الخميس، 5 مارس، 2009

مئوية مجلة "العرفان

(مئوية مجلة "العرفان"(5 شباط 1909 - 5 شباط 2009

المجلة ومؤسسها في الدائرتين الصغرى والكبرى بقلم الدكتور طريف الخالدي

-1-
لو أننا تدبرنا لحظة من الوقت أمر دائرتين متحدتي المركز تقريباً إحداهما أصغر في العيان من الاخرى؛ ولو أننا تصورنا ان خطوط كفافهما الخارجية او محيطيهما متشابهان أقرب الشبه؛ ولو أننا تدبرنا كرة أخرى في الدائرة الصغرى باعتبارها عالماً مصغراً [انساناً] في داخل الدائرة الكبرى، العالم الاكبر [الكون]؛ ولو أننا تذكرنا أن الدائرة الصغرى لا تعكس الدائرة الكبرى فحسب، بل تعمل بنشاط في تكييف مناخها الفكري كذلك، لو أننا وضعنا كل هذه الاخيلة أمام ناظرنا فسنتوصل الى صورة متعددة الابعاد للعلاقة بين جبل عامل ومجلة العرفان. ففي جبل عامل كانت أي مجلة تسمى ببساطة "العرفان"(1). كان الامر كما لو ان اسم العلم قد امسى مرادفاً لاسم الجنس، وكان الحال كذلك على الاخص في الفترة بين 1909 و1939. فالعرفان لم تكن محض مرآة صادقة لمكانها وزمانها. إنها كانت ايضاً ادارة ووسيطاً مباشرين للتحوّل الفكري. وقد كان للدائرتين المتحدتي المركز، معاً، من الأثر المشترك ما تجاوز بعيداً حدود جبل عامل الجغرافية.
لذا، فبتحليل العرفان وموقعها في الحياة الفكرية في المشرق العربي خلال هذه الفترة، سيكون الامر في النهاية سيّان سواء بدأ التحليل التاريخي من الدائرة الخارجية وانتقل الى الدائرة الداخلية او العكس بالعكس. وعلى هذا فسأبدأ بتحليل موجز لطبيعة الشبه بين العرفان ومجتمعها الأم ولدرجته. ثم أمضي لفحص بعض الموضوعات (الثيمات) الرئيسية التي كوّنتها العرفان والمجتمع الذي أفرزها، او تلك التي انعكس فيها. وأنتهي الى تقويم موقت لأهمية العرفان في مجتمعها المباشر. وقد يبدو كما لو ان التحليل ينتقل من الحيّز الداخلي الى الخارجي ولكن هذا هو مجرد وسيلة شكلية لتسهيل الامر او وسيلة في الاسلوب لا مقولة فلسفية رصينة بشأن العلاقة بين الافكار والمجتمع في التاريخ. وسيجري التأكيد، في كل نقطة من نقاط هذا التحليل، على الطبيعة الفذة لهذه العلاقة، وعلى تلك الموضوعات والاحداث التي أضافت اليها العرفان شيئاً من ميزاتها الخاصة او ألقت عليها شيئاً من ضيائها الخاص بعينه.
ولو وقفنا على تخوم الدائرة الداخلية، أي تخوم العرفان، لبدت المجلة مفتقرة الى أي خط مذهبي واضح او الى أي التزام حزبي كان. ولعل هذا الافتقار لمذهبية التحرير هو ابرز مزايا المجلة لأن المحرر لا يمارس في حقيقة الامر رقابة ايديولوجية على المساهمين في التحرير. والرقابة الوحيدة التي مارسها كانت ذات طبيعة لغوية، رقابة تطبق بأناقة وذلك بايلاج علامة تعجب بين حين وحين توضع بين قوسين جنب سقطة ما. ولا يعني هذا ان المحرر يفتقر الى المبادئ. بل انه كان يعتنق مبادئ قوية وكان هو نفسه ينتصر سياسياً [لبعض الاراء] بين حين وحين. بيد ان مبادئه تتسم بانفتاحها وبثباتها. وأعني بالانفتاح القيمة المثلى التي يوليها المحرر لحرية الكتابة، التي ولدتها بلا ريب الفورة النشطة للأزمة العثمانية لعام 1908. وأعني بالثبات أن تمسّك المحرر بالحرية وبقلة أخرى من المبادئ الاخلاقية الحيوية كالتعليم والوطنية لم يطرأ عليه أي تغيير تقريباً، من بداية المرحلة قيد الدرس (1909) الى نهايتها (1939)، وحتى أبعد من ذلك(2). إن هذا التمسك الجامد بالحرية قد مكّن المجلة أن تعمل كمنبر لآراء من مختلف الالوان. وما تفتقر اليه المجلة من إثارة فكرية إنما تعوضه بتحسسها للقضايا الخاصة بالمراحل التاريخية المتلاحقة.
-2-
انتقل بعد ذلك الى تخوم الدائرة الخارجية، دائرة جبل عامل، حيث أزمع أن أتناول بالبحث موضوعات وحقائق معينة كما أتنازل صورها كما ظهرت في المجلة. وهذه الموضوعات لا تبرز فقط لمحض أهميتها الاحصائية الكمية، بل تبرز لأن عدداً منها قد تم توضيبه من ناحية كيفية بطريقة المجلة الفذة، او غير العادية على الاقل، لذا فإن المؤرخ وهو يقترب من مجلة كالعرفان يجد انه يتناول بالبحث، من حيث النتيجة، كلاً من مؤسسة تاريخية فضلاً عن مصدر تاريخي في آن واحد. إن العرفان غالباً ما توصف بأنها مدرسة، مدرسة صاغت عقول المثقفين لجماعة معينة من الناس في مرحلة معينة من الزمن. لكن "العرفان" ايضاً مصدر أدبي رئيسي لتاريخ جبل عامل خلال فترة زمنية أطول بكثير. لذا فالمجلة هي تاريخ ومؤرخ معاً، إذ تستخرج المادة التاريخية القديمة والقيّمة ثم تصنع تلك المادة بطريقة أسهمت في التحول التاريخي.
وهذه الوظيفة المزدوجة من الاستخراج والتصنيع تقود المرء اول ما تقوده الى فحص الصورة الذاتية التاريخية الموجودة في العرفان، أي الى فحص وضع التأريخ historiography (كما وُضع) في المجلة. والمقالات الافتتاحية تكشف عن رجل يتمتع بحس عميق ودائم بصلة التاريخ الوثيقة. على أن الهم من ذلك إنما يتمثل بأن المجلة شجعت بصورة فاعلة ظهور وضع تاريخ شيعي خلق، بكليته، صورة ذاتية تاريخية فريدة لجماعة من الناس.
-3-
ما هي السمات الرئيسية لهذه الصورة الذاتية، ولماذا خلقت وكيف؟
إنها، باختصار، صورة جماعة اسلامية شيعية التي هي عربية منذ الازل والتي يقال ان مذهبها الشيعي مستمد من كون افرادها هم أتباع الصحابي الشهير أبو ذر الغفاري. وجوهر هذه الرسالة (الشيعية) انها عربية منذ البدء ومسلمة منذ البدء(3). إنها كذلك صورة ذاتية اسلامية شيعية، وهي صورة تعكس حساً أكيداً بالتضامن الديني - الجغرافي. أنا لا أتكلم هنا عن شعور اقلية إزاء اكثرية، لأن الاقليات والاكثريات في تاريخ الشرق الاوسط ككل موجودة غالباً في عين الناظر. ولعل الكتّاب الشيعة في جبل عامل كانوا قد شعروا بأنهم اقلية في "لبنان الكبير" Greater Lebanon. لكنهم عوّضوا عن ذلك بالادعاء بأن الشيعة داخل لبنان هم أكبر طائفة منفردة(4). ولعلهم في الوطن العربي ككل كانوا قد شعروا بأنهم اقلية إزاء السنة. لكنهم عوضوا بالانتساب الى عالم الاسلام الاكبر حيث لا يعودون اقلية من الاقليات، كما عوضوا بالاحساس بأنهم قد حافظوا على عقيدة اسلامية صافية وأصيلة. والمجلة منذ أوائل أيامها قد فتحت صدرها، كتموجات في بركة، لإيران وجاوة والصين واليابان، وهي في زمنها قد قدمت ما يحتمل أن يكون أوسع تغطية اخبارية صحفية عن ايران والشرق الاقصى مما هو موجود في أي مجلة عربية.
بيد ان هذه التغطية للمشرق لم تكن ثابتة، بل متغيرة. ففي الفترة بين 1909 ونحو 1924 فحصت العرفان المشرق بدقة. غير ان التغطية من أواخر العشرينات حتى 1939 تنكمش متقلصة من الشرق الاقصى الى الشرق الاوسط، وهو انكماش يتزامن، كما سأناقش ذلك فيما بعد، او ينشأ عن هجمة استعمارية فرنسية قوية وتبعث على التفرقة وذلك في جبل عامل خاصة وفي الشرق الاوسط العربي عامة. وهذا الانكماش في التغطية الجغرافية عنى تعزيزاً للجسور العربية والاسلامية. وهذا لا يعني ان الصلات العربية الاسلامية للعرفان كانت خافية في البداية. فالدفعة الاولى بالذات من القوميين الذين القي القبض عليهم في 1915 كانت تتألف في أكثرها من مجموعة من العامليين ولدينا سرد قيّم من شاهد عيان شيعي عن الحياة اليومية في الديوان العرفي في عاليه كان كاتبه قد استطاع أن يهرّب قلماً ومفكرة الى السجن(5). ولكنه يعني انه يظهر في الصحيفة، منذ أوائل العشرينات على الاقل، تركيز كثير على الشؤون السياسية لسوريا وفلسطين والعراق ومصر على حساب جميع المناطق الاخرى. وكانت المجلة، ضمن هذه المنطقة العربية، مناصرة للهاشميين في سياستها العربية العامة ومناصرة للحاج أمين الحسيني في فلسطين. كانت العاطفة الشيعية التاريخية في المقدمة في كلا هاتين القضيتين، لكن هذه العاطفة عززت حسن التضامن السياسي - الجغرافي والاقتصادي القائم اصلاً مع شمال فلسطين، وخاصة مع المدينتين التوأم حيفا وصفد. وما ان تعاظم نطاق تغطية المجلة لاخبار سوريا وفلسطين في أواخر العشرينات وفي الثلاثينات حتى اتضحت المقولة الخاصة بمسألة الشرق وهو بإزاء الغرب في ذهن المحرر وكذلك في ذهن عدد من كتاب المقالات في مجلته. واصبحت مقولة الشرق/ الغرب، والتي ابتدأت كأزمة اخلاقية عميقة عجّل بحدوثها الغرب في الشرق، اصبحت في مرحلة لاحقة عبارة عن ظاهرة تاريخية تؤثر بالحضارات أكثر مما تؤثر في البلدان وجرى تقبلها كجزء من نمط تاريخي اكبر للمد والجزر في الحضارة ذاتها(6).
على ان العرفان إنما اسهمت اسهاماً مهماً ومثيراً للتطلع وذلك في تغطيتها لشؤون الاسلام والمذهب الشيعي في الوطن العربي. لقد ألحت آنفاً ان المجلة فتحت صدرها بدءاً بالامتداد الى الشرق وأنها انكمشت انتهاء الى شؤون العرب والاسلام. بيد ان الاسلام بكل اشكاله قد ظل بالنسبة للعرفان مجالاً دولياً حيوياً من مجالات الاهتمام زج المجلة بمجادلات مع اليسوعيين وكذلك مع السنّة وأفضى الى طرحها ما قد يطلق عليه المرء نظرية في الوحدة الطائفية الاسلامية. فالمجلة في العشرينات قامت، وقد خاب فألها بالعلمانية الساذجة المنتشرة في ايران وافغانستان وتركيا، قامت بتركيز اهتمامها على وحدة طائفية عربية واسلامية باعتبارها الهدف الديني العاجل. ويمكن القول، في واقع الامر، ان العرفان قد أخذت المبادأة لتنظيم الحوار الديني ضمن العالم الاسلامي وأثنت في الوقت عينه على الملك حسين عاهل الحجاز عن مقولته الشهيرة وهي: "نحن عرب قبل أن نكون مسلمين"(7).
ولو ابتغى المرء تفسيراً فكرياً لهذا الموقف المناهض للطائفية لأمكنه القول ان المذهب الشيعي بالنسبة للعرفان قد أمسى، ولاسيما بعد الانتداب الفرنسي، موقفاً ذهنياً أكثر مما هو التزام طائفي. إنه موقف تغذيه نهضة في كتابة التاريخ شجعتها المجلة باطراد. إن المقالات عن جبل عامل، الطويلة منها والقصيرة، العتيقة والعصرية، الجيدة والرديئة والوسط، موجودة في كل مجلد، وربما في كل عدد من صحيفة كانت على العموم شهرية. هذه المقالات هي في بعض الاحيان قاموسية الى حد كبير وتتناول تفصيلات اصول المعاني لاسماء القرى(8). وهي في أحيان أخرى تتناول المسألة الأوسع الخاصة بالحضور الشيعي في التاريخ العربي والكفاح الملحمي بين علي ومعاوية وعقبهما. كما كشفت المجلة كذلك عن اوراق مهمة تسرد الوقائع اليومية مثل السجل الشعبي الممتع للراكوني (او الركيني) الذي عاش في أواخر القرن الثامن عشر في صور، وهو مصدر اجتماعي - اقتصادي فذ عن هذه المرحلة الزمنية ويذكّر بمعاصره سجل الحكايات الدمشقية للبديري الحلاق(9).
إن تدقيق المجلة المفصل في تاريخ سراة القوم وعوامهم في جبل عامل إنما يرفده في صفحاتها اهتمام شديد بتاريخ العراق وايران. ولست في وضع يمكنني من تقدير قيمة المعلومات التاريخية عن هذين البلدين، وأغلبها يتعلق بالقرن العشرين. لكن المكانة التي احتفظ بها جبل عامل تقليدياً في النجف وايران جعلت العرفان، بمعنى من المعاني، صحيفة للتاريخ الاسلامي المقارن. إن مشكلة الطائفية الاسلامية، تحت ظلال التاريخ، قد أضحت مشكلة جهل لا مشكلة اضداد لا يمكن التوفيق بينهم(10).
إن المجلة، وقد قدم بها العهد، قد اكتسبت قوة دفع تبشيرية كان من أبرز سماتها اتخاذ موقف وسياسة من التفاهم الفاعل القائم على الحلول الوسط. أما المماحكات الجدلية ضد شخصيات سنية مثل رشيد رضا ومحمد كرد علي واسعاف النشاشيبي فقد نظر اليها كرد لاهانات يولدها الجهل. وقد دعت تلك المجادلات الى الوحدة الاسلامية باعتبارها مثلاً أعلى دينياً وسياسياً كذلك، باسم فهم تاريخي أعمق للنصوص الاسلامية(11). وهو موقف غير بعيد كثيراً عن موقف مؤرخين أوائل للاسلام كان الكثير منهم مشايعين لعلي في عاطفتهم، تلك العاطفة التي استخدمت التاريخ كحقل أولي للجدل. ويمكن، في الواقع، تعريف المذهب الشيعي بأنه لجوء الى التاريخ، والعرفان تحوي الكثير من ذلك.
إني امر سراعاً على صور وموضوعات أخرى تظهر في المجلة، فأختار التأكيد على تلك الجوانب فقط التي تبدو لي نموذجية بالنسبة للعرفان. وأنا أحصرها في فقرة واحدة على أنها مسألة المرأة، ومسألة الاشتراكية، ومسألة العلم ومسألة المهاجرين الى افريقيا والاميركيتين بالدرجة الاولى.
المسألة الاولى تتركز على قضية الحجاب والسفور. وباختصار، بدأت المجلة بتبني موقف مؤيد للحجاب بصورة واضحة، وانتهت الى قبولها بالسفور على مضض وبالتسامح مع رأي سائد مفاده ان القضية الحقيقية هي تعليم المرأة لا مظهرها الخارجي. أما في مسألة الاشتراكية فقد فسحت المجلة المجال لآراء من مختلف الالوان لكنها نظرت الى المسألة اساساً بصدد ديني لا صدد اقتصادي - اجتماعي. والمقصود بهذا ان العدد القليل نسبياً من الكتاب عن الاشتراكية نزعوا الى أن يروا في الاشتراكية نظاماً من القيم الاخلاقية الموجودة في الاسلام اصلاً. وأما اهتمام العرفان بالعلم فهو ناشئ عن اهتمام المحرر الدائم بالتعليم وبتحسين احوال الريف. والكثير من المادة العلمية يحتوي على ارشاد زراعي او طبي موجه الى القرويين صراحة، مع وجود باب دائم آخر في المجلة بعنوان "التقدم العلمي" يشتمل بالدرجة الاولى على المخترعات الحديثة. ويتصاعد اعجاب المحلة بالتقنية الغربية نسبة عكسية مع ارتيابها بالاخلاق الغربية. وكان الافتتان باليابان بالنسبة لعدد من الكتاب رمزاً للكيفية التي يستطيع بها المرء أن يستخلص التقنية من الغرب دون أن يثقل كاهله بنظامه الخلقي(12).
وقبل الانتقال الى الجزء التالي من هذه الدراسة، والذي يتناول بالبحث المجتمع الذي انبثقت عنه المجلة، لا بد من توجيه النظر الى الحركة القوية الادبية والدينية التي ازدهرت في جبل عامل من أواسط والى أواخر الثلاثينات وتبلورت حول ما كان يعرف بـ"عصبية الأدب العاملي" وهي عصبة أدبية لم تتلق بعد ما تستحقه من تقدير في تاريخ الادب العربي الحديث وفي تاريخ النهضة على العموم. وقد تأسست هذه العصبة أولاً في النجف، في أواخر العشرينات او أوائل الثلاثينات من قبل جماعة يمكن تسميتها بـ"شيوخ العلم من الشباب الغاضب"، وذلك كتمرد ضد فئة (مؤسسة) العلماء(13).
سأؤجل الآن بحث تلك المؤسسة وأحاول عرض الآراء الدينية والسياسية لهذه العصبة.
كان الشيخ علي الزين هو الروح المحركة وراء العصبة، وهو من جبشيت، عالم شاب درس في النجف، ومن الموهوبين المعروفين. وقد نشر في أيار 1937 بيان العصبة في العرفان حدد فيه المبادىء الاساسية لجماعته. ويبدو ان الشيخ وهو يسم مناخ زمانه بأنه "اقطاعي" و"رجعي" و"غير ديموقراطي" (وهذا استعمال مبكر للكلمة العربية "رجعي" واحياء لكلمة "ديموقراطي") يبدو وكأنه يعلن الحرب على عدة جبهات في الوقت عينه(14). وقد طرحت نظرية في الشعر والنقد الادبي لأن الادب، بنظر عصبته، قد غدا الاداة الاساسية للكفاح السياسي ضد "العلماء"، واصحاب الاراضي الحاكمين والانتداب(15). ويحدد الشعر الذي توافق عليه العصبة بأنه بسيط في اسلوبه وصادق مع واقع الحياة اليومية. لذا فقد شن عبد اللطيف شرارة، عضو العصبة، هجوما لاذعا على ادباء جبل عامل، وسفههم لوصفهم اوروبا كما ترى "من مقاهي النبطية" وقال ان "قوة العاطفة" هي جوهرية للكمال الادبي(16). وجرت محاسبة الشعراء لانهم لا يولون عناية كافية لوحدة القصيدة، ولأنهم ينظمون قصائدهم بيتاً بيتاً على وجه الاستقلال. كما جرى انتقاد الشعراء ايضا لتناولهم مواضيع نظرية يحسن بحثها بمقالات، او لتناولهم مواضيع بالية محاكاة لاسلوب ابي تمام او السيد الحميري(17).
وقد صب الشعر الذي أطلقه الشيخ علي وعصبته في قالب فلسفي معين يمكن وصفه بأنه متحرر ومشكك. وقد اخفى هذا كفاحا سياسيا اعمق ضد التسلط الاجنبي والطائفية والتعمية الدينية، وهذه الاخيرة تستحق الملاحظة على الخصوص وذلك لأغراضنا في هذا البحث. وقد جرى الهجوم على "العلماء" وهو جزء من هجمة عامة على جميع رجال الدين، باسم المبادىء العليا لذلك الدين ذاته(18). وقد خلع الكثير من الشيوخ اعضاء العصبة أرديتهم التقليدية [كالجبة والعمامة] الواحد تلو الآخر مدعين بقاءهم من المسلمين الاتقياء، فأحدثوا ضجة في اوساط "العلماء". وجرى تسخيف مبدأ الاجتهاد ذاته الذي هو فخر الشرع الشيعي وفقهه لأنه امسى شعارا فارغا، ومشوشا وباليا. إن الاسلام الاصيل يجب ان يكون مفتوحا باستمرار للمعرفة وللطوائف الاسلامية الاخرى(19).
وقد قيل ان العصبة تلقت بعض تصوراتها عن النقد الادبي من النوادي الادبية العربية في [المهجر] في اميركا الشمالية والجنوبية. على ان البيئة الخانقة للنجف يجب ان تعتبر سبباً بالاهمية نفسها(20). فضلا عن ذلك فإن احوال جبل عامل قد اوحت بأسلوب واداء شعريين قائمين بذاتهما. واضفى ادخال الفاظ عامية معينة متداولة في جبل عامل في الشعر الكثير من البساطة والجمال والقدرة على الترداد. وقد أثار التهجم المضحك من قبل احد الشعراء على الكهنوتية غضب احد العلماء مما حدا به الى اصدار فتوى تحلل قتله عن الكفر(21). إن العصبة قد نقلت الراديكالية الى طبقة العلماء.
-4-
انتقل الآن الى القسم الاخير من هذه الدراسة التي تروم أساساً الى الاجابة عن السؤال او الاسئلة المطروحة سابقاً: كيف ولماذا ظهرت هذه الصورة بعينها في العرفان؟ وعلى وجه التحديد ايّ نمط من المجتمع اخرجت العرفان؟ ولا توجد بالطبع طريقة يمكن المرء بواسطتها ان يمسح الاقليم بأسره. إن البحوث الثانوية الشاملة لهذا العصر التاريخي (1909 – 1939) نادرة وذات نوعية مجهولة. والمشكلة الاخيرة هي أعقد الجميع، إلا وهي انسجام العلاقة، او تصادفيتها، او حتى عرضيتها بين هذا العالم القلق من الافكار المبينة آنفاً وبين المجتمع القلق لجبل عامل. لذا فاني اطرح انطباعاتي عن هذا التاريخ بكثير من التردد(22). على انه يمكن تقديم بضع ملاحظات تاريخية عامة، ويعود الفضل في ذلك الى مجلة العرفان من جهة والى المقابلات مع شهود العيان من جهة اخرى.
إن مجلة العرفان نفسها تقول للقارىء ان هناك مفتاحين مهمين للفهم التاريخي للبنية الاقتصادية – الاجتماعية لجبل عامل. المفتاح الاول هو التقسيم الرباعي للطبقات الى "زعماء" و"علماء" و"وجهاء" و"عامة" من الفلاحين (سأبحث الاخيرين معا). والمفتاح الثاني هو نظام ضريبة الارض والتغييرات التي طرأت على الاقتصاد الريفي بمختلف القوانين الخاصة بضريبة الارض و[باجراءات] تسوية الاراضي(23). والمرء قد يغريه احياناً ان يعتبر المفتاح الثاني هو العامل الحاسم لولا ان "العلماء" و"الوجهاء" هم ايضا من الطبقات القلقة ومناوئون للتغيير.
ومهما كان الحل لهذا اللغز الخاص بمفاتيح الفهم فسأحاول اولا تعريف هذه الطبقات. فالزعيم لهذه المرحلة (وربما ينبغي الرجوع الى ثمانينات القرن التاسع عشر) كان ينظر اليه باعتباره الملاّك الزراعي الذي يحتفظ بوعي منه ببعض صفات شيخ العشيرة. واولى هذه الصفات التي حددها جميع الذين حادثتهم هي وجود بيت يوفر المأكل والمسكن مجانا لكل من هب ودب، حتى ولو لم يكن الزعيم موجودا فيه لاستقبال ضيوفه. والزعيم يرجع نسبه بفخر الى عشيرة عربية صحراوية. وكان له حتى اواسط او اواخر القرن التاسع عشر سلطة الحياة والموت على سكان اقطاعه. وهو في العادة ملتزم الضريبة الوحيد في مناطق شاسعة، تعاونه شبكة من الوكلاء الاقطاعيين منتشرة في ارجاء الجبل. والزعيم يظهر وشيجة خاصة مع العامة من اتباعه. وفي مستهل القرن الحالي كانت العائلتان او العشيرتان اللتان تتوفر فيهما صفات الزعامة هما آل الاسعد وآل الفضل(24).
اما طبقة "العلماء" في هذه الفترة نفسها فهي اكثر تعقيدا لأنها احسن توثيقا بكثير. واسر العلماء تنتمي الى جميع الفئات في المجتمع فيما يختص بالمكانة الاجتماعية وروابط الزواج. ومما يعزز من هذه المكانة، وهي في اوجها، ان العلماء كانوا يمارسون قدرا كبيرا من السلطة القضائية الذاتية ضمن الامبراطورية العثمانية. وقد حكموا في عدد كبير جدا من القضايا المدنية لأن اغلبية المدعين الشيعة يفضلون الفصل في قضاياهم وفق المذهب الجعفري دون المذهب الحنفي التابع للدولة. ويقف في قمة الترتيب الهرمي للمراتب العلمية المجتهدون، ويندر ان يكون عددهم اكثر من اثنين او ثلاثة. يليهم العلماء والشيوخ من مختلف درجات العلم والمكانة الاجتماعية. والمنظومة مفتوحة لأن بامكان اي واحد من اي طبقة اجتماعية الانضمام الى طبقة العلماء والصعود الى القمة اذا كان ينعم بالاقتدار الفقهي. وينزع العلماء الى خلق سلالات (مثل أسر الامين، شرف الدين، شمس الدين وهكذا) لكن الدخلاء يجري التغاضي عنهم دائماً وكانت كليات النجف اعرض معاهد الشيعة العلمية صيتاً ولذا كان ينظر الى العالم النجفي، على الاقل حتى 1935 باحترام خاص. ولم يكن من غير المألوف بالنسبة للفلاحين الأميين ان يبيعوا اراضيهم وماشيتهم لكي يرسلوا ابناءهم الى النجف(25).
وكان علماء هذه الفترة المعنيين مباشرة بالقانون، يعتمدون لغرض تنفيذ احكامهم على السلطة التنفيذية لزعيم منطقتهم. لذا تنبثق مخالفات سياسية مفككة بين عالم او اكثر وبين زعيم معين، ولكن، وبقدر ما استطعت تبنيه، لم يستقطب في هذه الفترة اي عالم مجموعة من علماء آخرين لغرض عمل سياسي منظم على الاطلاق. ومن بين مئات المقالات المكتوبة في العرفان بقلم علماء من مواضيع شتى لا يوجد سوى مثل واحد لعالم طرح النظرية السياسية الشيعية عن "ولاية الفقيه" التي تقول بأن "العلماء" هم افضل من يقود المسلمين في غياب المهدي(26). اما بصدد النشاط السياسي فثمة تناقض ملموس بين علماء الشيعة العامليين والايرانيين. ففي اواخر العشرينات وفي الثلاثينات اتخذ علماء الجبل مواقف على طرفي الخط السياسي، لكن هذا الخط كان قد رسمه سلفاً آخرون. كان العلماء عبارة عن جماعة مفككة اكثر مما هم طبقة اقتصادية – اجتماعية محددة بوضوح.
كان العلماء يسيطرون كذلك على التعليم والوعظ بالاضافة الى الشرع. وهذه السيطرة موثقة كل التوثيق اعتباراً من القرن الرابع عشر. وقد افلح علماء جبل عامل في القرن السادس عشر، ثم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في تأسيس مركز مهم للفقه الشيعي (ومركز حيوي بقدر تعلق الامر بايران). ولم استخرج عينات من جملة الفكر الشيعي بالتوسع الذي كان يجدر بي، لكن انطباعي العام، من وجهة النظر المستندة الى مناهج التدريس، هو ان الاهتمام كان منصبا على العلوم الدنيوية بدرجة اكبر مما هو في مناهج التدريس السنية لتلك الفترة نفسها. ان اغلب المدارس اسسها العلماء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم تدم بعد وفاة مؤسسها الاصلي. لكنهم عوضوا عن الافتقار في الاستمرارية الزمانية والمكانية بتوزيع جغرافي في ارجاء الجبل. وعلى اي حال كان العالم في كل الاوقات اهم من مكان التعليم(27).
اما بشأن مصدر دخل العلماء فان قلة منهم فقط كانت تملك الاراضي في حين يعيش اغلبهم على الصدقات والمعونة الخيرية. وعلماء القرى الصغيرة يعيشون كليا على كرم القرويين الذين يزودونهم بالسكن والحاجيات الضرورية الاساسية ويقدمون لهم العطايا في مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية. وكان الخمس، وهو ضريبة دينية قديمة، مساهمة طوعية كليا في هذه الفترة، ويدفع من ابناء الجماعة الاتقياء والاثرياء الى كبار العلماء من السادة من سلالة اهل البيت. ولم يكن الخميسي يدفع بانتظام كما كان مقداره خاضعا للمساومة. وفي اوقات الاستقطاب السياسي الشديد يجتذب زعيم جماعة من العلماء الى جانبه وذلك بدفعه رواتب سنوية منتظمة لهم. وكان جل علماء النجف والذين كانوا في مركز سيطرة حتى مستهل القرن الحالي، يميلون الى الوقوف سياسياً بجانب المجتهد الاكبر في النجف لأن اغلبهم كان يعيش ابان التلمذة على مكرمته(28). وعلى العموم فان طبقة العلماء كانت اقل الطبقات تأثيرا بالتغير الاقتصادي. لقد كان العلماء، ومن جميع النواحي العملية، يعيشون على الصدقة.
والمجموعة الثالثة هي مجموعة "الوجهاء" التي ظهرت اول ما ظهرت على الصعيد السياسي في جبل عامل في اواخر القرن التاسع عشر حينما انطلقت ثلاث او اربع اسر في صيدا وصور والنبطية وبنت جبيل فرفعت نفسها الى طبقة الزعماء وذلك باكتسابها لملكية الارض او لصيرورة افرادها من الملتزمين. ان صعود هذه المجموعة الصغيرة من تجار المدن الى طبقة الزعماء وثيق الصلة بتاريخ ضرائب الارض وتسوية الاراضي العثمانية، كما طبقت في جبل عامل. ثمة معلومات عن هذا الموضوع وعن هذه الفترة في العرفان وان كانت المعلومات الاكثر تفصيلاً لا يزال بالوسع الحصول عليها من مصادر شفوية(29). وهكذا فان ظهور مجموعة الزعماء المحدثين هذه كانت امارة من امارات التغييرات الاقتصادية المهمة والباقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

(•) أقدم شكري بادئ ذي بدء لزميلي الدكتور مروان بحيري الذي كان أول من اقترح عليّ هذا الموضوع. اسجل كذلك خالص امتناني الى الذين زودوني بالمعلومات وهم صاحبا المعالي كاظم الخليل وعادل عسيران والسادة محمد قرة علي وموسى الزين شرارة. وآمل أن تكون الصورة التي رسمتها لجبل عامل قريبة من تلك التي في أذهانهم مع العلم أن جميع من ذكرت في حل من المسؤولية تجاه الآراء الواردة في هذا البحث. والدراسة مهداة لسماحة الإمام السيد موسى الصدر الذي أدين اليه باهتمامي بجبل عامل.
(2) أنظر: افتتاحيات "العرفان"، الاعداد 1، ص1-2 و8؛ 10، ص215؛ 14، ص1 وما بعدها؛ 17، ص281، و25، ص1 وما بعدها.
(3) أنظر خاصة مقالات الشيخ سليمان الزاهر ومحمد جابر آل صفا المتعددة في: "العرفان"، العدين 8، و27، ص460 وما بعدها على التوالي. أنظر ايضاً الجدال حول المثالية الشيعية في: "العرفان" العدد 24، ص813-841.
(4) أنظر خاصة: "العرفان"، العدد 17، ص504 والاحصاءات السكانية المهمة في: "العرفان"، العددين 26، ص595 و649، و27، ص3.
(5) ورد هذا في عرض محمد جابر المهم لكتاب أمين سعيد: الثورة العربية الكبرى في: "العرفان"، العدد 25، ص743 وما بعدها. وحول نشاط عبد الكريم الخليل في صيدا عام 1915 كما ذكرها المحرر، أنظر: "العرفان"، العدد 28، ص468.
(6) أنظر على سبيل المثال: العرفان، الاعداد 1، ص29؛ 15، ص606؛ 21، ص394؛ 25، ص769، و27، ص266-267. وقد ظهرت التحذيرات الاولى من الخطر الصهيوني في فلسطين عام 1910 في مقال عُرّب عن مجلة فرنسية في: العرفان، العدد 2، ص554.
(7) يقال ان كلمة "طائفية" بما تعنيه اليوم كانت "جديدة" عام 1931، أنظر: العرفان، العدد 2، ص17. وحول تعليق الملك حسين، أنظر: العرفان، العدد 2، ص631. وقد اعتبر الجدل مع اليسوعيين دفاعاً ثقافياً عن الاسلام ضد الهجمة اليسوعية التي ابتغت اعطاء التاريخ العربي الاسلامي، في بواكيره، صبغة شقاقية، أنظر: العرفان، العدد 28، ص78.
(8) مثلاً، سلسلة مقالات للشيخ سليمان الزاهر عن اسماء القرى في جبل عامل التي ظهرت، على نحو متقطع، اعتباراً من عام 1909 فصاعداً.
(9) يبدأ سجل الركيني في: العرفان، العدد 27، ص3.
(10) أنظر مثلاً؛ العرفان، الاعداد 7، ص317؛ 27، ص354، و28، ص52، 579 و769.
(11) أنظر: العرفان، الاعداد، ص350، 11، ص292؛ 12، ص4؛ 15، ص813، 17، ص401؛ 23، ص144-148؛ 26، ص619، و28، ص579.
(12) حول المرأة، أنظر: "العرفان"، الاعداد 1، ص82؛ 6، ص505؛ 11، ص262؛ 13، ص603؛ 14، ص4؛ 15، ص841، و19، ص322. حول الاشتراكية والبلشفية، ما لهما وما عليهما، أنظر: "العرفان"، الاعداد 6، ص95؛ 11، ص458؛ 15، ص622؛ 25، ص594، و28 ص12 وما بعدها. حول العلم والتكنولوجيا، أنظر: "العرفان"، العددين 1، ص46-57 و520، و17، ص307. حول اليابان، أنظر: "العرفان"، الاعداد، 1، ص291؛ 7، ص113، و17، ص121.
(13) حول منشأ العصبة، أنظر: العرفان، العدد 27، ص243. وقد أفادني السيد موسى الزين شرارة في مقابلة شخصية بتاريخ 23/5/1979 بمنشئها النجفي. حول الفجوة بين الاجيال، أنظر: العرفان، العدد 27، ص124.
(14) حول البيان، أنظر: العرفان، العدد 27، ص243.
(15) أنظر مثلاً: العرفان، العدد 27، ص20 و25 وقد ا كد السيد موسى الزين شرارة هذا الامر في المقابلة معه بتاريخ 23/5/79.
(16) حول هجوم شرارة، أنظر: العرفان، العدد 27، ص328.
(17) حول هذه المواضيع وما اليها، أنظر: العرفان، العدد 27، ص328 و397.
(18) أنظر مثلاً: العرفان، العدد 26، ص435-438. وقد اكد السيد موسى الزين شرارة هذا الامر.
(19) من المشايخ الذين تخلوا عن الزين الديني، الحوماني، حسين مروة، محمد شرارة، هاشم الأمين= صدر الدين شرف الدين وجعفر همدر (المقابلة مع السيد محمد قرة علي بتاريخ 24/5/1979 والسيد موسى الزين شرارة). الهجوم على الاجتهاد في: العرفان، العدد 28، ص72 وما بعدها. وعقيدة الاسلام "المفتوح" في: العرفان، العدد 28، ص165 وما بعدها.
(20) التأثير الادبي العربي - الاميركي، اشار اليّ به الدكتور وضاح شرارة (24/5/1979). وقد اكتسب المهاجرون أهمية اقتصادية وأدبية متزايدة في الثلاثينات، أنظر: العرفان، الاعداد 25، ص637؛ 28، ص1 وما بعدها، و29، ص599.
(21) ثمة الكثير من الشعر المناهض لرجال الدين في الاعداد 26؛ 27، و28 من العرفان. وقد قرأ لي السيد موسى الزين شرارة عدداً كبيراً من أبيات ذلك الشعر كما اطلعني على قصة العالم الغاضب.
(22) اخبرني الدكتور وضاح شرارة ان هناك 4 او 5 رسائل جامعية حول التاريخ الحديث لجبل عامل قدمت الى الجامعة اللبنانية في السنوات الاخيرة. ويشير الدكتور شرارة في: "النهار"، 25/5/1979، ص7، الى مقال لأحمد بيضون عن أحداث بنت جبيل عام 1936 نشر في "دراسات عربية" عام 1968.
(23) حول هذا التقسيم الاجتماعي، انظر: العرفان، العددين 25، ص637، و27، ص243. حول النظام الضريبي في جبل عامل في أواخر القرن التاسع عشر، أنظر: العرفان، العدد 27، ص385. هذا التقسيم الرباعي أكده كل من صاحبي المعالي عادل عسيران في مقابلة بتاريخ 22/5/1979 وكاظم الخليل في مقابلتين بتاريخ 24/5 و26/5/1979 والسادة محمد قرة علي وموسى الزين شرارة.
(24) المعلومات تفضل بها السادة محمد قره علي وموسى الزين شرارة.
(25) المعلومات حول العلماء تفضل بها صاحبا المعالي كاظم الخليل وعادل عسيران والسيد محمد قرة علي. حول كليات النجف الاشرف، أنظر: M.F. Jamali, "The Theological Colleges of Najaf", in: R. al-Droubie. ed, Arabic and Islamic Garland: The Tibawi Fesischrifi (London: The Islamic Cultural Centre, 1397/ 1397/1977), pp. 135-140.
(26) أنظر: العرفان، العدد 21، ص552.
(27) ثمة سلسلة مهمة من المقالات حول علماء ومدارس جبل عامل بقلم محمد جابر في: العرفان، الاعداد 27، ص460 وما بعدها؛ 27، ص630 وما بعدها، و28، ص22 وما بعدها و226 وما بعدها.
(28) المعلومات حول احوال العلماء المعيشية تفضل بها صاحب المعالي كاظم الخليل والسيد محمد قرة علي.
(29) حول النظام الضريبي في الفترة العثمانية الاخيرة وآثاره الاجتماعية، أنظر: العرفان، العدد 27، ص385-390. والكثير من المعلومات المفصلة حول نظام الضريبة والوجهاء تفضل بها صاحب المعالي كاظم الخليل.
حلقة أخيرة غداً
طريف الخالدي
( استاذ التاريخ في الجامعة الاميركية في بيروت )


الأحد 08 شباط 2009 - السنة 76 - العدد 23606







الاثنين 09 شباط 2009 - السنة 76 - العدد 23607
(2009-1909) مجلة "العرفان" ومؤسّسها في الدائرتين الصغرى والكبرى [2]
الحلقة الثانية الاخيرة من دراسة الدكتور طريف الخالدي حول مجلة "العرفان":
وقد بقيت طبقة الوجهاء ككل تحتل الصدارة السياسية وتمتاز عن بقية السكان باعتبار افرادها من الوجهاء وذلك عقب قانون الاراضي العثماني لسنة 1858. ولم يوضع هذا القانون موضع التنفيذ مباشرة بل جرى سريانه تدريجيا في مختلف مناطق الامبراطورية بمختلف الاوقات. وبدأ تأثيره بالظهور في جبل عامل في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ان تسوية الاراضي، على بدائيتها وعدم دقتها، قد نظمت ضرائب الارض وجعلت من جبل عامل، الى جانب ذلك، وحدة اقتصادية اكثر رشادا فغدت الزراعة اجزى دخلاً من ذي قبل. واخيرا، خلق قانون الضريبة وتسوية الاراضي جيشا صغيرا من الموظفين الماليين والقضائيين كان اغلبهم على درجة كبيرة من ضعف المرتب بحيث انهم سرعان ما توصلوا الى تفاهم مع وجهاء المدن فأخذ النظام الضريبي يعمل لمنفعة الطرفين معا. وامسى الوجهاء انفسهم من موظفي الدولة في كثير من الحالات. وفي هذه الطبقة من الوجهاء وجدت في صور تسعينات القرن الماضي جمعية واحدة على الاقل في الجمعيات الادبية والسياسية الجنينية التي هويت الاشتغال بأمور من المعروف جيداً انها محرمة من قبل الدولة العثمانية(30).
ان مناقشتي تقتصر حتى الآن على القول ان الوجهاء هم في الاصل مجموعة من تجار الحبوب في جبل عامل في الفترة من اواسط الى اواخر القرن التاسع عشر، استغل عدد صغير منها القوانين العثمانية الجديدة لشق طريقهم الى طبقة الزعماء المجزية والاعرض صيتاً، وذلك عن طريق صيرورتهم ملاكين للارض وملتزمين للضرائب وموظفين في الدولة. وابرز ثلاث عوائل امكنها تحقيق شق طريقها هي آل عسيران وآل الخليل وآل الزين. فبمستهل القرن دخل كل هؤلاء الثلاثة، بطريقة او بأخرى، في طبقة الزعماء. وفي هذه الاثناء لم يبق من طبقة الزعماء العشائرية القديمة سوى عشيرة الاسعد. وبذا اقتسمت هذه الاسر الاربع فيما بينها عمليا التزام الضرائب والكثير من السلطة السياسية في جبل عامل. اما القوى المحركة لعلاقاتها المتشابكة فهي موضوع معقد. والمنازعات بينها غالبا ما كانت منازعات بشأن الحاجة التي تمليها الحدود الاقليمية: حدود التزامهم للضرائب وقد زودهم استخدامهم الموفق لنظام الضريبة كما زودهم سلطانهم على موظفي الدولة الماليين بثقة بالنفس وبشعور بالاستقلال تمخض عنهما اعتناق نوع أو آخر من انواع القومية. واختار الزعماء على العموم من بين القوميتين المتوفرتين وهما الاسلامية والعربية/ السورية، فاختاروا الثانية. وان احد الاسباب التي مكنت الشيخ احمد عارف الزين من اصدار العرفان لذلك الامد الطويل هو تمتعه بالدعم السياسي الثابت لأسرة الزين، والتي لم تفرض عليه، مع ذلك مذهبا صارما بعينه.
وحين اندلعت الحرب العالمية الاولى كان قد مر على قوانين الارض العثمانية الجديدة في جبل عامل نحو ثلاثين او اربعين سنة. ومع تقدم الحرب كان من الواضح ان جبل عامل اخذ بالرخاء. وقد عاد تولي العسكريين للادارة على الملتزمين والفلاحين بأرباح طائلة. وبنيت شبكة من مستودعات الجيش التي كانت تصرّف، في كل يوم، كميات هائلة من الحبوب.
واخذ الجيش العثماني والدولة يطلبان الآن ضرائب الارض عيناً بدلا من طلبها نقدا من الملتزمين كما في الفترة السابقة. فكان المخمنون المكلفون بهذا الواجب يصلون بسرعة الى اتفاق مع الملتزمين يتم بموجبه تخمين حاصل الارض في جبل عامل بأقل من حقيقته وتكون النتيجة زيادة نصيب الفلاحين والملتزمين والمخمنين جميعاً من حصتهم المقررة من وارد الضريبة على حساب الدولة العسكرية والادارة(31). ومن هنا فان قلاقل جبل عامل في اوائل العشرينات وفي الثلاثينات مثل كلاسيكي للانتفاضات التي تحدث لأن الامور كانت تتحسن ثم تتوقف بغتة.
كان الانتداب الفرنسي في جبل عامل مثيرا للحنق بشكل خاص لأنه انهى فجأة ازمان الحرب "السعيدة" واعاد نظام الضريبة العثماني لما قبل الحرب، وهي حالة استمرت نحو 12 سنة الى ان اجرى الفرنسيون اولاً تسوية الاراضي في اوائل الثلاثينات ثم الغوا بعدئذ جميع ضرائب الارض. وقد أحكم الانتداب الفرنسي في العشرينات قبضته الاقتصادية على لبنان الكبير واقتطع لحسابه مبالغ طائلة من الذهب من سوريا، او قيل انه فعل ذلك، لربط العملية السورية بالفرنك الفرنسي المتأرجح.
وتفاقم على صفحات العرفان جدل اقتصادي عنيف مثير للاهتمام. وتغدو مناهضة الطائفية مسألة من المسائل حينما ادرك كثيرون ان وحدة العمل الاقتصادي ضد الانتداب هي هدف جدير بالاعتبار(32). واصبحت بيروت عاصمة مزدهرة على عجل، فتبدو وكأنها بابل العصرية لمحرر العرفان المنذهل. والجبل تفرض عليه الضرائب الباهظة ويجري تجاهله باطراد من قبل الفرنسيين. وتعكس افتتاحيات العرفان في العشرينات بين حين وحين خيبة الأمل العميقة في الانتداب، فيبرز منها الرأي القائل بأن الانتداب ليس افضل من الحقبة العثمانية بل ربما كان اسوأ منها بكثير.
انطلق العنف في جبل عامل على مرحلتين رئيسيتين. المرحلة الاولى هي تمرد ادهم خنجر وصادق حمزة، والثانية هي حادث سنة 1936 في بنت جبيل. في الحالة الاولى كان التمرد عبارة عن تمرد فلاحي عفوي تصادف مع فجاءة التغييرات الضريبية. وفي الثانية كان الامر هو ان ادارة انحصار التبغ التابعة للدولة فرضت اجراءات اقتصادية قاسية انتقاما من الزعماء الراديكاليين والوجهاء الجدد الذين يقودون مزارعي التبغ المتذمرين. وبذا تكون طبقة الفلاحين متورطة مباشرة في الازمتين السياسيتين الكبريين لجبل عامل خلال الانتداب الفرنسي.(33)
-5-
لم تستطع العرفان تسجيل هذين الحدثين بالدرجة نفسها من الحرية التي سجلت بها الحقبة العثمانية الطويلة. فالمجلة، شأنها شأن طبقة العلماء التي ينتسب اليها المحرّر، حملت عن الامور نظرة اخلاقية متشددة، وكانت بمعزل عن السياسة اليومية، وان لم تكن منفصلة عن الموضوعات السياسية النظرية. وكان الانفصال السياسي انعكاساً لسياسة الحذر التي تنهمك بها طبقة العلماء. فعلماء جبل عامل ينحدرون من "لا وعي جماعي" علمهم الوقوف على مسافة امينة من الامبراطوريات كما علمهم معاملتها بحذر. والشيخ احمد عارف الزين قد اوجد مجلة حصيفة سياسية في روحيتها والتي تتيح لنا ان نلاحظ كيف رأى العلماء بخاصة دنيا جبل عامل. والمدارس المؤسسة في اواخر القرن التاسع عشر علمت العامليين تفهما ادق من الناحيتين التاريخية واللغوية للنصوص الاسلامية الشيعية. وغرست هذه المدارس في طبقة الوجهاء خاصة تفهما اكثر تهذيبا للتحول السياسي والاقتصادي. وكان العلماء، حتى قبل ان يصطرع الزعماء القدامى والجدد مع العثمانيين والفرنسيين، كانوا مندفعين وحدهم ضد الهيمنة الفكرية للنجف. مع هذا، ومع ان العلماء كانوا هم اوائل حَمَلة التغيير العقائدي في هذه الفترة فانهم كانوا آخر المجموعات الاربع في انضمامها للكفاح السياسي، عقب اضطرابات 1936.
ان العرفان، مجلة "العلماء" تعطينا نظرة شاملة وهادئة عن هذه التحولات التاريخية. ان نهضة جبل عامل كما تعكسها المجلة موضوع جدير بالتقويم الشامل. وينبغي القيام بذلك عاجلاً، حين يكون لا يزال بوسع الباحث مقابلة الاحياء من ذلك الجيل الفائت.

الهوامش
(30) حول هذه الجمعيات الادبية والسياسية "الجنين"، أنظر: العرفان، العدد 24، ص704 وما بعدها. والفترة موضوع البحث هي تسعينات القرن الماضي.
(31) الكثير من المعلومات حول اقتصاد جبل عامل خلال الحرب الكبرى تفضل بها صاحب المعالي كاظم الخليل.
(32) أنظر مثلاً: العرفان، الاعداد 9، مواضع متفرقة؛ 14، ص361، و25، ص776. حول خروج الذهب من سوريا، أنظر: العرفان، العدد 16، ص1 وما بعدها.
(33) المعلومات حول هاتين الانتفاضتين تفضل بها صاحبا المعالي عادل عسيران وكاظم الخليل والسيد موسى الزين شرارة.
طريف الخالدي
(استاذ التاريخ في الجامعة الاميركية في بيروت)



.........................................................................................................................................................................................