الأحد، 2 يناير، 2011

عن التكفير والتخوين ماضياً وحاضراً

بقلم: سعود المولى
في تاريخنا العربي الإسلامي أن كتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي أُحرقت على يد علماء مسلمين..كما أحرقت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية... الأول أشعري شافعي ينحو نحو التصوّف والثاني حنبلي ينحو نحو السلفية...وإحراق كتبهما جرى بتهمة "الإبتداع المخالف للسنة"..
وقد تراشق القوم بالأحاديث الموضوعة على لسان الرسول فنقل بعضهم أنه قال "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"..وروى الشافعية عن الرسول أنه قال "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً" وحملوه على الشافعي..فرد عليهم الأحناف بحديث يقول "سيكون في أمتي رجل يُقال له محمد إبن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" (الشافعي هو محمد ابن إدريس)..وروى المالكية أن أبي حنيفة هو "شر مولود وُلد في الإسلام..وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف لكان أهون"..واتهم العلماء إبن تيمية بالكفر..فكتب أحد الحنابلة (أبو بكر تقي الدين بن أحمد الحصني الدمشقي) في إفتاء أهل المذاهب الأربعة بكفر إبن تيمية..وكتب الحافظ ابن حجر (في الفتاوى) "إبن تيمية عبد خذله الله واضله وأعماه وأصمه وأذله..بذلك صرًح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه مطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد: أبي الحسن السبكي وإبنه التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية"..وفي الدر الكافية لإبن حجر العسقلاني أنه نودي في دمشق "من إعتقد عقيدة إبن تيمية حل دمه"..وفي رسالة الذهبي إلى إبن تيمية ما لا يقل سوءاً عن ذلك..
وإبن تيمية هذا هو الذي تستخدم فتاويه لتكفير الشيعة والدروز والعلويين وحتى الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والشافعية من المسلمين السنة..
أسوق هذا الكلام لا لنبش تاريخ أسود أو إيقاظ فتنة نائمة، بل للإشارة إلى أن التكفير والتخوين غالباً ما يصيب كل الناس لا يُفرق بين سلفي واشعري أو بين متصوف وشيعي أو بين معتزلي وحنبلي ناهيك عن العقلاني الرشدي أو العلماني الحديث..فهذا الداء أصاب المسلمين منذ كانوا واستمر متصاعداً عبر العصور حتى كتب الإمام الشيخ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر مقالته الشهيرة بعنوان "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق" والتي قال فيها "إن أصلاً ثابتاً من أصول الإسلام هو البُعد عن التكفير، هلاَّ ذهبت إلى ما اشتُهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم وهو: إذا صدر قولٌ من قائلٍ يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر! فهل رأيتَ تسامحاً مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟! إذن لم يَدَعِ الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرةً على إيمانه، على أن الرسول كان مبلِّغاً ومذكِّراً لا مهيمناً ولا مسيطراً. قال الله تعالى: "فذكِّرْ، إنما أنت مذكِّرٌ، لستَ عليهم بمسيطر"، ولم يجعل لأحد من أهله لأن يحلَّ ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه في ما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل رقٍّ إلا العبودية لله وحده. وليس المسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انّحطَّت منزلته فيه، إلا حقّ النَّصيحة والإرشاد. قال تعالى:" ولتكنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبَّع عورة أحد، ولا يسوِّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسّس على عقيدة أحد"..(انتهى كلام محمد عبده).

إذا كان ما كتبه محمد عبده عن أسلافنا من أهل الإسلام وعن مسلمي القرن التاسع عشر حول ولوعهم بالتكفير مدعاة للنظر وهو يحكي عن مجتمع ديني تقليدي يواجه تحديات الدخول في العصر، فكيف بنا اليوم وقد دخلنا الألفية الثالثة للميلاد والثلث الثاني من القرن الخامس عشر للهجرة؟؟ فهل كان الحزبيون العلمانيون أبناء القرن العشرين بأحسن حالاً.؟. لا وألف لا!!
فها هم شباب "الإخوان المسلمين" في مصر يغتالون رئيس الوزراء النقراشي باشا بعنوان أنه عميل بريطاني...كما إغتالوا غيره قبله وبعده..حتى ضج منهم مؤسس الإخوان وزعيمهم الشهيد حسن البنا فصرخ صرخته المشهورة : "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"..
وها هو النظام الملكي المصري يغتال حسن البنا بشعار أنه عميل بريطاني ماسوني وتتواتر الروايات الشعبية عن أنه شوهد يخرج من مبنى السفارة البريطانية وهو يحمل "شنطة فلوس"...
ثم يأتي النظام الناصري فيغتال سيد قطب بعنوان أنه عميل أميركي صهيوني..ويزج بعشرات الآلاف من الإخوان ومن الشيوعيين في السجون ويسومهم ألوان التعذيب بشعار أنهم خونة للوطن وللثورة..وها هم الإخوان يهربون إلى الخليج ويشنون حملة شعواء ضد النظام الناصري يتهمونه فيها بأنه أميركي أولاً ثم روسي..ولا ننسى حرب اليمن بين مصر والسعودية وتراشقهما بالتهم.
وها هو الصحافي القدير والكاتب الحصيف كامل مروة يموت برصاص ناصري يتهمه بالعمالة والخيانة..وقبله سقط زميله ورفيق دربه نسيب المنتني برصاص آخر لم يوفره من تهم العمالة.. وها هو النظام اللبناني يقوم بإعدام انطون سعادة بتهمة رسمية في المحكمة بأنه عميل بريطاني وصهيوني ولا تعوز التهمة أدلة ووثائق قدمها الإدعاء...
وها هم القوميون السوريون يغتالون الرئيس رياض الصلح والضابط عدنان المالكي بشعار أنهم عملاء صهاينة..ثم يتحالفون مع حكم الرئيس شمعون ضد عبد الناصر ويتحالفون مع حلف بغداد ومع الإنكليز نكاية بالقوميين العرب.. ثم يتآمرون للإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب بعنوان أنه صهيوني..
وها هم الشيوعيون يسحلون القوميين والبعثيين في شوارع بغداد والموصل ويعلقون الجثث على أعمدة الكهرباء بشعار أنهم خونة ومتآمرين على الشعب..ثم يأتي القوميون العرب والبعثيون إلى الحكم ويسحقون ويذبحون الشيوعيين بعنوان أنهم خونة وعملاء...
ونفس الأمر يتكرر في سوريا ولبنان والسودان وليبيا والجزائر وفي كل مكان من هذا "الوطن العربي الكبير"...
وداء التكفير والتخوين هذا لم يترك للفلسطينيين أي مطرح للتفاهم على قضيتهم.. فتقاتل القيسية واليمنية طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في البلاد التي كانت تسقط تباعاً بيد الصهاينة....ثم صار الصراع بين آل الحسيني وآل النشاشيبي وآل عبد الهادي وآل الخالدي الخ..وتشكلت الأحزاب وتقاتلت وكل حزب يتهم الآخرين بالخيانة والعمالة فيما الصهاينة يتوسعون ويتركزون في بلادنا.. وهاهو المفتي الحاج أمين الحسيني يتهمونه بالعمالة للإنكليز حتى وفاته شريداً فقيراً في بيروت.. ثم صاروا كلهم ينتسبون إليه اليوم ؟؟ وها هو أحمد الشقيري يموت حاملاً عار الإتهامات الجائرة السخيفة الغوغائية بعد أن قضى حياته كلها في الذود عن فلسطين..ولحق به ياسر عرفات الذي فاق سجل إتهامه بالخيانة والتآمر وبالصهيونية (عشرات ومئات المرات) كل من سبقوه ولحقوه حتى مات شهيداً شهيداً بعد معركة بطولية قادها حتى الرمق الأخير..ثم صاروا كلهم اليوم يبكون عليه وينتسبون إلى "خطه ونهجه"؟؟
نعم هكذا ضاعت فلسطين... وهكذا يضيع لبنان...
لقد ولع العرب والمسلمون بالتكفير والتخوين حتى طار صوابهم وضاعت بوصلتهم واختل ميزان العدل والحق في عقولهم ووجدانهم..وصاروا كقطيع الماعز يركضون وراء كل تيس أخرق لا علم عنده ولا دين ولا تقوى لمجرد إتباع الهوى والعصبية..وبدل التمثل بقول الإمام علي "إعرف الحق تعرف أهله" صاروا يلهثون وراء كل ناعق في غربال وكل ديماغوجي شعبوي يقول كذباً ويفتري حقداً وبغضاً وكل صاحب هوى ومصلحة...فكيف والحال هذه تستقيم أحوال "خير أمة أخرجت للناس"؟