السبت، 16 يونيو، 2012

غاب روجيه غارودي وهو يبحث عن توحيد المتناقضات

احمد زين الدين يُعدّ الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، الذي رحل أمس عن عمر ناهز الثمانية والتسعين عاماً، اكثر المفكرين الفرنسيين شعبية بين العرب والمسلمين، بسبب تحوّله الصاخب من الماركسية الى الإسلام، وكان قدّم نفسه باكراً الى الصفوة العربية، عندما زار مصر ايام عبد الناصر، مفكراً ذا نظرة شمولية، وبُعد إنساني. جاء إلى القاهرة حاملاً التوراة بيد، وكتاب رأس المال باليد الأخرى، كما باح إلى أحد الصحافيين العرب. كان غارودي ماركسياً يختلف عن سائر الماركسيين ببطانته الدينية. يحلم بما يجمع الديانة الإبراهيمية إلى البروميثيوسية (اليونانية). ويتمنى أن يُدفن بلا عازل يعزله عن الأرض، مرتدياً معطف الكون الذي نسجته له الحياة. وما تعلمه من الأديان جميعاً، هو القبول بكلام الله بلا قيد أو شرط. انتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وكان نائباً عنه، وعضواً في مكتبه السياسي، محتفظاً بروحانية مسيحية، ومتشبّعاً بروحانية الهند والتقاليد الإفريقية الحيوية، والإرث الإسلامي العربي الحضاري. نزعته إلى توحيد المتناقضات غدت علامة على طريقة مقاربته المسائل. وتحوّلت هذه النزعة إلى بحث عن المعنى أو القصدية الواعية التي يترجمها البُعد الإلهي في ضمير الإنسان وعمله. ذلك البُعد المفقود في الماركسية، كما في العالم الغربي الذي استبعد المتعالي. غير أنّ التوجه إلى الله لم يقتض منه إدارة الظهر إلى العالم. والأمل الأخروي لم يُنقص لديه من أهمية المهمات الدنيوية، وإنّما يزوّدها ببواعث جديدة. وكان لكيركغارد في كتابه «الخوف والارتعاد» الفضل في اكتشاف غارودي الأهمية القصوى للقيم المطلقة. وإله غارودي، مثل إله كيركغارد غير بعيد عن قلب المؤمن، وعن يده الفاعلة في تغيير العالم وتطويره. نقد الستالينية أوصله الحوار الشخصي مع تيارات لاهوتية إلى أنّ الإنسان يكون دائماً شيئاُ آخر، غير جملة الشروط التي ولّدته. وهو يحكم ويعمل في الحاضر انطلاقاً من المستقبل، من النداء المتجدد، من الغاية الشمولية التي تتجاوز حياته وتمنحها معنى. وفي محادثاته مع الشيخ الإبراهيمي، إبان نفيه إلى الجزائر في الحرب الكونية الثانية، تولّد لديه أفق جديدة أضحى ركناً أساسياً، ومنعطفاً في تجربته، يتلخّص في العمل كتعبير خارجي عن الإيمان المتجذّر الأبدي في التاريخ. بعد سنوات طوال، أفضت مراجعته لنفسه عن اعتراف صريح بأخطائه وقصوره، ورغبته أحياناً في التكفير عن «ذنوب» فكرية وتبكيت الضمير، على رغم محاولته الإيحاء في سيرته بأنّ تحوّلاته الفكرية لم تكن انقلاباً مباغتاً أو طفرة، أو تجارب متقلّبة، بل حصيلة مراجعة ذاتية دائمة، وخاتمة تطوّر حتمي. أقرّ غارودي، في سيرته «جولتي في العصر متوحّداً»، بأنه ساهم كمنظّر للماركسية في نشر الفكر الدوغمائي الستاليني. وكان يسمي نص ستالين «المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية» «كتاب الصلوات الدوغمائية» بيد أنه يرى نسباً عميقاً يربط الستالينية بالديكارتية وكل المناهج الوضعية الغربية. وتتماثل لديه عقيدة ستالين التي تجعل قوانين الديالكتيك مطلقة، بفلسفة ديكارت الذي يحوّل قوانين الميكانيكا إلى قوانين مطلقة أيضاً. والاثنان يعبران في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين عن المنطق الاستبدادي نفسه للسيطرة على الطبيعة والناس. وكلا النظريتين تختزل المنهج إلى مخططات بسيطة تتحول إلى عقائد متحجّرة. ويندم غارودي على كتابة أطروحته «النظرية المادية في المعرفة»، ويصفها بأنّها «الأطروحة التعيسة» وأسوأ كتبه. وقد تُرجم الكتاب إلى العربية في وقت مبكر (1970). واحتفى به ماركسيو العرب وقتذاك، وعدّوه واحداً من مصادر الاشتراكية «العلمية». في حين أنّ المؤلف خجل من إعادة طبعه، على رغم نفاده بعد عام، معتبراً إياه «تركيباً متقناً» لما كُتب في فلسفة العلوم في الاتحاد السوفياتي، ولدى مفكري مختلف الأحزاب الشيوعية في العالم. نحو الإسلام ويعترف غارودي بتأثير أستاذه غاستون باشلار عليه، وإسهامه العميق في تحوّله الفكري، وعدوله عن «النظرية المادية في المعرفة» بعدما ألمّ بنظرية باشلار التي تعزو إلى التخيّل دوراً مركزياً في المعرفة. إلى المراجعة الذاتية، عاش خيبات وطنية ودولية، خصوصاً عقب الحرب العالمية. مثل خدعة الجماعية، وحلم المصالحة الوطنية، والتدابير العفنة من أجل ترميم الماضي، وصراع ديغول والشيوعيين، وتحوّل أميركا في نظر الفرنسيين إلى البديل الذي يحميهم من الشيوعيين أبناء وطنهم. في تجربته كنائب في الجمعية التأسيسية، تبين له أنّ الجهاز الانتخابي والبرلمان لا يندمجان بحياة الشعب الواقعية، ولا يخدمان إلا واجهة كاذبة تحجب مراكز القرار الحقيقية. ولاحظ من موقعه التنظيمي، وزياراته المتكررة للاتحاد السوفياتي أنّ النظام الشيوعي يجمع أشّد المفارقات: الدناءات إلى العظمة، والجهد لمحو خرائب الحرب، إلى التخلّف المزمن منذ قرون. وحيال تفاقم النزعة السيبيرنتيقية في كل حقول العمل والمعرفة الغربية، رأى أنّ الدماغ الإنساني ليس آلة حاسبة، بل إن خاصيته النوعية، هي طرح سؤال الغايات النهائية والمعنى. أخيراً كان الإسلام ملاذه، وكان أول احتكاك به في جزائر الحرب العالمية، عندما رفضت فرقة من الجيش الفرنسي أن تطلق النار على المعتقلين، وتبيّن لغارودي، أحد الناجين آنذاك، أنّ هذه الفرقة هي من المسلمين «العباديين» الذين لا يسمح لهم شرفهم كمحاربين بأن يطلقوا النار على غير المسلّح. هذه الحادثة دفعته إلى أن يعيش ما يدعوه تجربة التعالي، على رغم شيوعيته. دفعته إسلاميته هذه بعد مخاضات فكرية، إلى تأمّلٍ في القرآن ومعانيه المتجددة. وبعد أن أشهر روجيه إسلامه، أضحت مقارباته عصية على التأطير، فمساره الفكري يشبه مختبراً لصهر ثقافات متعددة، تستدمج عناصر متنافرة. وقد بدأت هذه التعقيدات غداة انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي العشرين، في الاتحاد السوفياتي، عندما استيقظ روجيه من (سباته) العقائدي، بحسب قوله، فأجرى دون كللٍ، نقداً ذاتياً لعقيدته الوثوقية السابقة، بعد أن اجتاز «منعطف الأحلام» باحثاً عن اليقين، والإيمان بعينين مفتوحتين. من هنا كانت قراءته المعدّلة للماركسية التي هيمنت على تفكيره، منتقداً في «ماركسية القرن العشرين « 1996، جذور الدوغمائية الستالينية، والمادية الاقتصادية المبتذلة، والجبرية الميكانيكية، والمواقف العدمية من الفرد وطاقاته الذاتية، والتصلّب الفلسفي، والحزبية العقلية، والتقنين المدرسي لمبادئ الديالكتيك، والعزلة الذاتية عن الأفكار المخالفة. نقّب غارودي في دأبٍ، عن سبل التوفيق أو التقريب بين الماركسية واتجاهات العصر، وإثرائها بالتقاليد والمكتسبات الإنسانية الإغريقية الرومانية، والإيمانية التوحيدية، والجمالية الإفريقية. وحضّ على التعددية المتجددة بالحوار، بدلا من مفهوم الحقيقة الأحادي، وعلى تقديم الممكن على المعطى، ودعا إلى التجاوز الخلاّق بدلا من النظام. وإعادة تسليط الضوء على اللحظة «الفعّالة» في نظرية المعرفة، عوضا عن اللحظة «التأملية». ماركسية مفتوحة أخذ على جان بول سارتر خلطه بين الماركسية والانحراف الستاليني، وأكد صعوبة التكامل بين الفكر المادي الديالكتيكي والوجودية، لمفهومها اللازمني عن الحرية، وصورتها الأخلاقية، وإعاقة «الكوجيتو» الفردي المنعزل عن الاتصال بالآخرين، ونشدانها المسؤولية، دون تحديد أي من الأهداف المادية الملموسة، أو النهايات التاريخية لتطبيقها، ومع ذلك أقرّ بجدارة الوجودية، في تثبيت البُعد الذاتي (رغم شططه)، وقلق الاختيار الإنساني. وأيّد غارودي انتقاد هربرت ماركوز الوضعية التي تخدم نزعات المحافظة، وتحصر الإنسان في حدوده المعطاة، وتبقيه في النظام السائد، وتقيده بالأعراف المستقرة. في حين أن الماركسية (الطامح إليها) تقيم علاقة جدلية بين الممكن والواقع لاكتشاف طرائق الفعالية التاريخية الحقيقية. وعبر مراجعته هذه، لم يتنكر غارودي (لماركسيته)، وعمل على إضفاء «المشروعية» على تصوّراته واجتهاداته «الخاصة». وحيث قوبلت هذه المشروعية بحذر شديد، من الماركسيين المتصلّبين، بادئ الأمر، فإنّ انفتاحه على الدين أثار حفيظتهم. وهو أعاد تفسير (أو تصحيح) مقولة ماركس الشهيرة «الدين أفيون الشعوب»، كاشفاً عن (القاع الإنساني) للدين، لافتاً إلى إسهامات المسيحية الحضارية، موازياً بين الاشتراكية ومراحل المسيحية الأولى. هذا الموقف (الديني) قطع جسوره الواهية مع الماركسيين الذين اتهموه بالانحراف عن التعاليم الماركسية، والابتعاد عن المواقع الطبقية، وتمويه الفارق بين المادية الإلحادية والمثالية الدينية، لصالح بورجوازية إصلاحية وتفسير (إنساني) زائف. إنّ تصوّراً إنسانياً ذا نزعة أخلاقية منفتحة، ومنهجاُ مرنا، يدعو إلى تواصل داخلي خصب بين المستويات الثقافية المتباينة، في المجتمع الغربي، وتواصل خارجي بين حضارات أوروبية ومشرقية، أو أفريقية، لم يلقَ آذاناً مصغية من ماركسية وثوقية متشددة، أمينة على «نقاء» العقيدة، وعدم المسّ بها، ما اضطر غارودي إلى إعادة النظر في انطلاقته الماركسية (أو ما تبقى منها). تحرر غارودي في كتابه «وعود الإسلام» من عواقب النزعة الاستشراقية، السائدة حينذاك، بيد أن تصوره عن الدين الإسلامي دار في فضاء ميتافيزيقي لاهوتي، ولم يقتف الآثار الملموسة لمساره التاريخي، وهو ما كان يأخذه على الآخرين، فجاء إسلاماً فوق المذاهب، «مصفى» متناسقاً، منسجماً في عناصره وبنيته، إسلاماً متصوراً بدلا من الإسلام الواقعي الحي، المتلجلج بين تناقضات الملل والمذاهب، وصراعاتها الدموية على السلطة والحكم. أحمد زين الدين