إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مهدي شمس الدين. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مهدي شمس الدين. إظهار كافة الرسائل
السبت، 2 فبراير 2013
محمد مهدي شمس الدين: حول الخدمة المنزلية
الأربعاء، 2 يناير 2013
إبراهيم محمد مهدي شمس الدين:في الدولة والشيعة والمقاومة والطائف
الاثنين، 16 يوليو 2012
حوار مع الشيخ حيدر حبّ الله حول المنهج الاجتهادي للإمام شمس الدين
أجرى الحوار شبكة اجتهاد الالكترونية
س: يشير آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدین إلى انعدام الرؤية الاجتماعية في الاجتهاد والاكتفاء بالتطبيق الفردي للأحكام الشرعيّة، كيف يمكننا تقعيد هذه الرؤية وبسطها وتوسعتها؟
الشيخ حيدر حب الله: يمكننا استنباط البنية الأصوليّة لنظرية العلامة شمس الدين في موضوع الفرديّة والاجتماعيّة من نظريّته فيما أسماه خطاب الأمّة وتحليل الوجوب الكفائي بما يرجعه إلى الوجوب العيني، فالمكلّف قد يكون شخصاً حقيقياً، وقد يكون هو الأمّة بما هي أمة، بمعنى أن يكون لكونها أمّة تأثير في التكليف، وهذا ما قد يحوّل الوجوب الكفائي إلى عيني بتغيير نوعية المخاطَب أو المكلف فيه من الأفراد إلى الأمّة والجماعة، وهذا التكليف المتوجّه للأمة إنما يلحق الأفراد كونهم من الأمّة، لا باعتبارهم وجودات حقيقية شخصية.
وينظّر الشيخ شمس الدين عبر هذه النظرية للفقه المجتمعي، إلى جانب الفقه الفردي السائد، وقد انتصرتُ لهذه النظرية في كتابي (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقلت بأنه كما أقرّ المالك الحقوقي، كذلك يمكن تصوّر المكلّف النوعي أيضاً، فإنّ الجعل في العهدة له نحو اعتبار تماماً كما في باب الملكيات، والفرق أنّه في الواجب الكفائي بمعناه المشهور يكون الوجوب من الأوّل منحلاً إلى الأفراد، فيثبت في ذمّة كل فردٍ وجوبٌ لأداء التكليف، ولا تترابط الوجوبات بين المكلّفين، إلاّ من حيث أنّ أداء بعضهم يؤدّي إلى سقوط التكليف عن الآخر، لا أنّ ثبوته على بعضهم مشروط بثبوته أو عدم ثبوته على الآخرين، أمّا على نظرية شمس الدين فيمكن القول بأنّ الوجوب الداخل في عهدة زيد مشروط في مقام الجعل بوجوب آخر مماثل ثابت في ذمة عمرو، فالوجوبات مترابطة، لا أن السقوط مربوط بأداء الآخرين، ومعنى ذلك أنّ الجاعل والمشرّع قد تصوّر جملة وجوبات مشروطة في مقام ثبوتها على المكلّفين، فبدل أن يجعلها وجوبات حصل له منها تصوّر مجموعي، هو ما نسميّه بخطاب الجماعة أو تكليف الجماعة، فبالمآل نحن لم نتجاهل ذمم الأفراد، لكننا لاحظناها على نحو المجموع.
فالمشرّع في الواجبات العينية يلاحظ في مقام الجعل والاعتبار الأفرادَ والآحاد، ثم يدخل في عهدة الفرد الذي لاحظه الحكمَ الإلزامي، وإدخاله هذا الحكم في عهدة الفرد بما هو فرد لم يلاحظ فيه إطلاقاً في مقام الجعل انضمام الفرد الآخر إليه، بل تمّ تصوّر صدور الوضوء من الفرد بصرف النظر عن صدوره أو عدم صدوره من الفرد الآخر؛ لأنّ مبادئ الحكم من المصلحة وغيرها مركّزة على فعل الفرد، فالوضوء مصلحته الإلزامية يكفي فيها فعل الفرد له، وهي تتحقّق بفعل زيد مع عمرو أو فعله الوضوء من دون عمرو، فهذا هو البُعد الفردي في الواجبات الفردية العينية.
أمّا في الواجبات الكفائية المجتمعية، فالأمر مختلف، فإنه لا مصلحة في فعل الفرد لوحده؛ لأنّ الغرض لا يتحقّق به، فوجوب الجهاد على زيد لا قيمة له لوحده؛ إذ من الطبيعي في العادة أن لا يكون هذا الوجوب محقّقاً للغرض؛ لأنّ الجهاد ظاهرة جماعية لا يحصل الغرض منها بفعل فردٍ واحدٍ عادةً، لهذا فإنّ المشرّع عندما يشرّع فريضة الجهاد، فهو يقوم بملاحظة أكثر من فرد، وملاحظة المصلحة في فعل الجماعة لا في فعل الفرد، فيريد فعل الجماعة، فيصدر الحكم على فعل الجماعة.
وفعلُ الجماعة الذي يتحقّق به الغرض ليس سوى أفعال مترابطة، فصلها عن بعضها يلغيها، فلابد من فرضها بمقدار تحقّق الغرض، وهو ما يسمّونه مقدار من به الكفاية، لهذا عندما يجعل المولى الحكم بوجوب الجهاد، فهو لا يلاحظ زيداً لوحده، وإنما يلاحظ فعلَه منضماً إلى فعل عمرو، لهذا يربط الوجوب على زيد بالوجوب على عمرو؛ لأنّ فعلهما مترابط على مستوى تحقيق الملاكات والأغراض، بخلاف الوضوء والصلاة والصيام، فهي وإن كانت لها مصالحها بملاحظة واقعها الجماعي لكنّ مصلحتها بملاحظة واقعها الفردي كافية في إثباتها الوجوب عليها.
لكن كيف نعرف أنّ الوجوب هنا أو هناك فردي أو مجتمعي؟ أعتقد أنّ هذه مسألة مهمّة حتى لا نتوه في الفرضيات، فالخطابات الدينية متشابهة من حيث البنية والصورة، فلماذا كان الوضوء وجوباً فردياً فيما الجهاد عند شمس الدين مجتمعياً؟ وهذا السؤال بعينه يمكن أن نوجّهه إلى الاتجاه المشهور، فكيف نميّز بين الكفائي والعيني إثباتاً؟
أعتقد أنّ الحلّ يكمن في التحليل العقلاني العقلائي للموضوع تماماً كما فعل العلماء في التمييز بين الكفائي والعيني، وأزعم أنّ الوعي العقلائي يميّز بين تكليف فردي ومجتمعي مما يكون تحقّقه من الفرد الواحد غير ممكن عادة مثل تشكيل دولة إسلامية، ولزوم المشاركة في بلوغ الحاكم العادل سدّة الحكم، ووجوب الجهاد، وأمثالها مما يراه العقل العقلائي تكاليف موجّهة للجماعة، يُراد منها ذاتها وتحقّقها في الخارج.
وشاهد ذلك أننا نشعر بوجداننا بالفرق بين خطاب «صلّوا» الذي نحسّ أنه موجّه للفرد، وخطاب «أقيموا دولةً إسلامية» الذي يُشعر الفرد أنه لا يخاطبه بما هو هو، بل بما هو جزء من جماعة هي المخاطبة به، ولهذا تجد حسّ الجماعة حاضراً عنده في النوع الثاني، بينما تجده في النوع الأوّل غير معنيّ بالجماعة، وهو يمتثل أمر «صلّ» أو «طهّر الثوب قبل الصلاة».
إنّ هذا الارتكاز العقلائي في فهم أنواع النصوص هو الذي يشكّل قرينة فهم الفردية أو المجتمعية، وطبعا ليس كل وجوب كفائي هو مجتمعي فتغسيل الميت كفائي لكن لا يفهم عقلائياً كوجوب الجهاد.
من هنا يخرج العلامة شمس الدين بتنويع لخطابات القانونية في الكتاب والسنّة، إلى خطابات فردية وأخرى مجتمعيّة، بما يولد لنا الفقه الخاص والفقه العام، ويمكننا أن نضيف نوعاً ثالثاً من الخطابات هي خطابات حكوميّة ربما تتصل بالفرد الحاكم تارةً وبالمجتمع أخرى لا مجال للحديث عنها هنا، وهناك إمكانية لفتح تحليلات متعدّدة بعد ثبوت طبيعة الوجوب المجتمعي هنا أو هناك، من نوع أنّه لو لم يقم المجتمع بوظيفته فهل يجب على الفرد القيام بذلك بالقدر الذي يمكنه أم أنّ الوجوب يسقط عنه؟ وربما يثبت في حقّه وجوب أمر المجتمع بالمعروف فقط، فإذا اقتنع المجتمع بذلك تمّ إجراء التكليف خارجاً، وليس من البعيد أن يلتزم العلامة شمس الدين بمثل ذلك فيُسقط وجوب اقامة الدولة الإسلامية أو وجوب الجهاد عندما يتخلّى المجتمع ككل عن هذه الفريضة، ويثبت في هذه الحال وجوبٌ آخر مرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لابدّ لمن تبقّى من المؤمنين أن يأمر سائر الناس بالاندفاع والانبعاث نحو تحقيق هذا التكليف المجتمعي أو ذاك، وهذا أمر له نتائج هامّة على صعيد التكاليف المجتمعيّة.
س: حبذا لو توضحون لنا حقيقة الاتجاه التقريبي الذي كان عند آية الله شمس الدين، وكيف كان ينظر لقضايا العالم الإسلامي من منظار تقريبي؟
الشيخ حب الله: يعتقد العلامة شمس الدين بأنّ مبدأ الوحدة الإسلامية والاخوّة الدينية مبدأ أصيل في التشريع الإسلامي، ويحسب أدلّتَه في ضمن ما يسمّيه الأدلّة العليا للتشريع، ويقصد شمس الدين بهذا النوع من الأدلّة أنّ التشريعات القانونية الإسلامية وكذلك منهج فهم الشريعة الإسلامية ينطلقان من مبادئ وأساسيات لا تقبل التغيير ولا التبديل، وتعبّر عنها نصوص حاسمة ورد الكثير منها في القرآن الكريم، إنّ هذه المبادئ تمثل بالنسبة للشيخ شمس الدين الأسس التي نستطيع من خلالها فهم أهداف الشريعة ومسلّماتها ومقاصدها، وعندما يقوم الفقيه من الانتهاء من مرحلة الاجتهاد في أصول الشريعة هذه يتجه نحو الفروع التفصيلية في الفقه الإسلامي، ويعمد إلى ممارسة الاجتهاد وفقاً لما تفرضه أدلّة التشريع العليا، فمثلاً يرى العلامة شمس الدين أنّ مثل قوله تعالى: (إنّما المؤمنون إخوة) يعبّر عن نصّ حاسم يقدّم لنا أحد الأدلّة العليا للتشريع، ويجعل مبدأ الأخوة الإسلامية مبدأ حاكماً في الفقه الإسلامي، لا يقبل التخصيص ولا التقييد بهذه البساطة، فإذا جاء الفقيه إلى مفردة تشريعية تفصيلية، مثل جواز غيبة المخالف أو بهتانه أو نحو ذلك، فإنّ النص القرآني أعلاه يشكّل دليلاً تشريعياً عالياً يسقط قيمة الأدلّة التفصيلية المعارضة له؛ لأنّ المبادئ الأساسية لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة.
وفقاً لهذه النظرية في الاجتهاد، أي نظرية الشروع من الأدلّة العليا للتشريع والخروج بنتائجها ثم الذهاب في المرحلة اللاحقة إلى الأدلّة التفصيلية وجعل أدلّة التشريع العليا حاكمةً على الأدلّة التفصيلية بما يشبه هيمنة الدستور على تفاصيل القوانين المدنية والجزائية والجنائية وغيرها، هذه النظرية عندما يتمّ تطبيقها على مبدأ الوحدة الإسلامية عند العلامة شمس الدين ستنتج ـ تلقائيّاً ـ أنّ هذا المبدأ مبدأ أصيل ثابت في العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية بالعنوان الأوّلي، ممّا سيضع العلامة شمس الدين في سياق الذين جعلوا الوحدة الإسلامية عنواناً أولياً في العلاقات الداخل ـ إسلامية، وبهذا فهو يرفض أن يكون التقريب بين المذاهب ناشئاً من الظروف الطارئة ومن العنوان الثانوي الذي قد يزول عندما تزول مبرّراته الاستثنائيّة، من هنا لا يكون المدخل السياسي في بلاد المسلمين في فترات معينة هو المدخل الصحيح للتقريب بين المذاهب؛ لأنّ السياسي متغيّر ولا يمكن ربط الثوابت الأوّلية ـ كالتقريب بين المذاهب ـ بالمتغيرات، فإنّ التابع للمتغيّر سيكون متغيّراً بشكل تلقائي. إنّ العلامة شمس الدين يرى التقريب نتاجاً طبيعيّاً لعملية اجتهادية داخل ـ نصيّة، وليس نتاجاً لوضع خارجي هنا أو هناك فحسب.
المسالة الأخرى التي تشكّل أساساً آخر للتقريب في وعي العلامة شمس الدين هو مسألة المواطنة؛ فإنّ مفهوم المواطنة عند العلامة شمس الدين يجعل كلّ المنضوين تحت الدولة الإسلامية متساوين في الحقوق والواجبات في الأعم الأغلب، والشيخ شمس الدين لا يميل في قضايا المواطنة إلى تكثير التمايزات بين المسلم وغيره ـ فضلاً عن أبناء المذاهب الأخرى ـ في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، والمواطنة عنده لا تنشاً من الجانب العقدي فقط لكي تكون معياراً في منح الحقوق، وإنما من المساهمة في صناعة الاجتماع البشري ككل.
الأمر الآخر الذي أودّ الإشارة إليه هنا هو أنّ كتابات العلامة شمس الدين في المجال الفكري الإسلامي أو في مجال الاجتهاد الشرعي، تُظهر لنا حضور التراث الإسلامي بمدارسه ومذاهبه في أعماله، فعندما يعالج العلامة شمس الدين موضوعةً فقهيّة معينة فإنّه يرصدها في أعمال الباحثين والفقهاء والعلماء المسلمين على انتماءاتهم المذهبيّة، ليس بقصد الانتصار المذهبي بالضرورة، بل غالباً بقصد التدليل على أنّ الاجتهادات الإسلامية ـ على اختلافها ـ تمثل تراثاً ينبغي للفقيه وغيره وضعه أمامه، من هنا دعا العلامة شمس الدين إلى ما وصفه بالاجتهاد الإسلامي مقابل الاجتهادات المذهبية، وقال بأنّنا لا نريد مجتهداً حنفياً أو مجتهداً على المذهب الإمامي بقدر ما نريد اجتهاداً إسلاميّاً يضع الموروث الإسلامي أمامه بكلّ مدارسه، دون أن تكونه لديه عقدة من تيار دون آخر، مع حفظ حقّ الباحث أو الفقيه في النقد هنا أو هناك، أمّا عزل نتاجات المذاهب الأخرى وكأنها غير موجودة فإنّه من وجهة نظر العلامة شمس الدين غير صحيح إطلاقاً بل إنّه يعيق التنمية المنشودة في فكرنا الديني.
انطلاقاً ممّا تقدّم، ومن رؤية معمّقة للفقه والسياسة، آمن العلامة شمس الدين بالتقريب، وكان من دعاته، بل نحن نجد في تاريخه الشخصي ممارسةً عملية تقريبية، فرغم كونه في قمّة الهرم في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وهو مجلس مذهبي قد يسجّل عليه ـ كما فعل بعض العلماء ـ أنّه يكرّس الطائفيةّ في لبنان بدل أن يتلافاها، إلا أنّ العلامة شمس الدين استطاع في موقعه هذا أن يمارس دوراً تقريبياً مميزاً، حتى أنّه اختار ـ بصرف النظر عن موافقته في اختياره هذا ـ للمقاومة في لبنان اسم (المقاومة المدنية الشاملة) بدل أيّ اسم آخر ذو طابع مذهبي أو ديني، انطلاقاً من الخصوصيّة اللبنانية في التنوّع الطائفي والمذهبي، ومع ذلك كلّه لا نجد العلامة شمس الدين يتخلّى عن مبادئه العقدية في الاعتقاد المذهبي حيث يسوقه الدليل، فكتاباته تزخر بالتحليل التاريخي والعقدي المنتمي مذهبياً مثل ما جاء في كتابه (نظام الحكم والإدارة).
س: بماذا تختلف الدولة العلمانية في المنظومة الفكرية لآية الله شمس الدين عن نظريّة ولاية الأمّة ونظارة المراجع وإشرافهم؟
الشيخ حب الله: يميّز العلامة شمس الدين ـ من خلال تحليل نظريّته في الفكر السياسي ـ بين شرعيّة الدولة وإسلاميّتها، فشرعيّة الدولة بمعنى عدم صدق حكومة الجور والغصب عليها تكمن في كونها صادرةً من إرادة شعبيّة، فأيّ حكومة تأتي بها أصوات الجماهير ـ بصرف النظر عن كيفية العلم بهذه الأصوات سواء عبر الانتخاب أم غيره ـ ستكون حكومةً شرعيّة، لكنّ هذا لا يعني أنّها حكومة إسلاميّة؛ لأنّ إسلاميّة الدولة تكمن في إسلامية الدستور والقوانين، إذا لم نرد التدخّل في إسلامية الممارسة العمليّة.
والسبب في تمييز العلامة شمس الدين بين هذين الأمرين، أي الشرعيّة والإسلاميّة، هو أنّه يرى شرعيّة الدولة وولايتها أمراً بشريّاً غير إلهي، بمعنى أنّ الولاية الأصليّة عنده هي للمجتمع والأمّة والشعب، حيث لم يثبت عنده أيّ دليل نصّي على غير ذلك بما في ذلك نظرية ولاية الفقيه العامّة، وكما أنّ الفرد له ولاية على نفسه وسلطنة على تصرّفاته وأعماله، كذلك للجماعة التي هي الأمّة ولاية على نفسها بوصفها أمراً جمعيّاً له كيانه وظهوره الخارجي، ولكي تقوم الأمّة بممارسة ولايتها على نفسها تمنح هذا الأمر لمن تنتخبهم مثلاً ليمارسوا هذا الدور بالنيابة عنها دون أن تغيب الأمّة في فترة النيابة هذه؛ لأنّ تخلّف النائب عن القيام بما أوكل إليه يسمح للمنوب عنه أو للموكّل بعزله أو رفضه أو وضع بدائل مكانه. فالمقدّس عند العلامة شمس الدين ليس هو الدولة ولا النظام ولا السلطة، وإنّما المقّدس هو الأمّة عندما تكون مسلمةً، وفعل السلطة وممارسة الولاية تعبير بالواسطة عن قيام الأمّة بتولي أمور نفسها وتقرير مصيرها عند العلامة شمس الدين.
لكن إذا اختارت الأمّة خياراً غير إسلامي في السلطة، كان من المنطقي تخطئتها في ذلك من وجهة النظر الإسلامية، وكان من اللازم على العاملين في الخط الإسلامي السعي للأسلمة في القوانين والدساتير والممارسات، بيد أنّ هذا السعي ـ من وجهة نظر العلامة شمس الدين ـ لا يصحّ أن يكون قهريّاً أو عبر استخدام القوّة أو العنف، فالحركات الإسلامية والأحزاب الدينية ليس لها أن تمارس انقلاباً عسكريّاً مثلاً تفرض من خلالها الإسلام على الناس، كما ليس لها الدخول في ثورات دمويّة مسلّحة أيضاً، والسبيل المتعيّن هو القيام بتغييرات عبر الجمعيات الأهليّة ومؤسّسات المجتمع المدني ودوائر الدولة وعبر الإعلام وسلطاته وعبر التظاهرات السلميّة وأمثال ذلك، أي التغيير السلمي لا العنفي، فإذا استطاعت الحركة الإسلاميّة تغيير قناعات الأمّة لاختيار من هو الأصلح إسلاميّاً لتولّي السلطة من الاتجاهات الفكرية والعقديّة، كان من حقّها الحكم بإرادة شعبية عارمة، أمّا إذا فشلت فإنّ عليها أن تواصل جهدها السلمي هذا.
إنّ إسلامية الدولة يجب أن لا تعارض شرعيّتها، لأنّ الشرعية عند العلامة شمس الدين لا تنزل من الأعلى عبر نصب الحاكم من قبل الله بالاسم أو العنوان، وإنما تصعد من الأدنى إذا صحّ التعبير، أي من الأمّة نفسها، فإسلامية النظام لا تساوي شرعيّته، كما أنّ شرعيّته لا تعني إسلاميّته بالضرورة،. والعلامة شمس الدين يدعو إلى الإسلامية والشرعية معاً، فبدعوته إلى الشرعيّة يرفض الدكتاتورية والاستبداد وكلّ سبل الوصول إلى السلطة من غير طريق اختيار الشعب، وبدعوته إلى الإسلاميّة يرفض العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لا بمعنى أنّه يرى عدم شرعيّة الدولة العلمانية، بل بمعنى أنّه يرى عدم إسلاميتها، وهذا التمييز الدقيق هو الذي يجعل العلامة شمس الدين غير علماني في نظريته حول ولاية الأمّة على نفسها؛ لأنّ إعطاء الحقّ للأمّة في تقرير مصيرها السياسي شيء، وتصويب قرارها فيما اختارته شيء آخر، فنحن نعطيها الحق في اختيار أيّ مذهب سياسي ولو كان علمانيّاً، لكننا في الوقت عينه نخطؤها في اختيارها الخطّ غير الإسلامي.
طبعاً هناك مجال واسع لتحليل ونقد بعض جوانب نظرية العلامة شمس الدين وغيره، لا يسعه هذا الحوار، لكنّني أعتقد بأنّه حاول أن يصوغ نظريّةً متوازنة نابعة من اجتهاد فقهي هادئ، بل وقد تقدّم على كثيرٍ غيره في تحليلاته هنا، وشكّلت محاولته في هذا المضمار رغبةً في التوفيق بين الدين والعصر، وجواباً عن مشكلة الاستبداد في العالم الإسلامي والعربي. لقد أراد شمس الدين الربط بين مفاهيم الديمقراطية والانتخاب والتعددية والشعب وغير ذلك مع مفاهيم الشورى والبيعة، إلى جانب أساسيات التشريعات الإسلاميّة
الاثنين، 9 يوليو 2012
الشيخ محمد مهدي شمس الدين :الكرامة البشرية وعلاقتها بثورة الشعوب
من الدروس القرآنية
مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام. هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح.
ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة.
هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70).
...هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً.
درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا.
ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان.
الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي.
التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة.
الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي.
الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها.
الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه.
حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً.
الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع.
في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.
الأحد، 6 مايو 2012
الكرامة البشرية وعلاقتها بثورة الشعوب
الشيخ محمد مهدي شمس الدين
مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام. هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح.
ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة.
هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70).
...هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً.
درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا.
ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان.
الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي.
التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة.
الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي.
الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها.
الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه.
حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً.
الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع.
في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.
الجمعة، 25 نوفمبر 2011
عاشوراء
محمد مهدي شمس الدين: من خطاب العاشر من محرم- 1417- الموافق 27 أيار 1996
الإمام الحسين هو إمام للمسلمين، كل المسلمين، وإمام للمستضعفين، مسلمين كانوا أم غير
مسلمين.. وثورة الحسين كانت إدانة كبرى للنهج الطائفي والفئوي في الحكم وفي المجتمع وفي علاقات الناس والجماعات داخل المجتمع السياسي..أقول هذا الكلام وقد قلته سابقاً، وسأظل أقوله لأقتلع الوهم الذي ربما يكون راسخاً في قلوب بعض الشيعة وربما يكون راسخاً في قلوب بعض المسلمين من غير الشيعة بأن هذا شأن شيعي خاص...أقول هذا الكلام أيضاً لأعيد تأكيد ما قلته في السنين الماضية من أنه ليس للشيعة في لبنان أو في العالم العربي مشروع خاص بهم..الشيعة في لبنان والعالم العربي هم جزء من المشروع الوطني العام لبلدانهم وأمتهم مشروع الدولة والمجتمع الواحد وليس لديهم أي وَهمٌ في مشروع خاص كما أنهم لا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص...هذا هو المعنى الأول والأساس لثورة الحسين الاسلامية-الانسانية...الإمام الحسين تحرك من أجل مشروع دولة للجميع لا تقوم على فئوية أو مذهبية أو طبقية ولا على غلبة واستقواء...هذا المشروع الوطني الاسلامي الانساني هو حلم البشر الدائم في مجتمعاتهم..فالبشر يبحثون عن اعتراف الآخر بهم، عن المساواة والعدالة والكرامة..,هذه تعني الاعتراف المتبادل..والعيش الواحد.. وذلك في مقابل دعوات التمايز والانفصال والغلبة والاستحواذ...
الامام الحسين حمل رسالة ومشروع الدولة العادلة الواحدة والذين قتلوا الحسين حملوا رسالة ومشروع الدولة الفئوية الظالمة المستكبرة..وبهذا المعنى فان خطاب عاشوراء هو خطاب الوحدة خارج الحزبية وفوق الحزبية...وحدة لبنان بجميع فئات شعبه: مسلمين ومسيحيين، وفي جميع مناطقه..خطاب عاشوراء هو خطاب المشروع الوطني الانساني الواحد لا المشاريع الخاصة...قالها الحسين بدمه الطاهر ونقولها نحن في السر والعلن..وفي العلن والسر..
خطاب عاشوراء والحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان... لا بلقلقة اللسان والشعارات الجوفاء..بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان..العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يُهرِّج عليهم، ولا يُهيمن عليهم بشعار القداسة...لا تجعلوا الحسين حجراً تلقمون به أفواه الآخرين أو ترجمون به الآخرين أو تُخضعون به الآخرين أو تُحاربون به الآخرين...أكرموا هذا الكبير عن أن يكون صغيراً..أكرموا هذا العظيم عن أن يكون محدوداً...
العيش الواحد في خطاب عاشوراء يعمق من مسيحية المسيحي كما يعمق من إسلامية المسلم... كما يعمق من الوشائج التي تجمعهم على إيمان ابراهيم، وتجمعهم على محبة وولاء ومواطنية لبنان"...
الإمام الحسين هو إمام للمسلمين، كل المسلمين، وإمام للمستضعفين، مسلمين كانوا أم غير
مسلمين.. وثورة الحسين كانت إدانة كبرى للنهج الطائفي والفئوي في الحكم وفي المجتمع وفي علاقات الناس والجماعات داخل المجتمع السياسي..أقول هذا الكلام وقد قلته سابقاً، وسأظل أقوله لأقتلع الوهم الذي ربما يكون راسخاً في قلوب بعض الشيعة وربما يكون راسخاً في قلوب بعض المسلمين من غير الشيعة بأن هذا شأن شيعي خاص...أقول هذا الكلام أيضاً لأعيد تأكيد ما قلته في السنين الماضية من أنه ليس للشيعة في لبنان أو في العالم العربي مشروع خاص بهم..الشيعة في لبنان والعالم العربي هم جزء من المشروع الوطني العام لبلدانهم وأمتهم مشروع الدولة والمجتمع الواحد وليس لديهم أي وَهمٌ في مشروع خاص كما أنهم لا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص...هذا هو المعنى الأول والأساس لثورة الحسين الاسلامية-الانسانية...الإمام الحسين تحرك من أجل مشروع دولة للجميع لا تقوم على فئوية أو مذهبية أو طبقية ولا على غلبة واستقواء...هذا المشروع الوطني الاسلامي الانساني هو حلم البشر الدائم في مجتمعاتهم..فالبشر يبحثون عن اعتراف الآخر بهم، عن المساواة والعدالة والكرامة..,هذه تعني الاعتراف المتبادل..والعيش الواحد.. وذلك في مقابل دعوات التمايز والانفصال والغلبة والاستحواذ...
الامام الحسين حمل رسالة ومشروع الدولة العادلة الواحدة والذين قتلوا الحسين حملوا رسالة ومشروع الدولة الفئوية الظالمة المستكبرة..وبهذا المعنى فان خطاب عاشوراء هو خطاب الوحدة خارج الحزبية وفوق الحزبية...وحدة لبنان بجميع فئات شعبه: مسلمين ومسيحيين، وفي جميع مناطقه..خطاب عاشوراء هو خطاب المشروع الوطني الانساني الواحد لا المشاريع الخاصة...قالها الحسين بدمه الطاهر ونقولها نحن في السر والعلن..وفي العلن والسر..
خطاب عاشوراء والحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان... لا بلقلقة اللسان والشعارات الجوفاء..بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان..العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يُهرِّج عليهم، ولا يُهيمن عليهم بشعار القداسة...لا تجعلوا الحسين حجراً تلقمون به أفواه الآخرين أو ترجمون به الآخرين أو تُخضعون به الآخرين أو تُحاربون به الآخرين...أكرموا هذا الكبير عن أن يكون صغيراً..أكرموا هذا العظيم عن أن يكون محدوداً...
العيش الواحد في خطاب عاشوراء يعمق من مسيحية المسيحي كما يعمق من إسلامية المسلم... كما يعمق من الوشائج التي تجمعهم على إيمان ابراهيم، وتجمعهم على محبة وولاء ومواطنية لبنان"...
الخميس، 24 نوفمبر 2011
نص حوار قديم لشباب حزب الله مع الشيخ شمس الدين
في العام 1998 وبعد وصول الرئيس خاتمي الى الحكم في ايران، زار الشيخ طهران واستقبله الايرانيون استقبال الرؤساء الكبار...وجال وصال في جامعاتهم ومعاهدهم وفي حوزاتهم وبرلمانهم.. وبسبب ضغوطات القيادة الايرانية الاصلاحية قرر حزب الله الانفتاح على الشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد أن حاول محاصرته وعزله طوال أكثر من 15 سنة... وفي بيروت التقت قيادة الحزب بالشيخ للمصارحة والمصالحة..فقال لهم الشيخ انتم عبأتم وتعبئون شبابكم ضدي (وما زالوا يعبئون الى اليوم)...وكان أن سمحت قيادة الحزب بلقاء بين الشيخ وبعض كوادر الحزب (ولكن معظمهم ان لم يكن كلهم كانوا من حزب الدعوة الذي يتحكم بمفاصل حزب الله)..وهذه بعض اللقطات من اللقاء المذكور..
سأل الشباب الشيخ عن "العلاقة أو الود الذي يبدو من خلال زياراته المتكررة أحياناً إلى الكويت ومصر وغيرها"، وقالوا له "إن كان ليس من المصلحة التصعيد ضد الانظمة وانما معالجة العلاقة مع الأنظمة بالتي هي أحسن، الا اننا كلنا نعرف بخلفيتنا الإسلامية عمق تبعية هذه الأنظمة وعمق ارتباطاتها وطبيعة حكمها لشعوبها وعمق الأزمة التي تعيشها هذه الشعوب أولاً بسبب هذه الأنظمة، ووضع الشيعة بشكل خاص في هذه الدول، فتبدو الزيارات التي تقومون بها لعدد من هذه الدول وكأنه هناك ود وتحاب شديد مما ينعكس أحياناً بصورة تُفهم بشكل سلبي من قبل الاسلاميين"..
رد الشيخ : "الحكاية عن الود، أولاً هؤلاء يودوني فعلاً، وأنا استاهل واستحق الود، وهم يستحقونه، ناس مسلمين طيبين يودوني لماذا لا يودوني. أهل مصر وأهل السعودية واهل الكويت وأهل الخليج.. نحن نزور الناس، نزور الكل، نزور الأنظمة ونزور الشعوب، أنا في مصر ما كنت محصوراً بزيارة النظام ولا في السعودية ولا في الخليج. في مصر أنا ألتقيت مع المعارضة ومع الموالاة ومع حزب الوسط الذي هو ضد الدولة.. علناً إلتقينا وكنت عندهم وخطبت فيهم وحاورتهم وكتبوا عني، التيار الإسلامي جلست معه وحاورته وحاورني وأحبني، حكاية ود أولاً ليس أمراً مستنكراً أن يكون هناك ود.. ثانياً حكاية الود هي مش حب وغرام.. توجد قضايا جامعة هي القضية الإسلامية العامة وقضية المشروع الصهيوني، هاتان القضيتان كبيرتان تستحقان أن نعمل للتضامن العربي والاسلامي حولهما.... أنا عندي منذ أكثر من 20 سنة خطاب معروف في الشأن الإسلامي الحركي وفي الشأن الإسلامي العام وفي الشأن العربي وفي الشأن الفلسطيني، في شأن الإنتماء وقضايا الإنتماء، في الفقه السياسي هذا معروف خصوصا بعد نشر نصوصي المنقحة الأخيرة..... فأنا أدعو الى التضامن والى المصالحة الشاملة..يعني الآن هذا الكلام الذي تقولونه عن خوف الاسلاميين من الود ومن العلاقات الايجابية مع مصر والخليج، هذا يعكس القلق الشيعي العام الذي هو نتيجة سوء تربية، هو سوء تنشئة..الشيعي اليوم ينشأ ويتربى على أن العالم ضدنا... هو العالم ليس ضدنا.. نحن ضد العالم! يعني أنا إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة عن أن يكونوا ضد العالم، العالم بمقدار ما هو ضدهم كما أنه ضد بعضه البعض. الآن الجزائر ليس فيها شيعة وهي تتذابح.. الآن السودانيون يتقاتلون وما فيهم شيعة وسنة، كلهم يتذابحون.ونفس الشيء في أفغانستان.. يعني أن وجود حالة نبذ، حالة دفع، ضد الشيعة، هذا موجود.. ولكن العلة الأساسية هي أن الشيعة هم في موقفهم التاريخي (وهو موقف في جذوره مبرر ولكن في امتداداته الآن غير مبرر)يطرحون الحذر والتوجس..وهذا الوضع هو يجعلهم دائماً في حالة مؤامرة، في جو مؤامرة، أن العالم يريد ذبحنا، يريد أن يأخذ حقوقنا، أو أن العالم يريد أن يغير عقيدتنا. وهذا الوضع طبعاً يخلق حالات استهداف عند الآخرين.. بعض القيادات الشيعية خاصة بعد نشوء الحالة الحركية الإسلامية داخل الشيعة صارت تستغل هذا الوضع استغلالا خاليا من أي ورع وخاليا من أي أخلاق.. وصارت تغذي هذا لأجل أن تمحور حولها ولأجل أن تستقطب.. ووجدت هذه الحالة عندنا.. وإلا فالدنيا بخير.. يعني حينما أنت لا تحمل مشروعا يخيف الآخرين، حينما لا تهدد نظام مصالح الآخرين بنظام مصالحك الخاص، فلن يقف في وجهك غير القليل من القوى... فكما أنه داخل التسنن توجد مضادات داخل التشيع توجد مضادات. الآن أذكر النموذج العراقي الذي يكاد أن يصل الى حد المذبحة، ووصل..ففي داخل العراق، في الجنوب، تذابحوا: حزب الدعوة مع غيرهم.. وصل الصراع إلى حد التذابح.. طبعاً ما صاروا شاطرين مثلكم، مثل اللبنانيين: بين أمل وحزب الله، ولكن وصلوا إلى هذه الحالة.. هؤلاء شيعة بشيعة، مثل الأفغانيين أو السودانيين أو الجزائريين الذين هم سنة بسنة.
أنا عندي قضية يا أولاد، أنا عندي دماءكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم، أنا يهمني أن الشيعي عندما يكون ساكن في وطن أن لا يمثل هو نظام غلبة.. وانما أن يكون مقبولا .. أو حيثما يروح ويذهب أن لا يكون مثل الوباء الذي يُتوقى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة.. حالة نقية..علاقة نقية بين الناس وبين الشيعة، وما عندي شي أتكلم فيه سراً، أنا كل كلامي الذي أقوله وراء الأبواب المغلقة هو الذي تعرفونه في الميكروفون، أنا أقول اندمجوا في دولكم واندمجوا في شعوبكم واندمجوا في أنظمة مصالحكم لكن لا تنشئوا نظام مصالح خاص، لا تثيروا غيلة الآخرين، احترموا قوانينكم! هذا ما أقوله، أقوله عن قناعة فقهية فأنا أحرم الغيلة وأحرم الغلول.. يعني يقال أن أموال هذه الدولة أو تلك حلال.. ما أظن أن أموال الدولة حلال، دولة سنية أو دولة شيعية، كلها عندي مثل بعضها.
يعني أرجو أن يُفهم أن كلمة الود ، هذه كلمة مزروعة.. هذه عملية مزروعة يُبنى عليها تعبئة وتحريض ضدي...أنني ضد الشيعة ومع الأنظمة السنية..أنا لا اخاف غير الحق.. أنا هذه رسالتي، رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم لا لأنهم يمثلون شيئاً خاصاً أو أنهم محميين من دولة.. يعني كوني مقبولاً لأن إيران حاميتني! لا لا أريد هذا! لأني أنا مش ضامن إيران، أنا صيرورة تاريخية موجودة من عهد الرسول (ص) وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي.. أنا مش ضامن شي، أنا ضامن أعرف أمة موجودة تمزقها التناقضات، أنا أريد أكون أحمل جنسية البلد الفلاني، أريد أكون مقبولا لذاتي لأني أنا مقبول في محيطي وفي مجتمعي لا لأني أمثل حالة سياسية تنشر الرعب والآخرين يجاملونها كما هو الآن وكما تحاول بعض الجهات أن تخلق هذه الحالة، انو نحنا نخوّف! يقولون لي عن بعض الحالات أنه انتبهوا نحنا ترى حزب الله إذا تعملوا معنا شي في أمكنة أخرى منطالكم!! لكن هذا النوع من الكلام، وأنا أعلم أنه قيل وليس أنه يمكن أن يقال، أعلمه، وأخبركم أنه قيل في أوروبا وقيل في الشرق العربي وقيل في آسيا..هذا الكلام قيل.. والله واحد مهرب تهريبة أو مزور وثيقة يهدد أنه من حزب الله وأنه إذا تعاقبوه مدري شو بيصير فيكم. لكن هذه من يتحملها، يتحملها هذا الجسم المبارك، هذه الصفوة التي هي صفوة الإسلام، يتحملها عموم الشيعة وانتم الشباب الطاهر..يمكن أن الذين يخافون هذا الترهيب يمشولو شغله.. لكن يُبنى على هذا ما يبنى.. لأنه أنظمة المصالح أيضاً تدافع عن نفسها.. ما في أحد يستسلم. أنا هدفي بكل علنية وكل وضوح، أنا أرى أن تكليفي الشرعي هو أن أجعل الشيعة مقبولين في العالم الإسلامي، مقبولين كما هم بتربيتهم وسجيتهم وأساليبهم وبطريقة موالاتهم لأهل البيت. موالاة أهل البيت أمر شائع عند المسلمين جميعاً..أنا أريد أن يقبل الآخرون طريقة موالاة الشيعة لأهل البيت، يعني تمذهبهم الخاص، يعني هم كما هم، أنا وظيفتي أن أجعلهم مقبولين مكرمين مثل غيرهم.
أما موضوع جعلهم حالة متمايزة كما يحاولون هم والذين يستغلونهم بحسن نية أو بسوء نية فهذا مرفوض.. ولا تنسوا أن الإستشراق الأجنبي هو الذي بدأ القول بأن الشيعة شيء خاص، الشيعة شيء خاص داخل الإسلام...وصارت تعقد مؤتمرات إسلامية عامة، وتعقد مؤتمرات لخصوص الشيعة بعينهم، كأنه مخلوق فيه شذوذ معين.. أنا هذه الحالة أرى أن تكليفي الشرعي وهذا موجب فقهي وعلمي أن أُخرج الشيعة منها.. والحمد لله أفلحت بنسبة كبيرة، عندي مضادات كثيرة من نوع ما يستبطنه كلامكم.. لكن الله غالب على أمره. وأسأل الله التوفيق.
الشباب: هنا نصل إلى العلاقة مع إيران، الأسئلة مترابطة مع بعضها إذا كنا نتكلم عن أخطاء الحركات الإسلامية وهي تخطئ وبعضها له أخطاء شنيعة لكن من يتصدى لأخطاء الأنظمة وهي بالتأكيد أخطاء وكبيرة وهي الأولى.
الشيخ: أنا وأمثالي نتصدى لها، أولاً أنا غير متصد لأخطاء الحركة الإسلامية، أنا من غُزية الرشيدة ، ولكن غُزيّة الغوية أنا أيضاً محسوب عليها..(يشير الشيخ هنا الى البيت المشهور لدريد ابن الصمة: وما أنا إلا من غزيه أن غَوَت **** غَوَيت وإن تَرشد غزيه أَرشد ) . الحركة الإسلامية هي ليست حركة واحدة.. أنا عندي تعبير الحركة الإسلامية العالمية.. لكن نقول هذا الكلام من أجل كرامتنا، من أجل أن نحفظ كرامتنا، وإلا فالحركة الإسلامية العالمية بمعنى الكلمة هي شيء غير موجود .. توجد حركات إقليمية وتوجد حركات داخل الإسلام السني إذا صح التعبير وتوجد حركات داخل الإسلام الشيعي إذا صح التعبير. توجد أخطاء عادية وأخطاء موجعة.. وهذه الأخطاء أثرت على الشيعة.... يجوز بعض جيوب المخابرات الأجنبية هي التي تقوم بهذه الجرائم في الجزائر مثلاً... لكن لا ريب بوجود عقلية دم عند الاسلاميين، عقلية قتل، يعني عقلية الشراة (هي فرقة من الخوارج قالوا إنهم يشترون الجنة بأرواحهم وأسسوا في الاسلام-بعد اليهودية والمسيحية- لتراث العمليات الانتحارية المسماة استشهادية)، عقلية الخوارج موجودة، وهي عند الشيعة أيضاً موجودة.. وأنتم عملتوا اللازم بين بعضكم، قتلتم بعضكم البعض وأنتم كنتم صائمين.(يشير الشيخ الى حرب الضاحية الجنوبية وحرب اقليم التفاح).. أنا في هذا الموضوع لا أجامل: شوفوا حزب الله حاربنا لأن ما ناصرناه، وأمل حاربتنا لأن ما ناصرناها، المسألة يا أعزائي لا تدخل في باب المفاكهة...هي شيء حقيقي وعميق، أنا الحمد لله ألقى الله سبحانه وتعالى وليس في ذمتي وفي سجلي قطرة دم من الدماء التي سقطت... أرادونا على شيء ووقانا الله منه من طرفه... قصدي أنكم وقعتم في ما وقع فيه غيركم... وهذا في العراق صار، الآن في أفغانستان مذابح مركبة شيعة وشيعة، سنة وشيعة، سنة وسنة.. يعني شي فايت ببعضه.
المقولة الاسلامية في التولي والتبري (الولاء لله وحزبه والبراءة من الشيطان وحزبه: هي احدى أهم مفاهيم السلفية الجهادية السنية والشيعية على السواء) ممكنة في علاقات الأفراد.. يعني زيد ابن أرقم فاسد أنا أرتب عليه حكم الفساد، عادل أرتب عليه حكم العدالة.. وحتى هذه نحن مأمورين فيها بالمداراة.. في أخبار صحيحة واردة عن أئمتنا (س) تقول: نصف الدين أو ثلث الدين هو المداراة، عاشروا الناس أو عايشوا الناس معايشة إذا غبتم فيها حنوا إليكم وإذا متم فيها بكوا عليكم.
ومش كل الناس حدود، حالة الحدية هذه ليست من الشرع، هذه خلقتها الحالة الحزبية، الحالة التي فيها قطب معين (زعيم أو قائد) بيعرف إنه إذا تعددت الخيارات أمام الإنسان بيصير هناك أكثر من قطب وليس قطباً واحداً يستمع اليه او يثق به، بيصير هذا الإنسان الكادر أو العامل البسيط يعرف اثنين وبيعرف ثلاثة من الاقطاب،وبيصير يصلي جماعة في مكانين او ثلاثة، ويسمع موعظتين او ثلاث، ويوزع فلوسه (الخمس والصدقات) بين شخصين او ثلاثة.. أما أن نمسك رسنه مسكا كاملا فهذا يوجب أن نحطم الجميع وأن لا يبق شريفاً وعفيفاً ومقدساً سوى قطب واحد. فتنشأ هذه الحالة (الحزبية والصنمية) التي أنتم عايشينها وتطرحون أسئلتكم من خلالها (بما هم أعضاء في حزب الله). هذه ليست من الشرع في شيء وليست من الإسلام في شيء.. أنا لما أعيش حالة أن الرسول (س) وأن الإسلام استوعب المنافقين... عُوملوا معاملة المسلمين، عايشوا المسلمين وتزاوجوا معهم ودفنوا في مقابرهم.. ولكن لاحظوا في القرآن التحذير فقط للرسول لا تصلي أنت على أحدهم، إذا مات أحد منهم يصلون عليه ويغسلونه. لما المنافقين يعتبرون حالة مقبولة داخل المجتمع، طيب أنا واحد شوي أموره مذبذبة لا أقبله على أيش!! (إذا كان الاسلام قبل المنافقين داخله فأنا لماذا لا أقبل انساناً أو جماعة ليس/ليست ملتزمة التزاماً كاملاً بمواقفي وبفهمي للاسلام مثلاً)..حالة النقاوة الداخلية هي إحدى النقاط التي هي خطأ من الأخطاء الموجودة في فكر الشيعة، خطأ حالة النقاوة الكاملة.
حتى في علاقات الأفراد: هذا الأمر غير مطلوب.. ولكن لو جاء واحد يقول أنا هالشكل أنا إما أبيض إما أسود، طيب عال..(يمكن أن نقبل ذلك بين الأفراد والأمزجة).. أما في العمل المجتمعي العام فلا... في العمل المجتمعي العام يوجد مشروع حوار وجوار.. كل من يخدم هذا المشروع يدخل فيه.. إذا قدرت أعمل حالة تولي وتبري في الدول لا يبقى عندي أحد.. أنا ساعتها أقول للشيعة أنتم جحروا في جحوركم، حاربوا العالم كله وخليه يحاربكم العالم كله ومنعمل مذابح. هذا الأمر أنا لا أراه مناسباً..
هذا الأمر أنا أنظر له فقهياً وأنا أرى أن كل شيء يتنافى مع هذا هو مخالف للفقه يعني مخالف للتكليف الشرعي.. سيوجد واحد يحرض ضدي.. أنا أقول إذاً هو جاهل معذور... لكن في القضايا العامة الجهل لا يعذر. أنا معذور حينما أغامر بوضعي الخاص.. أما أنا أشيط بدماء أمة بكاملها والله أنا جاهل، الجاهل يقعد في بيته ما يشتغل. واقع الحال هو هذا ! هل يوجد مشروع لي خاص أنا حتى أصير شيخ على مزبلة أو أنه يوجد مشروع للمجتمع، مشروع للأمة، أنا أدير مشروع للأمة، أنا لا أدير مشروع أن أنا عندي خمسة بني آدم بدي أجمعهم وصلي فيهم جماعة ويعطوني حقوقهم (الخمس)! لا! أنا ما عندي هذا الشيء.. أنا أحمل هم الشيعة العام وخاصة في أضعف مواقعهم، أنا دائماً أتحدث عن الشيعة خارج إيران، شيعة إيران الله يعزهم حاميين نفسهم دولتهم كثرتهم حدودهم ثروتهم، أحكي عن الأقليات الموجودة.. أنا دائماً أقول الشيعة يمثلون خمس المسلمين، خمس المسلمين مقابل أربع أخماس المسلمين.. يعني شغلي أعمل جبهة داخل الإسلام، فضلاً عن أن الشيعة داخل كل وطن وداخل كل مجتمع قد لا يمثلون عشر شعبهم، ما يمثلون نصف عشر شعبهم.. أنا وظيفتي أن أحفظ هؤلاء، أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أية مذهبية سياسية. المذهبية السياسية معروفة تقرؤنها في كتابي نظام الحكم وغير نظام الحكم، الفقه السياسي دُوِّن وأكثره مطبوع انشاء الله الباقي يطبع. في إدارتي للعملية الشيعية على مستوى الأمة: فكري هذا هو، لما أنا أقول كلمة نُصح، كلمة صفاء، ما يسمى شيعة مصر ما أعرف أديش هم أنا أحميهم، أنا أحفظ كراماتهم أنا حقي واصلني، أما أنه هناك حزب في لبنان أو إيران يفتعل وجود حزب داخل مصر ويريد أن يمشي عليه شغل، هيدا مو شغل، هذه أنا أبتر هذه القضية عن هذه القضية، هذه قضيتي العامة وهذه قضية إيران تدبر أمرها، هي دولة تدبر أمرها.. عندها خمسة بني آدم أو عشرة بني آدم، عشرين، مجموعة داخلية، بدن يعملوا حزب هنا او هناك، هذا شغل الدولة، إيران تجي تتفاهم معي اتفاهم معها.. بجوز أفهم عليها ويجوز تفهم علي، أما إني أغامر بمصير مجموعة كاملة (الشيعة العرب) لأنه شحادة (متشيع مصري اعتقل مرارا في مصر وتوسط الشيخ مرارا لاطلاقه هو وتنظيمه الايراني) افتض عشر بنات أو خمسة عشر بنت تحت ستار المتعة وتساوم على فلوس ومسوي مشروع شيعي... لا والله أنا هذا مو شغلي.
الشباب: إيران الدولة الشيعية الوحيدة والإسلامية بالمعنى الشرعي وفقاً لبعض الآراء، صار في زياراتكم المتكررة وطروحاتكم المتكررة أن الشيعة في العالم العربي عامة ليس لهم علاقة تبعية بايران، ليسوا عملاء لإيران، وهذا شيء صحيح، وأنهم متمسكين بأوطانهم وهم جزء من هذه الأوطان.. ولكن الجو العام وتكرار هذه الأجواء بدا وكأنه هناك إدارة لفصل الشيعة في هذا العالم عن إيران وأنه ليس هناك علاقة خاصة ومميزة أيضاً ينبغي الحفاظ عليها مع هذه الدولة بشكل من الأشكال؟
الشيخ: أولاً إيران هي مجتمع شيعي كبير داخل الأمة الإسلامية.. يعني أكبر تجمع شيعي في العالم هو الآن موجود في إيران، أكبر تجمع شيعي قومي تركي وفارسي وفيه بعض العروق الأخرى هو موجود في إيران. الشاه كان يقول أنه حامي الشيعة وفي لبنان يقولون كان هناك شغل على هذا الأساس.. وفي الخليج كان عمل يعني بيجي الشاه بيفرشوا له السجادة الحمرا، شيعة الكويت أو شيعة البحرين يفرشوا له سجاد أحمر من القصر للطيارة أو من الطيارة للقصر، انه ملكهم أو رئيسهم.. بعد الثورة وتكوين الحكم الإسلامي في إيران، أدعيت هذه الدعوة أن الشاه لم يكن يمثل الشيعة في العالم وانما كان ينطلق من رؤية امبراطورية لأن الشاه الذي يدعي أنه يمثل الشيعة هو بنفس الوقت وريث الأخمينيين، هو الذي عمل ذكرى 2500 سنة لعرش الطاووس وهذا شيء تعرفونه وهو كتب رسالة للمجوس الإيرانيين يتحدث عن أمجاد إيران وهو الذي حاول تغيير التقويم الهجري.
الشيعة كائناً من كانوا، وأنا لا أحكي فقط عن الشيعة العرب،بل الشيعة الأتراك في تركيا أو في أذربيجان: أقول أنهم ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس لإيران، الشيعة الهنود في شبه القارة الهندية، باكستان وبنغلادش والهند أو الآسيويين في أندونيسيا أو في أي مكان هم ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم ولا ينتمون لإيران. إيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية. ما أقوله هنا عن هذا الموضوع أقوله في العالم العربي أو في لبنان أو في سوريا أو الكويت أو مصر أو السعودية.. أقول هذا الكلام علناً. فلو فرضنا اننا نتحدث عن تركيا، أقول نفس هذا الكلام.. توجد قوميات داخل الأمة الإسلامية، هذه القوميات فيها انتماءات، انتماءات مذهبية وانتماءات سياسية تنظيمية، الشيعة ليسوا إيران، إيران ليست الشيعة، إيران جزء من عالم التشيع.. أيضاً السعودية هي ليست السنة، مثلما يوجد أقلية شيعية في السعودية يوجد أقلية سنية في إيران.. ولهم ظلامات وهم يروحون ويشتكون ويبكون ويحكون كلاما كبيرا، سنة إيران أنا مضطر شوفهم مثل ما أشوف شيعة السعودية. ويوجد هنا ما يقال...يعني مش أنه حكي.. فمن هذه الجهة أنا أقول أنت يا شيعي يا لبناني أو يا كويتي أو يا مصري مثلاً أو يا سعودي أنت تنتمي إلى مجتمعك لا الى ايران. نقطة على السطر.........................
سأل الشباب الشيخ عن "العلاقة أو الود الذي يبدو من خلال زياراته المتكررة أحياناً إلى الكويت ومصر وغيرها"، وقالوا له "إن كان ليس من المصلحة التصعيد ضد الانظمة وانما معالجة العلاقة مع الأنظمة بالتي هي أحسن، الا اننا كلنا نعرف بخلفيتنا الإسلامية عمق تبعية هذه الأنظمة وعمق ارتباطاتها وطبيعة حكمها لشعوبها وعمق الأزمة التي تعيشها هذه الشعوب أولاً بسبب هذه الأنظمة، ووضع الشيعة بشكل خاص في هذه الدول، فتبدو الزيارات التي تقومون بها لعدد من هذه الدول وكأنه هناك ود وتحاب شديد مما ينعكس أحياناً بصورة تُفهم بشكل سلبي من قبل الاسلاميين"..
رد الشيخ : "الحكاية عن الود، أولاً هؤلاء يودوني فعلاً، وأنا استاهل واستحق الود، وهم يستحقونه، ناس مسلمين طيبين يودوني لماذا لا يودوني. أهل مصر وأهل السعودية واهل الكويت وأهل الخليج.. نحن نزور الناس، نزور الكل، نزور الأنظمة ونزور الشعوب، أنا في مصر ما كنت محصوراً بزيارة النظام ولا في السعودية ولا في الخليج. في مصر أنا ألتقيت مع المعارضة ومع الموالاة ومع حزب الوسط الذي هو ضد الدولة.. علناً إلتقينا وكنت عندهم وخطبت فيهم وحاورتهم وكتبوا عني، التيار الإسلامي جلست معه وحاورته وحاورني وأحبني، حكاية ود أولاً ليس أمراً مستنكراً أن يكون هناك ود.. ثانياً حكاية الود هي مش حب وغرام.. توجد قضايا جامعة هي القضية الإسلامية العامة وقضية المشروع الصهيوني، هاتان القضيتان كبيرتان تستحقان أن نعمل للتضامن العربي والاسلامي حولهما.... أنا عندي منذ أكثر من 20 سنة خطاب معروف في الشأن الإسلامي الحركي وفي الشأن الإسلامي العام وفي الشأن العربي وفي الشأن الفلسطيني، في شأن الإنتماء وقضايا الإنتماء، في الفقه السياسي هذا معروف خصوصا بعد نشر نصوصي المنقحة الأخيرة..... فأنا أدعو الى التضامن والى المصالحة الشاملة..يعني الآن هذا الكلام الذي تقولونه عن خوف الاسلاميين من الود ومن العلاقات الايجابية مع مصر والخليج، هذا يعكس القلق الشيعي العام الذي هو نتيجة سوء تربية، هو سوء تنشئة..الشيعي اليوم ينشأ ويتربى على أن العالم ضدنا... هو العالم ليس ضدنا.. نحن ضد العالم! يعني أنا إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة عن أن يكونوا ضد العالم، العالم بمقدار ما هو ضدهم كما أنه ضد بعضه البعض. الآن الجزائر ليس فيها شيعة وهي تتذابح.. الآن السودانيون يتقاتلون وما فيهم شيعة وسنة، كلهم يتذابحون.ونفس الشيء في أفغانستان.. يعني أن وجود حالة نبذ، حالة دفع، ضد الشيعة، هذا موجود.. ولكن العلة الأساسية هي أن الشيعة هم في موقفهم التاريخي (وهو موقف في جذوره مبرر ولكن في امتداداته الآن غير مبرر)يطرحون الحذر والتوجس..وهذا الوضع هو يجعلهم دائماً في حالة مؤامرة، في جو مؤامرة، أن العالم يريد ذبحنا، يريد أن يأخذ حقوقنا، أو أن العالم يريد أن يغير عقيدتنا. وهذا الوضع طبعاً يخلق حالات استهداف عند الآخرين.. بعض القيادات الشيعية خاصة بعد نشوء الحالة الحركية الإسلامية داخل الشيعة صارت تستغل هذا الوضع استغلالا خاليا من أي ورع وخاليا من أي أخلاق.. وصارت تغذي هذا لأجل أن تمحور حولها ولأجل أن تستقطب.. ووجدت هذه الحالة عندنا.. وإلا فالدنيا بخير.. يعني حينما أنت لا تحمل مشروعا يخيف الآخرين، حينما لا تهدد نظام مصالح الآخرين بنظام مصالحك الخاص، فلن يقف في وجهك غير القليل من القوى... فكما أنه داخل التسنن توجد مضادات داخل التشيع توجد مضادات. الآن أذكر النموذج العراقي الذي يكاد أن يصل الى حد المذبحة، ووصل..ففي داخل العراق، في الجنوب، تذابحوا: حزب الدعوة مع غيرهم.. وصل الصراع إلى حد التذابح.. طبعاً ما صاروا شاطرين مثلكم، مثل اللبنانيين: بين أمل وحزب الله، ولكن وصلوا إلى هذه الحالة.. هؤلاء شيعة بشيعة، مثل الأفغانيين أو السودانيين أو الجزائريين الذين هم سنة بسنة.
أنا عندي قضية يا أولاد، أنا عندي دماءكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم، أنا يهمني أن الشيعي عندما يكون ساكن في وطن أن لا يمثل هو نظام غلبة.. وانما أن يكون مقبولا .. أو حيثما يروح ويذهب أن لا يكون مثل الوباء الذي يُتوقى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة.. حالة نقية..علاقة نقية بين الناس وبين الشيعة، وما عندي شي أتكلم فيه سراً، أنا كل كلامي الذي أقوله وراء الأبواب المغلقة هو الذي تعرفونه في الميكروفون، أنا أقول اندمجوا في دولكم واندمجوا في شعوبكم واندمجوا في أنظمة مصالحكم لكن لا تنشئوا نظام مصالح خاص، لا تثيروا غيلة الآخرين، احترموا قوانينكم! هذا ما أقوله، أقوله عن قناعة فقهية فأنا أحرم الغيلة وأحرم الغلول.. يعني يقال أن أموال هذه الدولة أو تلك حلال.. ما أظن أن أموال الدولة حلال، دولة سنية أو دولة شيعية، كلها عندي مثل بعضها.
يعني أرجو أن يُفهم أن كلمة الود ، هذه كلمة مزروعة.. هذه عملية مزروعة يُبنى عليها تعبئة وتحريض ضدي...أنني ضد الشيعة ومع الأنظمة السنية..أنا لا اخاف غير الحق.. أنا هذه رسالتي، رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم لا لأنهم يمثلون شيئاً خاصاً أو أنهم محميين من دولة.. يعني كوني مقبولاً لأن إيران حاميتني! لا لا أريد هذا! لأني أنا مش ضامن إيران، أنا صيرورة تاريخية موجودة من عهد الرسول (ص) وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي.. أنا مش ضامن شي، أنا ضامن أعرف أمة موجودة تمزقها التناقضات، أنا أريد أكون أحمل جنسية البلد الفلاني، أريد أكون مقبولا لذاتي لأني أنا مقبول في محيطي وفي مجتمعي لا لأني أمثل حالة سياسية تنشر الرعب والآخرين يجاملونها كما هو الآن وكما تحاول بعض الجهات أن تخلق هذه الحالة، انو نحنا نخوّف! يقولون لي عن بعض الحالات أنه انتبهوا نحنا ترى حزب الله إذا تعملوا معنا شي في أمكنة أخرى منطالكم!! لكن هذا النوع من الكلام، وأنا أعلم أنه قيل وليس أنه يمكن أن يقال، أعلمه، وأخبركم أنه قيل في أوروبا وقيل في الشرق العربي وقيل في آسيا..هذا الكلام قيل.. والله واحد مهرب تهريبة أو مزور وثيقة يهدد أنه من حزب الله وأنه إذا تعاقبوه مدري شو بيصير فيكم. لكن هذه من يتحملها، يتحملها هذا الجسم المبارك، هذه الصفوة التي هي صفوة الإسلام، يتحملها عموم الشيعة وانتم الشباب الطاهر..يمكن أن الذين يخافون هذا الترهيب يمشولو شغله.. لكن يُبنى على هذا ما يبنى.. لأنه أنظمة المصالح أيضاً تدافع عن نفسها.. ما في أحد يستسلم. أنا هدفي بكل علنية وكل وضوح، أنا أرى أن تكليفي الشرعي هو أن أجعل الشيعة مقبولين في العالم الإسلامي، مقبولين كما هم بتربيتهم وسجيتهم وأساليبهم وبطريقة موالاتهم لأهل البيت. موالاة أهل البيت أمر شائع عند المسلمين جميعاً..أنا أريد أن يقبل الآخرون طريقة موالاة الشيعة لأهل البيت، يعني تمذهبهم الخاص، يعني هم كما هم، أنا وظيفتي أن أجعلهم مقبولين مكرمين مثل غيرهم.
أما موضوع جعلهم حالة متمايزة كما يحاولون هم والذين يستغلونهم بحسن نية أو بسوء نية فهذا مرفوض.. ولا تنسوا أن الإستشراق الأجنبي هو الذي بدأ القول بأن الشيعة شيء خاص، الشيعة شيء خاص داخل الإسلام...وصارت تعقد مؤتمرات إسلامية عامة، وتعقد مؤتمرات لخصوص الشيعة بعينهم، كأنه مخلوق فيه شذوذ معين.. أنا هذه الحالة أرى أن تكليفي الشرعي وهذا موجب فقهي وعلمي أن أُخرج الشيعة منها.. والحمد لله أفلحت بنسبة كبيرة، عندي مضادات كثيرة من نوع ما يستبطنه كلامكم.. لكن الله غالب على أمره. وأسأل الله التوفيق.
الشباب: هنا نصل إلى العلاقة مع إيران، الأسئلة مترابطة مع بعضها إذا كنا نتكلم عن أخطاء الحركات الإسلامية وهي تخطئ وبعضها له أخطاء شنيعة لكن من يتصدى لأخطاء الأنظمة وهي بالتأكيد أخطاء وكبيرة وهي الأولى.
الشيخ: أنا وأمثالي نتصدى لها، أولاً أنا غير متصد لأخطاء الحركة الإسلامية، أنا من غُزية الرشيدة ، ولكن غُزيّة الغوية أنا أيضاً محسوب عليها..(يشير الشيخ هنا الى البيت المشهور لدريد ابن الصمة: وما أنا إلا من غزيه أن غَوَت **** غَوَيت وإن تَرشد غزيه أَرشد ) . الحركة الإسلامية هي ليست حركة واحدة.. أنا عندي تعبير الحركة الإسلامية العالمية.. لكن نقول هذا الكلام من أجل كرامتنا، من أجل أن نحفظ كرامتنا، وإلا فالحركة الإسلامية العالمية بمعنى الكلمة هي شيء غير موجود .. توجد حركات إقليمية وتوجد حركات داخل الإسلام السني إذا صح التعبير وتوجد حركات داخل الإسلام الشيعي إذا صح التعبير. توجد أخطاء عادية وأخطاء موجعة.. وهذه الأخطاء أثرت على الشيعة.... يجوز بعض جيوب المخابرات الأجنبية هي التي تقوم بهذه الجرائم في الجزائر مثلاً... لكن لا ريب بوجود عقلية دم عند الاسلاميين، عقلية قتل، يعني عقلية الشراة (هي فرقة من الخوارج قالوا إنهم يشترون الجنة بأرواحهم وأسسوا في الاسلام-بعد اليهودية والمسيحية- لتراث العمليات الانتحارية المسماة استشهادية)، عقلية الخوارج موجودة، وهي عند الشيعة أيضاً موجودة.. وأنتم عملتوا اللازم بين بعضكم، قتلتم بعضكم البعض وأنتم كنتم صائمين.(يشير الشيخ الى حرب الضاحية الجنوبية وحرب اقليم التفاح).. أنا في هذا الموضوع لا أجامل: شوفوا حزب الله حاربنا لأن ما ناصرناه، وأمل حاربتنا لأن ما ناصرناها، المسألة يا أعزائي لا تدخل في باب المفاكهة...هي شيء حقيقي وعميق، أنا الحمد لله ألقى الله سبحانه وتعالى وليس في ذمتي وفي سجلي قطرة دم من الدماء التي سقطت... أرادونا على شيء ووقانا الله منه من طرفه... قصدي أنكم وقعتم في ما وقع فيه غيركم... وهذا في العراق صار، الآن في أفغانستان مذابح مركبة شيعة وشيعة، سنة وشيعة، سنة وسنة.. يعني شي فايت ببعضه.
المقولة الاسلامية في التولي والتبري (الولاء لله وحزبه والبراءة من الشيطان وحزبه: هي احدى أهم مفاهيم السلفية الجهادية السنية والشيعية على السواء) ممكنة في علاقات الأفراد.. يعني زيد ابن أرقم فاسد أنا أرتب عليه حكم الفساد، عادل أرتب عليه حكم العدالة.. وحتى هذه نحن مأمورين فيها بالمداراة.. في أخبار صحيحة واردة عن أئمتنا (س) تقول: نصف الدين أو ثلث الدين هو المداراة، عاشروا الناس أو عايشوا الناس معايشة إذا غبتم فيها حنوا إليكم وإذا متم فيها بكوا عليكم.
ومش كل الناس حدود، حالة الحدية هذه ليست من الشرع، هذه خلقتها الحالة الحزبية، الحالة التي فيها قطب معين (زعيم أو قائد) بيعرف إنه إذا تعددت الخيارات أمام الإنسان بيصير هناك أكثر من قطب وليس قطباً واحداً يستمع اليه او يثق به، بيصير هذا الإنسان الكادر أو العامل البسيط يعرف اثنين وبيعرف ثلاثة من الاقطاب،وبيصير يصلي جماعة في مكانين او ثلاثة، ويسمع موعظتين او ثلاث، ويوزع فلوسه (الخمس والصدقات) بين شخصين او ثلاثة.. أما أن نمسك رسنه مسكا كاملا فهذا يوجب أن نحطم الجميع وأن لا يبق شريفاً وعفيفاً ومقدساً سوى قطب واحد. فتنشأ هذه الحالة (الحزبية والصنمية) التي أنتم عايشينها وتطرحون أسئلتكم من خلالها (بما هم أعضاء في حزب الله). هذه ليست من الشرع في شيء وليست من الإسلام في شيء.. أنا لما أعيش حالة أن الرسول (س) وأن الإسلام استوعب المنافقين... عُوملوا معاملة المسلمين، عايشوا المسلمين وتزاوجوا معهم ودفنوا في مقابرهم.. ولكن لاحظوا في القرآن التحذير فقط للرسول لا تصلي أنت على أحدهم، إذا مات أحد منهم يصلون عليه ويغسلونه. لما المنافقين يعتبرون حالة مقبولة داخل المجتمع، طيب أنا واحد شوي أموره مذبذبة لا أقبله على أيش!! (إذا كان الاسلام قبل المنافقين داخله فأنا لماذا لا أقبل انساناً أو جماعة ليس/ليست ملتزمة التزاماً كاملاً بمواقفي وبفهمي للاسلام مثلاً)..حالة النقاوة الداخلية هي إحدى النقاط التي هي خطأ من الأخطاء الموجودة في فكر الشيعة، خطأ حالة النقاوة الكاملة.
حتى في علاقات الأفراد: هذا الأمر غير مطلوب.. ولكن لو جاء واحد يقول أنا هالشكل أنا إما أبيض إما أسود، طيب عال..(يمكن أن نقبل ذلك بين الأفراد والأمزجة).. أما في العمل المجتمعي العام فلا... في العمل المجتمعي العام يوجد مشروع حوار وجوار.. كل من يخدم هذا المشروع يدخل فيه.. إذا قدرت أعمل حالة تولي وتبري في الدول لا يبقى عندي أحد.. أنا ساعتها أقول للشيعة أنتم جحروا في جحوركم، حاربوا العالم كله وخليه يحاربكم العالم كله ومنعمل مذابح. هذا الأمر أنا لا أراه مناسباً..
هذا الأمر أنا أنظر له فقهياً وأنا أرى أن كل شيء يتنافى مع هذا هو مخالف للفقه يعني مخالف للتكليف الشرعي.. سيوجد واحد يحرض ضدي.. أنا أقول إذاً هو جاهل معذور... لكن في القضايا العامة الجهل لا يعذر. أنا معذور حينما أغامر بوضعي الخاص.. أما أنا أشيط بدماء أمة بكاملها والله أنا جاهل، الجاهل يقعد في بيته ما يشتغل. واقع الحال هو هذا ! هل يوجد مشروع لي خاص أنا حتى أصير شيخ على مزبلة أو أنه يوجد مشروع للمجتمع، مشروع للأمة، أنا أدير مشروع للأمة، أنا لا أدير مشروع أن أنا عندي خمسة بني آدم بدي أجمعهم وصلي فيهم جماعة ويعطوني حقوقهم (الخمس)! لا! أنا ما عندي هذا الشيء.. أنا أحمل هم الشيعة العام وخاصة في أضعف مواقعهم، أنا دائماً أتحدث عن الشيعة خارج إيران، شيعة إيران الله يعزهم حاميين نفسهم دولتهم كثرتهم حدودهم ثروتهم، أحكي عن الأقليات الموجودة.. أنا دائماً أقول الشيعة يمثلون خمس المسلمين، خمس المسلمين مقابل أربع أخماس المسلمين.. يعني شغلي أعمل جبهة داخل الإسلام، فضلاً عن أن الشيعة داخل كل وطن وداخل كل مجتمع قد لا يمثلون عشر شعبهم، ما يمثلون نصف عشر شعبهم.. أنا وظيفتي أن أحفظ هؤلاء، أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أية مذهبية سياسية. المذهبية السياسية معروفة تقرؤنها في كتابي نظام الحكم وغير نظام الحكم، الفقه السياسي دُوِّن وأكثره مطبوع انشاء الله الباقي يطبع. في إدارتي للعملية الشيعية على مستوى الأمة: فكري هذا هو، لما أنا أقول كلمة نُصح، كلمة صفاء، ما يسمى شيعة مصر ما أعرف أديش هم أنا أحميهم، أنا أحفظ كراماتهم أنا حقي واصلني، أما أنه هناك حزب في لبنان أو إيران يفتعل وجود حزب داخل مصر ويريد أن يمشي عليه شغل، هيدا مو شغل، هذه أنا أبتر هذه القضية عن هذه القضية، هذه قضيتي العامة وهذه قضية إيران تدبر أمرها، هي دولة تدبر أمرها.. عندها خمسة بني آدم أو عشرة بني آدم، عشرين، مجموعة داخلية، بدن يعملوا حزب هنا او هناك، هذا شغل الدولة، إيران تجي تتفاهم معي اتفاهم معها.. بجوز أفهم عليها ويجوز تفهم علي، أما إني أغامر بمصير مجموعة كاملة (الشيعة العرب) لأنه شحادة (متشيع مصري اعتقل مرارا في مصر وتوسط الشيخ مرارا لاطلاقه هو وتنظيمه الايراني) افتض عشر بنات أو خمسة عشر بنت تحت ستار المتعة وتساوم على فلوس ومسوي مشروع شيعي... لا والله أنا هذا مو شغلي.
الشباب: إيران الدولة الشيعية الوحيدة والإسلامية بالمعنى الشرعي وفقاً لبعض الآراء، صار في زياراتكم المتكررة وطروحاتكم المتكررة أن الشيعة في العالم العربي عامة ليس لهم علاقة تبعية بايران، ليسوا عملاء لإيران، وهذا شيء صحيح، وأنهم متمسكين بأوطانهم وهم جزء من هذه الأوطان.. ولكن الجو العام وتكرار هذه الأجواء بدا وكأنه هناك إدارة لفصل الشيعة في هذا العالم عن إيران وأنه ليس هناك علاقة خاصة ومميزة أيضاً ينبغي الحفاظ عليها مع هذه الدولة بشكل من الأشكال؟
الشيخ: أولاً إيران هي مجتمع شيعي كبير داخل الأمة الإسلامية.. يعني أكبر تجمع شيعي في العالم هو الآن موجود في إيران، أكبر تجمع شيعي قومي تركي وفارسي وفيه بعض العروق الأخرى هو موجود في إيران. الشاه كان يقول أنه حامي الشيعة وفي لبنان يقولون كان هناك شغل على هذا الأساس.. وفي الخليج كان عمل يعني بيجي الشاه بيفرشوا له السجادة الحمرا، شيعة الكويت أو شيعة البحرين يفرشوا له سجاد أحمر من القصر للطيارة أو من الطيارة للقصر، انه ملكهم أو رئيسهم.. بعد الثورة وتكوين الحكم الإسلامي في إيران، أدعيت هذه الدعوة أن الشاه لم يكن يمثل الشيعة في العالم وانما كان ينطلق من رؤية امبراطورية لأن الشاه الذي يدعي أنه يمثل الشيعة هو بنفس الوقت وريث الأخمينيين، هو الذي عمل ذكرى 2500 سنة لعرش الطاووس وهذا شيء تعرفونه وهو كتب رسالة للمجوس الإيرانيين يتحدث عن أمجاد إيران وهو الذي حاول تغيير التقويم الهجري.
الشيعة كائناً من كانوا، وأنا لا أحكي فقط عن الشيعة العرب،بل الشيعة الأتراك في تركيا أو في أذربيجان: أقول أنهم ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس لإيران، الشيعة الهنود في شبه القارة الهندية، باكستان وبنغلادش والهند أو الآسيويين في أندونيسيا أو في أي مكان هم ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم ولا ينتمون لإيران. إيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية. ما أقوله هنا عن هذا الموضوع أقوله في العالم العربي أو في لبنان أو في سوريا أو الكويت أو مصر أو السعودية.. أقول هذا الكلام علناً. فلو فرضنا اننا نتحدث عن تركيا، أقول نفس هذا الكلام.. توجد قوميات داخل الأمة الإسلامية، هذه القوميات فيها انتماءات، انتماءات مذهبية وانتماءات سياسية تنظيمية، الشيعة ليسوا إيران، إيران ليست الشيعة، إيران جزء من عالم التشيع.. أيضاً السعودية هي ليست السنة، مثلما يوجد أقلية شيعية في السعودية يوجد أقلية سنية في إيران.. ولهم ظلامات وهم يروحون ويشتكون ويبكون ويحكون كلاما كبيرا، سنة إيران أنا مضطر شوفهم مثل ما أشوف شيعة السعودية. ويوجد هنا ما يقال...يعني مش أنه حكي.. فمن هذه الجهة أنا أقول أنت يا شيعي يا لبناني أو يا كويتي أو يا مصري مثلاً أو يا سعودي أنت تنتمي إلى مجتمعك لا الى ايران. نقطة على السطر.........................
السبت، 3 سبتمبر 2011
محمد مهدي شمس الدين وولاية الأمة على نفسها
هيثم مزاحم
بحث الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الفقيه اللبناني المعاصر، في مسألة الدولة والاجتماع السياسي الإسلامي وقدم أطروحة جديدة، فوجه نقداً معتبراً لنظرية ولاية الفقيه المطلقة التي نادى بها الإمام الخميني والتي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. رأى أنه: «في ظل غياب سند فقهي معتبر للمطابقة ما بين نظرية ولاية الفقيه والإمامة المعصومة، فإنّ مقتضيات سيطرة الدولة ومؤسستها للفقهاء في أجهزتها، هي التي تدفع إلى الإيهام بهذه المطابقة، وهي في هذه الحالة تكون أمام مشروع دولة ملوّن بالتشيّع يعيد باسم التشيّع إنتاج دولة ثيوقراطية تستمد شرعيّتها من الله لا من الأمة، وتمأسس الفقهاء بالتالي كجهاز كهنوتي لمقتضياتها ومتطلّباتها بوسع مساحة ولاية الفقيه حتى يساوي في المهمات بينها وبين النبوة والإمامة».
رفض شمس الدين اعتبار الإمام الخميني ولاية الفقيه جزءاً من أصول الدين لا من فروعه، أي من المسائل الاعتقادية لا العبادية، أي المطابقة بين الولاية المعصومة وولاية الفقيه، معتبراً أنّ هذا غير صحيح من الناحية الفقهية والكلامية معاً لأنّ ولاية الفقيه هي صيغة مستقلة ومختلفة عن صيغة الإمامة المعصومة وكانت تستمد شرعيتها منها، وفق دعوى القائلين بها. ويقول شمس الدين في هذا الصدد: «ووجه عدم حجة هذا الاعتبار إنّ الحكومة الإسلامية على صيغة ولاية الفقيه الثابتة باعتبار كون الفقيه (نائباً عن الإمام)، ليست حكومة الإمام المعصوم، ولا تثبت لها عمومية ولاية الإمام المعصوم، وإن كان البعض يحاول ذلك ويدّعيه، لاعتبارات يدّعي أنها فقهية وهي في حقيقتها اعتبارات سياسية ليس لها سند فقهي معتبر، بل هي حكومة المنوب عن الإمام في ممارستها، وإعمال الولاية بشأنها. والمعيار في ذلك هو دليل نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم في الشأن السياسي السلطوي والتنظيمي».
وفي مقابل ولاية الفقيه العامة والمطلقة للإمام الخميني التي شكّلت الأساس الفقهي السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، طوّر الإمام شمس الدين نظرية «ولاية الأمة على نفسها» التي تقتضي في حال عدم حضور الإمام المعصوم وظهوره على نحو تستطيع الأمة الاتصال به في أي شكل من الأشكال بحيث يمارس قيادة فعلية مباشرة، أن يشرع لكل شعب من الأمة الإسلامية أن يقيم لنفسه نظامه الإسلامي الخاص في نطاق وحدة الأمة.
ويقول شمس الدين إنّ الدولة التي تقوم على أساس مشروعية ولاية الأمة على نفسها تعتمد الشورى في المسألة السياسية والتنظيمية المتعلقة بالمجتمع السياسي، وهي دولة زمنية، لا يجوز للفقهاء أن يتولوا السلطة فيها، أو أن يكون جميع جسمها وبخاصة مفاصلها وقيادتها مكوّنة من رجال الدين، بل إنّ هذه الدولة يجب أن تدار بحكمة عالية، وأن يتولى قيادتها رجال سياسية مختصون لأن رجال الدين غير مختصين في حقول ممارسة الحكم في الدولة، والحال هذه تصبح الدولة من مناطق (الفراغ التشريعي) المحالة للأمة «فلا مجال لأن يسند بها شخص واحد إذا كان هو الفقيه العادل».
من هنا، فإنّ نظرية الأمة على نفسها تعتبر أن الشريعة أوكلت أمر الأمة إلى الأمة نفسها، في ظل الغيبة الكبرى، وأصبحت ولاية الأمة ليست ملكاً لأحد لا لفقيه أو غير فقيه أو لمجموعة فقهاء، فالأمة «هي ولية نفسها وهي في نطاق الكليات الشرعية في فقه المجتمع والدولة تتولى أمر نفسها وفقاً لمبدأ الشورى الذي يمكن برمجته في نظام ملائم بحسب ظروف كل مجتمع من المجتمعات».
وتنطلق نظرية «ولاية الأمة على نفسها» من أنّ الأصل الأولي، العقلي والنقلي، في قضية السلطة على البشر، من قبل أي شخص كان، هو عدم المشروعية، فلا ولاية لأحد على أحد، ولا ولاية لأحد على جماعة، أو مجتمع، ولا ولاية لجماعة أو مجتمع على أحد، طالما أنّ الولاية الوحيدة الثابتة بحكم العقل والنقل، هي ولاية الله تعالى وحده دون غيره، وفق الفقه الشيعي الإثني عشري.
وعليه فإنّ مشروعية تكوين الدولة الإسلامية، ونصب الحكومة الإسلامية، طبقاً للمباني الفقهية المعروفة عن نظرية ولاية الأمة على نفسها، تؤكّد أنّ الأمة يجب أن تشرّع لنفسها بواسطة الفقهاء، وأهل الخبرة والاختصاص، في كل مجال في حدود حاجاتها التنظيمية في مناطق الفراغ التشريعي، ومنها الشأن الإداري على ضوء الأصل الأول في سلطة الإنسان على الإنسان، وسلطة الإنسان على الطبيعة. فالدولة من حيث انها شأن إداري هي فرع تابع ومقيّد من قبل الأصل الأولي، بمعنى آخر لا يجوز أن تكون متسلطة ومستبدة على الأمة، طالما أنّ الأمة هي التي تشرّع لنفسها في كل مجال تحتاجه تنظيمياً وإدارياً على ضوء الأصل الأولي. «فمنطقة الفراغ التشريعي هنا محكومة بالأصل الأولي، ولا بدّ من الاقتصار في الخروج عنه فيها على القدر المتيقن مما يحتاجه المجتمع. وكل ما يشك في تماسكه، وازدهاره ونموّه، وكل ما يشك في الحاجة إليه فهو محكوم بمقتضى الأصول الأولية من عدم المشروعية».
ويخلص شمس الدين من ذلك إلى أنّ الدولة الإسلامية يجب أن تكون دولة ديموقراطية تقوم على المشاركة، التي قوامها الشورى، والتمثيل الشعبي، واللامركزية في الإدارة، ووجوب حفظ النظام، ومقدمة الواجب، والأمور الحسبية، وتخضع في الوقت عينه لمقتضيات الأصول الأولية، والأدلة المقيِّدة، منعاً لأي تجاوزات أو بروز نزعات تسلطية إطلاقية للحاكم. إذ كلّما كانت السلطة الحكومية السياسية، والتنظيمية والإدارية وغيرها، أقرب إلى ممارسة الإنسان لسلطته الذاتية على نفسه، كانت أقرب إلى الأصل الأولي، وكانت متيقّنة المشروعية من حيث دخولها في دليل تقييد الأصل الأوّلي.
ولمّا كان الأصل الأولي عند الشيعة في قضية بناء الدولة الإسلامية لا يجيز مشروعية تسلط إنسان على إنسان، فإنّ هذه الدولة حتى ترقى إلى مرتبة الأصل الأولي، لا بدّ من أن تنتهج خيار الديموقراطية في انتخاب الموظفين والمسؤولين الإداريين من طريق (مجالس الشورى) المنتخبة، أو بواسطة السكان بصورة مباشرة، باعتبار أنّ هذه الطريقة الديموقراطية هي أقرب «إلى ما يقتضيه الأصل الأولي في باب السلطة، وأقرب إلى دليل التقييد مما إذا مارست الحكومة سلطتها في تعيين المسؤولين والموظفين الإداريين في معزل عن رأي الناس واختيارهم، فإن هذا أبعد مما يقتضيه الأصل الأولي، وقد لا يكون داخلاً في التقييد. أمّا بعده مما يقتضيه الأصل الأولي فمن حيث أنّ الحكومة تمارس سيادتها وسلطتها في إنشاء وفرض سلطة جديدة على الناس، وتعيين متسلط عليهم بغير اختيار منهم، وهذا واضح.
وهكذا، تشكل نظرية ولاية الأمة على نفسها للإمام شمس الدين امتداداً طبيعياً للخط الإصلاحي الشوروي الذي كرّسه آية الله الشيخ النائيني، منظر ثورة الدستور (المشروطة) في إيران في مطلع القرن العشرين، والذي انطلق في تنظيره وتأويله لمفهوم الدولة الإسلامية، لا من نظرية ولاية الفقيه بل انطلاقاً من نظرية ولاية الأمة على نفسها، التي ترى في الدولة مسألة شوروية واختيارية وانتخابية ودستورية بين المسلمين، أي مسألة فقهية من الفروع لا كلامية من الأصول. فقد لاءم النائيني بين الأصل الأولي والأصل الثانوي الفرعي، حيث رأى الأصل الثانوي أي الدولة أمراً ثانوياً مناطاً بالأمة. ولهذا اعتبر النائيني أنّ الدولة الديموقراطية تغتصب حقاً واحداً من حق الإمام المهدي، وهذا الاغتصاب جبري بحكم الطبيعة الإلهية لمشكلة الغيبة. في حين أنّ الدولة الاستبدادية تغتصب حقّين في آن، هما حق الإمام المهدي وحق الأمة، فجعل من المشروع السياسي الشيعي في عصر الغيبة يخص الحق الثاني ويتحدد به، وهو ما يفسّر أن النائيني لم يفكر على الإطلاق في إشكالية دولة دينية على غرار نظرية ولاية الفقيه بل في إشكالية دولة ديموقراطية دستورية تتولى فيها الأمة ولاية الأمة على نفسها مع دور محدود للفقهاء.
ويذهب شمس الدين في نظريته السياسية هذه إلى أن الأحكام الإلهية الثابتة، أي التشريعية، أحكام نهائية ولا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف. ومن الأحكام الثابتة الأحكام المربوطة بنظام العبادات ونظام العائلة والمسائل الجنسية (المتعلقة بجسم الإنسان وجسم الآخرين)، ومسائل الربا، ولا أحكام ثابتة في الشريعة الإسلامية غير هذه. بما معناه أن لا أحكام ثابتة في ما يخص النظام السياسي والحكومة، بل إنّ الأحكام التي تتكفّل بتنظيم العلاقات الاجتماعية المختلفة، الاقتصادية والسياسية، والعلاقات الدولية، أحكام متغيرة ومرتبطة بالزمان، تتغير بتغيّر المصلحة الاجتماعية وينتهي مفعولها، وهي أحكام ناشئة من إدارة المجتمع في تنظيم أمور نفسه، وهي أحكام شرعية.
ويرى شمس الدين أنّ الأحكام الثابتة الشرعية من مسؤولية الفقهاء، وقد عيّن الفقهاء في زمان غيبة المعصوم بمنصب القضاء، أمّا أكثر من ذلك فلم يثبت أي دور خاص للفقهاء في مجال السلطة السياسية أو الحاكمية، كما لم تثبت الولاية العامة للفقهاء، ولا يعتبر الفقهاء نوّاب الإمام المعصوم في إدارة الأمور السياسية، ولا ولاية للفقيه على الأمة. أمّا في عصر غيبة الإمام المعصوم فتملك الأمة الولاية على مقدراتها في إطار الشريعة الإسلامية، والإنسان مسؤولٌ عن نفسه والمجتمع وليّ نفسه. وذلك بسبب أنّ الأمة حاكمة على مصيرها ومقدراتها وتنتخب شكل النظام السياسي على أساس الشورى في جميع المراحل. ولا يعتبر الفقه شرطاً لرئيس الدولة الإسلامية المنتخب.
ووفق نظرية (ولاية الأمة على نفسها) أو (الحكومة الإسلامية المنتخبة) كما قال بها شمس الدين، ومن قبله كل من آية الله محمد باقر الصدر والشيخ محمد جواد مغنية، تقوم الدولة الإسلامية الإلهية على الشرعية الإلهية المباشرة والتعيين الخاص، ولا يمكن تحققها إلاّ في زمان حضور الأئمة المعصومين. ففي عصر الغيبة تنحصر مهمة الفقهاء بالإفتاء واستنباط الأحكام الشرعية الثابتة، والقضاء في الخصومات بين أفراد الشعب، وبين الشعب والحكومة، والإصلاح والدعوة إلى الخير. ولا يملك الفقهاء، بسبب فقههم، أي امتياز سياسي على الناس، ولا ولاية شرعية لهم في إدارة الأمور السياسية بل يقوم الناس في عصر غيبة المعصوم بإدارة الأمور السياسية للأمة الإسلامية. ويستطيع الناس تنظيم أمورهم الاجتماعية على أساس المصالح في الظروف الزمانية والمكانية المختلفة، إذ إنّ شكل إدارة المجتمع والسياسة أمر عقلاني ولا بدّ من الاستفادة من التجارب الإنسانية، بشرط عدم تعارضها مع الشريعة.
أمّا شكل الدولة الإسلامية فقائم على الشورى، أي لا بدّ من الرجوع إلى الرأي العام (أو آراء الأكثرية في حالة عدم التوافق)، في جميع الأمور السياسية، ولا بدّ من انتخاب رئيس الدولة من جانب الشعب. وتتحقق إسلامية الدولة بإسلامية القوانين وانسجام النظام مع الدين ومتابعة أهداف الدين.
بحث الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الفقيه اللبناني المعاصر، في مسألة الدولة والاجتماع السياسي الإسلامي وقدم أطروحة جديدة، فوجه نقداً معتبراً لنظرية ولاية الفقيه المطلقة التي نادى بها الإمام الخميني والتي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. رأى أنه: «في ظل غياب سند فقهي معتبر للمطابقة ما بين نظرية ولاية الفقيه والإمامة المعصومة، فإنّ مقتضيات سيطرة الدولة ومؤسستها للفقهاء في أجهزتها، هي التي تدفع إلى الإيهام بهذه المطابقة، وهي في هذه الحالة تكون أمام مشروع دولة ملوّن بالتشيّع يعيد باسم التشيّع إنتاج دولة ثيوقراطية تستمد شرعيّتها من الله لا من الأمة، وتمأسس الفقهاء بالتالي كجهاز كهنوتي لمقتضياتها ومتطلّباتها بوسع مساحة ولاية الفقيه حتى يساوي في المهمات بينها وبين النبوة والإمامة».
رفض شمس الدين اعتبار الإمام الخميني ولاية الفقيه جزءاً من أصول الدين لا من فروعه، أي من المسائل الاعتقادية لا العبادية، أي المطابقة بين الولاية المعصومة وولاية الفقيه، معتبراً أنّ هذا غير صحيح من الناحية الفقهية والكلامية معاً لأنّ ولاية الفقيه هي صيغة مستقلة ومختلفة عن صيغة الإمامة المعصومة وكانت تستمد شرعيتها منها، وفق دعوى القائلين بها. ويقول شمس الدين في هذا الصدد: «ووجه عدم حجة هذا الاعتبار إنّ الحكومة الإسلامية على صيغة ولاية الفقيه الثابتة باعتبار كون الفقيه (نائباً عن الإمام)، ليست حكومة الإمام المعصوم، ولا تثبت لها عمومية ولاية الإمام المعصوم، وإن كان البعض يحاول ذلك ويدّعيه، لاعتبارات يدّعي أنها فقهية وهي في حقيقتها اعتبارات سياسية ليس لها سند فقهي معتبر، بل هي حكومة المنوب عن الإمام في ممارستها، وإعمال الولاية بشأنها. والمعيار في ذلك هو دليل نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم في الشأن السياسي السلطوي والتنظيمي».
وفي مقابل ولاية الفقيه العامة والمطلقة للإمام الخميني التي شكّلت الأساس الفقهي السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، طوّر الإمام شمس الدين نظرية «ولاية الأمة على نفسها» التي تقتضي في حال عدم حضور الإمام المعصوم وظهوره على نحو تستطيع الأمة الاتصال به في أي شكل من الأشكال بحيث يمارس قيادة فعلية مباشرة، أن يشرع لكل شعب من الأمة الإسلامية أن يقيم لنفسه نظامه الإسلامي الخاص في نطاق وحدة الأمة.
ويقول شمس الدين إنّ الدولة التي تقوم على أساس مشروعية ولاية الأمة على نفسها تعتمد الشورى في المسألة السياسية والتنظيمية المتعلقة بالمجتمع السياسي، وهي دولة زمنية، لا يجوز للفقهاء أن يتولوا السلطة فيها، أو أن يكون جميع جسمها وبخاصة مفاصلها وقيادتها مكوّنة من رجال الدين، بل إنّ هذه الدولة يجب أن تدار بحكمة عالية، وأن يتولى قيادتها رجال سياسية مختصون لأن رجال الدين غير مختصين في حقول ممارسة الحكم في الدولة، والحال هذه تصبح الدولة من مناطق (الفراغ التشريعي) المحالة للأمة «فلا مجال لأن يسند بها شخص واحد إذا كان هو الفقيه العادل».
من هنا، فإنّ نظرية الأمة على نفسها تعتبر أن الشريعة أوكلت أمر الأمة إلى الأمة نفسها، في ظل الغيبة الكبرى، وأصبحت ولاية الأمة ليست ملكاً لأحد لا لفقيه أو غير فقيه أو لمجموعة فقهاء، فالأمة «هي ولية نفسها وهي في نطاق الكليات الشرعية في فقه المجتمع والدولة تتولى أمر نفسها وفقاً لمبدأ الشورى الذي يمكن برمجته في نظام ملائم بحسب ظروف كل مجتمع من المجتمعات».
وتنطلق نظرية «ولاية الأمة على نفسها» من أنّ الأصل الأولي، العقلي والنقلي، في قضية السلطة على البشر، من قبل أي شخص كان، هو عدم المشروعية، فلا ولاية لأحد على أحد، ولا ولاية لأحد على جماعة، أو مجتمع، ولا ولاية لجماعة أو مجتمع على أحد، طالما أنّ الولاية الوحيدة الثابتة بحكم العقل والنقل، هي ولاية الله تعالى وحده دون غيره، وفق الفقه الشيعي الإثني عشري.
وعليه فإنّ مشروعية تكوين الدولة الإسلامية، ونصب الحكومة الإسلامية، طبقاً للمباني الفقهية المعروفة عن نظرية ولاية الأمة على نفسها، تؤكّد أنّ الأمة يجب أن تشرّع لنفسها بواسطة الفقهاء، وأهل الخبرة والاختصاص، في كل مجال في حدود حاجاتها التنظيمية في مناطق الفراغ التشريعي، ومنها الشأن الإداري على ضوء الأصل الأول في سلطة الإنسان على الإنسان، وسلطة الإنسان على الطبيعة. فالدولة من حيث انها شأن إداري هي فرع تابع ومقيّد من قبل الأصل الأولي، بمعنى آخر لا يجوز أن تكون متسلطة ومستبدة على الأمة، طالما أنّ الأمة هي التي تشرّع لنفسها في كل مجال تحتاجه تنظيمياً وإدارياً على ضوء الأصل الأولي. «فمنطقة الفراغ التشريعي هنا محكومة بالأصل الأولي، ولا بدّ من الاقتصار في الخروج عنه فيها على القدر المتيقن مما يحتاجه المجتمع. وكل ما يشك في تماسكه، وازدهاره ونموّه، وكل ما يشك في الحاجة إليه فهو محكوم بمقتضى الأصول الأولية من عدم المشروعية».
ويخلص شمس الدين من ذلك إلى أنّ الدولة الإسلامية يجب أن تكون دولة ديموقراطية تقوم على المشاركة، التي قوامها الشورى، والتمثيل الشعبي، واللامركزية في الإدارة، ووجوب حفظ النظام، ومقدمة الواجب، والأمور الحسبية، وتخضع في الوقت عينه لمقتضيات الأصول الأولية، والأدلة المقيِّدة، منعاً لأي تجاوزات أو بروز نزعات تسلطية إطلاقية للحاكم. إذ كلّما كانت السلطة الحكومية السياسية، والتنظيمية والإدارية وغيرها، أقرب إلى ممارسة الإنسان لسلطته الذاتية على نفسه، كانت أقرب إلى الأصل الأولي، وكانت متيقّنة المشروعية من حيث دخولها في دليل تقييد الأصل الأوّلي.
ولمّا كان الأصل الأولي عند الشيعة في قضية بناء الدولة الإسلامية لا يجيز مشروعية تسلط إنسان على إنسان، فإنّ هذه الدولة حتى ترقى إلى مرتبة الأصل الأولي، لا بدّ من أن تنتهج خيار الديموقراطية في انتخاب الموظفين والمسؤولين الإداريين من طريق (مجالس الشورى) المنتخبة، أو بواسطة السكان بصورة مباشرة، باعتبار أنّ هذه الطريقة الديموقراطية هي أقرب «إلى ما يقتضيه الأصل الأولي في باب السلطة، وأقرب إلى دليل التقييد مما إذا مارست الحكومة سلطتها في تعيين المسؤولين والموظفين الإداريين في معزل عن رأي الناس واختيارهم، فإن هذا أبعد مما يقتضيه الأصل الأولي، وقد لا يكون داخلاً في التقييد. أمّا بعده مما يقتضيه الأصل الأولي فمن حيث أنّ الحكومة تمارس سيادتها وسلطتها في إنشاء وفرض سلطة جديدة على الناس، وتعيين متسلط عليهم بغير اختيار منهم، وهذا واضح.
وهكذا، تشكل نظرية ولاية الأمة على نفسها للإمام شمس الدين امتداداً طبيعياً للخط الإصلاحي الشوروي الذي كرّسه آية الله الشيخ النائيني، منظر ثورة الدستور (المشروطة) في إيران في مطلع القرن العشرين، والذي انطلق في تنظيره وتأويله لمفهوم الدولة الإسلامية، لا من نظرية ولاية الفقيه بل انطلاقاً من نظرية ولاية الأمة على نفسها، التي ترى في الدولة مسألة شوروية واختيارية وانتخابية ودستورية بين المسلمين، أي مسألة فقهية من الفروع لا كلامية من الأصول. فقد لاءم النائيني بين الأصل الأولي والأصل الثانوي الفرعي، حيث رأى الأصل الثانوي أي الدولة أمراً ثانوياً مناطاً بالأمة. ولهذا اعتبر النائيني أنّ الدولة الديموقراطية تغتصب حقاً واحداً من حق الإمام المهدي، وهذا الاغتصاب جبري بحكم الطبيعة الإلهية لمشكلة الغيبة. في حين أنّ الدولة الاستبدادية تغتصب حقّين في آن، هما حق الإمام المهدي وحق الأمة، فجعل من المشروع السياسي الشيعي في عصر الغيبة يخص الحق الثاني ويتحدد به، وهو ما يفسّر أن النائيني لم يفكر على الإطلاق في إشكالية دولة دينية على غرار نظرية ولاية الفقيه بل في إشكالية دولة ديموقراطية دستورية تتولى فيها الأمة ولاية الأمة على نفسها مع دور محدود للفقهاء.
ويذهب شمس الدين في نظريته السياسية هذه إلى أن الأحكام الإلهية الثابتة، أي التشريعية، أحكام نهائية ولا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف. ومن الأحكام الثابتة الأحكام المربوطة بنظام العبادات ونظام العائلة والمسائل الجنسية (المتعلقة بجسم الإنسان وجسم الآخرين)، ومسائل الربا، ولا أحكام ثابتة في الشريعة الإسلامية غير هذه. بما معناه أن لا أحكام ثابتة في ما يخص النظام السياسي والحكومة، بل إنّ الأحكام التي تتكفّل بتنظيم العلاقات الاجتماعية المختلفة، الاقتصادية والسياسية، والعلاقات الدولية، أحكام متغيرة ومرتبطة بالزمان، تتغير بتغيّر المصلحة الاجتماعية وينتهي مفعولها، وهي أحكام ناشئة من إدارة المجتمع في تنظيم أمور نفسه، وهي أحكام شرعية.
ويرى شمس الدين أنّ الأحكام الثابتة الشرعية من مسؤولية الفقهاء، وقد عيّن الفقهاء في زمان غيبة المعصوم بمنصب القضاء، أمّا أكثر من ذلك فلم يثبت أي دور خاص للفقهاء في مجال السلطة السياسية أو الحاكمية، كما لم تثبت الولاية العامة للفقهاء، ولا يعتبر الفقهاء نوّاب الإمام المعصوم في إدارة الأمور السياسية، ولا ولاية للفقيه على الأمة. أمّا في عصر غيبة الإمام المعصوم فتملك الأمة الولاية على مقدراتها في إطار الشريعة الإسلامية، والإنسان مسؤولٌ عن نفسه والمجتمع وليّ نفسه. وذلك بسبب أنّ الأمة حاكمة على مصيرها ومقدراتها وتنتخب شكل النظام السياسي على أساس الشورى في جميع المراحل. ولا يعتبر الفقه شرطاً لرئيس الدولة الإسلامية المنتخب.
ووفق نظرية (ولاية الأمة على نفسها) أو (الحكومة الإسلامية المنتخبة) كما قال بها شمس الدين، ومن قبله كل من آية الله محمد باقر الصدر والشيخ محمد جواد مغنية، تقوم الدولة الإسلامية الإلهية على الشرعية الإلهية المباشرة والتعيين الخاص، ولا يمكن تحققها إلاّ في زمان حضور الأئمة المعصومين. ففي عصر الغيبة تنحصر مهمة الفقهاء بالإفتاء واستنباط الأحكام الشرعية الثابتة، والقضاء في الخصومات بين أفراد الشعب، وبين الشعب والحكومة، والإصلاح والدعوة إلى الخير. ولا يملك الفقهاء، بسبب فقههم، أي امتياز سياسي على الناس، ولا ولاية شرعية لهم في إدارة الأمور السياسية بل يقوم الناس في عصر غيبة المعصوم بإدارة الأمور السياسية للأمة الإسلامية. ويستطيع الناس تنظيم أمورهم الاجتماعية على أساس المصالح في الظروف الزمانية والمكانية المختلفة، إذ إنّ شكل إدارة المجتمع والسياسة أمر عقلاني ولا بدّ من الاستفادة من التجارب الإنسانية، بشرط عدم تعارضها مع الشريعة.
أمّا شكل الدولة الإسلامية فقائم على الشورى، أي لا بدّ من الرجوع إلى الرأي العام (أو آراء الأكثرية في حالة عدم التوافق)، في جميع الأمور السياسية، ولا بدّ من انتخاب رئيس الدولة من جانب الشعب. وتتحقق إسلامية الدولة بإسلامية القوانين وانسجام النظام مع الدين ومتابعة أهداف الدين.
الثلاثاء، 7 يونيو 2011
الكرامة البشرية وعلاقتها بثورة الشعوب
فيما يلي قسم من محاضرة للإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين حول مفهوم الكرامة البشرية في القرآن، وهو نص غير منشور، ونحن نعمل على طبع تفسير القرآن حسب ترتيب النزول للإمام الراحل في وقت قريب إن شاء الله، رأينا أنه من المفيد نشر هذا المفهوم، وقد انفرد الإمام شمس الدين من بين المفسرين في اعتبار الآية التي تدل على ثبوت الكرامة البشرية لكل البشر أصلاً تشريعياً ثابتاً في أحكام الشريعة الإسلامية. ونرى فائدة كبيرة من تعميم هذا النص لعلاقته في رأينا بالمتغيرات الحاصلة في العالم العربي وحركة الشعوب مطالبة باسترجاع كرامتها وحقوقها الأساسية.
مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام.
هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح.
ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة.
هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70)... هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً....وقد درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا.
ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان.
الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي.
التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة.
الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي.
الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها.
الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه.
حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً.
الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع.
في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.
مفهوم الكرامة البشرية في القرآن ومن ثم في الإسلام.
هذا المفهوم حصل حوله جدل كثير في مدى تاريخ الإنسانية وكان دائماً موضع بحث وجدل بين الفلاسفة وبين السياسيين وبين رجال الدين والمؤسسات الدينية. هل للإنسان كرامة متميزة أو ليست له كرامة؟ هذه الكرامة هل هي ثابتة لجميع البشر أم لصنف خاص من البشر! أو لطبقة خاصة من الناس! هذه الكرامة هل هي ثابتة للرجال دون النساء أم هي ثابتة للرجال والنساء؟ هل هي ثابتة للعبيد والأحرار أو لخصوص الأحرار؟ هذا السؤال يتردد في أبحاث الفلاسفة، منذ أقدم نصوص الفكر الفلسفي هذا السؤال مطروح، في الأبحاث الدينية القديمة أيضاً مطروح في أبحاث رجال القانون في أقدم الشرائع، منذ شريعة حمورابي وقبل حمورابي في التشريع المصري القديم أيضاً مطروح.
ما هو المقصود بالكرامة البشرية، هي أن الإنسان له موقع في الكون يجعله موضع احترام وموضع صيانة، له احترام وله حقوق، ليس مهاناً وليس مهدور الحقوق. الحقوق تتناول الأمور الأساسية في البشر، حق الحياة وحق العيش وحق الأمان حق الحرية، الحقوق الأساسية التي تتقدم بها حياة البشر مع الاحترام، هذه هي الكرامة.
هذا المبدأ، مبدأ الكرامة الانسانية، ورد في سورة مكية في آية مكية. السورة هي سورة الإسراء، توجد فيها آية هي آية فريدة من نوعها وبنصها في القرآن الكريم التي نرى أنها وضعت أساساً لأول مرة في تاريخ البشر المعروف عن كرامة الانسان وهي قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقنَا تَفضِيلاً "(الاسراء،70)... هذه الآية هي لبيان المركز الحقوقي للإنسان، ومن ثم فإن هذا الأصل التشريعي يقاس عليه كل وضع متفرع، فكل وضع يتنافى مع مبدأ الكرامة الإنسانية يعتبر غير مشروع، وهذا أصل في باب الاستنباط قد يؤدي إلى نتائج مثيرة جداً في الفقه بالنسبة إلى المسلمين وبالنسبة إلى غير المسلمين أيضاً....وقد درج المفسرون على اعتبار أن هذه الآية هي من آيات التشريف وآيات المدح وأنها ليست من آيات الأحكام. نحن نعتبر أن هذه الآية هي آية تشريعية وهي من آيات الأحكام التي تضمنت حكماً شرعياً، وأنها من الآيات التي تتضمن أدلة الشريعة العليا.
ما يترتب على كون هذه الآية من آيات الأحكام أن كل أمر من الأمور يتنافى مع كون الإنسان مكرماً، سواء كان هذا الإنسان فرداً أو جماعة أو شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، كل ما يتنافى مع كونه مكرماً هو يكون غير مشروع في الشريعة، يكون محرماً، سواء كان من التصرفات أو من المواقف أو من الأحكام. وهذا ينطبق على المؤمن والكافر، وعلى العدو والصديق، وعلى القريب والبعيد، حتى غير المسلمين ينطبق عليهم هذا الحكم المبدئي الكبير إنهم مكرمون. وأن كل ما يتنافى مع كرامتهم، كل إهانة وكل افتئات هو محرم في الشريعة الإسلامية. وهذا يتناسب مع الكلية الكبيرة المذكورة في آيات الحرب وفي آيات القضاء من قبيل النهي عن العدوان، العدوان في الإسلام هو محرم إلا عندما يكون رداً للعدوان. وآيات القتال التي ورد فيها ...ولا تعتدوا... (البقرة، 190) (المائدة، 87)، تتناسب مع مبدأ الكرامة البشرية، ومن ذلك أننا استنتجنا في أبحاثنا في فقه الجهاد عدم مشروعية ما يسمى الجهاد الإبتدائي وهو إبتداء غير المسلمين بالحرب لمجرد أنهم غير مسلمين. ولا يجوز للمسلمين أن يشنوا حرباً إبتدائية، وهذا ينسجم مع مبدأ الكرامة البشرية، تحريم العدوان.
الكرامة البشرية هي كما قلنا حكم شرعي وضعي. ونحن في هذا الإستنتاج وفي هذا الاستنباط ننفرد في هذا الفهم عن غيرنا من الفقهاء ونرى أنه باب جديد من أبواب الاستنباط في الفقه الإسلامي.
التكريم البشري الثابت في هذه الآية هو أساس من أسس استنباط الأحكام الشرعية في باب الاجتماع السياسي والحرب والسلم والعلاقات الدولية في كل هذه المجالات الفقهية وكذلك في العلاقات الخاصة.
الأمر الشائع في الأذهان أن الكرامة هي فقط للمسلمين وأن غير المسلمين لا كرامة لهم ولا حرمة لهم، هذا أمر في نظرنا مخالف لهذا المبدأ التشريعي.
الكرامة البشرية ثابتة للإنسان مهما كان، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً ما دام يكرم نفسه. هذه الكرامة ثابتة للإنسان الذي يحترم كرامته. أما إذا أهان الإنسان كرامته حينئذ بطبيعة الحال هو يفقد هذه الكرامة. الإنسان يكون مكرماً وتكون لكرامته آثار تشريعية ما لم يهتك حرمة نفسه وما لم يرفع الستر المعطى له من الله سبحانه وتعالى. فلو فرضنا أن هذا الإنسان ظلم غيره لا تعود له كرامة، لو سرق أو كذب أو اعتدى يكون بطبيعة الحال قد عرض نفسه للعقاب لأن هذه الكرامة تثبت لأهلها ولا تثبت لغير أهلها.
الحرمات الأساسية للبشر هي: الدم والعرض والمال والسمعة، وهي مصونة لكل الناس، دم الإنسان البريء هو مصون، كونه غير مسلم لا يهدر دمه، عرضه مصون، ماله مصون. حينما نلاحظ من شواهد هذا الحكم الشرعي أنه ثابت في أصل الشرع لكل البشر حتى في حالة هزيمة غير المسلمين إذا اعتدوا نجد أن هناك حدود لرد العدوان وهو فقط إتقاء الخطر، كل شيء يزيد عن إتقاء الخطر وعن دفع الخطر يكون محرماً، كذلك حرمة العرض وحرمة الحريم، بحيث لا تجعل من عرض الأعداء من حريم الأعداء أمراًَ مستباحاً بأي وجه من الوجوه.
حرمة المال، كل إنسان يعيش في ظل القانون وفي ظل النظام ماله محرم، وما يشيع بين الناس أن غير المسلم هو مهدور المال هو أمر لا أساس له في الشرع على الإطلاق. وحرمة السمعة، إهانة غير المسلم، إهانته بأي معنى من معاني الإهانة يدخل في هذا الباب أيضاً.
الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أو الدولة، الدولة إذا ارتكبت أي عمل من الأعمال يتنافى مع كرامة البشر فهذا العمل غير مشروع. الآن يُتداول أنه يطلب من الدول ومن السلطات العامة أن تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، ويُظن أن هذا المبدأ في القانون الدستوري أو في القانون الدولي هو من المبادئ المستحدثة من حين بدء الثورة الفرنسية أو الثورة البريطانية وأن هذا الأمر، هذا المفهوم كان غير معروف، كلا، هذا الأمر وُضعت أسسه في الشريعة الإسلامية. كل عمل من الأعمال يتنافى مع الكرامة البشرية تقوم به الدولة هو عمل غير مشروع وغير دستوري وتجب مقاومته. كل عمل من الأعمال تقوم به أي سلطة من السلطات تجاه أي مواطن أو أي جماعة يتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع. كل عمل من الأعمال يقوم به أي شخص تجاه أي شخص آخر ويتنافى مع الكرامة البشرية هو غير مشروع.
في هذه الحالة نحن نذكر بعض الخطوط التشريعية لهذا المبدأ التشريعي، في هذه الحالة إذا تعرض الإنسان لما ينتهك كرامته، الفرد أو الجماعة أو المجتمع، ولم تتوفر ضمانات الحماية وضمانات رد العدوان، يصبح من المشروع له أن يدافع عن كرامته، عن حقه في الكرامة وعن حقه في الاحترام وعن حقه في صون حقوقه، عندئذ يكون من حقه الدفاع عن نفسه. نتحدث هنا ليس عن الإنتهاك السياسي من قبيل أن يكون احتلال إسرائيلي وتتركب مقاومة جهادية ضد الإحتلال. هذا أمر يتعلق بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية. نقول أنه حتى في المجالات الحقوقية داخل المجتمع حين يتعرض الإنسان أو الجماعة لأي انتهاك من انتهاكات الكرامة يكون له حق الدفاع عن نفسه. والآن المبدأ التشريعي لمشروعية المقاومة بكل ما تعنيه هو يرجع إلى هذا، إلى مبدأ الكرامة البشرية.
الثلاثاء، 11 يناير 2011
المجلس الشيعي مُهَيمَن عليه وهناك استحواذ على خطاب الطائفة
ابراهيم شمس الدين
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
الأحد، 2 يناير 2011
وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر:
عشر سنوات على غياب العَلَم العلامة المجاهد المجتهد
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رضوان الله عليه)..
في العاشر من كانون الثاني تطل علينا الذكرى العاشرة لرحيل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936-2001) فنفتقد في الليالي المظلمة ذلك البدر الذي كان بحكمته وبصيرته، وبمحبته وانفتاحه، شاطئ أمن وأمان لكل اللبنانيين والعرب: مسلمين ومسيحيين؛ ولكل المسلمين: عرباً وغير عرب... ونتذكر وصاياه ، وخاصة للشيعة الإمامية الإثني عشرية ، في الإندماج الوطني الشفاف وفي عدم التمايز بأي مشروع خاص وتحت أي عنوان من العناوين، وفي تطوير الشراكة الكاملة والمواطنة المتساوية: بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة، وبين العرب وغير العرب... في كل أوطانهم...وفي بناء الدولة الوطنية المدنية العادلة المستقلة المتوازنة التي لا دين لها ولا مذهب ولا غلبة فيها ولا استقواء..بل حرية وديمقراطية وعدالة وكرامة ومساواة: للجميع وبين الجميع..
وندعو جميع اللبنانيين والعرب إلى المشاركة في إستذكار مواقفه والسير بها قولاً وعملاً:
" لن يكون لبنان مسيحياً ذا وجه عربي أو إسلامي، ولن يكون إسلامياً ذا وجه مسيحي أو أوروبي... لبنان هو لبنان... هويته تتكوّن من تنوعه"..
"السؤال هو: هل نريد لبنان أو لا نريده ؟ هل نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً أم لا نريده؟ إذا كنا نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً وإذا قلنا نعم للبنان، فهذا المشروع (إتفاق الطائف) يأخذ من الكل وفي نفس الوقت يعطي الكل"..
"إن لبنان ليس مكاناً جميلاً فحسب...إنه كرامة وحرية، بيت ورغيف حلال، مدرسة ومستشفى، قدرة على المشاركة في الرأي والقرار، قدرة على التعبير والنقد.. إن لبنان معنى ودور وحوار حياة أنتج صيغة فريدة للعيش المشترك ونمطاً مميزاً علينا حفظهما وتطويرهما"..
"إن لبنان هو معنى لا يكتمل بالمسلمين وحدهم ولا بالمسيحيين وحدهم ، بل يكتمل بهم جميعاً ومعاً"... ..."إن إسلامية المسلم تبقى ناقصة بدون المسيحي، ومسيحية المسيحي تبقى ناقصة بدون المسلم"... ...."أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفعاليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
"إن التزامنا العلاقة الطبيعية المعافاة مع سوريا (المسماة خطأ "علاقة مميزة") لم ولا ينشأ من نقص في التزامنا لبنان وطناً نهائياً سيداً حراً مستقلاً في نظام ديموقراطي برلماني"...
"إن الصيغة التي نريد والدولة التي نريد ليست ولن تكون لطائفة دون أخرى، أو مع فئة ضد أخرى، فضلاً عن أن تكون دولة أشخاص..إنها دولة الجميع وللجميع: عدالة ومساواة وكرامة"...
"إن واجبنا الأول هو أن نزرع في نفوس مواطنينا الثقة والأمل والرجاء، وأن نعزز التلاحم والتضامن،لا أن نخلق الهواجس والمخاوف"...
"ليس للشيعة في لبنان أو في العالم العربي مشروع خاص بهم... الشيعة في لبنان وفي العالم العربي هم جزء من المشروع الوطني العام لبلدانهم ولأمتهم، مشروع الدولة الوطنية والمجتمع الواحد، وليس لديهم أي وَهم في مشروع خاص كما أنهم لا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص"...
"أدعو الشيعة في لبنان والعالم العربي والاسلامي الى الاندماج في أوطانهم، والى أن يكون مشروع الدولة الوطنية هو مشروعهم المشترك مع سواهم من المواطنين..لا يفيدهم في شيء أن يكون لهم مشروع خاص بهم..وعليه ينبغي إنخراطهم في أرقى درجات الإلتزام الأخلاقي بقضايا الوطن والمواطنين والإلتزام بحفظ النظام العام وإطاعة القوانين.".
"الحوار والمصالحات الداخلية والإندماج الوطني هو الطريق السليم لحفظ كرامة الشيعة وتعزيز مكانتهم وليس الإنكفاء والسلبية أو الحالة الهجومية"....
"إن خطاب عاشوراء والحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان، لا بلقلقة اللسان والشعارات الجوفاء، بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان، العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يهرّج عليهم ولا يهيمن عليهم بشعار القداسة... لا تجعلوا الحسين حجراً تلقمون به أفواه الآخرين أو ترجمون به الآخرين أو تخضعون به الآخرين أو تحاربون به الآخرين
"...."إن ما أراه الخيار الوحيد أمام الشيعة في لبنان والخليج وفي كل مكان ، مع اختلاف الشروط، هو خيار تحقيق الكرامة والحد الأعلى من المصالح ، وحفظ دينهم وفهمهم وحرية سلوكهم وممارستهم بقدر الإمكان في ظل الشروط القائمة فعلا في المنطقة والعالم...إن ذلك لا يمكن أن يحصل إذا كنا مصدر خوف للآخرين..لأن الخوف منا لا يجعلنا متناقضين مع الأنظمة ، بل يجعلنا ، وهذا أسوأ ما يكون ، متناقضين مع الشعوب بالذات، نتناقض مع شركائنا في الوطن...إن علينا نحن الشيعة أن نبني حالة إلفة نفسية بين المجتمع غير الشيعي والشيعة.. وهذا الأمر يحتاج إلى تواصل والى اعتراف متبادل ويحتاج إلى أن لا يكون الشيعي مصدراً للخوف بل مركزاً للأمان ...ليس المطلوب إظهار تشيّع الشيعة، فهذا ظاهر إلى درجة الوجع... المطلوب أن يكون الشيعة مواطنين مندمجين في مجتمعهم ومقبولين في مجتمعهم بشكل كامل...لقد كان هذا الخط ديدن الأئمة وسياستهم ولم يكونوا في ذلك موالين للأنظمة ... تلك كانت رسالتهم السياسية وإدارتهم السياسية ... لأنه ليس المطلوب إحداث فتنة في المجتمع، بل من المحرّم إحداث فتنة في المجتمع"...
"المقاومة المدنية الشاملة هي أسلوب فعّال ولكنه طويل النفس.. ربما نحتاج فيه إلى سنين قبل أن نصل إلى نهاياته. وهو التعبير الخاص بنا عما يسمى في العلوم العسكرية والحربية والتاريخ المعاصر حرب التحرير الشعبية.. فهي مقاومة مدنية أي شعبية وأهلية، وهي سلمية ومسلحة، وكل أنواع المقاومة ضرورية هنا"..
"المقاومة هي مقاومة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، لا فئة واحدة منه، وكل المناطق اللبنانية، لا منطقة واحدة منها، وهي مقاومة الدولة والمجتمع والجيش والأهالي والأحزاب.. وكل ذلك تحت سقف، وفي ظل ، المشروع الوطني الذي هو الحصن والحضن والمرجع والمآل... إن المقاومة ليست غاية بحد ذاتها، وليست مشروعاً خاصاً بحد ذاته، ناهيك عن أن تكون حزباً أو فئة خاصة خارج مشروع الدولة والمجتمع في لبنان.. المقاومة أداة ضغط سياسية لها غاية تحرير لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسّساته السياسيّة والأهليّة.. إنّ هذه الرؤية هي الرؤية الوطنيّة الحقيقيّة للمقاومة".
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رضوان الله عليه)..
في العاشر من كانون الثاني تطل علينا الذكرى العاشرة لرحيل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936-2001) فنفتقد في الليالي المظلمة ذلك البدر الذي كان بحكمته وبصيرته، وبمحبته وانفتاحه، شاطئ أمن وأمان لكل اللبنانيين والعرب: مسلمين ومسيحيين؛ ولكل المسلمين: عرباً وغير عرب... ونتذكر وصاياه ، وخاصة للشيعة الإمامية الإثني عشرية ، في الإندماج الوطني الشفاف وفي عدم التمايز بأي مشروع خاص وتحت أي عنوان من العناوين، وفي تطوير الشراكة الكاملة والمواطنة المتساوية: بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة، وبين العرب وغير العرب... في كل أوطانهم...وفي بناء الدولة الوطنية المدنية العادلة المستقلة المتوازنة التي لا دين لها ولا مذهب ولا غلبة فيها ولا استقواء..بل حرية وديمقراطية وعدالة وكرامة ومساواة: للجميع وبين الجميع..
وندعو جميع اللبنانيين والعرب إلى المشاركة في إستذكار مواقفه والسير بها قولاً وعملاً:
" لن يكون لبنان مسيحياً ذا وجه عربي أو إسلامي، ولن يكون إسلامياً ذا وجه مسيحي أو أوروبي... لبنان هو لبنان... هويته تتكوّن من تنوعه"..
"السؤال هو: هل نريد لبنان أو لا نريده ؟ هل نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً أم لا نريده؟ إذا كنا نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً وإذا قلنا نعم للبنان، فهذا المشروع (إتفاق الطائف) يأخذ من الكل وفي نفس الوقت يعطي الكل"..
"إن لبنان ليس مكاناً جميلاً فحسب...إنه كرامة وحرية، بيت ورغيف حلال، مدرسة ومستشفى، قدرة على المشاركة في الرأي والقرار، قدرة على التعبير والنقد.. إن لبنان معنى ودور وحوار حياة أنتج صيغة فريدة للعيش المشترك ونمطاً مميزاً علينا حفظهما وتطويرهما"..
"إن لبنان هو معنى لا يكتمل بالمسلمين وحدهم ولا بالمسيحيين وحدهم ، بل يكتمل بهم جميعاً ومعاً"... ..."إن إسلامية المسلم تبقى ناقصة بدون المسيحي، ومسيحية المسيحي تبقى ناقصة بدون المسلم"... ...."أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفعاليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
"إن التزامنا العلاقة الطبيعية المعافاة مع سوريا (المسماة خطأ "علاقة مميزة") لم ولا ينشأ من نقص في التزامنا لبنان وطناً نهائياً سيداً حراً مستقلاً في نظام ديموقراطي برلماني"...
"إن الصيغة التي نريد والدولة التي نريد ليست ولن تكون لطائفة دون أخرى، أو مع فئة ضد أخرى، فضلاً عن أن تكون دولة أشخاص..إنها دولة الجميع وللجميع: عدالة ومساواة وكرامة"...
"إن واجبنا الأول هو أن نزرع في نفوس مواطنينا الثقة والأمل والرجاء، وأن نعزز التلاحم والتضامن،لا أن نخلق الهواجس والمخاوف"...
"ليس للشيعة في لبنان أو في العالم العربي مشروع خاص بهم... الشيعة في لبنان وفي العالم العربي هم جزء من المشروع الوطني العام لبلدانهم ولأمتهم، مشروع الدولة الوطنية والمجتمع الواحد، وليس لديهم أي وَهم في مشروع خاص كما أنهم لا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص"...
"أدعو الشيعة في لبنان والعالم العربي والاسلامي الى الاندماج في أوطانهم، والى أن يكون مشروع الدولة الوطنية هو مشروعهم المشترك مع سواهم من المواطنين..لا يفيدهم في شيء أن يكون لهم مشروع خاص بهم..وعليه ينبغي إنخراطهم في أرقى درجات الإلتزام الأخلاقي بقضايا الوطن والمواطنين والإلتزام بحفظ النظام العام وإطاعة القوانين.".
"الحوار والمصالحات الداخلية والإندماج الوطني هو الطريق السليم لحفظ كرامة الشيعة وتعزيز مكانتهم وليس الإنكفاء والسلبية أو الحالة الهجومية"....
"إن خطاب عاشوراء والحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان، لا بلقلقة اللسان والشعارات الجوفاء، بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان، العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يهرّج عليهم ولا يهيمن عليهم بشعار القداسة... لا تجعلوا الحسين حجراً تلقمون به أفواه الآخرين أو ترجمون به الآخرين أو تخضعون به الآخرين أو تحاربون به الآخرين
"...."إن ما أراه الخيار الوحيد أمام الشيعة في لبنان والخليج وفي كل مكان ، مع اختلاف الشروط، هو خيار تحقيق الكرامة والحد الأعلى من المصالح ، وحفظ دينهم وفهمهم وحرية سلوكهم وممارستهم بقدر الإمكان في ظل الشروط القائمة فعلا في المنطقة والعالم...إن ذلك لا يمكن أن يحصل إذا كنا مصدر خوف للآخرين..لأن الخوف منا لا يجعلنا متناقضين مع الأنظمة ، بل يجعلنا ، وهذا أسوأ ما يكون ، متناقضين مع الشعوب بالذات، نتناقض مع شركائنا في الوطن...إن علينا نحن الشيعة أن نبني حالة إلفة نفسية بين المجتمع غير الشيعي والشيعة.. وهذا الأمر يحتاج إلى تواصل والى اعتراف متبادل ويحتاج إلى أن لا يكون الشيعي مصدراً للخوف بل مركزاً للأمان ...ليس المطلوب إظهار تشيّع الشيعة، فهذا ظاهر إلى درجة الوجع... المطلوب أن يكون الشيعة مواطنين مندمجين في مجتمعهم ومقبولين في مجتمعهم بشكل كامل...لقد كان هذا الخط ديدن الأئمة وسياستهم ولم يكونوا في ذلك موالين للأنظمة ... تلك كانت رسالتهم السياسية وإدارتهم السياسية ... لأنه ليس المطلوب إحداث فتنة في المجتمع، بل من المحرّم إحداث فتنة في المجتمع"...
"المقاومة المدنية الشاملة هي أسلوب فعّال ولكنه طويل النفس.. ربما نحتاج فيه إلى سنين قبل أن نصل إلى نهاياته. وهو التعبير الخاص بنا عما يسمى في العلوم العسكرية والحربية والتاريخ المعاصر حرب التحرير الشعبية.. فهي مقاومة مدنية أي شعبية وأهلية، وهي سلمية ومسلحة، وكل أنواع المقاومة ضرورية هنا"..
"المقاومة هي مقاومة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، لا فئة واحدة منه، وكل المناطق اللبنانية، لا منطقة واحدة منها، وهي مقاومة الدولة والمجتمع والجيش والأهالي والأحزاب.. وكل ذلك تحت سقف، وفي ظل ، المشروع الوطني الذي هو الحصن والحضن والمرجع والمآل... إن المقاومة ليست غاية بحد ذاتها، وليست مشروعاً خاصاً بحد ذاته، ناهيك عن أن تكون حزباً أو فئة خاصة خارج مشروع الدولة والمجتمع في لبنان.. المقاومة أداة ضغط سياسية لها غاية تحرير لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسّساته السياسيّة والأهليّة.. إنّ هذه الرؤية هي الرؤية الوطنيّة الحقيقيّة للمقاومة".
السبت، 14 أغسطس 2010
التجديد والإجتهاد في الفكر الشيعي المعاصر
بقلم سعود المولى-1997
يقول الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين: "إن التجديد هو إعادة تأصيل وتجذير للمسلمات وثوابتها وأركانها بأفق أوسع ونظرة أكثر عمقاً وأكثر شمولية تلحظ خصوصيات الظرف في ما يناسبه ذلك وتلتزم الاطلاق في غير ذلك من خلال ضوابط وموازين وأصول محددة ُيعاد على أساسها قراءة الدليل وتحليله وصياغته وترتيب آثاره"..
كما أن التجديد برأي المجددين المسلمين منذ السيد الافغاني والأستاذ محمد عبده هو "استمرار متطور للتاريخ وإبداع يستمد من الأصالة"، وليس أبداً انقطاعاً عن التاريخ أو خروجاً عليه أو تخلياً عن الجذور. فالتجديد حسب الفقهاء المسلمين هو "التصدي لكل وضع جديد لم يرد فيه نص مباشر يشمله بعمومه وإطلاقه"، ومن خلال رؤية لعلاقة هذا الوضع بحياة الإنسان المعاصر على مستوى المجتمع، وعلاقات المجتمع الداخلية والخارجية وعلاقته بالطبيعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج غير مسبوقة في حكمه الشرعي... ومن هنا كونه تجديداً.
بداية، ما هو التجديد؟ هل هو الإتيان بكل مستغرب جديد على غرار ما يحصل مع مصممي الأزياء وأصحاب الموضة؟ هل هو الإغراب والشذوذ بحيث يخالف المشهور والمألوف؟ هل هو حركة خارج الدليل نابعة من موقف شخصي تقتضيه الأهواء أو الأطماع أو الطموحات ويغذيه الإستهلاك الإعلامي؟ هل هو عملية توفيق بين المسلمات العقيدية وثوابتها وأركانها وبين متطلبات الواقع المعيش بحيث تؤدي إلى بتر تلك المسلمات والثوابت عن جذورها للإيهام بأن ذلك هو تكّيف مع الواقع؟
وبهذا المعنى هل يكون تفسير القرآن وتأويل قضايا عقيدية كبرى بما يخالف المشهورأو المجمع عليه عند المسلمين عامة، كافياً بحد ذاته ليكون تجديداً، من قبيل آراء البعض (من السنة والشيعة على السواء) التي تقوم على أن القرآن نتاج بشري، وعلى موضوعة الوحي النفسي أو غير ذلك من القضايا في مجال الألوهية والنبوءات ومقام الأنبياء وعصمتهم وشفاعتهم الى الآراء المتعلقة بادعاء صحة التوراة والانجيل الفعليين وعدم نفي ادعاء النصاري بأن المسيح عليه السلام قد توفي أو صلب، وتأويل ذلك كله تاويلاً رمزياً، وصولاً الى القول بأن التثليث ترميز فلسفي وليس شركاً؟
هل التوسع في تجويز بعض الأمور مثل حلق اللحية والموسيقي والغناء والرقص واللعب بالآت القمار من دون مراهنة، واستمناء الفتاة وغير ذلك من الأمور المستحدثة التي أفتى ويفتي بها الكثيرون على غرار الأحباش وبعض أسياد الضاحية الجنوبية من بيروت المعروفين بتجويز زواج المتعة للفتاة القاصر والثيب ومن دون إذن وليها.. هل هذا هو التجديد الذي يدعون أنه يلقى معارضة ومقاومة "سلفية رجعية محافظة"؟
هل صحيح أن الخلاف بين التجديد والسلفية يدور حول مشروعية إثبات الهلال بواسطة علم الفلك أو حول مشروعية إسالة الدم وجلد الذات في مراسيم عاشوراء؟ وهل تكفي إثارة الغبار حول هذه "المواقع والمعارك الكبرى" لخلق ساحة لبطولة وهمية تقوم على إدعاء التجديد فيما هي تخفي أبشع أنواع الحزبية والفئوية والصنمية الشخصانية؟ هل تكفي البطولات الوهمية في معارك وهمية للتغطية على القضية الأساس المتعلقة بإدعاء المرجعية والاجتهاد؟ وهل يجوز الإعتماد في إثبات الأعلمية والعدالة والتقوى وسلامة العقيدة على الشهرة والشياع الناشئين عن الإعلام والدعاية أو عن القوة الحزبية الأمنية والمالية أو الدعم الخارجي؟
إن التجديد المطلوب اليوم يتمثل في صياغة مناهج ملائمة لإجتهاد معاصر يستجيب لقضايا التنظيم المجتمعي في مختلف الحقول ولتفاعلات كل عمل بشري مع المجتمع، وتفاعلات الإنسان مع الطبيعة.
إن تطور الحياة، والوضع التنظيمي للمجتمعات، وتطور حاجات الإنسان في المجتمع على المستوى العالمي، وغير ذلك، كلها أمور تطرح أسئلة جديدة، الامر الذي يتطلب ان تستجيب عملية استنباط الاحكام لهذه التطورات مما يعني ضرورة تطوير قواعد الاستنباط... وبهذا المعنى فإن التجديد ليس حركة نظرية بحتة لا تتحمل مسؤولية التغيير العملي، وليس فذلكة ثقافوية نخبوية تترك شخصية المسلم متأرجحة بين التمسك اللاواعي بالجذور والموروث وبين تلقي الطارئ والوافد بروح الإنفعال والتأثر وبمنهج التبرير. إن هذا النوع من التجديد يوقع في فخ الإزدواجية المدمرة، ازدواجية ثقافية على مستوى اللغة والخطاب (المعلن والمضمر –الظاهر والباطن) وازدواجية في تعايش نمطين وشخصين تحت سقف واحد مما يدخل الأمة في التيه بين المنطلقات والأهداف، وآلية التطوير والموقع الحضاري..
إن التجديد هو عملية علمية فكرية دائمة ومستجدة، إنه حركة رعائية دائبة للنتاج الإنساني بين البداية والغاية تقتضي التصحيح والتصويب حيناً كما الخلق والإبداع حينا آخر، إنه حركة تتحمل مسؤولية تحويل النظرية الى إنجاز يصوغ الواقع على أسس تحفظ للشخصية توازنها ووحدتها من خلال التمسك الواعي بالجذور وتلقي الوافد بروح نقديه."زز .
بهذا المعنى لا يكون الفكر التجديدي إغراباً للإعجاب ونيل رضا حلقات نخبوية مخالفة لمعتقد الناس.. نحن لا نجدد لكي يقول عنا الغربيون إننا تطورنا.. أو لكي يقُال عنا إننا منفتحون ونقبل بالتثليث.. نحن لا نجدد لكي يقُال إننا غير متعصبين.. إن التجديد يرمي الى "جعل الفكر مؤسسة ثقافية كاملة تتغلغل في ثنايا الأمة لتولد تشكيلاتها وتنتج مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية"، والتي تؤمن للأمة استمرارها التاريخي المنتظم وتطورها المنسجم وشخصيتها السوية وتفاعلها المميز في حوار الحضارات! الأمر الذي يؤمن الدور والمعنى، وهو المقصود بكونها خير أمة أخرجت للناس وبأنها الأمة الوسط..
د. سعود المولى
يقول الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين: "إن التجديد هو إعادة تأصيل وتجذير للمسلمات وثوابتها وأركانها بأفق أوسع ونظرة أكثر عمقاً وأكثر شمولية تلحظ خصوصيات الظرف في ما يناسبه ذلك وتلتزم الاطلاق في غير ذلك من خلال ضوابط وموازين وأصول محددة ُيعاد على أساسها قراءة الدليل وتحليله وصياغته وترتيب آثاره"..
كما أن التجديد برأي المجددين المسلمين منذ السيد الافغاني والأستاذ محمد عبده هو "استمرار متطور للتاريخ وإبداع يستمد من الأصالة"، وليس أبداً انقطاعاً عن التاريخ أو خروجاً عليه أو تخلياً عن الجذور. فالتجديد حسب الفقهاء المسلمين هو "التصدي لكل وضع جديد لم يرد فيه نص مباشر يشمله بعمومه وإطلاقه"، ومن خلال رؤية لعلاقة هذا الوضع بحياة الإنسان المعاصر على مستوى المجتمع، وعلاقات المجتمع الداخلية والخارجية وعلاقته بالطبيعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج غير مسبوقة في حكمه الشرعي... ومن هنا كونه تجديداً.
بداية، ما هو التجديد؟ هل هو الإتيان بكل مستغرب جديد على غرار ما يحصل مع مصممي الأزياء وأصحاب الموضة؟ هل هو الإغراب والشذوذ بحيث يخالف المشهور والمألوف؟ هل هو حركة خارج الدليل نابعة من موقف شخصي تقتضيه الأهواء أو الأطماع أو الطموحات ويغذيه الإستهلاك الإعلامي؟ هل هو عملية توفيق بين المسلمات العقيدية وثوابتها وأركانها وبين متطلبات الواقع المعيش بحيث تؤدي إلى بتر تلك المسلمات والثوابت عن جذورها للإيهام بأن ذلك هو تكّيف مع الواقع؟
وبهذا المعنى هل يكون تفسير القرآن وتأويل قضايا عقيدية كبرى بما يخالف المشهورأو المجمع عليه عند المسلمين عامة، كافياً بحد ذاته ليكون تجديداً، من قبيل آراء البعض (من السنة والشيعة على السواء) التي تقوم على أن القرآن نتاج بشري، وعلى موضوعة الوحي النفسي أو غير ذلك من القضايا في مجال الألوهية والنبوءات ومقام الأنبياء وعصمتهم وشفاعتهم الى الآراء المتعلقة بادعاء صحة التوراة والانجيل الفعليين وعدم نفي ادعاء النصاري بأن المسيح عليه السلام قد توفي أو صلب، وتأويل ذلك كله تاويلاً رمزياً، وصولاً الى القول بأن التثليث ترميز فلسفي وليس شركاً؟
هل التوسع في تجويز بعض الأمور مثل حلق اللحية والموسيقي والغناء والرقص واللعب بالآت القمار من دون مراهنة، واستمناء الفتاة وغير ذلك من الأمور المستحدثة التي أفتى ويفتي بها الكثيرون على غرار الأحباش وبعض أسياد الضاحية الجنوبية من بيروت المعروفين بتجويز زواج المتعة للفتاة القاصر والثيب ومن دون إذن وليها.. هل هذا هو التجديد الذي يدعون أنه يلقى معارضة ومقاومة "سلفية رجعية محافظة"؟
هل صحيح أن الخلاف بين التجديد والسلفية يدور حول مشروعية إثبات الهلال بواسطة علم الفلك أو حول مشروعية إسالة الدم وجلد الذات في مراسيم عاشوراء؟ وهل تكفي إثارة الغبار حول هذه "المواقع والمعارك الكبرى" لخلق ساحة لبطولة وهمية تقوم على إدعاء التجديد فيما هي تخفي أبشع أنواع الحزبية والفئوية والصنمية الشخصانية؟ هل تكفي البطولات الوهمية في معارك وهمية للتغطية على القضية الأساس المتعلقة بإدعاء المرجعية والاجتهاد؟ وهل يجوز الإعتماد في إثبات الأعلمية والعدالة والتقوى وسلامة العقيدة على الشهرة والشياع الناشئين عن الإعلام والدعاية أو عن القوة الحزبية الأمنية والمالية أو الدعم الخارجي؟
إن التجديد المطلوب اليوم يتمثل في صياغة مناهج ملائمة لإجتهاد معاصر يستجيب لقضايا التنظيم المجتمعي في مختلف الحقول ولتفاعلات كل عمل بشري مع المجتمع، وتفاعلات الإنسان مع الطبيعة.
إن تطور الحياة، والوضع التنظيمي للمجتمعات، وتطور حاجات الإنسان في المجتمع على المستوى العالمي، وغير ذلك، كلها أمور تطرح أسئلة جديدة، الامر الذي يتطلب ان تستجيب عملية استنباط الاحكام لهذه التطورات مما يعني ضرورة تطوير قواعد الاستنباط... وبهذا المعنى فإن التجديد ليس حركة نظرية بحتة لا تتحمل مسؤولية التغيير العملي، وليس فذلكة ثقافوية نخبوية تترك شخصية المسلم متأرجحة بين التمسك اللاواعي بالجذور والموروث وبين تلقي الطارئ والوافد بروح الإنفعال والتأثر وبمنهج التبرير. إن هذا النوع من التجديد يوقع في فخ الإزدواجية المدمرة، ازدواجية ثقافية على مستوى اللغة والخطاب (المعلن والمضمر –الظاهر والباطن) وازدواجية في تعايش نمطين وشخصين تحت سقف واحد مما يدخل الأمة في التيه بين المنطلقات والأهداف، وآلية التطوير والموقع الحضاري..
إن التجديد هو عملية علمية فكرية دائمة ومستجدة، إنه حركة رعائية دائبة للنتاج الإنساني بين البداية والغاية تقتضي التصحيح والتصويب حيناً كما الخلق والإبداع حينا آخر، إنه حركة تتحمل مسؤولية تحويل النظرية الى إنجاز يصوغ الواقع على أسس تحفظ للشخصية توازنها ووحدتها من خلال التمسك الواعي بالجذور وتلقي الوافد بروح نقديه."زز .
بهذا المعنى لا يكون الفكر التجديدي إغراباً للإعجاب ونيل رضا حلقات نخبوية مخالفة لمعتقد الناس.. نحن لا نجدد لكي يقول عنا الغربيون إننا تطورنا.. أو لكي يقُال عنا إننا منفتحون ونقبل بالتثليث.. نحن لا نجدد لكي يقُال إننا غير متعصبين.. إن التجديد يرمي الى "جعل الفكر مؤسسة ثقافية كاملة تتغلغل في ثنايا الأمة لتولد تشكيلاتها وتنتج مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية"، والتي تؤمن للأمة استمرارها التاريخي المنتظم وتطورها المنسجم وشخصيتها السوية وتفاعلها المميز في حوار الحضارات! الأمر الذي يؤمن الدور والمعنى، وهو المقصود بكونها خير أمة أخرجت للناس وبأنها الأمة الوسط..
د. سعود المولى
السبت، 6 يونيو 2009
الإمام شمس الدين: عن الإمام الصدر الانسان القضية
محمد مهدي شمس الدين
كثيرون من الذين يعتبرون أنفسهم خارج المجال الذي كان يعمل فيه الإمام الصدر، لا يدركون الآن لماذا تحوّل إخفاؤه إلى قضية.القاسم المشترك بين هؤلاء، إنهم جميعاً يقفون خارج الدائرة الثقافية التي نحرك الإمام إنطلاقاً من قيمها وتقاليدها، وخارج الدائرة الإجتماعية التي تحرك الإمام إنطلاقاً من واقعها ومطالبها وحقوقها. لذلك فهم غير قادرين فعلاً على تقدير قيمة التحوّلات العميقة التي بدأها، والتي ما تزال تتفاعل مرتبطة بشخصه، رغم مرور هذا الزمن الطويل على إخفائه.
إن فهم هذه التحوّلات وتفاعلاتها في وعي وواقع الإنسان الآخر ( أي ذلك الذي يعتبر نفسه موضوعاً مباشراً لعمل الإمام ) يلزمنا بالعودة إلى فهم موقع عالم الدين المسلم من جمهوره، والمشكلة الإجتماعية المزمنة لهذا الجمهور، بالإضافة إلى تأثيرات الحرب الأهلية ومضاعفاتها، ودور الإمام في ذلك كله.
لم يكن عالم الدين القيادي، في كثير من الأحيان، بعيداً عن هموم الناس ومخاوفهم وآمالهم أن تربيته وثقافته وهدف حياته تدفعه إلى أن يكون إنساناً ملتزماً بقضايا مجتمعه .
وقد كان ثمة، ولا تزال حتى الآن، حالة ثقافية تتعارض مع هذه الوضعية لعالم الدين المسلم، هي بقية من الفهم الصوفي لوظيفة الدين وعلمائه .. هذا الفهم الذي كان سائداً في العالم الإسلامي في عصور إنحطاطه وإنهزامه وتوقف حركته التاريخية.
وقد جاء الفهم الغربي للدين مع الإستعمار وثقافته، ليعزز هذه الحالة الثقافية في العصر الحديث، ويعطيها مبررات ليست من الإسلام في شيء، وليست من الحقيقة في شيء.
هذه الحالة الثقافية تعفي عالم الدين من أي إلتزام سياسي، ومن أي إهتمام إجتماعي، بل لقد كان الإهتمام السياسي يشكل في بعض الحالات طعناً في مصداقية عالم الدين، وتعلم المجتمع أن يعفي عالم الدين من حمل هموم الناس ومخاوفهم وآمالهم. ولا نريد أن ننفي أن عالم الدين، في بعض الحالات، أو في كثير من الحالات، كان يستجيب لهذا الموقف فيعفي نفسه كما كان المجتمع، وفي كثير من الحالات أيضاً، يستجيب لهذه الثقافة، فيعفي عالم الدين من الإهتمام السياسي .
وبالمقابل، كانت هذه الحالة الثقافية تحصر وظيفة عالم الدين في أن يعد جمهوره إعداداً جيداً للآخرة، وأن يعالج المشكلات والنزاعات الصغيرة في نطاق العائلة والحي والقرية وأن يقوم بدور وعظي في الحياة العامة.. وكان يحدث أن يصطفي لنفسه، أو تصطفيه، جماعة من الناس تقل أو تكثر، تتخرج عليه وتتادب بأخلاقه، وقد تقتبس حتى عادات حياته اليومية وبعض أسلوبه في الحديث.
كان دور عالم الدين حقل تنافس بين هذه الحالة الثقافية، وبين روح الإسلام الحية المتحركة الجهادية.
وحين جاء الإمام الصدر إلى لبنا، كانت قد نضجت في وعي المسلم اللبناني،حالة ثقافية بالنسبة إلى دور عالم الدين المسلم أكثر صدقاً وأقرب إلى روح الإسلام وحقيقته الحية المتحركة. وكان الإمام عنوانها الكبير المتألق في لبنان، بل لقد كان أكثر عناوينها تألقاً ووهجاً وقوة على الإجتذاب والإستقطاب.
جاء الإمام إلى لبنان فاكتشف وضعية الإنسان في البقاع((بعلبك-الهرمل))((وفي الجنوب)) ((جبل عامل)) (( وامتداده البشري في ضواحي بيروت البائسة)). واكتشف أن هذا الإنسان مسحوق مستلب، يتمتع بحرية شكلية لا يستطيع أن يستخدمها في تغيير وضعه، بل لا يستطيع أن يستخدمها في الإعلان عن شكواه..و((يتمتع)) – إلى جانب هذه الحرية بإهمال مطلق من قبل الدولة.
فحاول أن يستجيب لهموم هذا الإنسان ومطامحه وحاجاته، وكانت تلك المرحلة مرحلة المؤسسات: مؤسسة جبل عامل المهنية، ومعهد التمريض، وبيت الفتاة.
ثم تنامى، وعيه لمشكلة هذا الإنسان على ضوء تجارب الطوائف اللبنانية الأخرى، وتأكدت لديه الحاجة إلى مستوى من التنظيم في مؤسسة لها أمثال كثيرة في لبنان، تكوّن ضمير هذا الإنسان ولسانه وأداته في السعي نحو المساواة والكرامة.. فكان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى .
ثم تنامى وعيه هذا إلى مستوى أعمق، وأدرك ضرورة إيجاد مستوى آخر من التنظيم فكانت حركة المحرومين، ومن ثم حركة أمل والتي تترجم أعمق نزعات هذا الإنسان نحو الحرية والكرامة بما يتجاوز الإطار الطائفي والمذهبي .
وقد أدى به وعيه الموجع لمشكلة هذا الإنسان إلى أن يتحد مع قضايا المحرومين وتطلعاتهم، وإلى أن يجعل منهم قضية حياته.
وبالمقابل أدرك الإنسان المحروم وأدركت قياداته، وهي النخبة المستقبلية الواعية في الجنوب والبقاع وغيرها، من شتى الطوائف والمذاهب والمناطق في لبنان.. أدرك هؤلاء جميعاً أن موسى الصدر قد باع نفسه لقضية الإنسان هذه .. باعها بصدق وحرارة وإخلاص صوفي نابع من إسلامه وثقافته وأخلاقيته وحسه الإنساني الحاد المرهف. ومن هنا إكتسب الإمام هذه الصفة التمثيلية لأعرض قطاع من الشعب اللبناني، وهي صفة فاقت، وما تزال حتى الآن، ورغم كل شيء، ما نجده لدى أي قيادة أخرى .
حاول الإمام الصدر، في بداية تحسسه لمشكلة الإنسان في لبنان، أن يعمل على تحقيق مطامحه من خلال التعامل مع الوضع اللبناني( ولا ندخل في مكونات هذا الوضع وتبيان عناصره وخصوصياته). ولكنه أدرك في وقت مبكر أن هذا الوضع، بمنطقه الخاص، يحاول تدجينه وجعله جزءاً مه. ثار الإمام على هذا التفكير، ومضى يعمل على عقلنة الوضع وأنسنته، وجعله أكثر إدراكاً لحقيقة الأخطار التي كانت تتجمع ويمكن أن تنفجر لتعصف بالوطن كله. ولكن الوضع في لبنان كان ذا مزاج إفتراسي فبدأت محاولات تحطيم الإمام. وقد إشتركت قوى كثيرة في هذه المحاولات، بعضها من موقع الصديق، وبعضها من موقع الخصم، وبعضها الثالث من موقع رمادي. لأن الجميع رأوا في ظاهرة الإمام، الذي فشل الوضع اللبناني في تدجينه، خطراً عليهم، لأن الفهم الذي طرحه لقضية الإنسان المحروم ونمط التعامل الرسالي، هدد هؤلاء جميعاً بخسارة المواقع التي يحتلونها، على حساب الحرمان والمحرومين، سواء من كان منهم مستفيداً مباشراً أم من كان مستفيداً ثانوياً وبالواسطة، هؤلاء جميعاً وحّدتهم المصلحة في إطفاء الشعلة التي أضاءها الإمام، وإسكات الصرخة التي أطلقها .
ولكن محاولات التحطيم فشلت كلها لأن الإمام موسى الصدر لم يستند في وجوده إلى معادلة سياسية، أو توازنات بين القوى. وإنما إستند إلى الشعب إلى الإنسان المحروم الذي غدا الإمام قلبه الخافق وصوته وإحتجاجه على البؤس والحرمان.
نعم أحياناً كانت هذه الجماعة أو تلك، من جماعات هذا الإنسان المحروم، تقع أسيرة الإرهاب الفكري الجسدي، أو ضحية الدعاية المأجورة والإشاعات الباطلة. ولكن هذا الإنسان كان يدرك أنه ضحية إعتبار سياسي يقوده متنفذ صغير لمصلحة متزعم كبير، أو ضحية لإعتبار حزبي، ومن ثم فقد كان يجد نفسه في النهاية إلى جانب الإمام ووراءه وحوله. وهكذا بقي الإمام عصياً على التحطيم، بل نما وكبر وغدا في قلوب الناس البسطاء رمزاًُ لقضيتهم. وبقي هو موزّع القلب والعقل بين الإهتمام بالمسائل الصغيرة للمواطن، والإهتمام بالمسائل الكبرى للوطن، وهذه المسائل ذات الطابع المصيري.
وجاءت الفتنة اللبنانية الكبرى، فانغمست فيها قوى سياسية كثيرة إما عن قصد وتصميم، وإما عن جهالة لا تبرر النيات التي دفعت إليها الآثار الفاجعة التي نجمت عنها. ورفض الإمام، من خلال المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أن يكون طرفاً في الفتنة، بل أعطى نفسه مهمة إستعادة السلام، مع العمل على تطوير النظام نحو وضع أكثر عدالة وإستجابة لمطالب المحرومين. من هنا غدا موسى الصدر موضوع كراهية وعداء ظاهر أو مستتر من قبل جميع أطراف الفتنة، أو الذين كانوا يعدون العدة للإستفادة من الفتنة، فقد عبر كثير من هذه الأطراف عن كراهيته بإعلان فاجر فقد كل قيمة اخلاقية ضد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وخطه السياسي، وضد شخص الإمام نفسه، وضد دوره وتطلعاته .. ولكن هجمة البغضاء التي تجاوزت كل حد، لم تلن من قناته، بل مضى في مساعيه وتجاوز بها لبنان إلى المحيط العربي حاملاً هم لبنان ومصيره في قلبه وعقله، وأثمرت مساعيه، فإستطاع أن ينقل خوف الناس العاديين وعذابهم اليومي إلى وعي المسؤولين العرب، وأني يحرك بذلك القلوب والضمائر، لا بلغة السياسة واساليبها، وإنما بلغة الإنسانية، لغة القلب والضمير. ووضع حدّاً للفتنة المشتعلة، وهدأ بركان الدم قليلاً، وإمتلأ قلبه بالأمل في غد مشرق للبنان وغد سعيد للمحرومين .
ولكن الحرب الأهلية البشعة توقفت لتكشف الفتنة عن أبشع وأخطر نتائجها في مقياس قضايا المصير. لقد تعاظمت مأساة لبنان الجنوبي، وانكشفت أخطار الوجود التي تحيط به: أخطار الإحتلال الإسرائيلي والتجزئة، والتوطين، وما ينجم عن هذه الأخطار من تشريد للإنسان الجنوبي يضاف إلى حرمانه.
وعاد موسى الصدر إلى جهاده على الصعيد اللبناني وعلى الصعيد العربي، يتباحث مع الرؤساء والملوك، ومع القيادات السياسية، ومع الجماعات الحزبية، شارحاص الأخطار المحدقة بالجنوب، محذّراً من العواقب الوخيمة التي تتعدى الجنوب إلى لبنان كله، وتتعدى لبنان إلى المحيط العربي كله، محاوراً في صيغ الخلاص.
كل هذا والإنسان المحروم يسمع ويرى ويفهم. وكان كل ذلك يجعل هذا الإنسان يزداد توحداً مع الإمام الصدر وحبّاً له وثقة به وهكذا غدا الإمام حقيقة في كل بيت محروم، لم يعد شخصاً وإنما غدا ممثلاً لقضية الإنسان المحروم والجماعات المحرومة والمناطق المحرومة .. واستمر يطارد الفتن حيثما أطلت برأسها يطاردها في لبنان وخارجه .
وحمله تطوافه في مطاردة الفتنة ومطاردة الخطر إلى ليبيا. ليبيا التي دعته سلطته الرسمية العليا لزيارتها لتباحثه ويباحثها في شأن لبنان وطريق خلاصه وسبيل وأد الخطر المحدق بجنوبه.
وكانت الدعوة فخاً، وكان الطعم هو التلويح لموسى الصدر بالأمل في أن يجد عند حاكم ليبيا وأعوانه عوناً على الفتنة وعوناً على الخطر وهكذا إحتجز حكام ليبيا موسى الصدر ورفيقيه المجاهدين الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين وأخفوا أثرهم، وزعموا – كذباً – انهم غادروا ليبيا.
وتكشفت الحقيقة الراغبة البشعة للإنسان المحروم في وقت قصير. أين الإمام؟ اخفته السلطات في ليبيا. لماذا ذهب إلى ليبيا؟ ينقذ لبنان .
وكما يحدث في كل لحظات الصدمة .. إستعاد الإنسان المحروم كل ما يعرفه عن موسى الصدر، كل جهاده وجهوده، فرأى فيه قضيته هو .. رأى فيه رزقه الشريف، وأمنه وبيته،وكرامته، ومدرسة ولده، ومستشفى مريضه، ومعونة بائسه. رأى فيه مستقبل لبنان. رأى فيه حقول الجنوب المحروقة، ومدنه وقراه التي تنزف أيتاماً وأرامل ومشردين، وبيوته الخالية من أهلها، ودروبه المشتاقة إلى وقع أقدامه، والأمل في غد مشرق. ولن يستطيع أحد أن ينتزع من كل هؤلاء الحق في الأمل …
تقديم لكتاب دراسات في الميثاق عن مكتب العقيدة والثقافة/ حركة امل
كثيرون من الذين يعتبرون أنفسهم خارج المجال الذي كان يعمل فيه الإمام الصدر، لا يدركون الآن لماذا تحوّل إخفاؤه إلى قضية.القاسم المشترك بين هؤلاء، إنهم جميعاً يقفون خارج الدائرة الثقافية التي نحرك الإمام إنطلاقاً من قيمها وتقاليدها، وخارج الدائرة الإجتماعية التي تحرك الإمام إنطلاقاً من واقعها ومطالبها وحقوقها. لذلك فهم غير قادرين فعلاً على تقدير قيمة التحوّلات العميقة التي بدأها، والتي ما تزال تتفاعل مرتبطة بشخصه، رغم مرور هذا الزمن الطويل على إخفائه.
إن فهم هذه التحوّلات وتفاعلاتها في وعي وواقع الإنسان الآخر ( أي ذلك الذي يعتبر نفسه موضوعاً مباشراً لعمل الإمام ) يلزمنا بالعودة إلى فهم موقع عالم الدين المسلم من جمهوره، والمشكلة الإجتماعية المزمنة لهذا الجمهور، بالإضافة إلى تأثيرات الحرب الأهلية ومضاعفاتها، ودور الإمام في ذلك كله.
لم يكن عالم الدين القيادي، في كثير من الأحيان، بعيداً عن هموم الناس ومخاوفهم وآمالهم أن تربيته وثقافته وهدف حياته تدفعه إلى أن يكون إنساناً ملتزماً بقضايا مجتمعه .
وقد كان ثمة، ولا تزال حتى الآن، حالة ثقافية تتعارض مع هذه الوضعية لعالم الدين المسلم، هي بقية من الفهم الصوفي لوظيفة الدين وعلمائه .. هذا الفهم الذي كان سائداً في العالم الإسلامي في عصور إنحطاطه وإنهزامه وتوقف حركته التاريخية.
وقد جاء الفهم الغربي للدين مع الإستعمار وثقافته، ليعزز هذه الحالة الثقافية في العصر الحديث، ويعطيها مبررات ليست من الإسلام في شيء، وليست من الحقيقة في شيء.
هذه الحالة الثقافية تعفي عالم الدين من أي إلتزام سياسي، ومن أي إهتمام إجتماعي، بل لقد كان الإهتمام السياسي يشكل في بعض الحالات طعناً في مصداقية عالم الدين، وتعلم المجتمع أن يعفي عالم الدين من حمل هموم الناس ومخاوفهم وآمالهم. ولا نريد أن ننفي أن عالم الدين، في بعض الحالات، أو في كثير من الحالات، كان يستجيب لهذا الموقف فيعفي نفسه كما كان المجتمع، وفي كثير من الحالات أيضاً، يستجيب لهذه الثقافة، فيعفي عالم الدين من الإهتمام السياسي .
وبالمقابل، كانت هذه الحالة الثقافية تحصر وظيفة عالم الدين في أن يعد جمهوره إعداداً جيداً للآخرة، وأن يعالج المشكلات والنزاعات الصغيرة في نطاق العائلة والحي والقرية وأن يقوم بدور وعظي في الحياة العامة.. وكان يحدث أن يصطفي لنفسه، أو تصطفيه، جماعة من الناس تقل أو تكثر، تتخرج عليه وتتادب بأخلاقه، وقد تقتبس حتى عادات حياته اليومية وبعض أسلوبه في الحديث.
كان دور عالم الدين حقل تنافس بين هذه الحالة الثقافية، وبين روح الإسلام الحية المتحركة الجهادية.
وحين جاء الإمام الصدر إلى لبنا، كانت قد نضجت في وعي المسلم اللبناني،حالة ثقافية بالنسبة إلى دور عالم الدين المسلم أكثر صدقاً وأقرب إلى روح الإسلام وحقيقته الحية المتحركة. وكان الإمام عنوانها الكبير المتألق في لبنان، بل لقد كان أكثر عناوينها تألقاً ووهجاً وقوة على الإجتذاب والإستقطاب.
جاء الإمام إلى لبنان فاكتشف وضعية الإنسان في البقاع((بعلبك-الهرمل))((وفي الجنوب)) ((جبل عامل)) (( وامتداده البشري في ضواحي بيروت البائسة)). واكتشف أن هذا الإنسان مسحوق مستلب، يتمتع بحرية شكلية لا يستطيع أن يستخدمها في تغيير وضعه، بل لا يستطيع أن يستخدمها في الإعلان عن شكواه..و((يتمتع)) – إلى جانب هذه الحرية بإهمال مطلق من قبل الدولة.
فحاول أن يستجيب لهموم هذا الإنسان ومطامحه وحاجاته، وكانت تلك المرحلة مرحلة المؤسسات: مؤسسة جبل عامل المهنية، ومعهد التمريض، وبيت الفتاة.
ثم تنامى، وعيه لمشكلة هذا الإنسان على ضوء تجارب الطوائف اللبنانية الأخرى، وتأكدت لديه الحاجة إلى مستوى من التنظيم في مؤسسة لها أمثال كثيرة في لبنان، تكوّن ضمير هذا الإنسان ولسانه وأداته في السعي نحو المساواة والكرامة.. فكان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى .
ثم تنامى وعيه هذا إلى مستوى أعمق، وأدرك ضرورة إيجاد مستوى آخر من التنظيم فكانت حركة المحرومين، ومن ثم حركة أمل والتي تترجم أعمق نزعات هذا الإنسان نحو الحرية والكرامة بما يتجاوز الإطار الطائفي والمذهبي .
وقد أدى به وعيه الموجع لمشكلة هذا الإنسان إلى أن يتحد مع قضايا المحرومين وتطلعاتهم، وإلى أن يجعل منهم قضية حياته.
وبالمقابل أدرك الإنسان المحروم وأدركت قياداته، وهي النخبة المستقبلية الواعية في الجنوب والبقاع وغيرها، من شتى الطوائف والمذاهب والمناطق في لبنان.. أدرك هؤلاء جميعاً أن موسى الصدر قد باع نفسه لقضية الإنسان هذه .. باعها بصدق وحرارة وإخلاص صوفي نابع من إسلامه وثقافته وأخلاقيته وحسه الإنساني الحاد المرهف. ومن هنا إكتسب الإمام هذه الصفة التمثيلية لأعرض قطاع من الشعب اللبناني، وهي صفة فاقت، وما تزال حتى الآن، ورغم كل شيء، ما نجده لدى أي قيادة أخرى .
حاول الإمام الصدر، في بداية تحسسه لمشكلة الإنسان في لبنان، أن يعمل على تحقيق مطامحه من خلال التعامل مع الوضع اللبناني( ولا ندخل في مكونات هذا الوضع وتبيان عناصره وخصوصياته). ولكنه أدرك في وقت مبكر أن هذا الوضع، بمنطقه الخاص، يحاول تدجينه وجعله جزءاً مه. ثار الإمام على هذا التفكير، ومضى يعمل على عقلنة الوضع وأنسنته، وجعله أكثر إدراكاً لحقيقة الأخطار التي كانت تتجمع ويمكن أن تنفجر لتعصف بالوطن كله. ولكن الوضع في لبنان كان ذا مزاج إفتراسي فبدأت محاولات تحطيم الإمام. وقد إشتركت قوى كثيرة في هذه المحاولات، بعضها من موقع الصديق، وبعضها من موقع الخصم، وبعضها الثالث من موقع رمادي. لأن الجميع رأوا في ظاهرة الإمام، الذي فشل الوضع اللبناني في تدجينه، خطراً عليهم، لأن الفهم الذي طرحه لقضية الإنسان المحروم ونمط التعامل الرسالي، هدد هؤلاء جميعاً بخسارة المواقع التي يحتلونها، على حساب الحرمان والمحرومين، سواء من كان منهم مستفيداً مباشراً أم من كان مستفيداً ثانوياً وبالواسطة، هؤلاء جميعاً وحّدتهم المصلحة في إطفاء الشعلة التي أضاءها الإمام، وإسكات الصرخة التي أطلقها .
ولكن محاولات التحطيم فشلت كلها لأن الإمام موسى الصدر لم يستند في وجوده إلى معادلة سياسية، أو توازنات بين القوى. وإنما إستند إلى الشعب إلى الإنسان المحروم الذي غدا الإمام قلبه الخافق وصوته وإحتجاجه على البؤس والحرمان.
نعم أحياناً كانت هذه الجماعة أو تلك، من جماعات هذا الإنسان المحروم، تقع أسيرة الإرهاب الفكري الجسدي، أو ضحية الدعاية المأجورة والإشاعات الباطلة. ولكن هذا الإنسان كان يدرك أنه ضحية إعتبار سياسي يقوده متنفذ صغير لمصلحة متزعم كبير، أو ضحية لإعتبار حزبي، ومن ثم فقد كان يجد نفسه في النهاية إلى جانب الإمام ووراءه وحوله. وهكذا بقي الإمام عصياً على التحطيم، بل نما وكبر وغدا في قلوب الناس البسطاء رمزاًُ لقضيتهم. وبقي هو موزّع القلب والعقل بين الإهتمام بالمسائل الصغيرة للمواطن، والإهتمام بالمسائل الكبرى للوطن، وهذه المسائل ذات الطابع المصيري.
وجاءت الفتنة اللبنانية الكبرى، فانغمست فيها قوى سياسية كثيرة إما عن قصد وتصميم، وإما عن جهالة لا تبرر النيات التي دفعت إليها الآثار الفاجعة التي نجمت عنها. ورفض الإمام، من خلال المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أن يكون طرفاً في الفتنة، بل أعطى نفسه مهمة إستعادة السلام، مع العمل على تطوير النظام نحو وضع أكثر عدالة وإستجابة لمطالب المحرومين. من هنا غدا موسى الصدر موضوع كراهية وعداء ظاهر أو مستتر من قبل جميع أطراف الفتنة، أو الذين كانوا يعدون العدة للإستفادة من الفتنة، فقد عبر كثير من هذه الأطراف عن كراهيته بإعلان فاجر فقد كل قيمة اخلاقية ضد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وخطه السياسي، وضد شخص الإمام نفسه، وضد دوره وتطلعاته .. ولكن هجمة البغضاء التي تجاوزت كل حد، لم تلن من قناته، بل مضى في مساعيه وتجاوز بها لبنان إلى المحيط العربي حاملاً هم لبنان ومصيره في قلبه وعقله، وأثمرت مساعيه، فإستطاع أن ينقل خوف الناس العاديين وعذابهم اليومي إلى وعي المسؤولين العرب، وأني يحرك بذلك القلوب والضمائر، لا بلغة السياسة واساليبها، وإنما بلغة الإنسانية، لغة القلب والضمير. ووضع حدّاً للفتنة المشتعلة، وهدأ بركان الدم قليلاً، وإمتلأ قلبه بالأمل في غد مشرق للبنان وغد سعيد للمحرومين .
ولكن الحرب الأهلية البشعة توقفت لتكشف الفتنة عن أبشع وأخطر نتائجها في مقياس قضايا المصير. لقد تعاظمت مأساة لبنان الجنوبي، وانكشفت أخطار الوجود التي تحيط به: أخطار الإحتلال الإسرائيلي والتجزئة، والتوطين، وما ينجم عن هذه الأخطار من تشريد للإنسان الجنوبي يضاف إلى حرمانه.
وعاد موسى الصدر إلى جهاده على الصعيد اللبناني وعلى الصعيد العربي، يتباحث مع الرؤساء والملوك، ومع القيادات السياسية، ومع الجماعات الحزبية، شارحاص الأخطار المحدقة بالجنوب، محذّراً من العواقب الوخيمة التي تتعدى الجنوب إلى لبنان كله، وتتعدى لبنان إلى المحيط العربي كله، محاوراً في صيغ الخلاص.
كل هذا والإنسان المحروم يسمع ويرى ويفهم. وكان كل ذلك يجعل هذا الإنسان يزداد توحداً مع الإمام الصدر وحبّاً له وثقة به وهكذا غدا الإمام حقيقة في كل بيت محروم، لم يعد شخصاً وإنما غدا ممثلاً لقضية الإنسان المحروم والجماعات المحرومة والمناطق المحرومة .. واستمر يطارد الفتن حيثما أطلت برأسها يطاردها في لبنان وخارجه .
وحمله تطوافه في مطاردة الفتنة ومطاردة الخطر إلى ليبيا. ليبيا التي دعته سلطته الرسمية العليا لزيارتها لتباحثه ويباحثها في شأن لبنان وطريق خلاصه وسبيل وأد الخطر المحدق بجنوبه.
وكانت الدعوة فخاً، وكان الطعم هو التلويح لموسى الصدر بالأمل في أن يجد عند حاكم ليبيا وأعوانه عوناً على الفتنة وعوناً على الخطر وهكذا إحتجز حكام ليبيا موسى الصدر ورفيقيه المجاهدين الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين وأخفوا أثرهم، وزعموا – كذباً – انهم غادروا ليبيا.
وتكشفت الحقيقة الراغبة البشعة للإنسان المحروم في وقت قصير. أين الإمام؟ اخفته السلطات في ليبيا. لماذا ذهب إلى ليبيا؟ ينقذ لبنان .
وكما يحدث في كل لحظات الصدمة .. إستعاد الإنسان المحروم كل ما يعرفه عن موسى الصدر، كل جهاده وجهوده، فرأى فيه قضيته هو .. رأى فيه رزقه الشريف، وأمنه وبيته،وكرامته، ومدرسة ولده، ومستشفى مريضه، ومعونة بائسه. رأى فيه مستقبل لبنان. رأى فيه حقول الجنوب المحروقة، ومدنه وقراه التي تنزف أيتاماً وأرامل ومشردين، وبيوته الخالية من أهلها، ودروبه المشتاقة إلى وقع أقدامه، والأمل في غد مشرق. ولن يستطيع أحد أن ينتزع من كل هؤلاء الحق في الأمل …
تقديم لكتاب دراسات في الميثاق عن مكتب العقيدة والثقافة/ حركة امل
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)