الأربعاء، 13 يونيو، 2012

سعود المولى: عن الثقافة والرقابة والحرية والمسؤولية


في كتابه نظام الخطاب، يقول ميشال فوكو:" نحن نعلم أنه ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء".. أطلت علينا الألفية الثالثة للميلاد بخطاب جنائزي ُيمجد منطق النهايات في كل شيء.. خطاب يبتلع الخصوصيات الثقافية تحت عنوان ما هو عالمي، ويؤجج في الآن نفسه أبشع ما في الخصوصيات القبلية والمذهبية والطائفية والاثنية والعشائرية من تفتيت وتفسيخ ووحشية.. وفي الوقت الذي صرنا فيه نستطيع ان تقول كل شيء أمسينا لا نقول شيئاً... تعولمت وسائل الاتصال والتواصل وأدوات التعبير على اختلافها..ولكننا صرنا أقل معرفة واقل دراية وحتى أقل اطمئناناً وتواصلاً... حتى بتنا في شك إن كان الإعلام حقاً أداة اتصال ووسيلة نقل وإيصال ولغة حوار وتواصل ومنبر معرفة حيادية موضوعية صادقة أمينة؟ وصار مشروعاً أن نسأل إن كان هدف الإعلام في عصرنا الراهن هو فعلاً الحقيقة ؟ وان كانت وسيلته هي حقاً الصدق والخبر الصحيح والمعلومة المجرّدة عن أية غاية؟ ليس عندي أدنى شك من أن جوابنا على هذه التساؤلات هو جواب سلبي. لماذا؟ لأن واقع الإعلام، نهجه وقيَمه وآليات تطوره، قوانينه ونظمه ومؤسساته ووسائله، تجسداته المباشرة وغير المباشرة، هو واقع القوة المادية الطاغية المسيطرة. الإعلام الحديث ليس تطويرا ً للإعلام القديم الذي عرفته الشعوب، انه انقطاع معرفي يندرج في سياق القطع الحداثوي مع مسيرة الفطرة الانسانية، انه عكس الفطرة ونقيضها لا بل هو أداة تدميرها كلياً.. وهنا تكمن إشكالية ما أسماه بعض الغربيين "موت الحضارة" (أوزوالد شبرنغلر)، أو "القلق في الحضارة" (فرويد)..أو موت الله (نيتشه) أو موت الانسان (فوكو)..وصولاً الى إعلان موت الحداثة نفسها والانتقال الى ما بعد الحداثة (مع بودريار وبورديو وليوتار ودريدا). غير أن الإشكالية الأكبر في مسيرة الانسانية كانت وما تزال إشكالية العلاقة بين الحرية والمسؤولية، أي بين حرية الفرد أو فردانيته الحرة غير المقيّدة ،وبين مسؤوليته كعضو في الجماعة أي قيود وضوابط انتمائه وجماعته .. وهي إشكالية لم تجد لها حلاً حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية حريةً وفردانية ، منذ قال سارتر بأن "الآخر هو الجحيم". فما بالكم وقد صار سؤال الانسان لا ينفصل عن سؤال التعدد والاختلاف، أي عن سؤال "الآخر" المغاير: الشبيه والمختلف ،عقلاً كان أم جسداً، ما يضعنا أمام مشكلة الانساني بين الوحدة والتعدد، وأمام قضية التنوع والاختلاف، وما ينتج عنهما من صدام وعنف أو من تواصل وتبادل وتفاعل.. ومن هنا موقعية حرية التعبير والحرية عموماً ومسالة الرقابة خصوصاً.. ولا بد من الإعلان بداية أننا مع الجرأة على النقد والتفكير وعلى السؤال الدائم والتمحيص الدقيق والشك بالمطلقات وبالثنائيات والتقابلات، والجرأة على نقد الايديولوجيات القائمة على قناعات جاهزة وعلى إجابات معلبة.. ذلك أن العقل والفكر الحر يستضيء بالشك في المألوف والسعي الدائم الى استكشاف الاسئلة، والمحاكمة النقدية للموجود، والتساؤل عما هو قائم، وعدم الوثوق الأعمى بنتائج وحقائق يقينية.. وهل يمكن تخيل الإبداع الديني والأدبي والفني والثقافي وحتى السياسي من دون عقل نقدي وفكر حر يقظ منفتح على تعدد الأسئلة وعلى النسبية الثقافية.. وهل يمكن أن يكون هناك من مثقف حقيقي لا يحمل صفات وخصائص العقل النقدي والتفكير الحر: أي أن يكون صادقاً مع نفسه، لا يقبل استغلال عقله أو موقفه أو نقده في أي اتجاه مخالف لقناعاته، وأن يكون كما قال المتنبي "على قلق دائم كأن الريح تحتي" (أي السؤال).. يقول كزينوفون"الناس يفطنون دوماً لأخطاء الناس ويغفلون غفلة مطبقة عن أخطائهم هم" .. أما في القرآن الكريم فإن الله "لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".. وفي الانجيل أن "الحقيقة تحرر".. فكيف يستقيم ذلك كله مع الرقابة على الفكر وعلى القول والتعبير؟؟

مبادرة أوروبية تطلق حملة "لا للجدار .. لا للمستوطنات" مطلع الشهر المقبل


بالتزامن مع الذكرى الثامنة لقرار المحكمة الدولية بشأن الجدار لاهاي : 11-06-2012 تستعد "المبادرة الأوروبية لإزالة الجدار والمستوطنات"، ومقرها لاهاي، لإطلاق حملة إعلامية وتوعوية، ضد جدار الفصل العنصري الذي تقيمه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة عام 1967، وضد التوسع الاستيطان المتصاعد، تحت شعار "لا للجدار .. لا للمستوطنات". وأعلن أمين أبو راشد رئيس المبادرة، أن إطلاق الحملة، التي ستتضمن تنفيذ اعتصامات وندوات واستخدام تقنية التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، يأتي في الذكرى الثامنة لصدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد جدار الفصل العنصري والذي طالب الاحتلال الإسرائيلي بإزالته، كما تأتي للتنديد والاحتجاج على المشاريع الاستيطانية المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تؤكد مختلف القرارات الدولية عدم شرعيتها. وقال أبو راشد إن الحملة ستبدأ في الأول من تموز (يوليو) المقبل، وتُختتم في التاسع من الشهر ذاته، وهو اليوم نفسه الذي صدر فيه قرار المحكمة الدولية بشأن جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الحملة ستشمل عقد لقاء مع المؤسسات الحقوقية والقانونية والأمم المتحدة لتسليمهم دراسة حول آثار الجدار بعد ثماني سنوات من صدور القرار، في حين سيتم تنظيم ندوات حول الجدار والاستيطان في عدد من الدول العربية والأجنبية. وأكد أن المبادرة الأوروبية ستحرص خلال هذه الحملة على إيصال رسالة لرئيس المحكمة الدولية في لاهاي تؤكد فيها على ضرورة إيجاد سلطة تنفيذية عالمية قادرة على فرض تنفيذ قرار المحكمة الدولية في لاهاي بالقوة، في ظل ضرب سلطات الاحتلال الإسرائيلي القرار وما جاء فيه عرض الحائط. وستشدد الحملة، بحسب رئيس "المبادرة الأوروبية لإزالة الجدار والمستوطنات"، على ضرورة إلزام السلطات الإسرائيلية بالامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبإنهاء خروقاتها للقانون الدولي، وهدم جدار الفصل العنصري فوق الأراضي الفلسطينية، وكافة أعمال الاستيطان والتهويد، خاصة في مدينة القدس الشرقية، وبإصلاح جميع الأضرار التي تسبب بها بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وما حولها. وقال أبو راشد "إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في بناء المستوطنات وتوسيعها على حساب الأراضي الفلسطينية، وعزل مدينة القدس لتهويدها، يشكّل انتهاكًا لكافة المواثيق والأعراف الدولية، فهو تمامًا مثل الاحتلال في سياقه الأوسع، إذ يقوم على مجموعة كبيرة من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي، التي تتضمن مبدأ العقوبة الجماعية والاستيلاء على الأراضي والملكية الخاصة من قبل قوة محتلة، وهدم المنازل بهدف بناء الجدار، بالإضافة إلى انتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية مثل الحق في العمل وحرية الحركة، وفصل الناس عن عائلاتهم"، على حد تعبيرها. يشار إلى أن المبادرة الأوروبية لإزالة جدار الفصل العنصري والمستوطنات، ومقرها مدينة لاهاي في هولندا، التي تحتضن مقر المحكمة الدولية، تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 2010، وهي تجمع يضم العديد من المنظمات والهيئات الحقوقية العاملة في عموم القارة الأوروبية، والتي ترفض جدار الفصل العنصري الذي أقامته السلطات الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية وتعمل ضد المستوطنات المقامة عليها.

عالم الاجتماع الفرنسي الكبير إدغار موران:


كثيرون في أوروبا يعتقدون ألا بدائل في العالم العربي عن الانظمة الديكتاتورية إدغار موران فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي من مواليد 1921، من مؤلفاته المهمّة كتابه الموسوعي ‘ المنهج’ الذي أصدره في ستة أجزاء وجمع فيه خبرته في علوم كثيرة مثل البيولوجيا والفيزياء والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم اللغة والتواصل، فهو يقول أنّ ‘ لا معرفة من دون معرفة للمعرفة’ وهذا ما يمهّد لنظريته التي يسمّيها بالفكر المركّب Complexus وهي نظرية تركيبية للفكر والمعارف تربط بعضها ببعض، وتعيد بناءها وتنظيمها من جديد وهذا يتطلّب إصلاحا للفكر، ممّا يدفعنا إلى أن نتعلّم كيف نفكّر بشكل جديد وشمولي. ملاحظة: أُجرِي هذا الحوار في المعرض الدولي للكتاب في الدّار البيضاء وسجّلته قناةتلفزيزنية مغربية، ونعيده مكتوبا لأهمّيته. *السيد موران، تُعتَبرون من آخر المفكرين والفلاسفة الأحياء في القرن العشرين، وتخوضون معركة الأفكار والمعرفة بلا هوادة، كيف تنظرون الى دور المثقف المعاصر في سياق إعلامي لتوحيد معايير الفكر؟ * بالضبط، يجب الصراع ضدّ هذا التوحيد لمعايير الفكر، وأعتقد أن المثقف، بالإضافة الى نشاطه ككاتب أو فيلسوف أو أديب، يتوجّه الى الرأي العام، ومثلما يقول نيتشه يتوجّه إلى الجميع وإلى لا أحد، ليعالج مشاكل تبدو جوهرية وشاملة ومرتبطة بالمصير الإنساني وبالسياسة والعدالة والقانون للدفاع عن النزاهة. لذلك فالمثقف يلعب دورا أساسيا، في عالم أكثر تخصّصا، وكما قلتَ، يعرف توحيدا للمعايير، رغم أن الإنصات إليه للأسف أقلّ، لكن قد يحدث أحيانا وبشكل غير منتظر أن تجد رسالة المثقف إشعاعها، وهذا ما حدث مؤخرا في فرنسا مع ‘ ستيفان هيسيل’ الذي أصدر كتابا من عشرين صفحة عن دار نشر صغيرة وبعنوان ‘ استنكروا’ والذي كان بمثابة الشرارة التي لقيت انتشارا واسعا حيث بيعت منه مليون نسخة. * كيف يثوّر عصر التكنولوجيا والسيبرنيتية العالم، في حين أنتم تتحدّثون عن إصلاح للفكر؟ * طبعا، فالسيبرنيتية نفسها يمكن أن تساعد الفكر، لكن كل ما يمكن أن يساعد الفكر، ليس فكرا في حدّ ذاته. إذاً، لماذا إصلاح الفكر؟ لأنه من الملحّ إصلاح المعرفة، فهي اليوم متفرّقة، لأننا نُلَقَّن حسب فروع لا تتواصل فيما بينها، في حين عندما نرى العالم في الحقيقة، فهو ليس مقسّما إلى أصناف، كما هو الشأن بالنسبة إلى الجامعة ، فكل شيء في العالم مترابط ويتواصل فيما بينه، فإصلاح المعرفة هو القدرة على فهم الروابط وهو ما أسمّيه بالتركيب أو بالنسيج التركيبي، وأعتقد أننا بحاجة الى فكرالتركيب لأنه الوحيد الذي بمقدوره مواجهة تحّديات عصرنا التي هي شمولية وجوهرية ، فمثلا بخصوص العولمة، ثمة تفاعلات قريبة بين ظواهر سياسية وديموغرافية واقتصادية واجتماعية ونفسية ودينية، وبالتالي لا يمكننا أن نضع معارف الخبراء، واحدة بجنب الأخرى، بل يجب أن تكون هناك معرفة رابطة وجامعة، وهذا تحدٍّ ليس بالهيّن. * كل وسائل الإعلام تتحدّث الآن عن ثورة عربية – إسلامية في تونس ومصر، فبعد ثورة 1968 التي خاضتها النخبة الفكرية، لا أحد يجرؤ الآن على الحديث عن الثورة، كيف تنظرون إلى تطوّر هذا المفهوم، خصوصا وأن الشعوب العربية تصارع بلا زعماء وبمعزل عن نخبها، هل هذه خصوصية بلدان الجنوب؟ * أوّلا، يجب تفادي الغموض المرتبط بكلمة ‘ ثورة’. لقد انتقدتُ الثورة بمفهومها الشامل والتي تقوم بمسح كامل للماضي، وتخلق عالما جديدا وتستعمل وسائل عنيفة ودامية. ما جرى ويجري في تونس ومصر هو بروز حركات لها طابع ثوري في إطار وطني، بمعنى أن نظاما قديما يتلاشى ولا نعرف كيف سيكون عليه النظام الجديد، لكنكم ستلاحظون أن هذه الثورة هي سلمية في العمق. ما جرى في هذه البلدان العربية، وكما يحدث في مثل هذه الأحداث المهمّة، أنها تكون دائما غير منتظرة، فثمة شابّ أحرق نفسه في بلدة نائية في تونس، وفي لحظة ما، انتشر ما فعله حتى وصل إلى اليمن. لقد لاحظنا طموحا للحرية والتّآخي، أيضا ردّة فعل ضدّ الفساد والغنى الفاحش، لذلك فهي ثورة انطلقت من مبادئ هي نفسها أدّت إلى ظهور حقوق الإنسان واقتحام قلعة الباستيل الفرنسية سنة 1789 ، لكن ما حدث تمّ خنقه، وظهر من جديد في القرن 19 وحصلنا على الجمهورية. ما حدث سنة 1798 أثرى المستقبل رغم ما قد تبادر أحيانا على أنه اختفى. أعتقد أن ما حدث في تونس قابل للانقلاب، فمن الممكن أن ينحرف مجراه ويمكن خنقه أو نسيانه، لكنه بريق نور ودرس أيضا ، فالكثيرون منا في أوروبا يعتقدون ألا بدائل في العالم العربي عن نظام ديكتاتوري وبوليسي عسكري أو نظام ثيوقراطي ديني. ونكتشف أن كل هذه الحركة أطلقها شباب ينشُد الحرية، بمعنى هذا يذكّرني بأحداث 1989 حيث أن كلّ الملاحظين في الصين اعتقدوا أن الصينيين مجرد نمل أزرق لا يريد سوى خلخلة الكتاب الأحمر، ولاحظنا قمع شباب ينشدون الحرية، فالصينيون رغم اختلافهم عنّا فهم مثلنا ونحن مثلهم، لكن ماذا يعلّمنا هذا؟ قبل مجيئي إلى هنا (المغرب)، كنت في لقاء في باريس جمعني بتونسيين وفرنسيين ولبنانية، وأيضا بإلياس صنبر سفير فلسطين في اليونسكو، وجمهورا فرنسيا باريسيا ، وقلت لهم نحن مثل العرب، والعرب مثلنا فصفّق الجميع، هذا يؤكد أننا أشباه رغم اختلافنا الثقافي، ويجب الاحتفاظ بهذا الاختلاف، فلدينا نفس الوحدة والطموح. لذلك أعتبر هذا عنصرا مهمّا يخرجنا من وهم تمّ تكريسه بذكاء، والذي يخدم هذه الدكتاتوريات الفاسدة، وأعتقد أن ثمة رسالة لها طابع كوني حول ما جرى. * بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) والتدخّل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، فوجئنا بصورة أخرى للغرب بعودته إلى حروبه المقدسة والصليبية، فوجد الإسلام السياسي مشروعيته، في حين تلقّت القوى التقدمية ضربة قوية. كيف تنظرون الى العلمانية الغربية بعد صعود المحافظين في كل أنحاء العالم؟ * ما يمكننا قوله، أن التدخّل الأمريكي في الحرب على العراق الثانية بفرض الديمقراطية، هو مجرّد ادّعاء وهمي، لأن الديمقراطية لا تُفرَض بالعنف، خصوصا أن ما فُرض هو شبه اقتلاع لبلد، فتونس مثال رائع نبَع من أعماق البلد، ولم يُحدثه أيّ تدخّل أجنبي، وكما قال الرئيس السابق حسني مبارك: ‘ التدخل الخارجي ليس هو الذي خلق تجمّعات في ميدان التحرير’، هذه هي خصوصية الحركات العفوية، فهي رائعة وسلمية وأخوية، ومن أبهى اللحظات في التاريخ، لكن يجب أن يحين الوقت لكي تتنظّم. ما حدث في تونس ومصر أن القوى الديموقراطية المعارضة تمّ إبعادها وإضعافها وتخريبها، وعليها أن تبني نفسها. فالعفوية ستستمرّ لكن في مسار لإعادة البناء، وسيحدث أحيانا رجوع الى الوراء أو انحرافات، لكن ما حدث قد حدث، وعلينا أن نستشرف المستقبل. * سؤال أخير، هل تتعاملون مع الإنترنت، وما هي علاقتكم بهذه التكنولوجيا الجديدة؟ *أستعمل الأنترنت ليس فقط من أجل البريد الالكتروني، ولكن للحصول على المعلومة ومتابعة نشرات الأخبار، لكن الإنترنت متعدّدة الاستعمالات مثل اللغة، فبالإمكان استعمالها لكتابة الأشعار وبالمقابل يمكن أن أيضا أن تستعملها المافيات والمجرمون، وأهمّ استعمال لها هو دمقرَطة الثقافة، فبإمكاننا تحميل الموسيقى والنصوص الشعرية، لكن على ما يبدو أن للإنترنت قوة تحريرية رائعة تخدم بعض الحركات، مثلا في ايران والصين وتونس ومصر كانت وسيلة للتواصل، سمحت للشباب والجماهير بالتحرُّك فورا. وعندما ننظر لقضية ويكيليكس فهي مهمّة، حيث تمّ الكشف عن ملفات سرية في غاية الأهمية. فثمّة أشياء نكتشفها وأخرى تغيب عنّا، لكن الأهم أن ثمة حربا عالمية بين قوى تطمح للمعرفة وأنظمة ومصارف تفعل كل شيء لخنق كلّ شيء، وتتبنّى نفس الذرائع لحبس كل مبادرة. الآن الطابع التحريري للإنترنت أهمّ من هذه المظاهر السلبية، وأنت تعرف أن الحرية المطلقة، كما قال هيغل، تعادل الجريمة. فالحرّية الممكنة الآن هي حريّة المعرفة والمقاومة والتمرّد والصراع ضد الاستبداد.

عادل عبد المهدي: دولة الري المركزية.. النفط.. الاستبداد الشرقي


يقول ويتفوكلفي كتابه "الاستبداد الشرقي"المنشور في خمسينات القرن الماضي، حول مجتمعات اسيا ووادي الرافدين قديماً، ان الدولة التي تسيطر على المورد الاساس (المائية في حينها) وتديره منفردة تصبح دولة شخصانية، استبدادية بالضرورة..وكلما ابتعدت المدن والقرى عن مركز السلطة كلما تمتعت بحريات اوسع لا يتمتع بها من هو قريب من الحاكم وعسكره وشرطته وجواسيسه. والسبب ليس قبول الحاكم بهذه الحريات.. بل صعوبة قيامه باعمال القمع والسيطرة من الناحية المادية والعملية.. ويسمي ذلك بقانون "الاستبداد المتناقص"، دون ان يعني ذلك ان الحاكم لا يجرد الحملات بين وقت واخر للتأديب.. وان هذه المناطق ستعيش بالضرورة حريات حقيقية.. فالحكام المحليون قد يفوقون في عنفهم وبطشهم"المستبد الاعلى"، فيستنجد الناس بالسلطة المركزية لتخليصهم. او ان ينتفض الحكام المحليون ويسيروا جيوشهم للاستيلاء على مركز الدولة. لاشك ان اطروحة "الاستبداد الشرقي" فيها الكثير من مواضع النقاش والتعلم والاختلاف... فلا تخلو احياناً من نظرات عنصرية وتطرف ناقشناها في بحث مطول نشر عام 1979 بعنوان "الاستبداد الشرقي، دولة الغرب في الشرق".. لكن الكتاب يحتوي ايضاً على حقائق وتفسيرات.. ولعل اهمها انه اعتبر ان اعتماد بلاد الرافدين ومصر والهند والصين على نظم الري الهيدرولية استوجب قيام دول شديدة التمركز والتسلط، التي وان كانت قد ساعدت في فترات معينة على تنظيم الاقتصاد الزراعي والحرفي، لكنها حجزت لاحقاً امكانات التقدم عندما تطورت الظروف واستوجبت التحرر من النمطية الاحادية للانتاج وسيطرة الدولة عليها، فانحبست الامور ولم تستطع ملاحقة المستجدات وبقيت جامدة، سلبية، عصية على التطورات الاقتصادية والديمقراطية. عمل "ويتفوكل" الاكاديمي يؤكد، مثل غيره، علىدور العامل الاقتصادي في تكوين البنى السياسية..والعراق مثال لتاثير النفط كمصدر احادي للاقتصاد (كالري قديماً) وتأثيراتهالتاريخيةفي تنامي اجهزة الامن والقمع وعسكرة المجتمع والدولة واحتكارهالشؤون الحياة، حاجزة مجالات الاصلاح والتطور الاقتصادي والسياسي.. فاذا صح ذلك من حيث تأثير الاقتصاد على السياسة، فهل يمكننا الاستنتاج ايضاً، ان الطوائف والقوميات تلعب اليوم ما كانت تلعبه "المناطق البعيدة" التي تسعى للخروج من سيطرة المركز والاحتجاج عليه، خصوصاً عندما يسعى المركز للاستئثار وانكار الحقوق؟

عادل عبد المهدي: ازمة ثقة باشخاص، بقوى، ام بنظام؟


تجتمع قوى "نزع الثقة" مرة اخرى.. وتؤكد الاستمرار بحشد قواها.. ويستمر "رافضو النزع" حملتهم ويعلنون فشل المحاولة معززين قناعاتهم بالبيان الصادر من رئيس الجمهورية.. ولم يوقع المجلس الاعلى والاصلاح والفضيلة والتغيير واخرون لكنهم ايدوا –بتفاوت- مطالب اربيل والنجف الاخرى، واستمرت اجتماعاتهم بالاطراف المختلفة، ونأوا بانفسهم عن كيل الاتهامات وشن الحملات، فاشاد البعض بحصافة سلوكهم.. ووصفه اخرون بحبل النجاة والتذبذب. وتطورات موقفهم حاسمة للتوازنات عدداً ونوعاً.. والتاريخ سيحكم. يمكن التوقف عند سحب الثقة من حيث توقيته والياته وجدية وجدوى مآلته.. لكنه من المعيب الطعن بديمقراطيته واتهام القائمين به بالتآمر والخيانة واثارات اخرى.. فرئيس الوزراء لم يات على ظهر دبابة، بل جاء بانتخابات، وساهم بمنحه الثقة من يريد نزعها عنه اليوم.. فاذا كان الصوت نافذاً وسليماً ووطنياً في التأييد، فلماذا يكون مخرباً ومزوراً ومتآمراً، في الاعتراض.. فرئيس الوزراء رحب ببيان رئيس الجمهورية للاجتماع الوطني.. الذي يجري –كما يشير اسمه- بين قوى وطنية وشريكة، حتى وان اختلفت فيما بينها. وبعيداً عن محاكمة النوايا وتشخيص المصالح، فالسعي لنزع الثقة ممارسة ديمقراطية.. ودليلها جمع التواقيع، نجحت او فشلت، رغم ان "الخطوة ليست الزامية لرئيس الجمهورية"، كما يؤكد بيانه الاخير الذي يختمه بضرورة الاجتماع الوطني "سواء تم سحب الثقة او فشل". فالامر يحسمه البرلمان، لرئيس الوزراء او عليه.. الذي يمكن تحت قبته تبيان سياسته واستمرار تمتعه بثقة الاغلبية من عدمها.. او الطلب مع رئيس الجمهورية حله، فان وافق مجلس النواب فالذهاب لانتخابات مبكرة.. او معايشة الازمة وممارسة الضغوط والضغوط المضادة، التي قد تتمكن –رغم اثارها السلبية- من منع الانهيار الكامل، ان بقيت في اطار الاجراءات الدستورية والقانونية، ولم تنزلق اكثر في الممارسات المتشنجة والمستهجنة واللاديمقراطية المتزايدة –للاسف- اليوم. الازمة –بسلبياتها- معلِم ديمقراطي ان احترمت القواعد الاساسية للممارسة.. فان فرط العقد، وانتقلت العملية ليضع كل طرف قواعده الخاصة.. ليفرضها على مخالفيه والبلاد، فهذا طريق المتاهات.. وفتح الملفات والملفات المضادة.. والاتهامات والاسرار الكاذبة والحقيقية التي تنام لسنوات لتفتح بحق او باطل، او تفبرك، عند الخلاف.. واستخدام الاموال وشراء الذمم.. وانقسامات متزايدة على الارض وبين القوى العراقية والاقليمية، واحتمالات التصادم.. وفرض الامر الواقع. عندها وداعاً للديمقراطية الهشة اصلاً، ولو الى حين.