الخميس، 18 أغسطس، 2011

اللبنانيون وأسئلة الثورة السورية

سعود المولى
ينتظر اللبنانيون، بكثير من الخوف والترقب، أية اشارة ولو بسيطة تسمح لهم بفهم مآلات الوضع في سوريا.. وخبرتهم الطويلة وتجاربهم الأليمة هي التي تملي عليهم موقف الترقب وعدم إستعجال إطلاق الأحكام ولا الأحلام والأمنيات. فالأمر يتعلق بسوريا!! وهم ما تعودوا، ولا تجرأوا، ومنذ عقود ، على مجرد الإشارة اليها تصريحاً أو تلميحاً..
فمنذ أكثر من أربعين عاماً (تاريخ وصول آل الأسد إلى السلطة) تحولت سوريا الشقيقة الجارة إلى "طوطم ـ تابو"، عملت الطبقة السياسية، التي حكمت وما تزال تحكم لبنان، على إخراجها من نسيج حياتنا اليومية، أي من نسيج علاقات القربى والرحم والجوار،ومن إطار التاريخ والجغرافيا ، ومن الإستراتيجية والمصالح والمنافع ، لتحيلها "موضوعاً" سياسياً- أمنياً بإمتياز، حيث لا ناقة للمجتمع الأهلي ولا جمل (لا في لبنان ولا في سوريا). ومنذ أكثر من أربعين عاماً غابت سوريا الحقيقية، سوريا الناس البشر، عبق التراث، وحاضر الشرق، قلب العروبة النابض، تظاهرات الشوارع، قوافل التجار، أفراح الأعراس، أنموذج العيش المشترك والتفاعل بين الأديان والمذاهب والتيارات... وحل محلها في أذهان اللبنانيين وعقولهم: سوريا المخابرات والإغتيالات والتعديات، والتدخلات السياسية، وغير السياسية، في تفاصيل الحياة اللبنانية: الخاصة والعامة.. وأصبح الكلام "عن" سوريا و"حول" سوريا "همساً" في صالونات الطبقة السياسية أو "نكتاً" شعبية ساهمت وتساهم في تأجيج نار العنصرية التي لا ينجو منها شعب من الشعوب..فكيف إذا أبتلي، هو وجاره الشقيق ، بالوبال الإقتصادي وبالإنهيار السياسي وبالإنحطاط الأخلاقي للطبقة السياسية-الأمنية-العسكرية الحاكمة ؟
الحديث إذن عن تأثيرات ما يجري في سوريا علينا في لبنان هو حديث خطير لكن يحتمه تصاعد الثورة الشعبية الشجاعة النبيلة، مجبولة بدماء شهدائها الأبطال الشرفاء، وسط تمادي العجز العربي وتخاذل المجتمع العربي عن مجرد النصرة بالقلب واللسان.

أولاً: يكفي أن الثورة السورية المجيدة ، وبغض النظر عن خواتيمها، قد أسقطت الإرهاب الفكري-المعنوي والعسكري-الأمني المتمثل بشعار المقاومة والممانعة الكاذب.. لقد صال "الممانعون" وجالوا في إنتاج خطاب سياسي ـ أمني (هو مشروع سلطوي بامتياز) مفارق للمجتمع، متغلب عليه وقاهر له، يفكك مرجعياته الرمزية والتاريخية، ويضرب ذاكرته الجمعية، ويقهر قواه الحية، ويصادر حقوقه الأساسية: خطاب إحتكرته نخب "قومجية" "إسلاموية" قمعت الفكر والرأي والتعبير وحتى الأحلام... والحق أنها ما كانت غير قوى تبعية واستزلام وإستقواء، خارج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والرؤية الواقعية، نجحت في تأجيج نار الديماغوجية الشعبوية بحيث استطال الوهم واستحال رعباً حقيقياً لم يعدم بعض الحزبيين وسيلة لجعله إرهاباً أرعنا، نشهد يومياً عينات منه في حملات التكفير والتخوين واستباحة دماء المعترضين أكان بالاغتيال الجسدي المباشر أم المعنوي-الإعلامي أو كما يجري مؤخراً في الإعتداءات على المتظاهرين من المثقفين الداعمين لحرية الشعب السوري.

ثانياًً: بينت الثورة السورية المجيدة أن محاربة الامبريالية والصهيونية ومخططاتهما لا تكون في الأرهاب الأعمى والاجرامي الذي يستهدف قتل البشر وتدمير الحجر وإنهاك الناس وتمزيق نسيج المجتمعات واستنزاف خيراتها وتاريخها وتوتير المذهبيات والعصبيات الجاهلية.. وأن لا مقاومة ولا ممانعة في ظل القمع والإرهاب والسجون والمعتقلات والتخوين والتكفير...أي أن لا مقاومة دون ديموقراطية وحرية وعدالة وكرامة ، ودون سلم أهلي راسخ ووحدة وطنية متينة..
نعم: الخارج الاستعماري يتربص بنا، يمنع تقدمنا، يعرقل وحدتنا، يجهض ثوراتنا، يتدخل في شؤوننا.. ولكن المشكلة هي فينا نحن! فهل يعقل أن نقارع الامبريالية والصهيونية عبر قتل الأبرياء وتدمير المدن والقرى وترويع الناس وإرهابها وعبر الظلم والإذلال والإفقار والتهميش والتجويع والتشريد ؟
نعم لا معنى لأية ثورة ولأية مقاومة ولأي نضال إن لم يكن من أجل الإنسان : حياته أولاً ثم كرامته ثم حريته ثم حقوقه في الأمن والأمان وفي الاستقرار والازدهار...

ثالثاً: لقد همشت النخبة الحاكمة في سوريا، وضربت وقهرت المجتمع الأهلي والمجتمع المدني في لبنان وسوريا معاً..وهي أفقدت الإنسان حريته وكرامته وحتى لقمة عيشه ومأواه وصولاً إلى احتقار وجوده وإنسانيته. هذه النخبة الطاغية ، لن تخلي الطريق أمام دواعي الإصلاح والتغيير والحرية والديموقراطية. وبالتالي فإن بقاءها أو ذهابها يهم اللبنانيين كثيراً..
والحال أنه لا تغيير حقيقياً في لبنان دون حصول تغيير حقيقي في سوريا.
فالسلطة السورية كانت وما تزال هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن إنتاج السلطة السياسية الحالية في لبنان؛ وهذه الاخيرة جرى تركيبها ببطء وأناة منذ بداية التدخل السوري في لبنان عام 1973، وعبر محطات دراماتيكية أهمها الحرب الأهلية 75-76، ثم حرب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1983-1988، فالإنقلاب على الطائف 1992، وصولاً إلى اغتيال الرئيس الحريري في 2005 وعدوان تموز 2006 وعملية 7 أيار 2008، والإنقلاب الأخير في كانون الثاني 2011...
وبالتالي فان آليات التغيير الديموقراطي في لبنان كانت وما تزال معطلة أو "مكربجة" بفعل اليد الضابطة السورية-الإيرانية؛ لكون التغيير في لبنان سيطيح برموز الوصاية السورية ومن خلال ذلك بكل المنافع والإمتيازات التي حصلت عليها الطبقة الجديدة الحاكمة في البلدين... من هنا فإن ما يجري في سوريا سيدفع المثقفين والناشطين اللبنانيين والسوريين إلى إعادة التفكير في تلازم المسارين: الاستقلال والسيادة للبنان والحرية والكرامة لسوريا..

رابعاًً: إن عناوين الإصلاح في سوريا تتركز على ضرب الفساد المستشري في السلطة على المستويات الإقتصادية والسياسية والإدارية. وإن نجاح ذلك سيكون له إنعكاسات كبرى على لبنان. ذلك أن ضرب الفساد والمفسدين في السلطة السورية يعني ضرب مصدر الفساد والافساد وهو الطبقة الطفيلية اللبنانية – السورية- الإيرانية ، الأمنية - العسكرية - المالية. وبالتالي فإن المستفيدين من النظام الأمني السوري-الإيراني سيقاتلون بشراسة للدفاع عن امتيازاتهم، ولو عبر الحروب الأهلية...
وفي مواجهة ذلك علينا، كسوريين ولبنانيين، توليد خطاب سياسي - ثقافي - اجتماعي - اقتصادي متصالح مع المجتمع الأهلي، مع ذاكرته ومرجعياته الرمزية أولاً، ومفتوح على آفاق التطور الديموقراطي في لبنان وسوريا ثانياً، وعلى تشكيل نظام إقليمي عربي جديد ثالثاً... وهنا بالذات تكمن مسؤولية اللبنانيين والسوريين في الحوار الجاد الصريح من أجل أنتاج تسوية ذات أبعاد ثلاثة:
1- تسوية داخلية في كل من لبنان وسوريا على قاعدة مصالحة وطنية حقيقية ، وعفو عام حقيقي، وإطلاق سراح كل المعتقلين في سوريا، وإطلاق الحريات الإعلامية والسياسية في البلدين، الأمر الذي يسمح بإنتاج دولة ديموقراطية فاعلة تستند إلى قوى مجتمعها، وتتصالح مع المجتمع أولاً، ما يسمح بالتالي بايجاد تسوية تاريخية للعلاقات اللبنانية - السورية لكي نتقدم ونتطور معاً
2- تسوية تاريخية في العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة الإعتماد المتبادل والتعاون والأخوة والتنسيق، وضمن أطر وهياكل تنظيمية مشتركة واضحة وشفافة، وفي سياق إعادة بناء النظام الإقليمي العربي وجامعة الدول العربية بعد ربيع الثورات العربية..
3- تسوية خارجية حول دور لبنان وسوريا في الوطن العربي وفي العالم تنطلق من الإلتزام بالشرعية الدولية وبالعلاقات الشفافة مع المجتمع الدولي ومؤسساته وتعمل مع الدول الصديقة على صياغة نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلاً وأكثر توازناً.

خامساً: إن وثيقة الطائف هي الإطار المرجعي ـ الفكري الذي يوحّد اللبنانيين في رؤية مشتركة لشؤون حاضرهم ومستقبلهم. وهي قراءة للعلاقات اللبنانية ـ السورية تنطلق من ثابت مركزي مرجعي موحد (عروبة لبنان وروابطه الوثيقة مع سوريا) لا من موقف سياسي مرحلي أو من إعتبار فئوي متقلب. وهذا الأمر يسمح بإرساء العلاقة والحوار مع سوريا على قاعدة متينة، ثابتة ومستمرة، لا تخضع لتقلبات الأهواء أو للأمزجة الشخصية أو للمصالح الحزبية والفئوية والطائفية الضيقة، فلا تتغير تالياً بتغير الأشخاص أو الظروف أو بتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.
لقد حسم إتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لا توجد أدوار سياسية ـ أمنية ـ عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً في المنطقة). وانتهت إلى الأبد تلك المرحلة التي كان يمكن فيها إستخدام لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو معبراً للهجوم والإنقضاض عليها. وتكرس مبدأ الإعتماد المتبادل والتعاون والتنسيق في المجال الخارجي (الموقف حيال المفاوضات والتسوية في المنطقة كمثال) كما تكرست حقائق وجوب حماية الخاصرة السورية وعدم السماح بأي إختراق أمني ـ عسكري لسوريا من لبنان... أي أنه لا يمكن إختراق سوريا من لبنان، ولا تضعف سوريا إلا إقليمياً أي في حال ضعف موقعها ودورها في المعادلة العربية وخصوصاً لجهة علاقتها بمصر والسعودية. أي (وبصريح الكلام) إن عوامل الضغط على سوريا ليست موجودة اليوم في لبنان إنما هي في سوريا ذاتها (الوضع الداخلي) وفي الموقف العربي والإسلامي والدولي الذي كان يؤمن لها الغطاء والسقف (كما أمّن للمقاومة اللبنانية غطاءها وسقفها السياسي وحماها وساعد في إنتصارها). وبالتالي فإن المرحلة المقبلة (مهما كانت نتائج الثورة المجيدة) لا بد وأن تشهد إعادة تموضع سورية عربياً ودولياً على أساس تضامن عربي مبني على الصراحة والوضوح والشفافية والتعاون المشترك على الخير والسلم..وهذا بالطبع سيكون له أفضل الإنعكاسات على استقرار لبنان وازدهاره..

الممانعة والإنكار والحذر

طارق متري
تتكرّر لازمة عدم التدخل في شؤون سوريا الداخلية، كلما دفع عنف النظام السوري لبنانيين من مشارب فكرية وسياسية متنوعة الى اعلان ادانتهم الأخلاقية لممارساته المتمادية. في الظاهر، يؤكد هذا الترداد ما هو بمثابة المؤكد، طالما ان لا خلاف بين اللبنانيين على المسألة. غير انه، في حقيقة الأمر، أقرب الى التورية عند البعض لتأييد النظام السوري، على قلّة الحاجة الى التورية. وهو ذريعة للضيق بأي موقف لبناني متعاطف مع الشعب السوري. والضيق يتحوّل تهجّما على المتضامنين او إرعابا لهم. ونشهد، يوما بعد يوم، دعما لبنانيا رسميا صريحا لحكّام دمشق وضغطا على كل من يقف الى جانب الشعب الشقيق.
ويستوي في الموقف المنحاز الى الحكم السوري "الممانعون" و"الممانعون الجدد" وأهل الحذر واللغة المزدوجة من القوى المؤتلفة في حكومة لبنان. يتبادلون الحجج ويتناوبون، كل على طريقته، في تبرير ذلك الموقف.
ولا يقلق اصحاب الممانعة ان فكرتهم الناظمة للسياسة في لبنان والمنطقة والعالم، لم تعد تفسّر كل ما يجري في غير بلد عربي، و لا سيما في سوريا. ولا يضعون تحت السؤال عمارة نظرية فيها اسقاط للماضي على الحاضر واضفاء الشرعية والصدقية على مصالح ومقاصد ونوازع لا تدور، بقدر ما تدّعي، حول مقارعة اسرائيل. ويمارس الكثيرون منهم سياسة تنشغل بالحفاظ على نظام سمى نفسه ممانعا والانضواء في احلافه والإسهام في تحسين مواقعه عند المساومات ومحاربة "اعداء الداخل". ويولون كل ذلك أهمية تفوق نصرة فلسطين. ولا يقرّون، في أيامنا هذه، ان فكرتهم المذكورة لم تحرّك شعوبا منتفضة لطالما نطقوا باسمها. ويصرّون على اولية المؤامرة، ومعها خطط الخارج، على التحوّلات الداخلية العميقة والمذهلة. ولا يربكهم الاضطرار المتكرّر الى تغيير رواياتهم عن هوية المتآمرين ومآربهم. ولا تحرجهم الوقائع التي تبيّن قوة الانتفاضات الشعبية واستقلالها عن تردّد السياسات التي تنتهجها الدول القريبة والبعيدة وتقلبها وتشوّشها.
فالقول بالممانعة مكتف بذاته. وكثيرا ما يفسّر نفسه بنفسه. ويفترض ان ما يعنيه او يشي به لا يحتمل المناقشة. ويحسب ان صحته أقرب الى البداهة. ويضمر حكما قيميا لا يحتاج الى مسوّغات. ويختصر المسافات و الأزمنة ولا يقيم وزنا لاختلاف السياقات. وهو ممتلئ بذاته ومتعال في كليته وعموميّته عن جزئيات الوقائع والدوافع والذرائع. ويستعجل عدد من اصحاب هذا الكلام تصنيف الناس والإشادة ببعضهم والتنديد بمن عداهم. ولا يفصحون عن معاييرهم في اصدار الأحكام. و لا يفرّقون الا قليلا بين ما يراه الآخرون ويعلنونه وما ينسبونه اليهم او يصمونهم به. ولا يميّزون بقدر كاف بين ممارساتهم الفعلية ونياتهم المفترضة. وعلى هذا النحو يتحوّل الإنصاف، ومعه النزاهة الفكرية ورصانة المعرفة، الى عبء لا يرغبون في تحمّله. فثقله يشوّش ثنائية الرؤيا التي تضع الممانعين في مواجهة المتآمرين.
والقول بالممانعة يعي نفسه بصفته مواجهة للمؤامرة. والمؤامرة عند فئة كبيرة من الذين يفترضون انها سبب البلايا كلّها عملية مستمرة، ذات جوهر ثابت، ولا تحتاج الى ادلة أو براهين. وهي واحدة في الأصل وان اتّخذت اشكالا متعددة. لا تتغيّر بل تتلوّن. والمتآمرون كثر، في الخارج والداخل، وهم يجتمعون على وحدة القصد في النيل من الممانعين. ولا يغيّر في وعي المتصدين للمؤامرة واقع يعصى على نظرياتهم، بل يدحضها غير مرة.
من جهتهم، يحار "الممانعون الجدد" في أمر التحاقهم المتأخر بأهل الممانعة. يصمتون حينا ويغالون في اظهار قناعاتهم المحدثة حينا آخر. يستعيرون كلمات سواهم. تبدو غريبة على ألسنتهم لأنها آتية من خارج ثقافتهم السياسية وتجربتهم. وفي بعض الحالات لا ينفكّون يردّدونها، وان من دون حماسة كبيرة ولا عناد ايديولوجي. فيخال بعضهم او يوحي انه يرى ويسمع أوضح ممّا يراه او يسمعه الآخرون، فيصف على هواه مجريات الأحداث، وأهمها ما يتصل بالقمع الدموي الذي لا رادع له. و يغيب عن انظاره توق الناس الى الحرية ورفضهم للاستبداد وتأكيدهم ان كرامة الوطن لا تصان على حساب كرامة المواطنين. أكثر من ذلك، يستخف كبيرهم بمرجعية حقوق الإنسان الكونية بذريعة ان دولا غربية تكيل بمكيالين. وينزلق آخرون الى التشكيك في حركات الاعتراض والتغيير العربية خوفا من ان تكون تنفيذا لمخطّط عدو يعمل على شرذمة العالم العربي وتفكيكه. وتوقعهم خشية ما يخبئه المستقبل في أسر الأقلوية التي غالبا ما ترى الأقلية، والأقليات مجتمعة او متحالفة، في حالة مواجهة خطرة مع الغالبية.
اما أهل الحذر فيشاركون الممانعين ومقلدّيهم في الإنكار تارة، وباسم الواقعية يبتعدون عنهم طورا. والحذر عندهم يستعين بالخدعة احيانا، ويستدعي المهارة دائما. ولعلّ السياسة عندهم حذر ومهارة محض.
وفي حالتي الإنكار والحذر، انكار الممانعين والسائرين في ركابهم وحذر اصحاب الآراء الملتبسة، تتساهل السياسة في أمر الحق واخلاقه.

أيها اللبنانيون: أين "الرسالة"؟

محمود سويد
إلى سمير قصير ... كم نفتقدك

قبل نحو ربع قرن – وانطلاقاً من فهم عميق لهذا الكيان الذي لا يشبه الكيانات المحيطة به، والذي يمكن أن يكون نشازاً نافراً، أو "خلطة" عبقرية تصنع لنفسها، بإرادة مكوّناتها، دوراً مميزاً لا غنى عنه في بيئته، يومها قال رؤيوي كبير: "لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب" (أيلول 1989).
لم يكن البابا يوحنا بولس الثاني يقصد لبنان في واقعه آنذاك، بل كما ينبغي أن يكون في مرتجاه. وها نحن لا نزال، يرحمك الله، أبعد ما نكون عن رؤياك.
فمنذ عام 1975 أضاع اللبنانيون الطريق، وفقدوا الرشد والعقل والمنطق، وهم حتى اليوم تائهون على غير هدى، يبحثون عن علّة وجودهم (Raison d’être) وهي كامنة في صميم تكوينهم (خلطتهم).
هذا الضياع يودي بهم ، أحياناً؟ غالباً ؟ ـ إلى الإسفاف فلا يتبّينون أين يضعون رؤوسهم في زحمة أحداث بيئتهم. دون ذلك كيف يمكن فهم أن "ينأى لبنان بنفسه" عن موقف بسيط لا معنى لوجوده أو لوجود أي مخلوق، من دونه، كأن يعجز عن القول: نعم لحقوق الإنسان، نعم لحقوق الشعوب.
كيف يمكن أن نرى إنساناً مثلنا يدوسه "بصطار" غليظ (حذاء الجندي) ويرفسه ويقلّبه على الأرض، ونرى شعباً هو الجار والشقيق الأقرب يفجر كل ما يختزن من عنفوان وكرامة وشجاعة في وجه استبداد طالت إقامته فوق صدره، وأمعن في اضطهاده تشريداً واعتقالاً وقتلاً، لأنه انتفض بعد نحو نصف قرن صارخاً في جلاده: كفى. نرى ذلك فنقرر ـ ونظن أنه قرار عبقري وحكيم ـ أن "ننأى بأنفسنا"، أي: "لم سمعنا، لم رأينا، لم حضرنا" (بالعامية).
ويهون "النأي بالنفس" عندما نجد ـ يا للعار ـ نفراً ـ غير قليل ـ من شعبنا يبرر الإستبداد والاضطهاد ويبارك نضال "الشبيحة" للقضاء، على "الفتنة" التي ينخرط فيها شعب بأكثريته الساحقة، لأغراض أنانية وانتهازية ستبدو ـ ولو بعد حين ـ كم هي صغيرة وتافهة ومهينة.
وماذا يعني هذا "اللبنان" إن "نأى بنفسه" عن انتفاضة الشعوب وهديرها الرائع "الشعب يريد".
متى كانت الشعوب العربية "تريد"؟ فمنذ استقلالات كيانات المنطقة سقطت كلمة "أراد" وكل أشكال تصريفها من قاموس شعوب هذه المنطقة. الحاكم هو الذي يريد له ولشعبه، ولا يحق لأحد أن يريد شيئاً آخر. "إنت بتفصّل ونحنا بنلبس ... يا سيدنا".
وها هي شعوب منطقتنا، بعد موتها أكثر من نصف قرن، تُبعث حية ويدوّي هتافها، وسط دهشة العالم وانبهاره: "الشعب يريد".
ثمة من لا يميز ـ والأصح لا يريد أن يميز، بين التدخل في الشأن السوري الداخلي بكل أشكاله، وهو أمر لا تطلبه الثورة السورية أساساً، وبين حرية إبداء الرأي وأخلاقية مطالبة الآخر باحترام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، بحجج واهية لا تصمد أمام منطق حتى وإن أحيط مجرد لفظها بالمهابة والقداسة كـ"الممانعة" و"المقاومة"، متجاهلين ان هذه المصطلحات تكتسب قيمتها من الفعل والممارسة، لا من التنظير لها فحسب، كما يفعل الرئيس الأسد. وماذا تعني "الممانعة" و"المقاومة" إذا كان الحاكم المعني لم يطلق رصاصة واحدة لا من "جيشه" ولا من "رجال مقاومته" على العدو طوال نحو أربعة عقود متصلة؟ وهل تُغفر له كل خطاياه لمجرد أنه يدير "مناوشات" بالواسطة، ويساعد، لأهداف متنوعة، قوى أخرى، من غير شعبه وجيشه، على "المقاومة" لأهداف متعددة أيضاً؟
وهنا، نفتح قوسين لنصارح الأخوة في "حزب الله": انتم تهدرون حرية الشعب السوري وديموقراطيته وتطوره وقوت يومه وتقايضون كفاحه البطولي ودماءه السخية بطريق مرور للأسلحة التي تراكمونها لأغراض نبيلة ـ هذا صحيح. ولكن أيضاً لأغراض أخرى لم تعد سراً ولا تخفى على أحد: توسيع نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحماية أطماعها "الإمبراطورية" في الخليج والمشرق العربيين. ولماذا يحق لنا أن نهتف، بإباء وشمم: "هيهات منا الذلة" ولا نصغي لشعب طالما أهين، يهتف من أعماقه: "الشعب السوري ما بينذل"؟
وبكلمة واحدة: ماذا يفيد أن نربح "المقاومة" ويخسر الشعب السوري حريته وكرامته ومستقبله؟ ثم، مَن يجروء على القول إن حكم الأربعين عاماً المنصرمة أحرص على القضية العربية والمقاومة الفعلية لتحرير الجولان وفلسطين من حكم يعكس إرادة الشعب السوري الحرة؟
ولست ـ على أي حال ـ من القائلين بأن نبل الهدف يبرر وضاعة الوسيلة. فهذه مثل الهدف ينبغي أن تكون شريفة ونبيلة. وطهارة السلاح جزء لا يتجزأ من قداسة الهدف.
أما الإدعاء بأن الثورة السورية "مؤامرة" و"فتنة" تنفذ لحساب أميركا والصهيونية، فهو زعم مهين لكفاح الشعب السوري وتواطوء مشين على حقه في الحياة الحرة وفي التنمية والتطور والعيش الكريم، بعد طول صبر. وأية قوة خارجية تستطيع أن تحرك ملايين السوريين في كل مدنهم وبلداتهم وقراهم ليقابلوا الدبابات وعصابات القتل بصدور عارية هاتفين بإصرار: سلمية، سلمية؟ ومن أجل أية "مؤامرة" يقدّم الشعب السوري هذه التضحيات ودماء خيرة شبابه؟ وإذا صح الإدعاء فكم كانت تلك القوة الخارجية المحركة غاشمة ومقصرة ومدانة إذ تقاعست وهدرت حقوق الشعب السوري طوال أربعين سنة خلت، فيما كان بإمكانها إنقاذه منذ زمن بعيد.
وليس أكثر افتراء من إدعاء "المؤامرة" غير إدعاء "الشرعية" لهذا النظام الذي قام على "شرعية" مفبركة لا يعترف بها عقل ومنطق: مات الرئيس الأب الذي هيأ الحكم لابنه الشاب الذي تخرج من الجامعة وأصبح في ليلة ـ دون أي خبرة أو تمرس أو تجربة ـ رئيساً لجمهورية بحجم سوريا، وقائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة برتبة فريق، وأميناً عاماً لحزب "عقائدي" (وقد اضطر مجلس الشعب إلى خفض سن الرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً لتمكين بشار من خلافة أبيه)! فأية "شرعية" يدعي هذا النظام؟ وأية شرعية يدعي حكم الثلاثين عاماً للرئيس الأب الراحل، ودساتير العالم لا تجيز أكثر من ولايتين متصلتين؟
ثم، أليس لافتاً قول الرئيس الشاب، وهو يخاطب الجيش السوري والعالم ـ بما في ذلك إسرائيل، في مناسبة مرور 66 عاماً على تأسيسه انه سيستمر في النضال من أجل "إحلال السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية ... ". وفي الوقت نفسه يصدر أوامره كقائد أعلى للجيش، باجتياح المدن والأرياف السورية واعتقال وتشريد وقتل الآلاف من أبناء شعبه؟ أمن أجل هذه "الرسالة الخالدة" بنى ـ وقبله والده الرئيس الموّرث، الجيش السوري طوال عقود أربعة؟
وعلى سبيل الفكاهة ـ ربما ـ يخاطب الرئيس جنوده: ان "أبناء الرجال الذين صنعوا تشرين التحرير يعرفون كيف يشقون الطريق إلى تشرين جديد..." (خطاب الرئيس الأسد ـ وكالة "سانا" للأنباء 10/8/2011). إن أبناء رجال تشرين ـ يا سيادة الرئيس ـ بلغوا الآن الأربعين من العمر، وإذا كانت "المقاومة" السياسية والديبلوماسية لاستعادة الجولان ستستغرق أيضاً عدة أعوام أخرى، فإن عليك أن تعد الأحفاد لهذه المهمة النبيلة. هذا للتذكير فقط.
وأخيراً، ليس مطلوباً من اللبنانيين أكثر مما يعترف به دعاة النظام السوري ونائب رئيسه بالذات. فعضو مجلس الشعب وأحد الدعاة البارزين للنظام محمد حبش، قال في اللقاء التشاوري الذي عقد يومي 10 و 11 تموز الماضي في دمشق بدعوة من الرئيس الأسد وبرئاسة نائبه فاروق الشرع: إن الشعب يعاني "الظلم والقهر والقمع وممارسة دور الدولة الأمنية. "كنا دوماً غاضبين من الأسلوب الذي يدار به البلد بالشأن الداخلي من تحكم القبضة الأمنية وممارسة القمع في الفكر والتعبير وغياب الحريات". "ان المواطن يؤخذ كما يؤخذ كيس البطاطا من دون أن يعرف أين هو ...". وطالب حبش بـ "إنهاء الدولة الأمنية ... والعمل من أجل دولة مدنية متحضرة تعددية وحريات إعلامية وإلغاء سيطرة الحزب الواحد". (جريدة "السفير" 11/7/2011، ص 1 و 14).
أما نائب الرئيس فاروق الشرع فقد قال في كلمة افتتاح اللقاء نفسه: إن هدف هذا اللقاء التشاوري الدعوة إلى "مؤتمر شامل يعلن فيه انتقال سوريا إلى دولة تعددية ديموقراطية" (المصدر نفسه). فهل يحتاج اللبنانيون إلى "شهادات" أفصح وأوضح من أهل النظام السوري، كي يلتزموا الشرائع الدولية لحقوق الإنسان والشعوب، قبل أن يفقد لبنان دوره ورسالته... أي مبرر وجوده؟