لا يقتضي مداولة بل مجرد معاينة الأشياء الموضوعة أمامه .كم أحزننا ذلك المنظر ،منظر قضاء لا يتحرك إلا بremote-control يومها كان من بين المراقبين قاض بلجيكي لم يجد ردا على هذا المشهد الرديء سوى إرسال قهقهات لخصت قصة قضاء مريض ، ومنذ ذلك اليوم حزم القاضي البلجيكي حقائبه و لم يظهر ثانية في قاعة المحكمة . هذا مجرد مشهد من المشاهد الذي عرفه الفصل الأول من المحاكمة، فماذا عن المشهد الثاني ؟ و هنا سأسوق ثلاث قضايا ستظل عصية على الفهم و الاستيعاب و تطرح أكثر من علامة استفهام .
الأولى : تتعلق بالمذكرة التي تقدمت بها هيأة دفاع المعتقلين السياسيين و طالبت فيها بإجراء بحث تكميلي ،طلبا للحقيقة كل الحقيقة ، لكن رئيس الجلسة و كعادته مع كل الطلبات و بعد المداولة أجل الحسم في طلب البحث التكميلي و استجاب لطلب لم يطلبه أحد و هو استدعاء الشهود في قضيتين اثنتين هما قضية المواطن المغربي بأبي زنكوط و قضية ماكرو التي مثلت لوحدها أكبر فضيحة في هذا الملف خاصة و أن هناك أشخاص توبعوا عام 1994 بهذه القضية و صدرت في حقهم أحكاما نهائية و أغلق الملف هو الآخر بشكل نهائي .ورغم حضور الشهود و بعد أدائهم لليمين ، نفووا عن الأشخاص المتابعين بشكل قاطع تهمة محاولة قتل المواطن المغربي بأبي زنكوط و الضلوع في محاولة الهجوم على سيارة نقل الأموال التابعة لماكرو . رغم هذه الشهادة ، و رغم أن قرار استدعاء الشهود كان قرار المحكمة إلا أنها تعاطت معه كما لم يكن و انتهت إلى تأييد الأحكام التي صدرت في المرحلة الأولى في حق الأشخاص المعنيين ،إنها قمة اللامعقول في فهم سلوك المحكمة و تعاملها مع ما دار أمامها أثناء الجلسات .
الثانية : عند مرافعة الأستاذ محمد الصبار الذي ناب عن موكله عبد القادر بلعيرج قدم وثائق رسمية بلجيكية تبرئ ساحة هذا الأخير من جرائم القتل التي نسبتها إليه السلطات المغربية ، لكن هذه الوثائق البلجيكية هي أيضا لم تغير شيئا في مسار القضية .
الثالثة : فجرها دفاع أحد المتابعين في الملف و هو مصطفى التهامي ،فقد تلا دفاعه أثناء المرافعة فقرة من أمر الإحالة يقول فيه قاضي التحقيق عبد القادر الشنتوف بالحرف ما يلي :"وحيث لم يكشف البحث المجرى في النازلة خلال سائر الأطوار على أي عنصر جدي يمكن الاعتماد عليه لتعزيز جرائم تكوين عصابة لإعداد و ارتكاب أعمال إرهابية في إطار مشروع جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام و عقد اجتماعات عمومية بدون تصريح مسبق و ممارسة نشاط في جمعية غير مرخص لها في حق المتهم مصطفى التهامي " .هذا هو الاستنتاج الذي انتهى إليه قاضي التحقيق عبد القادر الشنتوف و مع ذلك أدين هذا الشخص بثمان سنوات سجنا نافذا ابتدائيا وتم تثبيته استئنافيا في المرحلة الثانية .
هذه مجرد نماذج ستظل وصمة عار على جبين القضاء ،الذي يبدو مثقلا بالأغلال و الأصفاد التي تشل حركته و تمنعه من الانطلاق نحو فضاء مختلف حيث لا و جود للتعليمات لحسابات مصلحية ضيقة تسيئ إلى صورة المغرب في المحافل الدولية . كان حريا بالمسؤولين أن يدركوا أن الدفاع عن صورة المغرب تنطلق من منع كل ما من شأنه أن يشكل مادة خامة و معطيات قاتلة لتقارير المنظمات الدولية لا أن نترك الأبرياء يذبحون بيد قضاء فاسد غير مستقل ثم نأتي إلى المنابر الإعلامية لنصب جام غضبنا على منظمات حقوق الإنسان الوطنية و الدولية فننعتها بعدم الاستقلالية و التحامل على أحسن بلد في العالم. نحن بحاجة إلى ممارسة un mea-culpa لتجاوز أعطابنا و علاج الأمراض التي فتكت و قوضت بصيص الأمل الذي لاح في الأفق ذات يوم . نعم نحن كمغاربة نستحق الأفضل، نستحق قضاءا نزيها و مستقلا و نتطلع إلى اليوم الذي تنتصر فيه إرادة الإصلاح على إرادة الإفساد ، نتطلع إلى اليوم الذي يقف فيه أي مسؤول مغربي لا ليدافع و لو كانت الندوب بادية على أجسادنا ، بل ليعارض كل السياسات المدمرة و لم لا يستقيل من منصبه انتصارا للحق و القانون .
لا نريد لبلدنا أن يستمر في مغلبة الحقيقة فالحقيقة كما يقول الفلاسفة و على الرغم من نسبيتها تظل حارقة و لا يمكن للدجل كيفما كان أن يصمد أمامها .
نعم لقد حوكمنا محاكمة غير عادلة و زور في حقنا و انفضحت اللعبة و سقطت مغمى عليها ،نعم لقد أدنا إدانة ظالمة سيحفظها التاريخ في سجل القضاء الأسود و سيحفظها كذلك في سجل وزير الداخلية السابق شكيب بن موسى و من معه .
و في الأخير أقول لكل الذين هندسوا هذا الملف اطمئنوا لن يتسرب الحقد إلى أنفاسنا ،سنظل كما كنا من خيرة أبناء هذا الوطن ،فلن نكون أول ولا آخر الذين دفعوا غاليا من حريتهم من أجل الكرامة و الديمقراطية و حقوق الإنسان...

قصة محاكمة عادلة توقفت عند الوعد بها فقط

بقلم د.أحمد بوعشرين الأنصاري مكناس
كان المشهد حزينا ومحزنا ذاك الذي عشناه عشية يوم الجمعة 03 شعبان 1431 الموافق ل16 يوليوز 2010 ببهو المحكمة وبقاعتها أيضا...، القاضي يعلن رفع الجلسة للتداول وقد حرم باقي المعتقلين من الإدلاء بأقوالهم الأخيرة، ولينطلق بعد ذلك مسلسل شد الأعصاب…ترى هل ستعكس الأحكام الوعود الرسمية الأخيرة بعد محنة الإضراب عن الطعام الذي خاضه جل المعتقلين احتجاجا على ظلم المحاكمة وعلى افتقادها أدنى شروط المحاكمة العادلة، ؟ هل هناك فعلا جدية رسمية من أصحاب القرار لطي هذا الملف الذي انكشفت عوراته القضائية والأمنية، بعدما تمكن أعلام دفاع المعتقلين من كشف كل اختلالات هذه المحاكمة/المهزلة؟ هل من أمل في تصحيح هذه الاختلالات ؟ هل من شجاعة للإقرار بها وللاعتراف الضمني بأن كل هذه القضية فارغة من أساسها القانوني والقضائي، حيث لا وسائل إثبات صريحة، ولا محاضر سليمة من أي تزوير، ولا محاولة لاستدراك شوائب البحث التمهيدي بالإعلان عن إجراء بحث تكميلي تحت إشراف المحكمة؟ وما الذي سيدفع المحكمة من تثبيت الأحكام، وأطوار هذه المحاكمة منذ بداية مرحلتها الاستئنافية أظهرت بالملموس أن ثمة اختلالات شابتها في نسختها الابتدائية؟...معتقلون ينكرون محاضر البحث التمهيدي ويبينوا في مرافعاتهم زيفها وزورها، ويطالبون بإحضار وسائل إثبات صريحة على التهم الملفقة ضدهم...دفاع يطالب بإحضار كل الشهود ومن ضمنهم وزير الداخلية السابق الذي خرق سرية البحث التمهيدي وأعلن صك الاتهام قبل حتى أن يحال المعتقلون إلى القضاء، ويطالب بإجراء بحث تكميلي يصحح شوائب و اختلالات البحث التمهيدي...ولجنة للتضامن مع هؤلاء المعتقلين السياسيين تشكلت من مختلف القوى السياسية والحقوقية والمدنية وأجمعت كلها على براءة هؤلاء المعتقلين السياسيين وعلى أن هذه المحاكمة هي محاكمة سياسية بامتياز، فهل كل هذه المبررات المعقولة ستكون مؤشرا لكي تنقض المحكمة الأحكام الابتدائية وتعلن براءة هؤلاء المعتقلين السياسيين الذي طالهم ظلم المحاضر المزورة، وظلم الإعلام الرسمي بعد بثه للندوة الصحفية لوزير الداخلية السابق وهو يوزع صكوك الاتهام بالأسماء وبالرواية التفصيلية الرسمية وذاك قبل أن يحال الملف على القضاء وقبل أن تصدر الاتهامات من طرف النيابة العامة، وطالهم أيضا ظلم بعض من هذه النخب السياسية التي هرولت إلى ترويج الرواية الرسمية؟ كل هذه الأسئلة دارت بخاطر كل من كان له بصيص أمل في عدالة القضاء، متشبثا بهذا الأمل وممنيا نفسه أماني تصحيح كل هذا العبث الذي طال هذه القضية لمدة سنتين ونيف، كان صوت مقرئ شاب يشنف أسماع الحاضرين وهو يقرأ آيات بينات من الذكر الحكيم، والكل ينتظر لحظة صدور الأحكام...
بعض من شاركتهم دردشاتي وهواجسي، كان متشائما وقاطعا الأمل في أي تصحيح محتمل لمسار القضية، بعضهم يدعو الله الذي إليه الملجأ سبحانه، وبعضهم ينتظر وهو يسبح بحمد الله أو يتلو في خلجات نفسه كلام الله يستأنس به في هذه اللحظات العصيبة،
هكذا كانت الصورة في تلك الليلة التي طالت علينا ونحن ننتظر هذا المجهول من الأحكام التي ستصدرها المحكمة، وحين حانت اللحظة وتوجه الكل صوب قاعة المحكمة، وأخذ البعض مكانه بينما حرم العديد من ولوج القاعة بحجة امتلائها، دخل القاضي برفقة أعضاء هيئة المحكمة، جلس الكل في مكانه، وشرع القاضي في النطق بالأحكام... ويا لشراستها، ويا لجورها، ويا لصدمتها... عفوا يا سادة سأنهي هذه القصة، فالإصلاح القضائي بعيد عن آمال هذا الوطن وأبنائه، والمحاكمة العادلة توقفت عند الوعد بها فقط، و"عند الله يلتقي الخصوم"، ولا حول ولا قوة بالله، وإذا كان من مطلب نضالي رئيس في المرحلة المقبلة فهو إطلاق سراح كل المعتقلين الأبرياء والنضال من أجل ذلك هو السبيل الوحيد المتبقى...

الديمــاغـوجــيــا لا تصنــع وعـيــاً

بقلم محمود سويد
أظهر النشاط الأمني في حقل كشف شبكات التجسس لإسرائيل، في السنوات الأخيرة، أن البلد بكامله وبأدق تفاصيله ينبسط عارياً على كف إسرائيل تقرأه بيسر كما يقرأ الراشد المتعلم كتاب روضات الأطفال. وما ظهر حتى الآن من شبكات اخترقت الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش، أي العمود الفقري لأمن البلد، حري بأن يطرح علينا جميعاً - نحن اللبنانيين - سؤالاً آخر يضاف إلى "كومة" الأسئلة المتراكمة التي لا يبحث أحد في لبنان بجد عن أجوبة عنها.
والسؤال هو: لماذا لم تتقدم الفئات التي شكلت لبنان منذ عام 1920 خطوة ملموسة على طريق الاندماج الوطني لبلوغ ما يصح أن يسمى: "الشعب اللبناني"؟ كما حصل لإسرائيل التي ولدت بعد لبنان بـ 28 سنة إذا اعتبرنا أن لبنان الواحد ولد عام 1920 أو بخمس سنوات إذا اعتبرنا أن لبنان الواحد بدأ فعلياً في سنة الاستقلال؟ فقد نجحت إسرائيل إلى حد بعيد في دمج "شعوب" قادمة من مختلف القارات، متفاوتة النمو، متباعدة الثقافات واللغات، والعادات الخ فأنشأت "وطناً" و"لغة" و"مجتمعاً" و"شعباً" ودولة، ونظام حكم، ونظام انتخابات، وجيشاً وصحافة "وطنية"، وأحزاباً الخ الخ؟
لعل السؤال الذي تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عنه يضيء جانباً من السؤال الكبير أعلاه: لماذا هذه السهولة في امتهان العمالة لأخطر أعداء لبنان، وهي، على ما يبدو، "مهنة" عدد غير يسير من اللبنانيين؟
وإنصافاً للجواسيس اللبنانيين و"بيئاتهم" المتنوعة بتنوع طوائف لبنان ومناطقه، أسارع إلى القول إن في البلاد العربية ما هو مثيل وأدهى، وهو مستور بقبضات أنظمة معمرة ومستبدة تحترف إخافة الناس وإرهابهم وكم أفواههم وسجن مثقفيهم وكل ما يخطر على البال من أشكال القمع باستثناء: "توعيتهم". وهذا هو بيت القصيد.
منذ "النكبة" الأم (1948) والنكبات اللاحقة (1967 أراضي فلسطين وثلاث دول عربية؛ 1982 - لبنان، 2003 احتلال العراق وتدميره) والشعوب العربية (استخدام مصطلح الشعوب هنا مجازي وغير علمي تماماً) غارقة في بحر من النفاق ويضغط على عنقها "نيران" لا ثالث لهما: نير الديماغوجيا القومية، ونير الديماغوجيا الدينية. أعلنت الحركة الصهيونية برنامجها في أواخر القرن التاسع عشر، وشرعت في تنفيذه انطلاقاً من أوائل القرن العشرين حتى حقق إنجازه الأول: إعلان ولادة إسرائيل الصهيونية قريباً من منتصف القرن. ثم بعد 19 سنة ولدت نواة "إسرائيل الكبرى" في أعقاب النكبة الثانية عام 1967.
لم يبلغ وعي الخطر الصهيوني "العقل" العربي على الرغم من الهزائم والنكبات المتكررة باستثناء قلة من المفكرين أذكر بعض أعلامهم من العرب، فللفلسطينيين حديث آخر، قسطنطين زريق، وعبد الوهاب المسيري، وقدري حنفي، وياسين الحافظ، وصادق جلال العظم وغيرهم. ومن اللبنانيين لا أنسى ميشال شيحا، وجورج حنا، ورئيف خوري، وميشال أسمر في "الندوة اللبنانية"، وأسعد رزوق، ومؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في أوائل الستينات: ادمون رباط، وموريس الجميل، وشارل حلو، ونجلا أبو عز الدين وغيرهم.
لم يصل الضوء المنبعث من هذه "المنارات" إلى الأرض العربية الشاسعة. وكان حاجز الجهل والتخلف الجدار الصلد الذي حال بينه وبين الشعوب العربية، فسادت الديماغوجيا وظل شعار "قضية العرب الأولى" واهياً وزائفاً ومتهافتاً وفارغاً من مضمونه الحقيقي.
وكان الشعب الفلسطيني الضحية الأولى للغزو الصهيوني، الوحيد بين الشعوب العربية الذي خاض تجارب نضالية جادة وفجَّر ثورات أهمها الثورة الحديثة عام 1965 التي وحدت الشعب الفلسطيني الممزق في الشتات وفي الداخل (مناطق 1967) وداخل الداخل (مناطق 1948) وكان لهذا الشعب أيضاً مناراته الفكرية التي كشفت المخططات الصهيونية وحذرت من أخطارها أمثال روحي الخالدي، ووليد الخالدي، وفايز صايغ، وبرهان الدجاني، وقدري حافظ طوقان، وموسى العلمي، وأنيس صايغ، وهنري كتن، وعزمي بشارة، ونور الدين مصالحة، وصبري جريس، وإدوارد سعيد، ويوسف صايغ، وعبد الوهاب الكيالي وغيرهم.
من الإجحاف إنكار تضحيات مصر وسوريا ولبنان والأردن ودول عربية أخرى في المواجهات مع إسرائيل والدفاع عن الحقوق العربية، لكن هذه التضحيات كانت تعبيراً عن مشاعر قومية ولم تجد مرجعية في المستوى الفكري والثقافي، فظلت مجرد حالة دفاع عن النفس في وجه غزو هو الأخطر بعد الغزو الفرنجي للمنطقة. ولم ينشأ فكر عربي قادر على عرض المشروع الصهيوني، بشكل حسي، يسير الفهم، مقنع، وشرح أخطاره على تواصل الوطن العربي الجيواستراتيجي وعلى ثقافته ومشروعه الحضاري النهضوي ومستقبله، وبأسلوب يأخذ به جمهور المثقفين العرب ويتحول مادة في برامج الأحزاب والمراكز الثقافية، وينبث في صلب الثقافة العامة لمختلف أوساط الرأي العام العربي، بما في ذلك منظمات وهيئات المجتمع المدني.
ولم يتمكــن أي نظــام حكــم عربــي مــن اســتيعاب حقائــق المشــروع الصهيوني وإدراك مخاطره (Perception intellectuelle / réalisation) بما يفرض إدراجه في برامج التعليم بمختلف مراحله. واستعيض عن هذا كله بالخطب الرنانة وإثارة العواطف وأحياناً الغرائز، والاستعانة بالصح والخطأ من مبررات المواجهة مع هذا المشروع (بروتوكولات حكماء صهيون، إنكار الهولوكوست، مقولات دينية غير صحيحة الخ).
لم تكن الجيوش العربية أفضل حالاً، فهي لم تعرف من التثقيف عن الصهيونية سوى الإيديولوجيا والديماغوجيا. فليس غريباً إذاً أن يتفاقم خطر الانكشاف أمام إسرائيل، انكشاف عسكري أمني: نتعرى أمامه في لبنان، وها نحن نتصدى له أكثر من أي بلد عربي آخر، في ظرف خاص مستمد من تحقيق المقاومة الإسلامية انتصارات جزئية وموضعية على إسرائيل في مرحلة بدء تراجع الحركة الصهيونية (إذا اعتبرنا أن مشروعها إقامة إسرائيل الكبرى) بعد أن بلغت أقصى ذروة كان يمكن أن تبلغها (هذا لا ينتقص من كفاءة مناضلي المقاومة وبسالتهم ولا من إنجازاتهم الكبيرة)، لأسباب كثيرة لا مجال هنا الآن للتبسط في عرضها وأهمها صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته وصمود الشعوب العربية وممانعتها ورفضها "التطبيع".
وكان طبيعياً أن يتضخم وهج انتصارات المقاومة الإسلامية كونها بصيص أمل وسط ظلام مريع يهيمن على الفضاء العربي على اتساعه، بعد سلسلة الهزائم والانكسارات وانهيار مبرر قيام الأنظمة العربية التي قامت للرد على النكبات، لكن الأرض احتلت والمجتمعات دمرت وبقيت السلطة! فبعد عقود من الاستبداد والهيمنة بذريعة أن (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) تجد الشعوب العربية نفسها مجردة من أية إنجازات: لا جيوش ولا أمن ولا مدارس ولا جامعات ولا عناية وضمانات صحية ولا مياه ولا كهرباء ولا زراعة توفر الأمن الغذائي للحاضر والمستقبل ولا صناعة تضاهي صناعات الدول الأخرى التي لا تملك مثل ما يملك العرب من مصادر الثروة وسعة الأرض وأهمية الموقع الخ.
والأدهى أن هذه الأنظمة المعمرة قمعت على مدى عقود أي محاولات للتنظيم الحزبي والنقابي وقضت على الحريات الثقافية والعامة، وعجزت عن اللحاق بالتطور العلمي والتكنولوجي العالمي، وحالت بالتالي دون وجود بدائل لها في مؤسسات المجتمع، فأصبح استمرار هذه الأنظمة، عبر الأشخاص أنفسهم، أو الأبناء، أو ضمن الحلقة الضيقة حول الحاكم المتطبعة بسلوكه والمتربية في مدرسته، أمراً محتماً يفرض استمرار النهج نفسه.
في أوائل السبعينات من القرن الماضي، وبعد اتصالات وتبادل آراء بين قيادة الجيش اللبناني والمسؤولين في مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، تم تشكيل لجنة مشتركة أشرفت على إصدار كتاب أكاديمي باسم "القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني". وكان يمكن أن يعتمد هذا الكتاب لتدريس هذه المادة في الجامعات العربية، وأن تستخلص من مادته عن الصهيونية ومخاطرها كتب مبسطة لمراحل الدراسة الثانوية. لكن هذا لم يحدث لا في لبنان ولا في أي بلد عربي. فموضوع التثقيف على أسس علمية موضوعية رصينة ليس هماً عربياً لا على مستوى الحكام ولا على مستوى المجتمعات. يقوم في إسرائيل العديد من المراكز العلمية المتخصصة لدراسة التاريخ العربي والحضارة العربية والسياسات العربية ومعاهد لدراسة دول كالعراق ومصر وسوريا ولبنان كلاً على حدة. في حين أن العالم العربي وبملايينه الأربعمئة وثرواته الخيالية يكاد يضيق ذرعاً بمؤسسة خاصة واحدة مستقلة تتلقى دعماً متقطعاً يكاد يسد الحاجات الأساسية من سنة إلى سنة لتبقى على قيد الحياة، أعني مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي تقف وحيدة في مواجهة الآلة الصهيونية الجبارة ذات الأذرع المتعددة والمنتشرة في كل أنحاء العالم، إضافة إلى الدعم الغربي الثابت والمتواصل لها في مختلف المجالات.
يشير هذا الإهمال العربي الكامل لمقارعة الصهيونية على الصعيد الفكري والعلمي والثقافي والإعلامي الجامعي إلى خواء شعار "قضية العرب الأولى" وإلى سطحية وتفاهة انسكلوبيديا الكلامولوجيا العربية التي انفصمت عن اللغة العربية الأم التي يفترض أنها مثل باقي اللغات لكل كلمة فيها مدلول محدد تتسع آفاقه وأبعاده ويتطور بقدر ما تتطور الأمة صاحبة هذه اللغة. توقفت اللغة العربية عن النمو والتطور بسبب هيمنة الأمية والتخلف على المجتمعات العربية التي تتحرك عكس التطور بقوة استبداد الأنظمة وظلامية الحركات الدينية المتعصبة والمتطرفة بعد انكسار التنظيمات القومية أمام إسرائيل، فتجمدت اللغة محتفظة بسيل من الكلام المرصوف البعيد عن روح هذا العصر وإنجازاته، باستثناءات علمية وثقافية قليلة تقاوم الاضطهاد والفناء.
•••
سلكت التجربة اللبنانية طريقاً مختلفاً عن بقية الدول العربية التي خاضت حروباً نظامية في مواجهة إسرائيل. فلبنان لم يشارك في حروب نظامية (باستثناء حرب 1948) لكنه كان المحطة الثانية للثورة الفلسطينية - بعد الأردن - لنحو 14 عاماً (بين عامي 1968 و 1982) عرف خلالها وقبلها وبعدها اضطرابات وحروباً داخلية واحتلالاً إسرائيلياً مديداً قاومته في البداية مقاومة وطنية متنوعة تنوع المجتمع اللبناني، ثم مقاومة إسلامية متحدرة من "حزب الله" قادت الصراع حتى طرد المحتل الإسرائيلي عام 2000، وخاضت بعد ست سنوات حرباً زعزعت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، وأدخلت سلاح الصواريخ الموجهة إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فغيرت قواعد أية مواجهة عربية - إسرائيلية بعد حرب 2006 وأثارت لدى النخب السياسية والعسكرية في إسرائيل قلقاً على المستقبل. لكن المأساة تكمن في أن هذه التجربة محكومة بانعدام التواصل العربي المقاوم وانسداد أفقه، لأسباب كثيرة لا مجال هنا لمعالجتها.
خرج "حزب الله" ومقاومته الإسلامية من حرب تموز 2006 بحجم قوة إقليمية قادرة على الصمود في مجابهة إسرائيل وتكبيدها خسائر بشرية قاسية. توقفت منذ ذلك التاريخ المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ومضى الحزب في تحويل المقاومة وسمتها الرئيسية الاختباء وسرعة التحرك، إلى التمركز وتكديس السلاح، في ما يشبه بنية الجيوش النظامية. وباستثناء الاستمرار في الاستعداد لأية مواجهة مقبلة مع إسرائيل، انصرف الحزب عملياً عن فعل المقاومة وتحول إلى الساحة الداخلية ليغرق في تفاصيل سياساتها، فكان 7 أيار 2008 السيئ الذكر، وكانت التظاهرات والصدامات المدمرة والدامية، والمعسكرات المخيمة في وسط البلد معطلةً دورة الحياة في بيروت، ومحاصرة القصر الحكومي في ما يشبه فرض الإقامة الجبرية أو الأسر على رئيس الحكومة وعدد كبير من الوزراء. واستطاع الحزب أن يملأ الإعلام والمنتديات والشارع السياسي بضجيج مبالغ فيه: مقاومة، مقاومة، مقاومة دون أن يمكّنه أسلوبه الإعلامي من كسب أية فئات أخرى إلى صفوفه. وغابت عن السمع مزارع شبعا وتلال كفر شوبا "مبرر" استمرار المقاومة - لمن أقنعه هذا التبرير - وتمكّن الحزب بآلته الإعلامية التي تشمل الخطب اليومية لقياداته والكلام اليومي لحوارييه وأنصاره من إعلاميين وسياسيين من رفع المقاومة من مستوى وسيلة كفاحية بين وسائل أخرى، إلى مستوى القداسة. فالمقاومة دعوة جهادية تنتج نصراً إلهياً (الإرادة الإلهية هي التي تعطي النصر). والقيادة التي تتولى قيادة العمل المقاوم بإرادة الله معصومة ومنزهة عن الخطأ، وهي بالتالي تسمو على النقد.
في مثل هذا الوضع تنتفي الحاجة إلى التثقيف العلمي بالصهيونية وإسرائيل، وما تحتاج إليه المقاومة الإسلامية هو استمرار حالة الشحن والتعبئة والاستعداد واليقظة الدائمة، وإلى استمرار تحلق الناس حولها لا إلى الانخراط في صفوفها، فهذه مقتصرة على نخبة مختارة من "أشرف الناس" وفق مواصفات حصرية.
والثقافة الوحيدة التي تحتاجها المقاومة الإسلامية هي ثقافة "الثورة الإسلامية" الإيرانية بقيادة آية الله الخامنئي وذراعه التنفيذية بقيادة الرئيس الدكتور محمود أحمدي نجاد، "حارسها الثوري" الأمين.
هكذا تبدو صورة "حزب الله" والمقاومة الإسلامية من خلال خطب الأمين العام بعد حرب 2006، وخطب وتصريحات كبار قادة الحزب، من رجال دين ومدنيين، وهي صورة لم تحقق، كما هو معروف، لا الإجماع اللبناني ولا العربي ولا الإسلامي، فضلاً عن أنها وضعت الخلاف السني - الشيعي التاريخي على حافة منزلق مدمر تغذيه العصبيات السطحية والجهالة التي لا تضاهيها أية "ميزة" أخرى في صفوف عامة المسلمين!
لم يعرف تاريخ حركات التحرر في العالم مقاومة تتحول بعد التحرير والاستقلال، إلى جيش دائم ذي عقيدة خاصة وكيان مستقل تحيط به مؤسساته التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية بمعزل عن الدولة والسلطة والحكم وبقية عناصر المجتمع من مؤسسات وفئات وطوائف.
هيمن "حزب الله" بعد إلغاء مفاعيل الانتخابات النيابية التي تمت في 7 حزيران 2009 وفرض تشكيلة حكومة "الوحدة الوطنية" واستطاع تعميم مقولة: جيش، مقاومة، شعب، فتبنتها السلطة الرسمية وهي تعرف أو لا تعرف أن لبنان صار، بحكم هذا التصنيف، يتألف من ثلاثة كيانات (Entités) مستقلة عن بعضها البعض: هناك جيش قائم بذاته، وهناك مقاومة قائمة بذاتها. ليس ثمة خطة واحدة توزع المهمات بين الجيش والمقاومة ولا سلطة لأحدهما على الآخر، وما يحكم علاقتهما هو ميزان القوة بينهما. أما الشعب وهو أيضاً كيان ثالث مستقل وظيفته أن يحافظ على استعداده (العاطفي) لدعم أي من "صنويه" الجيش أو المقاومة في معركتـ"ـه"/ معركتـ "ـها".
وبدلاً من التثقيف العلمي بالصهيونية وإسرائيل وخطرهما على لبنان، وهو خطر يفوق مثيله على بقية البلاد العربية، لأنه خطر يتجاوز الطمع في الأرض والمياه والدور إلى صراع وجودي، فلبنان وإسرائيل الصهيونية نموذجان نقيضان لا بد، في نهاية المطاف، أن يبقى أحدهما ويزول الآخر لأن لبنان لا يستطيع أن يكون أحادياً كإسرائيل اليهودية، وإسرائيل لا تستطيع أن تكون متعددة كلبنان المتعدد والمتنوع سكاناً وثقافة. فواجب الوجود لإسرائيل الصهيونية أن تكون يهودية، وواجب الوجود للبنان الواحد أن يكون متعدداً.
بدلاً من التثقيف العلمي بالصهيونية وإسرائيل يغرق لبنان جيشاً ومقاومة وشعباً، بديماغوجية خطاب السلطة ومعظم السياسيين وبقايا الأحزاب القومية، وديماغوجية "الثورة الإسلامية" المحكومة بالعجز عن أن توحد حولها الجماهير العربية والإسلامية (لأسباب معروفة)، لا اليوم ولا غداً.
في هذا البؤس الحياتي والفكري والعلمي والسياسي الذي يرص صفوف الجماهير العربية ويوحدها، إرثاً شرعيا للإيديولوجيات القومية المنهارة بسبب طغيان الديماغوجيا في أدائها على العلم والمنطق والعقل، تتقدم الديماغوجيا الدينية لتتسلم راية القيادة فتساهم بدورها في إدامة ليل التخلف والانحطاط وتمد - دون أن تدري أو تقصد - في عمر الصهيونية المأزومة إذ يعيد التعصب والتطرف في هذا الجانب الروح إلى التعصب والتطرف في الجانب الآخر، وتؤخر بالتالي لحظة انتصار الشعب الفلسطيني، بإضاعة الطريق واختلاط الرؤية وتبديد الوقت والجهد.