الجمعة، 6 مارس، 2009

نحو تيار وطني مدني ديمقراطي لمسلمي لبنان
ورقة مقدمة الى المناضلين من أجل الحوار والعدالة والديمقراطية والمجتمع المدني
سعود المولى- 2004-جرى تحديثها في ضوء الاوضاع الجديدة-بيروت شباط 2009


لا يحتاج الباحث عن حالة العيش المشترك في لبنان خلال العشرين سنة الماضية (أي منذ اتفاق الطائف 1989) إلى كثير عناء لملاحظة مدى تفاقم الطائفية والمذهبية والتعصب والتكفير والتخوين ، وانقطاع سبل الحوار والتفاهم، وتعطّل أطره ولجانه ودوائره المتخصصة ، وشلل أو تغييب المؤسسات المجسّدة لوحدة الوطن والشعب ، واندلاع أزمات عنف وترهيب ونزاعات دموية موسمية متنقلة.. صحيح ان هذا الوضع تطوّر خلال السنوات الثلاث الماضية (أي منذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه) إلا أن جذوره كانت تتراكم منذ اتفاق الطائف نفسه. والحقيقة اننا كنا مع غيرنا من تلامذة الامامين الصدر وشمس الدين ،وحسن خالد وصبحي الصالح،وشكيب ارسلان وكمال جنبلاط، ممن جهروا بمسؤولية الجسم السياسي الإسلامي (بشقيه الرسمي والحزبي) في إفشال صيغة الطائف، وممن قالوا بمسؤولية القوى الحاكمة حيال الوضع الذي وصلنا إليه اليوم بعد إنهاء الحرب الأهلية باتفاق أعاد تركيب السلطة وفق أسس طائفية أكثر توازنا وعدالة (على قدر ما في أية صيغة طائفية من توازن وعدالة ). وبذلك فاننا كنا مع الكثيرين غيرنا من المسلمين من الممهدين لحركة 14 آذار الوطنية الاستقلالية، انتصاراً للحق والعدل (والامام علي يقول :"اعرف الحق تعرف اهله"، و "ما أوحش طريق الحق لقلة سالكيه"، و"لم يترك لي الحق صاحباً" ، و "يُعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال") .
كانت معضلة المشاركة المسيحية بعد الطائف ( وبعد انتخابات 1992) الهاجس الأكبر لكل الحريصين على لبنان والوفاق والوحدة .. وطوال عقد من الزمن، أي منذ إقرار التعديلات الدستورية (1990) كنا من الذين رفعوا الصوت منبهين من مغبة عدم الاستماع إلى شكاوى الشركاء في الوطن ..وكنا ندعو القيادات الإسلامية المؤتمنة على الصيغة الجديدة إلى: "مباشرة الأمور برفق، وألا يدفعوا الأمور نحو أزمة في ما يتعلق بالاختيارات الكبرى في شاْن الدولة والمجتمع، وان تكون روح الحوار والانفتاح والإخلاص لهذا البلد ولشعبه الذي يستحق كل التكريم هي الروح الحاكمة"(من كلام للامام شمس الدين)... لقد أرسى الطائف صيغة جديدة للمشاركة في الحكم والإدارة رضي بها المسلمون والمسيحيون وهي صيغة طائفية بامتياز (ولا حرج)..وفي حين كنا نرى إلى اتفاق الطائف باعتباره "اتفاق الحاجة والضرورة" ، الا اننا عدنا وأكدنا مرارا وتكرارا انه" اتفاق الاختيار"..ونحن لا نعرف موقفاً إسلامياً سنياً أو شيعياً أو درزياً يرفض مرجعية الطائف كناظم للمشاركة الإسلامية في عملية الحكم والإدارة...بل أن القيادات الإسلامية قد دفعت أكثر من المسيحية ثمن التزامها بالعيش المشترك ميثاقاً وعقداً وسلوكاً ...وعليه فانه يجوز، لا بل ينبغي، محاكمة الموقف الإسلامي العام ومواقف الجماعات والقيادات الإسلامية، في ضوء التزامها بهذا العهد (وثيقة الوفاق الوطني) وقيامها بموجباته..
كان اتفاق الطائف عقداً اجتماعياً جديداً أبرمه المسلمون والمسيحيون من أجل العيش معاً في ظل نظام سياسي توافقوا على أساسياته. ويلزم بالتالي إسلاميا ويلزم سياسياً ووطنياً، الوفاء بكل مقتضيات ومستوجبات العهد( ان العهد كان مسؤولا، كما في القراّن الكريم).. وقد قرر المسلمون في هذا العقد الاعتراف بلبنان وطناً نهائياً لجميع بنيه وأكدوا على ثوابت الوفاق ورفعوا ميثاق العيش المشترك إلى مستوى المرجعية التي تعلو حتى على الدستور (لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك). ومنذ الطائف وانتهاء الحرب وبداية مرحلة السلم الأهلي، ورغم كل الانتكاسات والعراقيل، حصل تطور كبير في العقل السياسي اللبناني ( الإسلامي والمسيحي على السواء) تمثل بفهم جديد متوافق عليه لقضية الكيان..فلم يعد المفهوم (نهائية الكيان) مفهوماً سكونياً ( خارج التاريخ: كما كان على أيدي غلاة الفينيقية والفرعونية وغيرها)... وصار الكل ( على اختلاف وتنّوع طبعاً ) يقر بتاريخية المفهوم أي بضرورة وضعه ضمن أطره المرجعية التاريخية والاجتماعية والثقافية الخاصة. والمتابع لتطور الفكر السياسي الإسلامي اللبناني لا بد وأن يلحظ التقدم الكبير الذي حصل على مستوى القول بنهائية الكيان وبالديمقراطية والتوازن في السلطة .... ولكن التطوير الفقهي والكلامي والنظري هذا هو أمر ندين به كمسلمين لرؤية الإمام الصدر ولاجتهادات الإمام شمس الدين كما للممارسة العاقلة والمتوازنة التي حاول الرئيس الحريري تجسيدها خصوصا حين كان يذهب إلى المعارضة.... وبالمقابل لم تعد العروبة ( وهي كانت الطرف الآخر من معادلة الانقسام الداخلي) تعني نزعة قومية لوحدة قسرية تفرضها دبابات الحزب الواحد والقائد الأوحد وتتحول إلى عصبية عشائرية جهوية مذهبية أين منها الطائفية السياسية اللبنانية..كما أنها لم تعد موجة اسلاموية لغلبة أكثرية..وصار الحديث يدور أكثر حول العروبة الحضارية: روابط اللغة والثقافة والتراث والتاريخ والجغرافيا والجوار والمصالح والعلاقات السوية الطبيعية والمنافع المتبادلة..وصار المثال الأوروبي والمثال الاميركي الفدرالي حاضرين أكثر في فهم ووعي واستشراف مصائر البلدان العربية خصوصا بعد انكشاف وانهيار التهويمات الإيديولوجية القومجية التي كانت تخفي أبشع إشكال التفتت والتجزئة والاستبداد..إن الفهم الجديد للكيانية وللعروبة ولعلاقتهما التاريخية والمصيرية هو في الحقيقة فهم تسووي أي انه ليس "جوهريا"..إذ ليس هناك من جواهر أزلية مطلقة( غير الله ) بل حراك اجتماعي سياسي ثقافي ومساع تسووية على غير صعيد..وهذا الفهم التسووي للاجتماع اللبناني يستعيد في الحقيقة حقائق الاجتماع البشري ودروس التجربة اللبنانية وهو مدين أيضا للتطويرات الفذة للإمام شمس الدين كما للوثائق النظرية الصادرة عن المؤتمر الدائم للحوار اللبناني عام 1993. ولقد عملنا على تأصيل وتعميق هذه المعاني مركزين بالأساس على ضرورة الوعي المسوؤل للمسألة الطائفية...ذلك أن تجاوز الطائفية والمذهبية والعشائرية نحو دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون إنما تكون بصيانة العيش المشترك أولا، وبمعرفة إدارة الاختلاف بالحوار ثانيا، وبالتسويات الحضارية النبيلة ثالثا، وبثقافة الانفتاح والوسطية والاعتدال وقيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان في مطلق الأحوال والأمكنة والأزمنة.. إن التغيير باتجاه الأفضل مرهون بإحلال "الانسجام" بين الدين والدولة، و بين الحرية والعدالة، وبين حقوق المواطن-الفرد وحقوق الطوائف-الجماعات، وبين استقلال لبنان الكيان النهائي و بين انتمائه العربي...لقد أعاد هذا الحوار الفذ الخلاق موضعة الطوائف في إطارها الثقافي-الاجتماعي وحاول نزع "الاسطرة الدينية" عنها..فهي متحدات اجتماعية-ثقافية تملك دينامية لا تنبع من الانتساب الديني ( أو المذهبي )أو من تقوى الأفراد ( تدينهم والتزامهم: وهو حتما مضحكة في حالة بعض القوى الطائفية!) وإنما من العصبية..والعصبية هي مزيج نفسي سوسيولوجي ..فهي في اّن قوة تماسك الجماعة وشعورها بخصوصيتها ووعيها لطموحاتها الجماعية، كما هي تعبير عن هذا التوتر الذي يحرّكها ويدفعها تدريجا -ومن دون أن يكون لها حرية الاختيار- نحو السيطرة على السلطة ...أي وبلغة ابن خلدون " إن الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه"..وبلغة علم الاجتماع السياسي المعاصر فانه لا وجود للطائفة إلا داخل منظومة طائفية أي داخل حقل صراع على السلطة والتوزيع..... والنقطة الأخرى المهمة التي حصل فيها تطور وتقدم تتعلق بموضوع الدولة:لقد صار الوعي اللبناني ( النخبوي والجماهيري) ملامساً لمفهوم أن الدولة هي أداة تجسيد الكيان وهي نواته..وكانت هذه النقطة قضية خلافية بسبب من التركيبة الطائفية التي لم تكن تؤمّن المشاركة. لقد أنجزت تسوية الطائف نقلة نوعية على صعيد المشاركة إذ هي حسّنت من شروطها وأوجدت صيغة أكثر عدلا وتوازنا.وتمظهرت المشكلة تاليا في الممارسة أي في عدم الالتزام بتطبيق الطائف نصا وروحا ما أدى إلى إيجاد خلل في التوازن وفي المشاركة والى ظلم وإجحاف نتج عنهما حذر وتحفظ - سمي إحباطا- في الوسط المسيحي..والمؤسف أن النخب الإسلامية الدينية والعلمانية لم تتجراْ على تقديم أية مقاربة نقدية لتجربة "الاقتحام"الإسلامي للدولة بعد الطائف، واستمرت في تذكيرنا بحالة الدولة الفئوية لمرحلة ما قبل الطائف وفي تخويفنا من المارونية السياسية... واستمرت تجتر المنقولات والمحفوظات التي عفا عليها الزمن وذلك لتبرير سيطرة فئوية جديدة تبغي التحكم بالبلاد والعباد على قاعدة المعادلات الخارجية القاهرة في ليل حالك!! ..
المسلمون بين الانقلاب على الطائف وضرورة المراجعة النقدية:
لا بد للمسلمين اللبنانيين من الاعتراف وبكل صراحة وشجاعة بأنه قد جرى الانقلاب على الطائف وباْن ثمانية عشر سنة من عمر لبنان واللبنانيين قد ضاعت كما ضاعت قبلها من عمرنا ومن عمر الوطن سنوات الحرب الخمسة عشر... نعم !! تعبت الأيدي وبريت الأقلام وجف الحبر وكلت الألسن ونشف ريقنا، وريق غيرنا، ونحن وغيرنا، نصرخ صبح مساء ومنذ عام 1990 بضرورة الاستماع إلى الشكاوى وبضرورة المصارحة والمكاشفة، وبضرورة العدل والقسط وعدم الكيد أو الانتقام، وبضرورة إنجاز العفو الشامل وتحقيق المصالحة الحقيقية وطي صفحة الحرب الأهلية نهائيا والاستفادة من دروسها وعبرها...والجسم السياسي الإسلامي، ومعه الطبقة السياسية الجديدة التي جاءت بها معادلة إقليمية-دولية خارجية، وكاْن لا عينا رأت ولا أذنا سمعت.... وبدل تثقيف جمهورها بثقافة الإسلام أي بقيم السماحة والاعتدال والمواطنة لم تقم القوى والقيادات السياسية الإسلامية بأية خطوة في هذا الاتجاه بل على العكس فإنها استخدمت الدين والمذهب للشحن والتوتير وإيصال الجمهور إلى حدود الانتشائية الانتصارية المريضة..ولم تقدم القيادات الإسلامية أية مراجعة نقدية لمسيرتها ولمسيرة جمهورية الطائف.. وهي اكتفت على سبيل المثال بخطابات عن سماحة الاسلام وعدله دون أي اهتمام بقراءة روح الاسلام السمحة من حيث التوبة والنقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء وطلب العفو والمصالحة وتجديد الروح والعقل واستنهاض الطاقات من اجل خير الوطن والمواطن...لم يخطر ببال الإسلام السياسي أن هذا هو بالضبط إسلامنا وان كل ما عداه ثرثرة ولقلقة لسان.
لم يتقدم أي طرف إسلامي بدعوة لعقد مؤتمر حوار إسلامي-إسلامي يدرس التجربة السابقة ودروسها و يناقش الأفكار والمشاريع ويستشرف الرؤى والمستقبل ويطرح أسس المشاركة الإسلامية في الحكم والإدارة.. وكان الالتباس هو سيد الموقف...الالتباس في النظرة إلى الكيان اللبناني والى صيغة الطائف والى الطائفية السياسية والى معنى لبنان ودوره والى العروبة والى الحوار والعيش المشترك..والالتباس في النظرة إلى الذات والى الآخر ( المسلم قبل غير المسلم)..لم يتطور الطرح الإسلامي عن بيان كاظم الصلح وعادل عسيران التاريخي (مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان-1936) أو عن البيانات الوزارية للكبار أمثال رياض الصلح و صائب سلام ورشيد كرامي وعبد الله اليافي وتقي الدين الصلح..أو عن ممارسات قادة الشيعة في الحياة البرلمانية ( صبري حمادة وكامل الاسعد)..... لم تثر وصايا الإمام شمس الدين أي حوار أو مناقشة في الوسط الإسلامي ( على خلاف الترحيب والاهتمام في الوسط المسيحي)..ناهيك عن تجربة الرئيس خاتمي الاصلاحية وعن ارشاده الرسالي للمسلمين وللشيعة تحديدا في خطابه في المدينة الرياضية خلال زيارته التاريخية للبنان..واستمر الالتباس أكثر في تقويم الوضع العالمي والعربي بعد 11 أيلول.. لم يتخلف المسلمون فقط عن رؤية التغيرات العميقة الجارية من حولهم في العالم بل هم استمروا على ما هم عليه فلم يغيروا في سياساتهم وفي خطابهم وفي مقارباتهم ولو قيد أنملة..لم تثر مراجعات الحركات الإسلامية المصرية (الجماعة والجهاد) أي حوار أو نقاش أو سؤال في الوسط الإسلامي والقومي..برغم كل العمق والتأثير الذي مارسته وتمارسه في العالمين العربي والإسلامي!...وبدل المشاركة جميعا، ومن موقع إسلامي مقاوم وعروبي ولبناني في آن معا، في اجتراح فكر سياسي جديد وفي إنتاج معرفة متجددة مناسبة للواقع وفي الإطلالة على العصر والألفية الثالثة بفقه حواري مستنير ومتحرر وبممارسة واعية مطابقة لمبادىء وقيم إسلامنا ( العدل والحق أولا وأخيرا والحرية والمسوؤلية ثانيا وثالثا)، وفي بناء شروط المواجهة الحقيقية مع تحديات ما بعد 11 أيلول والحرب الاميركية والشراسة الصهيونية والموقف الأوروبي المستجد ( نعم شروط المواجهة الفعلية التي تضمن الحرية لفلسطين والسيادة للبنان والنهضة والعدالة والديمقراطية والتنمية للعرب والمسلمين)، بدلاً من ذلك كله تحول الإسلام السياسي اللبناني من جماعات وشخصيات سنية وشيعية إلى قيادات قومجية متوترة في زمن رحيل كل أنواع الشوفينيات والفاشيات القومية..وصار بعض الصحفيين اليسراويين هم الذين يتولون التنظير لهذا التحشيد الجهادي...في حين صار الضمور الثقافي والقحط الفكري هو ما يميّز أكبر وأقوى جسم سياسي عربي معاصر فيجعله مساويا ومماثلاً لغيره من الأحزاب التي عرفتها بلادنا، و يجعلنا نذكّرهم (لعل الذكرى تنفع) بمصائر أقوى وأكبر الأحزاب العربية في تاريخنا المعاصر من حركة القوميين العرب والناصرية والبعث وفتح والأخوان المسلمين إلى الحزب الشيوعي السوداني والحزب الشيوعي العراقي و كل الحركة الوطنية التحررية العربية!!
وتسابقت القوى والشخصيات السياسية الإسلامية على إعلان الولاء الأعمى للوصاية السورية جاعلة منها المعيار الأوحد لكل تحالف أو تعامل مع الآخر ومجردة العلاقات اللبنانية السورية من كل بعد شعبي جماهيري، اجتماعي – ثقافي – اقتصادي – سياسي (فكأنها مسألة أمنية لا غير) ومن كل مقاربة نقدية ومن كل احتمال عروبي ثوري وتغييري ديمقراطي. ولم يقدّم لنا "العروبيون الجدد" ( وبعضهم كان من عتاة الانعزالية والخط الإسرائيلي على ما نذكر وتذكرون..) أية وصفة لكيفية نجاحنا نحن والشقيقة سوريا في رد كيد الأعادي.. ولا اخبرونا كيف يتوافق هذا الشحن الثوري الجهادي وتلك التعبئة الزرقاوية وذلك الطرح الجهادي الاسلاموي القومجي المستجد مع كل الواقعية السورية في التعاطي مع أميركا وإسرائيل ( من مفاوضات سرية ووساطات مختلفة إلى اتفاقات أمنية يجري الالتزام بها بدقة)؟هذا طبعا بغض النظر عن العلاقات القطرية-الاسرائيلية!! لا بل أن بعضهم يعيد تذكيرنا على الدوام بان التوافق الاميركي-السوري هو القاعدة وهو الأصل وانه حاصل حتما وحينها فالويل والثبور لمن راهن على تغيّر موقف أميركا من تلزيم لبنان لسوريا...كما أنهم لم يقولوا لنا أبدا كيف يمكن للمخابرات ولقوانين الطوارىء والمحاكم العسكرية والإرهاب والقمع والشحار والتعتير أن تسقط المؤامرات الإمبريالية أو تحقق النصر على الصهيونية، وهي كلها مجتمعة تحكمنا منذ أكثر من نصف قرن وتقودنا من هزيمة إلى أخرى ؟؟ ولا هم أفتوا لنا مأجورين مشكورين بكيف يمكن أن نقاوم ونصمد وننتصر ونحن في سجن كبير. ولم يقل لنا حكماء الثورة الدائمة ، كيف يمكن أن نسير إلى المعارك القومية الكبرى وهم يحرموننا لقمة العيش والكرامة والحرية؟؟أم أنهم لم يتعلموا شيئا من دروس انتصار المقاومة في جنوب لبنان؟؟
لم تتفاعل الجماعة المسلمة ولو من حيث الشكل مع كل التحرك الشعبي حول السجناء والمفقودين في السجون السورية ( وفيهم أكثرية من المسلمين)....وصار موضوع الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي يرفع في وجه كل من يطرح سؤالا عن السجون السورية (ظلم في السوية عدل في الرعية ،كما يقولون)... لا بل أن المسؤولين لم ينتابهم أدنى خجل يوم كانت السلطات السورية تفرج عن بعض المعتقلين في حين كانوا هم يحلفون بأغلظ الأيمان انه لم يعد هناك من معتقلين في سوريا !! وصارت مزارع شبعا قميص عثمان أو مسمار جحا لحجب أي حوار حقيقي وأية محاولة للتوافق على شروط استمرار الممانعة والمقاومة..الى ان صرنا اليوم نقبل بالحديث عن الاستراتيجبة الدفاعية.. وصارت قضية حقوق الإنسان جريمة وعمالة كما شعارات السيادة والحرية..وصارت المقاومة تعني "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ووضعت في مقابل أي شعار اجتماعي أو مطلبي ( كما حصل في مظاهرة حي السلم الشهيرة) أو سيادي وطني ( كما كان يحصل ضد مظاهرات الطلبة في عيد الاستقلال)...فإما هذه وإما تلك.. ولا مجال لأي اعتبار للحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والكرامة، وكأن هذه ليست من الإسلام، علما أنها هي وحدها كانت في أساس انتصار المقاومة في الجنوب، وليس في أي مكان عربي آخر، من الخليج إلى المحيط..وفي محطات أخرى صار استغلال الشعار المطلبي الاجتماعي وجوع الناس وفقرها لتركيز كفرها بالدولة وبالمصالحة ولتسعير الأحقاد والكراهية حتى ضد الجيش(أحداث الرمل العالي وغاليري سمعان).. فسبحان مغير الأحوال من دعم وإشادة بالجيش وعقيدته الوطنية وقائده وظباطه إلى تخوين وتحقير ودعوة لضرب الجيش وكل ما يمثل.. كل هذا ونحن نصرخ في المسلمين والناس أجمعين بضرورة الاستقامة على سنة محمد، وعلى أصول العدل والتوحيد و دعوة مكارم الأخلاق والعفو والسماحة والاعتدال وعلى النص الإلهي التكليفي:"كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".."ولا تزر وازرة وزر أخرى"..
لماذا لم يطبق الطائف؟
كان الإمام المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين أول من نبّه وحذّر مرارا وتكرارا مما أسماه" إسلامية سياسية" أو " شيعية سياسية " ( في خطاب شهير له في قرية بنهران الشيعية في شمال لبنان: 22\9\ 1991) تحاول الإيحاء بان اتفاق الطائف قد كرّس معادلة غالب ومغلوب أو انه كان انتصارا للمسلمين على حساب المسيحيين ، أو للشيعة على بقية اللبنانيين. وقد أعاد الإمام تذكير "جميع اللبنانيين انه لا يجوز لهم -أو لبعضهم-النظر إلى الصيغة الجديدة باعتبار أنها تمثل انتصارا لفريق على فريق، ولا يجوز لأحد ولا لفئة أن تتصرف على هذا الأساس..."، قائلا ومرددا في خطاب القسم يوم توليه رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى 18\3\1994، انه " لم ينتصر احد على احد بل انتصر كل لبنان ومجموع الشعب اللبناني..إن الصيغة التي نريد والدولة التي نريد ليست ولن تكون لطائفة دون أخرى، أو مع فئة دون أخرى، فضلا عن إن تكون دولة أشخاص...إنها دولة الجميع وللجميع عدالة ومساواة وكرامة..".وهو أعلن وكرر بان "طريقة المسلمين في المشاركة في عملية الحكم والإدارة وفي الخطاب السياسي وفي الخطاب التعبوي يجب أن تأخذ في الاعتبار هذا الامتحان"(من خطبة جمعة ألقاها في آذار 1994).ويبدو أننا نحتاج اليوم أكثر من أي يوم مضى إلى إعادة تكرار تحذيرات الإمام الراحل والى اجراء أكثر من جردة حساب وسؤال حول عدم تطبيق اتفاق الطائف وتداعيات ذلك على حياتنا الوطنية...
فقد تحوّل الإنماء المتوازن الذي طرح كجواب على قضية الحرمان التي عانت منها طوائف ومناطق أساسية، تحوّل مع سلطة ما بعد الطائف إلى أكبر عملية نهب منظمة عرفتها دول العالم الثالث منذ الخمسينات من القرن العشرين..تراكمت ثروات خيالية لا يجرؤ احد على مجرد الحديث عنها في يد حفنة من السياسيين صاروا بين ليلة وضحاها من أصحاب المليارات والعقارات..وأمام تفاقم الحرمان والتهميش والاستغلال والفقر والبؤس لم يجرؤ زعماء الأمة الأشاوس وأحزاب الفقراء والمحرومين والمستضعفين والكادحين على مجرد الشكوى أو التفكير باحتجاج ما !! إن ضرب الريف المتمادي ونهبه وإفقاره والذي كان سمة كل العهود قبل الطائف قد تضاعفت وتيرته لا بل وحشيته بعد الطائف، في حين أن إنهاك وتفسيخ الطبقة المتوسطة المدينية ( صمام الاعتدال والأمان في كل المجتمعات) قد ساهم في سرقة أعمار وأحلام الشبان العاطلين عن العمل المتكدسين في الأزقة، وفي تهميشهم وتحويلهم إلى خزان احتياط لكل مشاعر الكراهية والحقد والهامشية والانتقام والتشبيح... إن ذلك كله جعل من السهل على المافيا المتحكمة إدامة مفاعيل الحرب الأهلية واستمرار التلويح بها..إن النزوح المتواصل من الريف والهجرة الكثيفة إلى المدينة واستعادة أحزمة البؤس والاكتظاظ السكاني الرهيب المفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة خصوصا في المخيمات والضواحي ، قد أعاد إنتاج الهامشية والقهر والشعور بالغربة والاغتراب إلى حدود اليأس الكافر (طفار بعلبك-الهرمل) أو التشدد الأصولي النابذ (طفار الضنية الذين ألقت بهم مجازر التعذيب الهمجية في أحضان المجهول ) أو الانحراف الاجتماعي والسلوكي الخطير ( وهي كلها ظواهر تفاقمت دون أن تلقى أي اهتمام ولو دراسي)...وقد أشارت الدراسات إلى خطأ التوهم بان الهجرة ظاهرة مسيحية إذ هي إسلامية وشيعية بامتياز..ولولا 11 أيلول والاحترازات الأمنية الكبيرة ضد الهجرة العربية والإسلامية لكانت الهجرة اللبنانية الإسلامية هي الأولى حجما ونوعا. كما أن مفاعيل 11 أيلول قد ضربت المهاجرين اللبنانيين المسلمين في الصميم فأصابت علاقاتهم الاجتماعية في بلاد الاغتراب ( إغلاق آلاف الجمعيات والمنتديات وحجز أموالها وملاحقة حتى المتبرعين لها ) كما أصابت روابطهم بالأهل والوطن وفاقمت من صعوبات إرسال الأموال إلى عائلاتهم ما انعكس أزمة اكبر...وعلى مستوى آخر فان تغييب دور الجامعة اللبنانية الفكري والثقافي والاجتماعي، إلى جانب غياب مراكز الإنتاج الفكري والمراكمة المعرفية الأخرى، وإنشاء الدكاكين المسماة جامعات برخص تقاسمها كبار المسوؤلين( ولا فخر !!)، وانتشار مراكز الأبحاث التابعة لدول، وهيئات تخضع لتمويل أجنبي مشروط، قد ضرب المجتمع الإسلامي ونخبه في الصميم وأعاده إلى الوراء، على مستوى إنتاج المعرفة وتداولها وعلى مستوى تعميم الثقافة وتنشيط المبادرات وعلى مستوى ربط الجماعة بمرجعيات فكرية-سياسية، مما أسهم في انهيار ثقافي خطير فاقم منه غياب القيادة الدينية عن التوجيه والنقد والإصلاح وغياب دورها المرجعي الوطني الجامع...هذا في حين كانت الجامعات الكبرى في العالم هي المظلة والإطار لإعادة إنتاج وعي الذات ووعي الآخر وللنهوض بالفكر والممارسة وبالثقافة والتعبئة وبالتنظيم والرعاية الاجتماعية.
أما اللامركزية الإدارية التي هي تفعيل لمشاركة الناس وتسهيل لتعاطيها مع الإدارة وإبطال البيروقراطية فهي ما زالت شعارا انتخابيا فضفاضا لا يطبق ( بل يطبق عكسه)، ولا نسمع بها إلا في مناسبة الحديث عن تقسيمات الدوائر الانتخابية بحيث تلتبس في أذهان الناس هذه بتلك.. وفي حين انه لم تجر إلى اليوم إعادة النظر في التقسيم الإداري ولم يتم تشكيل هيئات ومجالس أقضية ومحافظات ولم توسع صلاحيات المحافظين والقائم مقامين ولا أعطيت استقلالية للبلديات، فان وزارة الداخلية صارت اخطر واكبر الوزارات ( هل نسينا الصراع عليها بين السادة المر – فرنجية ؟). والمجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي كان مفترضا انه مجلس تنمية يؤمّن مشاركة القطاعات الاقتصادية-الاجتماعية ويعكس مصالحها ويعّبر عنها محررة من القيد الطائفي، كما ويشارك في صياغة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، هذا المجلس الذي تشكل بعد سنوات طويلة على الطائف لم يتم فقط تهميشه إنما هو تحول إلى مركز صراع ومحاصصة طوائفية حتى انه صار أصلا لا يعمل ولا احد يدري إن كان ما زال على قيد الحياة....وفي حين انه من المفترض أننا نعمل على تطوير نظامنا الديمقراطي البرلماني الذي كان مفخرتنا ودرة العرب يوما، فإننا لم نتقدم ولو خطوة في تحقيق الفصل الحقيقي والتوازن الفعلي بين السلطات وخصوصا في استقلالية وكفاءة ونزاهة السلطة القضائية (التي صارت مضرب المثل في الفساد والتبعية والتسييس والكيدية حسب تصريحات المسؤولين) وفي إخضاع المسوؤلين للمحاسبة وفي الرقابة والمراجعة...دون أن نذكر الدور الأساس والخطير للأجهزة الأمنية السرية، لبنانية وسورية، في انتهاك القوانين ومصادرة الحريات وارتكاب المحرمات...
أما الانتخابات وهي الوسيلة الديمقراطية الوحيدة المتاحة للتغيير وتداول السلطة فإنها خضعت لمزاج ومصالح الطبقة الحاكمة ولسياسات النبذ والإقصاء مما همش طوائف وفئات وصادر حقوقا و حريات..وتم تفصيل قوانين انتخابية وصفها الرئيس بري نفسه وصفا معبرا: قصقص ورق ساويهم ناس..وصار متاحا لأي كان القول بان السلطات الدستورية المنبثقة عن تلك الانتخابات لم تكن ممثلة فعليا لفئات الشعب اللبناني..ولكن وللأسف كل ذلك لم يؤد إلى أية وقفة أو صحوة ضمير أو مراجعة قانونية أو دستورية أو ميثاقية من جانب الإسلام السياسي بكل أطرافه....وأخيراَ تفتق اصلاحهم وتغييرهم عن عودة لقانون الستين المكرس للقيد الطائفي بامتياز؟؟؟وإضافة إلى ذلك فان زعماء الأمة الأكارم لم يكلفوا أنفسهم عناء درس أي بند من البنود المتعلقة بإنشاء مجلس للشيوخ أو بسبل إلغاء الطائفية السياسية...لا بل أن هذا الموضوع الحساس والخطير ظل يستعمل كفزاعة كلما صدر صوت مسيحي يشكو أو يطلب إنصافا، تماما كما تستعمل مساْلة الأكثرية العددية ومساْلة لبنان دائرة انتخابية واحدة والنسبية فزاعات راهنة دون أدنى احترام لعقول الناس ولآمالها وتطلعاتها..
وفي حين أن اتفاق الطائف قد انعقد وفي البال وعلى جدول الأعمال ضرورات العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن والتنمية الحقيقية وتفعيل دور الدولة في حماية الاقتصاد والإنتاج وعدالة التوزيع وفي السهر على رفاهية وأمان واستقرار وازدهار البلاد والعباد، فان كل الصراعات والمماحكات الحاصلة منذ الطائف تدور في إطار استمرار معادلة البقرة الحلوب وفي أجواء الفضائح والفساد المستشري وبمعزل عن أي إحساس ولو إنساني بالظروف المعيشية الصعبة والمتفاقمة للغالبية العظمى من اللبنانيين..وما "الممانعة" العظيمة التي يخوضها البعض ضد الخصخصة ( أي من اجل الحصحصة) ولحماية شركة الكهرباء وكازينو لبنان و البنغو وصالات القمار، وقبل ذلك الهاتف الخلوي وبنك المدينة، ومؤخرا مافيات المازوت وقبلها مافيات الفانات، سوى المثال الحي على المافيات اللبنانية-السورية المشتركة التي لا تتحدث سوى عن التحرير والمواجهة!!.....كل ذلك جرى ويجري تحت غطاء شعارات ما فوق قومية وما فوق ثورية وما فوق إسلامية وأممية حّولت المسلمين على اختلاف طوائفهم ومعهم الجمهور الأكبر من اللبنانيين إلى متفرجين عاجزين مهمشين قلقين تطحنهم هموم الحياة اليومية وتاْمين قوت العيال والسير الحيط الحيط والقول يا رب الستر... وشهدنا بذهول صعود طبقة طفيلية جشعة، بليدة الإحساس عديمة الأخلاق، عابرة للطوائف والمناطق والحدود، متسلطة مستبدة، فاسدة مفسدة من النخاع إلى أخمص القدمين، استقوت علينا بالمعادلات السلطوية اثر التوافق الاميركي-السوري على تلزيم لبنان لسوريا 1991-2001 فاغتنت وازدادت ثروة وجاها هي والأهل والأقارب والأصحاب ما بين بيروت والشام...وها هي تحاول اليوم العودة هي وسيدتها للتحكم برقابنا من جديد...فتأمل أيها المسلم الحزين!!!
ما العمل؟
شهدت الجماعة المسلمة في لبنان (منذ اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية: 1989-1990) صعود و سيطرة نزعات الغلبة والاستقواء ومشاعر الدفاع الذاتي الشرس في وجه كل مشروع مصالحة أو حوار أو تفكير بتغيير، وذلك تحت عناوين شتى ما أنزل الله بها من سلطان...وصار الوعي المضمر ( واللا وعي الجمعي ) للجمهور الشيعي يقوم على مسلّمة بأن الفريق الشيعي مستهدف في أمنه ووجوده وأن عليه وهو المنتصر-المتغلب (ومعه حلفاء سوريا من المسيحيين) أن يدافع بكل قوة عن مواقعه وأن يستقوي بسوريا في هذه المعركة وأن يقلب الطاولة ويطيح بالمعادلات ويؤسس نظاماً جديداً على أنقاض الطائف!!(مشروع المثالثة ولا ندري ماذا بعده). وقد تعاظم هذا الاستقواء تحت عنوان الدفاع عن المقاومة التي يستهدفها المشروع الأميركي-الإسرائيلي، وبحجة أن التحالف مع سوريا (ومع الرئيس لحود في أيام حكمه) هو الذي يحمي المقاومة. ويعلم كل من ألقى السمع وهو شهيد أن المجتمع اللبناني والعربي هو الذي احتضن المقاومة وحماها وليس الحلف السوري-اللحودي...وأن سوريا (كما جماعتها من غير حزب الله) لم تكن تخفي استعدادها لبيع المقاومة نظير صفقة جديدة مع أميركا تضمن بقاء نظامها من جهة ووصايتها على لبنان من جهة أخرى.. وأفضل مثال على ذلك هو الكلام الشهير للرئيس عمر كرامي عشية استقالة حكومته حيث سأل ببراءة الأطفال "ومن سيضبط حزب الله إذا انسحبت القوات السورية؟"... ثم صار أتباع سوريا يقولون اليوم:"ومن سيضرب الأصولية السنية إذا غابت سوريا؟"، ناهيك عن استحدام مسألة التوطين وفزاعة الوجود الفلسطيني "السني" المسلح ...مع العلم بأن حماية المقاومة ما كانت ممكنة طوال الأعوام 1990-2000 لولا المظلة العربية المتمثلة بالحلف المصري-السعودي-السوري يومذاك (والذي سقط نهائياً اغتيال الرئيس الحريري وكان الاغتيال إعلانا فاقعا بالقطيعة السورية مع النظام الإقليمي العربي وبحثاً عن دور أكبر لسوريا في المنطقة بعد 11 أيلول وغزو العراق).. فإذا كان مشروع تدمير لبنان الوطن والكيان والدولة وتحويله إلى "ساحة" مفتوحة و "ملعباً" لنعيق الغربان ،هو مشروع صهيوني امبريالي، كما لا يخفى طبعاّ على ذوي الالباب، فهل نساهم في تحقيقه أم نبحث عن كيفية بناء جبهة وطنية عريضة تحمل عنوان المصالحة والسلم الاهلي باعتبارهما كما قال الامام موسى الصدر خير مقاومة في وجه العدو الصهيوني؟....
باختصار أصيب المجتمع اللبناني بوباء خطير من الأثرياء الجدد تجار الحرب والموت والسياسة والمال الذين أنعم الشقيق عليهم وجعلهم حراساً للهيكل...وحدث ضمور شديد للسياسة، وللدين أصلا، حين اختزل المجتمع والدولة والطائف والإصلاح والتغيير بطبقة سياسية ترتكز على سطوة المال والأمن والإعلام وعلى معادلات الغلبة الداخلية والاستقواء بسوريا وبالصفقة السورية-الاميركية، وعلى تسعير العصبيات الجاهلية وتوتير الأحقاد الدفينة والذكريات المؤلمة لحروب أهلية أنهكت وحطمت الجسم والأعضاء..واختزل الدين بنوع من السياسة غلبت فيه مظاهر الطقوس والشعارات الفارغة وديماغوجيا التحشيد المبتذل على حساب الدين بما هو عقل وروح، وعي والتزام، أخلاق ومعاشرة، حوار وانفتاح، تواضع واستغفار.........................................
أما في أوساط الإسلاميين فقد سادت الحماسة الخالية من التقوى، والسياسة المفتقرة إلى الورع، والفقه المسمى فقه الحيلة والتقية، وذلك في زمن جاء فيه الإمام الصدر ليحرر الشيعة والمسلمين من عنعنات الجاهلية وعصبية القومية الشوفينية...والأخطر من ذلك كله انه جرى ضرب كل الحيوية الفكرية والسياسية التي تميّز بها الشيعة على وجه الخصوص: فلا مراجعة ولا شفافية، ولا تفكر أو تدبّر، ولا تنظيم أو ممارسة، ولا رقابة أو محاسبة..ولا مبادرة ولو خجولة للتفكير والنقاش أو الحوار حول حال الجماعة المسلمة في لبنان وحول الماضي ودروسه وحول الحاضر وأوجاعه...لا بل حتى ولا سؤال فيه جرأة أو فيه قلق.. ونحن الذين كنا دائما نردد قول المتنبي: على قلق كاْن الريح تحتي....وما هو الإسلام إن لم يكن قلق السؤال والظمأ إلى العدل وطلب الحق ولو كان دونه الموت؟ أم أننا نسينا أصول وأركان ومبادئ إسلامنا؟؟..وغابت المؤسسات المفترض أنها تؤطر التجارب والخبرات وتراكم المعرفة والممارسة وتسمح بتقويم المواقف واقتراح أمور وتصحيح سياسات ورسم مسارات وطرح خيارات. نعم لم يعد للمسلمين أي خيار: إما سلطة النهب والقمع والإرهاب المتضامنة في وحدة مسار ومصير، وإما حراب الاحتلال والتبعية والتغريب والأمركة والصهينة!! وكل من يخرج عن هذين الحدين يرجم بالتخوين والتكفير ويعتبر مفارقاً للجماعة على اعتبار الحديث النبوي: انصر أخاك ظالماً كان أم مظلوماً !! وننسى دوما أن الرسول أكمل موضحا بأن النصرة في حال الظلم تكون بردعه عن ظلمه لا بالسير معه في هذا الظلم....ننسى طبعا كل ذلك حين نعود إلى عصبياتنا الجاهلية مرددين: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب... وبما انه لا غريب سوى الشيطان فان كل نقد أو سؤال أو مراجعة هو من وسوسة الشيطان كما يحاول بعضنا اليوم أن يقول تأكيدا لمقولة أن السياسة أصلا هي مشتقة من وسوسة ؟؟ فهل هذا هو الإسلام الذي ندعو الناس إليه ؟؟ هل هذا إسلام محمد وعلي والصحابة والأئمة والأولياء والصالحين ؟؟ وهل هذه هي تركة الإمامين الصدر وشمس الدين، والشيخين حسن خالد وصبحي الصالح، والزعيمين شكيب أرسلان و كمال جنبلاط ، فينا نحن المسلمين ؟؟ وهل هذا هو تراث الحركة الوطنية واليسار؟؟ وهل هذا هو الوطن الذي نريده مختلفاً وجديداً وديمقراطياً ؟؟ لا بل لعل السؤال الأنسب والأصح يبقى ذلك الذي طرحه بجرأة ليس لها من نظير إمامنا الراحل محمد مهدي شمس الدين: "السؤال هو:هل نريد لبنان أم لا نريده ؟ هل نريد نظاما جمهوريا برلمانيا ديمقراطيا أم لا؟؟"...... وجوابنا هو نفس جواب إمامنا الكبير: "نحن قلنا نعم للبنان، وقلنا نعم لنظام جمهوري برلماني ديمقراطي.." ( جريدة الوطن الكويتية—في 15-2-1994).

تعالوا الى كلمة سواء:
1= المسلمون ولبنان
أقل التصارح بين اللبنانيين عامة، وفي مقامنا هذا بين المسلمين، الاعترافُ بأن العودة إلى شعار "الدفاع عن حقوق الطائفة" الذي قلما نجا فريق سياسي من التوسل به علانية أو من التوعد به ضمناً، حد الاستقواء بالخارج على شركاء الوطن والإفراط في التترس بمظاهر القوة والغلبة، إنما يورث اللبنانيين المتمسكين بمكتسبات التجربة اللبنانية، وبقيم الحداثة السياسية، إحباطاً لا شفاء منه. من هنا فاننا نرى أن التوادد المنافق بين اللبنانيين تحت عنوان التعايش بات يتدنى عن التحديات التي يواجهها الوطن وأن الأوان قد آن لأن تخرج من صفوف المجموعات الطائفية اللبنانية طلائع تسفه شعار "حقوق الطائفة" وتعلي شعار حقوق الوطن؛ ولعل الشيعة اللبنانيين الذين تعود شبهة التزاحم بين ولائهم الوطني، وبين دفاعهم عن حقوق "الطائفة"، إلى التورم، سواء في وجدانهم وفي سلوكات بعض أحزابهم، أو في نظرة الجماعات اللبنانية الأخرى إليهم، أولى اللبنانيين بأن يبادروا، أو أقله أن تبادر فئة منهم، إلى الصدوع، تحت طائلة الخروج على التضامن المذهبي، بأنه لا شيء يعلو على ولائهم الوطني، مذكرين بأن هذا الموقف يجد سنده الديني والمعنوي في المراجعة الشجاعة التي قام بها الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين حيث أوصى الشيعة، في عداد ما أوصاهم، بـ "ان يدمجوا انفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم [...] وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميّزهم عن غيرهم تحت أي ستار من العناوين"، (الوصايا، ص27).
ومن هذا المنظار، ليس من شأن المسلمين أن يشكلوا بعد الرابع عشر من آذار، قوة كابحة للتغيير في لبنان، بل خليق بهم أن يشكلوا صمام أمان في مواجهة ما يترصد المنطقة العربية من "حروب أهلية".
2= في ترميم مفهوم الدولة المدنية واتفاق الطائف
إن ترميمَ مفهوم الدولة المدنية الجامعة المانعة التي لا شريك لها في السيادة وفي رعاية أمن لبنان واللبنانيين، والمشاركةَ في بناء الدولة المنشودة هذه، هما الأفق الوحيد الذي يتطلعون إليه. وفي سياق هذا السعي الذي يشتركون فيه مع لبنانيين من شتى الانتماءات الطائفية والمشارب السياسية فإن اتفاق الطائف، الذي ارتضاه اللبنانيون سبيلاً دستورياً إلى تحديث نظامهم السياسي وإلى توفير العدالة والكرامة والمساواة في حقوق المواطنة، للجميع وبين الجميع، ــ إن اتفاق الطائف يبقى، في منأى من بداهة النظر إليه كنصٍّ يحتمل المراجعة باتفاق اللبنانيين وبما يلبي طموحات التحديث تلك، ــ يبقى الميثاق الملزم لجميعهم، والإطار الناظم لشأنهم العام وحياتهم المواطنية.
إن سيادة الدولة ما زالت تصطدم بعائق بنيوي كبير يتمثل في القيد الطائفي الذي يلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، ويحول دون إرساء نظام ديمقراطي يضمن في آن معاً المساواة بين حقوق الأفراد واحترام التعدد الطائفي. ومثل هذا النظام المطلوب يستجيب لمعنى المواطنة الذي تجلّى في الرابع عشر من آذار، من خلال مساهمته في جلاء طبيعة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه حياتنا الوطنية، وفي تعيين طبيعة الدولة القادرة على تجسيد هذا العقد. فالدولة القوية القادرة العادلة هي دولة تتمتع بسيادة فعلية، فتصون الاستقلال بوضع حدٍ للتدخلات الخارجية التي تستدعيها الصراعات الطائفية بصورة دورية. وهذا يعني أيضاً أن تتصرف الدولة بإرادة حرة، تحت سقف القانون، فتحرر اللبنانيين أفراداً وجماعات من مفهوم "فدرالية الطوائف" وتعيد الاعتبار الى الأبعاد الثقافية للتعدد الطائفي، بوصفه نوافذ حضارية على عوالم مختلفة، لا كهوفاً تقبع فيها الطوائف ، ما يجعل لبنان دولة مستقرة غير مرتهنة للتغيرات الاقليمية.
3= في مسألة "المقاومة"
إن المقاومة، في كل الأعراف والمبادئ الإنسانية والدينيةِ ،، هي حركة سياسية مسلحة ترتبط بإطار ناظم شامل وعميق هو ميثاق البلاد ودستورها وما اتفق عليه أهلها من نظام حكم ومؤسسات، وما تعاهدوا عليه من أهداف عليا وغايات .. المقاومة هي وسيلةٌ لا غاية ــ وسيلةٌ يُلجأ إليها شعبٌ تحت سقفِ مشروعه الوطني المتكامل، بإرادةٍ واحدةٍ موحَّدةٍ قبلتها بناء الدولةِ الوطنية المستقلة. وليست المقاومةُ عملاً عسكرياً متخصصاً فقط، بمقدار ما إنها لسان حال إجماع وطني، ووحدة عفوية، والتفاف شعبّي، وتكامل عاقل ما بين الشعب ومؤسساته التمثيلية، في كنف دولة، أو مشروع دولة، لها وحدها، لا لأي مرجعيةٍ سياسية أو عسكرية فوقها أو تحتها، الكلمة الفصل في الحرب والسلم...

4= في عروبة لبنان
إن عروبة لبنان لا تخرج، ولا يمكن أن تخرج، عمّا جرى على العروبة، من حيث هي عنوان حضاري يجمع لا شعار سياسي يفرق ــ ما جرى عليها، خلال العقود الماضية، من استئناف نظر في مفرداتها، ومن إعادة تعريف لآفاقها؛ ولعل أنضج تعبير، ليومنا هذا، عن تلك المراجعات لمفهوم العروبة ما ورد في "إعلان الرياض" في ختام القمة العربية التاسعة عشرة في آذار 2007، من أن "العروبة ليست مفهوماً عرقياً عنصرياً، بل هي هوية ثقافية موحِدّة تلعب اللغةُ العربية دورَ المعبّر عنها والحافظِ لتراثها. وهي إطارٌ حضاري مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية". ومن نافل القول أيضاً أن عروبة لبنان، استئناساً بنص إعلان الرياض، لا يمكن أن تقوم إلا على "ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، وعلى رفض كل أشكال الإرهاب والغلوّ والتطرف وجميع التوجهات العنصرية الإقصائية [...]". هو كذلك ولو أنه لا ضائر من التذكير بأن لبنان، في سيرته المعلومة لدى الجميع، لا يحتاج إلى دروسٍ لا في الوطنية ولا في العروبة.

5= في الصراع العربي ــ الإسرائيلي
إن لبنان، بحكم التاريخ والجغرافيا، وبإرادة التزامه بموجبات التضامن العربي وبمبادىء الحق الإنساني، كان وما يزال في صميم الصراع العربي ــ الإسرائيلي. بيد أن مكانه هذا لا ينبغي له أن يرتب عليه ما يزيد على المقدار المنصف من التزامه في إطار التكليف العربي: له ما للعرب وعليه ما عليهم ضمن رؤية عربية واحدة. وقد وقف لبنان، وهو يقف اليوم، مع شعب فلسطين وسلطته الوطنية، في ما تختاره من سياسات، مؤداها التوصل إلى إقامة دولة حرة سيدة قابلة للحياة وعاصمتها القدس، مع التمسك بازالة المستوطنات وجدار الفصل العنصري،وبحق العودة وفق القرار الدولي 194. من ثم فإن نصيب لبنان من مكابدة ذلك النزاع، ومعالجته، محكومٌ، خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000،وبعد حرب تموز 2006، بأن يكال بمكيال الاستراتيجية العربية الموحدة التي تبلورت في مبادرة السلام العربية التي أعلن عنها خلال قمّةِ بيروت 2002، والتي توثقت في قمّةِ الرياض 2007.
"إما أن توضع استراتيجيّة عربيّة كاملة لتحمّل أعباء قضية فلسطين، ويكون لبنان والجنوب جزءاً منها، وإلا فلا يمكن أن نوافق أبداً على أن يكون الجنوب أرضاً محتلة.. ونحن سنكون أول المجاهدين وأول الشهداء إذا كانت هناك خطّة عربيّة شاملة.. أما إذا لم تكن هناك خطة، وتكون هناك مزايدات وعنتريات وتناقض وتمزّق عربي، فلمصلحة مَنّ يضيع الجنوب؟"(شمس الدين).
"نحن في لبنان محكومون بثلاث معادلات، المعادلة الوطنيّة: الإسرائيليون يحتلون أراضي لبنانية، والمعادلة القوميّة أو العربيّة: الإسرائيليون يحتلون فلسطين العربيّة والجولان.. والمعادلة الإسلامية: هم يحتلون بلاداً إسلامية وشرّدوا شعبها وينتهكون مقدسات إسلاميّة.. المقاومة تخدم المعادلات الثلاث.. فكوننا لبنانيين نقاوم، وكوننا عرباً نقاوم، وكوننا مسلمين نقاوم، وإن كنا نفضّل أن لا يكون للمقاومة في لبنان هوية دينيّة.. وإذا تمّ انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الحدود الدوليّة مع فلسطين من دون شرط.. ووفقاً للقرار الدولي 425. إذا تم ذلك لا يعود عندنا في لبنان معادلة وطنية.. تتوقف المقاومة.. ولكن هذا لا يعني اعترافاً بشرعية الكيان الإسرائيلي من الناحية القوميّة ومن الناحية الدينيّة.. هذا الكيان غير شرعي ومقاومته مشروعة بل واجبة.. ولكن نحن بعض العرب في لبنان، وبعض المسلمين في لبنان.. ولا يمكن أن نأخذ على عاتقنا تنفيذ قرار عربي على المستوى القومي، أو إسلامي على مستوى الأمّة الإسلاميّة، وحدَنا.. ومن هنا لا يمكن أن نستمر في المقاومة باعتبارها قومية عربية أو مقاومة الأمة الإسلامية.. وما لم يكن هناك قرار عربي أو إسلامي قابل للتنفيذ، لا يقتصر على مجرّد الشعار السياسي، فنحن جزء منه، وإلا فإن قدرتنا على المقاومة تتوقف عند حدود الانسحاب الإسرائيلي من أرضنا.." (شمس الدين).
خاتمة
ان ارادتنا في التحلق حول هذه الأركان/الكلمة السواء تنبع من الاعتراف بأن اللبنانيين كافة، أفراداً وجماعات، قد صاروا ،منذ التحولات الكبرى التي شهدها العام 2005، في ما يشبه الحيرة من أمرهم ومن مستقبل بلدهم. فمن شارك منهم في انتفاضة الاستقلال يرى نفسه اليوم مضطراً إلى تخفيض آماله من إمكان السير بلبنان قدماً على طريقي السيادة والاستقلال من جهة والتحديث السياسي من جهة أخرى ، ومن شكك في أهداف هذه الانتفاضة واعتصم بتقديم مصالح حلفائه الإقليميين على المصلحة اللبنانية يذهب اليوم في رفع سقف مطالبه بما يتراءى معه أن هذا الفريق راغب بتأميم لبنان واللبنانيين لحساب تحالفاته الإقليمية. والحال انه ليس ما يدهش أن خرج هذا الشقاق الوجودي العميق عن السيطرة مرات عديدة خلال السنوات الماضية متخذاً ألواناً من العنف حسب اللبنانيون أنها لن تتكرر. وإذ نجح خوف الأسوأ، حتى الآن، في ضبط تعبيرات هذا الشقاق مسيحياً وسنياً ودرزياً، فإن صورة البنيان المرصوص التي تقدمها الجماعة الشيعية عن نفسها ــ والتي ثبتت في وجدان الجماعات اللبنانية الأخرى ــ لا ينبغي لها أن تكون مدعاة خوف أقل، سواء لدى الشيعة أنفسهم أو لدى مواطنيهم اللبنانيين من شتى الجماعات والمشارب.
إن ترميم التعدد ضمن المنزل الاسلامي اللبناني (والشيعي تحديداً) هو السبيل الأوحد إلى رفع السواتر والدشم التي تحوط هذا المنزل، وهو السبيل الوحيد إلى تشريع أبواب هذا المنزل على المنازل اللبنانية الأخرى توصلاً إلى البيت اللبناني المدني الجامع ــ الجامع مواطنين متساوي الحقوق والواجبات، لا طوائف تتربص ببعضها البعض وتدين بتماسكها إلى ما يتفق لها أن تستشعره من خوف أو تبثه من رعب.
إن المطلوب اليوم إسلامياً ووطنباَ تجديد التزامنا المسلمين اللبنانيين ووحدتهم وكرامتهم. وهذا يعني توحيد الرؤية والتوجه، ضمن الالتزام الأعمق بالشعب اللبناني وبالكيان الوطني النهائي، وبالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والكرامة لجميع اللبنانيين.. إن المسوغ الشرعي لهذا العقد أو الميثاق هو العمل على تحقيق الانخراط القوي والواعي والمسوؤل في عملية بناء الوطن الحر السيد المستقل، العربي الهوية والانتماء، و بناء الدولة العادلة المتوازنة، و الجمهورية الديمقراطية البرلمانية... إن واجبنا اليوم هو المساهمة في صياغة رؤية إسلامية لبنانية معاصرة تنطلق من المشروع الوطني الجامع لتأصيله في الدين والتراث، وترتكز إلى قيم وأصول الدين الحنيف لتوطينها في الحياة العامة وفي الممارسة السياسية.. إن الانتماء إلى الوسط الإسلامي الشيعي لا يعني اختصار الوطن في الطائفة أو المذهب، بل يعني حمل هموم الطوائف من منظار وطني جامع وعلى قاعدة الإسلام السمح المستنير، وبناء العيش المشترك على أساس الاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل والعدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع..إننا ننطلق من كون الطوائف المشكلة للاجتماع اللبناني نوافذ حضارية لا كهوفا يحتبس فيها أتباعها، ومن أن التنوع والتعدد الديني والثقافي، ثروة حضارية لا يجوز التفريط فيها، كما لا يجوز الإفراط في صنميتها وطوطميتها.. ومن أن الخروج من الطائفية والمذهبية والعشائرية والمناطقية، والدخول في الدين والوطن معا، هو خيارنا السري والعلني، وهو المشروع والأفق الذي نعمل عليه..إن ثقافة الحرب والاحتراب، والفتنة والجهل، والتكفير والهجرة، قد أكلت وتأكل عقول وقلوب وأذواق الناس... وهي أفقدت مجتمعاتنا روحها السمحة وفرحها القرآني وسويتها المطمئنة، وان من أولى واجباتنا إطلاق طاقات الخير والبركة والحب والتضامن، وإعادة ترميم ذاكرة العيش المشترك وثقافة الوحدة والتنوع، أي إعادة بناء الشخصية الوطنية والإنسانية السوية للمواطن وللمجتمع.. إن إعادة البناء هذه هي عملية ثقافية ضرورية تشمل الخطاب السياسي واللغة اليومية والمفردات والشعارات والطقوس والمسلمات والسلوكيات والأخلاق.. وهذا يمر عبر تأصيل القيم والمبادىء الدينية والأخلاق الإنسانية العالمية المشتركة وأساسها العدل والحرية والكرامة والمساواة والحوار والوسطية والديمقراطية....