الأربعاء، 22 فبراير 2012

خطر الفاشية على العمل الحزبي

سعود المولى
في منتصف العشرينات من القرن العشرين صعدت الفاشية والنازية في أوروبا على يد موسوليني وهتلر واستطاعت أن تسيطر على بلدين مهمين وأن تقود العالم إلى حرب دموية تدميرية هائلة..
لم يدرك العالم يومها معنى الفاشية إلا بعد أن وصلت إلى أبواب داره وصار من الصعب إخراجها فكان أن دفعت أوروبا ودفع العالم معها أفدح الأثمان..
مبرر حديثنا اليوم عن الفاشية هو أنها خطر داهم ودائم قد يتعرض له أي شعب. ولكن خطرها الأكبر عند العرب اليوم يكمن في وجود أحزاب وزعامات فاشية تسمم الحياة السياسية والعمل الحزبي الديموقراطي!
ولذلك فإن مواجهة الفاشية نظرياً ومبدئياً تبقى هي الفيصل بين الحزب الديموقراطي الحقيقي والحزب الفاشي المقنع بشعارات التغيير والثورة... وهزيمة الفاشية في بلادنا تتطلب معرفة ودراية وتتطلب حياة ديموقراطية سليمة.. كما وتتطلب ممارسة حزبية وطنية ديموقراطية شفافة..
وبحسب أبرز من حلل الفاشية (المناضل الفرنسي دانيال غيران) فإن مجندي الفاشية عادة ما ينقصهم التجانس لأن لكل فئة من الفئات التي تتوجه اليها الفاشية مطالبها ومطامحها الخاصة... ولا شك بأن ديماغوجية معادية للرأسمالية تخدم في مثل هذه الحالة... إلا أن هذه الديماغوجية المتناقضة في الغالب لا تكفي لربط كافة هؤلاء المتذمرين فيما بينهم.. ومن هنا ضرورة إيجاد الوثاق الذي يوحدهم: "غيبية صوفية شبه دينية يراد لها أن تكون غامضة يشترك فيها الجميع كائنة ما كانت التناقضات في مصالحهم ومفاهيمهم، تجعلهم مندمجين في وحدة شعورية روحية".. فالفاشية (ودائماً بحسب غيران) تفضّل إثارة "الايمان" على التوجه نحو الذكاء..اذ أن الفاشية لا تملك أية مصلحة في التوجه نحو ذكاء المنتسبين ما لم تسحرهم بشكل كامل.. وما أن يصبح المنتسب "مؤمناً" حتى يسهل التلاعب بالحقيقة والمنطق..واذا فتح عينيه صدفة يمكن إعادة اغلاقهما بالحجة السامية التالية: هذا ما يريده الزعيم!!
ويتابع غيران بأن الفاشية تتمتع بحظ التوجه للبؤساء والمستائين..والمعروف أن ظاهرة البؤس مع الاستياء هي ما يمهد للغيبية الصوفية..وهذه ظاهرة قديمة قدم العالم...فبعد حد معين من البؤس لا يعود الانسان يفكر ولا يعود يطالب بحلول منطقية لمصائبه ولا يعود يملك شجاعة إنقاذ نفسه.. فهو ينتظر معجزة ويطلب مخلصاً ويبدي استعداداً للحاق بهذا المخلص والتضحية بنفسه من أجله..
فالفاشية (بعكس الاشتراكية) تحتقر الجماهير ولا تتأخر في النظر اليها من زاوية ضعفها.. كان موسوليني يفاخر بتجربته مع الشعب التي "خدمته كثيراً" و"سمحت له بمعرفة نفسية الجماهير".. فكان يقول بأن "الجماهير غير جديرة بالرأي الحر ولا بأية آراء سوى تلك المفروضة عليها من خارج".. وبأنه "لا يمكن قيادة الجماهير وفق قواعد مؤسسة على الانصاف النظري الخالص بل بالبحث عما يمكنه التأثير عليها وسحرها"... وبأن "الجماهير لا تعرف سوى العواطف البسيطة والمتطرفة ولا يمكن التأثير عليها الا بواسطة الصوَر"....
أما هتلر فكان يقول "إن الغالبية الكبرى للشعب تجد نفسها في وضعية وحالة نفسية أنثوية الى حد أن آراءها وأفعالها تكون محددة بواسطة الانطباع الجاري على مستوى الحواس اكثر مما هي محددة بواسطة التفكير..كما أن الجمهور قليل التأثر بالافكار المجردة وبالمقابل يمكن التأثير عليه بسهولة اكثر في ميدان العواطف والمشاعر"..
وخدعة الفاشية الكبرى هي في نبش الشعور الديني البدائي: تمجيد رجل العناية الالهية... فكأن البشر وتحت غطاء الحضارة، ما زالوا يعبدون الأصنام أو الطواطم.. فهم يشعرون بالحاجة الى خلق أسطورة منقذة يُسقطون فيها أنفسهم.. إلا أنها بالمقابل أسطورة تحمل وزر أحقادهم وحاجاتهم وأفكارهم وحتى حياتهم اليومية...وهم يضعفون أمام الإله الذي خلقوه على صورتهم... فينتظرون الخلاص على يد الفوهرر أو الدوتشي أو الزعيم...ولله في خلقه شؤون... وللحديث عن الأحزاب بقية.