الأحد، 23 أغسطس، 2009

سعود المولى: من هم أصدقاء سوريا الحقيقيون؟ 11 تشرين الثاني 2000

من هم أصدقاء سوريا الحقيقيون؟النهار 11 تشرين الثاني 2000
منذ أكثر من ربع قرن صار الكلام اللبناني يدور "عن" سوريا وليس "مع" سوريا.. تحولت سوريا الشقيقة الجارة إلى "طوطم ـ تابو"، وعملت الطبقة السياسية المستجدة والمتحكمة، على إخراجها من نسيج حياتنا اليومية، أي من نسج علاقات القربى والرحم والجوار، ومن إطار التاريخ والجغرافيا والمصالح والمنافع، ومن الإستراتيجية والرؤية، لتحليها "موضوعاً" سياسياً أمنياً بإمتياز، حيث لا ناقة للمجتمع الأهلي ولا جمل (لا في لبنان ولا في سوريا).

منذ ربع قرن غابت سوريا الحقيقية، سوريا الناس، وعبق التراث، وحاضر الشرق، وقلب العروبة النابض، وتظاهرات الشوارع، وقوافل التجارة، وأفراح الأعراس، وأنموذج العيش المشترك، والتفاعل بين الأديان والمذاهب والتيارات... وحل محلها في أذهان اللبنانيين وعقولهم: سوريا المخابرات والتدخلات السياسية، وغير السياسية، في تفاصيل الحياة الخاصة والعامة وأصبح الكلام "عن" سوريا وحولها "همساً" في صالونات الطبقة السياسية أو "نكتاً" شعبية ساهمت وتساهم في تأجيج نار العنصرية التي لا ينجو منها شعب من الشعوب فكيف إذا أبتلي هذا الشعب بالوبال الإقتصادي وبالإنهيار السياسي وبالإنحطاط الأخلاقي للطبقة السياسية الحاكمة؟

وصال السياسيون وجالوا في إنتاج لغة سياسية ـ أمنية، وخطاب سياسي ـ أمني "عن سوريـا"... ولم يعد مسموحاً سمـاع أي خطاب شعبي ـ أهلـي أو سياسي ـ وطني أو تـاريخي ـ إجتماعي أو إستراتيجي ـ رؤيوي... برز إلى السطح إذن خطاب ما فوق مجتمعي، وما فوق تاريخي، تجيده وتحتكره نخبة "قومجية" وأخرى "وطنجية".

خطاب السيادة والإستقلال، وهو حمل نكهة عنصرية خارج التاريخ والجغرافيا والرؤية الواقعية، وسمي وطنياً نسبة إلى الوطن ـ لبنان. وكان على الأغلب ذا طابع مسيحي ـ وماروني تحديداً. وخطاب "وحدة المسار والمصير"، وهو حمل نكهة تبعية وإستزلام وإستقواء، خارج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والرؤية الواقعية، وسمي قومياً وإسلامياً، وكان على الأغلب ذا طابع مسلم دون أن يعدم ملتحقين جدداً بمنافع "القومية" وميزاتها من بقية الطوائف ومن الطائفة المارونية تحديداً
ولم تنجح السنوات العشر الماضية منذ إتفاق الطائف والتعديلات الدستورية، في إخراجنا من هذا التقابل الإستقطابي العدائي الموهوم والمستوهم. بل إن سياسة الدولة والطبقة السياسية الجديدة المتحكمة بالبلاد والعباد ساهمت وتساهم عن قصد ووعي في إبقاء شعلة هذين الخطابين وفي تأجيج نار الديماغوجية في أتون المزايدات والتكفير والتخوين... بحيث استطال الوهم وإستحال رعباً حقيقياً لم يعدم بعض الواصلين وسيلة لجعله إرهاباً أرعن، شهدنا عينة منه في الخطب العصماء التي ألقيت داخل البرلمان.

واليوم، وعشية تكثف الضغوط الصهيونية مع طبول الحرب، في مواجهة الإنتفاضة المجيدة لشعب فلسطين، إزدادت وتيرة ديماغوجية التخوين والتكفير والإرهاب، مرددة الشعار الشهير "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"... والحال أنه لا بد من وقفة عاقلة تسحب فتيل التوتير، حرصاً على سوريا وجماعتها في لبنان، وليس فقط حرصاً على لبنان... لا بد من إعادة تصويب الحوار مع سوريا بإعادة التركيز على ثوابتنا المرجعية الموحدة التي توافقنا عليها في الطائف، برعاية سورية، وبمباركة عربية ودولية.

لقد حددت وثيقة الطائف صيغة العلاقات الواجب قيامها بين لبنان وسوريا بإعتبارها "علاقات مميزة تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الأخوية المشتركة" (ونسيت الوثيقة ذكر الجغرافيا أو الجوار) كما حددت الوثيقة هدف هذه العلاقات في "تحقيق مصلحة البلدين الشقيقين في إطار سيادة وإستقلال كل منهما" وحددت كذلك الوسيلة الفضلى لتجسيد هذه العلاقات عبر "إتفاق بينهما في شتى المجالات" ترتكز إلى مبدأي "التنسيق والتعاون".

إن وثيقة الطائف هي الإطار المرجعي ـ الفكري الذي يوحد اللبنانيين في رؤية مشتركة لشؤون حاضرهم ومستقبلهم. وهي قراءة للعلاقات اللبنانية ـ السورية تنطلق من ثابت مركزي مرجعي موحد (عروبة لبنان وروابطه الوثيقة مع سوريا) لا من موقف سياسي مرحلي أو من إعتبار فئوي متقلب. وهذا الأمر يسمح بإرساء العلاقة والحوار مع سوريا على قاعدة متينة، ثابتة ومستمرة، لا تخضع لتقلبات الأهواء أو للأمزجة الشخصية أو للمصالح الحزبية والفئوية والطائفية الضيقة، فلا تتغير تالياً بتغير الأشخاص أو الظروف أو بتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.

فالعلاقة والحوار مع سوريا هنا بحسب الطائف: إستراتيجيا ورؤية ومصالح مشتركة وإنتماء وهوية وتاريخ وجغرافيا، وليسا خطاباً أو شعاراً أو تقية أو همروجة... ولقد علمتنا مواضي التجارب والأحداث بأن المدح الزائد لسوريا هو الوجه الآخر للشتم الزائد لها، إذ هما يعكسان موقفاً، أو موقعاً، أو مشروعاً سلطوياً.
الشاتم كان يريد التمسك بمكتسبات (أو إمتيازات) سياسية قديمة، أو هو يسعى للبناء على إحتمالات إنقلاب وتغير موازين القوى في المعادلة الإقليمية مما ينعكس إنقلاباً في التوازن اللبناني لغير مصلحة سوريا. وقد راهن هذا الموقف على العامل الصهيوني في مرحلة 1975 ـ 1985، وعلى الحل العسكري في مراحل عديدة أبرزها حرب التحرير العونية، وعلى شتى أشكال الإحتجاج والإتصالات الدولية في مختلف المراحل.
أما المادح فكان يريد الوصول السهل إلى السلطة أو البقاء المريح اليوم في السلطة. وهو راهن قديماً على الدور المصري، ثم على الوجود المسلح الفلسطيني، قبل أن يرسو على الدور والوجود السوري للإستقواء في لعبة الصراع والغلبة في لبنان...

وفي الحالتين كنا أمام موقف أو مشروع سلطوي دفع ثمنه المجتمع الأهلي اللبناني والعلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا. وقد أدى ذلك إلى توليد نص أو خطاب: سياسي ـ أمني، مفارق للمجتمع، متغلب عليه وقاهر له، يفكك مرجعياته الرمزية ويضرب ذاكرته ويهمش قواه ويصادر حقوقه. والمطلوب اليوم قيام حوار حقيقي أخوي وصريح بيننا وبين سوريا على قاعدة توليد نص أو خطاب سياسي ـ ثقافي ـ إجتماعي ـ إقتصادي متصالح مع المجتمع الأهلي، ومع ذاكرته ومرجعياته الرمزية أولاً ، ومفتوح على آفاق التطور الديمقراطي في لبنان وسوريا ثانياً، وعلى تشكيل نظام إقليمي عربي جديد (قاعدته مصر وسوريا والسعودية ورأس رمحه فلسطين ولبنان) بديل من الشرق أوسطية (التي ماتت ولم ينتبه أحد إلى ضرورة دفنها) ثالثاً.

وهذا الحوار المطلوب والتاريخي هو حوار في التفاصيل قبل أي شيء آخر. ومن هنا لا معنى لكل التهويل والتأويل حول ما صرح به النواب في البرلمان (نسيب لحود ووليد جنبلاط وعمر كرامي وبطرس حرب ونائلة معوّض) اللهم إلا إذا كانت النيات خبيثة ومبيتة لإشعال نار فتنة نائمة لا يَعرف مداها...

لقد حسم إتفاق الطائف المسألة السياسية المركزية: لا توجد أدوار سياسية ـ أمنية ـ عسكرية متناقضة بين لبنان وسوريا (سلماً أم حرباً في المنطقة). وانتهت إلى الأبد تلك المرحلة التي كان يمكن فيها إستخدام لبنان مقراً للتآمر على سوريا أو معبراً للهجوم والإنقضاض عليها. وتكرس مبدأ الإعتماد المتبادل والتعاون والتنسيق في المجال الخارجي (الموقف حيال المفوضات والتسوية في المنطقة كمثال) كما تكرست حقائق وجوب حماية الخاصرة السورية وعدم السماح بأي إختراق أمني ـ عسكري لسوريا من لبنان.
ومن ناحية أخرى، فإن الدور السوري الأمني ـ والعسكري في لبنان حظي، ويحظى، بغطاء عربي (قمة الطائف ـ والقمم العربية المتوالية ـ والموقف الرسمي لمصر والسعودية خصوصاً) ودولي (فرنسي أساساً ولكن أميركي أيضاً)، فلا يجوز بعد ذلك التهويل أو تأويل مواقف (كنداء بكركي) على قاعدة المؤامرات الخارجية (الأميركية خصوصاً) أو الإستهدافات الإقليمية.

لا يمكن إختراق سوريا من لبنان، ولا تضعف سوريا إلا إقليمياً أي في حال ضعف موقعها ودورها في المعادلة العربية وخصوصاً لجهة علاقتها بمصر والسعودية. أي (وبصريح الكلام) إن عوامل الضغط على سوريا ليست موجودة اليوم في لبنان إنما هي في سوريا ذاتها (الوضع الداخلي) وفي الموقف العربي المتضامن معها حتى الآن والذي يؤمن لها الغطاء والسقف كما أمّن للمقاومة اللبنانية غطاءها وسقفها السياسي وحماها وساعد في إنتصارها.
أما المستوى العقدي ـ الأيديولوجي، وهو مما يرفع البعض شعاراته أو يهجس البعض بمخاوفه حياله، فهو "ساقط عسكرياً" ومنذ سنوات وسنوات، ولو أن البعض لم يرَ الحقيقة بعد أو أنه يحاول إحياء العظام وهي رميم. فلم تعد دعاوى الوحدة السورية أو العربية في دولة قومية مركزية قائمة على التوحيد القسري من فوق وعلى الغلبة والقوة وعلى الحزب الواحد والقائد الأوحد، بدعاوى رائجة أو مقبولة أو مستساغة حتى لدى أصحابها...

وبغض النظر عن إستمرار الفلكلور الفارغ والشكلي لبعض الأحزاب "القومجية"، فإن الواقع يقول أنه لا مبرر لأي خوف من مد ناصري أو بعثي أو هاشمي، أو من تماهِ وتطابق بين العروبة والإسلام، ولم تعد الذمية، أو الأسلمة، أو التعريب، أو التذويب، على جدول أعمال أحد (خصوصاً بعدما عاد العقيد القذافي عن عروبته وإسلاميته)... لا بل إن الأحزاب العقائدية الحاكمة في العالم العربي برهنت عن كيانية أشد إنعزالية من بعض الأطراف اللبنانية...

إن هذا يفترض أن يوفر من الطمأنينة ومن الثقة للخائفين على سيادة لبنان وحريته كما للخائفين على عروبته وعلى موقع سوريا ودورها فيه. ويفترض أن يعني صوغاً مختلفاً لقضية العلاقات اللبنانية ـ السورية في إطار رؤية واضحة لموقع لبنان ودوره في المنطقة، ولآفاق المرحلة وتحديات المستقبل.

وبهذا فإن التنسيق والتشاور والتعاون وحتى التطابق مع سوريا في مجال إدراة الصراع في المنطقة (سلماً أم حرباً) في إطار التضامن العربي والرؤية المشتركة، وتحت سقف الطائف (شروط الوفاق والعيش المشترك ومستلزماتها) ليست فقط تحصيل حاصل، بل هي من دعائم السيادة والإستقلال وليس ضدهما أو نقيضهما...

إن السيادة والإستقلال في لبنان يتحققان عبر السلم الأهلي والوحدة الوطنية ومن خلال طي صفحة الحرب الأهلية وتحقيق مصالحة حقيقية وإعادة بناء المجتمع والدولة على أسس العدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع.

ولا توجد سيادة وإستقلال في معزل عن الإنتماء الحقيقي وعن الإنخراط العاقل والواعي والرائد في مصالح المحيط العربي من حولنا وفي أساس ذلك العلاقات الطبيعية والصحيحة مع سوريا. أما الكلام عن السيادة والإستقلال بعقلية أوروبا القرن التاسع عشر وبلهجة إستعلائية عنصرية فهو غريب وخطير ولا محل له في عالم اليوم.

فالعالم يقوم على شبكة مصالح وعلاقات وعلى وحدات تعاون وتفاهم وعلى مواثيق وعهود والتزامات. وكل ذلك على قاعدة قيام مجتمع أهلي متضامن وقوي ودولة سيدة حرة مستقلة، قوية بمجتمعها لا مستقوية عليه، متكاملة ومتوازية مع مجتمعها، لا مفروضة عليه أو مستلبة الإرادة والقرار.

إن هذا وحده هو الضمانة لسوريا وللعرب.. ولا مصلحة لسوريا وللعرب بغير ذلك.

ومن هنا فإن الحوار الحقيقي المطلوب مع سوريا هو حول النهوض معاً في مواجهة التحديات الإقتصادية: (التنمية ـ الزراعة ـ التجارة ـ الترانزيت ـ المياه) والإجتماعية الثقافية (التعليم ـ الإعلام ـ الحريات العامة) ومن أجل تطوير ديمقراطي سليم لتوازنات المجتمع الأهلي وللعلاقات بين المجتمع والدولة (في لبنان وسوريا) وللتكامل والتعاون بين البلدين وصولاً إلى صوغ نظام إقليمي عربي جديد وسوق عربية مشتركة وإتحاد عربي لدول ديمقراطية حرة مستقلة متطورة.

ولا مصلحة للبنان غير ذلك، بل إن هذا هو دوره المركزي وهو دور رائد للمسيحيين في لبنان والعالم العربي.

وفي المقابل، فإن استقواء فريق من اللبنانيين على فريق آخر، بدور سوريا ووجودها ونفوذها، لمما يسيء إلى سوريا قبل لبنان ويجعلها عرضة للتذمر الشعبي دون أن يقوي دورها أو يعزز مشروعها إذ هو يصّب في خدمة مشروع سلطوي يبقي الغلبة والإستحواذ عبر الإستقواء بسوريا. وهذا مناقض لميثاق الطائف، أي لميثاق العيش المشترك، ولأساس قيام الدولة وإستمرارها، كما هو مناقض للرؤية المشتركة وللإستراتيجية القومية في إدارة الصراع في العالم العربي ضد التخلف والتجزئة وضد الاستبداد والجهل ومن أجل الديمقراطية والعدالة والحرية والكرامة.

لقد كان إعلان المبادئ هذا، القاعدة والمنطلق لكل تقويم جدي ولكل نقد أخوي لمنطق العلاقات اللبنانية ـ السورية والعربية ـ العربية تالياً. ذلك أن هناك فرقاً كبيراً بين الذين يريدون لسوريا وللعرب العزة والكرامة والحرية والديمقراطية، والذين يريدون سوريا أداة قمع وقهر ومصادرة للحريات وإستباحة للكرامات خدمة لمصالح شخصية ولمشاريع فئوية.

والفرق كبيراً أيضاً بين الذين حملوا هموم الأمة ومطالب الإصلاح والتغيير وحافظوا على وحدة الناس ومصالحهم وحريتهم وكرامتهم في سوريا ولبنان، كشرط لبناء القوة وللصمود في معركة التحرير، والذين حملوا شعارات "وحدة المسار والمصير" وأمعنوا في سياسات الفصل والتدمير، حتى وصلوا إلى أساليب التخوين والتكفير...

الفرق بين الذين قدموا التضحيات على إمتداد السنين لحفظ كيان لبنان ولحقن الدماء ووقف الفتنة ولإستعادة مشروع الدولة، والذين سرقوا دماء الشهداء وعملوا على محو الذاكرة وتغيير التاريخ بعدما عاثوا فساداً في الأرض خلال سنوات الحرب ـ الفتنة.

الفرق كبير بين الذين يعلمون على تجسيد شعار "الشعب الواحد في دولتين" والذين أوصلوا الناس إلى حالة "الدولة الواحدة في شعبين" فكانوا السبب في الجفاء بين الشعبين الشقيقين وفي تطوير عنصرية لبنانية بغيضة بحق كل العرب الأشقاء...

ولهذا كله فإن الواجب والمسؤولية إقتضيا ويقتضيان جرأة المصارحة وقسوة المكاشفة... ولا يجوز تخوين أو التشكيك في من أراد خدمة الحوار والمصالحة والسلم الأهلي والعلاقات الصحيحة الطبيعة والمعافاة مع سويا وتصحيح الخلل وتقويم المسار.. بل الواجب محاسبة المسؤولين عن تلك السياسات "الوطنية" "العظيمة المجيدة" التي أوصلت العلاقات اللبنانية ـ السورية، وأوصلت البلاد، إلى هذا المنحدر الخطير...

ليس المسؤول عن ذلك كله نداء بكركي أو تصريحات وليد جنبلاط وعمر كرامي ونسيب لحود وبطرس حرب ونائلة معّوض أو صمت حسين الحسيني أو حكمة محمد مهدي شمس الدين وإعتداله.. بل المسؤول هو تلك السياسات الخرقاء الحمقاء والنزاعات السلطوية الرعناء، والأجواء القمعية الإرهابية، وذلك الإستهتار بكل الثوابت والمسلمات وبكل القيم والمبادئ التي قام عليها لبنان.

ما لم يقله نداء بكركي وخلفية المخاوف المسيحية

مع الأحداث العاصفة في شهر تشرين حول لبنان وفيه
ما لم يقله نداء بكركي وخلفية المخاوف المسيحية

المستقبل 27 تشرين الأول 2000
بقلم سعود المولىعلى الرغم من أن الأحداث العاصفة التي شهدها (وما يزال) شهر تشرين، قد غطت، ظاهرياً، وإعلامياًَ، على "حدث" نداء بكركي، إلا أنها فعلياً وواقعياً، كشفت عن المضمون الحقيقي لخلفية النداء، وصرحت بما لم يقله المطارنة. ذلك أن الحدثين الأساسيين إقليمياً ووطنياً (الإنتفاضة والوزارة) وما رافقهما وتلاهما من ردود فعل وتفاعلات ساهما في تظهير الصورة الحقيقية للوضع اللبناني عشية الإستحقاقات الكبرى، مأزق التسوية السلمية ومأزق الوضع العربي برمته من جهة، ومأزق المصالحة الوطنية والتوازن والوفاق الداخلي من جهة أخرى.

القصة الحقيقية للنداء هي هنا.. وهي لا ترتبط طبعاً بأي "توقيت مشبوه" كما رأى بعضهم حين حاول تحميل بكركي والمسيحيين في لبنان أوزار "الإرتباط بمخططات خارجية" أو "ضغوط أميركية" تستهدف طرح المطالبة بخروج القوات السورية من لبنان كورقة ضغط على الحكم الجديد في دمشق.. كما أنها بكل تأكيد لا تمت بصلة إلى "شبكات" صهيونية، ومؤامرات إسرائيلية وأميركية، على الرغم من وجود هذه وتلك، بالطبع اليوم وأمس وغداً، وفي كل منطقة وداخل كل طائفة وحزب وجماعة.

ولا شك بأن الموقف المعلن للرئيس مبارك (في القمة التي جمعته مع الرئيس الأسد) ثم المواقف شبه المعلنة للإدارة الأميركية (والتي نقل بعضها نصير الأسعد من واشنطن في "المستقبل") والتي قالت إن الواقع الدولي والعربي ما زال مؤيداً لبقاء القوات السورية في لبنان إلى ما بعد التسوية الشاملة، قد دحض بقوة تأويلات وتحليلات "جماعة التوقيت". فالمسألة لـم تكـن
وليست مسألة توقيت أميركي مشبوه، أو صهيوني ملغوم، ولا مسألة قطبة مخفية في الفاتيكان أو
فرنسا، بقدر ما كانت تسجيلاً لموقف ضمن حدين، حد الواقع العربي المتفجر والذي يهدد بنسف كل مسيرة التسوية السلمية وبالتالي إعادة تظهير صورة "الأصولية" الإسلامية المتطرفة في المنطقة مع ما يرافق ذلك من خوف مسيحي مشرقي على الوجود والمصير، وحد الواقع اللبناني المتفجر أيضاً على إيقاع المناورات والمداورات والمداخلات التي إرتبطت بالإنتخابات النيابيـة الأخيرة وإستمرت إلى "مشاورات" تكليف وتأليف الوزارة العتيدة.. ولقد تعاملت القيادات السياسية الإسلامية مع نداء بكركي بوعي وحكمة وبروح حوارية منفتحة وسجلت مع ذلك تحفظها على النقطتين، المتعلقتين بطرح موضوع القرار 520 من جهة، وبتحميل الوجود السوري كل ثقل الأزمة الإقتصادية والإجتماعية من جهة اخرى. وهذا الموقف عبّر عنه الرؤساء الحص وبري والحريري والحسيني وكرامي والوزراء جنبلاط وميقاتي، في حين جاء الرد العنيف على النداء من الرئيس لحود ثم من الوزير فرنجية وبعض القوى الحزبية في البرلمان (حزب البعث والقومي السوري والنائب ناصر قنديل).

وقد جاءت مواقف الكتل النيابية والشخصيات السياسية البارزة في البرلمان أثناء مشاورات التأليف لتكشف عن القطبة المخفية الحقيقية: التمثيل المسيحي في الوزارة.. و(هذا عبّر عنه بوضوح كلام الوزير جنبلاط والنائب نسيب لحود).

إذن، جاءت أحداث الإنتفاضة الفلسطينية وردود الفعل الجماهيرية العربية المتضامنة معها (في لبنان خصوصاً) وأحداث "الإنتفاضة اللبنانية البرلمانية" على أسلوب الحكم في التعامل مع الإستحقاق الوزاريٌّ لتفصح عما لم يقله نداء بكركي وهو كان أحجم عن التصريح عن حقيقة الهواجس والمخاوف المسيحية التي ما تزال تعتمل وتتفاعل في نفوس المسيحيين منذ عشر سنوات (أي منذ التعديلات الدستورية وخروج العماد عون من بعبدا وبالتزامن مع حرب الخليج وإنهيار المنظومة الإشتراكية)..

لقد كشفت وقائع الأسابيع الأخيرة التي تلت نداء بكركي عن "هول كبير" في حياتنا السياسية والوطنية لا بد من تسليط الضوء عليه ليسهل الحوار حوله ومعالجته ضمن إطار الوفاق والوحدة والحرية والديمقراطية.

لقد عاد الإنقسام بين اللبنانيين إلى الظهور والتبلور إلى حدود خطرة طالما أنه مكبوت في المشاعر والعواطف وفي الرؤى والتطلعات، هي متعارضة متضاربة من دون بوح وإفصاح ومن دون حوار وفهم وتفاهم..

يتظاهر المسلمون في بيروت الغربية وبقية المناطق دعماً للإنتفاضة ولنداء الأقصى، وبشعور خفي بأن ذلك هو رد على نداء بكركي، يقابله برود لا بل حذر وخوف في المناطق المسيحية يستعيد شعور السبيعنات بأن ما يجري في "الشارع المسلم" هيجان غوغائي وتطرف أكثري سيبتلع المسيحيين ويقهرهم..
حماس إسلامي للجهاد والحرب وفتح الحدود لمساعدة شعب فلسطين وتوجيه ضربات لإسرائيل، يعززه الشعور بالقوة وبالنصر على العدو في الجنوب بعد إندحاره التاريخي، وتزيد من إشتعاله عمليات حزب الله الأخيرة وهي لا تعدم وسيلة الإثارة الإعلامية ـ الأمنية.. يقابل ذلك إستعادة مسيحية لخطاب الجبهة اللبنانية في السبعينات حول خطر الوجود الفلسطيني المسلح وخطر التمدد خارج المخيمات وخطر تعريض لبنان مجدداً لإنتقام إسرائيل... وكاننا عشية مظاهرة 23 نيسان 1969 أو عشية إتفاق القاهرة الشهير.

مطالبة مسيحية بإطلاق الدكتور جعجع وعودة العماد عون ومعرفة مصير المفقودين في السجون السورية، تقابلها شماتة إسلامية حيناً، وصمت وتنصل وهروب من الموضوع حيناً آخر أو طرح قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية أحياناً...

مطالبة مسيحية بإعادة إنتشار القوات السورية في لبنان تقابلها مطالبة إسلامية بوحدة وتلازم المسارين وبتحرير مزارع شبعا..

وكأن حقوق الإنسان، وحريته وكرامته وسيادة البلاد وإستقلالها وتطويرها الديمقراطي، هي شعارات ومطالب مسيحية، في حين أن حقوق الشعوب والنضال والثورة والإنتفاضة والتحرير والتضامن العربي ومزارع شبعا والأسرى والشهداء هي شعارات ومطالب إسلامية.. وكأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان..

كأن القضايا والهموم والهواجس التي تحرك عواطف ومشاعر فريق من اللبنانيين لا صلة لها أو هي مناقضة لما يحرك عواطف ومشاعر الفريق الآخر.. وكأن وقوفي إلى جانب مطلب الحرية لجعجع وعون وبطرس خوند وكل المتعلقين في السجون اللبنانية والسورية يتعارض مع إندفاعي وحماسي لنصرة القدس وشعب فلسطين..

كأن تلازم المسارين ووحدة الموقف في الصراع مع إسرائيل والصهيونية والتضامن العربي سلماً أو حرباً، يتناقض مع مبدأ الحوار الأخوي والإحترام المتبادل والعلاقات المميزة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا على أساس يحفظ مصالح البلدين ويصون حقوق الشعبين الشقيقين ويحقق الإزدهار لهما مع الحرية والكرامة والديمقراطية وفي ظل السيادة والإستقلال...

كأن نداء بكركي يتناقض مع نداء الأقصى... وكأن الإرساد الرسولي يخالف ميثاق الطائف..
وقد ضاعف وفاقم من حدة هذا الإنقسام اللبناني المتجدد عمل الأجهزة الأمنية والإعلامية وعن عمد وسابق تصور وتصميم على تخويف المسيحيين والتهويل عليهم: تارة بالخطر الأصولي السني (التكفير والهجرة في الضنية ويونس الألماني ـ القصاصات البذيئة الموزعة ضد البطريرك في مظاهرة الأقصى ـ بيانات ومتفجرات الشمال ـ الإعتقالات والبيانات حول شبكات إبن لادن والتكفير والهجرة وغيرها وهي مما لا صلة له بأي واقع إسلامي أصولي في لبنان) وطوراً بالتوطين والخطر الفلسطيني الزاحف خارج المخيمات وحتى حدود بوابة فاطمة وشوارع مدن لبنان، واطواراً أخرى بتحريك مشروع إلغاء الطائفية السياسية، أو بتحريك خطر الأصولية الشيعية.

وقد لعبت تصريحات ومواقف السيدين فضل الله ونصر الله وتهويلهما مع غيرهما بخطر الضنية للدفاع عن الوجود السوري في لبنان، دوراً سلبياُ في الشارع المسيحي المستنفر أصلاً في هذه الظروف.

يكفي أن نستعيد وقائع حادثة الحجاب في مدرسة عين إبل أو تصريح السيد نصر الله في صحف 16/10 أو تصريحات السيد فضل الله حول نداء بكركي، لنكشف حجم الفزاعات التي إستخدمت هذه الأيام لمضاعفة شعور المسيحيين بالهاجس الأقلوي وبخطر الضياع والذوبان..

فما بالك والمظاهرات الإسلامية تملأ شوارع لبنان والعالم العربي والإسلامي وتحمل شعارات الجهاد والحل الإسلامي، والعنف الطائفي يتجدد في مصر، بعد السودان وأثيوبيا واريتريا ونيجيريا وأندونيسيا..

هل نسينا تزامن حادثة الضنية في شمال لبنان مع حادثة الكشح في صعيد مصر؟..

هل نسينا حادثة تفجير العبوة على طريق البلمند أثناء مرور باص يحمل كهنة وأساقفة أرثوذكس في إبان مجازر البوسنة؟

هل نسينا متفجرات الكنائس في طرابلس أثناء مجازر الشيشان؟؟

هل نسينا أن البابا يوحنا بولس الثاني دعا إلى سينودس من أجل لبنان في عز الحملة المسيحية لمقاطعة الإنتخابات النيابية صيف 1992؟ وأن بطاركة الشرق الكاثوليك، ورؤساء الكنائس الشرقية كافة، ما فتئوا يعقدون المؤتمرات ويصدرون البيانات والنداءات ومنذ عام 1990 تحديداً (تاريخ إنعقاد مؤتمر لبطاركة الشرق الكاثوليك في بكفيا) وحتى الشهر القادم (تشرين الثاني) حيث سينعقد في لبنان مؤتمر لرؤساء الكنائس الشرقية؟؟

هناك إذن هواجس حقيقية ومخاوف مشروعة تتعلق بمصير ومستقبل المسيحيين في هذا الشرق المضطرب المتوتر.. وهي هواجس ومخاوف عبرت عنها كما سبق القول مؤتمرات ونداءات رؤساء وبطاركة الكنائس العربية والمشرقية عموماً... وهي إنطلقت منذ عام 1990، ووصلت اليوم إلى ذروتها.. فلا يجوز بالتالي إهمالها أو تجاهلها أو التعامل معها تعامل الشعور بالقوة والغلبة أو بإستحضار شعارات ومفاهيم الذمية، والحل الإسلامي، والحرب ضد الكفار والمشركين...

وعلى المقلب الآخر، فإن الشعور بالخوف والقلق كان له أيضاً ما يبرره محلياً... فرغم ما قدمه المسيحيون، وعلى رأسهم بكركي، من إسهامات في إنجاح الطائف وإنجاح التعديلات الدستورية، والدخول في مشروع دولة الطائف وحل الميليشيات وتسليم السلاح والإنتقال إلى العمل السياسي، وإعلان التوبة وطلب الغفران (الإرشاد الرسولي)، نقول رغم ذلك كله، لم تقدم الدولة أي دليل على جديتها في بناء التوازن وتحقيق المشاركة ولا على نيتها في طي صفحة الماضي وتحقيق المصالحة الشاملة ولا على إحترامها لعهودها ومواثيقها... فنحن ما زلنا نعيش صيفاً وشتاء تحت سقف واحد.. ونكيل بمكيالين، وما زلنا نلجأ إلى المناظرة والمحاجة والشقاق (والنفاق طبعاً) ونعتبر الحوار تكتيكاً ذكياً للإقناع أو التذويب أو الإستيعاب أو النفي والنبذ والإلغاء.

ما زالت مقولة غالب ومغلوب هي الحاكمة، وما زال العدل منتهكاً والحقوق مستباحة.. فكيف يطمئن الخائفون ولا يهاجر الشباب ولا يحبط العاملون في الحقل العام؟ وإذا لم يتكلم رجال السياسة والإعلام والفكر، أفلا يكون مبرراً لرجال الدين، وللمقامات الروحية، بما تمثل وبما تمتلك من تاريخ ومن حس بالمسؤولية ومن وعي وحكمة ومن جدارة وحزم، أن تقول كلمة الناس، بحسب تعبير البطريرك هزيم..

إن "إستحمار" الناس (مقولة للشهيد الدكتور علي شريعتي) أو إستكرادها (بحسب تعبير الوزير جنبلاط) والإستهتار بمشاعرها وبكراماتها وبحقوقها ومصالحها هو الذي أوصل ويوصل البلاد إلى حافة الإنهيار وإلى حدود تضخم الهواجس والمخاوف وتحولها إلى سرساب أساسه عدم الثقة وإنعدام الأمان والإطمئنان.

وحده الحوار الوطني "الصادق" تحت سقف الطائف ومن خلال المؤسسات الشرعية، وبين الدولة والمجتمع، وبين قوى المجتمع الأهلي وعلى رأسها المرجعيات الروحية، وحده هذا الحوار المتعدد الأوزان والإيقاعات هو صمام أمان الوحدة الوطنية. فلا التخوين والتكفير ولا الهجرة والتهجير، ولا الإحباط والتثبيط، ولا الأجهزة الأمنية والفبركات الإعلامية والمصادر المطلعة، ولا إسكات الأصوات وكم الأفواه ولا التملق والمداهنة والنفاق، بقادرة على تغيير الواقع أو تهدئة المخاوف أو تسكين الهواجس أو نزع فتائل التفجير.

وحده الحوار حول الإشكاليات والمشكلات الأساسية في الحياة الوطنية قادر على إستعادة ثقة اللبنانيين بأنفسهم وبدولتهم. إن ذلك يتطلب من الدولة أولاً أن تكون منسجمة مع طبيعة مجتمعها، غير منفصلة عنه ولا مستقوية عليه، ترعى صيغة عيشه المشترك وتصون وحدة أبنائه ووفاق عائلاته.. وان تكون ديمقراطية تتسع للتحولات والتطورات الحاصلة في المجتمع وتؤمن أوسع مشاركة في القرار السياسي والإقتصادي والتنموي. كما أن ذلك يتطلب ثانياً من الجماعات الطائفية بذل جهل كبير لتجسيد إحترامها لدولة القانون والمؤسسات ولتطوير عملية إندفاعها ومشاركتها في الشأن العام ضمن أطر الوحدة والوفاق والتوازن والعدالة. إذ لا بد من تغليب هذه العناصر داخل كل طائفة وفي ما بين الطوائف حتى تستقيم الأمور.

إن الصراع داخل كل طائفة بين إتجاهات تدعو إلى التواصل مع الآخر وإلى تطوير المساحات المشتركة وإلى التضامن والمشاركة، في كل الظروف والأحوال بغض النظر عن موازين القوى، وبين تلك التي تدعو إلى الغلبة والهيمنة والإستحواذ في مرحلة نهوضها وإلى الإنكفاء والإنطواء وفك الشراكة في مرحلة تراجعها، إن هذا الصراع حسمته وتحسمه على الدوام المواقف الوطنية التاريخية لمرجعيات المجتمع الأهلي أي قياداته الروحية والفكرية والسياسية التي كانت على الدوام ضمير الوطن وذاكرة عيشه المشترك وصمام أمان وحدته الوطنية.

وختاماً "فإن السيادة والإستقلال متلازمان في لبنان تلازماً كاملاً مع الوحدة الوطنية. فلا إستقلال ولا سيادة في ظل التناحر الداخلي. كما أن الوحدة الوطنية لا يفرضها فريق على آخر وإنما تأتي عبر البحث الدائم عن تسوية مبنية على التوازن ساعية إلى الإقتراب من العدالـة". (من مانيفست: دعوة للإتفاق على معنى لبنان)..

إلغاء الطائفية السياسية: فزاعة لم تعد تخيف!؟

إلغاء الطائفية السياسية: فزاعة لم تعد تخيف!؟
النهار 10 تشرين الأول 2000
بقلم سعود المولى

ثلاث مرات طرح فيها موضوع إلغاء الطائفية السياسية حتى الان منذ توقيع إتفاق الطائف (1989) وإقرار التعديلات الدستورية (1990)، وفي المرات الثلاث كان يتم سحب الموضوع بعد صدور موقف واضح وحاسم من المرجعية الإسلامية الشيعية.

في المرة الأولى صدر الكلام "العلماني" المطالب بإلغاء الطائفية السياسية عن الوزير البعثي عبدالله الأمين إثر نداء السينودس الشهير.. وقبل أن يستفحل الفرز ما بين مؤيد ومعارض للمطلب كان الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين يدعو إلى سحب الموضوع من التداول..

في المرة الثانية صدر الكلام عن الرئيس نبيه بري إثر مشاركة وزراء "أمل" في الموافقة على مشروع الزواج المدني الذي طرحه الرئيس الياس الهراوي وعارضه الرئيس رفيق الحريري. يومها صدرت مواقف وتصريحات عنيفة عن المراجع الدينية الإسلامية وصلت إلى حد تكفير المسلمين الذين صوتوا مع المشروع. وقد اضطر الرئيس بري من ناحيته إلى تغطية وزرائه بطرح إلغاء الطائفية السياسية كمقدمة لا بد منها لإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية. وهو يقصد بذلك "إحراج" المشروع "لإخراجه".

ويومها أيضاً كان للإمام الشيخ محمد شمس الدين الموقف المتضامن نفسه من جهة مع المفتي قباني والقيادات الإسلامية في رفض مشروع القانون المدني للأحوال الشخصية والمعارض من جهة أخرى لطرح مشروع إلغاء الطائفية السياسية. فسحب المشروع من التداول...

أما المرة الثالثة (ولعلها الأخيرة) فقد انطلق الكلام عن الدعوة إلى تطبيق المادة 95 من الدستور من النائب القومي السوري الدكتور مروان فارس، وذلك أثر صدور نداء المطارنة الموارنة الأخير...


وقد حاول النائب فارس جمع تواقيع على عريضة نيابية وما لبثت المحاولة أن انهارت وطواها الصمت المريب ما يدل دلالة قاطعة على أن المسألة كلها لم تتعدّ التهويل والإستعراض وليس المبدئية والجدية في الطرح... وكما في المرتين السابقتين كان للإمام شمس الدين الموقف نفسه الداعي إلى سحب الموضوع من التداول مع دخول عنصر جديد تمثل في طرح موقف متقدم هو الأول من نوعه بالنسبة إلى القيادة الإسلامية والشيعية منها تحديداً.

لماذا الفزاعة؟؟

وقبل أن نتناول الموقف الشيعي الجديد كما عبر عنه الإمام شمس الدين لا بد لنا من التساؤل عن سر ذلك التناوب "العلماني" على إستخدام موضوع إلغاء الطائفية السياسية كفزاعة كلما صدر موقف مسيحي لا يعجب أطرافاً في السلطة (نداء السينودس، وأخيراً نداء المطارنة) وعلى إستخدام موضوع الزواج المدني أو قانون الأحوال الشخصية، كفزاعة، كلما صدر موقف إسلامي لا يعجب أطرافاً في السلطة ... وفي الحالتين فإن الإستخدام "الإنتهاري" يكشف عن طينة أصحابه وعقليتهم إذ يضعهم في خانة التحرك لتخويف الناس وإثارة الإنقاسامات وإحداث إستقطاب وفرز وهيجان، والتهويل بالفتنة والحرب الأهلية، وصولاً إلى طرح شعار "إما الأمر الواقع وإما الفوضى" .

المهم أن طرح إلغاء الطائفية السياسية يتم في مناسبات إعلامية وبصورة تحريضية، وهو يتكرر كلما صدر موقف مسيحي يطالب بالتوازن والمشاركة..

والغريب في أمر الذين يتولون مهمة اخراج المادة 95 من صندوق الفزاعات، أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء شرح سبب نسيانهم المادة (في غير مناسبة إخراجها الظرفي) أو تغاضيهم عن تفشي الطائفية المذهبية، أو حتى نجاحهم الإنتخابي على لوائح أقل ما يقال فيها أنها ذات لون مذهبي أو طائفي فاقع... فالمادة 95 موجودة في الدستور منذ تعديل 21/9/1990 (أي منذ عشر سنوات بالتمام والكمال) فلم نسمع مرة عن برنامج عمل جدي أو عن مشروع عملي، لخوض نضال حقيقي في إتجاه تنفيذ المادة 95. ومن ناحية أخرى فإن الذين يتنطحون لإعطاء اللبنانيين دروساً في العلمانية والديمقراطية لا يجدون من يسألهم عن مدى علمانية أحزابهم ومؤسساتهم وأنظمتهم وديمقراطيتها وهي أشهر من نار على علم في هذا المجال!!


ماذا في الجعبة اليوم؟؟

واليوم ومع إكتمال عقد السنوات العشر على دستور الطائف، ومع صدور صرخة الأساقفة الموارنة في ندائهم الشهير، ومع إتضاح نضج اللبنانيين وعدم وقوعهم في فخ الإستقطاب التنابذي العدائي، عاد التهويل بفزاعة إلغاء الطائفية السياسية لغاية في نفس يعقوب، وليس خدمة للتطور الديمقراطي للمجتمع اللبناني... ذلك أن تطوير النظام السياسي أو الصيغة اللبنانية الفريدة هو عمل تاريخي لا تقوم به أو تفرضه نخبة "فوقية" مهما لبست من لبوس "ديمقراطي" ومهما إدعت أنها "قومية" إذ إنها في الحقيقة تبقى "ما فوق مجتمعية" و "ما فوق وطنية" أي خارج المجتمع والوطن.

إن التغيير، أي تغيير، هو من عمل الناس أصحاب المصلحة فيه، وبناء على إقتناعاتهم وخياراتهم التي تتكون لديهم من خلال الثقة والأمان...

وليس التغيير أداة لتأكيد عقيدة ما، أو لإثبات نظرية ما، خارج التاريخ. ولقد شبعنا تجارب على حساب الناس ودماء الناس ومصالح الناس. ولقد وعينا دروس التجربة الشيوعية في الإتحاد السوفياتي أو يوغوسلافيا أو حتى اليمن الجنوبية، ناهيك عن التجارب القومية في الجماهيرية الليبية أو العراق أو سوريا... من هنا قول الإمام شمس الدين مراراً وتكراراً أن التاجر حين يتاجر فإنما هو يتاجر بماله وبضاعته أما السياسي الحزبي فإنه عندما يتاجر فإنه يتاجر بدماء الناس واموالهم وأعراضهم، وهؤلاء هم من يدفع الثمن في حين يتربع السياسيون الحزبيون على عرش السلطة.. ففي قضايا التغيير والتطوير السياسيين ينبغي التركيز في ما يخص وضعنا الحالي في لبنان (وكما يقول الإمام شمس الدين) "على تكوين اقتناعات حقيقية لقبول بعضنا على قاعدة تنفيذ إتفاق الطائف بأمانة وبنحو يحقق التمثيل الصحيح والمشاركة الفعلية والقوية في صنع القرار السياسي والإقتصادي والتنموي" (راجع تصريحه في صحف الثلاثاء 3/10/2000).

وهو (أي الإمام شمس الدين) صاغ موقفه الجديد بناء على هذا التقدير حتى توصل إلى إقتناع مفاده أن المادة 95 هي من "الأخطاء التي أتكبت في مفاوضات الطائف" لجهة توقيت إلغاء الطائفية السياسية بعد إنتخاب أول مجلس نيابي على أساس المناصفة... ويقول الإمام إنّ "هذا التوقيت كان مبنياً على التسرع، وهو توقيت خطأ". وفي التصريح نفسه يذهب الإمام شمس الدين إلى القول أن "النظام السياسي الذي أقره اتفاق الطائف يشكل عنصر إستقرار للبنان إذا استخدم بعدالة وبروح إنسانية، فهو يمثل قوة تماسك في لبنان، والأفضل ألا نزج لبنان الآن في وضع تنظيمي يخلق شكوكاً وإرباكاً".

مقومات الموقف الشيعي الجديد

لم يحمل أحد في لبنان مطلب إلغاء الطائفية السياسية كما حمله الشيعة إلى حد أنه اصبح عنواناً لحركتهم السياسية، كما كانت "المشاركة" عنواناً للحركة السياسية للطائفة السنية. صحيح أن المطلب ورد على لسان كل الأطراف والفئات، ومنذ البيان الوزاري الأول للمرحوم الرئيس رياض الصلح، وانه تحول قضية على يد المرحوم الزعيم كمال جنبلاط، إلا ان مرحلة الصعود السياسي للطائفة الشيعية بقيادة الإمام السيد موسى الصدر هي التي بلورت هذا المطلب كتعبير عن طموح "المحرومين" في المساواة والعدالة وفي التمثيل الصحيح المتناسب مع وزنهم العددي وكفاياتهم... ويكفي هنا أن نتذكر أول مؤتمر صحافي للسيد الصدر عام 1966 وفيه عرض الإجحاف اللاحق بالطائفة الشيعية في وظائف الدولة وفي موازنة الحكومات المتعاقبة حتى ان مقولة الحرمان تلازمت مع مطلب إلغاء الطائفية السياسية... هذا التماهي هو الذي جعل المجلس الإسلامي الشيعي العلى يتقدم صفوف المطالبين بإلغاء الطائفية السياسية ذلك منذ إنتخاب الإمام الصد رئيساً (1969) وحتى المذكرة الشهيرة إبان الأحداث الفتنة (1976). حتى إن ورود المادة 95 في التعديلات الدستورية بعد الطائف إعتبر وقتها إنتصاراً للشيعة.

وفي ظل اجواء كهذه كان من الطبيعي أن يصدم أعضاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حين فاجأهم الإمام شمس الدين في جلسة خاصة دعا إليها في حزيران 2000، بإبلاغهم رسمياً تحفظه على مطلب إلغاء الطائفية السياسية. وكان سبق ذلك قيام وفد من قيادتي "حركة أمل" و"حزب الله" (كل على حدة) بزيارة الإمام شمس الدين للإستفسار منه عن موقفه بعد خطابه الشهير في إفتتاح مؤتمر "التوترات الدينية" الذي نظمه الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي ومجلس كنائس الشرق الأوسط في 9 آذار 2000.

والموقف الجديد للإمام شمس الدين لا يقوم فقط على طلب تجميد السعي لإلغاء الطائفية السياسية أو سحب المشروع من التداول لأسباب تكتيكية تتعلق بالإستقطاب التنابذي الذي يثيره طرحه، وإنما يتعدى ذلك إلى المطالبة بالعدول نهائياً عنه.

وخلاصة تفكير الإمام شمس الدين في هذا المجال هي أن لبنان أنجز برغم كل تشكيك وإتهام "أفضل صيغة في التاريخ للعيش المشترك" وأن الواجب الديني أولاً والسياسي ثانياً يفرض المحافظة عليها وصونها وترسيخها.

أكثر من هذا، يقول الإمام شمس الدين أن "الأطروحة الحارة والساطعة والمتوهجة التي سادت في العقدين الأخيرين عن سعي المجتمع اللبناني إلى إلغاء نظامه القائم فعلاً على ما يسمى نظام الطائفية السياسية، هذه الأطروحة أنا أدعو الآن ليس فقط إلى تجميدها بل إلى العدول عنها لأنني أعتقد بأن الصيغة اللبنانية هي إنجاز من أعظم إنجازات الروح والعقل في لبنان، وقد تكون نموذجاً ينبغي أن يستفيد منه الآخرون الذين يعيشون في مجتمعات فيها نسبة أخرى كبيرة أو صغيرة من التعددية"..

هذا الكلام صدم ويصدم نهجاً في العمل السياسي كان يعتبر مطلب إلغاء الطائفية السياسية من ثوابت الموقف الوطني ومن مسلمات الوعي والإنتماء الديمقراطي والمدني... فجاء الإمام شمس الدين ليقول بأنه ليس من شعارات عمل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى السعي إلى إلغاء الطائفية السياسية بل إلى ترشيدها أو إلى ترسيخها على أسس رشيدة... وهو بذلك يريد القول بأن الطائفية السياسية التي هي نظام لبنان أو هي الصيغة السياسية لتوافقه الديمقراطي، هي عنصر استقرار وعنصر قوة وتماسك للبنان إذا "إستخدمت بعدالة وبروح إنسانية" أي إذا كانت "رشيدة"..

وفي حديث خاص قال الإمام شمس الدين أنه يرجح أن تبقى هذه الصيغة هي نظام لبنان وهو يدعو إلى عدم تعريضها لإنتهاكات قد تجعلنا نأسف عليها. ويردد في هذا المجال قول الشاعر: "رب يوم بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه" وكم مرت علينا من أيام بكينا منها وها نحن الآن نبكي عليها...


تطوير الصيغة اللبنانية

الفكرة الرئيسية في هذا الموقف الصادر عن أعلى مرجعية إسلامية في لبنان، تنبع من النبع نفسه الذي عبرت عنه رسالة الإرشاد الرسولي، والمتعلقة بكون لبنان أكثر من وطن، إنه نموذج ورسالة حضارية في آن واحد. وكان سبق للإمام شمس الدين أن صرح مراراً بأن "لبنان لا معنى له دون مسيحييه، ولا معنى له دون مسلميه، إن معناه يكمن في مسلميه ومسيحييه المتعايشين معاً المتحاورين في حوار الحياة والذين أنجزوا عبر تاريخ عيشهم المشترك تلك الصيغة السياسية الفريدة في العالم العربي".

صحيح أن التجربة اللبنانية قامت على تسويتين: تسوية داخلية بين الجماعات المكونة للبنان، وتسوية خارجية بين القوى الإقليمية والدولية، وصحيح أن ميزان القوى كان غير متكافئ وغير عادل أو متوازن على المستويين الداخلي والخارجي، إلا أن الصحيح أكثر هو انه كان للتوافق الداخلي على الدوام الدور الرئيسي في إستيلاد الصيغة والسير بها. وهذا لا يعني أن نتجاهل أن الخارج كان أيضاً هو الضامن الأساسي للصيغة ولتوازناتها (منذ نظام القائمقاميتين والمتصرفية وحتى إتفاق الطائف)، إلا أنه علينا أن نستوعب الميزة الأساسية التي تتمثل في أهمية التوافق الداخلي ودوره الحاسم في لحظات الأزمة والإنهيارات الكبرى... حصل ذلك في الميثاق الوطني عام 1943، كما حصل في صيغة "لا غالب ولا مغلوب" عام 1958، وحصل أخيراً في صيغة الطائف عام 1989، إن هذه التجربة الطويلة قد ولدت من قيم العيش المشترك ومكتسبات الحرية والديمقراطية والتنمية، ما جعل اللبنانيين يتمسكون بها ويحاولون استعادة مقوماتها... والحقيقة الأساس التي أفرزتها سنوات التجارب المريرة هي أن الصيغة اللبنانية لا تجد ضمانتها الثابتة إلا في الإتفاق الداخلي والوحدة الوطنية، وان هذه الضمانة الداخلية لا تقوم على الإمتيازات أو المرجحات العددية أو الإنطواء على الذات وإنما على الإنفتاح والحوار وتكوين الإقتناعات المشتركة والتأسيس عليها الأمر الذي ينزع إلى الأبد إحتمالات الإستقواء بالخارج أو توظيف الخارج لقوى محلية في لعبة الصراعات الإقليمية. وما ينبغي الإشارة إليه هنا أنه كان لـ "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني" (ورئيسه سمير حميد فرنجية) الدور الأكبر في صوغ الإطار النظري لمقومات تطوير الصيغة اللبنانية ومبادئ النظر إلى الكيان والدولة والمجتمع في لبنان ومنطلقاته. وهذا الإنجاز النظري نلحظ تأثيره الكبير في معظم المقولات السياسية الرائجة اليوم في ساحة الحوار والسجال... وقد طور "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني"، بالترابط والتنسيق مع التطوير الفقهي والنظري لسماحة الإمام شمس الدين، مقولة العلاقة المتوازنة بين المجتمع والدولة في التجربة اللبنانية... فلبنان ليس كياناً عرضياً أو صدفة تاريخية يترك للعوامل الخارجية أمر تقرير مصيره. كما أنه ليس كياناً أزلياً سرمدياً واجب الوجود لذاته... أنه وكما قال الإرشاد الرسولي وكما قال الإمام شمس الدين معنى ودور، يرتبطان بإدارة أبنائه وبقدرتهم على النهوض بمسؤوليتهما (المعنى والدور).

وكما سبق أن قال الإمام موسى الصدر فإن التنوع القائم في المجتمع اللبناني هو مصدر ثراء وغنى ونوافذ حضارية على مكاسب للبشرية في هذا العصر والعصور الماضية. ومن هنا فإن التعددية في المجتمع الأهلي هي تجارب إنسانية تدخل على لبنان وتتفاعل في ما بينها لتنتج هذا العيش المشترك القائم على الحوار والتضامن، ومن هنا فإن الدولة المطلوبة في لبنان هي الدولة المتصلة بالمجتمع المتكاملة معه، لا المنفصلة عنه ولا المستبدة به.

والدولة بحسب الميزان الفقهي لسماحة الإمام شمس الدين ليس لها غائية ذاتية مستقلة تستمد منها شرعيتها، إنها مؤسسة من مؤسسات المجتمع وإن كانت المؤسسة الكبرى بإمتياز. وهي بهذا المعنى لا تستطيع أن تشكل إختزالاً للمجتمع أو تعبيراً صافياً متعالياً كلياً عليه أو إلغاء له...، وعلى الدولة أن تخضع للغايات التي يحددها المجتمع. فشرعيتها هي شرعية وظيفية يمكن الحكم عليها بمعايير الفاعلية والمردودية وبمدى إنسجامها مع التوجهات الأساسية للمجتمع... إن المعادلة المطلوب إيجادها بين الدولة والمجتمع (في ما يخص لبنان المجتمع المتعدد الطوائف والإنتماءات) هي معادلة قيادة وإنقياد: قيادة الدولة للمصلحة العامة المشتركة وإنقيادها للغايات التي يحددها المجتمع: فلا الدولة وصية على المجتمع تتصرف في معزل عن توجهاته ولا المجتمع قادر أو ينبغي له أن يحل محلها...

والحال أن الوثيقة الأولى لـ "المؤتمر الدائم للحوار" قد عالجت بإسهاب هذه الناحية مستندة إلى التطوير الفقهي والنظري للإمامين الصدر وشمس الدين، وإلى الخبرة السياسية العملية المكرسة في مسلمات كان قد صاغها الزعماء رياض الصلح وبشارة الخوري وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وغيرهم ممن قام عليهم الوفاق، وينبغي العودة الدائمة إليها...

وبعد، فلطالما شهدنا من حولنا، في الفكر والممارسة، تعريفات للأوطان تختصرها بحدي السلطة والحدود القانونية، مسقطة تالياً الحرية والديمقراطية إذ تسقط حق المجموعات المختلفة في التعبير عن نفسها... وبعض هذه التعريفات يذهب إلى حد إعتبار سلطته إختصاراً للوطن والشعب... ونعتقد أن لبنان هو الدحض الحقيقي والعملي لكل تلك الإتجاهات الإستبدادية ومن هنا ضرورة صيغته والحاجة الإنسانية إليها، وحاجتنا نحن إلى الحفاظ عليها وتطويرها...

عن أي حوار وعن أي مصالحة وطنية يتحدّثون؟

عن أي حوار وعن أي مصالحة وطنية يتحدّثون؟
المستقبل 24 و 25 أيلول 2000
بقلم سعود المولى
تتميّز الأصوليات، القديمة، والحديثة، العلمانية كما الدينية، في إدعائها تمثيل الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل لا من خلف ولا من قدام، ولا تعتريها النسبية أو تتأثر بأي عوامل، والتي تصدر عن ذات مفارقة للزمان والمكان، جوهر أزلي أبدي، يحمل تارة إسم الأمة أو الكنيسة أو المذهب، وأطواراً كثيرة إسم الديمقراطية والحوار والتعددية.

وفي قاموس هذه الأصوليات أن الحوار وسيلة للإقناع طالما أن الحقيقة معروفة، وأن التعددية هي من مستلزمات الصورة العصرية طالما ظلت تحت سقف الغلبة، وأن الديمقراطية تحصيل حاصل بفعل العنوان الذي أحمله أنا.. فلو كنت أنتمي إلى هذا الحزب أو ذاك، أو أكتب في هذه الجريدة أو تلك، فأنا حتماً ديمقراطي، وأكثر من ذلك: فأنا حتماً وطني، والوطنية هنا تعني رأيي أنا في الوطن وقضاياه ومصيره.. وأنا أستطيع بالتالي توزيع صكوك الغفران وشهادات الوطنية على من يناسب عقلي وشكلي وأن أفرض أيضاً فهماً معيّناً وذوقاً محدداً كأطر عامة لا تقبل النقاش ينبغي أن تندرج الثقافة والسياسة تحت سقفها وكل ما يخالفها فهو رجس من عمل الشيطان، والشيطان هنا هو الآخر، المختلف، الذي لا يحمل نفس الفهم أو الذوق أو الفكر أو العقل أو الشكل.. وما أسهل فتاوى التخوين والتكفير وهي بالمناسبة ليست شأناً خاصاً برجال الدين، بل هي أكثر ما سادت وتسود في الأوساط "العلمانية والديمقراطية والوطنية".. (طبعاً مع حفظ الألقاب)..

والقول الفصل في مسألة الإختلاف والتعدد والحوار هو في النهاية للقوة والغلبة. فالحوار يخضع لمنطق القوة، أخوضه إذا كنت ضعيفاً لكسب الوقت ولزيادة القوة ولإضعاف الخصم وتضليله أي تحت عنوان "التمسكن" قبل "التمكّن".. فإذا ما تمكّنت وتغلبت فلا حوار ولا من يحزنون..

وقد أخوض الحوار إذا كنت قوياً متمكناً وذلك كنوع من الدعاية أو التبشير أو عرض البضاعة في السوق كي يتم تشكيل عقول الناس وأذواقها حسب ما أقول ووفق منطق ميزان القوى والغلبة فالناس على دين ملوكها، والناس عبيد الدنيا، والناس تنقاد لمن غلب.. (وهكذا.. وكلها أمثلة من تراثنا والديني منه تحديداً)


الحوار هنا إذن، وفي كل الأحوال، ليس مبدأ، وليس أصلاً ثابتاً، وليس قيمة، بل هو وسيلة وآلية ضمن إستراتيجية أعم هي إستراتيجية النفوذ والقوة..

والحقيقة أن الإسلام يرفض هذا المعنى، ويرفض الأصولية بالتالي، كشكل تعبير أو تنظيم، ويرفض الإستقواء والغلبة. ذلك أن الحكمة والمعرفة والحقيقة هي ضالة المؤمن، يأخذها أنّى وجدها، ولو في قلب كافر أو عقل مشكك، ولو في الصين أو الغرب.. وهي ملك للناس ينشدونها كدحاً وجهداً ساعين في مناكب الأرض يتأملون ويتعلمون، يراكمون التجارب ويستخلصـون الدروس، يتحاورون مـع النص ـ الكتاب، ومع الطبيعة ـ الكتـاب، ومع الإنسان ـ الكتاب، وفي سنّة التدافع، ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع﴾ ... أو ﴿لفسدت الأرض﴾ ... ﴿إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾، بالحوار الحق القائم على العلم والمعرفة وعلى التضامن.. وعلى قبول الآخر كما هو، لا كما أريده أنا أو أتصوّره، لأن الحوار مكاشفة ومصارحة في حديث القلب والروح وليس تكاذباً ونفاقاً، ولا زغلاً ودجلاً، ولا تكتيكاً وتقيّة..

ولنا في رسول الله أفضل مثال وأسوة، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو ناقل الوحي، أي الحقيقة المطلقة، فإذا به يدعو مخالفيه والكافرين برسالته إلى كلمة سواء يقف فيها وإياهم على قدم المساواة.. (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) (قرآن كريم).

ولنا في سيرة الصحابة والأئمة أكثر من دليل ومثال.. ويكفي أن نردّد مقولة الإمام الشافعي رضوان الله عليه: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب) وأن نستعيد القاعدة الذهبية لمجلة المنار وللشيخ رشيد رضا ومن بعده للشهيد الإمام حسن البنا وهي مأخوذة أيضاً من أئمة الفقه: (نعمل في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا البعض في ما نختلف فيه)..

ولن تكفي مقالة واحدة في هذه الصفحة لتعداد آداب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن ومعاني المحبة والعفو والإحسان والعدل ولو على الأقربين، والتي أرساها الإسلام في حياة البشر ليكون دين السماحة واليسر لا العصبية والعسر، دين العدل والمساواة لا القوة والغلبة، دين الوفاء بالعهود والصدق والإستقامة والأمانة لا مكان فيه لدجل أو نفاق أو تكاذب أو نكث أو ارتداد..

أسوق هذا الكلام، وربما نحتاج إلى الكثير غيره، ونحن نشهد ما نشهد اليوم من تقاصف بالبيانات والخطب والإجتماعات ومن تكذيب وتخوين وتكفير ومن توزيع لشهادات الوطنية والديمقراطية ومن حجب لصكوك الغفران أو إعطاء لمفاتيح الجنان.. وكاننا وبعد عشر سنوات على الطائف لم نتعلم شيئاً ولم نفقه أمراً..
ولقد سبق لي أن كتبت وفي هذه الصفحة بالذات مقالات كثيرة في ربيع هذا العام، وكلها تحدثت عن ضرورة العدل في سلوكنا وفي حياتنا السياسية وعن وجود خلل كبير في ممارستنا للسلطة وفي بنائنا للدولة والمجتمع بعد اتفاق الطائف وعن وجود شعور كبير بالغبن والظلم لدى قطاعات واسعة من المسيحيين، وعن وجود شعور بالغلبة والإستقواء لدى قطاعات من المسلمين، وعن ضرورة الحوار الوطني حول هذه الأمور وحول العلاقة مع سوريا ومع العرب ومع العالم.. وعن أمور كثيرة.. لا بل إن الوثيقة اليتيمة التي أصدرتها اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي والتي أمثل فيها المرجعية الشيعية إلى جانب إخواني ممثلي بقية المرجعيات، هذه الوثيقة الصادرة في 5 كانون الثاني 1995 تحدثت منذ ذلك الوقت عن هذه الأمور، وحملت تواقيع المرجعيات الروحية كافة، وهي دعت إلى تصحيح الخلل وإلى إقامة العدل والتوازن قبل إستحفال الأمور وتفاقم العواقب..

فكل إنسان عاقل مدرك، وكل غيور على الوطن، وكل عامل في سبيل الحوار والوحدة والتضامن، كان يدرك أن الظلم والغبن لا بد أن يولدا صرخة وصرخات، وتحركات.. ولقد سبق أن خبرنا ذلك حين صدور "النداء الخير" عن سينودوس الأساقفة الكاثوليك المنعقد في الفاتيكان من 26 تشرين الثاني إلى 14 كانون الأول 1995.. فكيف نستهجن إذن ونستغرب ما صدر أخيراً في نداء إجتماع المطارنة الموارنة؟ (وهو نداء وليس بياناً أي أنه يستعيد نفس صيغة النداء الأخير هادفاً إلى طرح الصوت وإعلان الصرخة التي يأتي بعدها البيان الشافي كما حصل مع الإرشاد الرسولي).

ما أن يصدر كلام مسيحي حتى نسارع إلى إصدار كلام مسلم مضاد له.. ما أن يتحدث أحد قادة الموارنة حتى نسارع إلى فتح ملف التكفير والهجرة..

عشر سنوات والكنيسة والشارع المسيحي يشكوان ويشتكيان ونحن نقول لهما أننا نفهم الشكوى ونوافق على أن المطلوب تصحيح الخلل وإعادة التوازن ولكن فليتم ذلك تحت سقف الدولة ومن خلال المؤسسات.. عشر سنوات مضت فإذا بنا نحن نقول علناً جهاراً أن الدولة ليست دولة، وإن المؤسسات غير موجودة.. وإن القضاء ليس قضاءً، بل هو أقدار مرسومة. ثم جاءت انتخابات الألفين وقلنا نحن المسلمين فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وكانت ثورة شعبية عفوية أطاحت بكل الخطوط الحمر والصفر، في بيروت والبقاع والجنوب والجبل.. وتبلورت المواقف في إكتساح جماهيري درزي وسني وشيعي حول رموز وقيادات من طينة الحريري وبري وجنبلاط.. وصفقنا لذلك باعتباره الدليل الأمثل على الخيار الشعبي.. فلماذا نصم الآذان ونغلق العيون إذن عن رؤية ما تبلور في الشارع المسيحي؟ لماذا نريد أن نفرض رموزاً مهترئة على الشارع المسيحي الذي رفض هذه الرموز ونبذها وأسقطها في الإنتخابات رغم مقاطعته الكبيرة لها؟ لماذا نصفق لوليد جنبلاط حين يتحدث عن الوجود السوري ونرجم المطارنة بأقذع السباب حين يقولون بضرورة العلاقات المميزة والمتوازنة مع سوريا؟ لم يتحدث نداء المطارنة بغير اللغة التي تحدث بها كل النواب والوزراء ممن أجمعوا على القول بأن قانون الإنتخابات كان فاسداً وظالماً ومعيباً. ولم يرد في النداء أي مقطع أو جملة لم يتكررا خلال الأسابيع الماضية في كل وسائل الإعلام المسموع والمقروء والمرئي وعلى ألسنة كل السياسيين معارضين وموالين.

ولقد سبق لي أن كتبت أنا شخصياً بان الحكمة الخفية في قانون الإنتخابات كانت الإمعان في تشتيت وإضعاف المسيحيين، وفي تهميش السنة وشق الدروز.. كان الرد العفوي الطبيعي إكتساحاً جماهيرياً سنياً لم يسبق له مثيل متحالفاً مع وحدة درزية صلبة حول الزعيم جنبلاط وهي وحدة لطالما حصلت في الأوقات الصعبة حين يدق ناقوس الخطر على الطائفة، ومتقاطعاً مع وحدة شيعية "مقدسة".
ألم يكن طبيعياً والحال هذه أن ينتفض الجسم المسيحي ويعيد تركيب أعضائه فيطرح من داخله ما لصق عليه خلال السنوات العشر الماضية ويعاقب من ادعى تمثيله والنطق بإسمه؟ أليس غريباً أن نرتد على هذا الوضع المسيحي ونتهمه بالإحتماء بسقف أميركي ـ إسرائيلي نعلم يقيناً أنه غير موجود وإذا كان موجوداً ففي غير هذا المكان؟ وإذا كانت أميركا تريد الضغط على سوريا عبر تحريك ورقة الإنسحاب من لبنان، أفليس صحيحاً أن هذا الضغط يهدف إلى تقديم سوريا تنازلات على جبهة التسوية في الجولان مقابل السكوت عن وجودها في لبنان؟ ألا يعرف المسيحيون ذلك؟

أعتقد انهم يعرفون ويدركون ومن هنا قولهم وقولنا معهم أن مصلحة سوريا ولبنان هي في التكامل وفي النهوض معاً وفي العلاقات الصحيحة المعافاة المتوازنة التي تحمي أمن البلدين وتصون مصالح الشعبين وتحقق سيادة واستقرار الدولتين.

إن ما حدث في الأيام الأخيرة، من إستنفار إسلامي و "وطني علماني" ضد البطريرك صفير ونداء المطارنة، لا يبشّر بالخير، وهو إساءة كبيرة إلى الحوار وإلى السلم الأهلي والمصالحة الوطنية..

أولاً: لأن ما قاله النداء هو ما قاله ويقوله كل الناس، ومن دون إستثناء، اللهم إلا شلة المستفدين الناهبين مصاصي الدماء.

ثانياً: لأن النداء جاء في لغة معتدلة وحوارية وطرح التعاون والتوازن على المستوى الداخلي كما على مستوى العلاقة مع سوريا.

ثالثاُ: لأننا كنا قد صرعنا الآذان حديثاً عن المصالحة الشاملة وعن الحكومة الوفاقية السياسية الممثلة للجميع.. فماذا قصدنا بالمصالحة وبالوفاق وبالتمثيل الشامل؟ هل كان ذلك شعارات استهلاكية؟ أم أننا لا نعرف ماذا نقول؟

رابعاً: لأنه لم يعد مقبولاً وتحت أي ذريعة استمرار سجن جعجع ونفي عون.

خامساً: لأن التكفير والتخوين واستحضار تهم العمالة لأميركا وإسرائيل أصبحت كاريكاتوراً مضحكاً مبكياً خاصة حين تصدر عمن صدرت عنهم.

سادساً: لأن أول أسس الحوار هو أن نسمع رأي الآخر وأن نعرف ماذا يقول وكيف يفكّر، لا أن نفرض عليه رأياً وتفكيراً نمطياً ولغة خشبية جامدة لم تعد تصلح حتى في الجنائز والأعراس.

سابعاً: لأننا نحترم أنفسنا ونحترم مواثيقنا وعهودنا، ونحترم دستورنا وهو القائل "لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

ثامناً: لأننا نحترم مرجعياتنا الروحية، صمام أمان الوحدة الوطنية، ونحترم كلامها الذي ينم عن روح المسؤولية الوطنية العامة، ولا نحتكم إلى نقيق الضفادع، التي دمرت الوطن خلال الفتنة ثم أصبحت اليوم توزع علينا شهادات الوطنية والديمقراطية.

تاسعاً: لأننا نريد لسوريا الخير والتقدم، ونريد للعرب العز والسؤدد، فإننا نقول صديقك من صَدَقك.. لا من صدّقك.. ولا خير في صديق لا يقول لك عيوبك، ولا خير في علاقة تقوم على الدسائس والتكاذب وعلى تبديل البندقية لحظة إنقلاب موازين القوى.. ونحن نعرف من التجربة أن المدافعين اليوم عن سوريا (نفاقاً وتزلقاً) هم الذين أنجزوا إخراج سوريا من لبنان عام 1983، والذين وقّعوا اتفاق القاهرة هم أنفسهم ألغوه ووقعوا 17 أيار ثم ألغوه ووقعوا غيره.

عاشراً: لأن الحوار ينطلق من الإعتراف بالإختلاف، وبالآخر شريكاً مختلفاً، وبحق الآخر بهذا الإختلاف وباحترام هذا الحق، وبالبحث معه عن الشراكة لا القطعية، وعن التآلف لا التنابذ، وعن إكتشاف مساحات مشتركة لتطويرها والإنطلاق منها لصياغة رؤية ونظر مشتركين إلى الأمور (كما فعل اتفاق الطائف) وذلك عكس الدعوة إلى الإستيعاب أو الإلغاء أو تذويب الآخر أو الطلب منه مغادرة مواقعه الطبيعية كشرط لقبوله.. فالحوار هو توليد لشراكة حقيقية قائمة على المعرفة وعلى الإحترام وعلى الإختلاف ولذا فإن أصعب خطواته هو حوار الذات، ونقد الذات، ومساءلتها.

حادي عشر: إن المؤسسات القائدة للمجتمع الأهلي (المرجعيات) هي، حسب ما صدر في بيان للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 25 أيلول 1975: "أعمدة حضارية للوطن ولربط حاضره بماضيه ومستقبله وبالتالي فإنها مسؤولة عن صيانة المعالم الحضارية للطوائف وللبلاد وليست أطراً طائفية رجعية كما يريد أن يصورها البعض. وإذا كانت السلطات هي المسؤولة عن إدارة العلاقات العامة بين المواطنين وتنظيمها، فإن هذه المؤسسات ـ المرجعيات تصون المحتوى وتحفظ الوحدة الوطنية والترابط بين الأجيال"، وهي كانت على الدوام ضمير الوطن وذاكرة العيش المشترك وحاملة لواء الوطن الواحد والدولة الجامعة.

ثاني عشر: ينبغي أن نضع خطاً واضحاً بين القوى التي حاربت مشروع الدولة، ثم إستفادت منه وأكلته وشربت خيره، وبين القوى والمقامات التي حملت مشروع الدولة وحضنته ودفعت الثمن في سبيل ذلك، ولم تنل منه أي إعتراف بالجميل ولا نالت منه أي خير، لأنها رأت عن صواب أن الخير هو للوطن وللمجتمع.. إن للوفاق وللوحدة الوطنية وللسلم اللأهلي آباء حقيقيين معروفين ولا يستطيع آباء "الفرصة السانحة" أو الأنابيب الإصطناعية أن يغيروا حقائق علم الوراثة.

ختاماً، فإن مسيرة السلم الأهلي والمصالحة وبناء الدولة ومؤسساتها قد إنتكست وتراجعت وهي تعاني من ثغرات أساسية ونقاط خلل فاضحة، اعترف بها الجميع، وليس أقلها ذلك الإلتباس في ممارسة السلطات بين الرئاسات الثلاث، وعدم وجود القضاء كسلطة دستورية مستقلة توازن السلطتين الإشتراعية والإجرائية وتضمن وتصون الحريات العامة والخاصة، وعدم وجود قانون إنتخابات شرعي وعادل (من المثير للسخرية أن يعترف الرئيسان الحص وبري بمعارضتهما لقانونهما للإنتخابات من دون أن يقولا لنا كيف مر هذا القانون اللقيط في مجلس الوزراء والنواب).. وعدم إنجاز إصلاح إداري حقيقي بل تفاقم الفساد وسوء الإدارة، وعدم حصول أي إنماء متوازن خصوصاً في البقاع الشمالي وعكار والضنية، والعجز المستمر عن بناء علاقات أخوة وتعاون حقيقية ثابتة ومتوازنة مع سوريا، إلى الإنهيار الشامل في القيم والأخلاق الناظمة للحياة السياسية وللعلاقات داخل إطار النخب السياسية الحاكمة (وقد إنضمت إليها مؤخراً أزمة الأحزاب العقائدية كالشيوعي والقومي وحزب الله والجماعة الإسلامية).

إن ذلك كله، مضافاً إليه حالة الشعور بالغبن والظلم في الشارع المسيحي، قد أسس ويؤسس لشعور وطني عارم بالفراغ السياسي وبالإحباط واليأس، يضاعف منه ويفاقمه مفاعيل الأزمة الإقتصادية الإجتماعية مما يخلق حالة جفاء بين فئات واسعة من المواطنين وبين الدولة ومؤسساتها.. وما لم تعالج الشكوى من الخلل في التوازن السياسي في السلطة وفي إدارة الشؤون العامة، وما لم يتم التوافق الحقيقي على شؤون الحكم، والمصالحة الحقيقية، وطي صفحة الماضي بكل ما يعنيه ذلك (ولنا في مبادرات الزعيم وليد جنبلاط خير النماذج الوطنية) وما لم يتم الإعتراف بحق الآخرين في التعبير عن ذاتهم وعن مشاعرهم، وبضرورة تمثيل الجميع في حكومة وطنية سياسية تستطيع وضع استراتيجية إنقاذ حقيقية.

ما لم يتم ذلك فإن مجمل الإنجازات التي حققتها جمهورية ما بعد الطائف ستبقى على أهميتها قاصرة عن تأمين ضرورات صيانة العيش المشترك وبناء الدولة.

والحال أن المطلوب اليوم بلورة تضامن وطني حقيقي، جامع غير اختزالي، في إطار حوار صريح وواقعي، وإطلاق لغة سياسية جديدة وثقافة سياسية جديدة، من أجل المستقبل، وإلا فسلام على لبنان وعلى المستقبل.. نعم هكذا بكل وضوح!

وليتحمل الجميع مسؤولياتهم!

آل المولى... صلابة لبنان

آل المولى... صلابة لبنان
جريدة البلد في 23 آب 2009-

علي حلاوي
alihalawi@albaladonline.com

واحـــــــدة مــــن الـــعـــائـــلات اللبنانية "أباً عن جد"، اتخذت من قساوة أرض البقاع وبعلبك- الهرمل مقراً لاقامتها. فحجزت لها مقعداً ثابتاً وفاعلاً في الــوقــت ذاتـــه ضــمــن شريحة الــعــائــلات العريقة فــي هذا الوطن. تعلمت من ارض البقاع كيف لا تسكت على ظلم ومذلة، فــحــارب ابــنــاؤهــا الاحــتــلالات المختلفة من الفرنسي وصولاً الى الاسرائيلي، قدمت ابناﺀها شهداﺀها ليعيشوا بعد ذلك في عز الانــتــصــار... انهم "آل المولى".
كما كان لآل المولى الحظ الواسع في مشاركتهم في فتح البلدان، بعد انطلاقتهم من شبه الجزيرة العربية، كان لهم النصيب الاكبر من نيل العلم والثقافة في لبنان، حيث لا تدخل منزلا من منازلهم الا وتجد بين ابنائهم رجــلا من رجـــالات العلم، بــل هناك منازل مأهولة بالمتعلمين، وقــد تبوأ العديد من ابنائهم مناصب هامة على مستوى الــوطــن ســواﺀ اكــان في مؤسسات الدولة ام مؤسسات المجتمع المدني ام المؤسسات الــديــنــيــة، نــذكــر منهم: محافظ النبطية القاضي محمود المولى، وعضو فريق الــحــوار الاســلامــي ـ المسيحي الدكتور سعود المولى، والــقــاضــي الشرعي علي المولى، والبطل اللبناني السابق الممثل محمد المولى، وشخصيات اخرى علمية وثقافية.
تحمل لفظة المولى في اللغة معاني عديدة منها: القريب والسيد والعبد. وقد عرف العرب نوعين من الموالي: العبيد، والامراﺀ فاما العبيد فهم من اصــول غير عربية. واما الامراﺀ فهم من اصول عربية والذين من ضمنهم آل المولى في لبنان كما اشرنا في بحثنا هذا وفقا لاهل الرواية المولوية. ومن المتعارف عليه، في علم الانساب، ان كبريات العائلات الاسلامية الشيعية في لبنان، تنتهي انسابها الى قبائل شبه الجزيرة العربية، ومنها: آل المولى، الذين وفدوا الى لبنان عبر محطات تاريخية متتالية، من خلال ما حصلنا عليه من معلومات من اهل الشأن لدى عائلة آل المولى.
بعد وفـــاة النبي محمد (ص)، عرفت الــدعــوة الاسلامية، مرحلة جديدة من انطلاقتها، هي مرحلة الفتوحات الاسلامية، حيث افتتح المسلمون في البداية، بلاد العراق، ثــم بـــلاد الـــشـــام، الــتــي كـــان من ضمنها لبنان، حيث انتقل الكثير من عرب الجزيرة، للعيش في البلاد المفتتحة، فــكــان مــن ضمنهم الكثير من آل المولى، فتنازعتهم بلدان ثلاثة للاقامة فيها. قسم اقام في العراق، وقسم آخر سكن ســوريــة وهــو الــيــوم مــن كبريات العشائر في سورية، حيث اتخذت هذه العشيرة من السنة مذهبا لها، اما الباقي فقد وصل لبنان واقام في بلاد جبيل، التي اتخذها الشيعة معقلا لهم آنذاك.
لو قرأنا تاريخ الشعوب لوجدنا معظمها، اما مهاجرا او مهجّرا او غازيا، لكن الشعب الرسالي، اينما حل يتخذ من ارضه الجديدة وطنا لــه، يبنيه ويــزرعــه ويــدافــع عنه، ويشارك اهله افراحهم واتراحهم، حتى يتفوق في المواطنية فيبلغ الدرجة الاولى والمقام الرفيع، وهذا ما ينطبق على عائلة آل المولى.
وفي بلاد جبيل، فلكثرة حبها العمل في الارض لاسيما في غابات اشجار السنديان التي تحمل حبا يسمى بلوط، لقبت هذه العائلة بـ (بلوط)، لكن قدر هذه العائلة ان تعيش الترحال، فجاﺀ ت فتن لبنان في اواخر القرن التاسع عشر لتدفع الكثير من ابناﺀ آل المولى، للانتقال الى البقاع الشمالي في قضاﺀ بعلبك، وآخرين للذهاب الى الجنوب ليكون لهم وطــن جديد داخل الوطن الجديد.
يتوزع آل المولى بين مناطق جبيل وقضاﺀ بعلبك الهرمل، حيث تستحوذ بلدة حربتا البقاعية على النسبة الكبيرة منهم، كما يقطنون بلدات بقاعية اخــرى كـ (صبوبا) و (زبود) و(اللبوة)، اما جنوبا فيسكنون مناطق عدة كحومين التحتا حيث يعرفون بآل بلوط.
لهذه العائلة صفحات مشرقة فــي الــتــاريــخ، فقد واجــه ابناؤها الانــتــداب الفرنسي وكانت لهم صــولات وجـــولات فــي البقاع وقد اودع العديد منهم في السجون الفرنسية فــي لبنان، كما عرف عن هذه العائلة حبها للكرم الذي ذاع صيته في لبنان وخارجه فقد اطعمت فرقة من الجيش الفرنسي كاملة من خيرات ضيعتها عندما ارادت هـــذه الــفــرقــة استباحة الضيعة (حربتا) بحثا عن مطلوبين فما كان من زعيمها الا دعوتهم الى تناول طعام الغداﺀ فعندها قال قائد الفرقة اتستطيعون انتم اطعام هــذا الجيش؟ فكان ذلك بالفعل، مفخرة تاريخية لهم تزين التاريخ اللبناني على مر العصور.
رغم تصنيف عائلة آل المولى في المجموعة العشائرية من حيث النسب، الا ان ابناﺀها لا يحبذون العمل في اطار عائلي او عشائري معين، لذا لا ترى اي وجود لجمعية عا ئلية معينة ا وحتى خير ية والسبب في ذلك توجههم للعمل فــي اطـــار جــمــاعــي واســـع يخدم المصلحة الوطنية اكثر وهــذا ما تمليه عليهم ثقافتهم الفكرية الواسعة التي اكتسبوها من خلال انتمائهم الى الاحزاب اللبنانية او مناصرتها او عملهم في اجهزة الدولة اللبنانية اضف الى ذلك ان ادبياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية لا تعرف الا حب الآخر والعيش الواحد في الوطن ودعم المقاومة ومواجهة الظالمين بكل اشكالهم، وقــد نسجوا على هذا الاساس شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية في لبنان, والملفت في هذا السياق وجود علاقة مصاهرة قوية مع الكثير من العائلات على مستوى الوطن قد لاتجدها في اي عائلة اخرى.
هناك في لبنان من يحمل لقب المولى من العرب المجنسين ولانعلم حقيقة ما صلتهم بعائلة آل المولى.
يعود نسب آل المولى الى قبيلة بني عنيزة في شبه العربية، حيث بايع ثلاثة من امرائها الرسول محمد (ص) على ان يكون الاسلام دينا لهم ولقومهم. كما جاﺀ في كتاب (اصول الشيعة - اسماعيل بغدادي) وغيره من المراجع التاريخية الموثقة.