سوريا والبحرين والجذور الحقيقية لأزمة الديمقراطية العربية
عبد الوهاب الأفندي
يبدو واضحاً للعيان أن مسار أحداث الانتفاضات الشعبية في كل من البحرين وسوريا قد اتخذ مساراً موازياً، اختلف جذرياً عما شهدناه في كل من تونس ومصر. بل إن شأن الدولتين يختلف كذلك عن شأن اليمن وليبيا، رغم التشابه المظهري. فعلى الرغم من تشابه الدول الثلاث في التصدي للحراك الشعبي بالعنف والقمع، و "الممانعة"، إلا الشأن مختلف جداً. فاليمن يسير على خطى مصر وتونس من حيث وحدة الشعب على اختلاف مشاربه وقبائله وأحزابه وأقاليمه خلف الثورة، وعدم وجود أي تصدعات ذات شأن في صفوف الشعب. بل إن الثورة اليمنية، شأنها في ذلك شأن ثورات مصر وتونس، وحدت الفرقاء وصالحت بين المتخاصمين. فقد صمتت الأصوات التي كانت تنادي بانفصال الجنوب، ووضع السلاح من كان يرفعه، ووقفت القبائل صفاً واحداً بعد طول صراع. إذن فالمسألة في اليمن مسألة وقت ليس إلا.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن ليبيا، فهي توحدت غربها وشرقها، وشمالها وجنوبها، وحضرها وباديتها، وكل قبائلها، خلف الثورة. وعلى الرغم مما نسمعه من دعاوى عريضة وحشد مزعوم للقبائل، فإننا لا نكاد نرى من يقف مع العقيد القذافي إلا مرتزقته المحليين والأجانب. فليبيا كلها انفضت عن العقيد، حتى أقرب المقربين منه من قادة جيشه ومخابراته، ولم يبق معه إلا مغلوب على أمره خاضع لإرهابه، أو مرتزق منبت. فالثورة وحدت ليبيا كما فعلت في كل من مصر وتونس واليمن.
ولكن الأمر مختلف جداً في كل من البحرين وسوريا، وذلك لأسباب عدة. أول هذه الأسباب أن "الثورة المضادة" في تلك البلدان، سبقت تبلور الثورة الفعلية، حيث أن قوى الثورة المضادة جمعت نفسها وتعبأت شعبياً وإعلامياً في تسابق مع الثورة الفعلية، وجندت قوى داخلية وخارجية فاعلة إلى جانبها، وضربت ضربتها الاستباقية وعود الثورة ما يزال غضاً، مع فوارق في نجاح هذه الضربة.
السبب الثاني، وهو العامل الحاسم والماثل بقوة في خلفية المشهد، هو الاصطفاف الطائفي. ففي البلدين تحكم البلاد أقلية صنفت نفسها طائفياً، وتخندقت في ذاك الخندق، معززة موقفها باحتكار القوة العسكرية والفضاء السياسي والمقدرات الاقتصادية. وقد عززت الفئة الحاكمة (وهي قد تقاصرت حتى أصبحت أسرة حاكمة مع بطانة محيطة) وضعها باستخدام سلاح الإرهاب والتخويف معاً. فهي ترهب الأغلبية باستخدام العنف المباشر أو غير المباشر (الابتزاز والمضايقات وقطع الأرزاق والإقصاء عن كل مراكز القوة)، ولكنها أيضاً، وهذا لا يقل الأهمية، تخوف الطائفة التي تتحدث باسمها من خطر داهم إذا أفلتت الأغلبية من قبضة القمع وتمكنت من السلطة.
وكما ذكرنا في مناسبة سابقة فإن سلاح الابتزاز هذا، وهو عين ما تستخدمه عصابات المافيا وما يسمى بقبضايات "الحماية"، هو سلاح مرتد، لأن الخطر الذي تحذر منه العصب الحاكمة مصدره هذه الفئات نفسها. فعندما يسلب الحكام الأغلبية حقوقها المشروعة، ثم يتحول هذا الحرمان من الحقوق إلى تهمة، أي القول بأن من سلب حقهم سيطالبون به حتماً، مما يجعلهم خطراً على سارق الحقوق (تماماً كما يرى الإسرائيليون في مجرد وجود الفلسطينيين خطراً ما حقاً، لأنهم ما لم يهلكوا سيأتون حتماً للمطالبة بحقهم المسلوب)، فإن التعامل الناتج سيكون في حد ذاته مصدر خطر. ذلك أن الفئة الحاكمة، شأن فرعون موسى، لا بد أن تقضي ليلها ونهارها في التفكير في أساليب لإضعاف الأغلبية، وترصد حركاتها، وإحصاء أنفاس أفرادها، وحرمانهم من أي مصادر قوة محتملة. وقد لا يبلغ الأمر ما بلغ من مخططات فرعون الإجرامية ("سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) ولكنها تقترب من ذلك حين لا يكون هناك مناص.
هذه السياسيات القهرية، خاصة حين تورط فيها الأقلية تحت دعاوى أن هذا الإجرام يتم باسمها ولحمايتها من خطر داهم تمثله الأغلبية، فإنها ستصبح هي مصدر الخطر الداهم، لما ستولده من أحقاد وثأرات في نفوس المقموعين والمحرومين ضد هذه الأقلية. وكلما زاد القمع والحرمان والاستهداف، زاد الغل والحقد، وقد تصدر عنه تعبيرات تستخدمها السلطة دعماً لحجتها في أن الويل والثبور وعظائم الأمور تنتظر الأقلية إذا سمح للأغلبية بأقل قدر من الحرية. وقد تستغل السلطات الغاشمة أخطاء سابقة أو حالية وقع فيها بعض من يتحدث باسم الأغلبية أو يزعم تمثيلها، أو تتعذر بخطر خارجي، وقد تدمج الحجتين معاً. ففي سوريا صدرت، وفي أوقات سابقة طال العهد بها، من قلة المحسوبين على الإسلاميين، وبصورة غير مباشرة عن الأغلبية، أقوال وتصرفات ذات طابع طائفي. وقد استخدمت تلك التصرفات مبررات لمذابح هتلرية وقوانين هولاكية، هي بالقطع جرائم أكبر من تلك التي قامت ضدها. بل إن مثل هذه المذابح أصبحت مبررات بأثر رجعي لتلك التصرفات البشعة.
وفي البحرين استخدم بعبع الثورة الإسلامية في إيران والخطر "الشيعي" المزعوم على الخليج، وتصرفات قلة من البحرانيين قد تكون عبرت عن فتنة بالحالة الإيرانية ودعوات لاتخاذها قبلة ومثالاً، استخدمت هذه الأمور لمزيد من التخويف، ومزيد من تبرير القمع والإقصاء. وهذه حلقة مفرغة، فوق أن حكام الخليج مسؤولون مسؤولية مباشرة عن إيجاد ما يسمى الخطر الشيعي. فالوضع المضطرب اليوم وغير المتوازن في الخليج يعود من جهة إلى قيام دول الخليج بإذكاء الفتنة بين العراق وإيران، حيث قدمت الوقود الفعلي والمجازي لحرب صدام المدمرة على إيران من جهة وعلى شعبه من جهة أخرى. وقد خلقت هذه الحالة المزدوجة من الحرب والقمع احتقاناً لا مثيل له، وزادت من حدة الاستقطاب في داخل العراق، وفي داخل دول الخليج، ثم في الخليج ككل. وكأن ذلك لم يكن كافياً، فإن نفس حكام الخليج عادوا وانقلبوا على العراق، حرباً وحصاراً وتجويعاً، ثم غزواً. فكان أن شاع فيه الاضطراب، وتعمق الاستقطاب، وأينع الحصاد المر لما زرعته أنظمة يسارع أغلبها إلى التدخل إلى جانب كل إثم وعدوان، وتتوسل التدخل الأجنبي لدعم باطلها، ثم تصرخ مستنكرة لتدخل غير موجود حين تطالب الشعوب بقليل من حقها المسلوب.
وها نحن اليوم نسمع مجدداً عن خطر إيراني مزعوم، مما يجعل القوم مثل صاحب موسى الغوي المبين الذي لا يصبح عليه الصباح إلا وهو في حالة عراك مع جار له، فهو يستصرخ من ينقذه من خطر هو من افتعله.
ومهما يكن، فإن الطرف الآخر في المعادلة قد تعلم من دروس الماضي، فغير منهجه وخطابه. فالإسلاميون في سوريا في موقف قطيعة مع الماضي، وقد كانوا دائماً أدانوا ما قامت به القلة التي تصرفت باسمهم، أو على الأقل أدانوا تجاوزاتها التي تعدت الدفاع عن النفس إلى ارتكاب التجاوزات. وقد مدت قياداتهم الجديدة يد المصالحة إلى نظام ارتكب في حقهم المجازر، وجعل الإبادة الجماعية في حقهم (وهي جريمة بنصوص القانون الدولي والحس السليم) جزءاً من تركيبته القانونية. وعلى كل فإن الشارع السوري قد تجاوز الإسلاميين كما تجاوز عوامل الاستقطاب السالفة، مما يجعل هذه المعاذير غير ذات موضوع. وبنفس القدر فإن القيادات الشيعية المعتدلة التي تصدت للأمر في البحرين انتهجت طوال الفترة الماضية خطاباً وسطياً توافقياً، فاعترفت بشرعية الوضع القائم، وتبرأت من كل من يدعو إلى تغيير ثوري، ولم تزد على المطالبة بالضمانات الدستورية والحقوقية في إطار النظام. وإذا كانت هناك فئات معارضة خرجت عن هذا الإجماع، فإن اعتراضها ليس على خطاب المعتدلين، وإنما على فشلهم في تحقيق الحد الأدنى من مطالبهم "المعتدلة"، تماماً كما أن اعتراض معظم الفصائل الفلسطينية المعارضة على سلطة محمود عباس لا يتركز على كونه رضي بخمس فلسطين، بل على أنه لم يحصل حتى على هذا الخمس. ولو أن نتنياهو وبشاراً ومن سمى نفسه ملكاً على البحرين أعطوا "المعتدلين" ما يقيم أودهم، لكانوا قطعوا الطريق على "المتشددين"، ولكن الظالمين هم أعداء أنفسهم قبل غيرهم.
في الحالة السورية دخل عامل آخر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "طائفية المقاومة"، حيث انبرت أصوات كثيرة، معظمها من خارج سوريا، للدفاع عن قمع النظام السوري بحجة أنه نظام كان يدعم المقاومة، وهو توصيف غير صحيح، لأن الأصح أن يقال أن النظام السوري "يستخدم" المقاومة كورقة ضغط في سياسته الخارجية. فهذا هو عين النظام الذي دخل لبنان لضرب منظمة التحرير، وحارب كتفاً بكتف مع تحالف حفر الباطن، ولا يسمح حتى الآن بإطلاق طلقة واحدة من أرضه باتجاه إسرائيل. وليست مشكلة سوريا أنها لا تريد معاهدة مع إسرائيل، بل إن إسرائيل هي التي ترفض. واستخدام النظام السوري للمقاومة مشروط بحصوله على ما يريد من القوى الأجنبية، وهو بقاء النظام أولاً وأخيراً. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك أصوات كثيرة، وبعضها يأتي من جهات لها احترامها، تؤكد بأن كون سوريا حصن للمقاومة يبرر للنظام السوري الدفاع عن بقائه بأي ثمن. وبنفس القدر فهناك جهات ترى أن النظام البحريني، باعتباره حصناً ضد الشيعة وشرورهم، يحق له البقاء بأي ثمن.
لسنا معنيين هنا بنقض هذه الحجج، بل دعنا نفترض صحتها، ولنقر بأن سوريا هي دولة المقاومة الوحيدة والأخيرة، وأن البحرين هي كذلك خط الدفاع الأخير عن الخليج والعالم السني ضد الاجتياح الشيعي الإيراني، فهل يبرر هذا الوضع، بافتراض كذلك أننا نقف مع المقاومة ضد الاستسلام، ومع السنة ضد الشيعة، هل يبرر قمع الأغلبية إلى ما لا نهاية؟ وهل يبرر ما يرتكب من فظائع وتجاوزات، من استخدام الدبابات ضد النساء والأطفال إلى خطف وتعذيب الأطباء والممرضين لمجرد أنهم كانوا شهوداً على جرائم ارتكبت (ألا تتفقون معي بأن سجون البحرين خطرة على الصحة عموماً، لأن عدداً غير قليل من روادها يصابون بوعكات صحية قاتلة، رغم كثرة الاطباء والممرضين في داخلها؟) وهل ستنجح هذه الأساليب على كل حال؟
لو كانت هذه الأساليب ذات فعالية لكانت بريطانيا ما تزال تحكم الهند، وفرنسا الجزائر، ودي كليرك جنوب افريقيا. ولكن المسألة التي نريد التنويه بها هنا هي حقيقة وجود قطاع واسع من الرأي العام في العالم العربي يؤيد القمع والتقتيل في كل من البحرين وسوريا، بمن في ذلك أقلية معتبرة في داخل البلدين أنفسهما. بمعنى آخر، فإن هناك عرب كثر يؤيدون الدكتاتورية والقمع من ناحية مبدئية. بعض هؤلاء مستعد للخروج في مظاهرة، بل والدخول في معركة وتعريض نفسه للقتل، دفاعاً عن حق السلطات في قمع وتعذيب إخوته في الوطن وإخوته في العروبة بحجة أن قتلهم واستعبادهم فيه مصلحة الأمة ونصرها على عدوها (ولعمري ما هي الخطورة من العدو إذا لم تكن القمع والاستعباد؟) ولعل في هذا الوضع إجابة على السؤال الذي حير العالم زماناً، ألا وهو: لماذا فاضت الديمقراطية على كل بقاع العالم بينما لم يصل موجها الذي شابه طوفان نوح إلى شواطئ جودي العرب الذي عصمهم من فيض الحرية والديمقراطية. والإجابة كما تظهر أمامنا اليوم واضحة وجلية وفي غاية الاختصار: لأن هناك عدداً كبيراً من العرب مستعدون للموت دفاعاً عن الدكتاتورية.
وبالمقابل فإن نجاح الثورات العربية جاء حينما ذابت كل الفوارق وكل الحواجز بين أفراد الشعب الواحد، ووقف الجميع صفاً واحداً ضد الدكتاتورية، حيث سلبوها أهم أسلحتها: سلاح فرق-تسد. بل إن الثورات ساهمت بصورة فعالة ومباشرة في هذه العملية التوحيدية
الاثنين، 23 مايو 2011
الأحد، 15 مايو 2011
القمة الروحية الاسلامية-المسيحية
البيان الختامي للقمة الروحية التي عقدت في بكركي يوم الخميس 12 ايار 2011
في الوقت الذي تجري في العديد من الدول العربية احداث مصيرية كبرى، تبدو اكثر من اي وقت مضى أهمية الصيغة اللبنانية في احترام قيم الحريات الفردية والعامة، الدينية منها والسياسية، واهمية التزامنا نحن اللبنانيين أسس النظام الديموقراطي البرلماني الذي ارتضيناه نظاما يحفظ لنا عيشنا المشترك ويصون وحدتنا الوطنية.
ولقد تنادى اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة وعقدوا قمة في الصرح البطريركي في بكركي صباح الخميس 12 ايار 2011، لتأكيد المبادىء الكيانية التي تؤهل لبنان ليكون جديرا بحمل رسالة احترام التنوع الديني والتعدد المذهبي في اطار الالتزام الوطني. استهل المجتمعون لقاءهم بالصلاة والدعاء الى الله العلي القدير ليحفظ لبنان وشعبه ويصون وحدة ابنائه المسيحيين والمسلمين.
حرص المجتمعون على عقد اجتماعهم الاخوي في الصرح البطريركي في بكركي لمناسبة تولي غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي السدة البطريركية، وتقديرا منهم لتوجيهاته الروحية والوطنية التي تتلاقى مع توجيهاتهم المشتركة لخير لبنان وخير العلاقات الاسلامية- المسيحية، مثمنين شعار شركة ومحبة الذي اتخذه غبطته، ومتمنين له كل النجاح في تأدية مهمته، كما اعربوا عن عميق تقديرهم لغبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على مجمل عطاءاته، داعين له بالصحة وطول العمر.
وقد ناشدوا بادىء ذي بدء المسؤولين السياسيين المعنيين، تأليف الحكومة اليوم قبل الغد، على الاسس والقواعد الميثاقية والدستورية بما يمكنها من اداء دورها في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية.
وبعد تداول الاوضاع أكدوا الثوابت الوطنية الآتية:
1- الوحدة الوطنية بين اللبنانيين جميعا، والتحذير من حال التشرذم الداخلي التي يضعف استمرارها مناعة لبنان ويطعن في صدقية رسالته، وفي قدرته على مواجهة تحديات التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، الامر الذي قد يعرضه لا سمح الله الى ان يدفع مرة جديدة الثمن الباهظ من امنه وسلامته واستقراره.
2- اعتبار الدولة اللبنانية مصدر قوة للبنانيين جميعا والحاضنة لهم، مما يفرض على المواطنين توطيد ثقتهم بها، ودعم مؤسساتها، ومن القيادات السياسية الارتفاع في اختلافاتها وفي تباين وجهات نظرها، لغة ومضمونا، وسيلة وهدفا، الى المستوى الذي يمكن لبنان من مواجهة الصعوبات السياسية والاقتصادية التي يواجهها، ومن الاستجابة لمقتضيات العيش الوطني الذي من دونه يفقد لبنان جوهر كيانه.
3- التزام ثقافة الحوار الذي يحترم وجهات النظر المختلفة مهما تباعدت، ويرمي الى تحقيق الوفاق والخير العام، والاعتماد على هذا الحوار أساسا لبت القضايا اللبنانية الكبرى، وفي طليعتها:
- التزام لبنان ميثاقه الوطني ووثيقة الوفاق في الطائف والمواثيق العربية والدولية في اطار جامعة الدول العربية ومنظمة الامم المتحدة، مما يجنبه الدخول في الخلافات والصراعات والمحاور الاقليمية والخارجية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
- البحث في استراتيجية وطنية تمكن الدولة اللبنانية من الدفاع عن سيادتها وحقوقها وعن مصادر ثروتها الطبيعية في ارضها وفي مياهها الاقليمية، وهو حق مطلق لها.
4- تعزيز الانتماء الوطني ثقافيا وتربويا واجتماعيا وسياسيا، وتثبيت اركان الدولة واحترام دستورها وقوانينها، تمكينا لها من اداء دورها في معالجة الشأن المعيشي والاجتماعي المتسبب بالهجرة واستنزاف قوى البلاد الحية، وفي تحقيق المساواة والعدالة للمواطنين جميعا. فالعدالة قيمة مطلقة وهي صفة من صفات الله تعالى لا يمكن أي مجتمع أن يستمر ويزدهر من دونها، وتأكيد احترام القيم الأخلاقية والروحية، وناشدوا وسائل الإعلام القيام بدورها في صون هذه القيم.
5- الإحتكام الى المؤسسات الدستورية دون سواها لمعالجة أي خلاف، والاعتماد على الجيش اللبناني وعلى قوى الأمن الشرعية وحدها للمحافظة على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها للقيام بهذه المهمة.
6- تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله، وحق الدولة في تحرير اراضيها التي تحتلها اسرائيل، وهم إذ يثمنون دور قوات اليونيفيل في جنوب لبنان التي تعمل وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، يهيبون بالأمم المتحدة وبالمجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لحملها على تنفيذ القرارات الدولية التي تطالبها بالإنسحاب الفوري وغير المشروط من كل الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان على أرضه ومياهه وفضائه.
7- التشديد على أهمية حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي هو مفتاح السلام والأمن والإستقرار، بما يضمن تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
كما يهيبون بالمنظمة الدولية الإستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة حق العودة الى وطنه وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، المعترف بها وطنا دائما لجميع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات، وهذا ما يتلاقى مع إرادة اللبنانيين الجامعة في رفض التوطين بكل أشكاله.
8- مناشدة جميع اللبنانيين، وبخاصة الشباب، التمسك بأرضهم في الوطن، محافظين عليها من جيل الى جيل، والتشبث بقيمهم الإيمانية وبقيم وطنهم وثقافته المنفتحة على التنوع، مبتعدين عن أخطار التزمت والتطرف الديني الذي يشوه صورة الآخر ويروج للتقوقع والإنغلاق ويزعزع الثقافة الوطنية المشتركة المبنية على اعتبار العيش معا قيمة إنسانية سامية. ودعوتهم لعدم الإستسلام الى تجربة الإنطواء على الذات في مجموعات طائفية متجانسة ومنقطعة عن التواصل في ما بينها، لأن في ذلك تقطيعا لأوصال المجتمع ولجذور الوحدة الوطنية. ومطالبة الدولة اللبنانية بتحفيز النمو الإقتصادي وتأمين فرص عمل للشباب وتبديد مشاعر الخوف لديهم حول المستقبل.
أبدى أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة قلقهم واستنكارهم الشديدين لتداعيات الاحداث التي اتخذت بعدا طائفيا في جمهورية مصر العربية الشقيقة، ومن قبلها العراق، والتي طالت العديد من المسيحيين ووصلت الى حد الاعتداء الاثم على الكنائس، واكدوا موقفهم الثابت، وهو ان اي اعتداء على اي بيت من بيوت الله او على مقدس من مقدساتنا الدينية، هو بمثابة اعتداء عليها جميعا، وهم يؤكدون ما للمسيحيين والمسلمين في هذا الشرق من دور تاريخي بناء على مختلف الاصعدة، وما يتمتعون به من ولاء واخلاص لاوطانهم، مصرين على المشاركة في صنع مستقبل مشرق لها.
كما شدد المجتمعون على تعزيز روابط الاخوة بين لبنان والدول العربية الشقيقة وعلى حرصه على ان تحقق هذه الدول الشقيقة لنفسها ما يتمنى هو ان يحققه لنفسه ايضا من استقرار وازدهار وامن وسلام.
وقد أقر المجتمعون مبدأ عقد لقاءات دورية للقمة الروحية، والتوجه بمبادرة روحية وطنية لمعالجة الخلافات السياسية الداخلية.
وهم يرفعون الدعاء الى الله العلي الضابط الكل لكي تتخطى الدول العربية الازمات العصيبة التي تمر بها، كما يتمنون ان يوفر لقاؤهم الروحي والوطني اليوم قوة دفع جديدة للحوار السياسي الوطني على النحو الذي حققه لقاؤهم السابق الذي عقد في رحاب القصر الجمهوري في عام 2008، ويبتهلون معا الى الله العلي ان يمن على لبنان وشعبه بالخير والامان، وان يصون وحدة ابنائه ويوفقهم جميعا لسلوك طريق الخير والسلام والمحبة.
في الوقت الذي تجري في العديد من الدول العربية احداث مصيرية كبرى، تبدو اكثر من اي وقت مضى أهمية الصيغة اللبنانية في احترام قيم الحريات الفردية والعامة، الدينية منها والسياسية، واهمية التزامنا نحن اللبنانيين أسس النظام الديموقراطي البرلماني الذي ارتضيناه نظاما يحفظ لنا عيشنا المشترك ويصون وحدتنا الوطنية.
ولقد تنادى اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة وعقدوا قمة في الصرح البطريركي في بكركي صباح الخميس 12 ايار 2011، لتأكيد المبادىء الكيانية التي تؤهل لبنان ليكون جديرا بحمل رسالة احترام التنوع الديني والتعدد المذهبي في اطار الالتزام الوطني. استهل المجتمعون لقاءهم بالصلاة والدعاء الى الله العلي القدير ليحفظ لبنان وشعبه ويصون وحدة ابنائه المسيحيين والمسلمين.
حرص المجتمعون على عقد اجتماعهم الاخوي في الصرح البطريركي في بكركي لمناسبة تولي غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي السدة البطريركية، وتقديرا منهم لتوجيهاته الروحية والوطنية التي تتلاقى مع توجيهاتهم المشتركة لخير لبنان وخير العلاقات الاسلامية- المسيحية، مثمنين شعار شركة ومحبة الذي اتخذه غبطته، ومتمنين له كل النجاح في تأدية مهمته، كما اعربوا عن عميق تقديرهم لغبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على مجمل عطاءاته، داعين له بالصحة وطول العمر.
وقد ناشدوا بادىء ذي بدء المسؤولين السياسيين المعنيين، تأليف الحكومة اليوم قبل الغد، على الاسس والقواعد الميثاقية والدستورية بما يمكنها من اداء دورها في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية.
وبعد تداول الاوضاع أكدوا الثوابت الوطنية الآتية:
1- الوحدة الوطنية بين اللبنانيين جميعا، والتحذير من حال التشرذم الداخلي التي يضعف استمرارها مناعة لبنان ويطعن في صدقية رسالته، وفي قدرته على مواجهة تحديات التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، الامر الذي قد يعرضه لا سمح الله الى ان يدفع مرة جديدة الثمن الباهظ من امنه وسلامته واستقراره.
2- اعتبار الدولة اللبنانية مصدر قوة للبنانيين جميعا والحاضنة لهم، مما يفرض على المواطنين توطيد ثقتهم بها، ودعم مؤسساتها، ومن القيادات السياسية الارتفاع في اختلافاتها وفي تباين وجهات نظرها، لغة ومضمونا، وسيلة وهدفا، الى المستوى الذي يمكن لبنان من مواجهة الصعوبات السياسية والاقتصادية التي يواجهها، ومن الاستجابة لمقتضيات العيش الوطني الذي من دونه يفقد لبنان جوهر كيانه.
3- التزام ثقافة الحوار الذي يحترم وجهات النظر المختلفة مهما تباعدت، ويرمي الى تحقيق الوفاق والخير العام، والاعتماد على هذا الحوار أساسا لبت القضايا اللبنانية الكبرى، وفي طليعتها:
- التزام لبنان ميثاقه الوطني ووثيقة الوفاق في الطائف والمواثيق العربية والدولية في اطار جامعة الدول العربية ومنظمة الامم المتحدة، مما يجنبه الدخول في الخلافات والصراعات والمحاور الاقليمية والخارجية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
- البحث في استراتيجية وطنية تمكن الدولة اللبنانية من الدفاع عن سيادتها وحقوقها وعن مصادر ثروتها الطبيعية في ارضها وفي مياهها الاقليمية، وهو حق مطلق لها.
4- تعزيز الانتماء الوطني ثقافيا وتربويا واجتماعيا وسياسيا، وتثبيت اركان الدولة واحترام دستورها وقوانينها، تمكينا لها من اداء دورها في معالجة الشأن المعيشي والاجتماعي المتسبب بالهجرة واستنزاف قوى البلاد الحية، وفي تحقيق المساواة والعدالة للمواطنين جميعا. فالعدالة قيمة مطلقة وهي صفة من صفات الله تعالى لا يمكن أي مجتمع أن يستمر ويزدهر من دونها، وتأكيد احترام القيم الأخلاقية والروحية، وناشدوا وسائل الإعلام القيام بدورها في صون هذه القيم.
5- الإحتكام الى المؤسسات الدستورية دون سواها لمعالجة أي خلاف، والاعتماد على الجيش اللبناني وعلى قوى الأمن الشرعية وحدها للمحافظة على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها للقيام بهذه المهمة.
6- تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله، وحق الدولة في تحرير اراضيها التي تحتلها اسرائيل، وهم إذ يثمنون دور قوات اليونيفيل في جنوب لبنان التي تعمل وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، يهيبون بالأمم المتحدة وبالمجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لحملها على تنفيذ القرارات الدولية التي تطالبها بالإنسحاب الفوري وغير المشروط من كل الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان على أرضه ومياهه وفضائه.
7- التشديد على أهمية حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي هو مفتاح السلام والأمن والإستقرار، بما يضمن تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
كما يهيبون بالمنظمة الدولية الإستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة حق العودة الى وطنه وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، المعترف بها وطنا دائما لجميع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات، وهذا ما يتلاقى مع إرادة اللبنانيين الجامعة في رفض التوطين بكل أشكاله.
8- مناشدة جميع اللبنانيين، وبخاصة الشباب، التمسك بأرضهم في الوطن، محافظين عليها من جيل الى جيل، والتشبث بقيمهم الإيمانية وبقيم وطنهم وثقافته المنفتحة على التنوع، مبتعدين عن أخطار التزمت والتطرف الديني الذي يشوه صورة الآخر ويروج للتقوقع والإنغلاق ويزعزع الثقافة الوطنية المشتركة المبنية على اعتبار العيش معا قيمة إنسانية سامية. ودعوتهم لعدم الإستسلام الى تجربة الإنطواء على الذات في مجموعات طائفية متجانسة ومنقطعة عن التواصل في ما بينها، لأن في ذلك تقطيعا لأوصال المجتمع ولجذور الوحدة الوطنية. ومطالبة الدولة اللبنانية بتحفيز النمو الإقتصادي وتأمين فرص عمل للشباب وتبديد مشاعر الخوف لديهم حول المستقبل.
أبدى أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة قلقهم واستنكارهم الشديدين لتداعيات الاحداث التي اتخذت بعدا طائفيا في جمهورية مصر العربية الشقيقة، ومن قبلها العراق، والتي طالت العديد من المسيحيين ووصلت الى حد الاعتداء الاثم على الكنائس، واكدوا موقفهم الثابت، وهو ان اي اعتداء على اي بيت من بيوت الله او على مقدس من مقدساتنا الدينية، هو بمثابة اعتداء عليها جميعا، وهم يؤكدون ما للمسيحيين والمسلمين في هذا الشرق من دور تاريخي بناء على مختلف الاصعدة، وما يتمتعون به من ولاء واخلاص لاوطانهم، مصرين على المشاركة في صنع مستقبل مشرق لها.
كما شدد المجتمعون على تعزيز روابط الاخوة بين لبنان والدول العربية الشقيقة وعلى حرصه على ان تحقق هذه الدول الشقيقة لنفسها ما يتمنى هو ان يحققه لنفسه ايضا من استقرار وازدهار وامن وسلام.
وقد أقر المجتمعون مبدأ عقد لقاءات دورية للقمة الروحية، والتوجه بمبادرة روحية وطنية لمعالجة الخلافات السياسية الداخلية.
وهم يرفعون الدعاء الى الله العلي الضابط الكل لكي تتخطى الدول العربية الازمات العصيبة التي تمر بها، كما يتمنون ان يوفر لقاؤهم الروحي والوطني اليوم قوة دفع جديدة للحوار السياسي الوطني على النحو الذي حققه لقاؤهم السابق الذي عقد في رحاب القصر الجمهوري في عام 2008، ويبتهلون معا الى الله العلي ان يمن على لبنان وشعبه بالخير والامان، وان يصون وحدة ابنائه ويوفقهم جميعا لسلوك طريق الخير والسلام والمحبة.
القمة الروحية الاسلامية-المسيحية
البيان الختامي للقمة الروحية التي عقدت في بكركي يوم الخميس 12 ايار 2011
في الوقت الذي تجري في العديد من الدول العربية احداث مصيرية كبرى، تبدو اكثر من اي وقت مضى أهمية الصيغة اللبنانية في احترام قيم الحريات الفردية والعامة، الدينية منها والسياسية، واهمية التزامنا نحن اللبنانيين أسس النظام الديموقراطي البرلماني الذي ارتضيناه نظاما يحفظ لنا عيشنا المشترك ويصون وحدتنا الوطنية.
ولقد تنادى اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة وعقدوا قمة في الصرح البطريركي في بكركي صباح الخميس 12 ايار 2011، لتأكيد المبادىء الكيانية التي تؤهل لبنان ليكون جديرا بحمل رسالة احترام التنوع الديني والتعدد المذهبي في اطار الالتزام الوطني. استهل المجتمعون لقاءهم بالصلاة والدعاء الى الله العلي القدير ليحفظ لبنان وشعبه ويصون وحدة ابنائه المسيحيين والمسلمين.
حرص المجتمعون على عقد اجتماعهم الاخوي في الصرح البطريركي في بكركي لمناسبة تولي غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي السدة البطريركية، وتقديرا منهم لتوجيهاته الروحية والوطنية التي تتلاقى مع توجيهاتهم المشتركة لخير لبنان وخير العلاقات الاسلامية- المسيحية، مثمنين شعار شركة ومحبة الذي اتخذه غبطته، ومتمنين له كل النجاح في تأدية مهمته، كما اعربوا عن عميق تقديرهم لغبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على مجمل عطاءاته، داعين له بالصحة وطول العمر.
وقد ناشدوا بادىء ذي بدء المسؤولين السياسيين المعنيين، تأليف الحكومة اليوم قبل الغد، على الاسس والقواعد الميثاقية والدستورية بما يمكنها من اداء دورها في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية.
وبعد تداول الاوضاع أكدوا الثوابت الوطنية الآتية:
1- الوحدة الوطنية بين اللبنانيين جميعا، والتحذير من حال التشرذم الداخلي التي يضعف استمرارها مناعة لبنان ويطعن في صدقية رسالته، وفي قدرته على مواجهة تحديات التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، الامر الذي قد يعرضه لا سمح الله الى ان يدفع مرة جديدة الثمن الباهظ من امنه وسلامته واستقراره.
2- اعتبار الدولة اللبنانية مصدر قوة للبنانيين جميعا والحاضنة لهم، مما يفرض على المواطنين توطيد ثقتهم بها، ودعم مؤسساتها، ومن القيادات السياسية الارتفاع في اختلافاتها وفي تباين وجهات نظرها، لغة ومضمونا، وسيلة وهدفا، الى المستوى الذي يمكن لبنان من مواجهة الصعوبات السياسية والاقتصادية التي يواجهها، ومن الاستجابة لمقتضيات العيش الوطني الذي من دونه يفقد لبنان جوهر كيانه.
3- التزام ثقافة الحوار الذي يحترم وجهات النظر المختلفة مهما تباعدت، ويرمي الى تحقيق الوفاق والخير العام، والاعتماد على هذا الحوار أساسا لبت القضايا اللبنانية الكبرى، وفي طليعتها:
- التزام لبنان ميثاقه الوطني ووثيقة الوفاق في الطائف والمواثيق العربية والدولية في اطار جامعة الدول العربية ومنظمة الامم المتحدة، مما يجنبه الدخول في الخلافات والصراعات والمحاور الاقليمية والخارجية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
- البحث في استراتيجية وطنية تمكن الدولة اللبنانية من الدفاع عن سيادتها وحقوقها وعن مصادر ثروتها الطبيعية في ارضها وفي مياهها الاقليمية، وهو حق مطلق لها.
4- تعزيز الانتماء الوطني ثقافيا وتربويا واجتماعيا وسياسيا، وتثبيت اركان الدولة واحترام دستورها وقوانينها، تمكينا لها من اداء دورها في معالجة الشأن المعيشي والاجتماعي المتسبب بالهجرة واستنزاف قوى البلاد الحية، وفي تحقيق المساواة والعدالة للمواطنين جميعا. فالعدالة قيمة مطلقة وهي صفة من صفات الله تعالى لا يمكن أي مجتمع أن يستمر ويزدهر من دونها، وتأكيد احترام القيم الأخلاقية والروحية، وناشدوا وسائل الإعلام القيام بدورها في صون هذه القيم.
5- الإحتكام الى المؤسسات الدستورية دون سواها لمعالجة أي خلاف، والاعتماد على الجيش اللبناني وعلى قوى الأمن الشرعية وحدها للمحافظة على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها للقيام بهذه المهمة.
6- تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله، وحق الدولة في تحرير اراضيها التي تحتلها اسرائيل، وهم إذ يثمنون دور قوات اليونيفيل في جنوب لبنان التي تعمل وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، يهيبون بالأمم المتحدة وبالمجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لحملها على تنفيذ القرارات الدولية التي تطالبها بالإنسحاب الفوري وغير المشروط من كل الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان على أرضه ومياهه وفضائه.
7- التشديد على أهمية حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي هو مفتاح السلام والأمن والإستقرار، بما يضمن تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
كما يهيبون بالمنظمة الدولية الإستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة حق العودة الى وطنه وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، المعترف بها وطنا دائما لجميع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات، وهذا ما يتلاقى مع إرادة اللبنانيين الجامعة في رفض التوطين بكل أشكاله.
8- مناشدة جميع اللبنانيين، وبخاصة الشباب، التمسك بأرضهم في الوطن، محافظين عليها من جيل الى جيل، والتشبث بقيمهم الإيمانية وبقيم وطنهم وثقافته المنفتحة على التنوع، مبتعدين عن أخطار التزمت والتطرف الديني الذي يشوه صورة الآخر ويروج للتقوقع والإنغلاق ويزعزع الثقافة الوطنية المشتركة المبنية على اعتبار العيش معا قيمة إنسانية سامية. ودعوتهم لعدم الإستسلام الى تجربة الإنطواء على الذات في مجموعات طائفية متجانسة ومنقطعة عن التواصل في ما بينها، لأن في ذلك تقطيعا لأوصال المجتمع ولجذور الوحدة الوطنية. ومطالبة الدولة اللبنانية بتحفيز النمو الإقتصادي وتأمين فرص عمل للشباب وتبديد مشاعر الخوف لديهم حول المستقبل.
أبدى أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة قلقهم واستنكارهم الشديدين لتداعيات الاحداث التي اتخذت بعدا طائفيا في جمهورية مصر العربية الشقيقة، ومن قبلها العراق، والتي طالت العديد من المسيحيين ووصلت الى حد الاعتداء الاثم على الكنائس، واكدوا موقفهم الثابت، وهو ان اي اعتداء على اي بيت من بيوت الله او على مقدس من مقدساتنا الدينية، هو بمثابة اعتداء عليها جميعا، وهم يؤكدون ما للمسيحيين والمسلمين في هذا الشرق من دور تاريخي بناء على مختلف الاصعدة، وما يتمتعون به من ولاء واخلاص لاوطانهم، مصرين على المشاركة في صنع مستقبل مشرق لها.
كما شدد المجتمعون على تعزيز روابط الاخوة بين لبنان والدول العربية الشقيقة وعلى حرصه على ان تحقق هذه الدول الشقيقة لنفسها ما يتمنى هو ان يحققه لنفسه ايضا من استقرار وازدهار وامن وسلام.
وقد أقر المجتمعون مبدأ عقد لقاءات دورية للقمة الروحية، والتوجه بمبادرة روحية وطنية لمعالجة الخلافات السياسية الداخلية.
وهم يرفعون الدعاء الى الله العلي الضابط الكل لكي تتخطى الدول العربية الازمات العصيبة التي تمر بها، كما يتمنون ان يوفر لقاؤهم الروحي والوطني اليوم قوة دفع جديدة للحوار السياسي الوطني على النحو الذي حققه لقاؤهم السابق الذي عقد في رحاب القصر الجمهوري في عام 2008، ويبتهلون معا الى الله العلي ان يمن على لبنان وشعبه بالخير والامان، وان يصون وحدة ابنائه ويوفقهم جميعا لسلوك طريق الخير والسلام والمحبة.
في الوقت الذي تجري في العديد من الدول العربية احداث مصيرية كبرى، تبدو اكثر من اي وقت مضى أهمية الصيغة اللبنانية في احترام قيم الحريات الفردية والعامة، الدينية منها والسياسية، واهمية التزامنا نحن اللبنانيين أسس النظام الديموقراطي البرلماني الذي ارتضيناه نظاما يحفظ لنا عيشنا المشترك ويصون وحدتنا الوطنية.
ولقد تنادى اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة وعقدوا قمة في الصرح البطريركي في بكركي صباح الخميس 12 ايار 2011، لتأكيد المبادىء الكيانية التي تؤهل لبنان ليكون جديرا بحمل رسالة احترام التنوع الديني والتعدد المذهبي في اطار الالتزام الوطني. استهل المجتمعون لقاءهم بالصلاة والدعاء الى الله العلي القدير ليحفظ لبنان وشعبه ويصون وحدة ابنائه المسيحيين والمسلمين.
حرص المجتمعون على عقد اجتماعهم الاخوي في الصرح البطريركي في بكركي لمناسبة تولي غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي السدة البطريركية، وتقديرا منهم لتوجيهاته الروحية والوطنية التي تتلاقى مع توجيهاتهم المشتركة لخير لبنان وخير العلاقات الاسلامية- المسيحية، مثمنين شعار شركة ومحبة الذي اتخذه غبطته، ومتمنين له كل النجاح في تأدية مهمته، كما اعربوا عن عميق تقديرهم لغبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على مجمل عطاءاته، داعين له بالصحة وطول العمر.
وقد ناشدوا بادىء ذي بدء المسؤولين السياسيين المعنيين، تأليف الحكومة اليوم قبل الغد، على الاسس والقواعد الميثاقية والدستورية بما يمكنها من اداء دورها في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية.
وبعد تداول الاوضاع أكدوا الثوابت الوطنية الآتية:
1- الوحدة الوطنية بين اللبنانيين جميعا، والتحذير من حال التشرذم الداخلي التي يضعف استمرارها مناعة لبنان ويطعن في صدقية رسالته، وفي قدرته على مواجهة تحديات التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، الامر الذي قد يعرضه لا سمح الله الى ان يدفع مرة جديدة الثمن الباهظ من امنه وسلامته واستقراره.
2- اعتبار الدولة اللبنانية مصدر قوة للبنانيين جميعا والحاضنة لهم، مما يفرض على المواطنين توطيد ثقتهم بها، ودعم مؤسساتها، ومن القيادات السياسية الارتفاع في اختلافاتها وفي تباين وجهات نظرها، لغة ومضمونا، وسيلة وهدفا، الى المستوى الذي يمكن لبنان من مواجهة الصعوبات السياسية والاقتصادية التي يواجهها، ومن الاستجابة لمقتضيات العيش الوطني الذي من دونه يفقد لبنان جوهر كيانه.
3- التزام ثقافة الحوار الذي يحترم وجهات النظر المختلفة مهما تباعدت، ويرمي الى تحقيق الوفاق والخير العام، والاعتماد على هذا الحوار أساسا لبت القضايا اللبنانية الكبرى، وفي طليعتها:
- التزام لبنان ميثاقه الوطني ووثيقة الوفاق في الطائف والمواثيق العربية والدولية في اطار جامعة الدول العربية ومنظمة الامم المتحدة، مما يجنبه الدخول في الخلافات والصراعات والمحاور الاقليمية والخارجية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
- البحث في استراتيجية وطنية تمكن الدولة اللبنانية من الدفاع عن سيادتها وحقوقها وعن مصادر ثروتها الطبيعية في ارضها وفي مياهها الاقليمية، وهو حق مطلق لها.
4- تعزيز الانتماء الوطني ثقافيا وتربويا واجتماعيا وسياسيا، وتثبيت اركان الدولة واحترام دستورها وقوانينها، تمكينا لها من اداء دورها في معالجة الشأن المعيشي والاجتماعي المتسبب بالهجرة واستنزاف قوى البلاد الحية، وفي تحقيق المساواة والعدالة للمواطنين جميعا. فالعدالة قيمة مطلقة وهي صفة من صفات الله تعالى لا يمكن أي مجتمع أن يستمر ويزدهر من دونها، وتأكيد احترام القيم الأخلاقية والروحية، وناشدوا وسائل الإعلام القيام بدورها في صون هذه القيم.
5- الإحتكام الى المؤسسات الدستورية دون سواها لمعالجة أي خلاف، والاعتماد على الجيش اللبناني وعلى قوى الأمن الشرعية وحدها للمحافظة على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها للقيام بهذه المهمة.
6- تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله، وحق الدولة في تحرير اراضيها التي تحتلها اسرائيل، وهم إذ يثمنون دور قوات اليونيفيل في جنوب لبنان التي تعمل وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، يهيبون بالأمم المتحدة وبالمجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لحملها على تنفيذ القرارات الدولية التي تطالبها بالإنسحاب الفوري وغير المشروط من كل الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان على أرضه ومياهه وفضائه.
7- التشديد على أهمية حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي هو مفتاح السلام والأمن والإستقرار، بما يضمن تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
كما يهيبون بالمنظمة الدولية الإستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة حق العودة الى وطنه وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، المعترف بها وطنا دائما لجميع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات، وهذا ما يتلاقى مع إرادة اللبنانيين الجامعة في رفض التوطين بكل أشكاله.
8- مناشدة جميع اللبنانيين، وبخاصة الشباب، التمسك بأرضهم في الوطن، محافظين عليها من جيل الى جيل، والتشبث بقيمهم الإيمانية وبقيم وطنهم وثقافته المنفتحة على التنوع، مبتعدين عن أخطار التزمت والتطرف الديني الذي يشوه صورة الآخر ويروج للتقوقع والإنغلاق ويزعزع الثقافة الوطنية المشتركة المبنية على اعتبار العيش معا قيمة إنسانية سامية. ودعوتهم لعدم الإستسلام الى تجربة الإنطواء على الذات في مجموعات طائفية متجانسة ومنقطعة عن التواصل في ما بينها، لأن في ذلك تقطيعا لأوصال المجتمع ولجذور الوحدة الوطنية. ومطالبة الدولة اللبنانية بتحفيز النمو الإقتصادي وتأمين فرص عمل للشباب وتبديد مشاعر الخوف لديهم حول المستقبل.
أبدى أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة قلقهم واستنكارهم الشديدين لتداعيات الاحداث التي اتخذت بعدا طائفيا في جمهورية مصر العربية الشقيقة، ومن قبلها العراق، والتي طالت العديد من المسيحيين ووصلت الى حد الاعتداء الاثم على الكنائس، واكدوا موقفهم الثابت، وهو ان اي اعتداء على اي بيت من بيوت الله او على مقدس من مقدساتنا الدينية، هو بمثابة اعتداء عليها جميعا، وهم يؤكدون ما للمسيحيين والمسلمين في هذا الشرق من دور تاريخي بناء على مختلف الاصعدة، وما يتمتعون به من ولاء واخلاص لاوطانهم، مصرين على المشاركة في صنع مستقبل مشرق لها.
كما شدد المجتمعون على تعزيز روابط الاخوة بين لبنان والدول العربية الشقيقة وعلى حرصه على ان تحقق هذه الدول الشقيقة لنفسها ما يتمنى هو ان يحققه لنفسه ايضا من استقرار وازدهار وامن وسلام.
وقد أقر المجتمعون مبدأ عقد لقاءات دورية للقمة الروحية، والتوجه بمبادرة روحية وطنية لمعالجة الخلافات السياسية الداخلية.
وهم يرفعون الدعاء الى الله العلي الضابط الكل لكي تتخطى الدول العربية الازمات العصيبة التي تمر بها، كما يتمنون ان يوفر لقاؤهم الروحي والوطني اليوم قوة دفع جديدة للحوار السياسي الوطني على النحو الذي حققه لقاؤهم السابق الذي عقد في رحاب القصر الجمهوري في عام 2008، ويبتهلون معا الى الله العلي ان يمن على لبنان وشعبه بالخير والامان، وان يصون وحدة ابنائه ويوفقهم جميعا لسلوك طريق الخير والسلام والمحبة.
النظام السوري و"عسكرة" الانتفاضة الشعبية
ياسر الزعاترة
لم يكن بوسعنا أن نتورط في مستنقع الازدواجية في المحطة السورية، ولن نقول مثلما قال الأمين العام حسن نصر الله في معرض تعليقه على الحراك الشعبي البحريني إن الموقف في حالة دول المقاومة والممانعة قد يختلف عما عداه (لم يتحدث للأمانة عن تجاهل المطالب الشعبية، بل عن البحث عن مقاربة سياسية معقولة، مع أن تعاطي الحزب مع الأحداث لا يعبر عن هذا التوجه). وعموما لم نقتنع يوما بأن بالمقاومة والممانعة تقف حائلا دون منح الناس حريتهم، ومن يعتقد أنه يلبي بالفعل أشواق الناس في العزة والكرامة ومواجهة الأعداء لن يخشى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع إلا إذا كان دكتاتورا في الداخل، بل إن مسار المقاومة والممانعة يغدو أكثر قوة حين يكون المقاومون والممانعون أحرارا وليسوا عبيدا لفرد أو نخبة معينة.
كنا ندافع عن النظام السوري تبعا لمواقفه المتميزة في دعم المقاومة في فلسطين ولبنان، وموقفه من العراق ودعمه للمقاومة وصولا إلى إفشال المشروع الأميركي الذي كان يخطط لإعادة تشكيل المنطقة.ولعلنا نشير هنا إلى ما كنّا نلاقيه من صعوبة في إقناع السوريين بحقيقة مواقف نظامهم المشار إليها، الأمر الذي يبدو مفهوما إلى حد ما، لأن من الصعب على المظلوم أن يرى خيرا في من يدوس على حريته وكرامته.
من هذا المنطلق تحدثنا في البداية عن الإصلاح، وليس عن التغيير الجذري، وهو ما تردد أيضا في الساحة الشعبية السورية، لكن الرئيس لم يقابل مطالب الإصلاح السورية الشعبية إلا بالسخرية كما في خطابه أمام مجلس الشعب، مع أن السخرية لم تعهد عنه، ولا نتجاوز الحق إذا قلنا إن خطابات المديح لسيادته التي سمعناها تتردد في المجلس قد أشعرتنا بالخجل كعرب ومسلمين.
دعك من الأسباب التي قادت إلى انفجار مدينة درعا، وهي أسباب لا داعي للتفصيل فيها، لكنها تعبر عن العقلية الأمنية التي تحكم البلد، بدءًا باعتقال طبيبتين والإمعان في إهانتهما، لمجرد قول إحداهما لصديقتها "عقبال عنا" في التعبير عن فرحتها بما جرى في مصر، وليس انتهاء بموقف المحافظ من توسط وجهاء المدينة من أجل الإفراج عن الأطفال الذين اعتقلوا بسبب كتابتهم على الحيطان ضد النظام احتجاجا على ما وقع للطبيبتين، وهو موقف طاعن في الازدراء كما روى القوم.
عندما خرج الناس يطالبون بالإصلاح والحرية، ردّ عليهم الرئيس بالخطاب الساخر إياه، ثم رد تاليا بالرصاص الحي، وعندما انتفضت المدن الأخرى وتواصلت عمليات القتل خرج بإصلاحات شكلية مثل إلغاء قانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة، وذلك بدل الحديث عن إصلاحات دستورية ذات معنى.ومع تواصل مسلسل القتل، ومعه التشويه الإعلامي للانتفاضة الشعبية والحديث عن مندسين وإرهابيين، تطورت المطالب الشعبية من إصلاح النظام إلى إسقاط النظام، الأمر الذي كان طبيعيا من دون شك، ولو اختلفت الاستجابة وتقدم النظام بإصلاحات حقيقية لاختلف الموقف برمته.بعد اتساع نطاق الاحتجاجات وتوحد مطالب الناس في شعار إسقاط النظام، تفتق ذهن النظام عن خطة لعسكرة الانتفاضة، وذلك بأن يجري تحويلها من انتفاضة سلمية إلى تمرد مسلح، وبالطبع من خلال فبركات أمنية من جهة، ومن خلال مجموعات سلفية جهادية مخترقة من جهة أخرى، ونعلم أن للنظام خبرته الطويلة في التعامل مع هذه المجموعات اكتسبها خلال عمله معها في السياق العراقي، مع أنه ما لبث أن انقلب عليها بعد الضغوط الأميركية ووضوح فشل مشروع الاحتلال لحساب الحضور الإيراني، مع إعلان النوايا الأميركية بالانسحاب.ونعيد التأكيد على أننا نتحدث عن اختراق، إذ لا يعتقد أن التيار المذكور يمكن أن يفكر بمثل هذا المسار، وقد ذهب أحد أهم منظري هذا التيار (أبو محمد المقدسي) إلى الاحتفال بالثورة الشعبية للسوريين.
الطرف الآخر المتهم بحمل السلاح من قبل النظام هو الإخوان، وهنا لا تنطلي اللعبة على أحد أيضا، ليس فقط لأن الإخوان هم الأكثر حرصا على سلمية الثورة بعدما رأوا ثمارها في تونس ومصر (دعك من مرارة تجربتهم الماضية)، بل لأنهم لا يملكون القدرة أيضا، من دون أن يقلل ذلك من دورهم وحضورهم كجزء من الشعب السوري، هم الذي دفعوا أثمانا باهظة في مواجهته طوال العقود الثلاثة الماضية.
يخطئ الرئيس السوري إن اعتقد أن هذه اللعبة (لعبة عسكرة الانتفاضة) ستكون مجدية في مواجهة الانتفاضة الشعبية، في استعادة للمواجهة التي خاضها نظام والده مع الإخوان المسلمين مطلع الثمانينيات، والتي انتهت بمجزرة حماة الشهيرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الناس الأبرياء.
يخطئ في هذا التقدير لجملة من الأسباب، أولها أن ما جرى في مواجهة نظام الأب كان تمردا مسلحا بالفعل، وكان يتلقى دعما ما من بعض الدول العربية، بل كان يُسمح له بجمع التبرعات حتى في أميركا والدول الغربية، وإن تم ذلك لأغراض ابتزاز النظام وإضعافه وليس إسقاطه واستبداله بإسلاميين راديكاليين، أما اليوم فهناك إصرار على نبذ العنف، حيث يهتف الناس في الشوارع "سلمية سلمية"، أما قصص السلاح فلا يبدو أنها تمر على الناس، بما في ذلك تمثيليات الجنائز التي تبث كل يوم على تلفزيون السوري (يذهب سوريون إلى أن بعضها لعناصر من الجيش والأمن رفضت إطلاق النار على المتظاهرين).
هناك ثانيا ما يتعلق بالوضع الدولي، ففي الحالة السابقة كانت هناك الثنائية القطبية، أما اليوم فالمشهد مختلف كما يعرف الجميع، ولن يكون بوسع روسيا أو الصين الدفاع عن قتل الناس الأبرياء في الشوارع، بدليل موقفهما في السياق الليبي حيال قرار مجلس الأمن رقم 1973.
هناك ثالثا ما يتعلق بالوضع الإعلامي، وهذه نقطة بالغة الأهمية، إذ إن ثورة المعلومات والاتصالات لم تعد تسمح لأحد بقتل الناس في السر، وزمن الهواتف المحمولة ذات الكاميرات وزمن اليوتيوب يفضح كل شيء، وبالتالي يستثير الرأي العام دولا وجماهير.
الأهم من ذلك كله هو ما يتعلق بالموقف الشعبي، ففي مطلع الثمانينيات لم يكن ثمة إجماع على الثورة على النظام، أما اليوم فالإجماع شبه متحقق إلى حد كبير، وحتى الحديث عن انحياز الطائفة العلوية للنظام لا يبدو محقا، لأن جزءا كبيرا منها ليس مع النظام، مع أن جرّ الكثير من أبنائها في معركة الدفاع عن النظام لا يبدو مستبعدا، وقد رأينا كيف تم تسليح الأقلية العلوية في مدينة بانياس التي كانت الأكثر تعرضا للقمع بعد درعا، ولا قيمة للقول إن أعداد المتظاهرين ليست كبيرة مثل مصر واليمن، لأن الخوف من دولة أمنية قمعية هو السبب، وينطبق ذلك على تردد بعض المناطق عن المشاركة، الأمر الذي لن يلبث أن ينتهي لينخرط الجميع في الثورة.
في هذه الأثناء برزت مفاجأة في منتهى الإثارة تمثلت في التصريحات التي أدلى بها رامي مخلوف، المليادرير (ابن خال الرئيس)، لصحيفة نيويورك تايمز، والتي قال فيها "إذا لم يكن هناك استقرار داخلي هنا (في سوريا)، فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل"، ما يذكرنا بتصريحات مشابهة للقذافي.
كل ذلك يؤكد أن النظام لم يكن مخلصا في مقاومته وممانعته بقدر ما كان يعبر عن مصالح نخبته الحاكمة التي رأت أن كلفة المقاومة والممانعة أقل من كلفة الاستسلام كما كان يردد الرئيس السوري نفسه، الأمر الذي كنا ندركه بالطبع، من دون أن يدفعنا إلى التردد في مديح تلك المواقف قياسا بمواقف أنظمة أخرى كانت تذهب في الاتجاه الآخر، ومن أجل مصالح نخبها الحاكمة أيضا.
اليوم تبدو تصريحات رامي مخلوف محرجة إلى حد كبير للتيارات التي تدافع عن النظام وتقف معه في معركته مع شعبه، وفي مقدمتها حزب الله ومن يدور في فلكه، فضلا عن جحافل من القوميين واليساريين الذين لا يستحون من دفاعهم عن قتل النظام لأبناء شعبه، فضلا عن ترديد حكاية المؤامرة الخارجية، لكأن النظام هو وحده عنوان الوطنية والقومية، بينما السوريون مجرد جحافل من العملاء والمأجورين.
إنه منطق النخب الحاكمة التي تعلن استعدادها لحرق الأخضر واليابس من أجل مصلحتها بعد أن جمعت الثروة مع السلطة، وفي هذا الصدد يقول مخلوف في ذات المقابلة إن النخبة الحاكمة في سوريا قد تكاتفت أكثر بعد الأزمة (لا يريد الاعتراف بأنها ثورة مع أن كلامه يعكس ذلك)، مضيفا القول "نؤمن بأنه لا استمرارية من دون وحدة، وكل شخص منا يعرف أننا لا يمكن أن نستمر من دون أن نكون موحدين. لن نخرج ولن نترك مركبنا ونقامر. سنجلس هنا، نعتبرها معركة حتى النهاية". وفي النهاية يعود إلى الدولة العبرية ليقول للغرب "يجب أن يعلموا أننا حين نعاني، فلن نعاني وحدنا".
في ضوء هذه المعادلة، يمكن القول إن النظام قد قرر الذهاب بعيدا في منظومة القمع، كما يؤكد من جهة أخرى أن الانتفاضة الشعبية في سوريا قد تجاوزت فكرة الإصلاح، الأمر الذي يدركه النظام الذي أخذ يهرب إلى الأمام بتعزيز منظومة القمع والقتل، بدليل الدبابات التي أدخلها إلى مدينة درعا وبانياس وحمص ومدن أخرى، ويتوقع أن يدخلها إلى سائر المدن المنتفضة بالتدريج.
في هذا السياق جاء تحذير رئيس الوزراء التركي (أردوغان) من مغبة تكرار "حماة" أخرى، مع أن الأمر لن يكون بهذه السهولة، لكن أنقرة التي خاب أملها بسلوك النظام لم تجد غير هذا الكلام المتشدد لكي تعبر من خلاله عن مخاوفها مما يجري، وهي التي اتهمت طوال أسابيع بمحاباة النظام تبعا للعلاقة المتميزة معه، ويبدو أنها أدركت أن الشعب هو الأبقى، وأن النظام في طريقه إلى الزوال ولا يواجه أزمة محدودة النطاق وحسب.
من الصعب الحديث عن مآلات الانتفاضة الشعبية السورية بعد دخول العامل الدولي على الخط، ولا شك أن التدخل الغربي لا يمكن استبعاده، لكن الشعب السوري لن يقبل على الأرجح تكرار السيناريو الليبي، حتى لو سكت على عقوبات تطال رموز النظام.
لكن تعويل النظام على تحويل الانتفاضة الشعبية إلى تمرد مسلح، ومن ثم إصراره على هذا المسار على نحو غير مقنع للداخل والخارج، مع تصعيد آلة القمع قد يسهل لعبة التدخل، لا سيما أن أطرافا في المعارضة السورية في الخارج قد لا تجد في الأمر غضاضة بسبب قناعاتها الخاصة، ومواقفها من النظام.
هل فات أوان الإصلاح؟ من الصعب حسم جواب السؤال، وسيعتمد الموقف على ماهية الإصلاح المطروح وتطور الموقف الشعبي، إذ إن إعلان النظام عن خطوات إصلاحية حقيقية تفكك النظام الأمني، وتشمل تعديلات دستورية تطال المادة الثامنة من الدستور، وصولا إلى دستور جديد يؤسس لديمقراطية حقيقية وليس ديكورية على النمط السائد في مصر وتونس واليمن قبل الثورات، هذا الأمر قد يفضي إلى توقف الثورة في انتظار انجلاء الموقف.
لكن هامشية هذا الاحتمال، بل استحالته في واقع الحال، معطوفا على الإسراف في سفك الدماء كما وقع إلى الآن ويتوقع أن يتواصل خلال الأيام والأسابيع المقبلة، سيجعل هدف إسقاط النظام هو الوحيد المتاح.
ويبدو أن لدى الشعب ما يكفي من الجاهزية والإصرار على هذه المعركة، وهو مستعد لدفع أثمانها الباهظة. ويبقى موقف الجيش الذي نتوقع منه أن لا يقل انحيازا للشعب من موقف الجيش التونسي والجيش المصري.
لم يكن بوسعنا أن نتورط في مستنقع الازدواجية في المحطة السورية، ولن نقول مثلما قال الأمين العام حسن نصر الله في معرض تعليقه على الحراك الشعبي البحريني إن الموقف في حالة دول المقاومة والممانعة قد يختلف عما عداه (لم يتحدث للأمانة عن تجاهل المطالب الشعبية، بل عن البحث عن مقاربة سياسية معقولة، مع أن تعاطي الحزب مع الأحداث لا يعبر عن هذا التوجه). وعموما لم نقتنع يوما بأن بالمقاومة والممانعة تقف حائلا دون منح الناس حريتهم، ومن يعتقد أنه يلبي بالفعل أشواق الناس في العزة والكرامة ومواجهة الأعداء لن يخشى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع إلا إذا كان دكتاتورا في الداخل، بل إن مسار المقاومة والممانعة يغدو أكثر قوة حين يكون المقاومون والممانعون أحرارا وليسوا عبيدا لفرد أو نخبة معينة.
كنا ندافع عن النظام السوري تبعا لمواقفه المتميزة في دعم المقاومة في فلسطين ولبنان، وموقفه من العراق ودعمه للمقاومة وصولا إلى إفشال المشروع الأميركي الذي كان يخطط لإعادة تشكيل المنطقة.ولعلنا نشير هنا إلى ما كنّا نلاقيه من صعوبة في إقناع السوريين بحقيقة مواقف نظامهم المشار إليها، الأمر الذي يبدو مفهوما إلى حد ما، لأن من الصعب على المظلوم أن يرى خيرا في من يدوس على حريته وكرامته.
من هذا المنطلق تحدثنا في البداية عن الإصلاح، وليس عن التغيير الجذري، وهو ما تردد أيضا في الساحة الشعبية السورية، لكن الرئيس لم يقابل مطالب الإصلاح السورية الشعبية إلا بالسخرية كما في خطابه أمام مجلس الشعب، مع أن السخرية لم تعهد عنه، ولا نتجاوز الحق إذا قلنا إن خطابات المديح لسيادته التي سمعناها تتردد في المجلس قد أشعرتنا بالخجل كعرب ومسلمين.
دعك من الأسباب التي قادت إلى انفجار مدينة درعا، وهي أسباب لا داعي للتفصيل فيها، لكنها تعبر عن العقلية الأمنية التي تحكم البلد، بدءًا باعتقال طبيبتين والإمعان في إهانتهما، لمجرد قول إحداهما لصديقتها "عقبال عنا" في التعبير عن فرحتها بما جرى في مصر، وليس انتهاء بموقف المحافظ من توسط وجهاء المدينة من أجل الإفراج عن الأطفال الذين اعتقلوا بسبب كتابتهم على الحيطان ضد النظام احتجاجا على ما وقع للطبيبتين، وهو موقف طاعن في الازدراء كما روى القوم.
عندما خرج الناس يطالبون بالإصلاح والحرية، ردّ عليهم الرئيس بالخطاب الساخر إياه، ثم رد تاليا بالرصاص الحي، وعندما انتفضت المدن الأخرى وتواصلت عمليات القتل خرج بإصلاحات شكلية مثل إلغاء قانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة، وذلك بدل الحديث عن إصلاحات دستورية ذات معنى.ومع تواصل مسلسل القتل، ومعه التشويه الإعلامي للانتفاضة الشعبية والحديث عن مندسين وإرهابيين، تطورت المطالب الشعبية من إصلاح النظام إلى إسقاط النظام، الأمر الذي كان طبيعيا من دون شك، ولو اختلفت الاستجابة وتقدم النظام بإصلاحات حقيقية لاختلف الموقف برمته.بعد اتساع نطاق الاحتجاجات وتوحد مطالب الناس في شعار إسقاط النظام، تفتق ذهن النظام عن خطة لعسكرة الانتفاضة، وذلك بأن يجري تحويلها من انتفاضة سلمية إلى تمرد مسلح، وبالطبع من خلال فبركات أمنية من جهة، ومن خلال مجموعات سلفية جهادية مخترقة من جهة أخرى، ونعلم أن للنظام خبرته الطويلة في التعامل مع هذه المجموعات اكتسبها خلال عمله معها في السياق العراقي، مع أنه ما لبث أن انقلب عليها بعد الضغوط الأميركية ووضوح فشل مشروع الاحتلال لحساب الحضور الإيراني، مع إعلان النوايا الأميركية بالانسحاب.ونعيد التأكيد على أننا نتحدث عن اختراق، إذ لا يعتقد أن التيار المذكور يمكن أن يفكر بمثل هذا المسار، وقد ذهب أحد أهم منظري هذا التيار (أبو محمد المقدسي) إلى الاحتفال بالثورة الشعبية للسوريين.
الطرف الآخر المتهم بحمل السلاح من قبل النظام هو الإخوان، وهنا لا تنطلي اللعبة على أحد أيضا، ليس فقط لأن الإخوان هم الأكثر حرصا على سلمية الثورة بعدما رأوا ثمارها في تونس ومصر (دعك من مرارة تجربتهم الماضية)، بل لأنهم لا يملكون القدرة أيضا، من دون أن يقلل ذلك من دورهم وحضورهم كجزء من الشعب السوري، هم الذي دفعوا أثمانا باهظة في مواجهته طوال العقود الثلاثة الماضية.
يخطئ الرئيس السوري إن اعتقد أن هذه اللعبة (لعبة عسكرة الانتفاضة) ستكون مجدية في مواجهة الانتفاضة الشعبية، في استعادة للمواجهة التي خاضها نظام والده مع الإخوان المسلمين مطلع الثمانينيات، والتي انتهت بمجزرة حماة الشهيرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الناس الأبرياء.
يخطئ في هذا التقدير لجملة من الأسباب، أولها أن ما جرى في مواجهة نظام الأب كان تمردا مسلحا بالفعل، وكان يتلقى دعما ما من بعض الدول العربية، بل كان يُسمح له بجمع التبرعات حتى في أميركا والدول الغربية، وإن تم ذلك لأغراض ابتزاز النظام وإضعافه وليس إسقاطه واستبداله بإسلاميين راديكاليين، أما اليوم فهناك إصرار على نبذ العنف، حيث يهتف الناس في الشوارع "سلمية سلمية"، أما قصص السلاح فلا يبدو أنها تمر على الناس، بما في ذلك تمثيليات الجنائز التي تبث كل يوم على تلفزيون السوري (يذهب سوريون إلى أن بعضها لعناصر من الجيش والأمن رفضت إطلاق النار على المتظاهرين).
هناك ثانيا ما يتعلق بالوضع الدولي، ففي الحالة السابقة كانت هناك الثنائية القطبية، أما اليوم فالمشهد مختلف كما يعرف الجميع، ولن يكون بوسع روسيا أو الصين الدفاع عن قتل الناس الأبرياء في الشوارع، بدليل موقفهما في السياق الليبي حيال قرار مجلس الأمن رقم 1973.
هناك ثالثا ما يتعلق بالوضع الإعلامي، وهذه نقطة بالغة الأهمية، إذ إن ثورة المعلومات والاتصالات لم تعد تسمح لأحد بقتل الناس في السر، وزمن الهواتف المحمولة ذات الكاميرات وزمن اليوتيوب يفضح كل شيء، وبالتالي يستثير الرأي العام دولا وجماهير.
الأهم من ذلك كله هو ما يتعلق بالموقف الشعبي، ففي مطلع الثمانينيات لم يكن ثمة إجماع على الثورة على النظام، أما اليوم فالإجماع شبه متحقق إلى حد كبير، وحتى الحديث عن انحياز الطائفة العلوية للنظام لا يبدو محقا، لأن جزءا كبيرا منها ليس مع النظام، مع أن جرّ الكثير من أبنائها في معركة الدفاع عن النظام لا يبدو مستبعدا، وقد رأينا كيف تم تسليح الأقلية العلوية في مدينة بانياس التي كانت الأكثر تعرضا للقمع بعد درعا، ولا قيمة للقول إن أعداد المتظاهرين ليست كبيرة مثل مصر واليمن، لأن الخوف من دولة أمنية قمعية هو السبب، وينطبق ذلك على تردد بعض المناطق عن المشاركة، الأمر الذي لن يلبث أن ينتهي لينخرط الجميع في الثورة.
في هذه الأثناء برزت مفاجأة في منتهى الإثارة تمثلت في التصريحات التي أدلى بها رامي مخلوف، المليادرير (ابن خال الرئيس)، لصحيفة نيويورك تايمز، والتي قال فيها "إذا لم يكن هناك استقرار داخلي هنا (في سوريا)، فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل"، ما يذكرنا بتصريحات مشابهة للقذافي.
كل ذلك يؤكد أن النظام لم يكن مخلصا في مقاومته وممانعته بقدر ما كان يعبر عن مصالح نخبته الحاكمة التي رأت أن كلفة المقاومة والممانعة أقل من كلفة الاستسلام كما كان يردد الرئيس السوري نفسه، الأمر الذي كنا ندركه بالطبع، من دون أن يدفعنا إلى التردد في مديح تلك المواقف قياسا بمواقف أنظمة أخرى كانت تذهب في الاتجاه الآخر، ومن أجل مصالح نخبها الحاكمة أيضا.
اليوم تبدو تصريحات رامي مخلوف محرجة إلى حد كبير للتيارات التي تدافع عن النظام وتقف معه في معركته مع شعبه، وفي مقدمتها حزب الله ومن يدور في فلكه، فضلا عن جحافل من القوميين واليساريين الذين لا يستحون من دفاعهم عن قتل النظام لأبناء شعبه، فضلا عن ترديد حكاية المؤامرة الخارجية، لكأن النظام هو وحده عنوان الوطنية والقومية، بينما السوريون مجرد جحافل من العملاء والمأجورين.
إنه منطق النخب الحاكمة التي تعلن استعدادها لحرق الأخضر واليابس من أجل مصلحتها بعد أن جمعت الثروة مع السلطة، وفي هذا الصدد يقول مخلوف في ذات المقابلة إن النخبة الحاكمة في سوريا قد تكاتفت أكثر بعد الأزمة (لا يريد الاعتراف بأنها ثورة مع أن كلامه يعكس ذلك)، مضيفا القول "نؤمن بأنه لا استمرارية من دون وحدة، وكل شخص منا يعرف أننا لا يمكن أن نستمر من دون أن نكون موحدين. لن نخرج ولن نترك مركبنا ونقامر. سنجلس هنا، نعتبرها معركة حتى النهاية". وفي النهاية يعود إلى الدولة العبرية ليقول للغرب "يجب أن يعلموا أننا حين نعاني، فلن نعاني وحدنا".
في ضوء هذه المعادلة، يمكن القول إن النظام قد قرر الذهاب بعيدا في منظومة القمع، كما يؤكد من جهة أخرى أن الانتفاضة الشعبية في سوريا قد تجاوزت فكرة الإصلاح، الأمر الذي يدركه النظام الذي أخذ يهرب إلى الأمام بتعزيز منظومة القمع والقتل، بدليل الدبابات التي أدخلها إلى مدينة درعا وبانياس وحمص ومدن أخرى، ويتوقع أن يدخلها إلى سائر المدن المنتفضة بالتدريج.
في هذا السياق جاء تحذير رئيس الوزراء التركي (أردوغان) من مغبة تكرار "حماة" أخرى، مع أن الأمر لن يكون بهذه السهولة، لكن أنقرة التي خاب أملها بسلوك النظام لم تجد غير هذا الكلام المتشدد لكي تعبر من خلاله عن مخاوفها مما يجري، وهي التي اتهمت طوال أسابيع بمحاباة النظام تبعا للعلاقة المتميزة معه، ويبدو أنها أدركت أن الشعب هو الأبقى، وأن النظام في طريقه إلى الزوال ولا يواجه أزمة محدودة النطاق وحسب.
من الصعب الحديث عن مآلات الانتفاضة الشعبية السورية بعد دخول العامل الدولي على الخط، ولا شك أن التدخل الغربي لا يمكن استبعاده، لكن الشعب السوري لن يقبل على الأرجح تكرار السيناريو الليبي، حتى لو سكت على عقوبات تطال رموز النظام.
لكن تعويل النظام على تحويل الانتفاضة الشعبية إلى تمرد مسلح، ومن ثم إصراره على هذا المسار على نحو غير مقنع للداخل والخارج، مع تصعيد آلة القمع قد يسهل لعبة التدخل، لا سيما أن أطرافا في المعارضة السورية في الخارج قد لا تجد في الأمر غضاضة بسبب قناعاتها الخاصة، ومواقفها من النظام.
هل فات أوان الإصلاح؟ من الصعب حسم جواب السؤال، وسيعتمد الموقف على ماهية الإصلاح المطروح وتطور الموقف الشعبي، إذ إن إعلان النظام عن خطوات إصلاحية حقيقية تفكك النظام الأمني، وتشمل تعديلات دستورية تطال المادة الثامنة من الدستور، وصولا إلى دستور جديد يؤسس لديمقراطية حقيقية وليس ديكورية على النمط السائد في مصر وتونس واليمن قبل الثورات، هذا الأمر قد يفضي إلى توقف الثورة في انتظار انجلاء الموقف.
لكن هامشية هذا الاحتمال، بل استحالته في واقع الحال، معطوفا على الإسراف في سفك الدماء كما وقع إلى الآن ويتوقع أن يتواصل خلال الأيام والأسابيع المقبلة، سيجعل هدف إسقاط النظام هو الوحيد المتاح.
ويبدو أن لدى الشعب ما يكفي من الجاهزية والإصرار على هذه المعركة، وهو مستعد لدفع أثمانها الباهظة. ويبقى موقف الجيش الذي نتوقع منه أن لا يقل انحيازا للشعب من موقف الجيش التونسي والجيش المصري.
السبت، 14 مايو 2011
رسالة مفتوحة من علماء سوريا
بسم الله الرحمن الرحيم
انطلاقاً من تقديرنا للظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا، وانطلاقاً من إدراكنا أن الوطن موئل جميع المواطنين على اختلاف مللهم و نحلهم، وأن الحفاظ على أمنه وكرامته منوط بكل سوري حر، ومع اتساع حجم الأزمة المريرة التي نمر بها، وانطلاقاً من إدراكنا أن الخروج من الأزمة لم يعد حكراً على أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة اللتين زادتا الأمر تعقيداً، وحرصاً منا على الدماء الزكية أن تُراق ظلماً وعدواناً ثمناً للكلمة، انطلاقاً من كل ما سبق، فإننا نبين ما يلي:
1. ندعو الله سبحانه و تعالى أن يرحم الشهداء الذين سقطوا في هذه الأحداث، وأن يفرغ على أهلهم و ذويهم الصبر والسلوان، وأن يتقبلهم في الصالحين.
2. التأكيد على أن سوريا هي بيت واحد لجميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والعرقية، وينبغي العمل على جعل هذا التنوع مصدر ثراء لثقافة المجتمع السوري، وأن لا كرامة لأحد فوق أحد إلا بالعمل الصالح.
3. نؤكد على مطالب وحقوق الشعب باختلاف أطيافه، وأبرزها:
أ. الرفع الفعلي لحالة الطوارئ باختلاف صورها و مسمياتها وسلوكياتها، وذلك بعدما بدت مظاهر عدم تطبيق المرسوم الصادر برفعها بالدماء والاعتقالات التي ازدادت في الأيام الأخيرة.
ب. البعد عن التعرض لحرية المواطن وكرامته، وعدّ المواطنة اساساً للحقوق والواجبات، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، والحد من صلاحيات الأجهزة الأمنية وكف أيديهم عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة.
ت. إطلاق سراح معتقلي الكلمة والرأي، ممن أوقفوا قديماً أو حديثاً، والسماح للمبعدين بالعودة إلى الوطن، وللممنوعين بغير مذكرة قضائية بالسفر متى شاؤوا.
ث. تعديل كل فقرة تشريعية تقف عائقاً في وجه الشعب وحقوقه، كإلغاء المادة الثامنة من الدستور.
ج. عدم التعرض للتظاهر السلمي بضمانة الدستور، والاكتفاء بإبلاغ وزارة الداخلية عن التظاهر السلمي دون ربطه بموافقتها.
ح. إدانة المتورطين بالعنف ضد المواطنين، ومحاسبتهم بصورة علنية تهدئ من غضب ذوي الشهداء المقتولين برصاصهم، وتحميل المسؤولية لكل الجهات الأمنية التي تتحرك في البلد من أقصاها إلى أقصاها، والمسؤولية عن حماية أرواح المواطنين وحقن دمائهم.
خ. تحقيق مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون، وبسط سلطة القضاء على الأجهزة الأمنية كافة، وإلغاء القوانين والمراسيم التي تخالف ذلك.
د. على الجهات الإعلامية تحري الدقة والموضوعية في نشر الأخبار.
ذ. إطلاق حرية التعبير والصحافة والنشر والإعلام.
4. في ظرفنا العصيب هناك خطوط حمراء يسعى أعداء الشعب والأمّة إلى إجهاض مطالباته من خلالها، ويكيدون للأمة عن طريقها، لذلك نؤكد على ضرورة الانتباه إلى تلك الخطوط وعدم التعرض لأي منها، وهي:
أ. الدماء: قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
ب. التخريب للمال العام أو الخاص: لقوله صلى الله عليه وسلم: كلّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالهُ وعِرضٌه.
ت. إثارة النعرات الطائفية: وهي أشد ما يفتك بالأمة على اختلاف فئاتها.
إننا ننبه إلى عدم الاقتراب من هذه الخطوط من جانب شرعي من جهة، وتمتيناً لجبهتنا الداخلية، ودفعاً لفتنة يُسعى إلى إيقاع البلد فيها من جهة أخرى.
نأمل أن تقع كلماتنا موقع الجديّة التي تستحقها، لنستطيع الخروج من هذه الأزمة بسلام، فالدماء التي نزفت، والاحتقان المتراكم في الصدور، لا تذهبه وعود وتأجيلات، بل سعي حقيقي وفوري، وسنكون لذلك سنداً وعوناً بإذن الله تعالى.
انطلاقاً من تقديرنا للظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا، وانطلاقاً من إدراكنا أن الوطن موئل جميع المواطنين على اختلاف مللهم و نحلهم، وأن الحفاظ على أمنه وكرامته منوط بكل سوري حر، ومع اتساع حجم الأزمة المريرة التي نمر بها، وانطلاقاً من إدراكنا أن الخروج من الأزمة لم يعد حكراً على أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة اللتين زادتا الأمر تعقيداً، وحرصاً منا على الدماء الزكية أن تُراق ظلماً وعدواناً ثمناً للكلمة، انطلاقاً من كل ما سبق، فإننا نبين ما يلي:
1. ندعو الله سبحانه و تعالى أن يرحم الشهداء الذين سقطوا في هذه الأحداث، وأن يفرغ على أهلهم و ذويهم الصبر والسلوان، وأن يتقبلهم في الصالحين.
2. التأكيد على أن سوريا هي بيت واحد لجميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والعرقية، وينبغي العمل على جعل هذا التنوع مصدر ثراء لثقافة المجتمع السوري، وأن لا كرامة لأحد فوق أحد إلا بالعمل الصالح.
3. نؤكد على مطالب وحقوق الشعب باختلاف أطيافه، وأبرزها:
أ. الرفع الفعلي لحالة الطوارئ باختلاف صورها و مسمياتها وسلوكياتها، وذلك بعدما بدت مظاهر عدم تطبيق المرسوم الصادر برفعها بالدماء والاعتقالات التي ازدادت في الأيام الأخيرة.
ب. البعد عن التعرض لحرية المواطن وكرامته، وعدّ المواطنة اساساً للحقوق والواجبات، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، والحد من صلاحيات الأجهزة الأمنية وكف أيديهم عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة.
ت. إطلاق سراح معتقلي الكلمة والرأي، ممن أوقفوا قديماً أو حديثاً، والسماح للمبعدين بالعودة إلى الوطن، وللممنوعين بغير مذكرة قضائية بالسفر متى شاؤوا.
ث. تعديل كل فقرة تشريعية تقف عائقاً في وجه الشعب وحقوقه، كإلغاء المادة الثامنة من الدستور.
ج. عدم التعرض للتظاهر السلمي بضمانة الدستور، والاكتفاء بإبلاغ وزارة الداخلية عن التظاهر السلمي دون ربطه بموافقتها.
ح. إدانة المتورطين بالعنف ضد المواطنين، ومحاسبتهم بصورة علنية تهدئ من غضب ذوي الشهداء المقتولين برصاصهم، وتحميل المسؤولية لكل الجهات الأمنية التي تتحرك في البلد من أقصاها إلى أقصاها، والمسؤولية عن حماية أرواح المواطنين وحقن دمائهم.
خ. تحقيق مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون، وبسط سلطة القضاء على الأجهزة الأمنية كافة، وإلغاء القوانين والمراسيم التي تخالف ذلك.
د. على الجهات الإعلامية تحري الدقة والموضوعية في نشر الأخبار.
ذ. إطلاق حرية التعبير والصحافة والنشر والإعلام.
4. في ظرفنا العصيب هناك خطوط حمراء يسعى أعداء الشعب والأمّة إلى إجهاض مطالباته من خلالها، ويكيدون للأمة عن طريقها، لذلك نؤكد على ضرورة الانتباه إلى تلك الخطوط وعدم التعرض لأي منها، وهي:
أ. الدماء: قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
ب. التخريب للمال العام أو الخاص: لقوله صلى الله عليه وسلم: كلّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالهُ وعِرضٌه.
ت. إثارة النعرات الطائفية: وهي أشد ما يفتك بالأمة على اختلاف فئاتها.
إننا ننبه إلى عدم الاقتراب من هذه الخطوط من جانب شرعي من جهة، وتمتيناً لجبهتنا الداخلية، ودفعاً لفتنة يُسعى إلى إيقاع البلد فيها من جهة أخرى.
نأمل أن تقع كلماتنا موقع الجديّة التي تستحقها، لنستطيع الخروج من هذه الأزمة بسلام، فالدماء التي نزفت، والاحتقان المتراكم في الصدور، لا تذهبه وعود وتأجيلات، بل سعي حقيقي وفوري، وسنكون لذلك سنداً وعوناً بإذن الله تعالى.
بيان لمثقفين عرب حول أحداث سوريا
انطلقت في سورية منذ 15 مارس 2011 مسيرات سلمية تطالب بالحرية في معظم المدن والنواحي السورية. وقد قابلت السلطات السورية هذا الحراك الشعبي السلمي بحملة قمع لا مثيل لها، فتصدت للمحتجين بالرصاص الحي وقتلت المئات وشردت الآلاف واعتقلت كل من تشك في مشاركته أو تعاطفه مع مطالب المحتجين.
وبعد مرور ستة أسابيع على هذه الحملة، صعدت السلطات السورية من سياستها القمعية فحاصرت المدن وعزلتها عن العالم من أجل ترويع المواطنين وإجبارهم على الخضوع. هذا في الوقت الذي لم يُظهر النظام السوري أي إرادة واضحة في الاستجابة ولو للحد الأدنى من مطالب المحتجين السلميين.
إن الموقعين على هذا البيان، إذ يدينون الحملة القمعية التي تواجه بها السلطة المواطنين السوريين المحتجين، وينددون بالممارسات غير الإنسانية للأجهزة الأمنية التي سممت الحياة المدنية والسياسية العربية، يؤكدون تأييدهم وتضامنهم مع إخوتهم أبطال الحرية، ويعلنون:
ضرورة وقف كل عمليات القمع فورًا، وفي مقدمتها إطلاق الرصاص الحي على المحتجين السلميين، والسماح للشعب بالتعبير عن نفسه من خلال مسيرات شعبية سلمية وحماية هذه المسيرات.الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالشعب السوري كمصدر للسلطة وحقه في المشاركة في حياة سياسية طبيعية واختيار ممثليه بحرية ومن خلال انتخابات دورية ونزيهة وشفافة. الدعوة إلى بدء الحوار الوطني بمشاركة جميع الأطراف، في السلطة والمعارضة، خاصة مع ممثلي حركة الاحتجاج الديمقراطي، من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بالانتقال السلمي إلى نظام ديمقراطي يضمن حقوق الجميع في الحرية والعدالة والمساواة ويجنب سورية الحبيبة مخاطر الصراعات الدامية والحروب الأهلية.الحفاظ على دور سورية الطليعي في مقاومة السيطرة الأجنبية وسياسات التدخل الخارجية يستدعي اليوم أكثر من أي وقت سابق ضمان وحدة الشعب وكرامته وحرياته. والبدء بإصلاحات جذرية تزيل أسباب الانقسام والتوتر والنزاع التي تهدد مكتسبات الشعب السوري وتهيئ للتدخلات لخارجية التي سيكون النظام وحده مسؤولاً عنها.الكف عن العزف على وتر الطائفية وعن توظيفها في خدمة أغراض السلطة، والتأكيد على أن التنوع الطائفي والمذهبي هو جزء لا يتجزأ من هوية سورية، وأن وجودها حتى اليوم هو البرهان على عمق الروح المدنية التي تميز أبناءها وتجعل من التعدد الاثني والطائفي ثروة وطنية.
ويدعو الموقعون على هذا البيان جامعة الدول العربية والمنظمات الحقوقية إلى ممارسة مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية وأخذ المبادرة من أجل حقن الدماء ووقف الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وحث الحكومة السورية على احترام حقوق الشعب وأمنه .
9-5-2011
الموقعون:
د. برهان غليون (مفكر سوري)- د. محمد عمارة (مفكر مصري)- د. بشير نافع (مؤرخ فلسطيني)
د. حسن حنفي (مفكر مصري)-د. رضوان السيد (مفكر لبناني)-د. سعيد بن سعيد العلوي (مفكر مغربي)-
د. جلال أمين (مفكر مصري)-ياسين الحاج صالح (كاتب سوري)-إبراهيم نصر الله (روائي فلسطيني – الأردن)-
د. معتز الخطيب (أستاذ الدراسات الإسلامية - سورية)-د. رياض الشعيبي (أستاذ فلسفة تونس)-
د. طارق الكحلاوي، (جامعي تونسي مقيم في الولايات المتحدة)-د. مصطفى اللباد (مدير مركز الشرق- مصر)-
د. مازن النجار (كاتب فلسطيني)-د. سمير مرقص (كاتب مصري)-جمال سلطان (مدير صحيقة المصريون الالكترونية)- تقادم الخطيب (مدرس جامعي مصري وأحد نشطاء ثورة 25 يناير) د. باسم خفاجي (وكيل مؤسسي حزب التنمية المصري)- د. احميدة النيفر (أكاديمي تونسي – جامعة الزيتونة)- هشام جعفر (كاتب مصري)-
نبيل شبيب (كاتب فلسطيني – ألمانيا)- لطفي زيتون (إعلامي تونسي)
وبعد مرور ستة أسابيع على هذه الحملة، صعدت السلطات السورية من سياستها القمعية فحاصرت المدن وعزلتها عن العالم من أجل ترويع المواطنين وإجبارهم على الخضوع. هذا في الوقت الذي لم يُظهر النظام السوري أي إرادة واضحة في الاستجابة ولو للحد الأدنى من مطالب المحتجين السلميين.
إن الموقعين على هذا البيان، إذ يدينون الحملة القمعية التي تواجه بها السلطة المواطنين السوريين المحتجين، وينددون بالممارسات غير الإنسانية للأجهزة الأمنية التي سممت الحياة المدنية والسياسية العربية، يؤكدون تأييدهم وتضامنهم مع إخوتهم أبطال الحرية، ويعلنون:
ضرورة وقف كل عمليات القمع فورًا، وفي مقدمتها إطلاق الرصاص الحي على المحتجين السلميين، والسماح للشعب بالتعبير عن نفسه من خلال مسيرات شعبية سلمية وحماية هذه المسيرات.الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالشعب السوري كمصدر للسلطة وحقه في المشاركة في حياة سياسية طبيعية واختيار ممثليه بحرية ومن خلال انتخابات دورية ونزيهة وشفافة. الدعوة إلى بدء الحوار الوطني بمشاركة جميع الأطراف، في السلطة والمعارضة، خاصة مع ممثلي حركة الاحتجاج الديمقراطي، من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بالانتقال السلمي إلى نظام ديمقراطي يضمن حقوق الجميع في الحرية والعدالة والمساواة ويجنب سورية الحبيبة مخاطر الصراعات الدامية والحروب الأهلية.الحفاظ على دور سورية الطليعي في مقاومة السيطرة الأجنبية وسياسات التدخل الخارجية يستدعي اليوم أكثر من أي وقت سابق ضمان وحدة الشعب وكرامته وحرياته. والبدء بإصلاحات جذرية تزيل أسباب الانقسام والتوتر والنزاع التي تهدد مكتسبات الشعب السوري وتهيئ للتدخلات لخارجية التي سيكون النظام وحده مسؤولاً عنها.الكف عن العزف على وتر الطائفية وعن توظيفها في خدمة أغراض السلطة، والتأكيد على أن التنوع الطائفي والمذهبي هو جزء لا يتجزأ من هوية سورية، وأن وجودها حتى اليوم هو البرهان على عمق الروح المدنية التي تميز أبناءها وتجعل من التعدد الاثني والطائفي ثروة وطنية.
ويدعو الموقعون على هذا البيان جامعة الدول العربية والمنظمات الحقوقية إلى ممارسة مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية وأخذ المبادرة من أجل حقن الدماء ووقف الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وحث الحكومة السورية على احترام حقوق الشعب وأمنه .
9-5-2011
الموقعون:
د. برهان غليون (مفكر سوري)- د. محمد عمارة (مفكر مصري)- د. بشير نافع (مؤرخ فلسطيني)
د. حسن حنفي (مفكر مصري)-د. رضوان السيد (مفكر لبناني)-د. سعيد بن سعيد العلوي (مفكر مغربي)-
د. جلال أمين (مفكر مصري)-ياسين الحاج صالح (كاتب سوري)-إبراهيم نصر الله (روائي فلسطيني – الأردن)-
د. معتز الخطيب (أستاذ الدراسات الإسلامية - سورية)-د. رياض الشعيبي (أستاذ فلسفة تونس)-
د. طارق الكحلاوي، (جامعي تونسي مقيم في الولايات المتحدة)-د. مصطفى اللباد (مدير مركز الشرق- مصر)-
د. مازن النجار (كاتب فلسطيني)-د. سمير مرقص (كاتب مصري)-جمال سلطان (مدير صحيقة المصريون الالكترونية)- تقادم الخطيب (مدرس جامعي مصري وأحد نشطاء ثورة 25 يناير) د. باسم خفاجي (وكيل مؤسسي حزب التنمية المصري)- د. احميدة النيفر (أكاديمي تونسي – جامعة الزيتونة)- هشام جعفر (كاتب مصري)-
نبيل شبيب (كاتب فلسطيني – ألمانيا)- لطفي زيتون (إعلامي تونسي)
الأربعاء، 11 مايو 2011
أنا أو الحرب الأهليّة
خالد صاغية
يراد للعدوى التي نقلتها مصر إلى العالم العربي أن تتّخذ مساراً معاكساً. فيجري التبسّم بخبث لدى تفجير دار للعبادة في حيّ إمبابة، للإيحاء بأنّ هذا هو المصير البائس الذي ينتظر الشعوب التي تتجرّأ على أنظمتها الديكتاتوريّة. يعود شعار «أنا أو الحرب الأهليّة» ليطلّ برأسه من جديد لحماية ما بقي من أنظمة لم تهوِ بعد. وفي سبيل ذلك، يُستحضَر «الوحش» التكفيري تحت أسماء مختلفة. وما لا تستحضره الأنظمة، ترفدها به نظريّات استشراقيّة عن طبائع العرب، ساءها أن تكون الثورات الأخيرة قد حوّلتها إلى نوع من النفايات الأكاديميّة.
لنضع المبالغات التكفيريّة والاستشراق الأكاديمي جانباً. ثمّة مسألة أساسيّة ينبغي على الثورات العربيّة أن تأخذها في الاعتبار: رغم كلّ القمع الذي مارسته هذه الأنظمة، لم تتمكّن من الهيمنة على المجتمع. الدولة نفسها لم تستطع الحلول محلّ الكثير من التشكيلات الما قبل دولتيّة كالطوائف والعشائر. قمعتها بقسوة في بعض الأوقات، ودخلت معها في صفقات ذات وجوه متعدّدة في أوقات أخرى، تاركة لها الأحوال الشخصيّة حيناً، وسياسات تربويّة حيناً آخر، وإدارة أجزاء كاملة من الوطن في أحيان ثالثة... إسقاط الأنظمة الحالية يطرح مشكلة تعاقديّة من نوع آخر مع تلك التشكيلات التي لا تتأثّر بناها سلباً بانهيار النظام. لا بل قد تسعى إلى استغلال هذه اللحظة من أجل توسيع رقعة نفوذها. لكن، في جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى هذه البنى كعائق أمام الثورات أو السماح بتحويلها إلى «فزّاعة» تمنع سقوط الديكتاتوريّات.
حين تنتصر الثورة، أيّ ثورة، لا تصبح الحياة فجأة لونها «بمبي». لم يحصل ذلك في الثورات الكبرى، في روسيا أو فرنسا مثلاً، ولن يحصل في العالم العربي. وأبطال الثورات والمشاركون فيها لا ينتهي عملهم لحظة سقوط النظام، بل يبدأ عملهم في تلك اللحظة. لا معنى للديموقراطيّة ما لم يعدّ المطالبون بالمشاركة في السلطة أنفسَهم للمشاركة في السلطة فعلاً. والربيع الديموقراطي الذي لن يترسّخ بين ليلة وضحاها، ستسبقه رياح خريفيّة عديدة. المهمّ أنّ الشباب العرب الذين يخاطرون بحياتهم اليوم، يعرفون جيّداً أنّ الربيع آتٍ لا محالة.
يراد للعدوى التي نقلتها مصر إلى العالم العربي أن تتّخذ مساراً معاكساً. فيجري التبسّم بخبث لدى تفجير دار للعبادة في حيّ إمبابة، للإيحاء بأنّ هذا هو المصير البائس الذي ينتظر الشعوب التي تتجرّأ على أنظمتها الديكتاتوريّة. يعود شعار «أنا أو الحرب الأهليّة» ليطلّ برأسه من جديد لحماية ما بقي من أنظمة لم تهوِ بعد. وفي سبيل ذلك، يُستحضَر «الوحش» التكفيري تحت أسماء مختلفة. وما لا تستحضره الأنظمة، ترفدها به نظريّات استشراقيّة عن طبائع العرب، ساءها أن تكون الثورات الأخيرة قد حوّلتها إلى نوع من النفايات الأكاديميّة.
لنضع المبالغات التكفيريّة والاستشراق الأكاديمي جانباً. ثمّة مسألة أساسيّة ينبغي على الثورات العربيّة أن تأخذها في الاعتبار: رغم كلّ القمع الذي مارسته هذه الأنظمة، لم تتمكّن من الهيمنة على المجتمع. الدولة نفسها لم تستطع الحلول محلّ الكثير من التشكيلات الما قبل دولتيّة كالطوائف والعشائر. قمعتها بقسوة في بعض الأوقات، ودخلت معها في صفقات ذات وجوه متعدّدة في أوقات أخرى، تاركة لها الأحوال الشخصيّة حيناً، وسياسات تربويّة حيناً آخر، وإدارة أجزاء كاملة من الوطن في أحيان ثالثة... إسقاط الأنظمة الحالية يطرح مشكلة تعاقديّة من نوع آخر مع تلك التشكيلات التي لا تتأثّر بناها سلباً بانهيار النظام. لا بل قد تسعى إلى استغلال هذه اللحظة من أجل توسيع رقعة نفوذها. لكن، في جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى هذه البنى كعائق أمام الثورات أو السماح بتحويلها إلى «فزّاعة» تمنع سقوط الديكتاتوريّات.
حين تنتصر الثورة، أيّ ثورة، لا تصبح الحياة فجأة لونها «بمبي». لم يحصل ذلك في الثورات الكبرى، في روسيا أو فرنسا مثلاً، ولن يحصل في العالم العربي. وأبطال الثورات والمشاركون فيها لا ينتهي عملهم لحظة سقوط النظام، بل يبدأ عملهم في تلك اللحظة. لا معنى للديموقراطيّة ما لم يعدّ المطالبون بالمشاركة في السلطة أنفسَهم للمشاركة في السلطة فعلاً. والربيع الديموقراطي الذي لن يترسّخ بين ليلة وضحاها، ستسبقه رياح خريفيّة عديدة. المهمّ أنّ الشباب العرب الذين يخاطرون بحياتهم اليوم، يعرفون جيّداً أنّ الربيع آتٍ لا محالة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)