الثلاثاء، 10 مارس، 2009

مسألة الديمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر

مسألة الديمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر

د. سعود المولى

من نافلة القول ان الهيئات الإسلامية المعاصرة ، على اختلاف أنواعها وألوانها (مؤسسات دينية رسمية وأهلية ، أحزاب وجماعات وحركات سياسية ، زوايا وطرق وجمعيات ومشاريع خيرية ودعوية وتبليغية ) لا تقيم أدنى وزن او اعتبار في وعيها وسلوكها لما يمكن نعته بالديمقراطية . أكان ذلك في طريقة تشكيلها وتكوين نفسها ام في وسيلة وكيفية إدارة شؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية . وهي تستوي في ذلك مع مثيلاتها من الانواع والاصناف والمسميات الماركسية واليسارية والقومية من حيث إمتناع المراقبة والمساءلة والمحاسبة والشورى وتداول السلطة وانتقالها وغياب حرية الرأي والتعبير وحق الاختلاف واحترام الآخر.. وتبدو السمة العامة الغالبة والمشهورة ( ولا عبرة باستثناءات او مظاهر ذات طابع إعلامي فولكلوري) في فكر وممارسة الهيئات والحركات السياسية العربية (هي) سمة الادارة المركزية والقيادة الآمرة والقاعدة المنضبطة المطيعة مما أعطى صورة سلبية واقعية عن الحزبية والعمل الحزبي في بلادنا.. وليس هنا مجال استعراض الظروف التاريخية والسياقات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي ساهمت في تحوّل المذاهب والفرق الكلامية والفقهية الى أحزاب ايديولوجية حملتها كتل اجتماعية ذات ديناميات عصبوية لا علاقة لها بالكلام او الفقه او الاجتهاد العقلي . فالتشيّع كما التصوّف كما السلفية تحوّلت الى عصبية حزبية عائلية طائفية الخ… تحوّلت الفرق والمذاهب المفترض انها مدارس كلامية- فقهية- فكرية- فلسفية الى عصبيات سياسية متشكلة في أحزاب وقوى تشهد تكتلات داخلية وانشقاقات وشرذمات وصراعات دموية.. وعلى حد قول ابن خلدون فان أساس العصبية ونصابها هو الملك والرئاسة (أي السلطة والنفوذ) . ولا يختلف الحزبيون الاسلاميون عن البعثيين او القوميين السوريين او الما ركسيين في تقولبهم ضمن أشكال من النمطية الجامدة المنغلقة التي لا تتسع للحياة في المجتمع الواسع او الوطن المتنوع الانتماءات او الامة المتعددة الشعوب والاعراق والاقاليم..

انغلق الاسلاميون ( كما أسلافهم) في مجتمعهم الخاص (الجماعة او الحزب او الطريقة) وبنوا وطنهم الخاص وامتهم الخاصة وانتجوا فتاويهم وأنظمتهم وقوانينهم الخاصة مكررين التجربة الحزبية القومية واليسارية من حيث بناء التنظيم النخبوي ومن حيث الشعار والممارسة السياسية ومن حيث استهداف الامساك بسلطة الدولة وخصوصا" من حيث تركيز القوة في رأس الهرم الحزبي- السلطوي- الدولتي بدل نشر القوة في المجتمع. وهكذا لم يعدم الاسلاميون نصوصا" دينية تبرر التسلط والاستبداد والمركزية وعبادة الشخصية وتحنيط الحزب ، من مثل انه “ لا بد من أمير برّ او فاجر” ، و“ اذا خرج اثنان او ثلاثة في سفر فلا بد من تأمير أحدهم” ، وانه لا تستقيم الامور دون ولاية او امارة او رئاسة او امامة وكلها تعابير ومصطلحات تفيد معنى الأمر والقيادة المركزية والطاعة الالزامية..ولا يفيد في شيء محاولة التقصّي الوصفي لظواهر غياب الديمقراطية عن وعي وسلوك الحركة الاسلامية المعاصرة ، فالأمر أظهر وأبرز من ان يُشار اليه، وهو يرتكز الى موروث فقهي وكلامي يدور حول مسألة الخلافة والإمامة ، وحول الامارة والبيعة والشورى والطاعة، وحول أهل الحل والعقد ، والعامة، والمصلحة والضرورات والمحظورات ، وما سوى ذلك . وعليه فانه لا يستقيم بحثنا عن أسباب تعثّّر فكرة وممارسة الديمقراطية في نطاق الهيئات الاسلامية ما لم نبحث عن معنى الشرعية السياسية ، ومصادرها ، وضوابطها في الشريعة الاسلامية . فاذا كانت الشرعية السياسية تعني مدى قبول الناس لنظام سياسي معين ، فهل الامة هي مصدر السلطات وصاحبة السلطان الحقيقي ؟ وكيف تمارس هذه السلطة ؟ واذا كان الانتخاب أي احترام رأي الشعب هو مصدر الشرعية في النظام الليبرالي ، واحترام الدستور هو أهم ضوابط الشرعية فيه ، فما الذي يُقابل ذلك عند المسلمين مما يمكن ان يكون قابلا" للتطبيق في زماننا ؟ وما تأثير ذلك على فهم الاسلاميين لمسألة من هو صاحب السلطة والقرار في الدولة والحزب والمجتمع ؟ أي من هو ” الامر“ ( او الامير) وما هي مواصفاته وما هي ضوابطه؟ وهل ما نصت عليه كتب الفقه نهائي ام مؤقت خاضع لظروف الزمان والمكان ؟ من يملك صلاحية تعيين او اختيار ولي الامر ، ومن يملك صلاحية مراقبته ومساءلته وعزله عند الضرورة ؟ ما مدى شرعية الغلبة والوراثة ؟ ومن هم أهل الحل والعقد ؟ وهل للمصطلح أساس في الشرع؟ ومن يعيّنهم او يختارهم ؟ وما هي صلاحياتهم ومن يقررها ؟ وما هي آليات مقاومة الاستبداد ؟ وهل صحيح ان الشورى هي الديمقراطية وان هل الحل والعقد هم البرلمان وحكم الشعب؟


الاساس الفقهي الكلامي


يعتبر معظم الاسلاميين ان الديمقراطية كفر والحاد وخروج عن الدين وعن سنة الرسول وسيرة الصحابة. وان هناك تناقضا" جوهريا" بين الديمقراطية والاسلام وذلك لقيام الاسلام على أساس الطاعة لله والتسليم له والاذعان لحاكميته ، وقيام الديمقراطية على حكم الشعب باسم الشعب ..
وقد اعتبر الكثير من الاسلاميين ان الشورى الواردة في القرآن شورى اختيارية غير الزامية ولا ملزمة. وأجاز كثير من الفقهاء وعلى مر التاريخ السيطرة على الحكم بالقوة والوراثة والنص والاستخلاف ولو رغم ارادة الامة وأوجبوا على الناس البيعة والطاعة.. للامراء ” في المنشط والمكره ما لم يأمروا بمعصية “حتى وان ظلموا ، وان جاروا طالما اقاموا الصلاة !.
واعتمد الاسلاميون على حشد من النصوص أورد هنا أبرزها نقلا" عن كتاب الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين: نظام الحكم والادارة في الاسلام.
1- روى مسلم عن ام سلمة عن الرسول ” انه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون فمن انكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وبايع . فقيل يا رسول الله " أفلا نقاتلهم ؟ قال لا ، ما صلوا“.
2- واستند على هذا القول كثير من الفقهاء ليقولوا كما قال ابو بكر الطرشوشي في سراج الملوك :
” اذا جار السلطان فعليك الصبر وعليه الوزر، ومن خرج عن السلطان شبرا" مات ميتة جاهلية“.
3- وقال ابو يعلى الفراء في الاحكام السلطانية، بعد ان اورد عدة شروط للإمامة ، انه قد روى عن الامام احمد ألفاظ تقتضي اسقاط اعتبار العدالة والعمل والفضل . فقال : ” ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يبيت ولا يراه اماما" عليه، برا" كان او فاجرا" ، فهو امير المؤمنين ، فان كان يغرق بشرب المسكر والغلول يغزو معه ، انما ذلك لنفسه “ .
4- وقال ابو حامد الغزالي : ” الولاية لا تتبع الا الشوكة فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الإمام“ .
5- وقال ابن جماعة قاضي القضاة في القاهرة في عصر المماليك : ” ان خلا الوقت من إمام فتصدى لها من هو ليس من اهلها وقهر الناس شوكته وجنوده بغير بيعة او استخلاف ، انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم . ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا" او فاسقا" ، في الاصح . واذا انعقدت الامامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فقهر الاول شوكته وجنوده انعزل الاول وصار الثاني اماما" لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم“.
6- وقد لخص بعض الفقهاء رأيهم في الامامة في كلمة واحدة هي ” من اشتدت وطأته وجبت طاعته “.
7- وقد قال العلماء في مواجهة خروج من يستولي على منصب الرئاسة بالقوة ، بانعزال الرئيس وانعقاد الرئاسة للمتغلب حتى لا يقع الناس في فوضى الحرب الاهلية .
8- واذا كان بعض الفقهاء قد اشترط انتخاب الامام بواسطة أهل الحل والعقد فانه قد احتار في تحديد عددهم وهويتهم وطريقة انتخابهم.
9- بعض الفقهاء قال شرعية طريقة انتخاب الخليفة اذا بايعه خمسة رجال أو أقل أو أكثر ، ولم يشترط الآمدي وامام الحرمين والجويني والجرجاني والنووي والماوردي والشوكاني والشافعي أي عدد لانعقاد البيعة والخلافة .
10- الشوكاني في”إرشاد الفحول“ قال : ” ان الصحابة استخلفوا ابا بكر وانعقدت له الخلافة باجماع الحاضرين . ومعلوم ان من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي ، ومن حاضري المدينة من لم يحضر البيعة ولم يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين “ .
11- ويقول النووي في” نهاية المحتاج الى شرح المنهاج“.” تنعقد الامامة ، البيعة ، والاصح بيعة أهل الحل والعقد والذين يتيسر اجتماعهم “.
12- ويقول البغداوي في” الفرق بين الفِرَق ان الامامة تنعقد بمن يعقدها لمن يصلح للامامة“.
13- وسيقول المارودي في ” الاحكام السلطانية “ : ” ان اهل الاختيار تقوم بهم الحجة وببيعتهم تنعقد الخلافة، ” ويقول“ان الخلافة تنعقد بعهد واستخلاف ، وان اجماع المسلمين قد انعقد على صحة ذلك، وان استخلاف أي بكر لعمر للخلافة بعده لم يتوقف على رضا المسلمين . ورضا الصحابة غير معتبر لان الامام أحق بذلك فكان اختياره فيها أمضى وقوله فيها أبعد “.
14- ويقول ابن حزم في ” الفصل في الملل“: ” ان انعقاد الخلافة بعهد الامام الميت هو أول وأفضل واصح وجه لها “ .
15- ويقول الشيخ تقي الدين النبهاني في ” نظام الحكم في الاسلام “ ” ان رئيس الدولة هو الدولة، فهو يملك جميع الصلاحيات التي تكون للدولة وهو الذي يجعل الاحكام الشرعية حين يتبناها نافذة ، واذا
تبنى حكما" شرعيا" صارذلك الحكم وحده هو الحكم الشرعي الواجب العمل به وأصبح حينئذ قانونا" نافذا" وجبت طاعته على كل فرد من الرعية ظاهرا" وباطنا" “ . ‍¹



الشورى والديمقراطية عند مفكري النهضة


لعل الطهطاوي (1801-1873) هو أول من أثار حوارا" حول ” الفكرة الديمقراطية “. فهذا القروي الريفي الازهري أرسله محمد علي باشا مرافقا" وإماما" لاول بعثة عسكرية للتعلم والتدرب في فرنسا . فتعلم اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة والمنطق والجغرافيا، وأهم من ذلك كله انه قرأ فولتير وروسو ومؤلفات رواد الفكر والثورة آنذاك . وكان كتابه ” تخليص الابريز في تلخيص باريز “ (1834) سجلا" لمشاهداته ولآرائه حول عادات ومسالك أهل فرنسا . وأهم ما فيه مديحه للنظام الديمقراطي الفرنسي وابداء مشاعره حيال انتفاض الامة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية (ثورة 1830). وقد حرص الطهطاوي على إثبات ان النظام الديمقراطي الذي كان شهده في فرنسا ينسجم انسجاما" تاما" مع تعاليم الاسلام ومبادئه وهي الفكرة الاساس لكل مفكري عصر النهضة من مدرسة التوفيق بين الاسلام والعصر. وقد عرض الطهطاوي ايضا" لفكرة ضرورة اقتباس المدنية الغربية وعلومها ومعارفها مشددا" على ان ذلك ليس انتقاصا" من منهاج السلف الصالح ، فالمعارف تتقدم والجديد يُضاف الى القديم ، وليس كل مبتدع مذموم بل أكثره مستحسن على الخصوص والعموم ² وهو يطوّر هذه الفكرة التي سنراها تتردد لدى كل مفكري النهضة المسلمين، لتصبح أساسا" فقهيا"- نظريا" متينا" فيكتب : ” ومن زاول علم اصول الفقه وفَقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد، جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي الامم المتمدنة اليها وجعلوها اساسا" لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم . قلّ ان تخرج عن تلك الاصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات . فما يسمى عندنا بعلم اصول الفقه يسمى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعية او النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية ، تحسينا" وتقبيحا" ، يؤسسون عليها أحكامهم المدنية . وما نسميه بالعدل والاحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية “ .³

-------------------------------------

1- محمد مهدي شمس الدين : نظام الحكم والادرة في الاسلام.
2- رفاعة رافع الطهطاوي : الاعمال الكاملة- ج1- مناهج الالباب المصرية في مناهج الاداب العصرية- ص 583.
3- الطهطاوي : الاعمال الكاملة- ج2- كتاب المرشد الامين للبنات والبنين- ص 469.



وقد استنبط الطهطاوي فكرة ” المنافع العمومية “ والتي لا تُكتسب الا بالعلوم السياسية ، والعلوم السياسية لا تكتسب الا بالعلوم الدنيوية ، كأساس للتمدن . وبالتالي فانه لا بد من تعليم العلوم الدنيوية (والسياسية خاصة) الى جانب العلوم الشرعية .. ” فما المانع من ان يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ الصبيان بعد تمام تعليم القرآن الشريف والعقائد ومبادئ العربية، مبادئ الامور السياسية والادارية ويوقفهم على نتائجها وهو فهم أسرار المنافع العمومية التي تعود على الجمعية وعلى سائر الرعية من حسن الادراة والسياسة والرعاية في مقابلة ما تعطيه الرعية من الاموال والرجال للحكومة “ 4 .

وقد ماهى الطهطاوي بين الليبرالية والديمقراطية الفرنسية وبين المدنية الاسلامية من خلال تعريفه للحقوق المدنية بانها تقوم على مبدئين اساسيين هما الحرية والمساواة وتعريفه للحرية(الغربية) على ان ” سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة “ ( ويقصد بالشريعة الحقوق او القوانين وليس الدستور) وكذلك مستوون في الاحكام على اختلافهم في العظم والمنصب والشرف والغنى.. وقد ضمنت الشريعة لكل التمتع بحريته الشخصية.. وكل فرنساوي له ان يبدي رأيه في مادة السياسات او في مادة الاديان بشرط ان لا يخلّ بالانتظام المذكور في كتب الاحكام... فلا مانع لاي انسان في فرنسا ان يُظهر رأيه ويكتبه ويطبعه بشرط ان لا يضر ما في القوانين فان أضر به آزيل..5 وهو يعطي للحرية معناها الاسلامي اذ هي رخصة- اي إباحة- العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور“ وهي كانت ايضا" من طباع العراب في قديم الزمان.. كما ظهر له بعد التأمل في آداب الفرنساوية وأحوالهم السياسية انهم أقرب شبها" بالعرب ..6 ورغم ان الطهطاوي لم يتوسع في بحث الشورى الاسلامية الا انه دعا الى العودة الى سنة الرسول والصحابة في الشورى ” فقد أمر الله ورسوله بالشورى ، ومر من أول السلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا"،7
ولكنه أسس موقفه منها على المقارنة بما لدى الفرنساويين وعلى ضرورة الاخذ بما لدى الاوروبيين . وهو ترجم الدستور الفرنسي ليشير الى المجالس التمثيلية ” كديوان البير“ (chambre de pair) (اي مجلس المبعوثان) وديوان رسل العمالات (اي مجلس النواب) ” الذين هم وكلاء الرعية والمحابون عنها حتى لا تظلم من أحد. وحيثما كانت رسل العمالات قائمة مقام الرعية ومتكلمة على لسانها كانت الرعية كأنها حاكمة نفسها. وعلى كل حال فهي مانعة للظلم عن نفسها بنفسها او هي آمنة منه بالكلية 8 .
وقد أفرد الطهطاوي الفصل الثالث كله من كتابه تخليص الابريز في شرح ” تدبير الدولة الفرنساوية “، وقال بأن ” أصل القوة في تدبير المملكة لملك فرنسا ، ثم للجماعة أهل شمبر دوبير يعني ديوان البير اي أهل المشورة الاولى، ثم لديوان رسل العمالات.. ووظيفة أهل ديوان البير تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله ويسمى القانون عند الفرنساوية شريعة “ ..9 .

كما ركّز على مسألة تقييد الحاكم بالدستور او الشرطة (La charte) ، وإن كان ، كما يقول : ” غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والانصاف من اسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك بأن عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلما" ابدا، والعدل أساس العمران “ 10.
----------------------------------------

4- الطهطاوي : الاعمال الكاملة- ج 1- مناهج الالباب- ص 517 .
5- الطهطاوي : ج 2- تخليص الابريز- ص 96- 104- 105- 205 .
6- م . ن . ص – 256- 259 .
7- ج 1- مناهج الالباب - ص 548 .
8- ج 2- تخليص الابريز- ص 104 .
9- م . ن ، ص 93- 94 .
10- المصدر السابق – ص 95 .


ففي استعراضه لمواد الدستور الفرنسي، حاول الطهطاوي، أن يجد لها البديل أو بالأحرى الشبيه في الفكر الإسلامي، فيتوقف عند ” المادة الاولى :“ سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة ” معناه سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في اجراء الاحكام المذكورة في القانون، حتى ان الدعوة الشرعية تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر الى هذه المادة الاولى فانها تسلط عظيم على إقامة العدل واسعاف المظلوم وارضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرا" الى اجراء الاحكام، ولقد كادت هذه القضية ان تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الادلة الواضحة على وصول العدل عندهم الى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة، وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والانصاف، وذلك لان معنى الحكم بالحرية هو اقامة التساوي في الاحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على انسان، بل القوانين هي المحكمة
والمعتبرة“ 11.

كذلك حازت المادة الثانية على إعجاب الطهطاوي ، وتنص على : أن الفرنسيين ” يعطون من اموالهم، بغير امتياز ، شيئا" معينا" لبيت المال ، كل انسان على حسب ثروته “ 12 ، ويرى أنه ” لو كانت مرتبة في بلاد الاسلام كما هو في تلك البلاد لطابت النفس ، خصوصا" اذا كانت الزكوات والفيء والغنيمة لا تفي بحاجة بيت المال ، او كانت ممنوعة بالكلية ، وربما كان لها أصل في الشريعة على بعض اقوال مذهب الامام الاعظم (الحنفي) . ومن الحكم المقررة عند قدماء الحكماء : الخراج عمود الملك “13. وهو هنا يقصد الضريبة. وقد وضع خير الدين التونسي (1810- 1899) خطة شاملة للاصلاح ضمّنها في كتابه
” اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك“(1867). وهو حثّ العلماء على انتهاج كل السبل الممكنة من أجل تحسين أوضاع الامة والارتقاء بها والتحذير من مغبة رفض تجارب الامم الاخرى انطلاقا" من الظن الخاطئ بانه ينبغي نبذ كل ما يأتي من غير المسلمين .
وقد أعاد التونسي أسباب التخلف والضياع الى مفهوم الاستبداد فأفرد فصلا" من كتابه بعنوان ” مطلب عواقب الاستبداد والعمل بالرأي الواحد“ لاظهار ما للاستبداد كشكل من أشكال الحكم من عواقب وخيمة على التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، معطيا" أمثلة عن بونابرت ، وحِكَم قالها أرسطو، وصولا" الى ما جاء به الاسلام في هذا المجال. وهو أسس على ملاحظاته ومشاهداته خلال اقامته في فرنسا (1852-1856) رأيا" متكاملا" حول ان الاستبداد مؤذن بخراب العمران وعلى ان الشورى والمشاورة هي الحل الصحيح والمدخل للتقدم في كل الميادين .
وفي كتابه 14 ترداد الاشارة الى انه أخذ فهمه لموضوعة الاستبداد عن ابن خلدون .. فهو يقول مثلا" بان ” من تصفّح الفصل الثالث من الكتاب الاول من مقدمة ابن خلدون رأى أدلة ناهضة على ان الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان، وبما جلبت عليه النفوس البشرية كان اطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه كما هو واقع اليوم في بعض ممالك الاسلام 15.
وقد دعا التونسي الى ايجاد تنظيمات من القوانين constitution هي المدخل للتقدم الحضاري والسياسي والثقافي مستندا" في ذلك الى مواقف لفقهاء الاسلام ومنهم محمد بيرم الاول(1718-1800) مفتي الديار التونسية القائل بان التنظيمات ” ما يكون الناس معه اقرب الى الصلاح وأبعد عن الفساد وان لم يضعه الرسول ولا نزل به الوحي 16.
--------------------------------

11- المصدر السابق- ص 102 .
12- المصدر السابق- ص 96 .
13- المصدر السابق- ص 103 .
14- أقوم المسالك في معرفة احوال الممالك، دراسة وتحقيق معن زيادة- دار الطليعة- بيروت 1978.
15- أقوم المسالك- ص 117 .
16- م . ن ، ص 158 .
واستشهد ايضا" بابن قيّم الجوزية في قوله بان ” امارات العدل اذا ظهرت بأي طريق كان فهناك شرع الله ودينه“ 17 ووصل خير الدين الى حد انتقاد الاعتماد على ظواهر النصوص فقط مبينا" ان ”واجب امراء الاسلام ووزرائهم وعلماء الشريعة الاتحاد في ترتيب تنظيمات مؤسسة على دعائم العدل والمشورة كافلة بتهذيب الرعايا وتحسين أحوالهم“ 18 .
وتبلور الجانب السياسي من ” التنظيمات“ التي دعا اليها التونسي من خلال مطالبته بالمجالس النيابية (الشورية) على مثال الجمعيات الوطنية ( الاحزاب ) 19 الموجودة آنذاك في فرنسا وانكلترا. فكان بذلك ” أول من اقترح نموذجا" إسلاميا" للدولة الحديثة “ 20، متقدما" بذلك على الطهطاوي ، وذلك بجعل عمل ” أهل الحل والعقد “ مقابل لعمل البرلمان، كوسيط بين الشعب والحاكم، ” تحت قوانين يلزمهم العمل بها وعدم الخروج عنها“ ، مستعينا" بمفهوم ” الوازع “ لدى ابن خلدون، القائل 21 : ” ان الملك، لما كان عبارة عن المجتمع الضروري للبشر ، ومقتضاه التغلب والقهر، اللذان هما من آثار القوة الغضبية المركبة في الانسان، كانت أحكام صاحبه في الغالب حائدة عن الحق ، مجحفة بمن تحته من الخلق، لحمله اياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من شهواته . فتعسر طاعته لذلك، وتجيء العصبية المفضية الى الهرج والقتل . فوجب أن يرجع الى أحكامها . كما كان ذلك للفُرس وغيرهم من الامم. واذا خلت الدولة عن مثل هذه السياسة، لم يستقم أمرها ، ولا يتم استيلاؤها. فاذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية، واذا كان فرضها من الله تعالى بشارع يقررها، كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة “ ( أهــ كلام ابن خلدون). فتغيير المنكر لدى التونسي واجب، إذ لولاه ” ما استقام للبشر ملك، لان الوازع ضروري لبقاء النوع الانساني، ولو ترك ذلك الوازع يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لم تظهر ثمرة وجوب نصبه على الامة، لبقاء الاهمال بحاله . فلا بد للوازع المذكور من وازع يقف عنده ؛ إما شرع سماوي أو سياسة معقولة . وكل منهما لا يدافع عن حقوقه ان انتهكت “22 . وهذا شبيه تماما بما ابتدعه أهل أوروبا من مجالس ومطابع ورأي عام، تحتسب على الدولة، حيث يقول 23 : ” فلذلك وجب على علماء الامة، وأعيان رجالها، تغيير المنكرات . ونصب الاورباويون المجالس، وحرروا المطابع، فالمغيرون للمنكر في الامة الاسلامية تتقيهم الملوك، كما تتقي ملوك أوروبا المجالس، وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية المطابع . ومقصود الفريقين واحد، وهو الاحتساب على الدولة 24 ، لتكون سيرتها مستقيمة وان اختلفت الطرق الموصلة إلى ذلك “ .
أما جمال الدين الافغاني (1838-1897) فقد انشغل في تقصي أسباب انحطاط المسلمين فوجد ان العلة هي في غياب العدل والشورى وعدم تقيد الحكومة بالدستور . وقد رفع الافغاني لواء المطالبة بحق الشعب في المشاركة في الحكم من خلال الشورى والانتخابات.
فالعدل كان المبدأ الأساسي لدى الأفغاني، به قوام الاجتماع الإنساني، وبه حياة الأمم، وكل قوة لا تخضع للعدل فمصيرها إلى الزوال، ولتحقيق العدل لا بد من تحقيق الشورى، ليصل الى أن هذه الأخيرة مع العلم يقهران الاستبداد، فتترقى الشعوب، والسبيل الى ذلك تغيير شكل الحكم المطلق، بالشكل الشوري . فتدبير الممالك وصونها لا بد أن يستند الى أصول ”الحكومة الشورية، والمشاورة، ودعوة الامة للتداول25 في أمورها .
--------------------------------
17- م . ن، ص 159 .
18- م. ن، ص 160 .
19- انظر : التونسي، كتاب أقوم المسالك، ص 212 – 215 .
20- أنطون المقدسي، الصورة العربية للحضارة المغربية والاستجابة لها، مجلة شؤون عربية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، عدد28 ( حزيران/ يونيو1983- شعبان/ رمضان1403هـ) ص38
21- التونسي، كتاب أقوم المسالك، ص 119- 120.
22- المصدر السابق، ص 119 .
23- المصدر السابق، ص. ن .
24- يستخدم التونسي مصطلح” دولة“ للاشارة الى معنى ”الحكومة“ ومصطلح”مملكة“ للاشارة الى معنى ”دولة“ .
25- المخزومي، خاطرات جمال الدين الافغاني، ص 151 .
فالأمة ”التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكم واحد، إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، فتلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير، فتعْتورها السعادة والشقاء، ويتداولها العلم والجهل، ويتبادل عليها الغنى والفقر، ويتناولها العز والذلّ26 . وهنا في هذا النص نجد تأثيرا" للطهطاوي من خلال ” المنافع العمومية “ التي يدرجها الافغاني في جملة الامور الخاصة بالامة . فالإنسان، كما يقول الافغاني ضعيف لا يقوى على تحقيق كل حوائجه، وحاجته ماسة الى بني جنسه ، ” فكيف لو كان شخص ولاه الله رعاية أمة ؟ } ....{ لا ريب أن مثل هذا الشخص أحوج إلى المشورة والاستفادة من آراء العقلاء } ....{ وقد أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم ) “ بذلك . 27

وتبرر دعوة الافغاني للديمقراطية من خلال فهمه للحاكم، اذ هو بنظره ” إما أن يكون موجودا" أو تأتي به الامة، فتملكه على شرط الامانة، والخضوع لقانونها الاساسي، وتتوجه على هذا القسم وتعلنه له ليبقى التاج على رأسه، ما بقي هو محافظا"، أمينا" على صون الدستور – وأنه اذا حنث بقسمه وخان دستور الامة. – أما أن يبقى رأسه بلا تاج - أو تاجه بلا رأس- “ هذا ما يحسن بالامة فعله اذا هي خشيت من أمرائها، وملوكها عدم الاخلاص لقانونها الاساسي،أو عدم قابليتها لقبول الشكل الدستوري قلبا" وقالبا"28

فلا بد من تقييد الحكم إذن من خلال : الاشتراك ” الاهلي بالحكم الدستوري الصحيح “، للوصول الى العدل المثالي الذي لا بد له من تفاعل بين السلطتين الزمنية والروحية، فالأفغاني ميّز بين السلطتين الروحية والزمنية، ودعا الى تكاملها، فالثانية استمدت سلطتها من الأمة لصيانة الحقوق العامة والخاصة، وتوزيع العدالة المطلقة الى آخر ما في الوازع والسلطان في المنافع العامة. وبالتالي، ” يجب أن تكون إدارة البلاد بيد حكومة يقيمها الأهالي بانتخابهم “29، عن طريق انتخاب نواب عن هذه الأمة، ذلك أن القوة ” النيابية لأي أمة كانت، لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت من نفس الأمة . وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية محركة لها فأعلموا أن حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على ارادة من أحدثها “ 30 . هذه الرؤية تنعكس على رأيه في الأحزاب السياسية ، فيصفها على أنها ” في الشرق نعم الدواء، ولكنها مع الاسف لا تلبث حتى تنقلب الى بئس الداء . نحسن نحن الشرقيين تأليف الأحزاب السياسية، لطلب الحرية والاستقلال، وكل العالم لنا أصدقاء، ونضطر لتركها والكل لنا أعداء، والسبب العامل في ذلك عدم التكافؤ في القوى بين الأمة وأحزابها السياسية “31 ، فاذا ما تمّ للحزب ما طلبه من الامة ، واستحكم له الامر- ظهرت هنالك في رؤساء الاحزاب الأثرة والانانية، ومد حب الذات عنقه، فتتقلص من القلوب تلك الطاعة وتنكمش النفوس عن ذلك الانقياد، وتحصل بالنتيجة النفرة العامة“32 .
ولكنه يستدرك في مكان آخر قائلا" 33 :
_____________________

26- الأفغاني، الأعمال الكاملة، ج2 : الكتابات السياسية، الأمة وسلطة الحكم المستبد، ص 329؛ والعروة الوثقى، ص 145.
27- المصدر السابق، أسباب حفظ الملك، ص 53.
28- المخزومي، خاطرات جمال الدين الأفغاني، ض 79-80 .
29- الافغاني، الاعمال الكاملة، ج2: الكتابات السياسية، رأي المستر بلونت في المسألة المصرية،ص193.
30- المصدر السابق، مصر والحكم النيابي ص 330.
31- الافغاني، الاعمال الكاملة، ج2، أحزاب الشرق السياسية، ص 334.
32- المخزومي، خاطرات جمال الدين الافغاني، ص 73.
33- الافغاني، الاعمال الكاملة، ج2: الكتابات السياسية، احزاب الشرق السياسية، ص334.





” لا ينبغي أن يؤخذ من قولي هذا، أن لا فائدة من الأحزاب على مطلق الرأي والمعنى، فإن الشرق بعد أن أخنى عليه الدهر بكلكله، ومرت عليه زلازل العسف والجور، وأشكال الاستعباد، حتى تأصلت في نفوس أبنائه بذور الذلّ والاستكانة لكل قوي اكتسح بلاده“، فلا بد إذا" من التدرج ، ” حتى يظهر في الشرق ما ظهر في الغرب “34 ، ” حينئذ يكون الشرق قد تسنى له وجود الحزب الذي هو نعم الدواء من داء استعباده، فيجمع شتات ابنائه الذبن كانوا أذلة، ويصيّرهم ، بنعمة الاخاء، والاتحاد، والتعاون أعزة – بلادهم لهم وهم لبلادهم نعم الامناء “35
فالحُكْم الصالح للشرق الإسلامي برأي الأفغاني، هو الحُكْم القائم على نواب للأمة قادرين على صون مصالحها وتقييد سلطة الحاكم فيها.


محمد عبده (1849- 1905)

في معرض تمييزه لموقفي عبده والافغاني كتب رشيد رضا بان ” السيد جمال الدين رجل دين وا ن غلبت عليه السياسة ، والشيخ محمد عبده رجل سياسة وان غلب عليه الدين “36. وقد انطلق محمد عبده في نظرته التوفيقية من عقلانية وعلمية الاسلام ” اول دين خاطب العقل ودعا الى النظر في الاكوان واطلق له العنان“37 فالدين عند عبده صديق العلم، وهو يقول ” اتفق أهل الملة الاسلامية الا قليلا" ممن لا يُنظر اليه، على انه اذا تعارض العقل مع النقل آخذ بما دلّ عليه العقل38. ” فالدين الاسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد ، العقل من أشد اعوانه والنقل من اقوى اركانه39 .
وقد سخر الامام من النقل والناقلين ” ويا ليته النقل عن المعصوم بل النقل ولو عن غير المعروف،40 ودعا الى استعمال العقل لاستخلاص الغث من السمين في منقولاتنا او تراثنا.. ” فالفكر المقيد بالعادات المستعبد بالتقليد هو المرذول الذي لا شأن له وكأنه لا وجود له.. نعم يجب على كل طالب علم ان يسترشد بمن تقدمه سواء اكانوا احياء ام امواتا" ولكن عليه ان يستعمل فكره فيما يؤثر عنهم..41.وعلى اساس هذا الرأي والنظر، مع ضرورة الاقتباس من الغرب خصوصا" في مجال شؤون الدنيا والتنظيمات السياسية كان عبده اكبر الداعين الى الشورى كواجب شرعي “ .
” ان تصرّف الواحد في الكل ممنوع شرعا" وان الرعية يجب عليها ان تجعل الحاكم والمحكوم بحيث لا يخرجان عن حد الشريعة الحقة وان الولاة يجب عليهم استشارة ذوي الرأي في مصالح البلاد ومنافع العباد. وان الشورى من الامور الشرعية الواجبة فمن رامها فقد رام امرا" شرعيا" قضت به الشريعة وحتمّته على الحاكم والمحكوم جميعا" بحيث لو منعناه لاكتسبنا بذلك اثما" مبينا" .
ومعلوم ( كما يتابع عبده) ان الشرع لم يجيئ ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام، ولا طريقة معروفة للشور عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها، فالشورى واجب شرعي ، وكيفية اجرائها غيرمحصورة في طريق معين، فاختيار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز، كما هي القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو يثبته .
_________________________

34- الافغاني، الاعمال الكاملة، ج2: الكتابات السياسية، أحزاب الشرق السياسية، ص335.
35- المخزومي، خاطرات جمال الدين الافغاني، ص 74.
36- تاريخ الاستاذ الإمام، ج1، ص:ن .
37- رسالة التوحيد، ص 154.
38- الاعمال الكاملة،ج3، الاصل الاول للاسلام، ص 301 وايضا" الاسلام والنصرانية، ص59.
39- رسالة التوحيد، ص 53.
40- الاسلام والنصرانية، ص 124.
41- رضا، ملخص خطاب الامام، مجلة المنار،مجلد3، ج13، ربيع الاول 1318هـ ، 8 يوليو 1900م ، ص 303.

غير أنا اذا نظرنا الى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو ” كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه ، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم ، فسدل النبي ناصيته ثم فرق بعد “ . ندب لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلا" عنا، وأنشأت له نظاما" مخصوصا" ، متى رأينا في الموافقة نفعا"، ووجدنا منها فائدة تعود على الامة والدين، وإلا اخترنا من الكيفيات والهيئات ما يلائم مصالحنا، ويطابق منافعنا، ويثبت بيننا قواعد العدل وأركانه، بل وجب علينا إذا رأينا شكلا" من الاشكال مجلبة للعدل أن نتخذه ولا نعدل عنه الى غيره.. كيف وقد قال ” ابن الجوزية “ ما معناه : أن امارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان، فهناك شرع الله ودينه ، والله تعالى أحكم من ان يخص طرق العدل بشيء ، ثم ينفي ما هو أظهر منه وأبين .

( ويتابع) فتألف من مجموع هذا : أن الشورى واجبة، وأن طريقها مناط بما يكون أقرب الى غايات الصواب، وأدنى الى مظان المنافع ومجالبها، على انها إن كانت في اصل الشرع مندوبة فقاعدة تغير الاحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة اليها واجبة وجوبا" شرعيا"، ومن هنا تعلم أن نزوع بعض الناس الى طلب الشورى، ونفورهم من الاستبداد، ليس واردا" عليهم من طريق التقليد للأجانب ، ولا آتيا" لهم من ذم بعض الجرائد 42 .فالشورى واجبة عقلا" على الحاكم والمحكوم معا"، فالإنسان خُلق ” محاطا" بالشهوات، مكتنفا" بالاميال، مقيدا" بالأغراض، فهو أسيرها تدفعه الى مقتضياتها ، وتجذبه الى لوازمها43، وهي أقوى لدى الحكام لاقتدارهم على مقتضياتها، ” وليس من وسيلة الى ذلك الا مشاورة العارفين العاملين بطرقها، فان للرأي العام في مغالبة الأهواء ما لا يخفى من القوة } ....{ وأيضا" فالانسان الواحد قاصر وان بلغ من اتساع نطاق الفكر عن أن يحيط علما" بمصالح عامة، خصوصا" اذا كانت مصالح أمة كبيرة } ....{ ومن هذا يتبين وجوب الشورى على الحاكم “44. فالمسلم برأي عبده أخطأ ” في فهم معنى الطاعة لأُولي الأمر والانقياد لأوامرهم ، فألقى مقاليده الى الحاكم45 .

واذا كان قيام طائفة من الأمة 46 تقوم على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أساس الشورى، فلا بد من قيام جماعة ( أمة ) ترشد الحاكم والمحكومين بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وهذا الواجب ليس مندوبا"، بل فرض شرعي، فما ” لا يتم الواجب إلا به فهو واجب 47 .
فعبده يرى : أن الذين يقومون على رعاية مصالح العباد هم الصفوة المختارة والمستنيرة من
” أهل الحل والعقد “ ، فالشريعة الإسلامية كلّفت هذه الجماعة بمناصحة أولياء الأمور، والأخذ على أيدي الظالم منهم، وذلك بانتقاء طائفة من خيارهم للهداية والإرشاد .
فالشورى ” لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة، كأن يكونوا جميعا" طالبين تعزيز شأن مصالح بلادهم، فيطلبونها من وجوهها وأبوابها . فما داموا طالبين هذه الوجوه فهم طلاب الحق ونصراؤه، فلا يلتبس عليهم بالباطل، ولا لوم عليهم اذا لم يأت مطلوبهم على غاية ما يمكن من الكمال “48، ووجوبها على المحكوم يتبين من أن ” الواحد وأن بلغ من علو الفكر ورفعة الذكاء مكانا" عليا" ، قاصر على الاطاحة بمصالح الأمة، وحينئذ يلزمها إذ ا ألقت اليه مقاليد مصالحها أن تمده من آرائها بما يقتدر به على النهوض بواجباتها والقيام بحقوقها “49 ،
------------------------------------
42- الاعمال الكاملة، ج1، ص 386- 387.
43- رضا: تاريخ الاستاذ الإمام، ج2، ص 197.
44- المصدر السابق، ص 197- 198.
45- عبده: الاعمال الكاملة، ج3: الرد على هانوتو، ص 246 .
46- انظر: المصدر السابق، ج1: في الشورى والاستبداد، ص 384.
47- المصدر السابقئن ص 383.
48- رضا: تاريخ الاستاذ الإمام، ج2، ص 203.
49- المصدر السابق، ص 198.


ويستدل على ذلك بخلافة عمر بن الخطاب50 .” وقد بحث عبده مسألة إقامة مؤسسات دستورية ونيابية حديثة، وتقييد سلطات الحكومات بالدساتير والقوانين “51 واهتم بذلك اهتماما" كبيرا"، فكان نصيرا" للقانون وللحكم الدستوري، وذلك لما رآه في الغرب من احترام للقانون والأنظمة المرعية . وحاول حث حكام الشرق على مجارات الغرب في هذا الاحترام . فصوّر القانون قائلا"52 :” فهو الناموس الحق الذي ترجع اليه الأمم في معاملاتها العمومية، وأحوالها الخصوصية، وهيئاتها النفسانية، أعمُّ من ان يكون متعلقا" بروابط الممالك وعلائقها، أو منوطا" بالسياسة الداخلية، كالإدارة المدنية، والتدابير المنزلية، أو باحثا"عن الاخلاق الفاضلة ، وما ينبغي ان يتحلى به الانسان منها، وما يجب أن يبتعد عنه من أضدادها، وسواء كان في أمة واحدة أو أمم متعددة “ ، فالزمن برأي عبده ، زمن القوانين والشرائع لا زمن القوة، والقوة لا تأتي ” بثمرتها الحقيقية الا اذا عُضِّدت باتباع الشرع والقانون العام الذي أقر العقلاء بوجوب اتباعه“53 ، فالقانون سر ” الحياة، وعماد سعادة الأمم“ 54.
ومن ناحية اخرى فان عبده اشتغل في هذه الفترة بالسياسة، فعمل في مجلس شورى القوانين55 ، وترأس اللجان المعدة لدرس المشاريع56 ، وعمل على إزالة الخلافات بين هذا المجلس والحكومة ، خاصة وأن مصر كانت آنذاك حديثة العهد بالحكم النيابي . كل ذلك، على قاعدة مقاومة الاستبداد وجعل السلطة بيد الأمة، ” لقلب نظام الحكم الاستبدادي في مصر، وإقامة نظام نيابي مكانه57 ، وعلى قاعدة أن الإسلام ” أقام قواعد العدل فما بال أغلب حكامهم يضرب بهم المثل في الظلم؟ 58 ، فلا بد إذا" من العمل على اصلاح العلاقة القائمة بين الحاكم والمحكوم، بالاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي والديني؛ ليدرك المواطنون ما لهم وما عليهم. من هنا لم يتردد عبده بالاستعانة بالنُظُم الغربية، كما أشار سابقا"، على ان لا تخالف الشرع، فقد ثبت له ان مبدأ الشورى نقلته الأمم من النظام الاسلامي فأنشأت من خلاله نظام لها مخصوص، فلا ضير إذن إذا انتفعنا به .
وكان عبده من انصار الشكل النيابي في الحكم وهو دعا أرباب الشورى المشرعين عندما يسنون القوانين الى ربطها بأحوال البلاد القائمة، حينئذ لا يسوغ لأرباب الشورى ان يجاروا غير بلادهم في سنّ القوانين“ 59، فعلى أهل الشورى تمكين أفراد المجتمع من طلب الخير الحقيقي بكل وسيلة صحية 60 . فهو اذا" مع التنظيم الغربي للحكم على قاعدة مماهاته مع النظام الشوري الاسلامي . لتصبح الشورى هي الاساس هنا في الوحدة التي يرجع ويجتمع اليها ذوي الحياة السياسية 61.

-----------------

50- قارن بإسماعيل الكيلاني، فصل الدين عن الدولة، المكتب الاسلامي، بيروت ط2، 1987( ط1، 1980) ص 215.
51- عمارة الاعمال الكاملة لمحمد عبدهـ ج1، الاصلاح.. فالثورة.. فالاصلاح ، ص41.
52- عبده : الاعمال الكاملة، ج1: القوة والقانون، ص 307.
53- المصدر السابق، ص 311.
54- المصدر السابق، ص 311.
55- انظر: عبده، دروس من القرآن، ص 18- 19 .
56- انظر: أحمد سويدان، محمد عبده والنهضة العربية الاسلامية، مجلة الفكرالعربي، معهد الانماء العربي، بيروت السنة 6، العددان 39- 40 (يونيو/ حزيران- اكتوبر/ تشرين الاول 1985) ص166.
57- رضا : تاريخ الاستاذ الإمام ، ج1، ص 967 .
58- عبده : رسالة التوحيد، ص 155 .
59- عبده : الاعمال الكاملة، ج1: في الاستبداد والشورى المرجع السابق، ص 398 .
60- انظر: رضا: تاريخ الاستاذ الإمام، ج2 ، ص 149 .
61- انظر: المصدر السابق، ص 194.

فقد رأى عبده انه لا بد من ان تعقل الامة امرا" غائبا" عنها، وهو الركن الذي تقوم عليه حياتها الاجتماعية، وما أصابها من وهن وضعف إلا بخلو مجتمعها منه ” وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم- كما يتابع عبده- كنت فيمن دعا الامة المصرية الى معرفة حقها على حاكمها}....{ دعوناها الى الاعتقاد بأن الحاكم وان وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم وانه لا يرده عن خطئه ولا يقف طغيان شهوته الا نصح الامة له بالقول وبالفعل“62.
ودعا عبده الى مأسسة الاستشارة من خلال قوانين منقولة عن الغرب ويتبين ذلك من خلال مطالبه التي تلخصت في ثلاث :
1- ” ان يكون للمصريين مجلس نيابي تنحصر فيه السلطة التشريعية أي وضع القوانين كلها ويكون له حق سؤال الحكومة عن تنفيذها ومحاسبتها على خطأها .
2- ان يكون للمصريين سلطة تنفيذية وهي الوزارة المسؤولة وتناط بها جميع أمور الحكومة لا يترك منها للخديويين شيء خاص باشخاصهم كما هو شأن الحكومة النيابية في أوروبا لا سيما انكلترا .
3- ان يكون رئيس الوزراء مسلما" لا كما كان من قبل تارة وتارة “63، علما" بأن عبده أجاز الاستعانة بغير المسلمين ” إذا أمن الضرر وغلب الظن بالمنفعة ولم يكن في الموادة معونة على تعدي حدود الله ومخالفة شرعه فلا خطر في الاستعانة بمن لم يكن من المسلمين“64، مستندا" في ذلك الى الماوردي في جواز تقليد غير المسلم ” على وزارة التنفيذ“ 65 .


محمد رشيد رضا (1865- 1935).


بعث احد قراء ” المنار “ بمقالة للمجلة يتساءل فيها عن سبب امتناع العالم العربي- الاسلامي، عن تسمية الحكم الدستوري، حُكْمَ الشورى ما دام هو هو ؟! مما ادى برضا ان يكتب رادا" عليه : انه حتى في حالة وجود معنى ما او مؤسسة ما في الشريعة لهذه التسمية، فإن الوعي بها وإعادة اكتشافها انما أتيا في ضوء الاعتبار بحال الغرب ثقافة ومؤسسات يقول رضا66 ” لا تقل ايها المسلم ان هذا الحكم اصل من اصول ديننا فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الاوروبيين، والوقوف على حال الغربيين، فانه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت انت وامثالك بان هذا من الاسلام ولكان اسبق الناس الى الدعوة الى اقامة هذا الركن علماء الدين في الاستانة وفي مصر ومراكش وهم الذين لا يزال اكثرهم يؤيد حكومة الافراد الاستبدادية ويعد من اكبر اعوانها، ولما كان اكثر طلاب حكم الشورى المقيد هم الذين عرفوا اوروبا والاوروبيين، وقد سبقهم الوثنيون الى ذلك. ألم ترى الى بلاد مراكش الجاهلة بحال الاوروبيين كيف تتخبط في ظلمات استبدادها ولا تسمعمن أحد كلمة ” شورى “ مع ان اهلها من اكثر الناس تلاوة لسورة الشورى ولغيرها من السور التي شرع فيها الامر بالمشاورة وفوض حكم السياسة الى جماعة أولي الامر والرأي .
--------------------------------

62- المصدر السابق، ج1 ن ص12؛ ايضا" : عبده الاعمال الكاملة، ج2: غاية في ثلاث أهداف ، ص311 .
63- المصدر السابق، ص 905 .
64- المصدر السابق، ص 663 .
65- المصدر السابق، 665 .
66- رضا : منافع الاوروبيين ومضارهم، الاستبداد، مجلة المنار، مج10، ج4، ص282- 283 .



فان قلت ان أول من نبه المصريين الى حقوق الامة على الحاكم والى فضل حكومة الجمهورية والملكية المقيدة على الحكومة الاستبدادية شيخان من شيوخ الدين وامامان من أئمة الاسلام وهما السيد جمال الدين ( الافغاني ) والشيخ محمد عبده وانك انت قد نشرت في ” المنار “ مقالات للسيد في ” الحكومة الاستبدادية “ كانت مما نشره هو في بعض الجرائد على عهد اسماعيل باشا وهي تحرك الجماد وصرحت في ترجمة الشيخ ( محمد عبده ) بأنه كان يدعو الى ذلك وانه قال بل كتب عن نفسه هذه الكلمات الجليلة ” دعونا الى هذا والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد “ وقد كان مضى على المصريين أكثر من نصف قرن وهم يتدارسون علوم أوروبا ويشتركون مع الاوروبيين في كثير من الاعمال ويتزاحمون معهم بالمناكب ويتبادلون بالاموال، ولم يخطر في بالهم ان يقلدوهم باصلاح الحكومة والسيطرة عليها .

( يتابع رضا في رده على مرسل المقالة ) ان قلت هذا محتجا على اننا نحن المسلمين، قد اقتبسنا فائدة مقاومة الاستبداد من الدين، فان لي ان أجيبك عن ذلك بانني لا اُنكر أن ديننا يفيدنا ذلك كما رأيت في مقدمة هذا المقال . كيف واني لم اطلع على كتابة لأحد في ذلك أوسع مما كتبته في ”المنار“ واني مطلع على سيرة هذين الامامين الحكيمين وعالم بانهما كانا قد عاهدا توفيق باشا قبل ان يصير الامر اليه على نصره وعاهدهما هو على انشاء مجلس نيابي وعلى تعميم التعليم في القطر المصري، ومع هذا كله اقول اننا لولا اختلاطنا بالاوروبيين لما تنبهنا من حيث نحن امة او امم الى هذا الامر العظيم
( الشورى ) ، وان كان صريحا" جليا" في القرآن الحكيم، نعم ان استاذينا الحكيمين رحمهما الله تعالى أهل لأن يفهما ذلك من القرآن لانهما اول من دعا في هذا العصر الى جعله اساسا" للإصلاح وبينا من حكمه وفضله، ما عجزت الاوائل عن الاتيان بمثله، ولكن كلامنا في تنبه الشعوب الشرقية على اختلاف مللها ونحلها، لا تنبه فيلسوفين من أهل ملة منها، على ان هذين الحكيمين قد استفادا من الاعتبار بحال اوروبا وعرفا حال اهلها قبل دعوتهما الى هذا الاصلاح . لا ينبه الامة الى مثل هذا التغيير العظيم الا الاحساس بالخطر والخوف من سوء العاقبة ورؤية العبر بأعينها، وسماع أخبار الذين صرعوا الاستبداد من قبلها، ولذلك نقول اننا ما عرفنا قيمة هذه الفائدة الا بعد ان احسسنا بالغائلة التي تقابلها وهي مواثبة استقلالنا والاعتداء عليه“.
فيتنبّه الشرق ، كما يرى رضا، الى مسألة الحكم الدستوري الديمقراطي لم يكن من نصوص القرآن الكريم، الذي يقارب هذا الشكل من خلال مفهوم الشورى، بل هي نتيجة احتكاك أهاليه بالاوروبيين، ” فأعظم فائدة استفادها أهل الشرق من الاوروبيين معرفة ما يجب ان تكون عليه الحكومة واصطباغ نفوسهم بها حتى اندفعوا الى استبدال الحكم المقيد بالشورى والشريعة بالحكم المطلق الموكول الى ادارة الافراد فمنهم من نال أمله على وجه الكمال كاليابان ، ومنهم من بدأ بذلك كايران، ومنهم من يجاهد في سبيل ذلك بالقلم واللسان، كمصر وتركيا.
ليست هذه الفائدة بالشيء التافه ولا بالامر اليسير ولا هي بالمنفعة التي تقرن بالنظائر بل هذه مرتبة البشرية العليا، في هذه الحياة الدنيا، فان القوم الذين يرضون ان يستبد بهم حاكم يفعل فيهم ما يشاء ويحكم بما يريد ينبغي ان يعدوا من الدواب الراعية، والانعام السائمة، اذن هذه الفائدة هي عبارة عن الارتقاء من حضيض البهيمية، الى أُفق الانسانية، فحسب الشرق ان استفاد هذه الفائدة وعرف قيمتها “67 .


67- رضا ، منافع الاوروبيين ومضارهم، الاستبداد، مجلة المنار، مج10، ج4، ص 283- 284.




ولكن مفهوم الشورى اتخذ لدى رضا، منحى" نظريا" كلاسيكيا" اذ اقتصرت رؤيته على : ان الله عزّ وجلّ جعل امر المؤمنين شورى بينهم68 ، وولي الامر من أهل الحل والعقد انما يُطاع ” بتأييد جماعة المسلمين الذين بايعوه له وثفتهم به“ 69 ، والرسول صل الله عليه وسلم لم يضع أحكاما" للشورى وذلك لأن النظام” يختلف بأختلاف احوال الامة في كثرتها وقلتها وشؤونها الاجتماعية ومصالحها العامة في الازمنة المختلفة فلا يمكن ان تكون له احكام معينة توافق جميع الاحوال في كل زمان ومكان، ولو وضع لها احكاما" مؤقتة لخشي ان يتخذ الناس ما يضعه لذلك العصر وحده دينا" متبعا" في كل حال وزمان وان خالف المصلحة“70، فتصبح الشورى قاعدة شرعية ” تختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها“71، وذلك بالاستناد الى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” ما كان من أمر دينكم فاليَّ ، وما كان من أمر دينكم فأنتم أعلم به“72.

فالشورى واجبة على الإمام ” في كل ما لا نص فيه عن الله ورسوله، ولا اجماع صحيحا" يحتج به، او ما فيه نص اجتهادي غير قطعي ، ولا سيما أمور السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة ، وكذا طرق تنفيذ النصوص في هذه الامور اذ هي تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهو ليس حكما" مطلقا" كما يتوهم الكثيرون بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة “73. فيجب إطلاق الحرية للامة ، لتسعى الى ” درء المفاسد وجلب المصالح بحكم الشورى“74، خاصة وأن ” الاسلام دين الحرية“ 75 .

يمكن القول بعد استعراضنا لأبرز آراء واجتهادات مفكري عصر النهضة المسلمين، انهم حاولوا اثبات وجود تشابه وتقارب بين الديمقراطية التي عرفوها وتأثروا بنجاحها في الغرب وبين المفهوم الاسلامي للشورى حسب فهمهم وتأويلهم لنصوص الشرع وللتجربة التاريخية لعصر الرسول والخلفاء الراشدين . وقد دعوا الى اقتباس جوانب من النموذج الغربي تتوافق مع الاسلام وتكون قادرة على اخراج المجتمعات الاسلامية من أزمتها السياسية ( المتمثلة بالاستبداد وبالفساد). ولم يفكر اي من هؤلاء بوضع الدين موضع إتهام أو شبهة او الدعوة الى تغييره او تعديله وانما دعوا الى تجديد فهمنا للدين ولطرائق تطبيقه والاستناد الى علماء مجددين ، قدامى ومحدثين ، لتبرير الاقتباس من الغرب على اعتبار ان الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها ، وان الدين انما جاء لتحقيق مصالح العباد، وانه حيث المصلحة فثم شرع الله .
ما الذي حصل اذن حتى تطورت الحركة الاسلامية العربية المعاصرة وهي تحمل شعارات معادية للغرب رافضة لقيمه كلها بما فيها الديمقراطية ؟ لقد بدأ التحول في فكر وممارسة الاسلام المعاصر في الفترة ما بين الحربين العالميتين ( فترة نشوء وتطور جماعة الاخوان المسلمين ) وهو اتخذ منحى خطيرا" في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصولا" الى اتساع ظاهرة العنف والتطرف في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين .

------------------------

68- انظر: رضا، رأي المتفرجين في التحليل والتحريم، مجلة المنار ، مج 21، ج 2، ص 75.
69- رضا، الخلافة، ص 13- 14.
70- المصدر السابق، ص 32 .
71- المصدر السابق، ص 30 .
72- المصدر السابق، ص 31 .
73- المصدر السابق، ص 30 .
74- المصدر السابق، ص 121 .
75- المصدر السابق، ص 122 .




ويمكن ارجاع أسباب ما طرأ من تحوّل الى عوامل رئيسية خمسة هي :
1- سقوط نظام الخلافة الاسلامية رسميا" ( إعلان أتاتورك عن الغاء الخلافة في 4 آذار 1924 ) وهو حدث فُجع به المسلمون في مشارق الارض ومغاربها بالرغم من ان كثيرين منهم تكبدوا كثيرا" من المعاناة في أواخر عهد الدولة العثمانية بسبب استشراء الفساد وانتشار المظالم .” فرغم كل ذلك كانت الخلافة الاسلامية تراثا" تنظيميا" ارتبط بمشاعر المسلمين لقرون طويلة وكانت رمزا" لوحدتهم ودرعا" لدينهم وكيانهم الدولي “76 انكشاف الديمقراطيات الاوروبية ( التي طالما أُعجب بها الاصلاحيون المسلمون ) قوى استعمارية غاشمة مزّقت الخلافة وتقاسمت تركة ” الرجل المريض “ وتآمرت على العرب وخدعتهم وجزأّت بلادهم واحتلتها .. ( من سايس بيكو ومباحثات حسين- مكماهون، الى وعد بلفور فالى مؤتمرات باريس وسان ريمو ولوزان وصكوك الانتداب) ..
2- مواجهة العرب المسلمين للظاهرة الصهيونية العدوانية التي تفاقم خطرها وأذاها منذ وعد بلفور ، وحظيت بدعم ورعاية من الغرب .. ومواجهتهم الاخرى لظاهرة التبشير التي اتخذت طابع الحملة الصليبية المنظّمة ..
3- وبعد ان كان همّ الاصلاحيين في المرحلة السابقة مواجهة الاستبداد الداخلي ونشر العدل والشورى، وبعد ان كانوا ، وهم الفقهاء ورجال الدين ، لا يمانعون بل يفتون بالاخذ من الغرب كل ما ينفع وخصوصا" في مجال الحكم والادارة وآليات المشاركة الشعبية، أصبح مصدر الخطر عند النخب الاسلامية المثقّفة والمسيّسة يأتي من الغرب ومن ” مخطط التغريب الاستعماري ” الذي بات يهدد هوية الامة “ المستمدة من عقيدتها ولغتها .. وأصبحت الاولوية هي للجهاد والكفاح لتحرير ديار الاسلام ولحماية الثقافة والهوية من الطمس او التبديل او الذوبان.. وهكذا تحوّل ر شيد رضا من موقعه الاصلاحي المستنير الى موقع المرتبط بالسلفية والوهابية وبالدولة السعودية.. وتحوّل رواد الحركة الوطنية الاسلامية المتعاونة مع اوروبا المقتبسة منها ( انصار الثورات الدستورية التركية والايرانية في العراق ومصر والعالم الاسلامي ) الى مبشّرين ” بالخلافة “ ( حركة مؤتمر الخلافة( والى دعاة صراع حضارات ومواجهات.. ( شكيب ارسلان ومحب الدين الخطيب والاخوة باش حامبه وعبد العزيز جاويش ومحمد علي الطاهر وصحف الشورى والفتح واللواء وغيرها ...).
4- ترافق صعود ” حركات الهوية “ ( وهي كانت اسلامية . قومية: عربية ، وفارسية ، وتركية، وسورية الخ.) مع تصاعد الممانعة الشعبية للتجزئة والاحتلال والتغريب وآية ذلك الانتفاضات والثورات والحركات المسلحة والجماهيرية التي هزّت البلاد العربية بدءا" من عام 1924 وحتى عام 1936 ( الثورة الفلسطينية الكبرى ).. وصادف ذلك صعودالفاشية والنازية والشيوعية الستالينية في اوروبا مع ما حملته من أشكال قيادة وتنظيم حزبية وشعارات كلاّنية ايديولوجية وتركيز على كاريزما الزعيم والقائد الاوحد ( هتلر – موسوليني – ستالين) .. فاستمدت منها حركات النخب السياسية العربية ليس فقط أُطر التفكير والممارسة وانما ايضا" وأساسا" نظرتها السلبية الى الديمقراطية الغربية باعتبارها المسؤولة عن فساد المجتمعات وانحلالها وضياع مقومات الامة وهويتها..
وقد شهدت تلك الفترة ( من إلغاء الخلافة 1924 وحتى الاتفاقات الكبرى بين دول الانتداب والكيانات العربية 1936) نشوء وصعود حركات القومي السوري، والقومي العربي، والاخوان المسلمين، لتندرج في سياق محاولات النخب الحديثة الرد على تحديات الاحتلال والتجزئة والتغريب، متماهية في الآن نفسه مع الردود الاوروبية على الازمة الاقصادية العالمية ( 1929- 1930) وعلى الحاجة الى بلورة هوية جديدة وإعادة صياغة المجتمع والدولة وفق نظرة شمولية كلاّنية ( الفاشية والنازية والشيوعية الستالينية ).

--------------------------------

76- د. فتحي عثمان: من اصول الفكر السياسي الاسلامي، مكتبة الرسالة، بيروت 1984، ص48.




جاء تشكيل الاخوان المسلمين ( في مصر : حيث لا مطالب ومشاريع أقلوية مارونية او ارثوذكسية تبرر نشوء الكتائب والقومي السوري ) على يد حسن البنا (1928) كرد فعل على اسقاط الخلافة من جهة، وكدعوة الى استعادة حرية واستقلال وسيادة الامة واعادة بنائها من جديد لتسلك طريقها بين الامم وتنافس غيرها في درجات الكمال الاجتماعي 77 .

وقد دعا البنا الى استعادة الحكم الاسلامي على قواعد ثلاث هي : مسؤولية الحاكم ووحدة الامة واحترام إرادتها 78 وأعلن حتمية انهيار الحضارة الغربية ( مستبقا" بذلك مقولات سيد قطب وابو الحسن الندوي وابو الاعلى المودودي ) وذلك بسبب ما تفشّى فيها من ضعف الاخلاق والربا واضطراب النظم السياسية ، وجعل وجود الاحزاب السياسية أحد العوامل المؤذنة بافول نجم اوروبا 79 وكان البنا يرى بأن النظام البرلماني والدستوري ينسجم من حيث المبدأ مع نظام الحكم الاسلامي، وهو ترشح مرتين للانتخابات النيابية واستمر الاخوان من بعده على موقفهم البرلماني هذا . الا ان البنا رفض وعارض التعددية الحزبية على اعتبار ان الاحزاب السياسية تهدد وحدة الامة . وهو في هذا لم يستند الى الاسلام والتجربة التاريخية للمسلمين بقدر ما كان متوافقا" ومتطابقا" مع روح عصره وفكر الدولة القومية الحديثة ( الامر الذي لم يخرج عنه القوميون السوريون او العرب او الماركسيون في تلك المرحلة ) . وللزعيم القائد وللاحادية الفكرية والتنظيمة على غرار النموذج الفاشي والنازي والستاليني.. فهو ( مثله في ذلك مثل معاصريه القوميين والماركسيين) يرى الاحزاب ” سيئة هذا الوطن الكبرى ، واساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن “ ويدعو الى ” حل الاحزاب جميعا" وتجمع قوى الامة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها ويضع اصول الاصلاح الداخلي العام “ 80 .
ولقد شارك الاخوان المسلمون في الحياة السياسية المصرية، بشقيها البرلماني والحزبي ، وهم يتنافسون مع التيار الماركسي والتيار الملكي الدستوري وغيرهما من تيارات سياسية عرفتها مصر التي نعمت في تلك المرحلة بالليبرالية ( رغم كل ما شابها ورافقها من تجاوزات ومن مراحل قمع ومن فساد) ...

الا ان نقطة التحول الكبرى التي عرفتها مصر بعد انقلاب الضباط عام 1952، وتحديدا" اكثر بعد الانقلاب الثاني عام 1954 ( الاطاحة بمحمد نجيب وبالاخوان والاحزاب ) كانت قد بدأت ملامحها تتكون منذ عام 1936 ( الثورة الفلسطينية الكبرى وتجاوب الشعب المصري والشعوب العربية ، معها) وهي تبلورت اكثر إبان الحرب العالمية الثانية ( 1939 –1945 ) حيث برزت دعوات العنف المسلح والاغتيال السياسي كوسائل شرعية لمقاومة الصهيونية ولطرد الاحتلال البريطاني . وتوّج تلك المرحلة نكبة فلسطين الكبرى ( أيار 1948) والحرب التي تلتها 48 –49 والتي شهدت اعتقال وضرب الاخوان المسلمين على يد حكومة النقراشي باشا وبطلب من الانكليز ، الامر الذي أدى الى اغتيال النقراشي نفسه ثم الى اغتيال حسن البنا ( 12 شباط 1949 )81.

--------------------------

77- حسن البنّّّّـا : رسالة نحو النور، مجموعة الرسائل، مؤسسة الرسالة، بيروت، د. ت ، ص185 .
78- حسن البنّـا : مشكلاتنا الداخلية في ضؤ النظام الاسلامي، م.ن، ص 389 .
79- البنّـا: بين اليوم والامس، م. ن، ص 245 .
80 البنّـا : مشكلاتنا الداخلية، مصدرسابق،ص 405- 407 .
81- راجع كتابنا: من حسن البنّـا الى حزب الوسط ، دار العلا، بيروت 2000 .






لقد أدت نكبة فلسطين ، واغتيال حسن البنا، ( واعدام انطون سعاده في لبنان) الى دخول العالم العربي في مرحلة تاريخية جديدة حملت الى السلطة نخبا" عسكرية- حزبية ضربت الحريات والديمقراطية ومناخ الليبرالية الذي كانت قد عرفته المنطقة ( خصوصا" في مصر وسوريا والعراق) وأحلت محله مناخ الدكتاتورية والاستبداد والدعاوى التحديثية والعلمانية الفارغة من أي مضمون فعلي وغير المستندة الى أية قاعدة اجتماعية او رؤية نهضوية .. وحلت تلك النخب العسكرية الجديدة محل الاستعمار القديم وقامت نيابة عنه بكافة مهامه وذلك تحت شعارات الحرية والوحدة والاشتراكية والعدالة والتقدم وحتى .. الديمقراطية.. انحدرت البلاد العربية ( طوال خمسين سنة من حكم العسكر والنخب المرتبطة بهم ) الى قاع رهيب من الاستبداد والقمع والتخلف والتجزئة والعجز والديون ومن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لا سابق له.
وتعرض المجتمع العربي- والاسلامي، ودينه وثقا فته وقواه وحركاته ، خلال فترة ما بعد الاستقلال وما بعد الحرب العالمية الثانية، الى هجوم شرس باسم الحداثة والتحديث ، وباسم الاشتراكية والتنمية، وباسم الصراع مع العدو الصهيوني والامبريالية ، وباسم البناء والتحرير وضرورات المعركة والمواجهة .. وأخطر ما حدث تمثّلَ في إلغاء الحياة البرلمانية وفرض قوانين الطوارئ وحظر الاحزاب والتجمعات السياسية وقمع الحريات والمعارضين والمخالفين ( وتحويلهم الى جواسيس وخونة ) ومصادرة الحياة السياسية بالكامل.. وفي ظل هذه الاجواء وجهت للاخوان المسليمن ( وللحركة الشيوعية أيضا") ضربات متتالية بدءا" من حملة 1954 وانتهاء باعدام سيد قطب ورفاقه ( 29 آب 1966).
في مواجهة صعود دور العسكر والنخب الحزبية المرتبطة بهم ، الى الحكم في كل من مصر وسوريا والعراق ( ولكن ايضا" الجزائر واليمن، وفيما بعد ليبيا والسودان) عرفت الحركة الاسلامية محنة كبرى استمرت حتى مطلع السبعينات وأدت الى نمو وانتشار أفكار العنف والتطرف والتكفير والهجرة داخل السجون المصرية 82 . وقد جرى العُرف على اعتبار سيد قطب83 منظّر التوجه الاسلامي الجديد ، المتطرف والرافض لكل اشكال المهادنة مع الانظمة والحكام ، والداعي حتى الى تكفير ” المجتمع الجاهلي“ وما يعنينا هنا هو كون سيد قطب وتياره في الحركة الاسلامية العربية قد دعا الى رفض ”الديمقراطية“ وكل ما أنتجه وينتجه الغرب جملة وتفصيلا ، ورفض محاولات التوفيق بين الاسلام والديمقراطية ، ورفض وصف الاسلام بانه ديمقراطي . وهو كان يتساءل اذا كان نظام الحكم الديمقراطي قد أفلس في الغرب فلماذا نستورده نحن في الشرق ؟ والمهم هنا الاشارة الى ان المودودي ( الذي يعتبر استاذا"لسيّد قطب وخصوصا" لجهة طرح فكرة الحاكمية والجاهلية ) كان يرى بأن الاسلام بارسائه مبدأ الشورى هو دين ديمقراطي . وقد دعا المودودي رغم تحفظه على الممارسة الغربية للديمقراطية الليبرالية الى إعطاء الديمقراطية فرصة لتتكيّف ولتنجح في العالم الاسلامي84 .
ان موقف سيد قطب الرافض للديمقراطية ( ولأي نظام آخر غير الاسلام ) ينبع من رؤيته المتكاملة حول ” المفاصلة “ مع كل ما هو غير الاسلام الى حد انه لم يهتم إطلاقا" بأصل او طبيعة او تطور او حتى تنوّع الفكرة الديمقراطية او المارسة الديمقراطية في الغرب وذلك على عكس مدرسة فكرية اسلامية نمت وتطورت في المغرب على يد علماء كبار مثل عبد الحميد ابن باديس ( وجمعية علماء الجزائر) وعبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد ( في تونس ) وعلال الفاسّي ( ومدرسته الوطنية الاسلامية في المغرب ) وصولا" الى المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي1905- 1973 المعاصر لسيد قطب .
----------------------------

82- راجع كتابنا السالف الذكر.. وايضا" راجع دراستنا المنشورة في الملحق الثقافي لجريدة النهار بتاريخ الاحد 7/7/2002 بعنوان : صنّاع العنف الاصولي في مصر تحت مشرحة النقد الذاتي .
83- كتابه الشهير: معالم في الطريق – دار الشروق، بيروت والقاهرة ، ط 6 ، 1979.
84- ابو الاعلى الموودي ، الاسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، ترجمة خليل الحامدي ، دارالقلم، الكويت، 1971 ، ص 249- 252 .


في محاضرة بعنوان الديمقراطية في الاسلام ألقاها في نادي الطلبة المغاربة عام 1960 ، حاول بن نبي الاجابة على سؤال ” هل في الاسلام ديمقراطية ؟ “ وأشار الى أن تعريف مفهومي ”الاسلام“ و”الديمقراطية“ بالطريقة التقليدية قد يؤدي الى استنتاج عدم وجود علاقة بينهما من حيث التاريخ والجغرافيا، منبها" في ذات الوقت الى ان تفكيك المصطلح في معزل عن محموله التاريخي وإعادة تعريف الديمقراطية في أبسط أشكالها تحريرا" من القيود اللغوية والأيديولوجية قد يوصل الى استنتاج مختلف. ورأى أنه ينبغي النظر الى الديمقراطية من ثلاث زوايا : الديمقراطية كشعور نحو الـ ( أنا ) ، والديمقراطية كشعور نحو الآخرين ، والديمقراطية كمجموعة من الشروط الاجتماعية والسياسية اللازمة لتكوين وتنمية هذا الشعور في الفرد . فهذه الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من مقتضيات النظام الطبيعي ، على خلاف ما تتصوره الفلسفة الرومانتيكية في عهد جان جاك روسو ، بل هي خلاصة ثقافة معينة وتتويج لحركة الإنسانيات وتقدير جديد لقيمة الانسان ، تقدير لنفسه وتقديره للآخرين . ثم لفت بن نبي النظر الى أن أصول الديمقراطية الغربية بعيدة وبسيطة ، والى ان الشعور الديمقراطي تكوّن ببطء قبل ان يتفجر بالتالي في التصريح بحقوق الانسان والمواطن . ورأى في المحصلة ان الشعور الديمقراطي سواء في اوروبا او في اي بلد آخر هو الحد الوسط بين طرفين كل واحد منهما يمثل نقيضا" للآخر، النقيض المعبر عن نفسية وشعور العبد المسكين من ناحية ، والنقيض الذي يعبر عن نفسية وشعور المستعبِد المستبِد من ناحية اخرى. والإنسان الحر الذي تتمثل فيه قيم الديمقراطية والتزاماتها هو الحد الايجابي بين نافية العبودية ونافية الاستعباد .
ورغم انتقاد بن نبي للنموذج العلماني من الديمقراطية وإبرازه لما فيه من سلبيات الا انه سعى الى التأكيد على ان الاسلام بمعارضته الاستبداد وتحريره للإنسان فإنه ينمي الشعور الديمقراطي ، ولذلك فانه بالامكان التوصل الى نظام ديمقراطي اسلامي يجمع محاسن الديمقراطية ويتجنب مثالب العلمانية . ورأى ان الجواب على سؤال ” هل توجد ديمقراطية في الاسلام“ لا يتعلق ضرورة بنص فقهي مستنبط من السنة والقرآن ، بل يتعلق بجوهر الاسلام الذي لا يسوغ ان يعتبر مجرد دستور يعلن سيادة شعب معين، ويصرح بحقوق وحريات هذا الشعب ، بل ينبغي ان يعتبر مشروعا" ديمقراطيا" تفرزه الممارسة وترى من خلاله موقع الانسان المسلم من المجتمع الذي يكون محيطه وهو في الطريق نحوتحقيق القيم والمثل الديمقراطية . ويخلص بن نبي الى ان في الاسلام ديمقراطية ، لا في الزمن الذي تحجرت فيه التقاليد الاسلامية وفقدت فيه إشعاهها ، كما هو شأنها اليوم بصورة عامة ، ولكن في زمن تخلقها ونموّها في المجتمع 85.
غير ان نقطة الاساس عند سيد قطب تكمن في الانطلاق من كون الاسلام يملك ” نظرة اساسية وتصورا" خاصا" ، وعنه تتفرع الجزئيات ، فتلتقي او تفترق عن جزئيات في النظم الاخرى .. ولا عبرة بالاتفاق او الاختلاف في الجزئيات والعرضيات .. ان القاعدة التي يقوم عليها النظام الاسلامي تختلف عن القواعد التي تقوم عليها الانظمة البشرية جميعا" . انه يقوم على اساس ان الحاكمية لله وحده فهو الذي يشرع وحده ، وسائر الانظمة تقوم على أساس ان الحاكمية للانسان ، فهو الذي يشرع لنفسه.. وهما قاعدتان لا تلتقيان .. ومن ثم فالنظام الاسلامي لا يلتقي مع اي نظام ولا يجوز وصفه بغير صفة الاسلام ..“ 86. رفض سيد قطب اذن التماس المشابهات والموافقات مع أي نظام آخر قديم او حديث ودعا الى عرض الاسلام واسسه ” لذاتها وبايمان كامل بانها اسس كاملة سواء وافقت جميع النظم الاخرى او خالفتها جميعا “ . فالنظام الاسلامي ليس واحدا" من النظم العالمية ،وليس مستمدا" من مجموعها وليس خليطا" منها، انه ” نظام قائم بذاته مستقل بفكرته متفرد بوسائله “ 87..

---------------------------

85- (مالك بن نبي القضايا الكبرى- دار الفكر العربي المعاصر- بيروت 1991- ص 133-164).
86- سيد قطب : العدالة الاجتماعية في الاسلام ، دار الشروق، الطبعة 14 – بيروت والقاهرة ، 1995، ص 76.
87- م . ن.



ولذلك فان سيد قطب قارب ” سياسة الحكم في الاسلام “ من منطلق انها تقوم على ” التسليم اولا" بقاعدة الالوهية الواحدة والحاكمية الواحدة ، وعلى اساس العدل من الحكام والطاعة من المحكومين ، والشورى بين الحاكم والمحكوم “ ... الا ان ولي الامر في الاسلام ” لا يُطاع لذاته وانما لاذعانه هو لسلطان الله واعترافه له بالحاكمية . ثم لقيامه على شريعة الله ..“ . اذن فقط من اعتراف الحاكم بحاكمية الله وحده ، ومن تنفيذه لهذه الشريعة، يستمد حق الطاعة .. ” فاذا انحرف عن هذه او تلك سقطت طاعته “ ..

وليس للحاكم سلطة دينية ( سيد قطب يرفض الثيوقراطية وولاية الفقيه) ” انما هو يصبح حاكما" باختيار المسلمين الكامل وحريتهم المطلقة لا يقيدهم عهد من حاكم قبله ولا وراثة كذلك في اسرة ... ثم يستمد سلطته بعد ذلك من قيامه بتنفيذ شريعة الله دون ان يدعي لنفسه حق التشريع ابتداء بسلطان ذاتي له . فاذا لم يرضه المسلمون لم تقم له ولاية . واذا رضوه ثم ترك شريعة الله لم تكن له طاعة “.
ويرفض سيد قطب وجود ” هيئة دينية “ تقوم بالحكم باسم الاسلام .. فالحكم في الاسلام ” لا يحتاج الى اكثر من تنفيذ الشريعة الاسلامية بعد افراد الله بحق الحاكمية “ .. وكل حكم لا يقوم على هذا الاساس لا يعترف به الاسلام ” ولو قامت عليه هيئة دينية او حمل عنوانا" اسلاميا" “ ... والشورى أصل ( عند سيد قطب ) من اصول الحياة في الاسلام وهي قاعدة حياة الامة ( اي انها أوسع مدى من دائرة الحكم) ويعتبر سيد قطب ان الاسلام لم يحدد للشورى طريقة او نظاما" خاصا" وانما ترك تطبيقها للظروف والمقتضيات ، أي ” لما يجد من تطورات في جسم المجتمع الاسلامي وفي ظروفه، ولما يبتكر من وسائل الشورى الناجحة حسب التجارب المتجددة.. فهل تتم الشورى على الوجه الامثل بالتصويت العام – في كل الشؤون أم في بعضها ؟ أم تتم بتصويت أهل الحل والعقد من ممثلي الامة الذين لا يختلف عليهم ؟ ام تتم بواسطة ممثلين للنقابات والجامعات والطوائف المختلفة ؟ وهل تتم بالتصويت الشفهي ام الكتابي ؟ وهل تتم بمسؤولية الوزراء امام الحاكم الاعلى المنتخب ام بمسؤوليته امام الهيئة الممثلة للشعب ؟ وهل تتم بمجلس واحد ام بمجلسين؟ . الخ. كل ذلك متروك لظروف كل امة وزمانها ومكانها وللتجارب البشرية التي تحقق الشورى على الوجه الامثل “89 .
وليس هناك من حرج لدى سيد قطب في القول بانه يقصد بالتجارب المتجددة ، كل التجارب البشرية.. فالاسلام ” لا يحرّم الانتفاع بالتجارب البشرية في كل ما لا يمس أصلا" من اصول الشريعة .. فلا حرج في الانتفاع بتجارب البشر في تحديد الحاجات الاجتماعية المتجددة وضبطها بوسائل البحث المتجددة. ولا حرج في الانتفاع بتلك التجارب في وسائل تنفيذ المبادئ الاسلامية ... على الا نصطدم بمبدأ ثابت في الاسلام، ولا باتجاه اساسي من اتجاهاته الخالدة “ 90. ان الفكرة الاساسية لدى سيد قطب هي الفكرة الثورية ( او الانقلابية بتعبير المودودي ) وهي تعني انقلابا" شاملا" لا يستهدف تحسين أوضاع الحكم وانما التغيير الجذري والذي يبدأ بتغيير الناس المسلمين ( ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) لإعادة بناء المجتمع الاسلامي .. ” وجود المجتمع الاسلامي “ وحده يتيح الفرصة للمسلمين للعيش في جوّ طبيعي وملائم لممارسة دينهم وللتمتع بحياة افضل ..“91

----------------------------

88- م. ن. الصفحات 80- 86 .
89- سيد قطب : نحو مجتمع اسلامي ، دار الشروق ، بيروت والقاهرة، ط 6 ، 1983، ص 141.
90- م . ن ، ص 139 .
91- سيد قطب ، هذا الدين ، دار الشروق ، القاهرة وبيروت، ط 8 ، 1983 ، الصفحات 23- 32 .






ان هدف سيد قطب هو ثوري انقلابي ، وهو يجعل الاسلام نظاما" كاملا" شاملا" وايديولوجية طوباوية تماما" مثلما فعل لينين وستالين والماركسيون في دعوتهم للثورة والتغيير وبناء عالم أفضل .. وبالتالي فان النظام الاسلامي الكامل الشامل الذي سيسود المجتمع، سيكون له آلية حكم او سلطة تقوم على التفويض بما ان الدولة تستمد سلطتها من مصدر وحيد هو إرادة المحكومين . فالحكومة ( او الدولة) حسب قطب هي حكومة الشريعة اولا" ثم المحكومين ثانيا" اذ ان الحكام هم خدم للشريعة ووظيفتهم هي تنظيم الشؤون الانسانية في اطار المبادئ الاسلامية ... وطاعة الحكام مشروطة بالتزامهم التشريع الاسلامي والا فالعصيان والثورة!. وحسب قطب فان المصدر الحقيقي للسلطة هو الله، ثم تتوزع هذه السلطة على المسلمين ككل وعلى العموم . وهكذا اعترف قطب بشرعية الخلفاء الراشدين لانه تم اختيارهم من الشعب ولكنه رفض الاعتراف بشرعية الامويين والعباسيين 92. وهو في ذلك يلتقي مع المودودي في كتابه الشهير الخلافة والملك 93 وهما يرفضان شرعية حكم الامويين والعباسيين القائم على اغتصاب السلطة والوراثة، ويؤكدان على حق المسلمين في اختيار الحكام في الماضي والحاضر...
رؤية سيد قطب الثورية، الانقلابية ، الشمولية ، تقوم على إحداث تغييرشامل في المجتمع ، وعلى التعامل مع النظام الاسلامي لذاته، كنظام شامل ِ، كامل ، مستقل، لا يحتاج الى توافقات ومطابقات مع غيره
( كالليبرالية والديمقراطية) ويكفيه ان يقوم على التوحيد وعلى الشورى وعلى العدالة الاجتماعية..
ولكن الجيل الذي نشأ وتربى في السجون على فكرة الحاكمية ، والجاهلية، والمفاصلة، وعلى الفهم الثوري الانقلابي ، حمل من تجربته الخاصة ومما فهمه من فكر سيد قطب، القطيعة التامة مع تراث وفكر عصر النهضة ( الافغاني – عبده خصوصا" ).
لقد عاش الرعيل النهضوي الاول وعمل ضمن اطار ” دولة اسلامية “ موجودة ( الدولة العثمانية ) فدعا الى مقاومة الاستبداد واحلال العدل ، اي الاصلاح وليس التغيير او الثورة.. ولم يكن يضيرهم الاقتباس من الغرب ، بل كانوا يحرضّون عليه . ومع سقوط الخلافة ، تحوّل الرعيل الثاني ( رضا وأقرانه) الى الالتفاف حول ” دولة إسلامية كانت تقوم على أرض الجزيرة العربية وبدعوة سلفية اصولية ( السعودية) .. اما حسن البنا والاخوان ( من الرعيل الاول لفترة 1927- 1952 ) فقد عملوا ضمن اطار فكرة بناء القوة الاسلامية ومواجهة التبشير والتغريب وحفظ الذات والهوية ،وليس الثورة والانقلاب على النظام الملكي الدستوري البرلماني .. أما سيد قطب وجيله فقد عاش وعمل في مرحلة انهيار النظام القديم بالكامل ( عالميا" واقليميا" ومحليا" بعد الحرب العالمية الثانية ) وصعود وحكم النخب العسكرية - الحزبية الدكتاتورية.. فكانت الدعوة الى الثورة والانقلاب والتغيير ..” الذي يتطلب الابداع ، والابداع يتطللب تطوير الحياة لا ترقيعها“94 ..
وسيد قطب حين رفض مثال معاوية في الوصول الى السلطة، رفض شرعنة استعمال القوة ، وهو رفض في الحقيقة وفي الآن نفسه حكام المسلمين الذين اغتصبوا السلطة في عصره وأولهم الضباط الاحرار في مصر. ولذلك فانه دعا الى العودة الى الجذور، الى اعادة بناء الحياة الاسلامية والمجتمع الاسلامي ، على اسس الاسلام ( الشريعة ، العدل، الشورى ) وعلى قاعدة التوحيد ( لا اله الا الله هي بداية الثورة اذ هي تعني تحرير الانسان من الخضوع للانسان ورفض الطاغوت المشرك 95 .
---------------------------------


92- قطب، معالم في الطريق، ص 71- 74 ، وايضا": العدالة الاجتماعية في الاسلام ، ص 158- 168.
93- دار القلم ، الكويت 1978.
94- قطب ، في التاريخ فكرة ومنهاج ، دار الشروق، ط 3 ، 1979 ، ص 23- 25 .
95- راجع : معالم في الطريق ، الصفحات 26 ، 69 ، 71 ، 101 .





وقد فهم تلامذة سيد قطب دعوته ، ثورة عنف وتطرف وانعزال وتكفير وتجهيل ضد كل من ” لا يحكم بما أنزل الله “ .. فتطورت جماعات ” القطبيون “ و ” الجهاد “ منذ مطلع السبعينات حتى اليوم على قاعدة هذا الرفض المطلق للآخر، ولاي نظام فكري او سياسي ، او اجتماعي غير الاسلام . وقد عرفت الحركة الاسلامية العربية مرحلة ضياع وتيه ما بين سلفية جامدة متحجرة ، وصوفية طُرُقية شعبوية وجهادية متطرفة عنفية ، وذلك طوال عقود من الزمن اختفت فيها ( أو كادت تختفي ) أصوات الوسطية والاعتدال والعقلانية والديمقراطية .. ومن المفيد هنا لفت النظر الى ان ما ساد أوساط الحركة الاسلامية ساد ايضا" أوساط اليسار القومي والماركسي في العالم العربي وذلك يعود الى اسباب اجتماعية- سياسية ليس هنا مجال درسها وانما نشير الى ظاهرة التجّذر radicalization التي لم تقتصر على الاسلام السياسي وانما شملت فئات واسعة وأنتجت فكرا" حركيا" متطرفا" وممارسات عنف وارهاب يسارية وثورية وقومية واسلامية على السواء وكانت معادية للديمقراطية والليبرالية باعتبارها امبريالية . ومنذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين ، برز الى الضوء والعلن صوت الوسطية الديمقراطية الاسلامية ممثلة برموز دينية وفكرية كبيرة كان في طليعتها المرحوم الشيخ محمد الغزالي ( 1917- 1998) والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين ( 1936- 2001) ، وهما اسسا لإعادة ترتيب العقل الاسلامي ، وللتجديد والنهوض ..
راجع كتابنا : مصدر مذكور سابقا" ، وكذلك دراستنا في النهار96 .

الشيخ محمد الغزالي :

يُمثّل الغزالي هو والشيخ شمس الدين ، مدرسة فكرية ديمقراطية رائدة يمكن تصنيف كبار قادة الحركة الاسلامية اليوم في عدادها وأبرزهم الشيخ الدكتور حسن الترابي ( السودان ) والمستشار الدكتور طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا ،الدكتور محمد عمارة ، وفهمي هويدي ، وتوفيق الشاوي والدكتور عادل حسين ( مصر) والشيخ راشد الغنوشي ( تونس) ومنير شفيق ( فلسطين) والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ( الامارات ) . ونحن حين نتناول الغزالي نكون قد عرضنا في الآن نفسه لفكر تلك المدرسة التجديدية المهمة .
في حديث له بعنوان ” سر تأخر العرب والمسلمين “ 97 يطرح المرحوم الشيخ الغزالي الاشكالية العامة التي بلور من خلالها نظرته السياسية الفكرية التجديدية الديمقراطية ، فيقول :” ان القضايا المعاصرة التي تحتاج الى نظر عميق واجتهاد جديد كثيرة ومتشعبة ! الا اننا يمكننا ان نشير الى أهم هذه القضايا اذ لا يمكن بناء دولة حديثة دون البت فيها بصورة او باخرى . ومن هذه القضايا مشكلة نظام الحكم والادارة في ظل دولة اسلامية : هل تسمح هذه الدولة بالاحزاب والتجمعات السياسية ؟ وهل يمكن ان ينفرد حزب اسلامي واحد بالسلطة ام تمنع جميع الاحزاب ؟ .. وكيف تمارس الشورى وكيف تنظم أجهزتها ؟ ومن هم أهل الحل والعقد في الدولة الحديثة ؟ كيف يتم اختيار الحاكم وكيف يعزل ؟ .. كيف يكون شكل النقابات والاتحادات المهنية ؟ وما دورها ؟ الخ.. الخ.. الخ..“ .
يُعيد الغزالي معظم التساؤلات أعلاه الى ” الانحطاط الذي عرفته الدولة الاسلامية بعد عصر الخلافة الراشدة “ وهو يدعو الى تبني ” هيكل جديد لحراسة ديننا وسياسة دنيانا “ من خلال ” دراسة الحضارة الجديدة ، ما لها وما عليها ، وان نستفيد من تجاربها في دعم مقرراتنا “ 98 والمأساة التي يواجهها المسلمون تكمن في رأي الغزالي في ” ذلك التوجه الى الماضي والعودة منه في الغالب بما لا ينفع، مسببين تلك الخلخلة الاجتماعية التي نعاني منها ..
----------------------------------

96- راجع كتابنا : مصدر مذكور سابقا"، وكذلك دراستنا في النهار .
97- دار النهضة، مصر، القاهرة، ط2 ، 1996 ، ص 27- 28 .
98- م . ن ، ص 29 .



ان مصادر الاسوة العلمية والعملية معروفة ومضبوطة في فقهنا وقد برز رجال كبار في تاريخنا العلمي ما زعم عاقل العصمة لهم ولا طالبنا باتباعهم في كل ما قالوا وفعلوا : فلا بد من الحذر من اؤلئك الذين لا همّ لهم الا نقل الاخطاء وتبنّيها “ 99 .

ان الغزالي هنا يبني على موضوعات كان أسس لها سيد قطب وابو الاعلى المودودي في رفض الجمود والتقليد، ورفض الاتباع والسلفية الجامدة ، وفي الدعوة الى الحرية والتحرر والى العقل والوعي. الا انه في نفس الوقت يعيد وصل ما انقطع في ذاكرة ووعي الاسلاميين المعاصرين من تراث فكر وممارسة رواد النهضة الذين يشيد بهم وينعت فكرهم بانه ” الفكر الواعي الذكي في القرن الاخير“ 100 مركّزا" على الافغاني الذي يقول عنه بانه ” جاء محاولا" إيقاظ الامة في عصر كانت الشورى فيه قد ماتت مبنى ومعنى .. فرفض الافغاني الفصل بين الشورى والحكم وبين الانسان والحرية ، وعرّف الحكّام بانهم أُجراء للشعوب وملزمون بالشورى .. وكذلك فعل محمد عبده .. وهما دعيا الى دراسة العلوم الحديثة وإعمال العقل والعودة الى الكتاب والسنّة في استمداد الاحكام .. اما الحاقدين عليهما ، وعلى أمثالهما ، فيشتمونهم لانهم نقلوا الضوابط الحديثة للشورى وخاصموا الحكم الفردي واتخذوا من حرية الفكر بابا" للولوج الى الإصلاح “ 101 .
والحرية هي القيمة الاساس عند الغزالي . فلا دين حيث لا حرية “ 102. والحرية هي الجو الوحيد لميلاد الدين ونمائه وازدهاره 103 ولا بأس من الاخذ بشعار ” الحرية والاخاء والمساواة حتى لو كانت صناعة يهودية 104 .
تصوروا هذا الكلام يصدر عن شيخ أزهري فقيه اخواني في مرحلة ساد فيها التكفبر والتجهيل والتخوبن أوساط الحركة الاسلامية المصرية والعربية . وهذا الامام الفقيه محمد الغزالي واجه بشجاعة ” محنة “ الثقافة الاسلامية المعاصرة الناجمة برأيه عن ” اننا ورثنا خليطا" هائلا" من المعارف الدينية والمدنية يحتاج الى نظر فاحص واختيار لبيب “ 105 ولن يقوم بهذه المهمة الا الانسان ، المستخلف عن الله في أرضه ، وذلك من خلال حرية التفكير كفريضة إسلامية 106 .
والعقل هو أعظم مزية امتاز بها الاسلام : ” ان الله في شريعة الاسلام قد جعل للعقل السلطان الاعلى في فهم أحكام النصوص المنزلة وفي استنباط أحكام لما لم ينزل به نص خاص صريح لا في كتاب الله ولا في سنّة رسوله .

----------------------------

99- م . ن، ص 29- 30 .
100- الغزالي علل وأدوية، دار القلم، دمشق، ط2 ، 1996، ص 122 .
101- م . ن ، ص 95 الى 114 .
102- قذائف الحق، دار القلم، دمشق ، ط1 ، 1991، ص 233 .
103- م . ن ، ص 235 .
104- علل وأدوية ، م . س ، ص 118 .
105- علل وأدوية م. س ، ص 234 .
106- راجع خصوصا" كتابه : تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل ، دار الشروق ، بيروت ، ط 4 ، 1996 ، ط 1، 1991، ص 18- وكتابه : ظلام من الغرب ، ص 264 ، ومن هنا نعلم ص 7 ، والمحاور الخمسة للقرآن الكريم ص 184- 185 .








وهذا العقل الذي أمرنا الله في آيات كثيرة ان نحتكم اليه عند جدلنا بين انفسنا في معركة الشك واليقين وفي جدلنا مع غيرنا من المخالفين يشمل سلطانه كل معنى في الوجود “وهكذا يرفض الغزالي التقليد اذ يعتبره ” رخصه للعاجز عن الاخذ من الكتاب والسنّة108 ويرفض بالتالي المدرسة الظاهرية التي تحصر الإدراك في النصوص ( م. ن ، ص 119) ويطرح بديلا" يسميه ” فقه الاولويات “ ، والاولوية لدى الغزالي هي تجديد الفقه الاسلامي بالاجتهاد والتزامن مع الاصالة في عملية البناء .. ( حصاد الغرور ، دار القلم ، دمشق 1996 ، ص 245 ) . والتجديد مطلوب بسبب تغيّر الزمان والمكان والعُرف والرسول قال انتم أعلم بامور دنياكم ، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ، وهذا كله دعوة للاجتهاد ..
( دستور الوحدة الثقافية ، ص 182) لكي نعرف ما هو حَسَن عند الآخرين فينقله دون حرج . والمطلوب برأي الغزالي بناء فقه جديد يسمح بتقبل ما أنتجه الغرب من اواليات تنظيمية للادارة والسياسة109 .
وقد حارب الغزالي بعنف وسخرية مقولة ” المستبد العادل “ اذ ليس هناك من مسّوغ ” لدعم الاستبداد السياسي وتقويض بنيان الامة بتلبيس المعاني وتحريف الكلم عن مواضعه ،وليس للحاكم ان يتصرف دون مجالس شورى تشير عليه ، وليس له ان ينفرد برأيه “ 110 ويتهكم الغزالي على الواقع الذي أكل فيه الاستبداد امتنا، وعلى العمائم الكبرى التي ان سألتها عن حكم الشورى في الاسلام أجابت ” يحسن بالحاكم ان يستشير ، وعلى أهل الرأي ان يقولوا ما عندهم ،وعلى الحاكم بعدئذ ان ينظر فيه!! فإما قبِله وإما ردّه ، وله ان يمضي على ما يرى وحده!“ 111 ويصرخ الغزالي ان هذا لغو .. وان محمدا" وهو الرسول لم يزعم لنفسه من الانفراد بالرأي كما زعم الآخرون..والقول بأن الشورى غير ملزمة كلام باطل 112. ويدعو الغزالي الى ” فقه صحيح ووعي رشيد نجتهد من خلاله لنضع رسما"مجددا" لاسلوب الحكم فالاسلام راعى وصان القيم والاخلاق في السياسة ولكنه لم يعطنا شكلا" لكيفية تولية الحاكم او عزله وكيفية محاسبته وما هي اجهزة الشورى وكيف نستوثق من التقاء الآراء الناضجة فيها وكيف تمضي في مجراها دون ارهاب او إغراء ؟ ؟ للامم في هذه الميادين ان تجتهد في وضع النظام الذي يحقق مصلحتها دون قيد “ 113 والمسلمون مكلفون باختراع الوسائل سواء هدي اليها غيرنا أم لم يهتد فاذا فرطنا وتقدم غيرنا فمن العجز ان ندع هذه الوسائل لاننا وصلنا اليها مسبوقين 114 .
واذا كانت الخلافة وليدة بيعة حرة او اختيار سليم قد ولّت ، واذا كانت نصوص الدين قائمة على ان الامر شورى ، واذا كانت الشورى هي أساس المجتمع الاسلامي في مكة ثم في المدينة المنوّرة ثم في عهد الخلفاء، فان الحكم الفردي الباطش قد استبعدها وجاء من يعدّها من مواد الترف ،ثم جاء من يعدّها لمن قبِلها غير ملزمة .. ثم وهنت الشورى وماتت وطويت ووئدت الحريات وزوّرت الانتخابات والمصالح المقررة .. ومن ثم تَعجَب لِسَلفي يتشاجر مع حنفي : هل لمس المرأة ينقض الوضوء ام لا؟ وكلاهما يوجل من كلمة الشورى “..

------------------------

107- 107 ظلام من الغرب ، م . س ص 53 .
108- مشكلات في طريق الحياة الاسلامية ، ص 154.
109- ظلام من الغرب، ص 45 .
110- علل وادوية ، ص 119 .
111- م. ن ، ص 15.
112- فقه الدعوة الاسلامية ، ص 20 .
113- دستور الوحدة ص 42- 43 .
114- م. ن ، ص 187.





فماذا يفعل هذا العقل الاسلامي ” في مواجهة خصومه اذا كان في ميدان العلاقات الانسانية يرخص الشورى وحقوق الانسان وِأشواق الفطرة وضمانات العدالة وحرمة المال العام ويعطي في ذلك توجيهات ناقصة او غامضة او هيّابة لان سطوة الحكم الفردي تعقل لسانه “ 115 والديمقراطية حسب الغزالي ” ليست دينا" يوضع في صف الاسلام . انها تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ننظر اليه لنطالع كيف توفرت الكرامة الفردية للمؤيد والمعارض على السواء ، وكيف شيّدت اسوارا" قانونية لمنع الفرد ان يطغى ولتشجيع المخالف ان يقول بملء فمه : لا .. لا يخشى سجنا" ولا اعتقالا" .. انها تنظيم سياسي لا يجعل إعلان الحروب مسلاة حاكم متفرعن يطلب المجد لشخصه ، او انفاق المال العام هواية متلاف يطيع هواه ولا يخشى حسابا"...
ان الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا ودنيانا ، فهل يحرم على ناشدي الخير المسلمين ان يقتبسوا بعض الاجراءات التي فعلته الامم الاخرى لمّا بليت بمثل ما ابتلينا به ؟ 116 والديمقراطية أفادت كثيرا" الناس في الغرب افرادا" وجماعات في حفظ كرامتهم وأخذ أُمورهم بايديهم فلم لا نفيد منها دون حساسيات وبشكل عملي لدعم مؤسسات الشورى ونزع أنياب الاستبداد وفرض رقابة صارمة على تداول المال بين الايدي .. ولم يكن بد من الانتفاع من تجارب غيرنا لان فقهنا المجمّد من قرون لا يلبي الحاجات الطارئة .. وهنا وجد من يقول : لا نأخذ فكرا" من أحد ! قلت : لا نستورد العقائد ولا الاخلاق ولكن الخطط التي تخدم أهدافا" مشتركة لا معنى لنبذها اذا كانت تفيدنا.. قالوا : ما تعني ؟ قلت: الظلم قبيح عند الناس كلهم ، فاذا تحصّنت امة منه بطريقة حسنة فان ديني لا يمنع نقل هذه الطريقة ! قالوا وضّح مقصدك فهو غامض . قلت : لقد رأيت في اوروبا وأميركا دولا" شتى تشرع قوانين دقيقة لضبط سياسة المال والحكم وذلك لانها تعرّضت لنزوات الجور والاثرة والطغيان .. فاذا وجدنا مجتمعات بشرية حصّنت نفسها من هذه المآسي فلماذا لا نقتدي بها او نقتبس منها ؟.. ان النقل والاقتباس في شؤون الدنيا وفي المصالح المرسلة وفي الوسائل الحسنة ليس مباحا" فقط بل قد يرتفع الآن الى مستوى الواجب ...
بيد اني شعرت بجزع عندما رأيت بعض الناس يصنّف الديمقراطية بالكفر. فلما بحثت عما معه لكفالة الجماهير وكبح الاستبداد الفردي وجدت عبارات رجراجة يمكن القاؤها من منبر للوعظ. 117 ويقول ايضا" :
” لا أجد أي حرج في اقتباس ما استحدثه البشر من أنظمة ووسائل لحماية الفرد من طغيان الاستبداد او رأس المال .. والواقع ان العصور الحديثة لها اجتهاد مثمر ناجح في تنظيم الشورى، وفي ادارة الاعمال، وفي حماية الفقراء والكادحين . ونقل هذه الوسائل الى بلاد الاسلام ليس بدعة ضلالة كما يزعم المتدينون الجهال بل تكاد تكون واجبا" حتما" بعد عهود التخلف والضياع التي رانت علينا... ومن السفه استبقاء الشورى في طورها الساذج أيام سقيفة بين ساعدة واستبقاء العطاء يدا" تدفع ويدا" تأخذ وحسب ! ان العمران البشري اتسعت دائرته وتعقدت أحواله وعلينا مواجهة ما جدّ باقضية ذكية مجدية .. وما فكرنا يوما" في تعطيل نص او الشذوذ عن قاعدة ، وانما سعينا الى تجاوز عصور الانحطاط والهزيمة التي طال ليلها .118.

----------------------------------------

115- علل وادوية – الصفحات 234- 240 .
116- دستور الوحدة – ص 185-186 و203 و209 .
117- دستور الوحدة- الصفحات 182- 183 .
118- الطريق من هنا – ص 84 .





خــاتمــة :

الامام المجدد الشيخ محمد مهدي شمس الدين

تنبع أهمية الامام شمس الدين من كونه فقيه شيعي خالف المألوف لدى فقهاء الشيعة فأدرج نفسه وفكره وفقهه في سباق الاجتهاد الاسلامي العام المرتبط بتطور الحركة الاسلامية العالمية ذات الطابع السني ، والتأثير المصري .. فهو ينتسب بحق الى مدرسة النهضة وروادها الكبار ( الافغاني – عبده ) كما انه يطوّر ويؤصّل ما طرحه الغزالي والقرضاوي والغنوشي والترابي وتوفيق الشاوي وطارق البشري ومحمد سليم العوا .
ينطلق الامام شمس الدين في كلامه عن الديمقراطية119 من اعتبار وجود خلفيات فلسفية ومفاهيمية مختلفة لكل من مصطلحي الشورى والديمقراطية ووجود موقف توافقي لا خلافي على المستوى التنظيمي والتطبيقي للمصطلحين .. فالاسلاميون يعترضون على الديمقراطية في انها تمثل انجازا" غربيا" قائما" على مرجعية الفلسفة الليبرالية . وهي مرجعية لا علاقة لها بالشريعة الاسلامية ولا يمكن للمسلم ان يلتزم بها باعتبار انها ( كفلسفة ) تُعبّر عن رؤية للكون وللعالم ولموقع الانسان ووظيفته في هذا العالم .. وفي مقابل الديمقراطية يقول الاسلاميون بان لدينا الشورى التي ورد ذكرها في القرآن في سورتين :
1- وشاورهم في الأمر ( الآية 159 من سورة آل عمران)
2- وأمرهم شورى بينهم ( الآية 38 من سورة الشورى )
وحسب الامام شمس الدين فان الاولى هي خطاب موّجه الى الحاكم ، في حين يتوجه الخطاب الثاني الى الامة ، وبالتالي فان الشورى قد وردت في نص الهي باعتبارها وظيفة للحاكم من جهة ، وباعتبارها سلوكا" للامة من جهة اخرى .. وهي في الحالتين ، ذات خلفية فلسفية دينية ، اي انها معطى من الله ومن هنا منشأ الاختلاف بين مرجعيتي الشورى والديمقراطية ( الاولى دينية والثانية علمانية ).
ورغم مرجعيتها الفلسفية الدينية فان الشورى بحسب الامام شمس الدين ليست عبادة : ” هي صيغة تنظيمية للمجتمع “ وهذا واضح في عبارة ” في الأمر “ ( من آية وشاورهم في الأمر) اذ المقصود هنا أمر الحكم الذي هو أمر الناس ، أو هو أمر الناس الذي من شؤونه الحكم .. كما ان ” وأمرهم شورى بينهم “ تعني اشتمال إدارة شؤون المجتمع الاهلي وإدارة الدولة والنظام في آن معا".
وفي مواجهة ما يثيره الاسلاميون ( منذ زمن طويل في الحقيقة ) من نقاش حول الزامية الشورى وعدم ألزاميتها يرى الامام شمس الدين بان الشورى غير ملزمة في حال الرسول عند كل المسلمين ، وفي حال الرسول والائمة المعصومين عند الشيعة .. أما في نطاق ولاية الامة على نفسها ، أي حين لا ينصب عليها حاكم معصوم ، وحينما تنتج هي نفسها حاكمها الخاص ، فان الشورى تكون هنا ملزمة قطعا" ، لازمة وملزمة ..
ا ذ لا شرعية للحاكم دون شورى ولا شرعية لقراراته دون شورى..
وحسب الامام شمس الدين فان دعوى ” عدم إلزامية الشورى “ كانت مدخلا" للاستبداد الفردي والتفرد والاستئثار بالحكم ولذا فانه يقرر بان الشورى بالنسبة للامة هي مبدأ ثابت وملزم لها بعد انقضاء الفترة التي كان فيها معصوم ( نبي أو إمام ) . والأمر هنا مطلق اذ الامة تنتج نظامها ومؤسساتها وهيئاتها الحاكمة وقوانينها بالشورى ( موضوعة ولاية الامة على نفسها ترتبط بالشورى وبالتمثيل البرلماني وبالانتخاب الحر على كل المستويات) . وبالتالي فان الامام يتوقف عند مصطلح أهل الحل والعقد او عند قضية من يمثّل الامة ومن له حق ممارسة الشورى .
--------------------------------

119- انظر كتاب: في الاجتماع السياسي الاسلامي .




فهو يتعقب المصطلح 120 ليقرر بانه لم يجد له اصلا" تشريعيا" سواء في كتابات الفقهاء او في النصوص الاساسية وبالتالي فان تقرير وجود وسلطة أهل الحل والعقد بناء على آية ” انما وليكم الله ورسوله واولو الامر منكم “ بتفسير مفاده ا ن اولي الامر هم اهل الحل والعقد ، ان هذا الرأي هو اجتهاد فقهي ، والاجتهاد الفقهي ملزم بمقدار ما يتكئ على المبادئ العامة والقواعد العامة في الشريعة او بمقدار ما تقتضيه ضرورات الوقت . فاذا لم يكن له مستند في الفقه العام من الشريعة ، وانقضت ضرورات الوقت ، لا تعود له اية قيمة فقهية فضلا" عن ان تكون له قيمة تشريعية . ويرى الامام ان هذا الوضع يشبه ما يسمى في القانون ” مواد انتقالية“ : فاذا انتهت الفترة زال مفعول المادة . ويترجم الامر
” اولو الامر “ في عصرنا اليوم بانها النخب في الامة ، المعنية بمسائل الحكم والولاية والتنظيم الاقتصادي والعلمي والاجتماعي والثقافي والاداري .. واذا كان الامام يدعو الى الشورى اللازمة والملزمة فانه يرى فيها توافقا" على المستوى التنظيمي والتطبيقي مع الديمقراطية ..

فالديمقراطية لها ثلاث سمات 121 :
1- الخلفية الفلسفية الليبرالية .
2- كونها آلية لادارة المجتمع وتداول السلطة وانتقالها.
3- كونها آلية تشريعية لسن القوانين من خلال مؤسساتها التمثيلية.
واذا كان المسلمون غير ملزمين ( حسب الامام وكل الفقهاء المجددين) بالخلفية الفلسفية الليبرالية ( كاعتقاد فلسفي او كنظرية وضعية ) فانه يمكن مع ذلك اعتبار الديمقراطية كصيغة ولاية الامة على نفسها مع الانتباه الى ان ولاية الامة على نفسها من زاوية الفهم الاسلامي ليست شيئا" ذاتيا" بالامة بل هي من الله اي ان لها خلفية دينية اعتقادية ..
ولذلك فان الامام يرى بان الأصوب والافضل الاخذ بالديمقراطية كآلية لادارة المجتمع ولتداول السلطة وانتقالها طالما انه لا يوجد في الشرع اي نص شرعي على الاطلاق لا في الكتاب ولا في السنّة ولا في الفقه ما يمنع من اعتماد الديمقراطية وأساليبها ومؤسساتها.

اما حول النعوت التي يطلقها بعض الاسلاميين تجاه الديمقراطية وتجاه الحضارة الغربية فان الامام يقول122 بانها غير دقيقة . ذلك ان الحضارة الغربية ليست شرا" بل فيها شر وخير، كما ان الحضارة الاسلامية ودولتها لم تكن خيرا" مطلقا" اذ لا نستطيع ان ننظر الى نظام الرق او السبي او الجواري والتسري وغيرها من المظاهر السلبية في حضارتنا على انها مفخرة وخير . والديمقراطية حسب الامام شمس الدين ، ” هي أحسن القول الغربي “ .. والقول هو القول المطلق : التعبير الشفهي والانجاز العلمي والممارسة والشكل التنظيمي .. القول باختصار هو الفعل البشري أي الإنجاز.. وهناك انجازات حضارية كبرى في الغرب علينا التعامل معها ايجابيا" ومنها وأولها الديمقراطية . ان الديمقراطية هي أحسن القول الغربي من الناحية التنظيمية للمجتمع ومن ناحية إدارة عملية تداول السلطة وانتقالها..“ .
اما في الحقل التشريعي فان الامام يرى بان هناك ثوابت تشريعية لا يمكن تجاوزها هي السمة الخاصة للمسلم وللمجتمع الاسلامي ومن ثم فللدولة الاسلامية .

---------------------------------
120- انظر كتاب: نظام الحكم والادارة في الاسلام .
121- انظر كتاب: العلمانية تحليل ونقد.
122- انظر كتاب: التجديد في الفكر الاسلامي.








وخارج هذا الحقل كل الامور تدبيرات ، تدبير وتدبّر لامور تنظيمية يرى الناس فيها ما يصلح . ويوضح الامام المسألة هذه بالقول ان التشريع ينقسم الى قسمين كبيرين : خاص وعام . فالفقه الخاص ليس من شأن المجتمع ،انه من شأن الافراد ويمكن ان يمارس في حال وجود دولة ونظام اسلامي كما في حال عدم وجودهما .

والفقه العام يتصل بتنظيم المجتمع وفيه ما هو منصوص عليه ويدخل في ثوابت الشريعة ، كما ان فيه مساحات فراغ وهي تشمل كل الجانب التنظيمي والاداري للمجتمع والدولة ، وكل جانب العلاقات الخارجية ومعظم الجانب الاقتصادي . وهذه كلها حقول لا تدخل في باب الاحكام الشرعية الا بمقدار مراعاتها للمبادئ العليا في الشريعة من قبيل قاعدة عدم الظن ، قاعدة عدم العدوان ، قاعدة العدل والانصاف الخ ...
وبالتالي فان الامام يستنتج باننا نختار الشورى كفلسفة حكم ونختار آليات الديمقراطية كأدوات واجهزة ومؤسسسات...

Foi, Raison et Violence

Foi, Raison et Violence

Saoud EL Mawla= USJ – Jeudi 02 novembre 2006


Le problème de la relation entre la foi et la raison, et entre celles-ci et la violence ou la paix, n’a jamais cessé d’être posé, et il est aujourd’hui plus aigu que jamais.
Permettez-moi de vous présenter ici une approche théologique basée sur le Coran et ma propre interprétation, ainsi que sur mon expérience personnelle dans le cadre du dialogue islamo-chrétien. Permettez-moi aussi de formuler mes propos en thèses qui vont paraître simples, car j’utiliserai un langage accessible à des gens qui ne sont pas familiers avec le langage propre au « Kalam » (théologie scolastique) et au « Fiqh » (jurisprudence) islamiques.

Coran et Foi :
Le Coran est tout entier un message appelant à la foi, à la raison, et à la paix. Le Coran précise ce qu’il faut croire, pourquoi il faut croire, comment naît l’acte de foi, quelle est sa nature, quelles sont les attitudes religieuses qui l’accompagnent, quelles sont les relations entre foi et raison, et quelles sont les œuvres exigées par la foi. Les grandes vérités de la foi en Islam (le Crédo) sont : Dieu, les anges, les prophètes et messagers envoyés, les écritures révélées, et le dernier jour de jugement.
Les chiites ajoutent au crédo : la justice divine, et l’Imamât (complément divin de la prophétie).

Signes de Dieu, foi et raison
Les raisons de croire se trouvent dans les signes (= āyāt آياتpluriel de āya آية ) créés par Dieu et dont certains sont particulièrement clairs (بيّنات = bayyināt). Les versets du Coran sont eux aussi appelés āyāt, car signes clairs de la création divine, preuves de l’existence de Dieu.
L’homme (Insān انسان ) créé de l’argile (adam آدم en arabe comme en hébreu siginfie: terre) ou tiré du sperme masculin, est l’oeuvre de Dieu. En cela il est signe lui aussi. En fait, tout l’univers, toutes les créatures, sont des signes clairs de l’harmonie de la création divine.
Le Coran, en invitant à méditer les signes de Dieu, nous appelle à croire et à raisonner en même temps. En effet, les raisons de croire (les signes et versets = āyāt) sont en même temps les raisons de l’intelligence humaine, de la raison humaine. Foi et Raison sont donc deux voies qui mènent vers un seul but : Dieu, L’Omniscient, qui nous incite à savoir et raisonner : « Certes dans la création des cieux et de la terre, dans l’alternance de la nuit et du jour, dans le navire qui vogue en mer chargé de choses profitables aux gens, dans l’eau qu’Allah fait descendre du ciel, par laquelle il rend la vie à la terre une fois morte et y répand des bêtes de toute espèce, dans la variation des vents et dans les nuages soumis entre le ciel et la terre, en tout cela il y a des signes pour des gens qui raisonnent » (Coran : 2 ;164)
Et on lit de même dans 3 :190 « des signes pour des gens doués d’intelligence » ; dans 3 :191 « qui méditent sur la création » ; dans 6 :99 « pour des gens qui croient » ; dans 10 :5 « pour des gens qui raisonnent » ; dans 10 :6 « pour des gens qui craignent Dieu » ; dans 10 :67 « pour les gens qui entendent » ; dans 16 :12 « pour les gens qui raisonnent » ; dans 16 :69 « pour des gens qui réfléchissent » ; dans 24 :44 « ces signes sont un sujet de réflexion pour ceux qui ont des yeux » ; dans 27 :86 « voilà bien des preuves pour des gens qui croient » ; dans 29 :44 la même phrase ; dans 30 :21 « voilà bien des preuves pour des gens qui réfléchissent », 30 :22 « pour les savants », 30 :23 « pour des gens qui entendent », 30 :24 « pour des gens qui raisonnent », etc…..
Ceux qui voient, ceux qui entendent, ceux qui réfléchissent, ceux qui raisonnent, ceux qui méditent, ceux qui savent, ceux qui croient, ceux qui craignent Dieu, sont donc ceux qui dévoilent la nature humaine dans toute son originalité.

Nature innée de l’homme
L’acte de foi suppose dans l’homme une nature faite pour croire. Selon le Coran, l’homme est par nature innée (Fitrah فطرة ) une créature religieuse, croyante et intelligente, qui tend vers son origine. L’homme tend donc à retourner vers Dieu: « Nous sommes pour Dieu et c’est vers lui le retour » (انا للّه وانا اليه راجعون) (2:46 et 2:156); “Ô toi âme apaisée, retourne vers ton Seigneur satisfaite et agréée » (89 :28). "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية"
Or cette nature innée est le berceau de la foi et de la raison en même temps.
L’homme, créé d’argile, est animé d’un souffle vital (nafas= souffle et nafs = âme), qui devient sa conscience morale et responsable, son âme. Les organes externes de l’homme sont destinés à voir les signes, entendre la prédication Coranique et répondre par la foi et la raison. Or c’est le cœur qui est l’organe de la foi ou de l’infidélité ou du doute. Le cœur est aussi, coraniquement, organe de la raison, car foi et raison sont indissociables. « Et quand Abraham dit : « Seigneur ! Montre-moi comment Tu ressuscites les morts », Allah dit : Ne crois-tu pas encore ? » « Si ! dit Abraham ; mais pour que mon cœur soit rassuré » (2 :260) ; « Ils ont des cœurs mais ne comprennent pas, ils ont des yeux mais ne voient pas, ils ont des oreilles mais n’entendent pas » (7 :179) ; « Que ne voyagent-ils sur la terre afin d’avoir des cœurs pour comprendre, et des oreilles pour entendre ? car ce ne sont pas les yeux qui s’aveuglent, mais ce sont les cœurs dans les poitrines qui s’aveuglent » (22 :46) ; « Ne méditent-ils pas sur le Coran ? ou y a-t-il des cadenas sur leurs cœurs » (47 :24)
Je ne veux pas m’attarder sur cette dimension très intéressante que le Coran décrit en de versets très beaux, mais je note en bref qu’il faut aussi professer la foi, outre par le cœur, par la langue, donc par le témoignage (Shahadah, appelée en d’autres langues Kalimah ou parole) qui peut aller jusqu’au martyr (Shahadah aussi). Il est très important de méditer sur le sens du Martyre (Shahadah) qui est en réalité un témoignage de foi (Shahadah). Ce sens ne diffère aucunement du sens chrétien donné au martyre.

Islam, foi innée, et Imân, foi dans le credo
Si l’acte de foi et de raison est une nature innée créée par Dieu (voir 30 :30) , c’est que l’Islam se présente comme la religion naturelle de tout homme. Tertullien disait que le Christianisme est une religion naturelle dans ce sens : qu’elle correspond à la tendance profonde de l’homme.
Or il y a eu un grand débat sur le sens des deux termes Islam et Imān (foi). Plusieurs versets Coraniques distinguent entre Islam, soumission à Dieu, et Imān, croyance en un credo établi par Muhammad. C’est ainsi que la plupart des théologiens ont interperété le verset qui dit « Certes, la religion acceptée d’Allah, c’est l’Islam » (3 :19) dans le sens de religion naturelle, pré-éternelle, de soumission à Dieu et de compréhension des signes de Dieu : « Désirent-ils une autre religion que celle d’Allah, alors que se soumet à Lui, bon gré, tout ce qui existe dans les cieux et sur la terre, et que c’est vers Lui qu’ils seront ramenés ? » (3 :83) … « Dis : « Nous croyons en Allah, à ce qui a été descendu sur Abraham, Ismaël, Isaac, Jacob et les Tribus, et à ce qui a été apporté à Moïse, à Jésus, et aux prophètes, de la part de leur Seigneur : nous ne faisons aucune différence entre eux ; et c’est à Lui que nous sommes soumis » » (3 :84).

‘Aql : raison et pacte d’engagement
L’Islam est la religion de la raison (‘Aql عقل ). ‘Aql en arabe correspond à Raison, intelligence, intellect, et le sens du verbe ‘Aqala c’est lier. La raison nous lie par un pacte d’Alliance ou d’Engagement avec Dieu (Mithāq ميثاق) qui est pré-éternel: un pacte d’être monothéiste (muslim) : « Et rappelle-toi lorsque Nous avons pris l’engagement (Mithāq) des fils d’Israel de n’adorer qu’Allah, de faire le bien envers les pères, les mères, les proches, les orphelins, et les nécessiteux, d’avoir de bonnes paroles avec les gens … » (2 :83) ((voir aussi 2 :27 + 84 + 93, 3 :81 + 187, 4 = 21 + 90 + 92 + 155, 5 = 12 + 70, 7 + 169 + 172, 13 + 20 + 25, 33 + 7, 57 + 8)).
Ainsi, selon le Coran, tous les hommes possèdent la religion innée et tous ont fait pacte d’engagement avec Dieu. La différence des croyances, sur terre, entre humains est, elle, représentée par le Coran comme une miséricorde accordée par Dieu, qui tranchera Seul au jour dernier (voir 2 :62 + 113 + 137 + 148, 3 :84, 11 : 118 – 119, 29 :46, 109 :6). De plus, la foi et l’impiété sont une affaire de libre choix, sans contrainte aucune (voir 2 :256, 10 :108, 15, 18 :29, 27 :93, 30 :44, 39 :41, 35 :39). Les prophètes ne sont en fait que des missionnaires qui prêchent, mettent en garde, répendent le message de Dieu ; ils n’ont aucun pouvoir de contrainte ou force. (voir 5 :99, 7 :188, 10 :41, 11 :12, 13 :40, 15 :94, 16 :82, 25 :58, 42 :6, 50 :55, 80 :7, 88 :22)



La raison comme guide (imâm) vers le divin
Le Coran appelle ceux qui ont dévié de la voie de la foi : ceux qui ne raisonnent pas (lā ya‘qilūn لا يعقلون), ou ceux qui ne peuvent pas utiliser leur raison correctement. L’impiété, la non-foi, l’infidélité, ne correspondent donc pas dans le discours coranique à la corruption de la volonté mais plutôt au mal fonctionnement de la raison. Ici se dévoile la vraie perspective islamique, différente de celle du christianisme : le christianisme est avant tout le mystère qui cache le divin de l’humain. La beauté du christianisme réside dans l’acceptation de Dieu comme mystère, et de l’inclination devant ce mystère en croyant à l’inconnu. En Islam c’est l’homme qui est caché, voilé de Dieu. Ce n’est pas le divin qui est caché de nous, mais c’est nous qui sommes cachés par des voiles de négligence et d’oubli, et c’est à nous de déchirer le voile et d’essayer de connaître Dieu. Dans le christianisme Dieu se dévoile lui-même, se manifeste, s’incarne ; et la personne du Christ est le centre de la foi. En Islam ce n’est pas la personne de Muhammad mais Allah lui-même qui est la réalité centrale de la foi. C’est pour cette raison qu’il est fallacieux d’appeler l’Islam : Mohammadisme. Le rôle du prophète en Islam n’est pas celui du Christ.
L’Islam est centré non pas sur comment Dieu s’est manifesté, mais plutôt sur quelle est la vraie nature de Dieu. La raison ici est un instrument donné à nous par Dieu dans le but et l’ultime objectif de connaître Dieu lui-même. Elle est un IMĀM, c’est-à-dire un guide, comme le Coran, vers Dieu.
Or l’homme se distingue des autres créatures par la faculté de l’intelligence raisonnante ou de la raison intelligente. Etre humain c’est avoir cette faculté propre à nous et par laquelle Dieu nous a honoré et préféré (17 :70) « Certes Nous avons honoré les fils d’Adam, et Nous les avons préféré à plusieurs de Nos créatures » … et même aux anges qui ont reçu l’ordre de se prosterner devant Adam, car celui-ci a été doté d’une chose que les anges n’avaient pas, Dieu lui ayant appris les noms de toutes les choses . Ceci signifie qu’Il lui a donné la raison, l’intellect, l’intelligence, le discernement, la volonté, le libre choix, la liberté… C’est cette nature innée, originelle, de l’homme, la raison, qui fait de lui un être à l’image de Dieu (comme dit un hadîth célèbre du prophète), ou comme le dit le verset Coranique : « Je l’ai harmonieusement formé et lui ai insuflé de Mon Esprit » (15 :29).
Mais en Islam, Dieu reste absolument transcendent, et la nature divine de l’homme n’est pas un anthropomorphisme, car elle ne fait pas de Dieu un homme. La conception islamique de l’homme est plutôt théomorphique, et s’addresse à ce qui est une forme ou une image de Dieu dans l’homme, c’est-à-dire à ce quelque chose qui fait que l’homme soit différent, préféré, privilégié, et honoré, et qui le pousse vers le parachèvement : la raison.

Raison et révélation
Ici se pose une question importante : pourquoi donc l’homme a-t-il besoin de révélation, de prophétie, de foi, s’il est théomorphique, doué d’une raison qui peut le guider vers la connaissance de Dieu et l’affirmation de son unité, et vers la connaissance de toute chose ?
Ceci mérite d’être expliqué dans la mesure où les apologistes modernes, en essayant de réfuter les critiques et les attaques contre l’Islam, ont déclaré que l’Islam n’a pas besoin de mystères, de miracles, de péché original et de tout ce qui peut être surnaturel ou métaphysique. Ils ont présenté l’Islam d’une façon qui fait de sa conception de l’homme celle du rationalisme cartésien. Mais ceci n’est pas vrai. Car en Islam l’homme a besoin de la foi et de la révélation ; car bien qu’il soit par nature un être théomorphique, il est, par nature aussi, un être négligent et oublieux. Le mot Insān انسان derive de Nisyān نسيان (=oubli). Le péché originel de l’homme en Islam c’est l’oubli, la négligence (ghafla غفلة ) de ce qu’il est vraiment et de ce qu’il doit faire dans ce monde.
La révélation vient nous éveiller, ou éveiller en nous notre vraie nature, nous rappeler ce que nous sommes. C’est pourquoi en Islam les prophètes ont la tâche de rappeler les gens au droit chemin, celui de leur nature innée originelle. Dans le christianisme l’homme a péché, et à cause de son péché sa nature a été pervertie, faussée… il a besoin d’un miracle pour le sauver. A travers le baptême et les sacrements, la blessure de son âme est guérie, et par la vie et le sacrifice du Christ il est sauvé. En Islam, l’homme est incomplet, imparfait, car Dieu seul est absolu, complet, parfait.. A cause de son imperfection, l’homme tend à oublier et par suite il a besoin d’être rappelé, constamment, à sa propre nature.. La révélation, la foi, la religion, est un besoin absolu pour l’homme, car sans religion il n’est humain qu’accidentellement.
Par la religion donc, l’homme a le privilège de participer à un état humain, un état qui lui donne l’opportunité et la possibilité de devenir à l’image de Dieu. La grandeur de la condition humaine se trouve précisément dans le fait que l’homme a la possibilité d’atteindre un état plus élevé que celui des anges, et en même temps d’être capable de renier Dieu, d’être impie ou infidèle. Il a la liberté d’accepter ou de rejeter la foi. Seul l’homme peut être existentialiste.

Responsabilité humaine :
Mais la possibilité et l’opportunité de pouvoir être à l’image de Dieu, renferme aussi une grave responsabilité : la confiance-responsabilité أمانة (Amānah). Cette rsponsabilité d’avoir la liberté de choisir, d’accepter ou de refuser la foi, est exprimée dans ce verset Coranique (33 :72) : « Nous avions proposé aux cieux, à la terre, et aux montagnes, la responsabilité (Amânah). Ils ont refusé de la porter et en ont eu peur, alors que l’homme s’en est chargé ».
Cet engagement humain, ce pacte ou cette alliance entre Dieu et l’homme, signifie avant tout : la responsabilité d’être homme, fidèle à sa propre nature, d’utiliser sa raison conformément à cette confiance-responsabilité de la foi, et de faire que sa volonté soit conforme à celle de Dieu… de se rappeler donc sa nature vraie, et de vivre en accord avec la volonté divine. C’est le sens du mot Islam, qui vient de Salâm (Paix) : s’abandonner à Dieu, se mettre entre les mains de Dieu, livrer sa face à Dieu… Paix et abandon, paix et quiétude… Dans le Coran, Dieu se réfère à Lui-même comme Salām (un des 99 Noms Divins) ; et comme Dieu est le commencement et la fin, nous sommes créés par Lui, et nous retournerons vers Lui ; c’est de Dieu donc qu’on tire ce désir ardent de Paix, inné dans l’âme de tout être humain. Ce désir ardent de Paix n’est pas dérivé de notre expérience humaine, mais vient plutôt de la profonde nature primordiale et originelle de l’homme. Dans sa vie quotidienne, l’homme se rappelle cette paix, cette Sakînah (quiétude سكينة ) qui est humaine et divine et vers laquelle il tend comme un ardent désir à un retour éternel vers l’absolu, et à s’abandonner sans soucis, ni haines, ni guerre, ni conflits : « C’est Lui qui a fait descendre la quiétude dans les cœurs des croyants afin qu’ils ajoutent foi à la foi » (48 :4). La foi et la raison nous conduisent donc vers la paix, et la paix nous conforte dans la foi… « Dieu guide celui qui cherche son agrément vers les chemins de la paix » (5 :16). Plus, le Coran identifie la paix à l’état paradisiaque « Et ils crieront aux gens du paradis : paix sur vous (Salâmun ‘alaykum سلام عليكم ) (7 :46). « Dans le paradis on n’entend nulle parole insignifiante, seulement paix » (19 :62). « Dans le paradis il n’y a que les propos : Salam, Salam » (56 :26). Etat paradisiaque, état d’origine, nature innée (fitrah), Nom de Dieu, la paix est ce que les hommes cherchent ici-bas : « Salâm (Paix et Salut), parole de la part d’un Seigneur très Miséricordieux » (36 :58). Salâm, Paix, c’est le salut quotidien, le bonjour, de tous les musulmans. Cependant, cet état de paix et de quiétude est très difficile à atteindre, bien qu’il relève de la nature humaine, donc de la foi et de la raison.

Paix, nature humaine et nature divine
Pour être en paix avec et dans le monde, on doit faire la paix avec soi-même ; et pour avoir la paix avec soi (sakînah سكينة et Tama’nînah طمأنينة ) on doit faire la paix avec Dieu : « Dieu ne change rien en un peuple avant que celui-ci n’ait lui-même changé ce qui est en lui » (8 :53 et 13 :11).
Changer ce qui est en nous, c’est changer, réformer, renouveler nos idées et nos pratiques sur la voie de la Paix, qui doit être l’ultime but. C’est retourner aux sources de la foi et de la raison, de la sagesse ; c’est retourner au vrai message de paix et de quiétude, de Justice et d’équité, inhérent à toute foi et à toute raison. C’est dire que la paix est la nature de la foi, et la nature de la raison, conformément à la nature de Dieu (qui est As-Salâm = La Paix). La violence ne peut être tolérée ni acceptée, comme divine ou humaine. C’est une grave déviation, appelée dans le Coran despotisme et injustice (Toughyān طغيان et Tâghût طاغوت ). « Demeure sur le droit chemin comme il t’est commandé, ainsi que ceux qui sont revenus [à Allah] avec toi. Et ne commettez pas d’excès » (11 :112) (commettre d’excès = Tâghût) « Quant à celui qui aura dépassé les limites, et aura préféré la vie présente.. » (79 :37-38) (dépasser les limites = Tâghût)
« Et quant au ciel, Il l’a élevé bien haut. Et Il a établi la balance, afin que vous ne transgressiez pas dans la pesée » (55 :7-8)
« Prenez-garde ! vraiment l’homme est injuste (il transgresse et commet des excès), dès qu’il estime qu’il peut se suffire à lui-même (à cause de sa richesse ou son pouvoir) » (95 :6-7).
Cette injustice, la violence à cause du pouvoir et de la force, va contre la nature de Dieu (Paix), contre la foi et la raison (Paix et Quiétude).

Je termine en vous traduisant un hadîth très célèbre, mais malheureusement jamais cité ou évoqué de nos temps, et qui illustre la position islamique de pacifisme et de non-violence. « Le prophète demande à l’un de ses compagnons les plus intimes : « que feras-tu si la mort plane sur la ville et atteint la porte de ta maison ? » Le compagnon lui répond : « Dieu et son prophète sachent mieux que moi ». Le prophète lui dit alors : « Tu dois avoir patience et endurance ». Puis après un moment, le prophète lui demande : « Et que feras-tu si tu trouves que le sang coule très fort autour de toi ? ». Le compagnon répond : « je ferais selon ton conseil ». Le prophète lui dit alors : « tiens-toi chez toi avec tes siens ». Le compagnon demande alors : « est-ce que je ne suis pas autorisé à porter mon épée, pour le cas où… ? » Le prophète lui dit : « si tu le fais, tu seras un des tueurs ». « Qu’est ce que je dois faire donc ? » demande le compagnon. Et le prophète de lui commander de rester chez soi, dans sa maison. Le compagnon lui demande enfin : « et si je suis attaqué chez moi, dans ma maison ? ». Le prophète lui répond : « si tu crains d’être ébloui par l’éclair de l’épée, tu n’as qu’à cacher ton visage sous ton habit… et laisse le tueur porter la responsabilité et le péché de ton sang et du sien ». Le compagnon voulant s’assurer d’avoir bien compris demanda alors : « que ferais-je s’il entre ma maison et étend son épée pour me tuer ». « Le prophète dit alors : « agis comme a agi le fils d’Adam ». Ici les transmetteurs de hadîth et les exégètes nous citent le verset 28 du chapitre 5 du Coran dans lequel il est question de Caïn et Abel, lorsque le premier est venu tuer son frère, le second lui a dit : « Si tu étends vers moi ta main pour me tuer, je n’étendrai pas vers toi ma main pour te tuer, car je crains Allah, le Seigneur de l’Univers ».

Ceci dit, craignons Dieu plus que les hommes ou le tâghût, aspirons vers la Paix et la non-violence, établissons le royaume de Dieu dans nos cœurs, et partons à la construction d’un nouvel ordre moral et humain, l’ordre de la Paix, de la Justice, de la dignité, de la liberté, entre tous et pour Tous.

Salām à vous tous.

What is Enlightenment?KANT

IMMANUEL KANT

An Answer to the Question:
What is Enlightenment? (1784)

Enlightenment is man's emergence from his self-imposed immaturity. Immaturity is the inability to use one's understanding without guidance from another. This immaturity is self-imposed when its cause lies not in lack of understanding, but in lack of resolve and courage to use it without guidance from another. Sapere Aude! [dare to know] "Have courage to use your own understanding!"--that is the motto of enlightenment.

Laziness and cowardice are the reasons why so great a proportion of men, long after nature has released them from alien guidance (natura-liter maiorennes), nonetheless gladly remain in lifelong immaturity, and why it is so easy for others to establish themselves as their guardians. It is so easy to be immature. If I have a book to serve as my understanding, a pastor to serve as my conscience, a physician to determine my diet for me, and so on, I need not exert myself at all. I need not think, if only I can pay: others will readily undertake the irksome work for me. The guardians who have so benevolently taken over the supervision of men have carefully seen to it that the far greatest part of them (including the entire fair sex) regard taking the step to maturity as very dangerous, not to mention difficult. Having first made their domestic livestock dumb, and having carefully made sure that these docile creatures will not take a single step without the go-cart to which they are harnessed, these guardians then show them the danger that threatens them, should they attempt to walk alone. Now this danger is not actually so great, for after falling a few times they would in the end certainly learn to walk; but an example of this kind makes men timid and usually frightens them out of all further attempts.

Thus, it is difficult for any individual man to work himself out of the immaturity that has all but become his nature. He has even become fond of this state and for the time being is actually incapable of using his own understanding, for no one has ever allowed him to attempt it. Rules and formulas, those mechanical aids to the rational use, or rather misuse, of his natural gifts, are the shackles of a permanent immaturity. Whoever threw them off would still make only an uncertain leap over the smallest ditch, since he is unaccustomed to this kind of free movement. Consequently, only a few have succeeded, by cultivating their own minds, in freeing themselves from immaturity and pursuing a secure course.

But that the public should enlighten itself is more likely; indeed, if it is only allowed freedom, enlightenment is almost inevitable. For even among the entrenched guardians of the great masses a few will always think for themselves, a few who, after having themselves thrown off the yoke of immaturity, will spread the spirit of a rational appreciation for both their own worth and for each person's calling to think for himself. But it should be particularly noted that if a public that was first placed in this yoke by the guardians is suitably aroused by some of those who are altogether incapable of enlightenment, it may force the guardians themselves to remain under the yoke--so pernicious is it to instill prejudices, for they finally take revenge upon their originators, or on their descendants. Thus a public can only attain enlightenment slowly. Perhaps a revolution can overthrow autocratic despotism and profiteering or power-grabbing oppression, but it can never truly reform a manner of thinking; instead, new prejudices, just like the old ones they replace, will serve as a leash for the great unthinking mass.

Nothing is required for this enlightenment, however, except freedom; and the freedom in question is the least harmful of all, namely, the freedom to use reason publicly in all matters. But on all sides I hear: "Do not argue!" The officer says, "Do not argue, drill!" The tax man says, "Do not argue, pay!" The pastor says, "Do not argue, believe!" (Only one ruler in the World says, "Argue as much as you want and about what you want, but obey!") In this we have examples of pervasive restrictions on freedom. But which restriction hinders enlightenment and which does not, but instead actually advances it? I reply: The public use of one's reason must always be free, and it alone can bring about enlightenment among mankind; the private use of reason may, however, often be very narrowly restricted, without otherwise hindering the progress of enlightenment. By the public use of one's own reason I understand the use that anyone as a scholar makes of reason before the entire literate world. I call the private use of reason that which a person may make in a civic post or office that has been entrusted to him. Now in many affairs conducted in the interests of a community, a certain mechanism is required by means of which some of its members must conduct themselves in an entirely passive manner so that through an artificial unanimity the government may guide them toward public ends, or at least prevent them from destroying such ends. Here one certainly must not argue, instead one must obey. However, insofar as this part of the machine also regards himself as a member of the community as a whole, or even of the world community, and as a consequence addresses the public in the role of a scholar, in the proper sense of that term, he can most certainly argue, without thereby harming the affairs for which as a passive member he is partly responsible. Thus it would be disastrous if an officer on duty who was given a command by his superior were to question the appropriateness or utility of the order. He must obey. But as a scholar he cannot be justly constrained from making comments about errors in military service, or from placing them before the public for its judgment. The citizen cannot refuse to pay the taxes imposed on him; indeed, impertinent criticism of such levies, when they should be paid by him, can be punished as a scandal (since it can lead to widespread insubordination). But the same person does not act contrary to civic duty when, as a scholar, he publicly expresses his thoughts regarding the impropriety or even injustice of such taxes. Likewise a pastor is bound to instruct his catecumens and congregation in accordance with the symbol of the church he serves, for he was appointed on that condition. But as a scholar he has complete freedom, indeed even the calling, to impart to the public all of his carefully considered and well-intentioned thoughts concerning mistaken aspects of that symbol, as well as his suggestions for the better arrangement of religious and church matters. Nothing in this can weigh on his conscience. What he teaches in consequence of his office as a servant of the church he sets out as something with regard to which he has no discretion to teach in accord with his own lights; rather, he offers it under the direction and in the name of another. He will say, "Our church teaches this or that and these are the demonstrations it uses." He thereby extracts for his congregation all practical uses from precepts to which he would not himself subscribe with complete conviction, but whose presentation he can nonetheless undertake, since it is not entirely impossible that truth lies hidden in them, and, in any case, nothing contrary to the very nature of religion is to be found in them. If he believed he could find anything of the latter sort in them, he could not in good conscience serve in his position; he would have to resign. Thus an appointed teacher's use of his reason for the sake of his congregation is merely private, because, however large the congregation is, this use is always only domestic; in this regard, as a priest, he is not free and cannot be such because he is acting under instructions from someone else. By contrast, the cleric--as a scholar who speaks through his writings to the public as such, i.e., the world--enjoys in this public use of reason an unrestricted freedom to use his own rational capacities and to speak his own mind. For that the (spiritual) guardians of a people should themselves be immature is an absurdity that would insure the perpetuation of absurdities.

But would a society of pastors, perhaps a church assembly or venerable presbytery (as those among the Dutch call themselves), not be justified in binding itself by oath to a certain unalterable symbol in order to secure a constant guardianship over each of its members and through them over the people, and this for all time: I say that this is wholly impossible. Such a contract, whose intention is to preclude forever all further enlightenment of the human race, is absolutely null and void, even if it should be ratified by the supreme power, by parliaments, and by the most solemn peace treaties. One age cannot bind itself, and thus conspire, to place a succeeding one in a condition whereby it would be impossible for the later age to expand its knowledge (particularly where it is so very important), to rid itself of errors,and generally to increase its enlightenment. That would be a crime against human nature, whose essential destiny lies precisely in such progress; subsequent generations are thus completely justified in dismissing such agreements as unauthorized and criminal. The criterion of everything that can be agreed upon as a law by a people lies in this question: Can a people impose such a law on itself? Now it might be possible, in anticipation of a better state of affairs, to introduce a provisional order for a specific, short time, all the while giving all citizens, especially clergy, in their role as scholars, the freedom to comment publicly, i.e., in writing, on the present institution's shortcomings. The provisional order might last until insight into the nature of these matters had become so widespread and obvious that the combined (if not unanimous) voices of the populace could propose to the crown that it take under its protection those congregations that, in accord with their newly gained insight, had organized themselves under altered religious institutions, but without interfering with those wishing to allow matters to remain as before. However, it is absolutely forbidden that they unite into a religious organization that nobody may for the duration of a man's lifetime publicly question, for so do-ing would deny, render fruitless, and make detrimental to succeeding generations an era in man's progress toward improvement. A man may put off enlightenment with regard to what he ought to know, though only for a short time and for his own person; but to renounce it for himself, or, even more, for subsequent generations, is to violate and trample man's divine rights underfoot. And what a people may not decree for itself may still less be imposed on it by a monarch, for his lawgiving authority rests on his unification of the people's collective will in his own. If he only sees to it that all genuine or purported improvement is consonant with civil order, he can allow his subjects to do what they find necessary to their spiritual well-being, which is not his affair. However, he must prevent anyone from forcibly interfering with another's working as best he can to determine and promote his well-being. It detracts from his own majesty when he interferes in these matters, since the writings in which his subjects attempt to clarify their insights lend value to his conception of governance. This holds whether he acts from his own highest insight--whereby he calls upon himself the reproach, "Caesar non eat supra grammaticos."'--as well as, indeed even more, when he despoils his highest authority by supporting the spiritual despotism of some tyrants in his state over his other subjects.

If it is now asked, "Do we presently live in an enlightened age?" the answer is, "No, but we do live in an age of enlightenment." As matters now stand, a great deal is still lacking in order for men as a whole to be, or even to put themselves into a position to be able without external guidance to apply understanding confidently to religious issues. But we do have clear indications that the way is now being opened for men to proceed freely in this direction and that the obstacles to general enlightenment--to their release from their self-imposed immaturity--are gradually diminishing. In this regard, this age is the age of enlightenment, the century of Frederick.

A prince who does not find it beneath him to say that he takes it to be his duty to prescribe nothing, but rather to allow men complete freedom in religious matters--who thereby renounces the arrogant title of tolerance--is himself enlightened and deserves to be praised by a grateful present and by posterity as the first, at least where the government is concerned, to release the human race from immaturity and to leave everyone free to use his own reason in all matters of conscience. Under his rule, venerable pastors, in their role as scholars and without prejudice to their official duties, may freely and openly set out for the world's scrutiny their judgments and views, even where these occasionally differ from the accepted symbol. Still greater freedom is afforded to those who are not restricted by an official post. This spirit of freedom is expanding even where it must struggle against the external obstacles of governments that misunderstand their own function. Such governments are illuminated by the example that the existence of freedom need not give cause for the least concern regarding public order and harmony in the commonwealth. If only they refrain from inventing artifices to keep themselves in it, men will gradually raise themselves from barbarism.

I have focused on religious matters in setting out my main point concerning enlightenment, i.e., man's emergence from self-imposed immaturity, first because our rulers have no interest in assuming the role of their subjects' guardians with respect to the arts and sciences, and secondly because that form of immaturity is both the most pernicious and disgraceful of all. But the manner of thinking of a head of state who favors religious enlightenment goes even further, for he realizes that there is no danger to his legislation in allowing his subjects to use reason publicly and to set before the world their thoughts concerning better formulations of his laws, even if this involves frank criticism of legislation currently in effect. We have before us a shining example, with respect to which no monarch surpasses the one whom we honor.

But only a ruler who is himself enlightened and has no dread of shadows, yet who likewise has a well-disciplined, numerous army to guarantee public peace, can say what no republic may dare, namely: "Argue as much as you want and about what you want, but obey!" Here as elsewhere, when things are considered in broad perspective, a strange, unexpected pattern in human affairs reveals itself, one in which almost everything is paradoxical. A greater degree of civil freedom seems advantageous to a people's spiritual freedom; yet the former established impassable boundaries for the latter; conversely, a lesser degree of civil freedom provides enough room for all fully to expand their abilities. Thus, once nature has removed the hard shell from this kernel for which she has most fondly cared, namely, the inclination to and vocation for free thinking, the kernel gradually reacts on a people's mentality (whereby they become increasingly able to act freely), and it finally even influences the principles of government, which finds that it can profit by treating men, who are now more than machines, in accord with their dignity.

I. Kant
Konigsberg in Prussia, 30 September 1784