الأربعاء، 3 أغسطس 2011

أمين معلوف: فرحت فرحاً كبيراً لأنني عشت كفاية لأرى هذا الربيع العربي الملحمي

مجلة "لوبوان" الفرنسية اجرت حواراً مطولاً مع امين معلوف وحادثته في انتخابه في الاكاديمية ومستقبل الفرنكوفونية وفي الثورات العربية والربيع العربي والمواءمة بين الاسلام والديموقراطية وحول مستقبل لبنان.
يقول أمين معلوف ان العام 2011 يعني الاثارة والجلجلة وبأن انتخابه بالاكاديمية
يشكل رمزاً بالغ الأهمية بالنسبة للبنان ويرسم الخطوط العريضة لمسؤولياته المستقبلية كروائي في مواجهة العالم العملاق ناسباً مفهوم الخلود الى عالم الطرائف معتبرا للفرنكفونية دوراً مهما في المعركة العالمية للتنوع في اللغات ومعتبراً الربيع العربية حدثا كبيرا ويقاس على مستوى العالم العربي والانسانية ككل، متخوفاً في الوقت نفسه على لبنان بلد الحريات والديموقراطية من عدم التكيف مع الوقائع الجديدة في المنطقة.
هنا ابرز مقاطع الحوار
الترجمة والتقديم: يقظان التقي
["لوبوان": ماذا تمثل الأكاديمية الفرنسية لكاتب اللبناني، اكتشف الأدب من خلال اللغة العربية والذي يصرح بأنه يحب النقاشات والمراجعات بالانكليزية مع المقربين منه؟
ـ معلوف: مثل كثير من اللبنانيين، كان عندي في الطفولة 3 لغات العربية والفرنسية والانكليزية، العربية اللغة التي اتكلم فيها في المنزل مع أهلي واستمررت بالتكلم بها مع أولادي كي لا ينسوها. الانكليزية هي لغة العائلة والأهل. حين نزلت جدتي لأمي من القرية للاقامة في بيروت في الثلاثينات، كان هدفها الأول اعطاء اولادها الستة فرصة التعلم في الجامعة الأميركية. هي نفسها درست في مدرسة الارساليات البروتستانيتة الانكلو ساكسونية. في مكتبة والدي غالبية الكتب باللغة الانكليزية وبتلك اللغة قرأت "دونكيشوت" و"الاخوة كارامازوف". الفرنسية جاءت عن طريقة والدتي، اخوتي تلقوا دروسهم بالفرنسية عند الآباء اليسوعيين في مصر ونهجت المسار نفسه من دون الغاء تأثير المدرسة البروتستانتية واللغة الانكليزية. وفي المنهاج الدراسي احتلت الفرنسية المرتبة الرئيسة كلغة ثقافية من دون صخب اللغات الأخرى.
لبنان
[ كيف تعيش هذا الانتخاب وكيف استقبل لبنان ذلك وما المعنى الذي ينطوي عليه الحدث، وما هو معناه العميق بالنسبة اليك وبالنسبة الى لبنان وما هي هذه المرحلة في مسيرتك؟
ـ منذ سنوات عدة وعندما قررت تكريس حياتي للكتابة اتخذت قرارا بالعيش في عزلة، وأنا لن أجري تغييرا في الأمور الاساسية. اعتدت الانعزال خلال اربعة او خمسة أشهر سنوياً للكتابة. ولكن هنا، وبسبب المسؤولية المعنوية التي تربطني بالأكاديمية الفرنسية لا اعتقد انني سأتمكن من الابتعاد لأكثر من شهرين وثلاثة أشهر على التوالي. من الضروري ان يعرف المرء كيف يعيش الأحداث وان يقفل الأبواب احيانا ويعود الى ما هو اساسي اي الكتابة.
بالنسبة للانتخاب والى شخص قرر تكريس حياته للكتابة ينطوي الحدث على معنى قوي وعميق وبمثابة خطوة قوية موجهة الى لبنان وردة الفعل في بلدي كانت الفخر والحماس وهذا اعتراف لا يقتصر على شخص، انما يشمل تقليداً أدبياً طويلاً واعترافاً بسلسلة اشخاص لربما حققوا نجاحات كانت اقل حجماً مما سيحققون، اذ بقيت اعمالهم مجهولة احياناً، الا ان كلاً منهم ساهم في بناء تقليد ادبي لبناني استخدم اللغة الفرنسية للتعبير، ومن بين المهمات التي اضعها على عاتقي بناء تقليد ادبي لبناني والمساهمة في التعريف بصورة افضل بالأدب اللبناني، أكان باللغة الفرنسية أو العربية.
صحيح الأكاديمية تشعرك بـ"برستيج" كبير ولكن الأمور تذهب الى اشياء أخرى وبرسائل عديدة من مثل اننا نمر في مرحلة مظلمة جداً، ودعني اقول غامضة.
وهذه المرحلة الجديدة تأتي بمثل شعاع من ضوء ويجب ان اشرح بكلمات قليلة قلق اللبناني في هذا الصيف، فسوريا البلد الجار للبنان تعيش أزمة كبيرة وتفاقمت خلال الأشهر الماضية وعلينا ان لا نستبعد انعكاسات بما يجري في سوريا على لبنان حيث الناس في لبنان منقسمة عمودياً، بين من يتمنى سقوط النظام في سوريا وسقوط نظام الرئيس بشار الاسد شخصيا وبين من يشكك ويجهر بعلاقته مع النظام ويخشى من نتائج محتملة لهذا الانقلاب.
..وستراوس
[ تشغلون موقع كلود ليفي ـ ستراوس. ما هي ابعاد العمل الذي وضعه والذي يؤثر فيك بشكل خاص.
ـ بقدر كبير من العفوية، افكر في دراسة المجتمعات التي تعتبر بدائية وقد كرس لها ليفي ستراوس وقته وهو أثر بي كثيراً وبدأت بدراسته في الجامعة في دراستي السوسيولوجية والانتروبولوجية وله دراسات عديدة شغلت البرنامج الدراسي.
قد لا انتمي الى عائلة ستراوس لكن اعتقد انني انتمي الى تياره الفكري والأمور التي يؤكدها قريبة من قناعاتي وأنا مجرد روائي في مواجهة هذا العالم الكبير. ستروس يشدد على نقاط التشابه بين حضارات تبدو شديدة التباعد ظاهريا وساهم في اخراج الغربيين من عقلية الاعتداد بالعرق وكتب صفحات جميلة جداً عمد فيها العالم الغربي الى تدمير الحضارات البدائية قبل ان يصرخ: "انظروا الى مدى الخراب الذي تعيش به هذه الشعوب".
..والفرنكوفونية
[ بشكل عام كيف ترى مستقبل الفرنكوفونية وهل ستتمكن من الإيفاء بالتزامك بتشجيع الحوار بين الشعوب والعوالم والحضارات ومن أداء دورك كجسر عبور في الشرق والغرب؟
- أفكر في مستقبل اللغة الفرنسية ولكن ليس على النحو الذي نتخيله. وخلال عدة عقود حاولت ترجمة رؤيتي بالصورة التعبيرية التالية: "الفرنسية ليست الأضعف بين الذئاب ولكن الأقوى بين الحملان". سأشرح ذلك إذا اعتقدنا أن الفرنسية يمكن أن تدخل بمواجهة مع منافستها الإنكليزية على مستوى العالم ككل لن تربح الفرنسية المعركة. ولكن إذا نظرنا الى الفرنسية وبالتأكيد الفرنكوفونية كأدب فرنسي يستخدم تعابير مختلفة لغوية في البلدان كافة ويهدف الى إنشاء روابط بين هذه اللغات والتعابير المختلفة بدلاً من اللجوء الى التفرقة والتمييز، يمكن حينها أن تربح الفرنسية المعركة(..).
.. والربيع العربي
[ انتخابك ترافق مع "الربيع العربي" ما هو تحليلك للانقلابات التي تجري؟
- أتابع هذه الأحداث منذ الأيام الأولى لاندلاعها كنوع من الأزمات غير المتوقعة، وأفكر في الاضطرابات التي تجري، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالعالم الأوسع نطاقاً يختبر تبدلاً في الأجواء السائدة. أمور كثيرة تحصل وجديدة، وتعاد غربلة الأوراق، والناس تشعر بالحاجة الى التطور والتقدم نحو اتفاق جديد على الصعيدين السياسي والاستراتيجي. وتشهد العلاقات بين العالم العربي والغرب تبدلاً مهماً، وسيكون للجانب الحضاري وقع كبير على التبدلات الحاصلة، الأمر الذي يحصل في العالم العربي كما لو أن شقيقك في "كوما" منذ وقت بعيد وكل الأطباء صرحوا بأنه لن يخرج منها، وفجأة ينهض ويبدأ بالكلام والصراخ. أنا فرح جداً بأني عشت كفاية لأرى هذا الربيع. أنا قصصت منذ بداية هذا العام الكلام الرائع لـ"Holderlin" من القيامة من تحت الرماد. وهذا يصح في التحليل السياسي، والشعب العربي المحروم مسلوب الحرية ومسلوب الكرامة ومحروم ومسلوب من المستقبل. لقد وجد هذا الشعب أخيراً أن لا شيء بعد يخسره(...) خلال العقد الأول من هذا القرن ترجم الحراك العربي عبر التفجيرات الانتحارية القاتلة وهذا يعود الى رجعيات إيديولوجية سلفية متخلّفة، لكن بسرعة ظهرت طريقة أخرى في الحراك أكثر تمدناً وحضارة وأكثر فاعلية. طريقة الرهبان البوذيين أن تواجه النار وأن تفتح صدرك للرصاص والشهادة والتضحية طريق لاختراق الفراغ والجمود الحاصل منذ عقود من السنين باتجاه الحريات والحضارة. هذا حدث كبير ولا نعرف الى الآن أن نقيس كل مضامينه وإشكالياته على مستوى العالم العربي وعلى مستوى الإنسانية ككل ومن الصعب التورط مسبقاً في كل ذلك.
الإسلام والديموقراطية
[ هل تشك بمدى المواءمة بين الإسلام والديموقراطية؟
- للإجابة عن هذا السؤال سأقسم إجابتي الى جزءين اثنين. هل أعتقد بمدى مواءمة الإسلام للديموقراطية، جوابي نعم وأستطيع أن أقدم سلسلة من الحجج والمقاربات التي تؤكد على ذلك، ممكن للإسلام أن يتوافق مع الديموقراطية وحتى مع العلمانية ولكن السؤال الأهم المطروح اليوم هو معرفة ما إذا كانت الشعوب العربية في صلب احتجاجاتها لديها تعريف واضح حول موقع الإسلام في الحياة الاجتماعية وفي حياتها السياسية وفي تعريفها المعاصر لمصطلح الشعب ليس بالمعنى الضيق للكلمة، بل بالمعنى الأوسع لمفهوم المواطنة في القوانين والدساتير الحداثية. وأنا مضطر للقول في هذه اللحظة أني لا أرى ذلك بوضوح. بالتأكيد يلعب الدين دوراً فاعلاً في الحراك الشعبي ونرى أن الأحداث تتركز الجمعة في المساجد ومنها تكون انطلاقة الحركات الاحتجاجية. نقاش كبير يدور حالياً حول هذه الأسئلة. أتمنى أن يستمر مسار هذه الثورات وأن يقود الشعوب العربية نحو الحداثة السياسية والاجتماعية وبدون عنف ومن الصعوبة الآن الحسم بذلك.
اللاربيع
[ بالتأكيد لديكم شخصياً حساسية تجاه "اللاربيع" السوري؟
- أنا معجب بشجاعة المتظاهرين في كل البلدان العربية وفي سوريا أكثر من غيرها. والتاريخ يقول لنا إن هذه السنة 2011 هي ملحمة مليئة بالإثارة والجلجلة. ولكن علينا أن ننتظر بضع سنوات ونراقب تلك الحركات ومساراتها اليومية الديموقراطية لكي تأخذ طريقها نحو الحداثة وبكل الوعي المنجز.
[ وكيف سيتأثر مستقبل لبنان نتيجة "الربيع العربي"؟
- هذا السؤال يشغلني. لبنان ومنذ فترة بعيدة وطويلة كان البلد العربي الأكثر ديموقراطية وفي مقدمة البلدان العربية والشرق أوسطية على مستوى الحداثة السياسية والاجتماعية. ولكن النظام السياسي اللبناني الحالي تقليدي وقديم، ودرجة التماسك الشعبي ضعيفة وأنا قلق على بلدي ألا يعرف أن يتكيّف مع الوقائع والمعطيات الجديدة، وأعترف أني أراقب الأمور من بعد وبحذر وخشية عميقين.
[ ألا تعتقد أن ما يجري في الربيع العربي يهدف للعودة الى شروط "الهويات الصغيرة" أو "الهويات القاتلة" وألا تخشى من ظهور ديكتاتوريات جديدة؟
- لا نستطيع أن نستبعد ذلك. ما يحصل في العام 2011 هو تأكيد قوي على خروج الشعوب العربية وتعبيراتها الجديدة ورغبتها بالحرية والكرامة. على هذا الصعيد لا عودة الى الوراء. ولكن جواً جديداً يأتي ويسود المنطقة ويفتح على معطيات جديدة ويجب أن نضع في سلم الاهتمامات متابعة هذه الحركات الاحتجاجية والمناخات الجديدة بتفعيل عمل المؤسسات الديموقراطية والإصلاحات الاقتصادية والتنمية البشرية وتعزيز روح المواطنة وهذا يتطلب سنوات وربما عقوداً من السنين للوصول الى الحداثة الى الأفضل وليس الى الأسوأ.

أمين معلوف في الأكاديمية الفرنسية

أمين معلوف

اختيرالكاتب اللبناني أمين معلوف صاحب الروايات التاريخية المتعددة عضواً في الأكاديمية الفرنسية خلفاً لكلود ليفي ستراوس عالم الأجناس الشهير. ويعد معلوف العربي الثاني الذي يدخل الى هذه المؤسسة الفرنسية العريقة المرموقة بعد الكاتبة والروائية الجزائرية آسيا جبار. وأكاديمية اللغة الفرنسية أو الأكاديمية الفرنسية أو مجمع الخالدين هي مؤسسة أنشئت عام 1635 وهي أقدم المؤسسات في فرنسا وأكثرها احتراماً.
ثم تأسست بمرسوم ملكي من قبل الملك لويس الثالث عشر باقتراح رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك الكاردينال ريشيليو ومهمة الأكاديمية هي الحفاظ على اللغة الفرنسية.
وقد سبق لأمين معلوف ان نال عدة جوائز أدبية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته "ليون الافريقي" وجائزة الغونكور، كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية عام 1993 عن روايته "صخرة طانيوس"
أمين معلوف اعتبرته الصحافة الفرنسية الحدث "لبنان في الأكاديمية"، حمله الى سجل فولتير وهوغو ونخبة المخلدين وتجاوز الرفاق من سحرة الفرنسية: جورج شحادة وناديا تويني وصلاح ستيتية واندريه شديد، كما تجاوز سحرتها العرب: جورج حنين والطاهر بن جلون وروبير سوليه وبلغ مقعد كلود ليفي ستراوس في كاتدرائية ريشيليو.
هذا ويعتبر أمين معلوف اليوم واحداً من أهم الكتاب المميزين الذين يؤلفون بشكل رائع وناضج في الرواية والأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمعلومة المفيدة وان كان مأخوذاً أكثر بالمادة التاريخية. وتسجل مؤلفاته ارقاما عالية في التوزيع والانتشار واثارة المناقشات والآراء المتعددة.


ولد أمين معلوف في بيروت في 25 شباط/ فبراير عام 1949 والده الصحافي رشدي معلوف،ووالدته من آل غصن وهي لبنانية/ مصرية. انتقل العام 1973 الى فرنسا هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية وأقام فيها مراسلاً لعدد من الصحف الصادرة في فرنسا وغطى أحداث حرب فييتنام والثورة الإسلامية في إيران ومراسلاً لجريدة "النهار" و"النهار العربي والدولي". ليترأس فيما بعد تحرير مجلة "إفريقيا الفتاة" أو "جون أفريك".
أصدر العديد من الروايات منها: "الحروب الصليبية كما رأها العرب" (1983)، "ليون الإفريقي" (1986)، "سمرقند" (1986)، "صخرة طانيوس" (1993)، "موانئ الشرق" (1996) وغيرها من الروايات والمقالات السياسية والمسرحيات الشعرية. نال العام 1993 جائزة غونكور عن روايته "صخرة طانيوس" والعام 2010 على جائزة أمير أستوريس، وعرف أكثر بكتبه الفكرية مثل "الهويات القاتلة" (1989) و"اختلال العالم" (2009). لكن شهرته بدأت مع روايته الأولى "ليون الإفريقي" (1986).