الخميس، 2 مايو، 2013

المقاومة الاسلامية في فلسطين: التباسات البدايات، واقعية المسارات


المقاومة الاسلامية في فلسطين: التباسات البدايات، واقعية المسارات سعود المولى حماس ورواية التأسيس تتفق الروايات الرسمية لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) على تحديد تاريخ ميلاد الحركة بمنتصف شهر ديسمبر 1987... فبعد حادث الاعتداء الذي نفذه سائق شاحنة صهيوني في 6 كانون الأول/ديسمبر1987، ضد سيارة صغيرة يستقلها عمال عرب وأدى الى استشهاد أربعة من أبناء الشعب الفلسطيني في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عند تشييع الشهداء يوم 7 كانون الأول/ديسمبر.. وبحسب روايات حماس فقد إجتمع خلال الأيام الأولى للانتفاضة سبعة من كوادر وكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين العاملين في الساحة الفلسطينية هم أحمد ياسين وإبراهيم اليازوري ومحمد شمعة (ممثلو مدينة غزة)، عبد الفتاح دخان (ممثل المنطقة الوسطى)، عبد العزيز الرنتيسي (ممثل خان يونس)، عيسى النشار (ممثل مدينة رفح)، صلاح شحادة (ممثل منطقة الشمال)؛ وكان هذا الاجتماع إيذاناً بانطلاق الحركة التي وزعت بيانها التأسيسي في 15 كانون الأول /ديسمبر 1987 أي بعد دخول الانتفاضة الفلسطينية أسبوعها الثاني .. وصدر ميثاق الحركة في آب/أغسطس 1988 وجاء في المادة 2 منه أن (حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمون تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة وفي باقي مجالات الحياة) ... وفي المادة 6 أن حماس هي (حركة فلسطينية متميزة تعطي ولاءها لله، وتتخذ من الإسلام منهج حياة، وتعمل على رفع راية الله في كل شبر من فلسطين) ... فحركة حماس هي إذن جناح من أجنحة الاخوان المسلمين نشأت في آخر العام 1987، أي بعد 40 سنة على النكبة وثلاثين سنة على ولادة حركة فتح وعشرين سنة على نكسة الخامس من حزيران.. وإخوانية حركة حماس وأيديولوجيتها نقرأها واضحة صريحة في "مقدمة" الميثاق التي تعتبر حماس"النواة" التي "ولدت من وسط الخطوب، وفي خضم المعاناة، ومن نبضات القلوب المؤمنة والسواعد المتوضئة، وإدراكًا للواجب، واستجابةً لأمر الله"، فهي تعبير عن "الدعوة" أولاً وعن "التلاقي والتجمع" ثانياً... ويؤكد الميثاق أيضاً على "العروبة... على منهج الله" وهذه نقطة جديرة بالاهتمام والتوقف عندها إذ هي تحدد السمات الايديولوجية لمفهوم التحرر الوطني والانتماء العربي وممارسته من جانب حماس ... وباختصار فإن حركة "حماس" هي (من زاوية أيديولوجية مؤسسيها وروايات البدايات) حركة جهادية، بالمعنى الواسع لمفهوم الجهاد، وهي جزء من حركة النهضة الإسلامية ، تؤمن أن هذه النهضة هي المدخل الأساسي لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وهي حركة شعبية إذ أنها تعبير عملي عن تيار شعبي واسع ومتجذر في صفوف أبناء الشعب الفلسطيني والأمة الاسلامية يرى في العقيدة والمنطلقات الاسلامية أساساً ثابتاً للعمل ضد عدو يحمل منطلقات عقائدية ومشروعاً مضاداً لكل مشاريع النهوض في الأمة . وحرصاً على تبرير سبب التأخر في الكفاح المسلح أو الجهاد، يقول الميثاق في مقدمته أيضاً: "ولمّا نضجت الفكرة، ونمت البذرة وضربت النبتة بجذورها في أرض الواقع، بعيدًا عن العاطفة المؤقتة، والتسرع المذموم، انطلقت حركة المقاومة الإسلامية لتأدية دورها ماضية في سبيل ربها، تتشابك سواعدها مع سواعد كل المجاهدين من أجل تحرير فلسطين، وتلتقي أرواح مجاهديها بأرواح كل المجاهدين الذين جادوا بأنفسهم على أرض فلسطين، منذ أن فتحها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا" ... وبهذا الكلام تضع حماس هنا حداً بينها وبين من سبقها من حيث البعد أولاً عن التسرع والعاطفة ومن حيث استمرار الجهاد منذ عهد الرسالة الأولى ثانياً ومن حيث تلاقي أرواح المجاهدين ثالثاً... فيكون القطع مع تراث الحركة الوطنية التحررية للمقاومة الفلسطينية (1957-1987) هو المقدمة والمبرر للوصل مع التراث الاسلامي التاريخي النبوي والصحابي ومع سيرة الجهاد الفلسطيني بكل مراحله ومع أرواح شهدائه... وما تقوله الروايات الحمساوية يموضع نشأتها في سياق "ما شهدته فلسطين منذ منتصف الثمانينيات من تطور واضح وملحوظ في نمو وانتشار الصحوة الاسلامية (كغيرها من الاقطار العربية)، ونمو الحركة الاسلامية فكرة وتنظيماً، في فلسطين المحتلة عام1948، وفي أوساط التجمعات الفلسطينية في الشتات" . وهذا التموضع يقدم لرواية حماس عن نفسها إطاراً تأويلياً خاصاً يرى الى المسألة من زاوية نضوج الظروف التي كانت حركة الاخوان المسلمين تُعد لها منذ أن أسسها حسن البنا... ونضوج الظروف عنوانه العام عودة الناس الى الإسلام بعد عقود النكسات والنكبات والضياع... "ففي ظل تراجع القضية الفلسطينية الى أدنى سلم أولويات الدول العربية وتراجع مشروع الثورة الفلسطينية من مواجهة المشروع الصهيوني وإفرازاته إلى موقع التعايش معه وحصر الخلاف في شروط هذا التعايش، وبسبب تراكم الآثار السلبية لسياسات الاحتلال الصهيونية القمعية الظالمة ضد الشعب الفلسطيني، كان لا بد من مشروع فلسطيني اسلامي جهادي، بدأت ملامحه في أسرة الجهاد عام 1981 ومجموعة الشيخ أحمد ياسين عام 1983 وغيرها" ... "ومع نهايات عام 1987 كانت الظروف قد نضجت بما فيه الكفاية لبروز مشروع جديد يواجه المشروع الصهيوني وامتداداته ويقوم على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الداخلية والخارجية، فكانت حركة المقاومة الاسلامية "حماس" التعبير العملي عن تفاعل هذه العوامل" . الإخوان المسلمون بعد نكسة حزيران 1967 تأخر الإخوان المسلمون أربعين سنة لبدء طريق المقاومة في فلسطين وهم أبطال حرب 1948 وورثة تراث الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام... وبين العامين 1948 و1987 كانت نكسة حزيران محطة فاصلة بالنسبة لهم من حيث استعادة حضورهم التنظيمي والسياسي والاجتماعي.. بدت هزيمة حزيران كما لو أنها حسمت الجدل الفكري السياسي المتعلق بشأن صلاحية الأفكار والتصورات والمفاهيم القومية واليسارية التي كانت مطروحة على الساحة العربية .. وتبلور في مقابل ذلك خطاب البدايات الاخوانية الذي صار يطرح شعار الاسلام هو الحل... أزاح الاحتلال الصهيوني عن كاهل الإخوان المسلمين المطاردة التي كانت تلاحقهم من قبل النظام الناصري في قطاع غزة تحديداً، وصار بامكانهم التواصل مع إخوانهم في ضفتي نهر الأردن.. فنشط من تبقى من الإخوان المسلمين (وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، وعبد الفتاح دخان، ومحمد حسن شمعة)، في إعادة بناء هيكل الإخوان المسلمين مستفيدين من قانون الجمعيات العثماني الذي اعتمده الاحتلال وطبقه على غزة بعد عام 67.. وقد بادر الشيخ أحمد ياسين بدعوة مجموعة من الشخصيات المنتمية لحركة الإخوان، والراغبين في العمل لإعادة تشكيل التنظيم .. في المرحلة الأولى شكلت هذه المجموعة قيادة الحركة، ولم يكن هناك كيانات أو مؤسسات تنظيمية أخرى، ومع الوقت بدأت أعداد المنتمين للإخوان تتزايد، وترافق ذلك مع استحداث هياكل وأشكال ومؤسسات ومراتب تنظيمية تناسب الواقع الجديد؛ على رأسها تلك الهيئة التي حملت اسم الهيئة الإدارية العامة، وهي القيادة العليا للحركة في قطاع غزة، وكانت مسئولة عن الهيئات الإدارية لمختلف المناطق،و تكونت في البداية من مجموعة الشخصيات التي بادرت للعمل بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 ، وهم: أحمد ياسين، إبراهيم اليازوري، ومحمد الغرابلي، وكانوا يمثلون مدينة غزة، ومحمود أبو خوصة، وكان يمثل جباليا وتوابعها من مناطق شمال قطاع غزة، وعبد الفتاح دخان، ممثلاً عن المنطقة الوسطى، ومحمد عايش النجار، ممثلاً عن خان يونس، ومحمود محسن، ممثلاً عن رفح. وانتُخب عبد الفتاح دخان، رئيساً للهيئة الإدارية، لكنه تنازل عن تلك المهمة للأستاذ أحمد ياسين؛ معللاً ذلك بأن المسؤول يجب أن يكون من منطقة غزة، فهي مركز القطاع إضافة إلى أن أحمد ياسين تتوفر فيه صفات القيادة؛ وأصبح عبد الفتاح دخان نائباً للرئيس بشكل تلقائي .. دارت نقاشات طويلة داخل الهيئة الإدارية العليا، والتي أُطلق عليها أيضاً اسم المكتب الإداري، بشأن تحديد الأولويات، هل تبدأ الحركة بمقاومة الاحتلال؟ أم تُعيد بناء ذاتها؟ وتعمل على بناء جيل جديد يكون قادراً على البدء والاستمرار في المقاومة؟ وحسم الأمر بأن الأولوية يجب أن تكون لصالح إعداد جيل وتربيته، ثم إعادة بناء التنظيم؛ لأن الهدف المرحلي لحركة الإخوان في قطاع غزة يجب أن يقتصر على إنجاز تلك المهمة .. وقد ذكر أحمد ياسين أن ذلك القرار اتُخذ بعد نقاشات دارت بين الداخل والخارج، حيث سافر أحمد ياسين إلى عمان؛ فالتقى مع عبد الله أبو عزة، مندوباً عن الإخوان المسلمين الفلسطينيين في مدينة عمان، وأكد الطرفان على أولوية التربية ثم إعادة بناء التنظيم.. وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ أحمد ياسين كان ميالاً للبدء بالعمل العسكري منذ اللحظة الأولى وأبدى ذلك الموقف في الداخل والخارج، لكنه التزم بموقف الأغلبية التي أصبحت قراراً للحركة ... واصلت تلك المجموعة القيادية عملها منذ البداية حتى منتصف السبعينيات، لم يطرأ عليها أي تغيير، فغالبية تلك المجموعة كانت تعمل في التدريس، والمنتسبون الجدد للحركة كانوا من الطلاب في العادة، وكان العمل منصباً على أنشطة دعوة الناس للالتزام بتعاليم الدين والاستقامة على الصعيد الفردي والجماعي، واستمر الانسجام الكامل بين المجموعة القيادية الأولى، ولم تظهر أي اختلافات أو تباينات في الرأي حتى منتصف السبعينيات ... لكن بعد ذلك بدأت تظهر بعض النقاشات داخل الحركة حول مسائل عديدة، منها: إعادة ترتيب الأولويات، مسألة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وضرورة استحداث آليات عمل جديدة (مثل بناء المؤسسات)، حينها لجأت القيادة إلى استحداث جسم جديد (مجلس الشورى)، لكي تُدار بداخله النقاشات وتُحسم الخلافات. ومع نهاية السبعينات أصبح المكتب الإداري ينتخب من مجلس الشورى، وقد جرت انتخابات دورية كل عامين، منذ نهاية السبعينيات وحتى اندلاع الانتفاضة الأولى.. وقد أفرزت نتائج الانتخابات بعض التغييرات في عضوية المكتب الإداري ... المرحلية في العمل ابتدأ الاخوان نشاطهم الجديدعلى مراحل... المرحلة الأولى كانت مرحلة المساجد، وهي مرحلة هدفت، حسب إبراهيم المقادمة ، إلى بناء المساجد، واستيعاب الجيل الجديد من الشباب، وتعبئته ولم شتاته، وتأطير توجهاته، وتركيز عقيدته وتعميقها لمواجهة الاحتلال الصهيوني. وفي هذه المرحلة عاد خطباء المساجد الى لعب دور توجيهي وتعبوي، والى طرح قضايا اجتماعية وأخلاقية وأخرى تتعلق بالوعي الإسلامي لطبيعة المعركة مع الكيان الصهيوني، وخصوصاً لجهة التركيز على رفض الغزو الفكري. وقد ذكرت صحيفة التايمز اللندنية أن عدد المساجد ارتفع في الضفة والقطاع بين عامي 1967و1987 من 600 مسجد إلى 1350 مسجداً ...وقد لعبت المساجد دوراً مهماً على صعيد حركة الإخوان المسلمين مكنتهم من التغلغل في أوساط المجتمع الفلسطيني .وبهذا أيضاً تكون التجربة المصرية في بروز خطباء مساجد شعبيين قد انتقلت الى غزة بعد العام 1967.. ثم كانت مرحلة المؤسسات وآيتها بناء المجمع الإسلامي في غزة في عام 1973 برئاسة الشيخ أحمد ياسين .. نشأ المجمع كمسجد، ثم أُلحقت به عيادة طبية ونادٍ رياضي ورياض أطفال، ولجنة زكاة، ومركز نشاط نسائي وتأهيل فتيات، ولجنة إصلاح، وفرق أفراح إسلامية. وكانت مرحلة 1975-1979 قد شهدت عودة كوادر إسلامية شابة إلى قطاع غزة بعد تخرجها من الجامعات المصرية أمثال: الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور إبراهيم المقادمة، والدكتور محمود الزهار، والدكتور موسى أبو مرزوق، والمهندس إسماعيل أبو شنب، ومعهم وبهم بدأ مشوار الجامعة الإسلامية في غزة التي كانت أبرز وأهم صرح حاضن للتجربة الجديدة للاخوان ... الجامعة الاسلامية بدأ النشاط الإخواني فيها منذ إنشائها عام 1978 ، وهي كانت أول الجامعات الفلسطينية التي تنشأ في قطاع غزة، ولم يسبقها إلا معهد الأزهر الديني، الذي كان يرأسه الشيخ محمد عواد، صاحب فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية. وقد أصبح للإخوان المسلمين نفوذ واسع في الجامعة، إذ عملوا على توظيف أعداد كبيرة من عناصرهم ومؤيديهم مما مكنهم من السيطرة على الجامعة وإدارتها. وفي عام 1982 تسلم الإخوان رئاسة الجامعة من خلال الدكتور محمد صقر. وكان الإخوان يحققون فوزًا في كل انتخابات تجري لمجلس الطلبة في الجامعة. وكانت الكتلة الإسلامية في الجامعة الإسلامية تسيطر على مجلس اتحاد الطلبة منذ تأسيسها بنسبة 70 % من الطلاب. ولذلك لم يكن غريباً أن نجد أن من ترأس الكتلة الإسلامية، كانوا عددا من أفراد الإخوان البارزين الموزعين على المناطق الجغرافية في قطاع غزة والذين صاروا في أغلبهم من قادة حركة حماس... في الأعوام من 1982 الى 1987 دارت صراعات عنيفة في الجامعة الاسلامية بين منظمة التحرير (فتح والشعبية والديمقراطية) من جهة والاخوان المسلمين من جهة أخرى...واستخدم العنف خصوصاً في عامي 1984-1985 و1986-1987...كما دار صراع مع "الجماعة الاسلامية"(الاطار الطلابي لحركة الجهاد) وزع الاخوان المسلمون خلاله بيانات تتهم الجهاد بانها شيعية عميلة لحركة أمل (وكانت حرب المخيمات مشتعلة)... في الحقيقة كان الصراع يتجاوز موضوع الجامعة إلى موضوع الوجود الحركي لجماعة الإخوان في القطاع كقوة صاعدة في بداية الثمانينيات. وتمت السيطرة التامة للاخوان على الجامعة على الرغم من أن التمويل الرئيسي لميزانية المؤسسة كان يأتي من منظمة التحرير الفلسطينية، ومصدره مساعدات الدول النفطية العربية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي كانت تقررت منذ سنة 1978 واستمرت خلال السنوات التي تلتها. ومع تقليص المساعدات العربية لمنظمة التحرير طرأ تغيير كبير في ميزانية الجامعة التي صار تمويلها من مصادر خارجية مثل الحركة الإسلامية في الأردن، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، وهذا جعل الحركة الإسلامية في الأردن هي التي تتحكم في تعيين مجلس أمناء الجامعة بصفتهم المسؤولين عن جمع الأموال من مصادر خارجية. وقد عين الدكتور محمد صقر أحد رجال الحركة الإسلامية في الأردن، رئيساً للجامعة واستمرت رئاسته لسنة واحدة وبعدها منع الحكم العسكري الإسرائيلي استمرار بقائه في قطاع غزة، وبعد 1985 أصبحت الجامعة الإسلامية معقل النشاطات الإسلامية في قطاع غزة بفضل الحضور الكبير لأعضاء الحركة والسيطرة على ميزانية المؤسسة (1.2 مليون دينار في سنة 1986) التيار الإسلامي والجامعات في الضفة في نفس الفترة عرفت الضفة الغربية انتشاراً واسعاً للتيار الإسلامي لعله كان نتيجة لازدياد عدد الطلاب المحليين القادمين من الريف التقليدي المحافظ الى الجامعات الحديثة، ذات الطابع الوطني واليساري الواضح مثل جامعة بيرزيت.. وفي بداية الثمانينات توصل التيار الاسلامي إلى التساوي في أحيان كثيرة في مجالس الطلبة مع الكتلة الوطنية المتحدة تحت عنوان منظمة التحرير... ترافق ذلك مع موجة عارمة من إنشاء المساجد الجديدة وإغلاق قاعات عرض السينما وظاهرة العودة الجماعية للدين، الأمر الذي كان يسارع ويتزايد أيضاً في أراضي 48 وفي بقية البلدان العربية على وجه العموم. ويبدو أن صعود قوة التيار الإسلامي في الضفة الغربية وقطاع غزة جاء لموازنة صعود اليمين المتطرف الى السلطة في إسرائيل بعد العام 1977، وما رافقه من تصاعد لعملية الاستيطان اليهودي خصوصاً مع بروز "غوش ايمونيم" ، ومع اندلاع المواجهات مع المستوطنين حول المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي. وقد برزت الكتل الطلابية الإسلامية إلى ساحة العمل الطلابي في جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة، وساعدها في شق طريقها تراجع الطروحات اليسارية والقومية، وصعود الجماعات الاسلامية الجهادية في مصر، وقيام ثورة إسلامية في إيران ، وبروز ظاهرة الجهاد الأفغاني ...وبرأيي أن تطورات الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية كان لها انعكاسات وتأثيرات قوية على شباب فلسطين المحتلة.. تشكلت الكتل الإسلامية في جامعات الضفة الغربية، وأخذت تخوض الانتخابات وتحقق نسبًا متقدمة. وكمثال على ذلك حصلت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت عام 1979 على 43 %. من اصوات الطلاب... أما في جامعة النجاح فقد فازت الكتلة الإسلامية عام 1979 بعشرة مقاعد من أصل أحد عشر مقعدًا، وفي العام 1980 حازت على خمسة مقاعد فقط ، وعادت في العام 1981 للاستئثار بجميع المقاعد الأحد عشر .. تحرك الشيخ أحمد ياسين نحو الضفة الغربية والأردن، وأفلح في إيجاد قنوات اتصال مع الإخوان المسلمين في الضفة الغربية. بالتوازي مع ذلك قامت في الخارج عام 1977 قائمة الحق الإسلامية، كإحدى قوائم اتحاد طلبة فلسطين في جامعة الكويت، وكان أول رئيس لها خالد مشعل. جرى تحويل اسمها إلى الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين في جامعة الكويت .. وفي بريطانيا قامت عام 1979 رابطة الشباب المسلم الفلسطيني، وتأسس في أمريكا الشمالية 1980 وكندا1981 الاتحاد الإسلامي لفلسطين وشارك في هذا الاتحاد عام 1983 موسى أبو مرزوق. وكانت نشأة هذه الرابطات تعبيرًا عن بحث الشباب الفلسطيني في الشتات عن دور في ساحة العمل الفلسطيني أدت المنافسة بين حركة الإخوان ومنظمة التحرير الفلسطينية على قيادة الشارع الفلسطيني في الجامعات والمدارس الثانوية والمؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى اتهامات، وصلت إلى حد وصف الإخوان المسلمين من قبل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بالتخاذل وعدم المشاركة في مواجهة الاحتلال الصهيوني . ألقت هذه الاتهامات بظلالها على الإخوان المسلمين مما دفع الشباب للضغط على قيادة الحركة لانتهاج الجهاد وسيلة للمواجهة ،في حين أن قيادة الحركة رأت التريث وعدم الانجرار وراء هذه الاتهامات، لأن من شأن ذلك أن يؤثر على النهج السليم الذي سيؤدي بالحركة إلى تحقيق أهدافها. وقد استمر الجدل بين الإخوان المسلمين وفصائل منظمة التحرير، حيث أصر كل على مواقفه حيال التعامل مع الاحتلال الصهيوني في تلك المرحلة. وكثيرًا ما اعترض أنصار منظمة التحرير الفلسطينية على مبالغة الإخوان المسلمين في دورهم النضالي ضد الاحتلال، وذلك بإشارة الإخوان إلى دور الحركة الإسلامية في لبنان في مقاومة الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني، واغتيال الرئيس المصري أنور السادات، وبعض العمليات العسكرية التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل عام 1987.. فالمقاومة في لبنان لحزب الله، والذي اغتال السادات جماعة الجهاد المصرية، أما العمليات العسكرية في فلسطين والمشار إليها فإنها من فعل حركة الجهاد الإسلامي . أما حديث الإخوان المسلمين عن دورهم في حرب عام 1948 ،فقد وصفه أنصار منظمة التحرير بأنه تشدق مستمر، وتساءلوا عن دور الإخوان في كل السنين التي تلت تلك الفترة. رد الإخوان على هذه الاعتراضات بأنه أيًا كانت الأقوال عن انتماءات هؤلاء الإخوة من ناحية تنظيمية، فهم في كل الأحوال نتاج طبيعي للحركة الإسلامية فكرًا وحركة وجهادًا. وخلاصة القول في كل ما سبق، إلا أن الإخوان شقوا طريقهم من جديد بعد عام 1967 على مراحل أولاها: المساجد، وثانيها: المؤسسات، إلى جانب الرحلات والمهرجانات ونشر الكتب الإسلامية ... الوضع العسكري في غزة 1971-1981 شهدت السنوات الأولى بعد النكسة مرحلة عودة التعاون مع حركة فتح من خلال قواعد الشيوخ في الأردن (1968-1970).. لكن أحداث أيلول ثم وفاة عبد الناصر فانقلاب الأسد في سوريا خلق وضعاً جديداً حوصرت فيه حركة فتح في الضفة وغزة فلجأت الى لبنان وغرقت في تناقضاته... ومع خروج الاخوان من السجون المصرية 1971 تدفق الشباب عليهم طلباً للبديل فكانت مرحلة عاصفة من الحوارات والنقاشات والتفاعلات داخل الاخوان استمرت حتى العام 1977 تاريخ وصول الليكود الى الحكم.. فبين أعوام 1967 و1977 تمتع الفلسطينيون في غزة بوضع اقتصادي شبه مستقر وشبه جيد ناجم عن تدفق العمالة الغزاوية الى اسرائيل بعد فتح الحدود (وبعد التحرر من القمع المصري) وتمدد التسوق الاسرائيلي في غزة، والانفتاح على الضفة الغربية وجمع شمل العائلات، وتدفق عائدات العمالة الخليجية..الخ... وكانت سياسة اسرائيل في غزة تتسم بتجاهل حركة الاخوان والتركيز على ضرب قوى الجبهة الشعبية وقوات التحرير الشعبية (وهما ورثتا القوميين العرب والناصرية) وحركة فتح وروابطها.. وهذا ما سمح للشيخ أحمد ياسين بنيل تراخيص رسمية للعمل الاجتماعي والدعوي تحت أسماء مختلفة.. لكن السياسة الاسرائيلية الانفتاحية خلقت في المقابل شعوراً بفقدان الكرامة الوطنية من جهة، وبالتعرض لغزو فكري ثقافي تغريبي من جهة أخرى، الأمر الذي أدى الى تبلور ردة الفعل الأصولية المحافظة في خطاب الهوية الدينية، خصوصاً مع تصاعد حمى هذا الخطاب في المحيط المباشر (مصر أولاً حيث تدفق الطلبة الغزاويون للدراسة في جامعاتها، ثم لبنان حيث حلت قوات الثورة الفلسطينية منذ العام 1971)... وجاءت أحداث لبنان 1973 و1975-1976، وأحداث مصر (صالح سرية) ثم زيارة الرئيس السادات للقدس (1977)، وانقسم الوضع العربي على وقع صعود اليمين الاسرائيلي الذي سدد ضربات قوية وموجعة لمنظمة التحرير في لبنان (أهمها غزو واحتلال جنوب لبنان في آذار/مارس 1978) والخارج (اغتيال عدد من قادة وكوادر الثورة) ..وتوجت تلك المرحلة بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد (26/3/1979).. في هذه الأجواء سمح الليكود ببناء أول مستوطنة في غزة..وجاء الانسحاب الاسرائيلي من سيناء بموجب كامب ديفيد ليؤدي الى نشر القوات الاسرائيلية المنسحبة حول غزة وبذلك صارت غزة هي الحدود بين مصر واسرائيل وهي مركز الحشد الاسرائيلي العسكري... ومع وصول آرييل شارون لمنصب وزير الدفاع (1981) تشكلت قوات خاصة من الجيش الاسرائيلي (القبعات الحمر) كانت أوامرها تقضي بإذلال الناس واهانتها على الحواجز التي ازداد عددها خصوصاً في وجه انتقال الطلاب الثانويين والجامعيين بين القطاع والضفة وداخل القطاع نفسه ، والضغط العنيف عليهم لمنعهم من مساندة العمليات الفدائية..وهكذا صارت غزة سجناً كبيراً...ولم يعد سهلاً السفر الى مصر أو منها الى غزة كما تم منع السفر الى الأردن وتم التضييق على دخول العمال الغزاويين الى اسرائيل باستثناء السماح لهم بالعمل في بناء المستوطنات ما ضاعف من الشعور بالمهانة..ثم كانت حرب غزو لبنان صيف 1982 ما فجًر مشاعر الفلسطينيين ضد الاحتلال.. الإخوان المسلمون يتجهون إلى العمل العسكري: اتجه الشيخ أحمد ياسين نحو شراء السلاح وتخزينه في عملية سرية وذلك في العام 1980 واستمر هذا الأمر لمدة ثلاث سنوات . كانت خبرة الإخوان المسلمين في حقل تجارة السلاح محدودة وضعيفة، وكانت هذه التجربة الأولى للحركة الناشئة مما أدى إلى انكشاف الخلية واعتقال أعضائها وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين الذي حُكِمَ عليه بالسجن 13 عامًا، وعبد الرحمن تمراز، 11 عامًا، والدكتور محمد شهاب، 10 أعوام، والدكتور إبراهيم المقادمة، 8 أعوام، وصلاح شحادة، عامان ونصف، وحرب مهرة، 4 أعوام، ومحمد سمارة، 3 أعوام. وقد أُفرج عنهم في صفقة تبادل الأسرى عام 1985.. قام الشيخ أحمد ياسين حال خروجه من السجن، بتأسيس جهاز أمني اسمه (مجد) كبداية استعداد للعمل العسكري. اتسع هذا التنظيم مع مباشرته عمله خلال عام ونصف من قيامه. مع بداية الانتفاضة كان هذا التنظيم جاهزًا للاستمرار في عمله الأمني الجهادي. ثم شكل الشيخ ياسين جهازًا عسكريًا جديدًا ومنفصلا عن مجد مع إمكانية التنسيق بينهما، وكلف صلاح شحادة بقيادة التنظيم الجديد الذي أُطلق عليه اسم (المجاهدون الفلسطينيون) .. قام صلاح شحادة بتجنيد عناصر جديدة كان من بينها محمد المصري الذي عُرف فيما بعد بـ"الضيف" والذي صار المطلوب الأول للكيان الصهيوني بعد اغتيال يحيى عياش. ومما يدل على فاعلية جهاز مجد اعتراف بعض أعضاء حركة حماس الذين حُقِّق معهم في السجون الصهيونية أن جهاز مجد كان قد باشر أعماله منذ العام 1985 . حماس والرواية الأخرى: قصة الانتماء لللإخوان بدأت بعد النكسة 67 بحسب مؤرخي حماس فإن الشيخ أحمد ياسين قرر اعادة بناء حركة الاخوان في غزة بعد عام 1967 وأنه اختار لذلك عشرة من غزة والقدس دعاهم الى اجتماع لنقاش مسألة اطلاق الحركة.. ولكن معظمهم لم يتحمس للأمر وبعضهم غادر للدراسة أو العمل في الخارج ... غير أن دروسه وخطبه استهوت شباباً من جيل جديد كانوا يحضرون الى مسجده ويدعونه لزيارتهم وتحلقوا حوله وهذه المجموعة الأولى ضمت اثنين من المعلمين مثله: عبد الفتاح دخان وحسن شمعة، وخمسة من الطلاب: ابراهيم المقادمة، اسماعيل أبوشنب، عبد العزيز عودة، فتحي الشقاقي، موسى أبو مرزوق... وكل هؤلاء درسوا في مصر لاحقاً وكان لهم دور كبير في مجتمع الطلاب الفلسطينيين هناك ..غير أن ورود أسماء عبد العزيز عودة وفتحي الشقاقي بين الطلاب المتحلقين حول الشيخ ياسين جعلني أدقق في الرواية بمقارنتها برواية بعض شهود تلك الفترة وأبرزهم عودة والشقاقي الى جانب الدكتور علي شكشك (مقيم في الجزائر اليوم) والدكتور بشير نافع (مقيم في الدوحة اليوم)... فمن أحاديث ولقاءات مع المذكورين يتبين أن فتحي الشقاقي كان ميالاً للناصرية وكان له صديق يسمى محمد محسن وهذا كان أبوه إخوانياً وكان يتعرض للمضايقات إبان الإدارة المصرية للقطاع.. وكانت تدور نقاشات في بيت فتحي يشارك فيها أقرانه مثل جمال أبو هاشم وخميس أبو ندا وإبراهيم معمر وتوفيق أبو عيادة وعلي شكشك وخليل الشقاقي وموسى أبو مرزوق وأحمد يوسف... وكان محمد محسن يتعاطف مع أبيه الاخواني وميالا لانتقاد عبد الناصر ويعزو نكسة 67 إلى أنها انتقام رباني من الله للنظام الناصري بسبب تعذيب الإخوان وإعدام سيد قطب التي كانت مازالت ذكراها حديثة العهد... وفي خضم الحوارات كان يستحضر بعض الكتب التي أخرجها أبوه من تحت الأرض بعد النكسة وبعد أن كانت مدفونة لإخفائها عن رجال أمن النظام المصري، ومن هذه الكتب كتب السيد سابق وسيد قطب، وكتاب كامل اسماعيل الشريف (الإخوان في حرب فلسطين).. وهذا الكتاب الأخير كان بمثابة غسيل مخ لكل الدعاية الناصرية وكشفا جديدا لهؤلاء الطلاب في تلك المرحلة والتي دعتهم لنفض كل المقولات السابقة والتفكير على بياض... كما كان كتاب (معالم في الطريق) كشفا مماثلا للتعرف على روح سيد قطب ومن ثم الإخوان، والبدء بعاصفة من القراءات والمناقشات... وفي العام 1968 بدأ البحث عن تنظيم الإخوان وتعرف فتحي على الشيخ أحمد ياسين وجاء به إلى بيته وجلس الشباب معه.. ولا يبدو أن شباب مخيم رفح هؤلاء كانوا قد استمعوا أي خطبة سابقة للشيخ أحمد ياسين.. أي أن التحول واكتشاف الإخوان تم بدون الالتقاء معهم.. وبعد ذلك كان السعي للبحث عنهم. تلا ذلك بداية تشكيل الأسر وكان الشيخ عبد العزيز الشاب الملتهب حماساً في ذلك الوقت خطيباً متميزاً .. يقول علي شكشك أنه كان عضواً في أكثر من أسرة وكان معه في نفس الأسرة موسى أبو مرزوق وأحمد يوسف وأنه كان عضواً في مجلس النقباء الذي كان يجتمع أسبوعياً في بيت الحاج محمود محسن والد محمد محسن (وأحد الذين أعادوا تنظيم الاخوان في غزة مع أحمد ياسين)... غادر موسى أبو مرزوق القطاع عام 1969 إلى مصر حيث كانت ظروف عائلته المادية حسنة بما أن أخاه كان ضابطاً منذ العهد المصري وخريج كلية حربية مصرية وهناك أكمل موسى الثانوية العامة والتحق بالجامعة في حين أنهى فتحي دراسة التوجيهي والتحق بكلية بير زيت وكان يأتي كل أسبوع محملاً بالكتب والحكايا "ينتظره الشباب كمن ينتظر ينبوع معرفة ويختطفون الكتب منه والمجلات"... "وتعرفنا منه على التنوع الثقافي والسياسي في الضفة مثل مقالات التحريريين خصوصاً وفكرهم"... "المخيم غيتو لكنه يموج بالشوق للانبثاق".. يعني باختصار كان ذلك بعد النكسة وقد خرج الشباب من الوطن تباعاً... موسى أبو مرزوق 1969، علي شكشك 71 وفتحي الشقاقي عام 75...إذن الانتماء للإخوان لم يكن بسبب الاستماع لخطب الشيخ أحمد ياسين وإنما كان بسبب مناخ فكري وسياسي ومعرفي تشكل بين الشباب بعد النكسة... أما بشير نافع فقد ترك القطاع بعد النكسة مباشرة الى عمان وهناك التحق بأشبال فتح وعايش مجازر أيلول وكان قد أنهى التوجيهي وجاء إلى مصر ولكنه بدأ الدراسة بعد عام نظراً لتأخره أي بدأ الدراسة عام 71 فكان يحمل في تلك السن المبكرة تجربة متميزة عن النموذج الإخواني ... خرج هؤلاء الشباب من غزة كإخوان مسلمين ولم يكن هناك تنظيم في البداية على الإطلاق.. كانوا بضعة شباب أهمهم كان الشيخ عبد العزيز عودة وقد تم بناء تنظيم من الصفر.. وكان صاحب الفضل الأكبر والجهد العالي فيه هو الشيخ عبدالعزيز... أي أنهم كانوا منظمين في الاخوان قبل خروجهم الى مصر.. كان معهم أيضاً إبراهيم المقادمة و أحمد الملح ويوسف رزقة وأحمد يوسف وعلي صايمة.. واستمر هؤلاء الشبان في التزاور والتعاون والقراءة والحوار.. كانت الأمور صعبة في مصر تلك الأيام و"الإخوان" كانت تهمة كبيرة... تعبير أنهم تركوا الجماعة غير دقيق.. والصحيح أن الجماعة لم تحتمل نمطاً مغايراً للنمط التقليدي الاخواني المصري الغزاوي فيما الشباب كانوا يقرأون الفكر اليساري الجديد ويتابعون تطور حركة المقاومة الشعبية المسلحة والمدنية، خصوصا في غزة.. وقد كان هذا يتفاعل ببطء داخل جماعة الاخوان الذين لم يستوعبوا محاولات شعرية تتحدث عن الحب على سبيل المثال وسارت وتفاقمت الأمور حتى أصبح الشباب يطالبون بانتخابات داخلية... الشيخ عبد العزيز وبشير نافع وعلي شكشك تركوا الاخوان عام 75 في السنة التي وصل فيها فتحي الشقاقي الى مصر لدراسة الطب..ومنذ العام 1975 صارت الاجتماعات تدور حول فكرتين: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الاسلامية- وفكرة كيفية بناء الطليعة الاسلامية... بعد ذلك كانت بدايات الثورة الإيرانية ووجود مجلة المختار الإسلامي في مصر (التي كان يصدرها الشيخ يحيى عاشور) ونشاط الجماعات الاسلامية الطلابية المستقلة عن الاخوان في الجامعات المصرية (والتي شكلت حاضنة تنظيمي الجهاد والجماعة الاسلامية)... ثم كان كتاب الدكتور فتحي الشقاقي عن الثورة الايرانية قبل انتصارها (الخميني والحل الإسلامي البديل) وهو كتاب من القطع الصغير جمعه الأمن من السوق ونفذت منه طبعتان في أقل من شهر وقبض على الدكتور فتحي وتقرر ترحيله خارج البلاد.. كان ذلك عام 79 عام الثورة الإيرانية وقد رجع فتحي وعبد العزيز الى غزة في نهايات 81.... حركة الجهاد وتفجير الانتفاضة بلغت ذروة العمل الجهادي المسلح لحركة الجهاد الاسلامي في عملية البراق الشهيرة في 1/6/1987 والتي قام بها مجاهدون من سرايا الجهاد (قوة مشتركة بين شباب من فتح وحركة الجهاد) ثم المعركة الخالدة المعروفة باسم (معركة الشجاعية) في 6 تشرين الاول 1987، حيث وقع اشتباك مسلح بين قوات الاحتلال وبين عدد من مجاهدي الحركة ، الذين كان بعضهم قد تمكن من الهروب من سجن غزة المركزي المحاط باجراءات امنية اسرائيلية مشددة ، والقيام بعدة عمليات عسكرية نوعية ضد اهداف صهيونية ، كان أهمها اغتيال قائد الشرطة العسكرية في قطاع غزة (الكولونيل رون طال) في 2 آب 1987.. وقد كانت معركة الشجاعية وغيرها من العمليات العسكرية التي قام بها مجاهدو الجهاد الاسلامي ، لا سيما مجموعة المجاهدين الفارين من سجن الاحتلال ، سببا مباشرا ومقدمة الهبت الشارع الفلسطيني وقادت إلى اندلاع الانتفاضة في كانون الاول 1987..... تجدر الإشارة هنا إلى أن العمل الجهادي الذي كان يمارس تحت اسم سرايا الجهاد كان بمبادرة رئيسية من مجموعة من أبناء حركة فتح ، كانوا رموزًا على مستوى الثورة وكانوا يمتلكون الرؤية حول مركزية القضية الفلسطينية، وضرورة إطلاق الجهاد على أرض فلسطين، هذا بالإضافة إلى امتلاكهم الخبرة العملية داخل صفوف فتح، في الوقت الذي كانت التجمعات الجهادية الإسلامية في فلسطين قليلة الخبرة صغيرة ومتواضعة وبحاجة إلىأمثال أبي حسن (محمد ابحيص) وحمدي (باسم التميمي) ومروان كيالي وأمثالهم للاستفادة مما لديهم من إمكانيات وخبرة لانطلاق الجهاد في فلسطين. وقد تم إنشاء سرايا الجهاد كإطار لتنسيق جبهوي عام بغض النظر عن الجهة المعنية التي تقوم بالعملية الجهادية وذلك لتجنب التنافس والتسابق في الإعلان عن العمليات فيما بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. وكان للشهداء أبي حسن وحمديومروان الدور المميز في ولادة سرايا الجهاد التي يعود اليها الفضل في تفجير الانتفاضة الأولى ... وتعتبر حركة الجهاد الإسلامي أن دم أبطال الحركة الذي سال على أبواب مدينة غزة، ما عرف بمعركة الشجاعية، بمثابة الشرارة التي فجرت الانتفاضة.. علماً أن حادثة دهس العمال قرب جباليا في 8/12/1987 جاءت على خلفية مقتل مستوطن صهيوني على يد أعضاء من الجهاد الإسلامي.. وتعتقد الحركة أنها تحملت مع بقية الجماهير الفلسطينية أعباء الانتفاضة الفلسطينية في أسابيعها الأولى وأصدرت البيانات والمنشورات داعية الجماهير إلى الخروج والمقاومة والجهاد على درب شهداء الشجاعية..لا بل أن أول بيان حمل اسم المقاومة الاسلامية في فلسطين هو كراس صغير (8 صفحات) أصدرته حركة الجهاد يوم الجمعة 16/10/1987 بعنوان (انطلاقة الدم والشهادة) خصصته للحديث عن فلسفة الشهادة وعن سيرة الشهداء الخمسة أبطال الشجاعية . عوامل تبلور خيار حماس 1-كانت الساحة الطلابية في الجامعة الإسلامية بغزة مشتعلة بالنقاشات، وكان الطابع الغالب على النقاش والمناظرة هو الطابع السياسي حيث كانت الكتل الطلابية المختلفة توجه سؤالاً واحداً ومحرجاً للكتلة الإسلامية، وهو: أين أنتم على ساحة المقاومة؟ وكان شباب الكتلةالاسلامية يستحضرون التاريخ والنضالات السابقة للإخوان المسلمين في حرب 1948 وفي الخمسينات من القرن العشرين، وكذلك في نهاية الستينات حيث شارك الإخوان فيما يطلقون عليه اسم عمليات الشيوخ، وقد أصدرت الكتلة في هذا المجال كتيباً للمرحوم فتحي يكن (الحقيقة الغائبة)، استعرض خلاله كل جهود الإسلاميين الكفاحية لأجل القضية الفلسطينية منذ بدايتها وحتى نهاية الستينات وأضاف إليها تجربة أسرة الجهاد بقيادة الشيخ عبد الله نمر درويش داخل فلسطين المحتلة سنة 1948، وكذلك اعتقال الشيخ أحمد ياسين ومجموعة من إخوانه سنة 1984 ؛ بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيم مسلح لإبادة دولة إسرائيل . وقد أفضى هذا التطور الى المرحلية في ترتيب أولويات الحركة الإسلامية: وما بين أولوية التمكين، وأولوية التحرير، والتغيير، خلصت الحركة الإسلامية إلى صيغة عضوية متداخلة، تحاول أن تزيل أي تناقض بينهما، بل وتمزج وتوازي العمل بهما معا، وفي آن واحد، من خلال الحراك والتفاعل الداخلي 2-كان إنشاء الجامعات والكليات الجامعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ عام 1977 وما بعدها، والتي استوعبت الآلاف من الطلبة، قد جعل منها بؤر استقطاب قوية أدت إلى نمو بعض الحركات الإسلامية .. كما شكلت تلك الجامعات، رافداً قوياً، رفد الحركة الإسلامية بمجموعة من الكوادر والقيادات الشابة المدربة، والمتمرسة في العمل الدعوي، والعمل الجماهيري، والعمل السياسي، الذين شكلوا فيما بعد قيادة حركة المقاومة الإسلامية وكوادرها، وكان لهم الدور الطلائعي الفاعل في الانتفاضتين الأولى والثانية. 3-أدى ظهور حركة الجهاد الإسلامي، وتناميها السريع، وتنفيذها لعمليات جريئة، منافساً قوياً للإخوان على الصعيد المعنوي، ومن هنا كان على الإخوان المسلمين أن يقوموا بخطوات للحد من تسليط الأضواء على حركة الجهاد الإسلامي المنافسة. فبدأ الإخوان سراً بالتجهيز للعمل العسكري المسلح، مستندين في ذلك إلى منظومة الدعم المادي الذي كان يرسل لأجل إعداد البنية التحتية والاجتماعية والخيرية والطلابية من جماعة الإخوان المسلمين العالمية، وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين في الأردن .. 4-المنافسة بين جماعة الإخوان المسلمين وفصائل منظمة التحرير، فقد نافس الإخوان المسلمون فصائل منظمة التحرير في جميع المجالات داخل الأرض المحتلة، وخارجها، وكان لا بد أن تشمل أيضا ساحة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد تردي أوضاع منظمة التحرير، وانحسار دورها في الكفاح المسلح من الخارج على إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما ترتب عنه من إخراج قوات المنظمة من لبنان وتشتيتهم في الأقطار العربية. شعر الإخوان أن عدم اشتراكهم الفاعل في مواجهة قوات الاحتلال في الفترة الماضية ترتّب عليه خسران الساحة الفلسطينية لصالح فصائل المقاومة، ولهذا لم يعد من المعقول والمقبول أن تبقى الجماعة خارج دائرة الفعل المقاوم . وكان لا بد للحركة الإسلامية من الانخراط في العمل المسلح لتكريس شرعيتها السياسية من خلال مقاومة المحتل، إلى جانب الشرعية الدينية التي تتمتع بها 5-أثر النخب الإخوانية الجديدة، صاحبة الخبرة "الوافدة" المتأثرة بالتجارب الإخوانية في البلدان العربية، في تغيير استراتيجية الإخوان المسلمين اتجاه الصراع مع الاحتلال الصهيوني، ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في هذا التحول يمكن خصوصاً رصد تأثير الأفكار الثورية التي طرحها سيد قطب في كتابيه "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق" والتي كان شباب الجهاد يركزون عليها في مجلتهم (الطليعة الاسلامية). 6-دور الضفة الغربية في تأسيس حركة حماس، فعند الحديث عن تأسيس الحركة تتجه الأنظار إلى الروايات التي تتحدث عن دور قطاع غزة وقيادة الإخوان المسلمين في غزة في هذا التأسيس، وتختصر هذه الرواية أكثر في الحديث عن دور الشيخ أحمد ياسين فقط، مهملة الدور التكاملي للإخوان المسلمين في الضفة الغربية وقطاع غزة وخارج فلسطين في هذا القرار، ونادرا ما تجد إشارات تؤكد دور الضفة الغربية، لكنها تبقى إشارات مجملة مبهمة بحاجة لتفصيل، فيأتي نص الباحث بلال شلش ومقابلاته وأحاديثه مع عدنان مسودي ليكشف عن جهد كبير بذل في الضفة الغربية مواز للجهد المبذول في قطاع غزة وفي خارج فلسطين من أجل الوصول إلى لحظة الانطلاقة التي قررها بداية المكتب الإداري العام الذي يمثل الضفة وغزة... وفي مذكرات مسودي حديث عن شخصيات كان لها الأثر الكبير في مسيرة الحركة الإسلامية، أسقطت من الروايات التاريخية، كالحاج راضي السلايمة والمهندس حسن القيق والأستاذ ناجي صبحة والشيخ سعيد بلال وغيرهم... وفيه أيضاً تفاصيل حول آليات اتخاذ القرار في حركة حماس، وحديث عن اجتماعات قيادة حماس الأولى، وكيفية صياغة بيانات الانتفاضة ومركزيتها، وعن صياغة ميثاق حماس، وعن الفشل في التنسيق مع القيادة الموحدة حول إدارة الانتفاضة . 7-وهكذا كانت حماس" النسخة الفلسطينية " للحركة الإسلامية الأم، جماعة الإخوان المسلمين، وهي تتطابق معها أيديولوجياً بشكل تام، فعندما يتعلق الأمر بشعارات الحركة الدينية العامة، نجد أنها لا تختلف شيئاً عن الإخوان ، وعلى سبيل المثال:" الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانيننا" أما فيما يخص القضية الفلسطينية، فقد تبّنت الحركة الكثير من الشعارات التي تؤكد وجهة نظرها المستندة إلى الشعارات الإسلامية التقليدية حول القضية الفلسطينية، مثل كون فلسطين أرض وقف إسلامي .. خاتمة: لا بد في الختام من التأكيد على أن حماس ككل ظاهرة اجتماعية سياسية ليست حركة جامدة أو أن خطابها خطاب ثابت لم ولا يتغير؛ فقد شهد هذا الخطاب، كما شهدت الحركة نفسها وممارستها، العديد من التطورات والتغيرات المهمة أدت إلى تحولها تدريجياً من حركة ذات طابع دعوي ديني على النمط الاخواني الكلاسيكي إلى حركة وطنية جهادية (من نوع جديد) ذات خطاب سياسي برغماتي (على النمط الفتحاوي) لا يرتكز على الإحالات الدينية أو على مرجعية الشرع وحده... فبين خطاب وعمل المؤسسين الأوائل أيام المجمع الاسلامي والجامعة الاسلامية في غزة ونشاطاتهم السياسية والاجتماعية الدعوية (1967-1987) من ناحية، وخطاب وممارسة المقاومة الوطنية ضد إسرائيل وصعود الجناح العسكري للحركة من ناحية أخرى، فرق كبير هو بالتأكيد لصالح السياسة البرغماتية وفكرة التحرر الوطني والمقاومة الشعبية.. لا بل يمكننا القول مع خالد الحروب بأن "هذا الاتجاه سيتعزز أكثر في الفترة التي تلت اتفاقيات أوسلو 1993؛ حيث اختفى "الديني" من خطاب حماس ليحل محله السياسي بشكل شبه كامل، كما ستطغى الاعتبارات السياسية على حسابات الحركة، وتتضاءل أهمية المحور الدعوي"، كما شهدت تلك الفترة "تحولاً محوريا يتعلق برؤية الحركة للصراع مع إسرائيل؛ حيث بدأت الحركة تدرك أن مطلب " تحرير فلسطين من النهر إلى البحر" غير واقعي، بعد أن تجاوزته التطورات والأحداث؛ وهو ما تمثل في تصريحات الشيخ أحمد ياسين بأن الحركة مستعدة لقبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولعقد هدنة طويلة مع إسرائيل" . وقد مثلت انطلاقة حركة حماس ودخولها ميدان المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني كحالة استثنائية في جماعة الإخوان المسلمين تأسيسًا لوضع جديد، إذ أصبحت حماس طرفًا في الصراع الوطني ضد الاحتلال سياسيًا وعسكريًا وخفت العلاقة الصدامية مع الحركة الوطنية ومع أطراف إقليمية عدة منها إيران، وانتهى الخطاب التكفيري للشيعة... ومن جهة أخرى مثل تغييب الشيخ أحمد ياسين وخليفته عبد العزيز الرنتيسي نقطة مفصلية في مسيرة تحولات الحركة؛ فبغياب هذين القائدين الرمزيين لم تعد هناك سلطة مركزية في الحركة تستفرد بعملية اتخاذ القرار، بل توزعت سلطة اتخاذ القرار بين قيادات عدة... وما يثير الاهتمام هو أن كل القرارات الرئيسة التي اتخذتها حماس (مثل قرار خوض الانتخابات وتشكيل حكومة) تم تبريرها على أساس سياسي صرف دون الدخول في جدل ديني حول حل أو حرمة المشاركة في انتخابات تنظم بمقتضى اتفاقات مع العدو الصهيوني . أيديولوجية الحركة اليوم هي خليط من أفكار واتجاهات عدة، دون أن يعني ذلك قطيعة مع ميراث الإخوان المسلمين. هذا الميراث يتمثل في حرص الحركة على الحفاظ على وحدتها؛ فحماس هي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي لم يشهد انشقاقات داخل صفوفه حتى اليوم بفضل استعدادها للتضحية بأي مكسب إستراتيجي مهما كانت أهميته إذا كان ذلك سيهدد وحدتها الداخلية، فيجب أن لا تغيب الحسابات والاعتبارات الداخلية للحركة عن بال من يحاول تحليل مواقفها وقراراتها .