الأحد، 5 يونيو، 2011

الثورة والمثقفون: لا أحد يعلِّم العاصفة

عباس بيضون
كانت الثورة حلم المثقفين والفنانين والكتّاب، فيما الناس مشغولون عنها بمعاشهم وعائلاتهم وتقاليدهم وموروثاتهم ويقينهم من دوام الأمور على حالها. كان طلاب وأساتذة وخريجون يتآمرون في خلاياهم ويصلون اجتماعاً باجتماع ويتعبون ليجدوا من يصغي إليهم ويصرفون وقتاً معتبراً في القراءة والنقاش هو وقت موقوف على الجماعة ومستقبلها وعلى البلد ومصيره أكثر مما موقوف على أصحابه. الناس في أشغالها قد تولي اهتماماً للمثقف السادر في برجه وقد لا تولي وفي كل الأحوال يبقى المثقف بالنسبة لها فريداً غريباً بضاعته الكلام الذي لا يغني ولا ينفع، وإذا أصغت إليه فعن فضول لا يمنعها من رؤية انه من غير طينتها وبينها بينه واقع صلب مستحكم لا يشترى ولا يباع بالكلام. قد يكون المثقف ابن فلاح، لكنه لم يعد فلاحاً منذ اشتغل بالقلم والورق ومنذ صار يتعيش من القلم والورق. هذه صنعة لا تزرع ولا تفلح ولا تحصد ولا تراعي الطقس والفصول. والسياسة التي يتكلم بها المثقف ويمارسها إنما استخلصها من ورقه وكتبه ولم يستخلصها من مهنة موصوفة او عمل معلوم. والفلاح وإن بقي أباً للمثقف لا يستشير الورق بل يستشير الطقس والأوقات والتربة، وكلها تحتاج الى تعب وعضل أينهما من المثقف الذي ما ان يجد مهنة تناسب علمه حتى يشيح عن عمل والده، الذي زاوله في فتوته، وكأنه يشيح عن أمر مستكره. المثقف يائس من ان يزرع شيئاً في هذه العقول الجامدة والعامة مستغربة لبعد المثقف وبضاعته وصنعته وما بين الاثنين شبه تواطؤ على دوام الحال. المثقف يتكلم في عزلته وقد يجازى على كلامه فيزيده السجن والتعذيب عزلة، وربما ركب رأسه واستمر الى ان يستغرقه العمر وتستغرقه مطالب الحياة، وربما حاد عند اول منعطف وربما أجّر عقله واستثمره بعد ان يأس. أما الفلاح والعامل والصنايعي وصغار الكسبة، ومنهم جانب كبير ممّن كانوا طلاباً ومتعلمين في يوم، فيواصلون حياتهم كما هي وينظرون بارتياب الى من يحضهم على تغييرها، وقد يكون اليأس غلبهم أيضاً، لكنه اليأس احدى الراحتين وفيه سعة وحتم ومنجاة من السؤال والقلق. هكذا كان الأمر عقوداً لم تبرأ من انقلابات ومن فورات ومن حروب ومناوشات أهلية ومن معارك حقيقية ومن كوارث. خلال ذلك كانت العامة تنتفض والمثقفون يركبون الموجة، لكن الثورة مع ذلك لا تقع. الحرب الأهلية، التي اعتبرها لينين مرادفاً للثورة، كانت تنتهي في ذاتها بعد أن تتحوّل الى إجرام مستفحل، والفورات يتآكلها عنفها. وفي كل الأحوال كان هناك من يعجل الى قطافها، ودائماً كانت هناك حفنة من ضباط او حزب معسكر حاضرة للغنيمة، بعدها تعود الناس الى قواعدها وتستريح وترضخ من جديد، فيما تستمر قلة من المثقفين في وعي شقي دونه اثمان باهظة وعزلة متفاقمة وحبل مهزوز بينهم وبين السلطة الشعبوية والعامة الهامدة لا يستقر على حال. عند ذلك تبقى الثورة التي تتسمى بها السلطة هياكل مفرغة وتغدو الثورة أبعد، ان لم تصبح لغزاً او طلسماً. بعد ذلك أتت الثورة من حيث لا يحتسب أحد وأتت على شكل غير مألوف، شكل وبائي. يمكننا ان نتكلم هنا عن العدوى. قلة تبدأ وتواجه بقمع حقيقي لكنها تبقى. تعطي هكذا مثلاً لآخرين فتتضخم الكرة. تهرب السلطة او تتفكك، فتغدو الكرة مليونية يغدو الثقل في الشارع وتتجاذب السلطة المجددة او الجديدة القرار مع الشارع. هذا هو النموذج المصري والتونسي. في غيرهما تتعقد الأمور، تعاند السلطة ويعاند الشارع، فالأمور أصعب حيث تصمد السلطة او تستقوي على تفككها. الأمور تستصعب ما دامت المعادلة هي ذاتها والتوازن لم يتغير، والحل ينتظر طارئاً ما من فوق او تحت. معلمو الثورات إنها الثورة ومعها مثقفوها، لقد جاءت بهم من الاسفل. انهم جدد ولهم خبرة وعقل جيلهم، ان لهم أيضاً قرباً من العامة لم يتوفر لأسلافهم، وغريزة لا تخاف ولا تهرب من امام الموت. انهم قادرون على الهجوم والمجازفة، وثمة ما يشبه الايمان يبقيهم صامدين رغم الخطر، كأن بهم نزعة استشهادية كتلك التي عايناها كثيراً في الأيام الأخيرة. أما قدامى المثقفين، اما قدامى الثوريين فلا شك في أنهم فوجئوا، فوجئوا بأن تقديراتهم وحساباتهم جميعها تحطمت. ما جرى كان يحتاج الى اكثر من التحليل، الى شيء من الغريزة، من الحدس، من القدرة على الشم. بعض هؤلاء انبهر فما حدث يفوق وعيه بل يفوق كل وعي. بعضهم لحظ ما تجرف الموجة من اوحال وهاله ان للمرة الثانية لم يستطع حراكاً. بعضهم خاف من "الثورة" والثورات تخيف وكان من النزاهة أن يصرّح بخوفه لا أن يقعد منها مقعد المعلم ويروح يقترح عليها من أين تنطلق وكيف تسير والى اين تتجه، لكي يمنحها بركته وكأن ذلك طوع إرادته او إرادتها. في لحظة كهذه ثمة حجم من الدم مقابل كل كلمة، ثمة مبدأ يهان مع كل رصاصة ترد على الكلام. ثمة حق يهدر مع كل حياة تسلب وعمر يقصف. لا تحتاج الثورات الى من يعلمها، انها تقريباً رازحة تحت وطأة التعليم والكتب ولا ينتظر ان تنفجر بحسب التعليم والقواعد، انها تطل من حيث تجد فتحة وتسير حيث تجد مجالاً وتتجه حيث تجد ضوءاً. ما يحدث ليس درساً في السلوك الحسن. لا احد يعلم العاصفة. يمكن لأي كان ان يرفض الثورات، فالثورات ليست خيراً كلها. ما يحصل الآن هو انفجارات بعد عقود متصلة من الكبت، ومن حق أي كان ان يفكر بالعواقب والعواقب احيانا مخيفة لكننا نخطئ حين نحملها فقط للمتمردين وحين ننسى ان ثمة ما أخرجهم وان طريق الخروج ليست بإرادتهم وانهم يذهبون حيث يجدون ذلك متاحاً، نخطئ اذا نسينا ان الضغط يولد الانفجار وان مسؤولية الانفجار هي أيضاً على من يضغط، الثورات في أحيان كثيرة شر لا بد منه، ومن يراجع تاريخها قد يجد اخطاء كثيرة. لكن هذا متصل بعواقبها، التي ينبغي انتظار حصولها، وليس الكلام جائزاً والناس تقتل في الشوارع وليس جائزاً والمتمردون لا يملكون إلا حياتهم وليس جائزاً والمتمردون يواجهون بدمائهم، الثورات نعم بعواقبها وعواقبها قد تكون مؤذية ولكن حين تكون لها عاقبة، وحين لا يتم خنقها في الدم والعنف. والثورات بعواقبها، لكن حين تبقى لها عاقبة، ومن حق أي كان ان يحذر من العواقب لكن ليس كمن يعلم الناس كيف يقتلون وكيف يموتون على الطريقة الصحيحة. من حق أي كان أن لا يكون مع الثورة لكن ليقلها بملء فمه ليس بالتظاهر بأن في وسعه أن يفعلها أفضل من أهلها، خاصة وهم يقابلون الخطر بالهتاف. ليس من حق أحد أن يلقنهم هذا الهتاف ويعلمهم كيف يرفعون أصواتهم به، حين لا تكون المسألة بعد سوى مطحنة دموية فإن علينا أن نحترم في الأقل هذا الدم. حين تكون الثورة هي فقط هذا فإن إدانة القاتل وتسميته خير من إدانة القتل عامة. يمكننا أن نصمت وأن لا يكون لدينا رأي فهذا أيضاً من حقوق الناس، لكن المشاركة بالتردّد والالتباس ليست مشاركة، وخير لنا وللجميع أن لا نشارك على هذا النحو.