الخميس، 5 مارس، 2009

مقابلة مع زعيم تنظيم الجهاد الدكتور فضل (سيد إمام شريف)

مقابلة مع زعيم تنظيم الجهاد الدكتور فضل (سيد إمام شريف)

مُنظر «جماعة الجهاد» المصرية الدكتور السيد إمام عبد العزيز الشريف أطلق وثيقته «ترشيد الجهاد في مصر والعالم»، لكنه لم يصمت خلف أسوار سجن طرة حيث يقضي عقوبة صدرت في حقه من محكمة مصرية، فالرجل الذي أحدث ضجة كبيرة وآثار جدلاً واسعاً حول أسباب كتابته الوثيقة والأسس الشرعية لتحريمه أفعال الجماعات الإسلامية الراديكالية ضد أنظمة الحكم، وكذلك ضد الأجانب سواء في أوطان الجماعات أو في الغرب، إذ آثر أن يرد على منتقدي الوثيقة، وعلى الذين اتهموه بموالاة الحكومة المصرية والخضوع لضغوطها ليكتب الوثيقة.


كان مدير مكتب «الحياة» في القاهرة الزميل محمد صلاح دعا في مقالة له الشريف المعروف بين الأصوليين باسم «الدكتور فضل» إلى حوار حول وثيقته يرد فيه على أسئلة واستفسارات طرحها خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية، ومناوئون للإسلاميين، ومؤيدون لهم، ورموز من الإسلاميين المصريين المقيمين في الخارج، وضعت علامات استفهام حول موقفه من زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن ونائبه الدكتور أيمن الظواهري، وأيضاً حول بعض العبارات والنقاط التي وردت في الوثيقة وأسباب كتابتها داخل السجن المصري وليس قبل أن يسلّم إلى مصر عام 2004 حين كان يعيش حراً طليقاً في اليمن، وتأثير وثيقته في مستقبل الجماعات الأصولية الراديكالية.
وتلقت «الحياة» من المحامي منتصر الزيات ما يفيد بأن الدكتور فضل قَبِل الحوار مع «الحياة» ومستعد للإجابة عن الأسئلة حول نشاطه السابق والوثيقة وما أثارت من جدل، لكن شرطه الوحيد الالتزام بنشر ما يقوله من دون حذف أو اختصار تفادياً بما قد يحدث إذا فسر بعض عباراته بما لا يقصد.
وقدمت «الحياة» عبر المحامي الزيات طلباً إلى وزارة الداخلية المصرية للسماح لها بدخول سجن طرة حيث يوجد فضل وإجراء الحوار معه، وأفاد الزيات انه حصل على تصريح بإجراء الحوار مع فضل داخل السجن.
وكانت «الحياة» أجرت سلسلة حوارات في عقد التسعينات من القرن الماضي مع خمسة من قادة التنظيمات الإسلامية أثناء فترة العنف الديني، جرت في جزء من السجن يطلق عليه اسم «سجن المزرعة»، أما الحوار مع «الدكتور فضل» فجرى في جزء آخر اسمه «سجن شديد الحراسة». في غرفة أحد الضباط، واستكمل في الهواء الطلق في الفناء الملحق بالسجن، وأبدى «فضل» تفهماً لكل ما أثير حول وثيقته من ردود فعل، ورحب بشرح الوثيقة والنقاط الغامضة فيها، والرد على منتقديه، وكشف معلومات عن النقاش الذي جرى بينه وبين عدد من قادة «الجهاد» الموجودين داخل السجون المصرية أثناء إعداده الورقة، كما روى تفاصيل العلاقة بينه وبين بن لادن والظواهري وطبيعة الحياة في الأماكن التي أقاما فيها في باكستان والسودان. وخلص إلى أن «القاعدة» تحولت إلى مجرد أفكار يسعى بن لادن والظواهري إلى تصديرها إلى شباب في بلدان عدة لينفذوا ما صار التنظيم يعجز عن تنفيذه. ورأى أن «القاعدة» انتحرت حين نفذ عناصرها هجمات أيلول (سبتمبر) 2001.
و«الحياة» توجه الشكر إلى وزارة الداخلية المصرية للتسهيلات التي وفرتها لإتمام الحوار، كما تثمن دور المحامي منتصر الزيات.
جرى الحوار مع الدكتور فضل على مدى يومين واستغرق نحو عشر ساعات وتنشره «الحياة» في ست حلقات.


الحلقة الاولى:
حين نشرت وثيقتك «ترشيد الجهاد في مصر والعالم»، تضاربت معلومات حول حقيقة علاقتك بجماعة الجهاد، وما إذا كان التنظيم أسس في مصر أولاً أم في باكستان بعد وصولك إلى هناك العام 1983، حتى أن بعض المعلومات الشخصية عنك نشرت في شكل متضارب؟
- الأخطاء كانت واردة من جانب بعض وسائل الاعلام التي كنا بعيدين عنها ولا نتعامل معها وان كانت تتابعنا، وعموماً فإن اسمي هو السيد إمام بن عبد العزيز الشريف، ويمتد نسبي من جهة الوالدين إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بحسب المثبت لدينا في شجرة العائلة. ولدت في الثامن من آب (أغسطس)1950 م (الموافق 22 شوال 1369 هـ) في مدينة بني سويف جنوب القاهرة.. نشأت في أسرة محافظة وتعلمت من الوالد رحمه الله الالتزام بالدين والاجتهاد في الدراسة فتمسكت بهما مدى حياتي.
بعد إتمامي دراستي الإبتدائية والإعدادية في بني سويف التحقت بمدرسة المتفوقين الثانوية النموذجية في عين شمس في القاهرة (داخلية) في 1965، وكنت من أوائل الجمهورية (13) في الثانوية العامة 1968 فالتحقت بكلية الطب جامعة القاهرة، وتخرجت فيها عام 1974 من الأوائل، وعُينت في قسم الجراحة في الكلية نفسها (قصر العيني) وتعلمت مهنة الجراحة على يد جهابذة الجراحة في مصر.
اتهمت في قضية تنظيم الجهاد الكبرى في 1981 (اغتيال الرئيس أنور السادات) فاضطررت للسفر عام 1982 وعملت فترة قصيرة في الإمارات، ثم سافرت للخدمة الطبية في الجهاد الأفغاني عام 1983 حتى 1993 (عشر سنوات) حين أبعدت باكستان المجاهدين العرب فانتقلت إلى السودان عدة أشهر، ثم إلى اليمن عام 1994، وعملت جراحاً فيها حتى اعتقلت هناك في 28/10/2001 في أعقاب أحداث 11-9-2001 ثم سلمتني اليمن إلى مصر في 20-2-2004، ومن وقتها وأنا مسجون في مصر.
> ماذا عن التزامك الديني وصلتك بالجماعات الإسلامية؟
- أنا ملتزم بديني منذ الصغر بفضل الله وبحكم النشأة في الأسرة، هذا على المستوى الشخصي، أما اهتمامي بالإسلام كنظام عام فبدأ بقضية الإخوان المسلمين عام 1965، حين ازدادت مطالعاتي الإسلامية ومنها أدركت أن الإسلام نظام عام لكل شيء في الحياة وليس مجرد شعائر تعبد شخصية، ولم ألتق بأحد من الإخوان إذ كانوا مسجونين، ولم أطالع أياً من كتبهم لمدة سنين إذ كانت ممنوعة، وبدأت الكتب تقودني من كتاب إلى كتاب ومن مكتبة إلى مكتبة حتى صارت الحصيلة ضخمة.
مدرسة المتفوقين كان لا يلتحق بها إلا أوائل الشهادة الإعدادية من جميع محافظات مصر، وفي هذه المدرسة تعلمت أسلوب البحث العلمي من أكثر من مرجع في المكتبة، ونفعني هذا المنهج في دراستي الشرعية، إذ كنت أدرس الموضوع الواحد في مصادر عدة لجمع أطرافه وكشف غوامضه، وكنت ألجأ إلى بعض المشايخ كل حين للتثبت من فهمي لما قرأت أو للاستفسار أحياناً.
> ألم تلتحق بأي جماعة أو تنظيم خلال تلك الفترة؟
- أدركت من دراستي الشرعية أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو سبيل إصلاح البلاد، وتاريخ المسلمين يشهد بذلك. ولم ألتحق بأي جماعة أو جمعية إسلامية قائمة إذ كنت أرى في مناهجها إما نقصاً وقصوراً وإما خطأ وفساداً. وعشت في مصر حتى خرجت منها في 1982 مراقباً للأحداث.
> كيف إذاً نشأت علاقتك بأيمن الظواهري؟
- تعرفت على أيمن الظواهري في 1968 إذ كان زميل دراسة في كلية الطب، وكنا نتناقش مع زملاء آخرين في موضوعات إسلامية مختلفة، وكنت أعلم من زميل آخر أن أيمن مشترك في جماعة إسلامية حدثت بها انشقاقات، لكنه لم يفاتحني في الانضمام لجماعة إلا عام 1977، وقدم نفسه لي على أنه مندوب من هذه الجماعة لدعوتي، فسألته هل في جماعتهم علماء شريعة؟ فقال نعم، فطلبت مقابلتهم لبحث بعض الأمور المتعلقة بذلك معهم، فظل يماطلني ويقابلني على فترات خاصة مع اختلاف أماكن العمل والسكن، وظل أمر انضمامي لجماعتهم معلقاً على مقابلتي لمن معهم من المشايخ، ولم أكتشف إلا بعد قضية الجهاد 1981 أن أيمن كان مراوغاً ويتعلل بالسرية، واكتشفت أنه كان هو أمير هذه المجموعة وأنه لم يكن معهم أحد من المشايخ، وأنه هو الذي تسبب في اعتقال أصحابه وشهد ضدهم.
> إذا كان هذا هو رأيك في الظواهري فكيف عملت معه؟
- كانت تربطني صداقة قديمة من أيام المدينة الجامعية بالأخ الدكتور (الصيدلاني) أمين الدميري، وفوجئت العام 1979 بأيمن الظواهري يتردد عليه في صيدليته، فقلت للدميري إذا كان أيمن يدعوك لجماعة إسلامية فلا تعتبر زمالتي لأيمن تزكية لهذا الأمر لأنني لا أعرف من جماعته هذه إلا هو فقط، وأنت تدبر أمرك.
الأجهزة الأمنية اعتبرتني في تنظيم مع أيمن بسبب بعض الخدمات التي ساعدته فيها، وأنا ساعدته باعتبار الزمالة والصداقة وليس لاعتبارات تنظيمية، وقد ساعدت غيره لاعتبارات إسلامية، فمثلاً قمت بنقل الشيخ عمر عبد الرحمن من الفيوم إذ كان مطلوباً اعتقاله بعد 15/9/1981 بسيارتي الخاصة إلى مكان يختفي فيه في الجيزة، ثم انتقل منه إلى منزل أخته في العمرانية فاعتقل هناك.
> حين اتهمت في قضية اغتيال السادات التي عرفت باسم «قضية الجهاد الكبرى» كنت فاراً وحوكمت غيابياً وغادرت إلى باكستان، لماذا أسست جماعة «الجهاد» هناك على رغم موقفك من الظواهري؟
- وصلت باكستان في 1983، وحُكِمَ عليّ غيابياً بالبراءة عام 1984 في قضيه الجهاد الكبرى ولم يصل الظواهري إلى باكستان إلا عام 1986. وقد كلمني في تكوين جماعة للجهاد في مصر من أجل تطبيق الشريعة، فرفضت وقلت له: الأمر في حاجة إلى دراسة شرعية مستفيضة وليس بالبساطة التي تتصورها، وكنت في هذه الفترة توسعت في دراستي الشرعية مستعيناً ببعض المشايخ الأفغان من أهل الحديث، فأصر الظواهري على أهمية استغلال الجهاد الأفغاني وأهمية إحضار شباب من مصر للمشاركة فيه، فقلت له: هذا شيء لا بأس به، ولكن لا دخل لي بهم لا إدارياً ولا في المعيشة، فطلب مني القيام بدور شرعي معهم فوافقت إذ كنت أقوم به مع غيرهم من الشباب العرب، وشيئاً فشيئاً كثر عددهم ومشاكلهم، وبصفتي معلمهم الشرعي صارت المشاكل تأتيني بعدما يهرب الظواهري من حلها على رغم اشتراطي عليه منذ البداية - التي لم يحضرها أحد إلا أنا وهو - ألا دخل لي بالإخوة ومشاكلهم، فطلبت عقد اجتماع لهم في 1991 وقلت لهم: لا تشغلوني بمشاكلكم وإلا فسأقطع صلتي بكم. فقال الظواهري: إن وجودك معنا رفع عنا الحرج لأن الجماعة الإسلامية تقول إن معها عالماً هو الشيخ عمر عبد الرحمن وأنت كل الناس تشهد بعلمك، وفى الاجتماع نفسه قال الأخ مجدي كمال: تأكد يا دكتور أنك إذا قطعت صلتك بالإخوة فسينقسمون إلى جماعات. ثم بعد عام في 1992 طلب الإخوة الاجتماع بي وعرضوا مسألة قيامهم بعمليات قتالية في مصر كما تفعل الجماعة الإسلامية لأن الناس يعيرونهم بذلك فقلت لهم: أننا قد جاهدنا في أفغانستان ودربنا الكثيرين ممن نعرف وممن لا نعرف وعلمناهم علوماً شرعية نافعة، بما لم يفعل أحد مثلنا، أما القتال في مصر فلن يأتي بمصلحة وفيه مفاسد جسيمة، وأما الجماعة الإسلامية فلن تصل إلا إلى طريق مسدود، ونصحت الإخوة ببذل مزيد من الجهد في شؤون الدعوة، فقال لي الأخ مجدي كمال: انتهى وقت الكلام وجاء وقت العمل، وهددتهم إن هم تكلموا في ذلك ثانية، وعقدت العزم على قطع صلتي بهم بعد تصفية أوضاعهم في باكستان، وكان ذلك في مطلع عام 1993.


لكن الجميع يعرف أنك كنت أول أمير لجماعة «الجهاد» وربما ظلاً للظواهري؟
- السلطات الأمنية اعتبرت صلتي بالإخوة صلة إمارة تنظيمية والحقيقة أنها كانت صلة توجيه شرعي. وكنت أرى الاشتغال بالعلوم الشرعية والتأليف فيها أكبر من التنظيمات، فإن التنظيمات بل الدول تفنى وتبقى العلوم الشرعية تنفع المسلمين.
أثناء صلتي بإخوة الجهاد جعلتهم يدربون كل من يريد ويساعدون كل محتاج منهم أو ممن لا صلة له بهم تنظيمياً، وكانوا يعطون معاشات لمن ليس منهم، وعندما اشتكى إخوة الجماعة الإسلامية مما وقع لإخوانهم في حي عين شمس في القاهرة طلبت من أيمن أن يساعدهم فأعطى الأخ رفاعي طه مبلغاً كبيراً، ولمدة سنوات بعد إنشاء «القاعدة» كانوا لا يفعلون شيئاً إلا بمشورتي، فهل كنت أميرهم أو معهم في تنظيم وأنا دائماً أقول إن أخوة الإسلام واجبة بالشرع وهي أكبر من التنظيمات.
> كيف تطور خلافك مع جماعة «الجهاد»، خصوصاً مع أيمن الظواهري؟
- يوجد سببان لذلك:
الأول: إصرارهم على القيام بعمليات قتالية في مصر منذ عام 1992 - كما ذكرت من قبل - مع رفضي لذلك، ثم كررت استنكاري ورفضي لما قاموا به عندما ذهبت إلى السودان أواخر 1993. وللأسف الشديد فقد توصلوا إلى هذه القناعة وأعلنت «جماعة الجهاد» وقف العمليات في مصر عام 1995، ولكن، بعد صدامات فاشلة دامية كانت للرياء والسمعة لمجرد تقليد الجماعة الإسلامية، فتوقفوا بعدما ساقوا إخوانهم أفواجاً إلى المشانق والسجون.
والثاني: هو تحريفهم كتابي «الجامع في طلب العلم الشريف»، والذي فعل ذلك هو أيمن الظواهري وحده، لكن جماعته كلهم سكتوا على ما فعل فهم شركاؤه في الإثم. وكانت صلتي بالظواهري عادية إلى حين غادرت السودان منتصف 1994، وهو الذي استقبلني في مطار الخرطوم لما سافرت إلى السودان أواخر عام 1993، وهو الذي ودعني في المطار نفسه لما غادرته منتصف 1994، ولم أكتب كتابي «الجامع» إلا بعدما قطعت صلتي بهم عام 1993، وأكملته قبل مغادرتي السودان في 1994، وتركت لهم نسخة منه عند سفري إلى اليمن ليتعلموا منه ويدرسوه وليبيعوه ويكتسبوا منه إذا أرادوا لمساعدة الأسر. وقال لي الظواهري: «أن هذا الكتاب فتح من الله تعالى»، وأعلنوا عن قرب إصداره في مجلة لهم كانوا يصدرونها من لندن باسم «كتاب العلم» ووصفوني مرة بأنني «مفتي المجاهدين في العالم»، ومرة بأنني «العالم المرابط والمفتي المجاهد الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز»، وبعدما وصلت اليمن ومارست عملي الطبي علمت من أحد الإخوة أن جماعة الجهاد بدلت كتابي «الجامع» فحذفوا منه أشياء وغيروا اسم الكتاب إلى «الهادي إلى سبيل الرشاد»، وقالوا أقرته لجنتهم الشرعية، فسألت الأخ الذي كان يكتب الكتاب على الكومبيوتر، وكان وصل إلى اليمن للعمل، فأخبرني أن الظواهري هو الذي فعل كل هذه التحريفات وحده لما وجد في الكتاب نقداً للحركات الإسلامية كتبته من واقع معايشتي لهم. ولم أعرف في تاريخ الإسلام أن أحداً فعل هذا الكذب والغش والتزوير وخيانة الأمانة بالعدوان على كتاب غيره وتحريفه قبل أيمن الظواهري. كان السلف إذا رأى احدهم ما يراه خطأ في كتاب غيره كتب رداً عليه. فعل هذا الليث بن سعد والشافعي كلاهما مع مالك رحمهم الله وهذا موجود في كتاب «الأم» للشافعي. وكتب ابن تيمية «الرد على الاخنائي» وكتب أيضاً كتاب «الرد على الرافضي» المشهور باسم (منهاج السنة النبوية).
> بدا وقتها أنك اتخذت موقفاً شخصياً من الظواهري وليس موقفاً موضوعياً؟
- العدوان على كتاب الغير وتحريفه كما فعل الظواهري لا يفعله إلا اللصوص ومن لا أخلاق ولا خلق لهم. كتبت بيان استنكار لما فعلوه، وليست لدى الظواهري ولا لدى لجنته الشرعية أهلية النظر أو التصحيح للكتب الشرعية، هذا إذا أذن لهم صاحبها، وليس فيهم من يستطيع أن يكتب صفحة واحدة من دون خطأ فقهي، ورئيس لجنتهم الشرعية حكم على صبي تجسس عليهم في السودان عام 1995 بالقتل وقتلوه، والقاعدة الشرعية تنص على «ادرأوا الحدود بالشبهات»، وكون الصبي بدأ يتجسس عليهم وهو دون البلوغ شبهة تدرأ الحد، كما أن القاضي الذي حكم بالقتل هو خصم للصبي (لأن القاضي كان عضو مجلس شورى الجماعة وهي كلها خصم للصبي)، والقاضي إذا كان خصماً فحكمه باطل وكذلك شهادته، لكنهم قتلوه وهو ابن أحد أعضاء مجلس شورتهم، وقتلوه من وراء ظهر أبيه، (ذلك مبلغهم من العلم)، الذين حرفوا كتابي ووضعوا اسم لجنتهم عليه ليواري به الظواهري سوأة جريمته. وكان الأخ ياسر السري «عمل لجوءاً سياسياً» في لندن قبل ذلك، وعلم بما فعلوه في كتابي، فطلب مني نسخة ليطبعه في لندن، وعلمت جماعة الجهاد فأرسلوا تهديداً إن هو طبعه (بلطجة)، لكنه طبعه ووزعه في لندن ومنها انتشر.
> لم ترد على سؤالي عن موقفك من الظواهري: شخصي أم موضوعي؟
- الخلاف موضوعي، كان أيمن الظواهري عالة علي، في المستوى التعليمي والمهني والشرعي وأحياناً الشخصي، تعاقد على العمل كجراح مع مستشفى الهلال الكويتي في بيشاور عام 1986، وهو لم يتدرب على الجراحة من قبل ولا قضى نيابة جراحة في أي مستشفى وحصل على ماجستير الجراحة نظرياً ومن المذاكرة في كتبي، واشتغل قليلاً في السعودية كطبيب عام وفي تجنيده عمل في التخدير، ولما تسلّم العمل في مستشفى الهلال الكويتي طلب مني أن أقف معه أعلمه العمليات، فظللت أعلمه حتى بدأ يقف على قدميه، ولولا ذلك لكان افتضح لأنه تعاقد على مهنة لم يمارسها، وكان مولعاً بالإعلام والظهور فكتبت كتباً شرعية ونشرات ووضع اسمه عليها لأدفعه دفعة شرعية وإعلامية.
تنكر الظواهري لهذا كله وجحد النعمة ولم يشكرها، وعض يدي التي امتدت إليه بالإحسان. غش وتدليس وخيانة أمانة وكذب وبلطجة. وما زالت فيه هذه الطباع حتى عض هو وأصحابه في «القاعدة» يد الملا محمد عمر الذي استضافهم وحماهم في أفغانستان وأمرهم ألا يصطدموا بأميركا لأنه هو (محمد عمر) ودولته لا طاقة لهم بهذا الصراع، وكانوا بايعوه كأمير للمؤمنين على السمع والطاعة، فخانوه ونكثوا بيعته ونفذوا أحداث 11/9/2001 من وراء ظهره وأطاحوا إمارة أفغانستان الإسلامية وحولوا الملا محمد عمر من سلطان دولة إلى رجل حرب عصابات، وتسببوا في سقوط آلاف القتلى من العرب والأفغان مع الهجوم الأميركي على أفغانستان في 7/10/2001 وكل هذا في رقابهم.
هذا جزء من حقيقة أيمن الظواهري وأميره بن لادن - من دون التزييف والدجل الإعلامي الذي يسبغه عليهما أتباعهما - لا أخلاقية متناهية، وذكرت هذا ليحذر منهم الشباب الناشئ المفتون بهم والذي لا يعرفهم.
تحريف كتاب
> نحن نعلم أن الظواهري اعتذر لك عن ما جرى من تحريف لكتابك «الجامع» فلماذا استمر الخلاف بعدها؟
- من أقبح ما اعتذر به أيمن الظواهري وجماعته عن تحريفهم كتابي «الجامع» قولهم إنهم كانوا ينفقون عليّ أثناء كتابتي له، فكان عذرهم أقبح من ذنبهم، فهل كان أحد منهم ينفق علي من ماله أو من مال أبيه، إنها أموال المسلمين (تبرعات)، وعاش أكابر العلماء على ذلك (على أموال الأوقاف) كابن الصلاح والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم، فهل جاء ناظر الوقوف ليبدل ما لا يعجبه في كتبهم، وأنا ما أخذت من أموال التبرعات نفقة معيشة إلا فترة قصيرة للتفرغ لإتمام الكتاب. وقال الشاطبي في «الموافقات» إن «من قام بحاجة المسلمين وجب على المسلمين القيام بحاجته وإنما يكون ذلك من بيت المال»، وهذه القاعدة دليلها إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم منعوا أبا بكر الصديق من الاشتغال بالتجارة ليتفرغ لشؤون المسلمين، ثم من بعده عمر وسائر الخلفاء، فهل جاء أحد من الرعية ليبدل فتوى أحد الخلفاء بدعوى أنهم يأكلون من مال المسلمين؟
قال البخاري رحمه الله في كتاب الأحكام من صحيحه «باب رزق الحاكم... وأكل أبو بكر وعمر»، وروى البخاري خبر أبي بكر في كتاب البيوع (حديث 2070) وشرحهما ابن حجر رحمهم الله. وكان سيد قطب رحمه الله مستشاراً في وزارة التربية والتعليم فهل بدل جمال عبد الناصر كتبه؟
فعل الظواهري وجماعته ما لم يفعل أحد قبلهم من خيانة الأمانة وتحريف كتب العلم الشرعي، واعتذروا بعذر هو أقبح من ذنب، وهل كانت مهنتي لا تغنيني، وكانوا كلهم يعيشون على التبرعات وما قدموا شيئاً نافعاً للإسلام؟ وبقيت كلمة أخيرة هنا ما كنت أحب أن أقولها، وهي أن أموال التبرعات التي يقولون إنهم يعطونني منها نفقة أنا الذي أرسلتها إليهم، فقد اتصل بي الأخ خالد الفقي مطلع 1993 وقال لي إن معه نصف مليون ريال سعودي (133 ألف دولار) تبرعات سيرسلها إلي في بيشاور، فقلت له أعطها للإخوة لإعاشة الأسر والإخوة المنقطعين فعاشوا منها وتزوجوا. ثم دعوت عليهم أن يمزقهم الله كما مزقوا كتابي فمزقهم سبحانه أشتاتا.
«الجهاد» و«القاعدة»
> طالما وصل الحديث إلى ابن لادن كيف نشأت العلاقة بين جماعتي «الجهاد» و«القاعدة»؟
- عندما وصلت بيشاور في 1983 لم يكن بها من العرب إلا نحو عدد أصابع اليدين، ثم ظهر الشيخ عبد الله عزام وأسس «مكتب خدمات المجاهدين» أواخر 1984 وكثرت الدعاية للمشاركة العربية في الجهاد الأفغاني فتزايد الوجود العربي تدريجاً ونشأت جماعة الجهاد قبل القاعدة، ومرت القاعدة بأربع مراحل:
- المرحلة الأولى (مرحلة المعسكر والجبهة) أواخر عام 1987، كان بن لادن يجمع الأموال من السعودية ويسلمها للقادة الأفغان وللشيخ عزام، فاشتكى بعض الشباب لابن لادن من تجاوزات في «مكتب الخدمات» فقرر بن لادن إنشاء عمل مستقل عن الشيخ عزام، بدأ بمعسكر التدريب وجبهة قتال في منطقة جاجي في أفغانستان قرب الحدود مع باكستان، وساعدته في ذلك كوادر من جماعة الجهاد الذين بفضل مهاراتهم العسكرية العالية توافد عليهم الشباب بكثرة، وزاد عدد معسكرات التدريب بالتبعية.
- المرحلة الثانية (مرحلة التنظيم) في عام 1989، لما كثر الشباب ومن جنسيات مختلفة، وإن كانت غالبيتهم من السعودية واليمن، بدأ بن لادن يطلب منهم البيعة لنفسه كأمير للجهاد، فتحولت «القاعدة» من معسكر وجبهة إلى تنظيم.
- المرحلة الثالثة (مرحلة غربلة التنظيم) عام 1990 لاحظ بعض من بايع بن لادن من ذوي الخبرة في العمل الإسلامي أن بن لادن يغير أهدافه وخططه سريعاً من الجهاد الأفغاني إلى الرمي بثقله في الجهاد في اليمن الجنوبي قبل انتهاء الجهاد الأفغاني، إلى محاولة اغتيال محمد ظاهر شاه (ملك أفغانستان السابق) في إيطاليا، إلى تجهيزه للاشتراك في حرب الخليج الثانية ضد العراق لما احتل الكويت، فطالبه بعض أتباعه بأن يكون للقاعدة منهج (دستور) يحدد أسس قيامها وأهدافها والتي بناء عليها يأخذ بن لادن البيعة من الشباب، فرفض بن لادن أن يتقيد بأي منهج ليعطي لنفسه حرية التصرف في أتباعه كما يشاء وطرد من طالبه بمنهج، ومن وقتها - وللأسف - أصبح لا يتبع بن لادن إلا أحد رجلين: رجل جاهل بدينه أو رجل منتفع بدنياه، وأصبح على الكل السمع والطاعة العمياء وإلا فالمصير معروف (من اعترض طرد) وأصبح أكثر أتباعه من صغار الشباب من السعودية واليمن الذين تحركهم العاطفة الإسلامية أكثر من الضوابط الشرعية وكذلك من الأعاجم (من آسيا وأوروبا) الذين فهمهم للدين محدود وتحركهم العاطفة، وبخاصة من أسلم منهم حديثاً ولم يتعلم دينه.
- المرحلة الرابعة (مرحلة المواجهة العالمية) عام 1993، وذلك في السودان، عندما كشف بن لادن عن رغبته في الصدام مع القوى الدولية، خصوصاً أميركا، فتركه بعض أتباعه وحتى من أقاربه وأصهاره، وكان إعلانه عن «الجبهة العالمية لمحاربه اليهود والصليبيين» عام 1998 مجرد تحصيل حاصل لما كان يجري الإعداد له من 1993 من رصد الأهداف الأميركية والأوروبية التي يمكن ضربها في أنحاء مختلفة من العالم.
> هل معنى ذلك أن للمصريين الفضل في تأسيس «القاعدة»؟
- أفراد جماعة الجهاد هم الذين أسسوا القاعدة وأداروها وحاولوا أن يحسنوا توجيه بن لادن وأن يقللوا من تفلتاته الشرعية، ثم قطعت صلتي بالجميع عام 1993 لما رأيت الأغلب متبعاً لهوى نفسه، وقال الله تعالى «ومن أضلُّ ممن اتَّبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين» (القصص 50).
ولهذا فإنني أقول إنه ليس لـ «القاعدة» منهج ولا فكر ولا منظّر ولا مفت إلا ما يراه بن لادن برأيه الشخصي و(من اعترض تم طرده). هذا المسلك هو الذي أدى إلى وقوع أحداث 11/9/2001، ومن بقي مع بن لادن كان عملهم تبرير أخطائه وآرائه بشبهات من الشريعة يلبسون بها على الجهال. وانضم الظواهري إلى «الجبهة العالمية» في 1998 ومعه نفر قليل فصلتهم «جماعة الجهاد» وأعلنت عن ذلك.

الحلقة 2:
كيف تقوّم أحداث أيلول (سبتمبر) 2001؟
- أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 هي من جهة تنظيم «القاعدة» خيانة للصديق وغدر بالعدو وكارثة على المسلمين، وهذه كلها من خصال النفاق وكبائر الذنوب التي يفسق فاعلها وكل من رضي بفعله عليه الإثم نفسه.
أما خيانة الصديق: فقد بايع بن لادن الملا محمد عمر زعيم طالبان كأمير للمؤمنين في إمارة أفغانستان الإسلامية وعاش في حمايته ورفض محمد عمر تسليم بن لادن لأي جهة، وأمر محمد عمر أكثر من مرة ألا يصطدموا بأميركا وأنه لا طاقة له بذلك، خصوصاً أن أفغانستان وشعبها هم الذين دفعوا ثمن تفجيرات بن لادن في نيروبي ودار السلام في 1998، ثم إن بن لادن وأتباعه كذبوا على أميرهم محمد عمر وخانوه ونكثوا بيعته ونفذوا أحداث 11/9/2001 من وراء ظهره بعدما ظلوا يخططون لها أكثر من سنتين على أرضه ( أفغانستان ) منذ أن طرح خالد شيخ الفكرة على بن لادن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من خلع يداً من طاعة لقي الله ولا حجة له ) رواه مسلم.
وأما الغدر بالعدو: فقد دخلوا أميركا بتأشيرة وهذه عقد أمان لا خلاف فيه بين العلماء حتى لو كانت مزورة كما ذكره محمد بن الحسن الشيباني المتوفي في 189 هـ في كتابه «السير الكبير» حيث ذكر أن من زور خط أهل الحرب فصدقوه ودخل بلادهم لا يحل له أن يخونهم في شيء لا في دمائهم ولا أعراضهم ولا أموالهم ولا فارق في ذلك بين المقاتل (العسكري) وغير المقاتل (المدني) من أهل الحرب مادام في بلادهم، وعلى هذا سائر أهل العلم، بل إن الشافعي قد ذكر في كتابه (الأم) ج 4 صـ 164 ـ 165، أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان أهلها ثم أسر أهل الحرب بعض المسلمين لا يجوز لهذا المسلم أن يقاتلهم لاستنقاذ هؤلاء الأسرى أو السبي، هذا حاصل كلامه، ولابن قدامة قريب منه في (المغنى) ج 8 . أما أتباع بن لادن فدخلوا أميركا بعلمه وبأمره وغدروا بأهلها فقتلوا ودمروا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «ينصب لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة بقدر غدرته» رواه مسلم، أي ترفع له راية عند دبره ليفتضح أمام الخلق يوم القيامة، ثم إنهم يسمون خيانتهم وغدرهم غزواً تشبيهاً لأفعالهم بغزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) وفى هذا انتقاص واستهزاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إذ ينسبون إليه غدرهم وخيانتهم، والنقص من قدر النبي (صلى الله عليه وسلم) حكمه معروف للمسلمين كما ذكره القاضي عياض في «الشفا» وابن تيمية في «الصارم المسلول».
فتنة في كل بيت
> الى أي مدى أثرت تلك الأحداث في أوضاع المسلمين في العالم؟
- كانت الكارثة على المسلمين: فقد أشعلوا فتنة دخلت كل بيت، وتسببوا في سجن آلاف المسلمين في سجون الدول المختلفة، وتسببوا في سقوط عشرات آلاف من القتلى المسلمين من العرب والأفغان والباكستانيين وغيرهم، ودُمرت إمارة طالبان الإسلامية ودمرت «القاعدة» وتسببوا مباشرة في الاحتلال الأميركي لأفغانستان وغير ذلك من الخسائر الفادحة التي لا يتسع المجال لذكرها هنا وكلها في رقابهم.
> كيف ترى الطريقة التي أدار بها بن لادن والظواهري المعركة مع الاميركيين؟
- هرب بن لادن والظواهري وغيرهما مع بداية القصف الأميركي حتى انهم تركوا نساءهم وعيالهم يقتلون مع غيرهم من الأبرياء وأنا أرى أن تعقد محكمة شرعية من العلماء الثقاة - ولو غيابياً - لمحاسبة هؤلاء على هذه الجرائم حتى لا يجرؤ جاهل بدينه على تكرار هذا العبث.
كانت طالبان تعاقب المرأة التي تخرج من بيتها كاشفة وجهها فكيف لا يحاسبون قادة «القاعدة» الذين تسببوا في تدمير دولتهم وسفك دمائهم وخراب بيوتهم ويتّم أطفالهم وأيم نساءهم، وكل هذا بالمعصية لأميرهم ؟ أين سيذهبون من هذه الذنوب؟، قال تعالى «ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً» (الكهف 49) وكل هذا من غير طائل فلا هم هزموا أميركا ولا أبقوا على إمارة طالبان ولا على إخوانهم.
> لكن بعض الاسلاميين لا يزالون يشيدون بما جرى على رغم التبعات؟
- إنما أُعجب بأعمال «القاعدة» كثير من الجهال لقلة علمهم بالشريعة وبمناطات الأعمال وحقيقة توصيفها الشرعي، والشعوب تحكمها العواطف وتفكر بآذانها لا بعقولها أي أنها تعجب بما تسمعه من دون أن تتدبر حقيقته بعقولها، وإنما حمل الناس على ذلك كراهيتهم لأميركا فإنهم لم يروا منها خيراً والقاعدة تلعب على هذا الوتر كما لعب عليه صدام حسين وأحمدي نجاد وغيرهما، فأميركا تدعم إسرائيل دائماً، وحتى المساعدات الأميركية لا يشعر عامة الناس بها لأنها إما أسلحة قديمة تتخلص منها لتشغيل مصانعها وأو قمح قديم مخزون تريد أن تتخلص منه وأو حبوب منع الحمل، هذه هي المساعدات الأميركية أي أن أميركا تساعد نفسها، فالناس يكرهون أميركا والحركات الإسلامية تشعر بالقهر والعجز، فكل من يتنطح لأميركا يصفقون له سواء كان بن لادن أو نجاد أو صدام، وأصبح أقصر طريق للشهرة والزعامة عند العرب والمسلمين هو مناطحة أميركا، لكن ما فائدة أن تهدم لعدوك عمارة فيهدم لك دولة، وما فائدة أن تقتل له رجلاً فيقتل لك ألف رجل، (ما هكذا يا سعد تورد الإبل) كما تقول العرب في أمثالها هذا باختصار تقويمي لأحداث 11/9/2001.
> هل كانت «وثيقة ترشيد العمل الجهادي» كفيلة بتصحيح المفاهيم لدى المنتسبين الى الجماعات الجهادية؟
- أنا تكلمت في أخطاء «القاعدة» كمسائل فقهية كتحريم الغدر لمن دخل دار الحرب بأمانهم، وتكلمت عن عدم جواز قتل السياح في بلادنا، وتكلمت في وجوب إستئذان الأمير في الجهاد، وتكلمت عن خطر رئاسة الجهال وأنها طريق الضلال، أما قادة «القاعدة» فلم أذكرهم بالاسم، لأن الوثيقة مطروحة لمنسوبي الجهاد بمصر وكثير منهم لم يخرجوا من مصر ولم يعرفوا بن لادن أو الظواهري أو غيرهما كما عرفتهم، وقد لا يكون لديهم من العلم ما يمكنهم من تقويم أفعال هؤلاء والتفطن لأخطائهم الفاحشة، خصوصاً وأن هناك من الجهال من يصور قادة «القاعدة» أبطالاً وهم في الحقيقة كذبة خونة غدرة مفسدون في الأرض، فلم أشأ أن أفرض ما أعرفه على الآخرين في الوثيقة وأكتفيت فيها بذكر الأخطاء كمسائل فقهية بأدلتها الشرعية.
مدى تأثير «الوثيقة»
> جاءت الوثيقة مطولة وتحوي تفاصيل فقهية وشرعية... لكن أي البنود ترى أنها مؤثرة في عقول الشباب؟
- اشتملت الوثيقة بعد المقدمة على 15 بنداً وأربعة تنبيهات:
- بند (1) بيان حقيقة دين الإسلام وإلزامه للبشرية كافة، وأن شريعته قد تضمنت كل ما يحتاجه الخلق لإصلاح دنياهم وآخرتهم إلى يوم القيامة.
- بند (2) بيان أن مناط التكليف بعد العقل هما العلم بوجوب الشيء والقدرة على فعله وأنه لا يجوز الإقدام على عمل إلا بعد معرفة حكمه الشرعي لقوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) الإسراء 36، وبخاصة في الجهاد الذي فيه إتلاف النفوس والأموال والتي الأصل فيها التحريم، فلا يجوز التكليف بما لا يطاق لقوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) البقرة 286 ، وما عجز المسلم عن فعله سقط عنه إثمه وقد يُحَصَّل أجره بالنية الصالحة .
- بند (3) في أن فاقد النفقة لا يجب عليه الجهاد وإن كان فرض عين، لأن الجهاد كان فرض عين في غزوة تبوك وعذر الله من تخلف عنها لعدم النفقة في قوله تعالى ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) التوبة 91، وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) - في الحديث المتفق عليه - أن الله قد كتب أجر هذه الغزوة لهؤلاء بصدق نيتهم . وأن فاقد النفقة يحرم عليه تحصيل المال بوسائل محرمة كالسطو على أموال المعصومين للاستعانة بها في الجهاد، فلا يجوز أن يفعل ما لا يحل لأداء ما لا يجب عليه لعجزه، وإن خالف في هذا فجهاده إن قام به مردود لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ) رواه مسلم .
- بند (4) لا يجوز الخروج إلى الجهاد إلا بأذن الوالدين وإذن الدائن، لأن بر الوالدين فرض عين ولهما حق في ابنهما فلا يخرج إلى الجهاد إلا بإذنهما، وقد صح الحديث في ذلك كما أن الشهادة لا يغفر الله بها للمجاهد ما عليه من ديون فلا يخرج إلا بإذن الدائن . وقد عمّت البلوى بذلك في هذا الزمان فنجد الوالدين لا يعلمان بذهاب ابنهما للجهاد إلا بعد نشر صورته في الصحف قتيلاً أو أسيراً .
بند (5) بيان أن الحفاظ على المسلمين من الهلاك من مقاصد الشريعة، ولهذا أجاز الله للمستضعف كتمان الإيمان والتخفي به، وأجاز الله سبحانه الهجرة، واعتبر سبحانه التكافؤ بين المسلمين وعدوهم في القوة ولم يوجب على المسلمين الثبات في القتال إذا زاد العدو على الضعف، كما أجاز الله سبحانه الصلح والهدنة مع الكفار على مال ومن دونه، كل هذا من أجل الحفاظ على المسلمين، بخلاف من يدفع بهم إلى المهالك.
- بند (6) في بيان عدم جواز الخروج على الحكام ببلدان المسلمين اليوم من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية للعجز عن ذلك ولغلبة المفاسد على المصلحة، ولهذا الكلام توضيح بالتنبيه الثاني في آخر الوثيقة.
- بند (7) في تحريم إيذاء السياح القادمين إلى بلاد المسلمين، وإن كانوا مقطوعاً بكفرهم، فكيف وقد يكون فيهم مسلمون ؟ وذكرت لذلك ستة أسباب، ويجملها ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في ( الاستذكار ) أن كل ما اعتبره الكافر أماناً إذا دخل إلينا فهو أمان عند عموم الفقهاء . وشرح الشافعي ذلك في ( الأم ) ج 4 صـ 196 وقال ما حاصله إن الكافر لا يفرق بين من يجوز ممن لا يجوز أمانه منا. وعلى كل حال فإن الكافر إذا دخل إلينا بأمان فاسد فالواجب ليس قتله وإنما يجب إبلاغه مأمنه (أي إبعاده وترحيله إلى حيث يريد من المكان الذي يأمن فيه) كما قال تعالى (ثم أبلغه مأمنه) التوبة 6.
- بند (8) النهي عن العمليات الحربية لمن دخل دار الحرب بأمان أهلها، فلا يحل له أن يخونهم في نفس أو عرض أو مال، باتفاق أهل العلم كما ذكرته في كلامي عن «الغدر بالعدو» في أحداث 11/9/2001، قال تعالى «يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود» المائدة1، وهذه واجبة مع المسلم والكافر، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) «إنا لا يصلح في ديننا الغدر».
- بند (9) النهي عن قتل المدنيين، لأن من عٌلِمَ إسلامه منهم بظاهر حاله فحرمته مؤكدة لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» رواه مسلم، ومن جهل حاله من الناس فلا يجوز التعرض له حتى في حال القتال إلا بعد تبين حقيقة حاله لقوله الله تعالى «يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا» النساء 94.
- بند (10) من ضوابط التكفير في الشريعة، وذكرت فيه أن التكفير حكم شرعي ليس بدعة، ومنه ما هو كفر أصلي أو كفر طارئ (ردة)، وأنه لا يحكم على مسلم بالكفر إذا عمل عملاً مكفراً إلا بعد النظر في عمله (قوله أو فعله) هل هو صريح أم محتمل؟ وكذلك النص المكفِّر له هل هو صريح أم محتمل ؟ ثم ينظر في الشروط والموانع في حق هذا المعيَّن بحسب قاعدة (يترتب الحكم على السبب إذا توافر الشرط وانتفى المانع). وبالتالي فهناك فارق بين التكفير المطلق (الحكم على السبب فقط) وبين تكفير المعيَّن (بعد النظر في الشروط والموانع) وأن مرجع هذا إلى القاضي المسلم، وأنه بعد ثبوت الردة فإن الاستتابة (أي عرض التوبة على المرتد) واجبة، وانه لا يجب على آحاد الرعية إقامة شيء من الحدود إلا على عبيده ولا يجوز له ذلك في حق غيره من الأحرار وإلا صارت الأمور فوضى وقتل الناس بعضهم بعضاً بأدنى شبهة.
- بند (11) في عدم جواز التعرض للنصارى في بلادنا بأي أذى، مع بيان أنهم ليسوا أهل ذمة وإنما مواطنون، وأن الأصل معهم هو «المعاملة بالمثل»، وأن الإحسان إلى الجار من مسلم وغير مسلم واجب والإخلال به من الكبائر، وأنهم في جملتهم يجرى عليهم قول الله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين» الممتحنة 8، مع ذكر الوصية الخاصة من النبي (صلى الله عليه وسلم) بأقباط مصر لما لهم من الرحم والصهر.
- بند (12) مسألة جهاد المنفرد المذكورة في قوله تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) النساء 84، وبيان أن هذا لبيان جواز ذلك لا وجوبه ودليل ذلك، وأن الجواز مقيد بشروط من أهمها إستئذان الأمير أو ولي الأمر أن وجد، ومنها ألا يضر غيره من المسلمين لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (ولا ضرر ولا ضرار) حديث حسن، ومنها ألا يرتكب ما نهى الله عنه من العدوان بقتل النفوس المعصومة من مسلم أو غير مسلم أو بإتلاف الأموال لقوله تعالى (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة 190.
- بند (13) نصيحة لعموم المسلمين، وفيها مسائل كثيرة كوجوب تعلم الدين وطلب الرزق الحلال والبعد عن المنكرات والمعاصي ونحو ذلك.
- بند (14) نصيحة لولاة الأمور ببلاد المسلمين، وأهمها تطبيق الشريعة الإسلامية ففيها صلاح البلاد والعباد وفيها عز الدنيا والفلاح في الآخرة، ثم الاهتمام بتقليل الفساد والمظالم، ورفع مستوى التعليم الديني والعناية بأهله.
- بند (15) وفيه البشارة ببقاء الإسلام وأهله وظهورهم إلى قرب قيام الساعة، وفيه أن الجهاد ماضٍ إلى قرب قيام الساعة، وأن الخلافة الإسلامية قادمة وقبل ظهور المهدي رضي الله عنه وغير ذلك من المبشرات مع أدلتها.
> هذا عن البنود ماذا عن التنبيهات؟
- التنبيه الأول، على مؤلفاتي الإسلامية، وأنها مجرد نقل علم إلى الناس لا فتاوى، وما فيها من أحكام فهي مطلقة لا تنزل على المعيّنين إلا من عالم مؤهل ولست منهم وأن أي شيء من مؤلفاتي يخالف الدليل الشرعي الصحيح السالم من المعارض فأنا راجع عنه.
- التنبيه الثاني: في بيان الأسباب الشرعية والواقعية التي تبين عدم جواز الخروج على الحكام في مصر، فمن الشرعي عدم التكافؤ والعجز، ومن الواقعي عجز الحركات الشعبية عن تغيير النظام في مصر على مدى التاريخ و «العادة محكمة» مع ذكر الأمثلة.
- التنبيه الثالث: في الرد على شبهة أن ما في هذه الوثيقة تخذيل للمجاهدين، وفيه أن تصحيح الأخطاء واجب وليس تخذيلاً، وإلا فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» متفق عليه، فهل كان النبي مخذلاً ؟ (صلى الله عليه وسلم).
- التنبيه الرابع: في الرد على شبهة «لا ولاية لأسير» فأنا من واقع مخالطتي للحركات الاسلاميه أعرف كيف يفكرون وما سوف يطرحونه من شبهات فرددت عليها قبل أن يطرحوها، وعندي المزيد للرد على كل جاهل وعنيد، وحاصل ما قلته في ذلك أن «العبرة بدليل الكتابة لا بمكانها» فمن كان لديه اعتراض على شيء من كلامي بالدليل الشرعي فأنا مستعد للنظر فيه ومناقشته ومستعد لقبول الحق وإن كان بخلاف قولي. هذا ملخص ما ورد في الوثيقة.
> كم استغرقت كتابتك لهذه الوثيقة، وما أهم المراجع التي رجعت إليها؟
- أما المراجع فلم أرجع إلى شيء منها لعدم توافرها بالسجن وقت كتابي للوثيقة، ولم أطلب توفيرها لعدم حاجتي إليها، فقد كتبت الوثيقة من ذاكرتي، ولهذا فإن بعض الأحاديث والنقول عن العلماء فيها هي بالمعنى لا باللفظ، والنقل عن العلماء ليس حجة في ذاته وإنما الحجة في الكتاب والسنة أما كلام العلماء فهو للاستئناس.
وأما كم استغرقت الكتابة ؟ فقد كتبتها في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006 كمسودة، ثم طلبت مقابلة منسوبي الجهاد في السجون للاطلاع على آرائهم، فقد كنت مازلت معزولاً حتى ذلك الوقت منذ تسليمي إلى مصر في 2/2004، فسمحت لي السلطات بمقابلتهم في شباط (فبراير) 2007، وعرفت آراء المؤيدين وكذلك المعارضين لمحتوى الوثيقة، وقمت بعد ذلك بإضافة إيضاحات وردّ على شبهات إلى المسودة حتى خرجت الوثيقة في صورتها النهائية، وكان هذا في آذار (مارس) 2007، ثم عقد مؤتمر في سجن الفيوم عرضت فيه الوثيقة على المئات من أخوة الجهاد وذلك في نيسان (ابريل) 2007، ولقيت الوثيقة التأييد العام، وتواكب هذا مع عرض الوثيقة على «مجمع البحوث الإسلامية» بالأزهر وهو أعلى هيئه علميه إسلامية في مصر، وقد أقرّها.
> من بين ردود الفعل تجاه الوثيقة من قال إنها وليدة مرحلة السجن ومن قال إنها أفكار قديمة؟
- لا يمكن لإنسان أن يكتب شيئاً، خصوصاً إذا كان بحثا طويلاً كالوثيقة، من الذاكرة من دون الرجوع إلى أي كتاب إلا إذا كان من أفكاره وعلمه القديم المستقر لديه. وقد ذكرت من قبل إنني نهيت الإخوة عن الصدام مع الحكومة عام 1992 ونحن في باكستان، حتى قال لي الأخ مجدي كمال «انتهى وقت الكلام وجاء وقت العمل» وكان إصرارهم على الصدام من أسباب قطع صلتي بهم، ثم كررت إنكاري عليهم ما خاضوه من العمليات وذلك في السودان آخر عام 1993، وكل هذا الكلام عليه شهود وهم إحياء، فأنا ما زدت في «الوثيقة» على أن كتبت ما قلته لهم منذ 1992 ورفضوه، وقد خاضوا الصدام وما وصلوا الى أي مصلحة بل الى خسائر بالجملة.
معترضون
> إضافة الى ردود الفعل بعد الوثيقة ذكرت أنك واجهت عند كتابتك لها بعض المعترضين، فما أسباب اعتراضهم؟.
- الأسباب متنوعة منها المنطقي ومنها ما ليس كذلك، فمنهم من قال لا جدوى من كتابة شيء من ذلك لأن كل ما يخرج من السجن غير مقبول لدى الشباب، وقد رددت على هذه الشبهة في التنبيه الرابع في آخر الوثيقة. ومنهم من قال إن أي كتابة عن الأخطاء التي وقعت في الجهاد ستؤدي إلى التخذيل والصد عن الجهاد، وقد رددت على هذه الشبهة في التنبيه الثالث آخر الوثيقة. ومنهم من قال نحن أعلنا مبادرات ووقفاً لأي عمليات منذ عام 1995 ولم تستجب السلطات ذلك ومازلنا في السجن من وقتها، فلا فائدة من التكرار، والرد على ذلك أنهم إن لم يستفيدوا من (الوثيقة) شخصياً فلتستفد منها الأجيال الناشئة من الشباب. ومنهم كالأخ أحمد سلامة مبروك الذي قال نحن مستعدون للموافقة على كل ما في الوثيقة ونتعهد للسلطات الالتزام بها ولكن في السر من دون إعلان ذلك في وسائل الإعلام، حتى لا يؤدي ذلك إلى تخذيل الشباب عن الجهاد.. وقال أحد الأخوة القدامى إنهم يريدون أن يتم ذلك سراً حتى لا تزول وجاهتهم عند الناس. ومنهم من قال إنه يماطل ويرفض ليكسب وقتاً حتى ينفذ أيمن الظواهري عمليتين أو ثلاثة بمصر تحسِّن موقفه أمام السلطات في التفاوض في حين أن الظواهري أعلن وقف العمليات في مصر منذ العام 1995 لعدم القدرة.
ومنهم من لا يريد أن يخرج من السجن لأنه لا عمل له ولا وظيفة خارج السجن، في حين أن السجن يضمن له السكن والطعام كما تأتيه بعض التبرعات من المحسنين. ومنهم كالأخ محمد الظواهري قال إنه مستعد للتعهد للسلطات عدم الصدام في السر ومن دون كتب. ومنهم كالأخ مجدي كمال تعهد كتابة أمام الشهود أنه سيلتزم الوثيقة إذا وافقت الشرع. ومنهم من قال: حتى لو لم تكن في الوثيقة مخالفات شرعية سنرفضها لمجرد معاندة السلطات والذي يرفض الشرع عناداً لا يكون أخاً بل قد لا يكون مسلماً.
> كيف ردَدْت على تلك المواقف؟
- كل هؤلاء المعترضين منهم من سجن في قضية جنائية لا سياسية، ومنهم من تسبب في سجن المئات بسبب سرقته سيارة وقتله سائقها، ومنهم من تسبب في سجن المئات بسبب مكالماته الهاتفية لهم من خارج مصر، ومع كل مكالمة تسقط مجموعة كبيرة من الأخوة على رغم تأكيدهم عليه ألا يتصل بهم لأن الهواتف مراقبة من السلطات. وأنا قلت لكل هؤلاء أنتم فشلتم في الحرب وخضتم صراعاً لا يجب عليكم شرعاً وتسببتم في سجن المئات بل الآلاف ويجب عليكم شرعاً السعي في إخراجهم من السجون لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) «فكوا العاني» رواه البخاري، و»العاني» هو الأسير أي أسعوا في فكاك الأسير، وقلت لهم لا تفشلوا في السلم كما فشلتم في الحرب فتجمعوا بين فشلين، ولكنهم أصروا على الفشل بغير حجة شرعية، والفاشل لا يكون قائداً بل يجب أن يعتزل وعند بعض الناس القائد إذا فشل في الحرب انتحر، ولكنهم مصرون على أن يكونوا قيادات داخل السجون على رغم فشلهم المزدوج ولا يبالون بأتباعهم الذين تسببوا في سجنهم وهم مسؤولون عنهم أمام الله يوم القيامة للحديث «وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
> نعرف أن محمد الظواهري اعترض ايضاً على الوثيقة؟
- الأخ محمد الظواهري الذي كان قائداً للجناح العسكري في جماعة «الجهاد» كان يريد أن يدير المعركة في مصر من مكتب مكيَّف في دولة الإمارات، على رغم أنه يرى أن الحاكم مسلم، والحاكم المسلم يحرّم الخروج عليه بإجماع أهل السنة والجماعة، ولما سقط محمد الظواهري وسُلِّم لمصر أوقع بمجموعة من إخوانه، عموماً هذه مجرد نماذج لبعض قيادات الجهاد التي يفتتن بها الشباب الناشئ الذي لا يعلم بواطن الأمور، ولولا أن الله قد أمر بالستر لذكرت أسماءهم فرداً فرداً.
وهذه هي كل بضاعة المعترضين الفاشلين الذين ساقوا إخوانهم إلى المشانق والسجون بالآلاف وعلى رغم ذلك يصفهم البعض بأنهم «الثابتون على العهد»، والله ما وجدت لدى أحد منهم حجة شرعيه وما منعهم إلا الكِبَر كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الذي رفض أن يأكل بيمينه.


طره ... سجن للسياسيين احتضن مراجعات «الجماعة الإسلامية» ومن بعدها «الجهاد»
السجون... مثل الزمان، بعضها عصور رخاء وبعضها عصور مظلمة، هكذا تحدث منظر الجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم عن تجربته في سجن طره حيث قضى نحو 24 سنة في أجنحته المختلفة متنقلاً بين ليمان طره وسجن العقرب - أكثر السجون حراسة وتشدداً في الإجراءات - ومستشفى طره قبل أن يخرج مرة ويحصل على حريته بعد مبادرة «الجماعة الإسلامية» لوقف العنف التي أطلقت عام 1997.
وكما شهد هذا السجن أحداثاً إيجابية تمثلت في مراجعات الجماعة الإسلامية في السابق والجهاد حالياً، حمل كثيراً من الآلام لبعض رواده، إذ شهد عام 1959، ما عرف باسم مذبحة طره التي قتل فيها 21 من عناصر جماعة الإخوان المسلمين كما شهد عام 1981 إعلان انتحار القيادي الإخواني كمال السنانيري وتلك الواقعة لا يزال يكتنفها الغموض والاتهامات من جانب الجماعة إلى السلطات المصرية بقتل السنانيري.
يرى إبراهيم أن السجون المصرية أصبحت أحسن حالاً منذ عام 2001، أي بعد 3 سنوات من إعلان المبادرة، التي يرى أنها كانت سبباً في إحداث نقلة في نوعية المعاملة داخل السجون المصرية بصفة عامة وطره بصفة خاصة.
وتضم منطقة سجون طره سبعة سجون معظمها للسجناء السياسيين فيما يخصص سجن واحد فقط للجنائيين ويتشاركون في آخر مع السياسيين والسجون هي: سجن الاستقبال ومزرعة طره وملحق مزرعة طره، وليمان طره والمحكوم ومستشفى طره، وسجن شديد الحراسة ومعروف باسم سجن العقرب الذي يستضيف حالياً منظر الجهاديين الدكتور سيد إمام شريف (الدكتور فضل).
بعد سلسلة طويلة من الإجراءات الأمنية بدءاً من الوقوف في طوابير مروراً بمراحل عدة من التفتيش تتخللها مرحلة كتابة البيانات تأتي المرحلة الأخيرة لدخول منطقة السجون.
بعد سلسلة الإجراءات الأمنية ينتظر الزائر حافلة السجن الخاصة التي تنقل الزائرين من الداخل إلى الخارج وهي معروفة باسم «الطفطف» وهو الاسم الذي يطلق أيضاً على الحافلات التي تنقل المصطافين في المدن السياحية.
ويحيط بكل سجن سور ويحيط بالمنطقة التي تضم السجن أسوار ويوجد بينها نطاقات أمنية مراقبة على مدار 24 ساعة وتمر فيها دوريات متحركة فضلاً عن وجود كمائن ثابتة ومتحركة ما يجعل التفكير في الهروب من السجن أمراً مستحيلاً. والعاملون فيه أيضاً تتخذ معهم تدابير أمنية عالية داخل السجن ويتم إغلاق السجن تماماً مع آخر ضوء للنهار ويمنع دخول أو خروج أي شخص حتى لو كان من الضباط الا بسلسلة من الإجراءات الطويلة والمعقدة.
ويضم سجن استقبال طره ثلاثة عنابر رئيسية، اثنان متعددا الطوابق ويضمان الزنازين الفردية في الدور الأول والجماعية في بقية الأدوار، في حين يتكون العنبر الثالث من دور واحد مبني بالخرسانة المسلحة، وهو عنبر حديث البناء وسمي بعنبر شديد الحراسة.
وبخلاف العنبر شديد الحراسة فإن هناك سجناً خاصاً يسمى «سجن شديد الحراسة» ويعرف أيضاً باسم سجن العقرب وهو موجود في نهاية منطقة سجون طره ويبعد حوالى كيلومترين من باب المنطقة ويسبقه بالترتيب سجن استقبال طره، وسجن مزرعة طره، وسجن ملحق المزرعة. ويضم السجن 320 زنزانة مقسمة إلى أربعة عنابر، ويضم كل عنبر 80 زنزانة على شكل حرف H، ومساحة الزنزانة 5.2 متر - 3 أمتار وارتفاعها 5.3 متر ولكل زنزانة شباك طوله 90 سم وعرضه 80 سم وارتفاعه عن الأرض 5.2 متر.
ويوجد في السجن مكان مخصص لممارسة الرياضة وهو عبارة عن قطعة أرض خرسانية مغطاة بالرمال. كما توجد في السجن، عشرين زنزانة معدة للحبس الانفرادي.
أما مستشفى ليمان طره فهو عبارة عن عنبر منفصل مساحته 30م -20م وينقسم العنبر إلى دورين منفصلين، يخصص الدور الأول للسجناء الجنائيين، والدور الثاني للسجناء السياسيين.


الحلقة 3:
> هل تتوقع رداً على الوثيقة من تنظيم «القاعدة»؟
- أما الردود الشرعية، فلا يوجد لدى القاعدة من هو مؤهل شرعياً للرد، لأنهم، من بن لادن إلى الظواهري إلى غيرهم، ليسوا من أهل العلم الذين يعتد بقولهم في أمور الدين، وإنما هم من العوام، والعامي لا يعتد بقوله لا في الاتفاق ولا في الاختلاف وإن تكلم. ومن رد على شيء في الوثيقة بدليل شرعي معتبر، إن كان صواباً قبلناه بإذن الله تعالى، وإن كان خطأ فلدينا الرد على كل جاهل وعنيد إن شاء الله تعالى.
> من المستهدف من وثيقتك؟ وإلى من وجهتها؟
- لم أكتب شيئاً من كتبي ولا «الوثيقة» لمحاباة أحد بعينه أو لنقده، وإنما أكتب لأمة الدعوة، المسلم وغير المسلم، الموجود والمولود، فالعلم الشرعي أكبر من أنه يُحصَر في جماعة.
> قبل أيام أعلن الظواهري عن انضمام الجماعة الإسلامية الليبية المسلحة إلى «القاعدة». لماذا في رأيك جاء هذا الإعلان؟ وهل فقد «القاعدة» التعاطف فرض على الظواهري الكشف عن تحالفات جديدة معها؟
- أعرف الظواهري منذ العام 1968، وهو ظاهرة صوتية، وسبق أن قلت أنه لا يتبع «القاعدة» إلا أحد رجلين: جاهل بدينه أو منتفع بدنياه، وأنا اعتبر أن تعيين الشيخ سعيد المحاسب (مصطفى أبو اليزيد) قائداً للقاعدة في أفغانستان بمثابة (إعلان وفاة تنظيم القاعدة)، لأنه يعني انتهاء كل كوادر التنظيم بين قتيل وأسير، ويتحمل بن لادن وزر هذا شخصياً.
أما الجماعة الليبية فأقول لهم اعتبروا بمن سبقكم، ولا تتبعوا إلا الأمناء من أهل العلم، أما قادة القاعدة فليسوا من أهل العلم بل هم أهل جهل وغدر وخيانة، وهذه كلها من كبائر الذنوب التي يفسق فاعلها. وأقول للجماعة الليبية اعتبروا بمأساة إخوانكم الليبيين العام 1995 والتي كانت سبباً في طرد السودان لابن لادن بضغط وتهديد من القذافي (الرئيس الليبي) على البشير (الرئيس السوداني).
> بعض قادة الجهاد في الخارج تساءلوا لماذا لم تكتب هذه «الوثيقة» وأنت حر طليق في بيشاور (باكستان) أو في اليمن على الأقل وأنت مسجون فيها لأكثر من عامين؟
- هذا كلام إنسان يجهل الشرع والواقع. بداية، لا يوجد شيء اسمه قيادات بالخارج، لأن القائد لا يترك أتباعه بل يتقدمهم، والذي يترك الميدان ويهرب إلى الخارج من أجل العيش الرغيد لا يكون قيادة، كما أن الذي أدمن الفشل لا يكون قيادة أيضاً. والسفينة إذا تعرضت للغرق فإن القبطان هو آخر من يغادرها فإن بقي فيها أحد من الركاب غرق القبطان معه. أما الذين هربوا لعمل لجوء سياسي في بلاد الكفار لتأمين المم (وهو الطعام بلغة الأطفال في مصر) لأولادهم من دون وجود أي خطر عليهم أو عند بوادر الخطر، لا يكون مثل هؤلاء قيادة، وإنما هم منتفعون بالدنيا يعيشون على أوجاع إخوانهم ومعاناتهم هم وأهاليهم، فيصدرون البيانات والتصريحات ويظهرون في الفضائيات، فإذا خرج إخوانهم من السجون كسدت بضاعتهم وأغلقوا دكاكينهم بالخارج، فهم يريدون أن تستمر المعاناة والسجون ليستمر سوقهم وعملهم.
والذين لجأوا إلى بلاد الكفر ورضوا بجريان قوانين الكفار عليهم طواعية لا يكونون قادة.
هؤلاء الذين يطلق عليهم قيادات الخارج قتلوا النصارى والسياح في مصر وهربوا ليعيشوا في أكنافهم في أوروبا، ولم يستطع أحد منهم أن يرفع راية الإسلام فوق قريته ويريد أن يرفعها فوق قصر باكنغهام.
أما لماذا لم أقل ما في الوثيقة وأنا في الحرية، فهذا جهل وكذب، فأنا كما ذكرته من قبل - نهيت «جماعة الجهاد» عن الصدام في مصر العام 1992، قبل أن تخوض أي صدام وقبل أن أكتب كتابي «الجامع» في 1993، وذكرت فيه كما ذكرت في «العمدة» قبله آفات العمل الإسلامي، وفى «الجامع» النهي عن عمليات الغدر بدار الحرب. وهددت «جماعة الجهاد» بقطع صلتي بهم حتى قال أيمن الظواهري: صلتك بنا رفعت عنا الحرج، وقال مجدي كمال: إذا قطعت صلتك سيصير الإخوة عدة جماعات، وهذا حدث بمشهد من قياداتهم، فالذي يقول إنني لم أقل ما في الوثيقة وأنا حر هو جاهل بالواقع... بل قلته منذ العام 1992•
> بعدما قطعت صلتك بالظواهري والتنظيم في السودان...• كيف كانت طبيعة العلاقة بينكم جميعاً هناك؟
- علمت بقيامهم بعمليات في مصر وذلك أواخر 1993 فقلت لأيمن الظواهري: أتق الله في الإخوة ولا تعرضهم لمخاطر لا تجب عليهم، فقال لي الظواهري: «إنه ملتزم أمام السودانيين بتنفيذ عشر عمليات في مصر وإنه تسلّم من السودانيين مائة ألف دولار تحت حساب هذه العمليات»، وكان مسؤول الاستخبارات السوداني الذي يتعامل مع الظواهري اسمه الدكتور نافع علي نافع، وهناك وسيط سوداني بينهما اسمه محمد عبدالعزيز، والمشرف العام على هذا كله كان نائب الرئيس السوداني وهو الرجل الثاني في جبهة حسن الترابي واسمه علي عثمان محمد طه. والمرة الأولى التي التقى فيها الظواهري بعلي عثمان طه قال له الظواهري: «إن معه تنظيماً من عشرة آلاف مقاتل في مصر بمستوى تدريب قوات الصاعقة، وأنه ومن معه لن يخرجوا من السودان إلا إلى مصر فاتحين». وكان هذا هو عين الكذب فإنهم لا يتعدون بضع عشرات وما زال بعض الإخوة في السجون يصدقون هذه الكذبة إلى الآن. وباختصار حوّل الظواهري «جماعة الجهاد» إلى مرتزقة وعملاء وباعهم للاستخبارات السودانية التي وجدت فيهم صيداً سهلاً رخيصاً لإزعاج السلطات بمصر. ثم أخذ الظواهري في إرسال الإخوة لمصر وكان الأمن المصري قد اخترقهم بعد حادث عاطف صدقي، فلم يصل أحد من الإخوة إلى هدفه في مصر وسقطوا بين قتيل وجريح. وبعدما أخبرني الظواهري بعمالته للسودانيين دعاني الأخ رفعت (واسمه زكي عزت زكي) لعقيقة ابنته، وحضر عدد من الإخوة منهم أبو طلحة وهشام أباظة وغيرهم، فقلت لهم أكثر مما ذكرت بالوثيقة وأن الجهاد لا يجب عليهم في مصر وأن التكافؤ معدوم والإثم مرفوع عنهم، وقلت لهم أنتم درستم قواعد حرب العصابات والحرب النظامية، وما تفعلونه في مصر من صدام لا يندرج تحت هذا ولا هذا، فهو نوع من العبث الذي لن يأتي بفائدة. وذكرت لهم خطأ ما يفعلونه بالأدلة الشرعية والواقعية، وهو المذكور بالتنبيه الثاني بآخر «الوثيقة». وأبدى الإخوة اقتناعهم بكلامي وذلك آخر 1993 أو أول 1994، فانزعج الظواهري عندما علم، وجمعهم وقال لهم: «الدكتور فضل يريد أن يجعلنا جماعة سلفية ونحن جهاد وسنظل نقاتل في مصر إلى آخر دولار معنا وآخر رجل فينا»، وقد كذب فإنه كان أول من ترك السودان لما طردهم السودانيون العام 1995 لما اكتشفوا أن الظواهري كان يكذب عليهم ولم يقاتل لآخر رجل كما زعم، بل كان أول من هرب كعادته ولما طرده السودانيون أعلن عن وقف العمليات في مصر العام 1995 بعدما علق إخوانه على المشانق وحشرهم في السجون في مصر.
> لكن الظواهري خرج من السودان مع أسامة بن لادن؟
- الذي فعله السودانيون مع الظواهري فعلوه مع بن لادن أيضاً، فكان إذا تأخر وصول سفينة النفط إليهم من السعودية حرضوا بن لادن على إصدار بيانات تهاجم السعودية، وأتباع بن لادن يسهرون الليل على أجهزة الفاكس لإرسال البيانات للسعودية، ثم طردوا بن لادن كما الظواهري. ان من يزعم أنني تراجعت وبدلت آرائي في السجن، عليه ان يعرف أن كلام الوثيقة قلته للإخوة منذ 1992، وهذا من الواقع الذي يجهله، وعندي المزيد.
> هات المزيد؟
- التقيت بمجدي كمال بالسجن في مصر في شباط (فبراير) 2007، وقلت له: أنت قلت لي في 1992 إنه قد انتهى وقت الكلام وجاء وقت العمل فأخبرني بما عملته في هذه الخمس عشرة سنة من 1992 إلى 2007؟ فسكت الأخ لأنه لم يفعل شيئاً إلا السجن، فقلت له: الاستخبارات السودانية أغرتكم بالمال للصدام مع مصر وقد نهيتكم عن ذلك من قبل، فقال لي مجدي كمال: يعنى نحن كنا مرتزقة؟، فقلت له: نعم، الظواهري حولكم إلى مرتزقة لاستخبارات حسن الترابي، فقال لي الأخ: أرجوك لا تذكر هذا الكلام لأحد•
وأزيد فأقول: وأنا في الحرية في اليمن العام 2000 تقريباً اتصل بي الأخ أسامة صديق من ألمانيا واستشارني في إطلاق مبادرة للتهدئة في مصر، فشجعته على ذلك، وعندك أسامة صديق في أوروبا يمكن أن تسأله.
> اعلم بمبادرة أسامة صديق لأنه تحدث معي عنها العام 2000 بالفعل، ولكن، ماذا عن فترة اقامتك في اليمن ولماذا لم تكتب الوثيقة هناك؟
- أثناء سجني في اليمن من 10/2001 إلى 2/2004 لم يسمحوا لنا بأي ورقة ولا قلم، على رغم أنهم قالوا لي من أول يوم إنه لا تهمة ضدي عندهم في اليمن، ثم ظهرت «مبادرة الجماعة الإسلامية بمصر» ونحن في السجن باليمن، فسألني عنها الأخوة المصريون معي في السجن فقلت لهم (وإن كنت لم أطلع على ما كتبوه بعد إلا أنني أوافق على مبدأ وقف العنف)، وعندكم الإخوة: أحمد عزت أنور، وعلي عبد الرحيم الشريف، وعثمان السمان، وخليفة بديوي اسألوهم. وكان لا يسمح لنا بالزيارة في سجن الأمن السياسي بصنعاء في غالب الأحوال إلا دقيقه واحدة هي مدة الزيارة ومن خلف الأسلاك.
فليس صحيحاً أنني لم أتكلم وأنا في الحرية بل تكلمت وتكلمت في النهي عن الصدام منذ 1992، وما زدت في الوثيقة على أن كتبت ما قلته من قبل، ولهذا لم احتج إلى أي مرجع أو كتاب لأكتبها بل كتبتها من الذاكرة، ولم أكتب مثلها في الحرية لأنني ومنذ أن سرق الظواهري كتابي «الجامع» وحرّفه خشيت أن أكتب شيئاً آخر يسرقونه ويحرفونه، ولو كانت هذه «الوثيقة» قد وقعت في أيديهم قبل نشرها لفعلوا بها ما فعلوا مع «الجامع»، كاليهود الذين (يكتمون ما أنزل الله)، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «لتتبعن سنن من كان قبلكم... اليهود والنصارى»، الحديث متفق عليه يخشون من ظهور الحق.
وهذا الكلام (لماذا لم أكتب ما في الوثيقة في الحرية؟) لا يمكن أن يصدر أصلاً عن أحد من أهل العلم، ولهذا قلت من البداية إن هذا كلام جاهل بالشرع، لأن أهل العلم لا ينظرون إلى مكان الكتابة بل إلى دليلها الشرعي. وأنا أعرف الذين يروجون هذه الشبهات وأعرف أنهم ليسوا من أهل العلم وإنما من العوام الذين لا يعتدّ بقولهم لا في الخلاف ولا في الاتفاق، وإنما رددت على أباطيلهم حتى لا يخدع بهم من لا يعرفهم من الناشئة من شباب الإسلام.
> لكن، من بين ردود الفعل على الوثيقة قول بعض قيادات الخارج إن الوثيقة وليدة السجون والسجن إكراه؟
- ذكرت لك أن من الخارج لا يكون قيادة، وأنهم من العوام ودليل جهلهم هو في كلامهم هذا الذي يخدعون به السذج قليلي العلم.
أما قولهم إن الوثيقة وليدة السجن، فجوابه أن قول يوسف عليه السلام «يا صاحبي السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار» سورة يوسف 40، هذا القول هو أيضاً وليد السجن، فهل يرفضه مسلم لهذا السبب؟ وأنا دائماً أكرر أن (العبرة بدليل الكلام لا بمكانه).
وأما قولهم إن السجن إكراه، فأنا أعلم ذلك ولا أحتاج لمن يخبرني به بل كنت أعلّم الإخوة أحكام الإكراه والتقية والمداراة والمداهنة ومعناها وما يجوز منها عندما كنت أشرح لهم كتاب (الأدب) من صحيح البخاري في بيشاور، والآن وأنا في سجني أعلم أن لي رخصة في أن أقول ما أشاء لأرضي السلطات أو لأدفع عني أذاها، ولكنني لم أستعمل هذه الرخصة وإنما يعرف الإكراه إذا قال الشخص انه كان مكرها أو إذا قال في سجنه خلاف ما قاله في الحرية، وأنا أقر بأنه لم يقع عليّ إكراه لأكتب هذه الوثيقة، كما أكرر بأن ما قلته في السجن في (الوثيقة) هو ما قلته للإخوة منذ العام 1992 كما ذكرت من قبل، وبعض مسائل الوثيقة موجود في كتابي «الجامع» الذي سرقه الظواهري وحرفه.
ثم هل يقول المكره كل هذا الكلام الذي في الوثيقة؟ المكره يقول كلمتين ليخلص نفسه، ولا يذكر ما في الوثيقة من شرح واستدلال، أين ذهبت عقولكم؟ كالذين قالوا إن الذي علم النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن هو بحيرى الراهب، مع أنه لا يتكلم العربية ولم يره إلا مرة واحدة وهو صبي، فهل علمه كل هذا القرآن والحديث في مرة؟


ثم إنني أقول: إن لا من العلم ولا من العقل أن يهاجم أحد شيئاً لم يطلع عليه، وهم هاجموها قبل اكتمال نشرها، وهم بذلك يضعون بأنفسهم في عداد الحمقى والجاهلين الذي يحكمون على الشيء قبل معرفته، والله يقول: «وما شهدنا إلا بما علمنا» (يوسف 81 ).
ثم إنني أقول: لماذا يخافون من كلامي؟ وأنا لم أطلب من أحد أن يوافق على «الوثيقة»، ولست أمير تنظيم لألزم أتباعي الموافقة عليها، ولست شيخ الإسلام، ولا مفتي الديار، أم أنهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من سرقتها وتحريفها كما فعلوا بكتابي «الجامع» فيريدون أن يشوهوها قبل صدورها؟ هذه هي الحقيقة، إنهم يريدون أن تستمر معاناة الإخوة ومآسيهم في مختلف سجون العالم كي تستمر دكاكين قيادات الخارج مفتوحة وخزائنهم عامرة وصورهم في الفضائيات كل حين، ولهذا فإنهم ينفخون في النيران من بعيد لبعيد ليحترق بها غيرهم كم يفعل بن لادن وتابعه الظواهري اللذان يهربان من الميدان عن أول خطر.
> هناك من قال إن الذين كتبوا في السجن كابن تيمية وسيد قطب لم يتراجعوا أو يبدّلوا رأيهم بخلاف ما فعلت أنت؟
- هذا أيضاً من الجهل المزدوج: أولاً: لأن التراجع أو تبديل الرأي لا يذم إلا إذا خالف الدليل الشرعي، أما إذا كان من أجل النزول على الدليل الشرعي بعد وضوحه فهذا من الرجوع المحمود، والمؤمن أوّاب.
فقد قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري لما ولاّه القضاء: «ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم هديت فيه إلى الرشد أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق قديم»، هذا حاصل كلامه، وقد شرحه ابن القيّم في أول كتابه «إعلام الموقعين» رضي الله عنه. ونشأ أبو الحسن الأشعري على مذهب ضال ثم اعتزل الناس أربعين يوماً يدرس مذهب أهل السنّة ثم خرج فصعد المنبر وخلع ثوبه وقال للناس: «إنه قد انخلع من مذهبه السابق كما خلع ثوبه ويقول بمذهب أهل السنّة)». وكتب في هذا كتابه «الإبانة عن أصول الديانة».
والشافعي كتب مذهبه في العراق ثم غير فيه أشياء في مصر، وابن تيمية كان يمدح محيي الدين بن عربي لما قرأ كتابه «الفتوحات المكية»، فلما قرأ كتابه «فصوص الحكم» أدرك أنه زنديق، ونقل رأي عز الدين بن عبدالسلام في زندقة ابن عربي، بالمجلد الثاني من (مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله)، فتبديل الرأي ليس عيباً إذا كان عن دليل شرعي أو بسبب حصول مزيد علم أو تغير الواقع فيختار له ما يناسب من الشرع، وقد فعل هذا أكابر العلماء وبه نصح عمر أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما.
وأقول لهؤلاء الجهال: هل كان الله سبحانه متراجعاً عندما قال: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله». الأنفال 39، ثم قال بعدها: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله» الأنفال 61؟ مع أن القتال ضد السلم. وأقول لهؤلاء: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) متراجعاً عندما قاتل كفار قريش في بدر وأحد والخندق ثم صالحهم في الحديبية؟ والصلح ضد القتال.
وأفتى عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله رجلاً ثم تبين له خطأ ما أفتى به، فأرسل منادياً ينادي في المدينة ليعود إليه المستفتي ليخبره بالصواب، وهذا من آداب المفتي كما ذكر ابن القيم في إعلام «الموقعين» جـ 4.
حقيقة الأمر هي كما قال بعض السلف: «لو سكت الجاهل سقط الخلاف».
ثانياً: أين التراجع في (الوثيقة) وقد نهيت الظواهري وجماعته عن الصدام في مصر منذ 1992 حتى قال لي مجدي كمال «انتهى وقت الكلام وجاء وقت العمل»، وليسألوا الظواهري الذي تحول هو وأتباعه إلى عملاء للاستخبارات السودانية، ثم لما انهار التنظيم وسقطوا بين قتيل وأسير وطريد أعلن عن وقف العنف العام 1995، ثم أرسلوا إليّ يطلبون أن أعيد صلتي بهم، فقلت لهم: هيهات، فما زدت في (الوثيقة) على أن كتبت ما قلت لهم وكررته منذ العام 1992، فأين التراجع والتبديل؟ بل إن بعض ما في «الوثيقة» موجود في كتابي «الجامع» الذي سرقه الظواهري وحرفه حتى لا يعرف الناس عيوب الحركات الإسلامية ومخازيها، فأين التبديل، والفقيه هو من يختار من الشرع ما يناسب الواقع من حرب أو سلم أو صلح أو غير ذلك، لا من يقف في قالب جامد يورد أصحابه المهالك بجهله بالشريعة.
الظواهري طلب من أميركا أن تتفاوض معهم (صحيفة «الحياة» عدد 21/12/2006 صـ 4 في نهاية 2006)، فأين (الصامدون) وأين (الثابتون على العهد) ومن المتراجع والمبدل؟، وسبقه إلى ذلك شيخه بن لادن الذي طلب الهدنة من أميركا أول 2006 (صحيفة «الحياة» عدد 20/1/2006 ) فها هم يطلبون الهدنة والتفاوض بعدما وصلوا إلى طريق مسدود، وبعدما خانوا الصديق وغدروا بالعدو وجلبوا الكوارث على المسلمين ودمروا «طالبان» والعراق وهربوا عن نسائهم وأطفالهم وإخوانهم الذين تركوهم بين أسير وقتيل وشريد، فمن الذي تراجع؟ إنهم شيوخك قادة «القاعدة» تراجعوا بعدما كذبوا وخانوا وغدروا.
> بعض الإسلاميين في الخارج تساءلوا: لماذا تكتب عن ترشيد الجهاد وقد أعلن تنظيم الجهاد عن وقف عملياته بمصر منذ العام 1995؟
- لا أكتب لجماعة أو ضد جماعة بعينها، العلم يكتب لكل الناس، أما التنظيم المذكور فقد قطعت صلتي به من أول 1993، وقد نفذ في 1995 ما نصحته به العام 1992 من عدم الصدام في مصر، ولكن وصل إلى هذه القناعة بعد انهياره وإفلاسه وتشتت أتباعه بين قتيل وأسير وطريد... وأما المخالفات الجسيمة التي ترتكب باسم الجهاد في أماكن مختلفة من العالم فما زالت تحدث خصوصاً من المتأثرين بالمنهج المنحرف لـ «القاعدة»، والمخالفات في العراق شبه يومية، ومن قريب وقع حادث قتل السياح الفرنسيين في السعودية وظهر أنهم مسلمون، ومن قريب وقع حادث تنظيم الأطباء الهنود في بريطانيا، وكل حين يسقط تنظيم من صغار الشباب في مصر ممن تم تجنيدهم من طريق الإنترنت وهؤلاء يعرفون في السجون باسم «الإخوة نت». فالقول بأن المخالفات انتهت غير صحيح وخلاف الواقع. والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والجهاد ليس محصوراً في تنظيم معين كما يظن هذا، بل هو شريعة ماضية إلى آخر الزمان.
> بعض التنظيمات أنكرت أن تكون هناك جماعات تقتل على الجنسية وإنما في إطار حربها مع الغرب أو الانظمة العربية؟
- هذا غير صحيح لأن تنظيم القاعدة وبن لادن أعلنوا أكثر من مرة أنهم يستهدفون الأميركيين من دون تمييز، وهذا ما فعلوه في 11 أيلول وهذا قتل على الجنسية... ثم إن المتعاطفين معهم نفذوا تفجيرات مدريد في 2004 فقتلوا الاسبان من دون تمييز، وكذلك حدث في تفجيرات مترو لندن في 2005 فقتلوا البريطانيين من دون تمييز، وهذا كله قتل على الجنسية، وقد ذكرت الأدلة على فساد ذلك في (الوثيقة) وأن الانتساب إلى بلد ما ليس دليل كفر أو إيمان وليس دليل استباحة دم أو مال، فقوله هذا مكابرة، وقد قال الشاعر: «وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل».
> ما الداعي لإصدار الوثيقة والجماعات الجهادية الموجهة لها الوثيقة كانت مثلاً تبرأت علانية من الجماعة المسلحة الجزائرية لما تيقنت من إسرافها في الدماء؟
- أنا لم أوجه الوثيقة لجماعة بعينها لأنني قد يئست من إصلاح هؤلاء منذ العام 1992، وكما يقال (كبر الكبير على الأدب)، وإنما أنا أكتب لكل الناس، المسلم وغير المسلم، الموجود ومن لم يولد بعد.
أما قول هذا القائل «إنهم تبرأوا من الجماعة المسلحة الجزائرية»، فهذه العبارة تدل على جهل قائلها بالدين وعدم دراسته عقيدة أهل السنّة، لأن المسلم لا يجوز لمسلم أن يتبرأ منه إن أخطأ وإنما يتبرأ من عمله المنكر، أما الذي يتبرأ من شخصه فهو الكافر، ودليل الأول: قول الله تعالى «وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فأن عصوك فقل إني بريء مما تعملون»، الشعراء 215 - 216، وأيضاً قول النبي (صلى الله عليه وسلم): «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» «رواه البخاري... ودليل الثاني» أي التبرؤ من شخص الكافر ومن عمله قول الله تعالى: «قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برء منكم ومما تعبدون من دون الله» الممتحنة 4. فليحذر هذا الجاهل في كلامه وليتعلم دينه قبل أن ينتقد غيره، وهذه الفائدة قد نبهت عليها في «الوثيقة»، لأن قوله إنهم تبرأوا من الجماعة الجزائرية هو تكفير ضمني لها.
- وأما قوله إنهم تبرءوا من هذه الجماعة، فحقيقة الأمور غير ذلك، والصحيح أن هذا الذي يصيح من لندن هو وشيخه الظواهري لما أفلسوا في مصر تعلقوا بشيء يبقي لهم حضوراً في العمل الجهادي فظلوا يشجعون الجماعة الجزائرية في نشرات «الأنصار» و «المجاهدون» وذلك لسنين، وظلوا يبررون لهذه الجماعة قتل المدنيين وقتل النساء والأطفال وأعمال الخطف والاغتصاب، وهذا من الذي وصفته في الوثيقة بـ «فقه التبرير» كما يبررون اليوم جرائم بن لادن، فلما بلغ السيل الزبى تبرأوا من الجماعة الجزائرية بعدما ورطوها وزينوا لها أعمالها، فكانوا وهذه الجماعة كما قال الله تعالى: «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين» الحشر 16-17، ثم إن هذا التبرؤ لم يستمر طويلاً فلم تمض بضع سنين حتى عادت الجماعة الجزائرية الى أحضان تنظيم القاعدة، وسمت نفسها «قاعدة الجهاد ببلاد المغرب»، فكلامه هذا خلاف الواقع والحقيقة، فضلاً عما فيه من أخطاء شرعية. وأقول لهذا الذي يصيح من لندن: تعلم دينك قبل أن تتكلم في الدين أو تنتقد.

الحلقة الرابعة:
> ما قولك في من يقول إن «الوثيقة» من صنع الاستخبارات المصرية أو على الأقل أشرفت على إعدادها؟
- هم يعلمون مسبقاً أنهم لن يستطيعوا الرد على ما جاء في الوثيقة لأنني لا أتكلم إلا بدليل من الكتاب أو السنة، فلم يبق أمامهم إلا تجريح صاحب الوثيقة بأنها من صنع الاستخبارات وأجهزة الأمن، والنبي (صلى الله عليه وسلم) لم يسلم من السب والاستهزاء فكيف بنا نحن؟ قال أعداؤه «إنما يعلمه بشر» (النحل 103)، وقالوا «أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً» (الفرقان 5)، وقالوا «أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر» (الأنبياء 5)، وقالوا «ياأيها الذي نُزِّل عليه الذكر إنك لمجنون» (الحجر 6).
والرد على هذه الفرية كالرد على قولهم إن الوثيقة وليدة السجون. فهل كنت أنا في سجون السلطات المصرية عندما أنكرت على «جماعة الجهاد» الصدام في مصر العام 1992 وأنا في باكستان، ثم في السودان في 1994، ثم شجعت أسامة صدّيق في ألمانيا على إعلان مبادرته عام 2000، فهل كنت لدى الاستخبارات المصرية حينئذ؟
أما الذين هم من صنع الاستخبارات فهم بن لادن والظواهري وأتباعهما الذين عاشوا ألعوبة في أيدي الاستخبارات السودانية كورقة سياسية بعدما باع الظواهري إخوانه وحولهم إلى عملاء ومرتزقة لنظام حسن الترابي وعلق إخوانه على أعواد المشانق وملأ بهم السجون المصرية عمالة للاستخبارات السودانية. ثم عاشوا كلهم بعد ذلك في كنف الاستخبارات الباكستانية التي كانت تستعملهم ورقة سياسية في المعادلة الإقليمية في شبه القارة الهندية وفي أسيا الوسطى.
> لكن وجودك داخل سجن مصري يجعل المعترضين على وثيقتك في موقف أقرب إلى هؤلاء المقتنعين بفكر الجهاد؟
- العبرة بدليل كلامي لا بمكانه، وأكرر لماذا يخافون من كلامي ويستبقون نشر كلامي بالهجوم والتجريح؟ أليس هذا دليل إفلاسهم؟ ألم يصفوني في يوم من الأيام بأنني «مفتي المجاهدين في العالم»؟ وألم يصفوني بأنني «العالم المرابط والمفتي المجاهد»؟ وذلك في دعايتهم لكتابي (الجامع) قبل فراغي منه، فلما اطلعوا عليه كتموه وحرّفوه وشوهوه وسرقوه، واليوم لما سمعوا بالوثيقة إذا بهم يسفهون، وفعلهم هذا كفعل اليهود مع عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان ابن سلام من علماء اليهود في المدينة، فلما وصلها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد الهجرة آمن بن سلام وقال للنبي (صلى الله عليه وسلم) «إن اليهود قوم بهت»، فأسألهم عنى قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) «أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: «خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا»، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) «أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقّصوه، قال - ابن سلام - هذا ما كنت أخاف يا رسول الله». وقد أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن بعض المسلمين سيفعل كما فعل اليهود بقوله «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث متفق عليه: فهؤلاء فعلوا معي كما فعل اليهود مع عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
> ألم يرد في ذهنك عند إعدادك الوثيقة أن نشرها يصب في خانة الأعداء وأنها يمكن أن تخدم كارهي الإسلام؟
- نحن أتُّهمنا بهذه التهمة أثناء مشاركتنا في الجهاد الأفغاني ضد الشيوعية قالوا إننا عملاء لأميركا وأن جهادنا يخدم أميركا ضد الروس، وكان بن لادن نفسه يشترك في اجتماعات مع أجهزة الاستخبارات، والحقيقة ليست كذلك، وإذا كانت أميركا استفادت من الجهاد الأفغاني ولهذا دعمته فإن هذا قد حدث (وفاقاً لا اتفاقاً)، وكذلك استفاد المسلمون.
الله سبحانه يأمرنا بأن نعطي الكافر أحياناً سهماً من الزكاة (سهم المؤلفة قلوبهم) وهذا فيه مصلحة للكافر والمنافق، ولكن مصلحة المسلمين في ذلك أكبر.
والنبي (صلى الله عليه وسلم) سنّ لنا أن نعطي الكفار بعض المال ليكفوا أذاهم عنا عند ضعفنا كما أراد أن يفعل مع غطفان في غزوة الأحزاب، وهذا فيه مصلحة للكفار، ولكن مصلحة المسلمين أكبر بدفع أذى الكفار وتفريق شملهم.
والنبي (صلى الله عليه وسلم) صالح كفار مكة في الحديبية وقدم لهم تنازلات بما لم يحتمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى قال «لم نعط الدنية من ديننا»، فكان هذا الصلح يصب في خانة الأعداء، ومع ذلك فقد كانت مصالح المسلمين فيه أعظم حتى سماه الله فتحاً في قوله تعالى «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً» (الفتح 1)، فليس كل ما يصب في خانة الأعداء ممنوعاً أو مذموماً شرعاً، خصوصاً إذا ما حدث هذا وفاقاً لا اتفاقاً، فكيف وصلح الحديبية ومن قبله الشروع فيه مع غطفان قد حدث اتفاقاً؟
--> والنبي (صلى الله عليه وسلم) نهانا عن الغدر في كل الأحوال، واتفق أهل العلم - كما نقلته في الوثيقة عن الشيباني والشافعي وابن قدامة رحمهم الله - على تحريم الغدر بالعدو، وأن من دخل دار الحرب بأمان أهلها (ومن التأشيرة ولو كانت مزورة) فإنه يحرم عليه أن يعتدي عليهم في نفس أو عرض أو مال، وفى هذا مصلحة للكفار، أي أننا إذا التزمنا بعدم الغدر بهم كما تأمرنا الشريعة فإن هذا يصب في خانة الأعداء، ولكن مصالح المسلمين في ذلك أعظم، ويكفيك دليلاً على ذلك الأضرار التي وقعت على المسلمين ليس في أفغانستان والعراق فقط بل في كل دول العالم بسبب غدر بن لادن والظواهري وأتباعهما جراء أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، والله ليحملن كل هذه الأوزار على ظهورهم يوم القيامة إن شاء الله. فلو أنهم التزموا الشريعة ولم يغدروا لكان في هذا مصلحة لأميركا ولكن مصلحة المسلمين في ذلك أعظم بدفع كل هذا الدمار عنهم ولهذا فقد قال الله تعالى «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» (الأنبياء 107)، فقال (للعالمين) ولم يقل: للمسلمين فقط.
> هل معنى ذلك أنك على يقين بأن في وثيقتك فائدة للمسلمين وأعدائهم في آن؟
- ليس معنى أن تعمل عملاً مشروعاً ثم يستفيد منه الكفار أن هذا يقدح في صحة العمل ومشروعيته، هذا غير صحيح للأدلة السابقة ونحوها، وكذلك «الوثيقة» كم ستنقذ من شباب المسلمين الذين تتصيدهم «القاعدة» على الانترنت لتغرس فيهم منهج الغدر والخيانة؟ وكم ستنقذ من أتباع «القاعدة» والمعجبين بها ليتداركوا أمرهم بالتوبة قبل أن ترفع لهم رايات الغدر عند أدبارهم ليفتضحوا بها يوم القيامة، وكم أخرجت الوثيقة أناساً من السجون وأدخلت السرور والعمار على بيوت امتلأت حزناً وخراباً؟ وكم... وكم...؟ فإذا استفاد أعداء الإسلام من الوثيقة فهذا شيء وارد ويحدث (وفاقاً لا اتفاقاً) كما استفادوا من مشاركتنا في الجهاد الأفغاني، ولكن المصلحة للمسلمين في هذا أعظم، فليس كل ما يفيد العدو مذموماً.
> هل معنى ذلك أن مبرراتك لا يدرون بها وليسوا على علم بما تقول؟
- أكرر ما قاله بعض السلف «لو سكت الجاهل سقط الخلاف»، ولكن لعل الأمر هو كما قال الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت : أتاح لها لسان حسود
وقال الله تعالى «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون» (الأنبياء 18).
> ضمن ردود الفعل على الوثيقة قول بعضهم: على من تقرأ مزاميرك يا داود؟
- أولاً أن ذكر الأنبياء - كداود - عليهم السلام في مواضع الهزل والسخرية هو استهزاء بالأنبياء وهذا كفر بإجماع المسلمين كما نقله القاضي عياض في (الشفا) وابن تيميه في (الصارم المسلول) رحمهما الله ودليل ذلك من كتاب الله قوله تعالى «ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم» (التوبة 65 – 66)، وكل إناء بما فيه ينضح.
> قد يقول البعض الآن بأنك لا تقبل نقداً لوثيقتك؟
- أعود وأكرر السؤال: لماذا يخافون من كلامي؟ وأنا لم أفرض كلامي على أحد وليست لي سلطة على أحد، فلماذا يخافون من كلامي؟ أم لأنه لم يوافق هواهم؟ فأصبح الهوى هو معيار القبول والرفض لا الانقياد للدليل الشرعي كما يوجب الإيمان في قوله تعالى «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً» (الأحزاب 36).
وأنا لا أدعي العصمة وأرحب بأي نقد علمي للوثيقة أما الغمز واللمز والسخرية خصوصاً إذا طالت الأنبياء عليهم السلام فلا ألتفت إليها كما قال الله تعالى «والذين هم عن اللغو معرضون» (المؤمنون 3)، ولكن أنبه على ما في ذلك من الضلال حتى لا يغتر به غيره فيقلده.
> هل تشعر بأن النقد الحاد للوثيقة من جانب البعض جاء متسرعاً؟
- هل من العقل أن ينتقد إنسان شيئاً لا يعرفه؟ وهل من الشرع أو العقل أن ينتقد إنسان الوثيقة قبل أن يقرأها أو بعد قراءة حلقة واحدة مما نشر من أولها؟ وهل يعد فاعل ذلك من العقلاء أو من أهل الدين؟ والله سبحانه يقول «وما شهدنا إلا بما علمنا» (يوسف 81)، والبعض شهدوا قبل أن يعلموا فأي دين بل أي عقل لدى هؤلاء؟.
> من ردود الفعل على وثيقتك إعلان بعض الإسلاميين في الخارج أنهم سيردون على «الوثيقة» من كتابيك «العمدة في إعداد العدة» و «الجامع في طلب العلم الشريف».
- أقول لهؤلاء إن الذي كتب «العمدة» و «الجامع» هو الذي كتب «الوثيقة»، فهل هم يعلمون ما بكتبي ومرادي منها أكثر مني؟ وكيف أعلنوا العزم على الرد على «الوثيقة» قبل أن يكتمل نشرها ومن دون أن يطلع على كل محتواها إلا إذا كان خبيث النية سيئ الطوية؟ ولماذا أصلاً يتمسك من يقول ذلك بكتاب «الجامع» الآن في حين أن الظواهري كتمه وسرقه وحرفه وهدد من سعى إلى طبعه من دون تحريف.
> أليس من حقهم الرد؟
- على أي شيء يُردّ في «الوثيقة»؟ هل سيُرد على النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله «إنا لا يصلح في ديننا الغدر»؟ أم هل سيرد على الشيباني والشافعي وابن قدامة أقوالهم المؤدية إلى بطلان عمليات «القاعدة» التي يدافع عنها في دار الحرب؟ أم هل سيرد على أبي عمر بن عبد البر قوله المؤدي إلى بطلان قتل السياح في بلادنا؟ أم هل سيرد على الصحابي الشهيد خبيب بن عدي رضي الله عنه امتناعه عن قتل طفل من المشركين أو أخذه رهينة مع قدرته على ذلك؟ أم هل سيرد على النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه لم يأمر بالجهاد من بقي في مكة من المستضعفين بعد الهجرة وتشريع الجهاد، وكذلك لم يأمر به مهاجري الحبشة؟ أم هل سيرد على الله تعالى نهيه للمسيح عليه السلام عن قتال يأجوج ومأجوج للعجز؟ أم هل سيرد على الله تعالى قوله «ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج» (التوبة 91)، فأسقط وجوب الجهاد عن فاقد النفقة؟ حتى لا يأتي جاهل يريد الجهاد وتلزمه سيارة فيسرقها ويقتل السائق والتباع ثم يعلق على المشنقة، كما حدث. أم هل سيرد على الله تعالى نهيه عن القتل العشوائي في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا» (النساء 94)؟ وهو لا يريد أن يتبين. أم هل سيرد على الله تعالى نهيه عن العدوان حتى في الجهاد في قوله تعالى «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة 190)؟
> هم سيردون عليك أنت؟
- أنا ما ذكرت شيئاً في (الوثيقة) إلا بدليل مِن، قال الله تعالى أو قال النبي (صلى الله عليه وسلم) فمن أراد أن يرد على شيء فهو لا يرد علي وإنما يرد على الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، قال الله تعالى «ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق» (الكهف 56)؟ وقال الله تعالى «ولا تكن للخائنين خصيماً» (النساء 105)، وأقول لمن يدافع عن قادة القاعدة: أصحابك هؤلاء كابن لادن والظواهري وأتباعهما من الخائنين الغادرين، وقد نهاك الله سبحانه عن المخاصمة نيابة عنهم فقال تعالى «ولا تكن للخائنين خصيماً» (النساء 105)، وكل من استحسن أفعالهم فهو شريكهم في الإثم، وهم الآن واقعون في دائرة الفسق لارتكابهم كبائر الكذب والخيانة والغدر وما بقيت إلا شعرة لتخرجهم من دائرة الفسق إلى دائرة الكفر، وقال السلف «إن المعاصي بريد الكفر» أي من مقدماته كما قال تعالى «ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون» (الروم 10)، فاتق الله ولا تكن أنت وشيوخك من الذين قال الله تعالى فيهم «وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد» (البقرة 206)، أما المؤمنون فهم كما وصفهم الله تعالى «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» (آل عمران 135).
> ماذا تقول لمن نصحك بالعودة عن ما فعلت؟
- أقول له أمامك النجدان والسبيلان فاختر ايهما شئت قال تعالى «وهديناه النجدين» (البلد 10)، وقال تعالى «إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً» (الإنسان 3)، والأكرم لكم في الدنيا والآخرة الاستغفار وعدم الإصرار على المعصية، فإن المؤمن رجّاع أوّاب، فانصح نفسك وشيوخك قادة «القاعدة» بذلك.
وهؤلاء تصرفوا مع كتبي كما فعل اليهود مع عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وقد ذكرت خبره معهم من قبل، إذا أعجبهم ما في كتبي قالوا عني «مفتي المجاهدين في العالم» مع أنني لا أدعي ذلك، وإذا لم يعجبهم ما في كتبي قالوا: كتبها في السجن وهذا إكراه مع أنني لا أقر بذلك، فهل هؤلاء من العقلاء؟.
> كيف تفسر إقبال الشباب على الانتماء الى الجماعات الإسلامية؟ وهل للظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تأثير في اختيارات الشباب؟
- الالتزام الديني والتدين أمر واجب وهذا أمر مفروغ منه لكن ربما تقصد ذلك الغلو والاندماج في تنظيمات تستغل الدين أكثر مما تعمل به والحقيقة أن الظروف الدولية والإقليمية المحيطة زادت من الظاهرة ولا أخفيك أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد تكون سبباً ايضاً لكن أعلم أن المسلم الذي يجد نفسه غريباً في محيطه فاقداً للأمل في مستقبل طبيعي يجد نفسه مميزاً حين يدخل في تنظيم ما. أنا رأيت شباباً جاءوا الى باكستان وبعد شهرين أو ثلاثة صاروا في عيون البعض «شيوخاً»، وحتى في المجتمعات العربية فإن مجرد إطلاق اللحية وارتداء الجلباب قد يجعل أحدهم مميزاً عن غيره في المجتمع الصغير المحيط به.
الحلقة الخامسة:
بعض المواطنين العاديين يتساءلون: كيف تقدم خطباً تقر فيها العنف في كتابين ثم تعود بعد سنوات وتقر بخطأ العنف، وهذا يتفق مع مواقف إسلاميين معارضين للوثيقة يرون فيها تناقضاً مع كتابيك «العمدة في إعداد العدة» و «الجامع في طلب العلم الرشيد»؟
- أنا نهيت «جماعة الجهاد» عن العمليات في مصر عام 1992 وهو ما ذكرته في الوثيقة قبل أن أكتب «الجامع في طلب العلم الشريف» واسألوا الظواهري عن ذلك، وما في «العمدة في إعداد العدة» و «الجامع» أحكام مطلقة أي مجرد علم لا يجوز تنزيله على الواقع «أي الفتوى به» إلا من مؤهل للفتوى.
وأنا عادة ما أضرب مثلاً لتقريب فهم هذا الفارق من واقع مهنتي: وهو أن الجرّاح الكبير يعلم الجرّاحين الصغار كيف يجرون العمليات أي مجرد علم (وهذا ما في العمدة والجامع) ثم قد يأتي جراح صغير بمريض يريد أن يجري له العملية التي تعلمها، وهذا تنزيل للعلم على الواقع، فينهاه الجراح الكبير عن العملية لأنها ستفشل وقد يموت المريض الذي لا تسمح حالته بذلك (وهذا ما في الوثيقة) ومن هنا نقول: الجراح الكبير يقرر إجراء العملية والجراح الصغير يجريها.
فكيف لشخص أن يرد علي من كتبي وهو لا يدرك ضوابط تنزيل الأحكام المطلقة على المعيّنين ولا هو من المؤهلين للفتوى، كل ما يمكن أن يفعله أن يأتي بكلام من كتاب وعكسه من كتاب آخر وهو لا يدرك سبب ذلك فيظنه بجهله تناقضاً، هذا غاية ما يمكنه أن يفعله وهو ما سبقه إليه بعض الخونة ممن وصلت إليهم بعض مسودات قديمة متناثرة لي كأمانات فلم يفقهوا ما فيها، ومنها أشياء غير مكتملة وفيها شبهات كنت أنوي الرد عليها، فنشروها بغير إذني فظهر للناس كأن الشبهات هي رأيي، فكان صنيعهم كمن نقل للناس «لا تقربوا الصلاة» وسكت، أو «فويل للمصلين» وسكت، هؤلاء الخونة كانوا يمكرون ويجهّزون للرد على «الوثيقة» منذ أشهر انتصاراً لتنظيم «القاعدة» فساروا على درب شيخهم الظواهري في خيانة الأمانة والاعتداء على كتبي ومسوداتي، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) «من اطلع في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في جهنم»، ونشروا قصاصات غير مكتملة بغير إذني، فلم يمهلهم الله تعالى ليتموا مكرهم وخيانتهم وعاجلهم بالعقوبة فسقط أحدهم، وشرد الله بقية الخائنين، فمات هذا خائناً للأمانة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) - في الصحيح - «يُبعَث كل عبد على ما مات عليه»، وقال (صلى الله عليه وسلم) - في الصحيح – «إنما الأعمال بالخواتيم»، وقتل رجل في الغزو فقال الصحابة: شهيد، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) «كلا إنه في النار في عباءة غلها» فكيف بمن مات ويبعث يوم القيامة خائناً للأمانة؟ قال تعالى «فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم» (الأنفال 71)، «وإن في ذلك لآية» (الشعراء 8)، فليحذر كل خائن وماكر فإن الله سريع الحساب والسعيد من اتعظ بغيره.
> ألا تخشى أن يأتي أثر «الوثيقة» ضعيفاً لأن الجهاديين يستخفون بمثل تلك المبادرات؟
- أنا ما كتبت الوثيقة من أجل فلان أو فلان، كما لم أطلب من أحد أن يوافق عليها، وإنما كتبتها من باب المسؤولية الشرعية لما علمت أن بعض المتفلتين من الشريعة كتنظيم «القاعدة» يستخدم كتبي في تجنيد أفراده، فقد يظن هؤلاء أن سكوتي دليل موافقتي على المخالفات الشرعية في الجهاد سواء وقعت هذه المخالفات من «القاعدة» أو غيرها، و «السكوت في موضع الحاجة بيان» فكان لا بد من أن أتكلم لتبرئة ساحتي مما يقع من مخالفات في الجهاد وأبيّن ما أراه الحق والصواب فيها، قبله الناس أو رفضوه، وقد قال الله تعالى «ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً» (المائدة 41).


أسامة بن لادن (أ ب)
> لكن الجهاديين يسمعون لابن لادن والظواهري وغيرهما وربما يقتنعون بأن عمليات مسح مخ مثلاً أجريت لك ولإخوانك الذين أيدوا الوثيقة؟
- القول بأن الجهاديين يستخفون بذلك، فهذا من قلة عقل من قال ذلك لأنه يظن أنه هو وأصحابه هم كل الجهاديين في العالم، وكأنه يعلم الغيب ويحكم على الأجيال الناشئة أنها ستكون كلها مثلهم، وأنا لا أكتب لأهل مكان أو زمان معيّنين وإنما أكتب لكل موجود وكل مولود مما يشاء الله، والإنسان إذا قال الحق فقد أدى ما عليه ولا يضره ألا يقبله أحد، فقد أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يوم القيامة «يأتي النبي وليس معه أحد» الحديث متفق عليه، أي أن بعض الأنبياء لم يتبعه ولا إنسان واحد، فكيف بنا نحن؟ أما «الوثيقة» فقد تلقاها مئات الأخوة الجهاديين في مصر بالقبول والاستحسان ومنهم شيوخ بعض المقيمين في الخارج، والذين اعترضوا هم من الفاشلين ولهم مخاز سترتها عليهم، وما منعهم من ذلك إلا الكبر وعدم الانقياد للشريعة. والقول بإن بعض الجهاديين يستخفون بهذه المبادرات مبرر لفشلهم المزمن، وسبب لانهماكهم في سفك الدماء بغير حق، وسبب دفعهم لإخوانهم بالجملة إلى المشانق والسجون من غير طائل بسبب جهلهم بالشريعة.
> بماذا تفسر حدة الانتقادات التي وجهت إليك من بعض الإسلاميين المعترضين على الوثيقة بما اخرج الأمر من مجرد نقاش إلى حد الصراع؟
- بداية أقول للقارئ الكريم، أعلم أن الخصم إذا لجأ إلى السباب والتجريح والبذاءة فإن هذا يدل على أن لا حجة له ولا دليل عنده، أما ما أحب أن أقوله: أني رأيت واحداً من هؤلاء في السودان منتصف العام 1994، ولم يكن هناك ما يستدعي لجوءه إلى أوروبا، ونصحه أخوانه بعدم اللجوء إليها وحذروه من الفتن في بلاد الغرب وأنه لا يحل له اللجوء (والأسماء موجودة والشهود أحياء) فرد عليهم: «ومن فين المم للأولاد»؟ والمم هو الطعام بلغة الأطفال في مصر، يعني هو قَبِل أن يلجأ إلى بلاد الكفار وأن تجرى عليه قوانين الكفر باختياره من أجل المم، فما دخله بالجهاد، وليست له فيه سابقة لا علماً ولا عملاً؟
> هل رصدت تناقضات في ردود الفعل الرافضة للوثيقة؟
- قال أحدهم في بيان له إن جهاد هذه الأنظمة واجب، وناقض نفسه وقال إن شيخه الظواهري وتنظيمه أعلن وقف العمليات في مصر من 1995، فكيف يُفسر هذا التناقض؟ وإذا كان الجهاد واجباً فليخرج من حماية الدولة الكافرة التي يحتمي بها ويأتي إلى مصر ويعطينا القدوة العملية ويرينا كيف يجاهد؟ أم أنه يكفيه الصياح من أوروبا في الفضائيات؟ فليترك الجهاد بالريموت كنترول وينزل إلى أرض الواقع وينفذ ما يدعو إليه.
> يقول بعضهم أنك لم تقم بمراجعات وإنما تراجعات؟
- قال الله تعالى «لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (الصف 2-3)، وقال تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون» (البقرة 44)، من قال هذا اقول له: تعال إلى مصر وافعل ما تقول حتى تخرج من مقت الله وغضبه، وأرنا كيف تجاهد فعلاً وليس بالريموت كنترول؟.
أنا نصحتهم بعدم الصدام في مصر العام 1992، وفي باكستان وأول 1994 في السودان، وأصر شيخهم الظواهري على الصدام وباع إخوانهم للسودانيين ولما تحطم أعلن وقف العمليات في 1995 فمن الذي تراجع؟ بعدما علق إخوانهم على المشانق وحشرت بهم السجون من دون أي فائدة ومن دون أن يقدم لهم مساعدة في سجونهم.
لقد شجعوا الجماعة الجزائرية على سفك الدماء وبرروا أفعالهم في نشرتهم «الأنصار» وفي نشرتهم «المجاهدون» ثم تبرأوا من ذلك بعدما ورّطوهم، فمن المتراجع؟ واليوم يبررون لابن لادن غدره وخيانته لماذا سبقوا الأحداث ويعلنون أن تأثير الوثيقة سيكون ضعيفاً؟ وما أدراهم، هل يعلمون الغيب أو يأتيهم الوحي؟
> ربما رصد بعضهم في الأجزاء الأولى من الوثيقة ما يستحق النقد؟
- كيف يحكمون على «الوثيقة» حتى قبل أن يكتمل نشرها؟ والله سبحانه يقول «وما شهدنا إلا بما علمنا» (يوسف 81)، أين دينهم بل أين عقولهم؟ كيف يصف أحدهم «الوثيقة» بأنها تصب في خانة الأعداء ـ وقد بيّنت فساد هذا القول وتلبيسه على الجهال من قبل ـ وهو ما يترك له الكفار مركزه إلا للحصول على المعلومات المجانية عن إخوانه للأضرار بهم؟ هل نسيتم ما فعلوه مع أصحابه بسبب الفاكس الذي جاءهم من باكستان؟، الكفار عنده يعلمون جيداً أن شيخه الظواهري كلفه بأن يكون مركزاً للدعاية والتمويل والاتصالات لهم، كما يعلمون أنه المسؤول عن إصدار مجلة «المجاهدون» الخاصة بجماعة «الجهاد»، كما يعلمون أنه الآن البوق المدافع عن الظواهري وتنظيمه «القاعدة» تنظيم الغدر والخيانة، وقد قال الله تعالى «ولا تكن للخائنين خصيماً» (النساء 105). مراكزهم في أوروبا هي التي أوقعت بالمسؤولين عن تفجيرات نيروبي ودار السلام وهم الآن في سجون أميركا، إن فاكسات شيخهم الظواهري من باكستان وأوروبا هي التي سجنت إخوانهم، فمن الذي يضر بالمجاهدين؟ أن مكالمات عادل عبد المجيد في لندن، ومكالمات آخر كان في أذربيجان وآخر كان في الإمارات هي التي أوقعت بمجموعات «الجهاد» في مصر وساقتهم بالجملة إلى المشانق والسجون، فمن الذي يضر بالمجاهدين؟ إن مكالمات لندن هي التي أوقعت بإخوانهم في ألبانيا فمن الذي يضر بالمجاهدين؟ هل يُستغل جهل الناس بما حدث فيتم تضليلهم؟ والأسماء والتفاصيل كلها موجودة، ولكن الله أمر بالستر.
> البعض يرى أن هذا الجيل العقائدي لا يثق إلا بالمشايخ المرابطين في الثغور وساحات القتال؟
- إن أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري رحمهم الله لم يكونوا كذلك فهل لا يثقون بهم وبعلمهم؟ أنهم في جماعة الجهاد وصفوني في مجلتهم «المجاهدون» التي كانت تصدر من لندن بأنني «مفتي المجاهدين في العالم» وبأنني «العالم المرابط والمفتي المجاهد» فما قولهم الآن؟ لأن كل ما في كتابات الظواهري من أمور شرعية أنا الذي كتبتها له، والتدريب العسكري الذي حصل عليه بعضهم في أفغانستان بل أي شيء نافع فعلته جماعة «الجهاد» كان أثناء صلتي بها ولكن عادتهم أنهم يجحدون النعمة ويعضون اليد التي أحسنت إليهم فلما قاطعتها «الجماعة» صارت مخذولة بقدر الله فوقعت في الكذب والعمالة وتحريف كتب العلم الشرعي وتبرير ما حدث في الجزائر ثم الإيقاع بإخوانهم في مصر ودفعهم إلى المشانق والسجون بالجملة ثم الغدر والخيانة في أحداث ايلول (سبتمبر) وأخواتها.. أما بن لادن فقد كان يكتب له خطبه أتباعه من موريتانيا واليمن (والأسماء موجودة) من طلبة العلم وقد أنكروا عليه ما فعله في ايلول (سبتمبر) لأنهم لم يعلموا بها إلا بعد وقوعها فمن هم الشيوخ المجاهدون؟ هل هم شيوخ الغدر والخيانة بن لادن والظواهري أم آخرون لا نعرفهم؟ إن الظواهري نفذ عمليات في مصر عام 1993 لمجرد أن يقلد الجماعة الإسلامية وللدعاية كما صرحوا لي بذلك لما نهيتهم عام 1992، أي أنها عمليات للرياء، والرياء من الشرك ثم لجأوا لتمويل العمليات إلى العمالة للمخابرات السودانية، وهكذا المعصية تسوق صاحبها إلى معصية حتى انتهى أمره إلى غزوات الغدر والخيانة في 11/9/2001 فأين هم الشيوخ المرابطون؟.
> بعض المعترضين على الوثيقة قالوا إنهم يخشون تأثيرها في الجهاد كقيمة في الاسلام؟
- الجهاد ماض وسيستمر والخلافة قادمة بإذن الله وقبل ظهور المهدي رضي الله عنه، هكذا أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) كما ذكرته في آخر بنود الوثيقة، ولكن «وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» (آل عمران 126)، وما عند الله لا ينال بمعصيته ولا بالغدر والكذب والخيانة، وإنما ينال بطاعته والمؤمن أوّاب ولا يكن للخائنين مدافعاً ومنافحاً.


حسن الترابي (أ ف ب)
> هل كنت تتوقع خريطة المعترضين على الوثيقة بين من هم داخل السجون المصرية والمقيمين في الخارج؟
- جماعة الجهاد حاكمت صبياً في السودان وقتلته عام 1995 بتهمة العمالة للمخابرات المصرية، ولم يحاكموا أميرهم أيمن الظواهري بتهمة العمالة للمخابرات السودانية، (إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد)، ولكن الذين يصفونهم بالمعارضين للوثيقة: منهم أحمد سلامة مبروك الذي تسبب في سجن غالبية أفراد الجهاد باتصاله بهم تليفونياً من الخارج، ومنهم مجدي سالم الذي تسبب في سجن نحو ألف فرد من الجهاد لمجرد مجاملة «الجماعة الإسلامية» لما أراد شن عمليات ليشغل الأمن عن الضغط على الجماعة في إمبابة فأمر أصحابه بسرقة سيارة لينقل بها سلاحاً من معسكر يعمل به أصحابه، فسرقوا السيارة وقتلوا سائقها وتسلسل الخيط للإيقاع بألف رجل بين قتيل وسجين، ومنهم محمد الظواهري الذي يريد أن يتعهد للحكومة في السر والذي عندما أراد إخوانه في جماعة الجهاد أن يجعلوه رئيساً للجنة العسكرية قال لي احمد سلامه مبروك (الإخوة لا يعرفون محمد الظواهري كما عرفته في السعودية، ومحمد يوجد في عقله شىء مثل أخيه أيمن)، هؤلاء يجب أن تعقد لهم محكمة شرعية على فشلهم والإضرار بإخوانهم.
> كيف تخطط لمواجهة المعترضين؟
- أنا أدعو الله تعالى على كل من تكلم عني بغير حق أن يقطع الله لسانه ويده، وكنت دعوت الله على جماعة الجهاد لما مزقوا كتابي «الجامع» أن يمزقهم الله فمزقهم الله سبحانه وتعالى وذهبوا شذراً مذراً وتفرقوا أيدي سبأ. كما أنني دعوت الله على الذين خانوا الأمانة ونشروا مسودات ناقصة لي بغير إذني مكراً منهم منتصف عام 2007 ، دعوت الله أن يكفينهم بما شاء فما أمهلهم الله شهراً حتى سقط أحدهم قتيلاً، وشرد الله بقية الخائنين، ومع ما فعلوه فإني أقول (غفر الله لنا ولهم)، ولكن السعيد من اتعظ بغيره، فإن كان هناك من يكتب من أوروبا دفاعاً عن «القاعدة» الخائنين الغادرين فليعتدّ بمن سبقوه، وإن كان يكتب غيرة للجهاد فأنا أطلب منه دليلاً يثبت للناس به أنه رجل مجاهد: فليأت إلى مصر وينفذ ما يدعو إليه من الجهاد، أو يروج نداء من عنده بوجوب قتل الجنود البريطانيين والأميركيين وحلفائهم المحتلين للعراق وأفغانستان، أو يعلن تأييده هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 أو إذا كانت حراماً فليصدر بيان استنكار، أو يعلن تأييده مذبحة السياح في الأقصر في 1997 وإن كان يراها لا تجوز فليعلن بيان استنكار، وكذلك مذابح السياح في سيناء وخان الخليلي وغيرهما، فإن كان يرى أن أحداث 11/9/2001 وقتل السياح لا تجوز فهذا كلامي في الوثيقة وإن كان يراها جائزة شرعاً ليصدر بيان تأييد ومباركة لها مدعماً بالأدلة الشرعية، فإن لم يفعل هذا ولا هذا حكمنا عليه بأنه من زعماء الميكروفونات وأبطال الجهاد بالريموت كنترول.
> لماذا لم تتجاهل الرد على منتقديك وتكتفي بطرح الوثيقة؟
- قال الله تعالى «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم» (النساء 148) ومازال عندي المزيد بإذن الله لكل جاهل وعنيد وأقول لكل من يقيم في أوروبا «إذا كنت مستعجلاً ومتشوقاً للجهاد فعندك الكفار كثر، ولكن قبل ذلك تعلم دينك وتعلم ما يجوز وما لا يجوز في الجهاد حتى لا تسقط في جهنم، وأنا أعلم أنك لست من أهل العلم الذين يعتد بقولهم فأرد عليهم، ولكني رددت عليك حتى لا ينخدع بكلامك من لا يعرفك ولا يعرف بواطن الأمور، والترجيح في الدين بالأدلة الشرعية وليس باللسان الطويل البذيء. أقم وجهك للدين حنيفاً، ولا تقم وجهك لابن لادن والظواهري حتى لا تكون من الذين ذمّهم الله في قوله تعالى «ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولاً» (الفرقان 27 - 29) تدارك أمرك ولا تأخذك العزة بالإثم.
ما قولك في الجهاد في الدول الأجنبية، فهل يجوز للمسلم في بريطانيا مثلاً أن يجاهد أهل بريطانيا؟.
المسلم في هذه البلاد أحد رجلين: إما أنه ليس من أهلها وإنما دخلها بأمان أهلها (أي بتأشيرة دخول وإقامة) فهذا معاهد لهم وإن لم ينصوا على ذلك صراحة، وهذا ما ذكره الشافعي في (الأم ج 4)، وابن قدامة في (المغنى جـ 8) رحمهما الله. وهذا المسلم لا يحل له أن يخون أهل هذه البلاد في نفس أو عرض أو مال أو أن يغدر بهم باسم الجهاد. وبهذا تعلم بطلان هجمات أيلول (سبتمبر) 2001، وأنها مناقضة لشريعة الإسلام باتفاق الفقهاء رحمهم الله، ولكن أصحاب تنظيم «القاعدة» لا يعلمون.
وإما أنه من أهلها أي من مواطني هذه البلاد، والمسلمون في هذه البلاد كالدول الأوروبية والأميركية هم أقليات أي مستضعفين لا تمكين لهم، والمستضعف في دار الكفر لا يجب عليه الجهاد، ودليل ذلك أنه وبعد تشريع الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة لم يأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالجهاد من بقي في مكة من المسلمين المستضعفين العاجزين عن الهجرة المذكورين في قوله تعالى «إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفواً غفورا» (النساء 89 – 99)، فهؤلاء لا يجب عليهم قتال أهل بلادهم، وإنما ينتقلون إلى جهاد الدعوة إن قدروا على ذلك وهو الجهاد المذكور في قوله تعالى «وجاهدهم به جهاداً كبيراً» (الفرقان 52)، ومعنى (به) أي بالقرآن، فإن عجزوا أنكروا المنكرات بقلوبهم وهذا واجب في كل حال، ويجوز للمستضعف التخفي بدينه وكتمان إيمانه واستعمال الرخص الشرعية كالتقية ونحوها بحسب حاله واستطاعته كما قال الله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (البقرة 286) وكل هذه خيارات شرعية صحيحة بحسب الطاقة كما ذكرته في (الوثيقة).
إذاً ما شكل الجهاد الواجب على المسلمين في البلدان المسلمة تحت الاحتلال الأجنبي؟
أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو ببلد المسلمين صار جهاده فرض عين عليهم، فإن عجزوا عنه انتقل الوجوب إلى ما جاورهم من بلاد المسلمين، وهذا كله عند القدرة على الجهاد. أما إذا تحقق العجز وجبت الهجرة من هذا البلد، وهكذا فعل عز الدين بن عبد السلام لما نزل التتار بالشام بعد استيلائهم على بغداد (656 هـ، 1258م) هاجر ابن عبد السلام من الشام إلى مصر، وهكذا فعل الإمام القرطبي لما نزل النصارى في الأندلس هاجر منها واستقر مقامه في مدينه المنيا في مصر، ومن عجز عن الجهاد والهجرة يبقى في بلده مهادناً للعدو بما لا يوقعه في الإثم أو في إيذاء غيره من المسلمين والحكم باختصار في هذه الحال هو جاهد أو هاجر أو هادن.
ما مدى مشروعية الهجمات ضد المدنيين المنتمين للدول المحتلة في هذه الدول بحجة الجهاد أو تحت رايته؟
مسألة قتل المدنيين من رعايا الدول المحتلة في بلادهم، فهذا مشروح في (الوثيقة) وملخصه أن من دخل بلاد العدو بأمانهم (ومنه التأشيرة ولو كانت مزورة) لا يجوز له أن يغدر بهم ولا أن يخونهم في دمائهم ولا في أموالهم، ولا يجوز له قتل لا المدنيين ولا العسكريين، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
ما الذي يحتاجه «الفقه المقاتل» لكي يرشد عملياته وفق الضوابط الشرعية؟
أولاً: من كانت لديه أهلية النظر في كتب العلوم الشرعية وفهم ما فيها يجب إلا يكتفي بدراسة فقه الجهاد، بل يجب أن يدرس مع ذلك علم (أصول الفقه) لأنه ضابط لدراسة الفقه، وبخاصة أبواب عوارض الأهلية وقواعد الترجيح في (أصول الفقه) فإن أشكل عليه شيء يسأل الأمناء من أهل العلم.
ثانياً: من لم تكن لديه أهلية النظر في الكتب الشرعية يجب عليه استفتاء الأمناء من أهل العلم، وإنما قلت (الأمناء) لأن الفاسق لا يوثق بخبره، وقلت (من أهل العلم) لأن العامي والجاهل لا يعتد بقوله، وهؤلاء لا ينقطعون من الدنيا إلى آخر الزمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله» قال البخاري في هذه الطائفة (وهم أهل العلم) ويجب على المستفتي أن يستوثق من علم وأمانة من يسأله فقد روى مسلم في مقدمة (صحيحه) عن محمد بن سيرين قال (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ورحمهم الله أجمعين.
ثالثاً: من لم يجد من يفتيه يتوقف ولا يقدم على عمل شيء لا يعلم حكمه في دين الله، وهذا عام في الجهاد وغيره من شؤون الحياة، لقول الله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم» (الإسراء 36)، ومعنى الآية: لا تتبع شيئاً لا تعلم حكمه، وهو معذور عند الله تعالى حتى يجد من يفتيه ولو بالسفر إليه.
تقصد أن التثبت أمر واجب في شأن الجهاد؟
في وجه عام فإن الجهاد فيه إتلاف للنفوس والأموال، فيجب التثبت فيه وجوباً مؤكداً لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا» (النساء 94)، ولا يغتر المسلم بمن يكثرون الصياح فليس هذا من طرق الترجيح في الشريعة، ولا يقبل الفتاوى مجهولة المصدر على الانترنت، فقد ذكر أبو حامد الغزالي في (المستصفى) وتبعه ابن قدامة في (روضة الناضر) على أن المفتي المجهول لا يجوز قبول قوله ولا العمل به، رحمهما الله.
من بين الذين تناولوا وثيقتك بالنقد محمد خليل الحكايمة الذي أصدر يوم 26 أيلول (سبتمبر) الماضي، بياناً قال فيه: إن الشباب لا يثق إلا بفتاوى شيوخ الجهاد وعلمائهم ما يعني أنك لست من هؤلاء، وان اللجنة الشرعية في «القاعدة» سترد على (الوثيقة) فما قولكم؟
أما قوله (شيوخ الجهاد) فليقل لنا من هم؟ فإذا كان يقصد بن لادن والظواهري وأتباعهم فهؤلاء من الخائنين الغادرين كما سبق تفصيله، في حوارنا المطول، والخائن والغادر فاسق ومنافق في الشريعة، ومثل هذا لا يقبل قوله ولا خبره ولا فتواه في دين الله، قال الله تعالى «واشهدوا ذوي عدل منكم» (الطلاق 2)، وقال تعالى «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» (الحجرات 6)، فلا يجوز قبول رواية الفاسق وشهادته لسقوط عدالته كما قال تعالى «ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون» (النور 4)، وقد سبق أن ذكرت ذلك أثناء حديثنا. —
وماذا عن قوله إن اللجنة الشرعية في «القاعدة» سترد على الوثيقة؟
الرد من ثلاثة وجوه أولاً: اللجنة الشرعية من أتباع بن لادن، وكل أتباعه لهم نفس حكمه طالما لم ينكروا عليه ويفارقوه كما ذكره الشافعي في (الأم) وابن القيم في (زاد المعاد) لما غدر كعب بن أسد رئيس بني قريظة وسكت الباقون ولم يفارقوه اجرى النبي (صلى الله عليه وسلم) عليهم جميعهم حكم الناكثين الغادرين، وكل من رضي بأفعال بن لادن من الخيانة والغدر من أتباعه أو من غيرهم - ولو كان في أقصى الشرق أو أقصى الغرب - فله حكم بن لادن في الغدر والخيانة والفسق والنفاق لقول النبي «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» (حديث حسن رواه أبو داود). أما أتباع بن لادن كالظواهري والحكايمة ولجنتهم الشرعية فهم محشورون تحت لواء بن لادن يوم القيامة لا محالة إن ماتوا على ذلك، لواء الغدر والخيانة، فقد قال الله تعالى «يوم ندعو كل أناس بإمامهم» (الإسراء 71)، وقد قال النبي «لكل غادر لواء عن إسته يوم القيامة» (رواه مسلم)، فهل مثل هذه اللجنة الشرعية يقبل منها ردود شرعيه أو قول في دين الله تعالى وهذا هو حالهم.
ثانياً: قوله أن اللجنة الشرعية سترد غير مقبول عند أهل العلم لاتفاقهم على عدم قبول رواية المجهول أو فتواه، أما الرواية: فإذا وجد في سند الحديث راو لم يذكر اسمه (مجهول العين) أو لا تعرف عدالته (مجهول الحال) فالحديث كله ضعيف مردود، وأما الفتوى: فقد نص أبو حامد الغزالي في (المستصفى) على انه لا يجوز قبول فتوى المفتي المجهول إذ لا يؤمن أن يكون جاهلاً أو فاسقاً وتبعه على ذلك موفق الدين بن قدامة في (روضه الناظر) رحمهم الله. والذي أحب أن أنبه عليه هنا أن هذه الأسماء مثل اللجنة الشرعية إنما يرفعها بعض الجهال أو الفساق يتسترون بها ويختبئون خلفها، لأنهم لا يجرؤون أن يصرحوا بأسمائهم فيختبئون خلف هذا الاسم اللجنة الشرعية الذي يلبسون به ويدلسون على الناس، وكأنهم من علماء الشريعة وقد تبين مما ذكرته أن قول المجهول لا يقبل في الدين وان سمى نفسه لجنه شرعيه أو شيخ الإسلام، بل لابد من تعيين شخص القائل ومعرفة حاله، ومن هنا فقد روى مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين قال «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنه قالوا: سموا لنا رجالكم، فلينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» فلا يصح أن يقال اللجنة الشرعية سترد أو مجلس الشورى سيرد، سموا لنا رجالكم، أما ردود المجاهيل وكلامهم فغير مقبول في دين الله تعالى.
ثالثاً: قال الله تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون» (البقرة 44)، أقول له: هل استفتيتم لجنتكم الشرعية قبل تنفيذ غزوات الغدر في 11/9؟ ألم ينكر أبو حفص وأبو عبيدة الموريتانيان على بن لادن انه قام بها من وراء ظهر أمير المؤمنين الملا محمد عمر؟ أليس هؤلاء هم لجنتكم الشرعية أم انه قد بعث فيكم مالك والشافعي مع إنهما رحمهما الله لم يكونا من علماء الثغور والجبال ؟ أما أبو عبيده الموريتاني فارجوا أن ينفعه إنكاره قبل مقتله عند الله تعالى لأن النبي قد قال «فمن أنكر بريء» (رواه مسلم).
لكن قد يبقى هناك من لا يزال مقتنعاً أن للقاعدة شيوخاً وعلماء وأنه من المستحيل الكشف عن اسمائهم لأسباب أمنية؟
أقول للحكايمة كلامك قد يروج على من لا يعرفكم، «القاعدة» لا تتبع شرعاً ولا منهجاً إلا ما يراه بن لادن فقط، ثم ما عليكم بأجمعكم إلا تصيد آية أو حديث أو قول من كتاب لتبرير آراء بن لادن واثبات صحتها بما لا يروج إلا على جاهل بدينه، وهو ما اسميه «فقه التبرير والتصيد» هذا يقول «العدو البعيد قبل القريب» خلافاً للكتاب والسنة، وأخوه عندنا اخترع لهم «نظرية الكلب وصاحب الكلب» كل هذا لتبرير ما يراه بن لادن.
- يا حكايمة شيخك الحالي بن لادن خان أميره الملا عمر وغدر بعدوه أميركا وجلب الدمار على طالبان والقاعدة ووزيرستان والعراق، وأدخل فتنه في معظم بيوت المسلمين في العالم، فتدارك أمرك وتعلم دينك حتى لا تظل تابعاً للغادرين.
يا حكايمة قتلتم الأميركان في بلادهم بدعوى التترس ولم تفكروا في الغدر وانتم اليوم تقتلون الأفغان والباكستانيين لأنكم تترسون بهم، ليدفعوا هم ثمن خيانة شيخك بن لادن وغدره.
أصبح شيوخ الجهاد في هذا الزمان هم شيوخ الغدر والخيانة والذين دمروا البلاد وأهلكوا العباد، ومع ذلك بقي من الناس من يصدقهم ويأتمنهم ويتبعهم رغم خيانتهم وغدرهم، ولا شك في أن هذا من مقدمات ظهور المسيح الدجال كما قال النبي «إن أمام الدجال سُنون خداعات يُكذب فيها الصادق، ويصُدق فيها الكاذب، ويخُون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة» (رواه احمد وأبو يعلى بسند جيد عن انس رضي الله عنهم)، وورد معنى «الرويبضة» عند ابن ماجه مرفوعاً بأنه «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».
يا حكايمة قال الإمام مالك رحمه الله (مهما تلاعبت به من شيء فلا تلاعبن بأمر دينك)، وقد قال الله تعالى «ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، أن الله لا يحب من كان خواناً اثيماً» (النساء 107)، فلا تدافع عن شيوخك الخائنين فتكون شريكهم.
يا حكايمة دعك من أقوال سيد قطب ومواقفه رحمه الله، فان العلماء اختلفوا في حجية قول الصحابي وفعله، فكيف بسيد قطب ؟ وخذ الأحكام الشرعية من المنبع الأول: قال الله وقال رسول الله - فقد قال الله تعالى «اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون» (الأعراف 3).
يا حكايمة لما قال الله تعالى «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال» (الأنفال 65) أمره سبحانه أن يبدأ بنفسه فقال تعالى «فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين» (النساء 84)، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد كان يتقدم أصحابه في الغزو، فدعك من الجهاد الالكتروني بالريموت وتعال إلى ارض الكنانة لتضرب المثل والقدوة للناس خصوصاً انك تنكر الاستضعاف، وإلا فان ضحاياكم عبر التجنيد الالكتروني يملأون السجون بغير طائل ولا أدنى فائدة فقط لأنهم صدقوكم ولم يدركوا مبدأ «إذا كنت إمامي فكن أمامي».
يا حكايمة شيخك بن لادن بدأ بعد 6 سنوات من كارثة 11/9/2001 يعترف بأنه توجد أخطاء، وأنت في بيانك زعمت إنكم غير معصومين، وهذا كله لا يبرئ ساحتكم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمن شروط صحة التوبة الاعتراف بالذنب وإبداء الندم كما فعل آدم عليه السلام وزوجه، وكما قال الله تعالى «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وأخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم» (التوبة 102)، وقال النبي «الندم توبة» (حديث صحيح رواه احمد وغيره)، أما الشيخ حسن نصر الله فقد اعترف بالخطأ واعتذر للشعب اللبناني وبدأ في دفع التعويضات بعد شهر من حرب لبنان (7/2006)، وأما أنتم فبدأتم تشعرون بمجرد أخطاء بعد ست سنوات من كارثة 11/9، وهذا لا يكفي حتى تعتذروا لكل من أصابه الضرر منكم وتعوضوه، وإلا والله لن تفلتوا من هذه الدماء والمظالم، ويكفيك يا حكايمة حديث (المفلس) وحديث (القنطرة).
وأخيراً أقول لك يا حكايمة اطمئن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وبركة الجهاد ليست بالخيانة والغدر وإنما بطاعة الله تعالى كما قال أبو الدرداء «أيها الناس عمل صالح قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم» (روى البخاري بعضه معلقاً).
ما نصيحتك لشباب المسلمين؟
نصيحتي لهم ولكل مسلم هي تعلم دينك ثم تعلم دينك ثم تعلم دينك، واطلب الحق، والحق هو ما دل عليه الدليل الشرعي من كتاب الله تعالى وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولا تقلدني ولا تكتفي بقولي ولا قول الشيخ فلان ولا تغتر بالمظاهر والألقاب الدينية التي قد لا تعبر عن الحقيقة أحياناً، واعرف الحق تعرف أهله، فإنك «كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه» (الانشقاق 6) والله سبحانه لن يحاسبك على أساس قول فلان وإنما على ما أنزله وأمرك بإتباعه كما قال تعالى «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون» (الأعراف 3).
واعلم أن الله تعالى قد قال «وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون» (الأنعام 112). ومعنى هذه الآية أنه كلما جاء نبي أو من يبلغ علم النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد من أن يأتي معه العدو من شياطين الإنس والجن يصدُّون الناس عن النبي وعن علمه، والله سبحانه هو الذي أراد ذلك - إرادة قدرية - لأنه لو شاء سبحانه ما فعلوه، وإنما أراده سبحانه ليختبر خلقه ويختبر صدق إيمانهم، فلا تظن أن الحق سيأتيك من دون أشواك حوله تخوفك منه، بل كلما جاء النبي جاء العدو، ولهذا لما كان نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) يطوف على الناس يدعوهم إلى الحق كان يتبعه أحد شياطين الإنس وهو عمه أبو لهب يحذر الناس منه قائلاً: «لا تصدقوه نحن قومه ونحن أعلم به إنه كذاب»، ثم قالوا ساحر ومجنون وشاعر وإنما يعلمه بشر وقالوا افتراه، ونحو ذلك - فلا تظن أن علم النبي (صلى الله عليه وسلم) سيأتيك وحده بل لابد معه من شبهات أبي لهب، ولن يأتيك الحق مفرداً بل بشبهات وأشواك حوله ليختبر الله صدق إيمانك، ومن هذا الباب - وقد ظهرت بوادره - أن «وثيقة ترشيد الجهاد» وما اشتملت عليه من علم النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جاءت معها شبهات شياطين الإنس أشباه أبي لهب (وهي من وحي شياطين الجن لهم) فهذا يقول: الوثيقة وليدة السجون، وهذا يقول الوثيقة جاءت من خلف القضبان الحديدية، وهذا يقول الوثيقة كتبت تحت الإكراه، وهذا يقول الوثيقة من صنع الاستخبارات، وهذا يقول الوثيقة فيها تبديل وتراجع عما كان يقوله صاحبها في كتبه السابقة، وهذا يقول لماذا لم يكتبها وهو في الحرية؟ وهذا يقول لماذا يكتبها ولا توجد العمليات الجهادية التي تحتاج إلى ترشيد؟ وهذا يقول من هم الذين يقتلون على الجنسية؟، وهذا يقول الوثيقة تصب في خانة الأعداء، وهذا يقول الوثيقة ستستخدم ضد المجاهدين، وهذا يقول الوثيقة سيكون تأثيرها ضعيفاً، وغير ذلك من شبهات أشباه أبي لهب التي رددت عليها في كلامي خلال حوارنا، ومازال بفضل الله عندي المزيد للرد على كل جاهل وعنيد بإذن الله تعالى، فليكن على حذر.
ويا أيها المسلم إذا تعلمت دينك وعملت به فاعلم أنك إنما تصلح بذلك آخرتك ودنياك، ولكن لا بد لك مع ذلك مما يعينك على قطع مرحلة الدنيا في كدحك إلى الله، فلا بد من أن يكون لك مصدر رزق حلال، فاحرص عليه فإنه زادك في الدنيا، ولا ترضى أن تكون عالة على أحد فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال «اليد العليا خير من اليد السفلى» متفق عليه، واليد العليا هي المُنفقة واليد السفلى هي السائلة.
وكيف تنصحهم في شأن الجهاد؟
اعلم أن الجهاد حق، ولكن احذر من الذين يستغلون جهل الشباب بالدين وحماستهم للإسلام فيدفعون بهم إلى جهاد لم تتيسر أسبابه فيكون مصيرهم إلى السجون أو القتل من غير طائل، ليجنى هؤلاء المتاجرون بحماس الشباب الدعاية والسمعة والتبرعات، واعلم أن الجهاد له شروط وموانع، ولابد من النظر فيها ولا يكفي النظر في السبب وحده كوجود العدو، وانظر في مصلحة من قد يصب جهادك لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (متفق عليه)، ولا تسافر من بلدك للجهاد إلا بإذن والديك المسلمين، ولا تنتقل إلى مكان إلا على بصيرة فإن بعض الذين استجابوا التحريض فذهبوا للجهاد في العراق أو فلسطين أو السودان هم الآن في السجون، والجهاد الآن في العراق وفلسطين لن يؤدي إلى قيام دولة إسلامية بحسب المعطيات المتوافرة ولكنه جائز للنكاية في العدو، أما الجهاد في أفغانستان فسيؤدي إلى قيام دولة إسلامية بانتصار طالبان بإذن الله، وأميركا لا تعرف حيلة الأفغان فالجيش والشرطة الحكومية في أفغانستان يأخذون المال من أميركا ولكنهم يساعدون طالبان في السر، والجهاد في أفغانستان واجب على أهلها وعلى من جاورهم بحسب ما تسد به الحاجة.
كيف تتوقع مستقبل «القاعدة»؟
«القاعدة» انتحرت في ايلول (سبتمبر) 2001 ولم يعد للتنظيم أي تأثير في مستوى الحركة وهم يلجأون الآن الى تصدير أفكارهم عبر شرائط ابن لادن والظواهري وتساعدهم الظروف الدولية والمحلية في بعض الدول العربية والإسلامية ولا يعين محاسب وليس من أهل العلم ولا يملك حتى خبرات عسكرية كمسؤول للقاعدة في أفغانستان دليل على أن التنظيم لم يعد يملك قادة.
ماذا تطلبون من الحكومة المصرية؟
أطلب من الحكومة: تطبيق الشريعة الإسلامية بمعناها الشامل، فهي سبيل الصلاح والعز في الدنيا والآخرة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله) ولا تصدقوا الذين يخوّفونكم من الشريعة، إنهم يبعدونكم عن الجنة، والدنيا وإن طالت فهي إلى زوال، وحقوق الجميع محفوظة في الشريعة من مسلمين وأقباط ويهود وغيرهم.
وماذا عن المعتقلين في السجون؟
أطلب من الحكومة الإفراج عن جميع المعتقلين والمسجونين السياسيين من الإسلاميين ومن السياسيين بكل اتجاهاتهم (سجناء الرأي والضمير)، فإن الرأي لا يقاوم بالسجن، قال تعالى - عن تهديد فرعون لموسى عليه السلام – «قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين» (الشعراء 29)، فإن الحجة لا تقاوم إلا بالحجة، والرجوع إلى الحق فضيلة من أي طرف جاء الحق.
كيف ترى الطريقة التي يجب على المجتمع أن يتعامل بها مع الإسلاميين المفرج عنهم؟
على الحكومة الأخذ بيد الإخوة الإسلاميين المفرج عنهم من النواحي المعيشية وتأمين عمل كريم ومصدر رزق لهم فإنهم منقطعون عن الدنيا سنين طويلة، وأرجو أن تكون لمصر الريادة في الجانب الإنساني كما كانت لها الريادة في الجوانب الأخرى. وأطلب من الحكومة أن تسمح للمؤهلين من الإخوة الإسلاميين بالاشتغال بالدعوة إلى الله في المساجد وغيرها من اجل تقليل المفاسد المتفشية في المجتمع.
وهذا آخر ما أقول والحمد لله رب العالمين، واللهم صلِّ وسلمِّ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين