الخميس، 5 مارس، 2009

أناجيـل مخفيـة وأناجيـل منحولة

أناجيـل مخفيـة وأناجيـل منحولة

ملخص مقالة طويلة بقلم سعود المولى

يأتي نشر «إنجيل يهوذا الاسخريوطي» ليشعل من جديد اهتماما علميا وأكاديميا كان يثور في كل مرة كان يُعلن فيها عن الكشف عن «مخطوط» لإنجيل ما، أو لأوراق لها صلة بحياة وأعمال وأقوال السيد المسيح ... وقصة الأناجيل «غير الشرعية»، المزعومة أو المزيفة (أو الابوكريفا حسب اللغة العلمية ومعناها باليونانية: المخفية، وتسمى في الكنيسة الأناجيل المنحولة) لها تاريخ في الكنيسة يعود إلى الحقبة التي قررت فيها المجامع الكنسية شرعنة الأناجيل الأربعة المعروفة (متى، مرقص، لوقا، يوحنا، ومعها أعمال الرسل والرسائل الملحقة وهي كلها تشكل ما يعرف باسم العهد الجديد) باعتبارها وحدها »الصحيحة«، ورفض ما سواها من مخطوطات كانت معروفة ومتداولة في زمنها (أي منذ مجمع نيقية الشهير).. وهذه الابوكريفا تضم نوعا من الأناجيل، وأعمال الرسل، والرسائل، والتنبؤات الرؤيوية المنسوبة إلى عدد من تلامذة السيد المسيح وحوارييه... ومع أن الكنيسة رفضتها ونبذتها كلها، فقد جرى إحراق وإنهاء وجود بعضها باعتبار أنها هرطوقية، في حين لقي بعضها الآخر حظا من البقاء باعتبار أنها لم تكن تشكل تهديدا للعقيدة القويمة... وسمحت الكنيسة ببقاء بعض هذه الكتابات ولكن على مستوى أدنى من مستوى الأناجيل الشرعية أو القانونية (والثلاثة الأولى منها تعرف بالازائية بحسب لغة الكنيسة تمييزا لها عن إنجيل يوحنا الذي ينتمي إلى مدرسة مختلفة)، وهو مستوى الحكايات والفولكلور الشعبي وروايات وقصص القديسين... وبكل الأحوال فإن هذه الكتابات تظل شديدة الأهمية لدراسة الفرق والشيع والآراء المسيحية، والمسيحية ـ اليهودية، للفترة التأسيسية من تاريخ الكنيسة المسيحية الرسمية، إذ هي تحوي أقوالا وقصصا مروية عن السيد المسيح تعود إلى القرن الأول أو الثاني ميلادي، كما أنها تعطينا فكرة عن طبيعة الآراء اللاهوتية المتداولة آنذاك حول القضايا الكبرى مثل التثليث والتجسد والصلب والقيامة.. وقد جرى اكتشاف مخطوطات لهذه الأعمال خلال أزمنة مختلفة تعود حتى إلى العصور القديمة وصولا إلى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين اللذين حفلا بالعديد من هذه الاكتشافات تبقى لفائف قمران أشهرها (1947) وان لم تكن أهمها... إلا أن الأناجيل والكتابات المخفية أو المنحولة ذات الشعبية في زمنها، لا تنتمي إلى أوراق قمران اليهودية بقدر انتمائها إلى الفرق والشيع المسيحية للقرون الأولى للميلاد... وتبرز هنا خصوصا اكتشافات صعيد مصر وأكبرها وأهمها في بهنسة ـ مطلع القرن العشرين ـ ثم في نجع حمادي ـ1945ـ، ومن ثم بني مزار بالمنيا حيث اكتشف مخطوط يهوذا عام ,.1978 كما أن هناك كتابات أخرى اكتشفت مخطوطاتها وأوراقها في أماكن متفرقة من أوروبا... وقد انتشرت في الغرب ترجمات كثيرة لهذه «الأناجيل المخفية»، دون أن تترجم بكاملها إلى العربية، رغم أن معظمها اكتشف في مصر أو سوريا أو الأردن وفلسطين... والمعروف أن هناك كتابات ابوكريفية تنتمي إلى العهد القديم من الكتاب المقدس حيث نجد اختلافا في كتب العهد القديم بين النسخة المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية وتلك المعتمدة في الكنائس البروتستانتية، كما اليهودية... فالنسخة الكاثوليكية تحوي كتبا ابوكريفية غير معترف بها لدى اليهود والبروتستانت، وان كان عدم الاعتراف لا يصل إلى حد وصفها بالهرطقة.. غير أن هذا له علاقة بالعهد القديم، وما يعنينا هنا هو تلك الأناجيل والأعمال العائدة إلى العهد الجديد وقصة حياة وآلام السيد المسيح... فهذه المخطوطات لكتب مزعومة من أناجيل وأعمال رسل ورسائل ونبوءات للرسل، تعود كلها إلى زمن تجميع الأناجيل الشرعية وقوننتها، أو إلى ما قبلها أو بعدها بقليل... وكانت الروايات الشعبية عن «طفولة يسوع» هي الأكثر شيوعا في ذلك الزمن إذ أن الناس لم تستطع أن تفهم كيف تخلو الأناجيل الشرعية من أي ذكر لسنوات الطفولة والنشأة والفتوة من حياة عيسى... (الأناجيل الشرعية تتحدث فقط عن ولادته والهرب إلى مصر ثم العودة، ثم حادثة واحدة وهو في الثانية عشرة من العمر، ثم بداية دعوته وتبشيره وهو قريب من الثلاثين)... ومعظم الأناجيل المخفية مكتوبة عادة على لسان احد الرسل (بطرس وبولس وتوما ويعقوب... وحتى برنابا المثير للكثير من السجالات الإسلامية ـ المسيحية).... وبعضها كان هو الإنجيل الرسمي لفرق مسيحية ـ يهودية بادت وانقرضت (مثل فرق الابيونيين والآسينيين والناظوريين وغيرها... الخ...)...كما أن هناك نتفا من أناجيل وكتب مخفية ورد ذكرها في أعمال كبار كتاب الكنيسة (جيروم واكليمنتوس وهيبوليتوس وابيفانوس وايزيبيوس وغيرهم) التي صارت هي المصدر الوحيد المعتمد لإعادة تجميع ما تبقى من بعض هذه الأناجيل ... وفي ما يلي نبذة عن أشهر المكتشفات المعروفة والمنشورة من هذه الكتب المخفية أو المنحولة .....
الأناجيل والأعمال «المنحولة» المعروفة والمنشورة:
1ـ «إنجيل توما» : ويوجد منه نسخ يونانية أصلية تعود إلى 3 مخطوطات اكتشفت في بهنسة بصعيد مصر مطلع القرن العشرين، ونسخة قبطية مترجمة عن اليونانية اكتشفت في نجع حمادي عام ,,.1945 وأقدم المخطوطات اليونانية يعود إلى حوالى العام 200 ميلادي... كما أن وجود 3 مخطوطات يونانية مختلفة يشير إلى أن هذا الإنجيل كان متداولا في مطلع القرن الثالث ميلادي... والنسخ اليونانية كما القبطية طبعت ونشرت وترجمت إلى عدة لغات.. والمخطوطة القبطية الأصلية موجودة اليوم في المتحف القبطي في القاهرة القديمة، كما أن المخطوطات اليونانية موجودة في 3 مكتبات بريطانية (اوكسفورد، لندن، وهارفارد)... وتوما حسب الشائع هو ديديموس يهوذا توما الذي كان محترما جدا في الكنائس السورية الأولى باعتباره رسولا وأيضا أخا توأما للمسيح (كلمة توما بالعبرية تعني تؤام: وكذلك كلمة ديديموس اللاتينية، ولاحظ أيضا أن اسمه يهوذا)...وقد جاء ذكر هذا الإنجيل في أعمال هيبوليتوس في مطلع القرن الثالث ميلادي.
2ـ «إنجيل المصريين»: وما يوجد منه اليوم نتف متفرقة باللغة اليونانية يذكرها اكليمنتوس الاسكندراني (عاش في أواخر القرن الثاني) الذي يبدو من كتاباته (كما من كتابات غيره) أن هذا الإنجيل كان معروفا ومتداولا بين المسيحيين المصريين في القرنين الثاني والثالث.. وهذا النص المصري يختلف عن إنجيل آخر يحمل نفس الاسم إلا انه قبطي اكتشف في نجع حمادي وهو اليوم محفوظ في المكتبة القبطية.. أما الإنجيل المصري الذي يذكره اكليمنتوس فهو يقوم على تعاليم زهد وعفة جنسية ينسبها إلى السيد المسيح...
3ـ «ورقة البردى رقم 840»: من مكتشفات بهنسة في صعيد مصر وهي عبارة عن ورقة واحدة تحوي باليونانية حوارا بين المسيح وأحد الفريسيين الذي تذكر المخطوطة انه رئيس الكهنة في معبد القدس... جرى اكتشاف المخطوطة عام 1905 وهي اليوم في متحف جامعة اوكسفورد...
4ـ «الإنجيل المخفي ليعقوب (جيمس)»: وهو ترجمة قبطية عن نص يوناني يحوي تعاليم السيد المسيح على شكل حوار بينه وبين اثنين من تلاميذه هما بطرس ويعقوب، ويقول النص معرفا بنفسه إن عيسى المسيح أوحى به بعد قيامته من الموت، إلى أخيه يعقوب العادل الذي كتبه بالعبرانية على شكل رسالة إلى جماعة من المسيحيين... اكتشف في نجع حمادي عام 1945 ويرجح انه كان قد دفن هناك في القرن الرابع... وهو اليوم في المتحف القبطي... وهو يختلف عن الأناجيل الازائية أو الشرعية في انه لا يحتوي على قصة أو رواية للأحداث وإنما مجرد أقوال ونبوءات وحكم وأمثال وقواعد وقوانين منسوبة إلى المسيح... والمعروف في أوساط الغنوصية المسيحية الأولى أن يعقوب العادل هو «أخ» المسيح وأنه تولى رئاسة كنيسة القدس بعد عيسى...
5ـ «الإنجيل السري لمرقص»: وهو مقطع من نسخة أولية قديمة لإنجيل مرقص تحوي رواية عن قيامة شاب صغير من بين الأموات، وطقس انتساب إلى فرقة سرية، ولقاء بين المسيح و3 نسوة... والنص كان محفوظا باليونانية ضمن مقطع من رسالة لإكليمنتوس الاسكندراني يدين فيها فرقة الكاربوقراطيين الباطنية (التي عاشت خلال القرن الثاني للميلاد)... اكتشف الباحث الأميركي الدكتور مورتون سميث هذه الورقة المخطوطة عام 1958 في دير مار سابا الموجود على مسافة 12 ميلا جنوب شرق مدينة القدس... ودلت الأبحاث اللاحقة أن تاريخ النسخة المكتشفة من رسالة اكليمنتوس يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهي منسوخة على الغلاف الخلفي لنسخة من مجموعة رسائل اغناطيوس الإنطاكي (عاش في مطلع القرن الثاني) تعود للعام ,,.1646 في الرسالة الخاصة بإكليمنتوس يجيب هذا الأخير على أسئلة وردته بخصوص «إنجيل سري»لمرقص... حيث يبدو أن هناك إنجيلين لمرقص: واحدا للعوام، وآخر للخواص من الصوفيين الغنوصيين (العرفانيين الباطنيين) الذين يفهمون وحدهم لغة الأسرار والالغاز ويعرفون تأويلها...
6ـ «الإنجيل المجهول»: وهو عبارة عن 3 أوراق بردى اكتشفت في صعيد مصر مطلع القرن العشرين ونشرت عام 1935 (وهي اليوم محفوظة في المتحف البريطاني في لندن).. وقد دلت الأبحاث إلى أنها تعود للنصف الأول من القرن الثاني.. وهي باليونانية وتحوي أقوالا وقصصا عجائبية وغريبة عن السيد المسيح.. القصة الأولى هي عبارة عن حوار عنيف بين عيسى وقادة اليهود حول تفسير أمور في شرع موسى، تبعها محاولة اليهود الإمساك به لقتله، وفشلهم في ذلك «لان ساعته لم تكن قد حانت بعد».... والقصة الثانية رواية لحديث عيسى عن دفع الضرائب للسلطة (أعط لقيصر...) وأخرى عن معجزة له على ضفة نهر الأردن... وقد أشار الباحثون إلى ورود هذه القصص في الأناجيل الازائية الشرعية إلا أنها هنا أكثر بدائية مما يشير برأيهم إلى كون هذا المخطوط أقدم تاريخا من الأناجيل المعروفة... وقد سمي بالمجهول لضياع معظمه وعدم التوثق من حقيقته...
7ـ «إنجيل العبرانيين»: وهو معروف فقط من خلال المقتطفات التي نقلها عنه كتاب الكنيسة الأوائل... ومن اسمه يبدو واضحا انه كان خاصا بالفرق المسيحية ـ اليهودية الأولى التي حافظت على الشريعة الموسوية في حياتها.. ومن المهم الإشارة إلى أن معظم الاستشهادات المطولة عن هذا الإنجيل نقلها كتاب مسيحيون كانوا يعيشون في الإسكندرية.. فقد نقل عنه اكليمنتوس الاسكندراني (أواخر القرن الثاني) وجيروم (حوالى العام 400)، واوريجينس (مطلع القرن الثالث) وكيريلوس (مطران القدس حوالى العام 350)... كما أشار إليه اوزيبيوس (مطلع القرن الرابع) وهيجيبيوس (أواخر القرن الثاني)، دون أن ينقلا عنه... وفي لائحة الأناجيل الازائية والأناجيل المخفية والتي أعدها نيسيفوروس (بطريرك القسطنطينية 806ـ818)، يرد ذكر إنجيل العبرانيين وانه يحتوي على 2200 سطر.. وقد شاع لدى المستشرقين والمستعربين المسيحيين وبعض تابعيهم المشرقيين أن هذا الإنجيل كان إنجيل القس ورقة بن نوفل في مكة قبل البعثة النبوية.
8ـ «أعمال الرسول يوحنا»: وهو عبارة عن رواية أدبية تحوي حكايات وقصصا عن أعمال الرسول يوحنا وبعضها على شكل أناشيد غنائية... وأشهر النصوص المعروفة اليوم هو العائد إلى المخطوطات المكتشفة في مدينة فيينا العام 1886 (ونشرت عام 1897).. وفيها أنها منسوخة عن مخطوط أقدم يعود للعام ,,.1324 ويرى العلماء أن القديس أوغسطين قد نقل مقطعا من هذه النصوص في رسالة له تاريخها القرن الخامس... كما أن مقاطع أخرى قرئت وجرى إدانتها في المجمع النيقوي الثاني عام ,,.787 ويرى العلماء أيضا أن هذه النصوص وثيقة الصلة بنشوء وتطور الشيع الصوفية الباطنية المسيحية المبكرة... (علما أن إنجيل يوحنا الازائي الشرعي نفسه كان مدعاة للتأويل الصوفي والباطني)... وبحسب العلماء فإن نصوص أعمال يوحنا قد تكون تعود إلى النصف الثاني من القرن الأول أي إلى نفس فترة تأليف إنجيل يوحنا.. وقد ذكر هذه النصوص العديد من الكتاب المسيحيين السوريين خصوصا إضافة إلى اوزيبيوس من قيصرية (مطلع القرن الرابع)..
9ـ «إنجيل الناظوريين»: والترجمة الصحيحة باعتقادي لكلمة ناظور العبرية هي «المنذور»... أي أنها طائفة «المنذوري» أو أولئك الذين كان ينذرهم أهلهم لحياة المعبد والعفة والزهد (وكانوا يطيلون شعر الرأس ولا يحلقونه ويلبسون الأبيض.... ولعل السيدة مريم كانت واحدة منهم إذ نذرها أهلها لخدمة الرب)... وهناك خلط كبير بين هؤلاء الناظوريين المنذورين وبين كلمة نصارى، خصوصاً وأن مدينة الناصرة التي ينسب إليها السيد المسيح لم تكن أصلا موجودة في زمنه... وهذا الإنجيل يرد ذكره بكثرة في أعمال جيروم واوزيبيوس... وهم عرفوه من أصل أرامي أو سرياني وجدوا فيه شبها بالنص اليوناني لإنجيل متى....
10ـ «إنجيل الابيونيين»: ومقتطفاته متفرقة في أعمال أبيفانيوس (عاش في أواخر القرن الرابع)... والابيونيون كانوا جماعة مسيحية ـ يهودية ناطقة باليونانية نمت وتطورت في القرنين الثاني والثالث للميلاد... والنقطة الأساسية في تعاليم الابيونيين أنهم يجعلون يوحنا المعمدان (النبي يحيى) وعيسى من النباتيين الذين يدينون أكل اللحوم والذبائح... وان طعام يحيى كان من العسل البري فقط... وان عيسى أعلن انه جاء لإلغاء شريعة تقديم الأضاحي...
11ـ «الإنجيل الأصلي ليعقوب (جيمس)»: وهو من أناجيل طفولة يسوع أي تلك التي تجمع مرويات عن قصة ولادة مريم ونذرها للمعبد ثم ولادة وطفولة المسيح... والنص الكامل لهذا الإنجيل موجود باليونانية في حوالى 130 مخطوطة معظمها يعود إلى ما بعد القرن العاشر.. كما أن هناك العديد من الترجمات إلى اللغات القديمة... ويعرف هذا الإنجيل بالإنجيل الأصلي أو الأول على اعتبار القول بأنه أسبق من الأناجيل الأربعة الشرعية ـ القانونية... وأول طبعة معروفة له تعود إلى ترجمة لاتينية نشرت عام ,1552 وأخرى للأصل اليوناني نشرت عام ,,.1564 كما أن مخطوطة يونانية على ورق البردى تعود للقرن الثالث اكتشفت في منتصف القرن العشرين ونشرت عام 1958 (وهي الآن محفوظة في مكتبة بودمر في جنيف)... إن كثرة عدد نسخ هذا الإنجيل وترجماته ومخطوطاته يشير إلى شيوعه وسعة انتشاره في الكنائس المسيحية... ويسود اعتقاد بأن تجميعه جرى في سوريا أو مصر في منتصف القرن الثاني...
12ـ «إنجيل طفولة يسوع بحسب توما»: وهو يجمع قصصا ومرويات عجائبية عن الطفل يسوع قبل بلوغه الثانية عشرة... وأقدم نسخة مخطوطة منه تعود للقرن السادس وهي بالسريانية ومحفوظة في المتحف البريطاني... أما النص اليوناني فهو موجود بعدة نسخ مخطوطة تعود للقرون الرابع عشر إلى السادس عشر... وهناك ترجمات قديمة كثيرة له في اللغات القديمة مما يشير إلى موقعه الممتاز في الكنيسة تلك الأيام... والمعروف أن معظم الكتابات أو الأقوال المنسوبة إلى توما موطنها شرق سوريا... وقد وجد العلماء ان الفرق المسيحية الصوفية الباطنية التي انتشرت في القرن الثاني (والتي ذكرها ايرينيوس في كتاباته أواخر القرن الثاني) استخدمت هذا الإنجيل...
13ـ «رسائل الرسل»: هذا النص الكبير هو توثيق لسجال مسيحي مع فرق بادت وانقرضت... فهو يبدأ برسالة مزعومة للرسل جميعا موجهة إلى كل الكنائس لدحض أقوال وأفعال أتباع شمعون وسيرنتوس (وهما قادة فرق باطنية اشتهرت في القرن الثاني).. ثم تأتي النصوص التي ينطق بها يسوع إلى تلامذته على شكل تعليمات والزامات عقدية ونصوص عقائدية مختلفة، وكلها تصب في اتجاه تدعيم النص الاورثوذكسي القويم للكنيسة في مواجهة بدع وشيع غير معروفة تماما... والنص الأصلي مكتوب على الظاهر باليونانية إلا أن اغلب المخطوطات الموجودة اليوم هي ترجمات إلى القبطية والحبشية.. والنص القبطي هو أقدمها ويبدو انه ترجمة مباشرة عن الأصل اليوناني.. وهو محفوظ اليوم في أوراق بردى تاريخها يعود إلى القرن الرابع أو مطلع الخامس.. اكتشفت هذه المخطوطة في صعيد مصر عام 1895 ونشرت عام 1919 ، وهي اليوم موجودة في محفوظات معهد البعثة الاركيولوجية الفرنسية في القاهرة... أما النص الحبشي فهو الوحيد الذي يحفظ النص الكامل للأصل اليوناني للرسائل... وهذا النص موجود في عدة مخطوطات أهمها وأشهرها تلك التي اكتشفت في القرن الثامن عشر وهي موجودة اليوم في المتحف البريطاني... وبحسب العلماء فإن النص الحبشي هو ترجمة عن نص عربي مترجم عن الأصل اليوناني... أما تسمية هذه النصوص فتعود إلى الجملة الأولى التي تبدأ بها وهي: «هذه رسالة عن مجلس الرسل»...
14ـ «إنجيل مريم»: وهو أيضا من مكتبة نجع حمادي والظن انه يعود إلى أواخر القرن الثاني.. وهو موجود في نسختين غير كاملتين باليونانية تعودان إلى القرن الثالث، ونسخة قبطية أشمل تعود إلى القرن الخامس.. ومريم الإنجيل هي مريم المجدلية مما يشير إلى موقعها المميز في بدايات المسيحية.. ومريم هنا هي التي تواسي التلاميذ وتدعوهم إلى الصبر والسلوان بعد موت المسيح وتحثهم على دراسة أقواله وأعماله والتفكير فيها.. وفيه أيضا رؤية لمريم عن حديث بينها وبين المسيح حول مصير الروح وخلودها الأبدي...
15ـ «إنجيل برنابا»: أو الإنجيل المسلم كما يسميه العلماء المسيحيون... وهذا الإنجيل له قصة شيقة وطريفة تستحق أن يفرد لها مقالة خاصة.. والمهم تسجيله هنا انه لم يعترف به أبدا ككتاب ينتمي إلى تلك الكتابات الصادرة في القرون الخمسة الأولى من المسيحية... واعتبرته الكنيسة تزويرا فاقعا... فيما اعتبره المسلمون (الذين يقومون بنشره وتوزيعه) الإنجيل الأصح أو الأدق وان لم يقولوا بأنه هو «إنجيل عيسى الحقيقي»... (باعتقادي أن هذا الإنجيل يستحق دراسة علمية مدققة أكثر مما جرى حتى الآن إذ هو صار موضوعاً لسجالات وادعاءات أضاعت قيمته الحقيقية إذ هو واحد من الأناجيل المنحولة أصلا طرأت عليه تعديلات لاحقة لا تلغي قيمته التاريخية ومضمونه الأهم في ما يتجاوز مسألة التبشير بقدوم مسيح مخلص اسمه محمد)..
16ـ «الإنجيل العربي عن طفولة عيسى»: وهو من أشهر الأناجيل وقد ورد ذكره لدى آباء الكنيسة أمثال اوزيبيوس واثاناسيوس وابيفانيوس ويوحنا الذهبي الفم.. ترجمه هنري سايك أستاذ اللغات الشرقية في جامعة كمبردج ونشره عام ,.1697 وكان احد المجامع قد أدانه (1599) باعتباره إنجيل النساطرة... ويذكر بعض الكتاب المسيحيين قصصا منقولة عنه خصوصا حول سنوات طفولة عيسى في مصر.. منها أن عيسى حفر بئرا بلسما. جرة لغسل ثيابه.. وأن الشجرة صارت تطرح بلسما.. وعن بطرس الشهيد مطران الإسكندرية في القرن الثالث أن المكان الذي شهد طفولة ومعجزات عيسى في مصر يعرف باسم المطرية وهو على بعد عشرة أميال من القاهرة وأن سكانه يوقدون الشموع لتذكر عيسى وأن هناك حديقة أشجار تطرح بلسما كان عيسى زرعها في الطفولة... ويذكر العلامة احمد ابن إدريس أن هذا الإنجيل العربي كان خامس الأناجيل المعتبرة في كنائس مصر وسوريا...