الخميس، 5 نوفمبر، 2009

القدس مساحة حرية

ناصيف قزي - ملتقى الدفاع عن القدس

السلام عليكم أيها المقدسيّون بالإيمان... والإرادة... والعزيمة... والحقّ.
السلام عليكم يا من قُلْتُم "آمنّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ الى ابراهيمَ واسماعيلَ واسحقَ ويعقوبَ والأسباطِ وما أوُتِىَ موسى وعيسى وما أوتِىَ النبيٌّونَ من ربِّهم لا نفرِّق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون" [ القرأن الكريم، سورة البقرة، 3 / 135 ].
السلام عليكم يا من بإرادتكم والحجارة، تعَمْلَقْتُمْ على المستكبرين الظالمين... فكان لكم في الأرض وقْعٌ عظيمٌ، أين منه قرقَعة القرارت الدوليَّة والإتفاقيَّات... التي، وإن لم تأت لصالح إسرائيل، بقِيَتْ حبراً على ورق...!؟
السلام عليكم يا من بعزيمتكم وبسواعدكم أسقَطْتُم أسطورة "الجيش الذي لا يُقْهَر"... وما زلتم تُسقِطون كلَّ يومٍ حقَّ القوة بقوة الحقّ... والظلم بالصمود والثبات... في وجه كيانٍ أحاديّ النزعة... إلغائيٍّ... مخادع...
هي القدس تجمعنا... كما في البَدء إلهُ إبراهيم... وسائر النبيّين...
هي القدس... أورشليم... مدينة السلام... تجْمعُنا... فلماذا يُمعِنون في تشويه حضارة السلام التي تَحْمِلُ اسم ما يدّعون أنَّها مدينتهم... وأي سلامٍ هو سلامهم...!؟
*
القدس لنا... مهبط الروح... ليتكَشَّف "أنَّ الحوار المثاليَّ بين لبنان وفلسطين يبدِّد آلهة فينيقيا وكنعان كالضباب أمام وجه إله القدس، كما أنَّ وجه الإله نفسه بدَّد غياهب الجاهليَّة في بلاد العرب وأسرى بعبده والإسلام الى بيت المقدس" [يواكيم مبارك، المجلة الكهنوتيَّة، العدد الثاني، 1986، ص. 63].
كلُّنا مقدسيّون بالإيمان... والهيكل في ثقافتنا، نحن المسيحيّين، هو الإنسان. أجل الإنسان... الذي يتقاطَعُ عنده اللاهوت والناسوت، فتتَّحد الأرض والسماء...
القدس قِبْلتُنا جميعاً... هي بيت المهد والأقصى وقُبَّة الصخرة...
هي قِبْلتُنا... وكلُّنا إخوة... أوليس "الناس صنفين: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق"...!؟ [الإمام علي ابن أبي طالب، نهج البلاغة].
*
هي أورشليم السماويَّة، الحرَّة، تلك التي ننتَمي اليها معاً، والتي لا "توافق أورشليم اليوم، لأنَّها وأولادها في العبوديَّة"، على ما جاء على لسان بولس الرسول [أعمال الرسل، غلاطية، 4/ 25- 26]. فنحن "مولودون على حَسَبِ الروح" ومضطَهَدون من أولئك "المولودين على حَسَبِ الجسد" [المرجع نفسه، 4 / 29].
وبعد، لن أتحدَّث اليكم عن ميشال شيحا وكتابه "فلسطين" (بالفرنسيَّة)...
لن أتحدَّث عن أنطون سعادَة و"الإسلام في رسالتيه"... ولا عن شارل مالك و"تقريره" في الأمم المتحدة عام 1949... التقرير الذي حذَّر فيه العرب من العداء الأميركي لهم ولقضيَّتهم لصالح إسرائيل.
لن أتحدث عن كمال يوسف الحاج وكتابه "حول فلسفة الصهيونيَّة" عام 1967، الذي أعلن فيه أن الصهيونيَّة هي "بمثابة خطيئة البشر الأصليَّة" [ص. 9-14]، مؤكداً أنَّ "فلسطين (هي) ضمير العالم"، وأنَّ "النصلاميَّة** هي السبيل" لإستعادتها... وقد استَنَد في ذلك الى كتاب والده يوسف الحاج الصادر عام 1936 بعنوان "هيكل سليمان أو الوطن القومي لليهود".
واسمحوا لي، أيها الإخوة والأخوات، أن استرجع أمامكم بعضاً ممّا كتبه الخوري يواكيم مبارك عام 1981 بعنوان " القدس مساحة حريَّة"، وما كتبه نقولا زيادة بعنوان " الأقصى وأنا":
- لقد طالب العلامة الخوري يواكيم مبارك عام 1981 بأن تكون القدس "مساحة حريَّة لكلِّ إنسانٍ"، و"مقراً إدارياً، في مجال الحلّ السياسي، لدوائر دولتي فلسطين وإسرائيل"... كما دعا لأن تكون مدينة السلام "مقراً دائماً لكلِّ المنظمات الإنسانيَّة الدوليَّة، ومن بينها الصليب الأحمر ومنظمة العفو الدوليّين"، لعلَّها تكون "باب المصالحة بين البشر". ليَخْلُصَ الى "اعتبارِ بيروتَ، التي تحتضن سبع عشرة طائفة، أنموذجاً لما يجب أن تكون عليه القدس" [جريدة لوموند الفرنسيَّة 9. 11. 1981].
- أما نقولا زيادة المؤرخ الكبير، المقدسيُّ النشأة، والشاهد على العصر، فقد قال في مقالةٍ له بعنوان "الأقصى وأنا"، تعليقاً على الأحداث الدامية، او ما سُمِّي ﺒ"إنتفاضة الأقصى"... الإنتفاضة التي كانت إمتداداً ﻠ "ثورة الحجارة"، التي عاشَتْها القدس وباقي مدن فلسطين، طوال ما يزيد على اثنتي عشرة سنة... قال:"(...) نحن (المسيحيّين العرب) جزءٌ من هذا التاريخ فلا تُقصونا عنه. كنت في دمشق، يقول زيادة، يوم وقَعَتْ أحداث الأقصى (...) لمّا سَمِعْت الخبر أحسَسْت كأنَّ قضيباً محمِياً بالنار إخترق قلبي. الأقصى والصخرة وما حولهما أماكن مقدَّسة للمسلمين. لكنَّها أماكن مقدَّسة للعرب المسيحيّين أيضاً. فالنبيّ (ص) عربيّ، وعُمَر بنُ الخَطّاب (الذي تسَلَّمَ القدس من صفرونيوس الدمشقيّ الأصل العربي) عربيّ، وعبد الملك بنُ مروان باني المسجد الأقصى عربيّ. بيننا صلة روحيّةٌ تتعدَّى طقوس العبادة. إنَّها صلة التاريخ" [جريدة النهار البيروتيّة 20. 10. 2000].
إذ أُذَكِّر بذلك... فلأني خائفٌ من أن يُمحى بعض التاريخ في هذا الزمن الهجين... الزمن الذي أفْلَتَ من صوابه وضوابطه، ليتبدَّد فيه الحقُّ ويَسقُط العدل...
أيها العرب،
"القدس عروسُ عروبَتِكُم"...!؟ وباقي القصيدِ تعرفونَهُ [ قصيدة الشاعر العراقي مظفَّر النوّاب]...
فلْنَقِفْ معاً، وبصدقٍ، ضدّ الإستيطان... وضدَّ التهويد...
لِنوقِف التطبيع ونجمع شمل الفلسطينيّين... لعلَّنا بذلك نمنع تقويض دولة فلسطين، فكرةً وتحقيقاً...
ولْنَقِفْ معاً لحماية المقدَّسات وفي مقدَّمها المسجد الأقصى... المستهدف بلا شك - وبالمعنى الديني.
ومعاً من أجل السلام الذي يقوم على العدل... وكي يقوم العدل ويتحقَّق السلام... لا بد من أن نؤثِر الإنسان على المكان.
معاً، أيها الإخوة والأخوات، من أجل إنسانٍ متجدِّدٍ... في هذا المشرق العربي... إنسانٍ يعيش المحبةَ والرحمةَ وقِيَمَ السماء...
كلُّنا شعب الله... أما أقربنا اليه فأتقانا...
والسلام...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* القدس مساحة حرية Jerusalem espace de liberté هو عنوان المقالة التي نشرها العلامة الخوري يواكيم مبارك في جريدة لو موند الفرنسيَّة في 9. 11. 1981.
** النَصلامِيَّة‎‎ هي كلمة مركَّبة، من نحْت كمال الحاج، للدلالة على الجمع بين النَصرانيَّة والإسلاميَّة؛ وتفيد معنى الأخوَّة المسيحيَّة ـ الإسلاميَّة.