الخميس، 5 مارس، 2009

نحن واليهود

نـحــــن والــيـهــــــود: عــنـصــــريـــة الــقــومــجــيــين المسيطرة على الإســلامــيــين سعود المولى

النهار"
الاربعاء 26 نيسان 2006
ودّع العراقيون والعرب المقيمون في لندن علمين من الكبار : الاديب المثقف مير بصري آخر رئيس للطائفة اليهودية العراقية، وشاؤول ساسون خضوري، ابن رئيس الطائفة في بغداد قبل المنفى القسري ايام صدام حسين. وقد كتب رشيد الخيون قطعة رثاء جميلة ومؤثرة في الراحلين جعلتني افكر في الحال التي وصلنا اليها في بلاد العرب والمسلمين. ذلك ان الكلام اللفظي الشعاري الذي نردده جميعا عن التفريق بين اليهودية والصهيونية صار أشبه بالخشب المسندة (او باللغة الخشبية في عبارة العصر) التي تجاوزها الحراك الفكري والسياسي والتطوير النظري والمراجعات النقدية (مراجعات الفاتيكان على سبيل المثال واعتذاراته التاريخية عن الحروب الصليبية وعن معاداة السامية).
وما نردده في لقلقة لسان تكلّس واحترف الكلامولوجيا، لم يعد يسمن او يغني من جوع الى اجتراح مقاربات نظرية وفكرية وفقهية موائمة ومواكبة لواقعنا ولـ"رسالة" امتنا العربية والاسلامية وشهادتها على الناس والعالم في عصرنا هذا. فالناظر الى ميثاق "حماس" على سبيل المثال يصدمه التناقض الفاضح بين كلام سياسي عن ان العدو هو الصهيونية وكيانها الغاصب لفلسطين، وعن التفريق بينها وبين اليهودية كدين سموي، وبين عبارات واضحة حاسمة تعتبر اليهود قردة وخنازير وتحض على قتالهم الى يوم الدين وعلى لعنهم في كل زمان ومكان. ولا تخلو المقاربتان من استشهاد بآيات القرآن واحاديث الرسول.
اما "حزب الله" فهو يدعو حاخامات من اليهود الارثوذكس الى مؤتمراته في بيروت، ويشارك بعض مسوؤليه في مؤتمرات دولية يحضرها يهود وصهاينة (مثل مؤتمر سانت اجيديو لحوار الاديان في مدينة ليون مطلع ايلول 2005) ويعرف ان الايرانيين لا حرج عندهم من حضور مؤتمرات والمشاركة في لقاءات يحضرها الاسرائيليون والصهاينة، وهو في الوقت نفسه يتباهى بتلفزيونه يعرض افلاما او مسلسلات اقل ما يقال فيها ان عداءها للسامية يقارب غباءها (مسلسل محمد صبحي الشهير الذي أدى الى منع "المنار" في فرنسا). والحقيقة ان ما يحكم وعينا وردود افعالنا في هذا المجال ليس الاسلام وانما العقل القومي العنصري بمختلف اشكاله.
وأذكر هنا بعض الوقائع المعبرة ابلغ تعبير: في المؤتمر الذي عقده "حزب الله" العام الماضي لدعم حق العودة الفلسطيني، شارك ممثلون عن الحركة الدينية الارثوذكسية المعروفة "ناطوري كارتا" والتي لا تعترف بدولة اسرائيل وتعتبر الصهيونية قومية سياسية لا علاقة لها بالدين اليهودي. يومها اصدر الحزب القومي السوري بيانا اعلن فيه انسحاب ممثله (النائب مروان فارس) بسبب مشاركة "يهود" في المؤتمر!!! قبل ذلك ببضع سنوات انسحب النواب القوميون السوريون ومعهم نواب البعث العربي وغيرهم من مهرجان بعلبك الذي كان يعرض مسرحية غنائية راقصة فيها مقتطفات من نشيد الانشاد (المأخوذ طبعا من التوراة التي يعتبرها المسيحيون ايضا كتابهم المقدس او العهد القديم). فقد اعتبر هؤلاء القومجيون النشيد يهوديا اسرائيليا، لانه يذكر اسم اسرائيل، المذكور طبعا عشرات المرات في القرآن الكريم. ولعل القومجيون سيحتجون ايضا على القرآن لتسامحه مع اليهود وذكره بني اسرائيل في عشرات السور والآيات او لأن الاسلام يفترض الايمان بكل انبياء اسرائيل؟؟؟
ذكرت هاتين الواقعتين لاصل الى واقعة ثالثة تظهر مقدار البلبلة الفكرية والارتباك العقدي- الفقهي لدى الاسلاميين حيال هذا الموضوع ولاقول بان ذلك عائد الى سيطرة العقل القومجي العنصري على الاسلام السياسي الحديث. ففي مؤتمر عقدناه في بيروت كفريق عربي للحوار الاسلامي - المسيحي (وكان موضوعه الاصوليات في الاديان) كنت اتكلم عن هذه النقطة بالذات، اي انحراف بعض الاسلاميين الى عقلية قومية ضيقة تتحكم بهم وتجعلهم يرون صدام حسين بطلا، وتجعلهم لا ينظرون الى مطالب الاكراد والبربر من ناحية، او الاقليات الدينية كالموارنة والدروز والعلويين والشيعة من ناحية اخرى، الا باعتبارهم غير عرب وغير مسلمين وادوات للسياسات الخارجية وعملاء للاجنبي.
وينسى هؤلاء القومجيون الجدد ان من اجهز على الدولة الاسلامية العثمانية كانوا بالضبط اولئك العروبيين المسلمين قبل غيرهم. وفيما رحت اتحدث عن ضرورة قبول الاختلاف والتعدد وخصوصا الثقافي منه وقبول حق الثقافات المختلفة في التعبير عن نفسها بحرية ضمن اطار وحدة المجتمع السياسي مستخدما عبارات الامام الصدر والامام شمس الدين في هذا المجال ثم مستعينا بسياسة حسن البنا والاخوان المسلمين في الثلاثينات من القرن العشرين، ثم معطيا امثلة على محاولة البنا والاخوان في البداية العمل على تمثيل الجماعة الوطنية المصرية بكل مكوناتها من مسلمين واقباط وحتى يهود... وكيف ان لوائح الاخوان الانتخابية كان عليها مرشحون اقباط في العديد من المحافظات (تماما كما ان مسيحيي فلسطين انتخبوا "حماس" او ان بعض مرشحيهم دعمتهم "حماس") وان اليهود المصريين كانوا يتبرعون لحملات الاخوان لدعم عرب فلسطين، حين وصلت الى هذا الكلام انبرى لي اقطاب كبار من الاسلاميين المصريين معتبرين ان كلامي اهانة للبنا وللاخوان وللاسلام!!!
ولم ينفع بالطبع قولي لهم ان جريدة "الفتح" لصاحبها محب الدين الخطيب (السلفي المشهور) كانت تنشر في تلك الايام قوائم التبرعات اليهودية المصرية (وعندي نسخ مصورة منها)، وان هذا على العكس يثبت عراقة الاخوان ومصريتهم وعروبتهم واسلامهم!!! لم ينفع كل ذلك وصار الصراخ سيد المناقشة وطالبني البعض بالاعتذار وكأنني ارتكبت جرما.
وكانت "حركة الجهاد الاسلامي" الفلسطينية قد طرحت هذا الموضوع مبكرا في مجلة "الطليعة الاسلامية" (لندن: 1983-1986) ثم في مجلة "الاسلام وفلسطين" (قبرص:1986-1988) وفتحت حوارا اسلاميا رائدا يومذاك حول قضية تمثيل الحركة الاسلامية للجماعة الوطنية. الا انها لم تعد الى هذا النقاش بعد التسعينات. وفي مناسبات اخرى ثار جدال حول الجلوس على طاولة الحوار مع يهود (خصوصا في مؤتمرات حوار الاديان التي تنظمها دولة قطر منذ 3 سنوات ويدعى اليها حاخامات وقيادات يهودية صهيونية واسرائيلية). وقد رفض الشيخ يوسف القرضاوي المشاركة في حوارات كهذه رغم علاقته الوثيقة بالامراء والحكام في الدوحة.
والمعروف ان قادة ومشايخ وعلماء من الدول التي اعترفت باسرائيل واقامت معها علاقات لا يجدون حرجا في حضور مؤتمرات كهذه لا بل في الدعوة اليها وتنظيمها (الازهر ومصر، قطر، الاردن، في حين تشارك ايران في كل المؤتمرات دون حاجة الى تبرير او مساءلة) وآخرها مؤتمر حوار الاديان في اسبانيا. وكان الفريق العربي للحوار الاسلامي - المسيحي قد رفض المشاركة في حوارات دولية كهذه محددا ان موقفه لا ينبع من رفض حضور اليهود ومشاركتهم بل من اسباب مبدئية اولها رفض اي حوار يقوم بين اطراف غير متكافئة او متساوية. ودعا الفريق الى حوار انساني حقيقي يفترض الوقوف على ارض واحدة من حيث الالتزام بقيم الاديان السموية وبمبادىء الاخلاق الانسانية وبضوابط الشرعية الدولية، من حيث اعلان البراءة من كل اشكال العنصرية والاستعمار والاحتلال والاستيطان والقوة الغاشمة والظلم والعدوان.
ورفض الفريق تاليا كل اشكال الحوارات الفولكلورية او حوارات تسجيل الصورة واللقطة (مؤتمر قطر كما مؤتمرات اخرى عقدت وتعقد في مصر والاردن وفي دول غربية) والهادفة الى ابراز "صورة" عن لقاء مزعوم بين الاديان على حساب الواقع والحقيقة. ويقوم هذا الموقف على اساس ديني وفلسفي وانساني يقول بان اي حوار يفترض الحقيقة والعدالة والحرية، وهذه لا وجود لها في علاقتنا بالصهيونية (بشقيها اليهودي والمسيحي) او اسرائيل. ورغم دعوات كثيرة من هذا القبيل، خاصة في الفاتيكان او في المؤتمرات السنوية لجمعية سانت اجيديو الايطالية، او مجلس الكنائس العالمي، فإن المسألة لا تزال مفتوحة للنقاش خاصة ان الطرف الاسلامي لا يقدم اصلا اية مراجعة نقدية في ما يتعلق بالقيم والمبادىء نفسها التي يدعو الغير الى الاحتذاء بها والتي جعلناها قاعدة لأي حوار ممكن.
في مناسبة كريمة جمعت حركيين من التيارات الاسلامية اللبنانية وكانت جلسة حوار ومكاشفة رائعة انعقدت في بيروت، سألت الاخوة الحاضرين وجلهم من العلماء او من طلبة العلوم الشرعية عن المبرر الشرعي (الفقهي والكلامي) لاستخدام الاسلاميين عبارة "يهود" (بدون "الـ" التعريف) او لتردادهم القول "احفاد القردة والخنازير"، نازعين اية انسانية عن اليهودي الفرد واليهودية كجماعة وكدين. وسألتهم عن المبرر الشرعي والاخلاقي والسياسي لهذا الجهل بالآخر ورفض حتى الاعتراف بوجوده وبدينه وثقافته ومحاولة دراسة ما هو عليه (رغم وجود مئات مراكز الابحاث الغربية والمسيحية عن الاسلام فانه لا يوجد مركز واحد لدراسة المسيحية واليهودية وغيرهما من الاديان. ناهيك عن الجهل المطبق في الاوساط الاسلامية لكل ما له علاقة باليهودية المعاصرة وتياراتها وقواها وكذا بالنسبة للمسيحية).
وكان سؤالي مناسبة لحوار شيق تبين لي فيه مقدار تجاهل هذا الموضوع في الفكر الاسلامي المعاصر والخوف من فتحه خشية الاتهام القومجي بانك لست حازما في الصمود والتصدي، او بأنك تتراجع تحت وطأة ضغط الغرب وتشديده على المسألة اليهودية. والحال صحيح ان الغرب جعل مسألة معاداة السامية كبرى اولوياته وانه جعلنا نحن العرب ندفع ثمنها في انشائه دولة اسرائيل ويجعلنا نستمر في دفع الثمن من خلال استمرار دعمه للكيان الصهيوني، الا ان الصحيح ايضا اننا قمنا نحن ببتر هذه القضية من عقلنا ووعينا وتناسيناها حتى تسلل الى فكرنا موقف قومي عنصري لا علاقة له بالاسلام او المسيحية او العروبة الحقة الحضارية (حتى العروبة الجاهلية كانت متسامحة ولنا في الشاعر والامير اليهودي السموأل خير مثال هنا ونحن كنا ندرس ونحفظ قصة نبله ومروءته وامانته ونردد قصيدته اللامية الشهيرة ومطلعها: اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه... فكل رداء يرتديه جميل...).
ويحضرني هنا كلام لمفكر يهودي اسباني- فرنسي في فيلم عن الاندلس انتجته الاونيسكو عام 2001 وقام باعداده وتنفيذه الثنائي المصري الشهير باسم محمود حسين (هما اليهوديان المصريان بهجت النادي وعادل رأفت)، يقول هذا المفكر في آخر لقطة من الفيلم وهو يتحسر على الاندلس الاسلامية العربية: "ماذا فعلنا بأنفسنا؟ كيف نعيش بذاكرة مثقوبة؟ كيف نبتر من وعينا ووجداننا ذكرى الحضارة التي كانت في اسبانيا المسيحية والتي صنعها المسلمون وشارك فيها اليهود؟ كيف نبتر ذلك البعد اليهودي- الاسلامي لحضارتنا الغربية؟؟؟".
وكنت أسأل نفسي على الدوام كيف ان الاسلام الحركي المعاصر كان على الدوام حريصا على تمثيله لكل مكونات الامة (والامة في مصر او السودان او المغرب هي الوطن نفسه بعكس ما هو شائع في بلاد الشام من اقتصار تسمية الامة على الامة العربية او الاسلامية ومن استخدام للعبارات البعثية والقومجية مثل القطر والاقليم استخفافا بكل انتماء آخر واحتقارا له). وهل ننسى ان اخوان مصر كانوا وما زالوا مصريين اولا. وان القومية العربية بمعناها العنصري ومضمونها الجاهلي لم تخطر في بالهم لا ايام البنا ولا حتى سيد قطب. وان اخوان الاردن ملكيون اكثر من الملك. وكذا اخوان المغرب. هذا ناهيك عن الاسلام السوداني او الايراني او الباكستاني وهو مشبع بالوطنية التي لا يخجل من تسميتها قومية ومن تسمية شعبه امة.
الا ان الامر المحزن هنا يتمثل في ضياع تراث وتاريخ اليهود العرب (واليهود المعادين لاسرائيل والصهيونية) في غمرة السعار والفحيح العنصري الذي يجتاح العالم العربي اليوم، وخوفنا من مجرد ذكر اسم يهودي عربي او يهودي معارض للحرب وللصهيونية ومدافع عن فلسطين وشعبها. وكان رشيد الخيون قد ذكر في مرثيته لبصري وخضوري جانبا من تاريخ اليهود البغداديين أبرز ما فيه فتوى المرجع الشيعي السيد محسن الحكيم والمفتي السني نجم الدين الواعظ بتحريم الاساءة الى اليهود العراقيين يوم انطلقت حملات النهب والقتل على الهوية ضدهم في بغداد الاربعينيات. ومبادرة يهود الحزب الشيوعي العراقي (احد اعظم واكبر الاحزاب الشيوعية في العالم يومذاك) الى تشكيل "عصبة مكافحة الصهيونية". وقد ظل مير بصري وشاؤول خضوري يعيشان في بغداد حتى كان اعتقال صدام حسين لهما (الاول في مديرية الامن العام والثاني في قصر النهاية). يومها كتب المحامي اليهودي انور شاؤول قصيدة جاء فيها:
ان كنت من موسى قبست عقيدتي
فانا المقيم بظل دين محمد
وسماحة الاسلام كانت موئلي
وبلاغة القرآن كانت موردي
ما نال من حبي لأمة أحمد
كوني على دين الكليم تعبدي
سأظل ذيّاك السموأل في الوفا
أسعدت في بغداد ام لم أسعد
وحين توفي الحاخام خضوري (والد شاؤول) كان تشييعه يوما مشهوداً في تاريخ بغداد. وكان اليهود العراقيون يرددون انهم احفاد ذلك المبعوث الذي ارسله الامام علي الى الخوارج (جاء في مروج الذهب للمسعودي: ان عليا ارسل لمفاوضة الخوارج رجلا من يهود السواد). اما في لبنان فقد عرفنا رفاقا لنا شاركونا في الحركة الطالبية والسياسية اواخر الستينات ومطلع السبعينات قبل ان تضطرهم الحرب الاهلية (كما غيرهم) الى الهجرة الباريسية. وكنا نسعد بلقائهم وبالعمل واياهم جنبا الى جنب في الدفاع عن قضايا الفقراء والمحرومين في هذه البلاد. وفي باريس كان يهود لبنان في طليعة من شكل الجمعيات الداعمة لكفاح الشعب الفلسطيني ثم للمقاومة اللبنانية.
وقد حاولت كثيراً ان ادرس كيفية انتقالنا من دين السماحة والانفتاح والتعددية واحترام الآخر، ومن تجربة الاندلس الخالدة، لا بل من تجربة الانظمة الليبرالية الدستورية، الملكية منها والجمهورية، لسنوات النصف الاول من القرن العشرين في مصر والعراق وسوريا ولبنان، كما في الاردن والمغرب، الى غيتوات التعصب والجهل وضيق الافق ورفض الحق في الاختلاف وشهر سيوف التكفير في وجه اي حوار او مساءلة. فلا جدال في اننا اليوم لا نميز بين يهود وصهاينة، وفي اننا نعتبر اليهود أعداء الله والاديان وقتلة الانبياء وانه ليس بيننا وبينهم سوى السيف حتى ان اليهودي ليختبىء خلف حجر فيقول الحجر يا مسلم هذا يهودي مختبىء خلفي فاقتله!! (ولن اجادل في مدى صحة هذا الحديث فليس هذا موضوع النقاش بقدر ما انه يتعلق بالخلاصات السياسية والانسانية والسلوكية التي نستخلصها من دراسة مطلق حديث).
ولا جدال في ان الوضع الراهن (من سيطرة وعلو اسرائيليين وعنجهية وعنصرية واستعمار ووحشية يدعمها الغرب الاميركي ويسكت عنها وينافق الغرب الاوروبي وروسيا والصين والهند واليابان، لا بل غير المسلمين عموما) ان هذا الوضع لا يساعد على اي تفكير نقدي او تحليل علمي او موقف انساني. ولكن هل هذا مبرر لكي لا نقول الحق ولا نعمل به؟ هل هكذا يعلمنا الاسلام؟ هل هذا هو معنى ان لا تزر وازرة وزر اخرى؟ هل هذا معنى العدل ولو على ذي قربى؟ هل ان الصراع السياسي والعسكري الذي يخوضه الفلسطينيون من اجل الحرية والكرامة مبرر لاغماض العين عن كل التعصب او الجنون او اللامعقول او الهذيان او الرغاء الذي نسمعه ونقرأه؟ هل ان ضجيج المعركة يجب ان يخفي عن عقولنا وقلوبنا صحة الايمان وسلامة العقيدة وصدق الوجدان وحرارة معاني الانسانية والعدالة والحق والكرامة لكل انسان، والتي أمر بها القران؟
كنت اسأل نفسي هذه الاسئلة وانا ارى كيف نتخبط في مواجهة مسألة الاعتراف باليهود كبشر اولا وكعرب وكمواطنين لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وكيف اصبحت شعارات وصور اللاسامية الاوروبية للقرن التاسع عشر هي شعاراتنا وصورنا (بتأثير من القومجيات الجاهلية التي كررت واستنسخت الدعاية الاوروبية ثم احزاب الفاشية الايطالية والنازية الالمانية مدعية انها احزاب ومبادىء قومية عربية او سورية). والحق انني لم أكن، ولست من اولئك الذين يرضخون للارهاب الفكري الغربي المتمثل في تحريم نقاش مسألة اللاسامية او الهولوكوست. لا بل انني كنت اول من ترجم الى العربية ادبيات المراجعين الغربيين (من روبير فوريسون الى ديفيد ايرفنغ) وذلك حين كنت مديرا لمكتب مجلة "العالم" الاسبوعية السياسية الاسلامية في باريس (1983-1986). وكنت من أشد المدافعين عن روجيه غارودي في وجه الحملة الظالمة التي استهدفته من قبل المثقفين العلمانيين العرب (ليس لانه كتب عن الهولوكوست بل لانه ترك الماركسية الى الاسلام). وانا لست من الذين يرفضون رؤية واقع سيطرة الصهيونية (او اليهود) على الفكر والاعلام والسياسة وعلى صناعة تشكيل العقول والرأي العام واللهو والترفيه في الغرب وخصوصا اميركا. بل انني كتبت منذ امد بعيد حول كيف ان يهودية الفلاسفة الجدد في فرنسا هي التي تفسر يمينيتهم الفاقعة في عنصريتها ضد العرب والاسلام، وحول كيف ان يهودية المحافظين الجدد في اميركا هي ايضا وراء عداوتهم العنصرية القبيحة للعرب والمسلمين.
وكنت اول من ترجم مقتطفات من كتاب ديفيد باكان (وهو يهودي وتلميذ فرويد) عن دور يهودية فرويد في صناعة التحليل النفسي (وهو دراسة رائعة في مفردات ومعاني التحليل النفسي وعلاقتها بالقابالا الصوفية اليهودية. وقد ترجم الصديق الدكتور طلال عتريسي لاحقا الكتاب ونشرته دار مجد). وكتاب ورنر شومبارت (الاقتصادي الالماني الاشتراكي اواخر القرن التاسع عشر) حول دور اليهود في نشوء الرأسمالية الحديثة (ردا على كتاب ماكس فيبر حول دور البروتستانتية). وكتاب برنار لازار(اليهودي الفرنسي الفوضوي) حول اصل العداء للسامية وكان يراه يهوديا تعود جذوره الى التلمود وانحدار الديانة اليهودية الى قومية ضيقة.
وهي كلها كتابات علمية كتبها يهود. ولم أكن يومها ولا اليوم خائفا من اتهامي بمعاداة السامية او غير ذلك من التهم السريعة اللصق. لا بل انني لست من الذين يخافون من التلويح لهم بنظرية المؤامرة. نعم فانا لا يزعجني القول بوجود مؤامرات في التاريخ هي في الحقيقة استراتيجيات القوى العظمى الغاشمة للسيطرة على الشعوب. الا اذا كنا ننفي وجود سياسات واستراتيجيات تضعها الدول ومراكز التخطيط والابحاث وتهدف الى وضع الخطط المناسبة لتحقيق مصالح تلك الدول واحداث تغيرات وانقلابات في العالم.
وبالمناسبة فان نظرية المؤامرة التي يهاجمها جميع المثقفين العرب اليوم ويتبرأون منها ويرجمون بها خصومهم ويتهكمون من خلالها على واقعنا العربي وعلى "شعبنا الجاهل" و"جماهيرنا البلهاء"، التي تريد ان تصدق المؤامرات لتنسى الاسباب الحقيقية لتخلفها وهزيمتها، الحقيقة ان هؤلاء المثقفين انفسهم (من قوميين ويساريين وشيوعيين وبعثيين وناصريين الخ...) هم الذين اخترعوا نظرية المؤامرة وجعلوها قميص عثمان لتبرير انظمتهم وقمعهم. اليست بيانات وبلاغات البعث السوري والعراقي، والقومي السوري، وناصر العرب، والماركسية العدنية والقذافية، هي اول وآخر من استخدم نظرية المؤامرة وليس هذا الشعب المسكين الذي كان على الدوام يدفع ثمنها؟
لست اذن من الذين يهوّل عليهم بنظرية المؤامرة وانا اعتبرها سياسات واستراتيجيات سيطرة وهيمنة تخفي خلفها صراع مصالح وشبكة علاقات وتعمل احيانا من خلال احداث انقلابات (والا فماذا نقول عن الاعتراف الاميركي بدور مخابراتهم في الانقلاب على مصدّق مثلا او مقتل لومومبا او اغتيال كينيدي او مالكولم اكس او مارتن لوثر كينغ او... الخ...؟). ولست ايضا من الذين لا يرون كيف استحوذت الصهيونية على اليهودية وهيمنت عليها ايديولوجيا (كديانة وكثقافة) بحيث صار تعريف اليهودي يخضع اليوم لهذه الهيمنة الايديولوجية فيكون تاليا مرادفا للصهيوني والاسرائيلي. لا بل انني ناقشت وناقضت الدكتور عبد الوهاب المسيري (في موسوعته العملاقة حول اليهود واليهودية والصهيونية) في نظريته حول كون الصهيونية جماعة وظيفية (مماثلة لوضعية اللبنانيين في افريقيا او الخليج). وانها فقط حاجة امبريالية غربية، نافيا عنها خصوصيتها المستمدة بالضبط من اليهودية القومية في تبلورها حول المحدد الثقافي (وليس الاقتصادي).
كل هذا صحيح الا انه لا ينفي حقيقة ان اليهود كبشر وكعرب وكمواطنين يستحقون نظرة اسلامية وانسانية ومواطنية وليس تلك السموم العنصرية السخيفة التي تبثها حركات وقوى مستخدمة القرآن والحديث النبوي. وهنا يجدر لفت الانتباه الى ذلك التراث الكبير من الصهيونية الدينية الثقافية الروحية، التي رفضت الصهيونية القومية السياسية (التي كانت غالبا علمانية) ودعت الى يهودية انسانية والى تعايش يهودي-عربي قائم على دولة واحدة في فلسطين لا تكون صهيونية. وكان ابرز دعاتها أحد هاعام، ومعه لاحقا آينشتاين نفسه (راجع كتاب المرحوم عفيف فراج عن آينشتاين) ومارتن بوبر(الفيلسوف الشهير) وغيرهم من كبار الفلاسفة والموسيقيين والعلماء والمفكرين اليهود في اواخر القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين.
وهل ننسى كتب كارل ماركس واسحق دويتشر عن المسألة اليهودية او كبار المستشرقين اليهود الذين عشقوا الاسلام والعرب. او اولئك الذين رفضوا رؤية فلسطين صهيونية انعزالية غاصبة وسالبة حقوق اهلها؟
وأذكر هنا خصوصا يوسف ابي لية الموسيقي الفلسطيني الى حد الموت عشقا لحيفا وللعرب، ومعه الموسيقي العالمي قائد الاوركسترا ايهودي مينوحيم. والفيلسوف الانساني ايمانويل ليفي (وكانت كتبه تطبع في بيروت حتى مطلع السبعينات). كما ان يهود الولايات المتحدة ظلوا في غالبيتهم معادين للصهيونية واسرائيل حتى حرب 1967 (في حين ان جان بول سارتر العلماني الوجودي قاد تظاهرة باريس احتفاء بالنصر في حزيران و"تحرير" القدس).
ويكفي هنا اعادة التذكير بالكبار من المجلس اليهودي الاميركي امثال المر برغر والفرد ليلنتال (وكانت كتبهما خبزنا اليومي في الستينات ومطلع السبعينات). كما يكفي في ايامنا هذه ان نذكر نعوم تشومسكي واريك رولو(المصري) والثنائي محمود حسين(بهجت النادي وعادل رأفت) وهما كتبا أجمل وأروع رثاء في جمال عبد الناصر جعلاه مقدمة لكتابهما الاروع: الصراع الطبقي في مصر (صدر عام 1970 عن دار الطليعة) وهنري كورييل (الذي اغتيل في باريس على يد "الموساد”) او المناضل المغربي الكبير ابراهام سرفاتي مؤسس الحركة الماركسية اللينينية في المغرب (الى الامام) والذي امضى السنين في السجن ولم يتراجع او يقبل بالخروج دون رفاقه ...ومكسيم رودنسون (وكم له من افضال على الدراسات العربية الاسلامية) وألان غريش (اليهودي العربي ايضا مدير تحرير "لوموند ديبلوماتيك" والضيف الموسمي لتلفزيون المنار) او ايلان هاليفي (اليمني الفلسطيني) المناضل الكبير ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الاشتراكية الدولية ومؤسس أول هيئة عالمية للدفاع عن الاسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية بعد اجتياح 1982 (ومعه ليلى الفرنسية التي أسلمت وتحجبت وعاشت في الضاحية الجنوبية). او موشيه مينوحيم (صاحب كتاب انحطاط اليهودية في عصرنا الراهن، وقد نشره "مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت" عام 1969) او موردخاي فعنونو المهندس الذي فضح المشروع النووي الاسرائيلي فاختطفته "الموساد" من اوروبا وسجن اكثر من 18 عاما وهو لا يزال قيد الاعتقال. او الحاخامات المعادين للصهيونية الذين جاؤوا الى بيروت للتضامن مع "حزب الله" وسافروا اخيرا الى طهران للوقوف الى جانب ايران في وجه الحملة الاميركية عليها. وكانوا حضروا الى لبنان مرارا بعد ان وجه رئيسهم الحاخام عمرام بلاو رسالة الى عرفات يوم خاطب العالم عبر منبر الامم المتحدة (1974).
وكنت استقبلت شخصيا زوجة الحاخام بلاو (روث) حين حضرت الى بيروت بدعوة من ابوجهاد، خليل الوزير (عام 1981) وكانت تلبس الحجاب وترفض المصافحة باليد وقد نشرنا كتابها (يهود لا صهاينة - صدرعن دار الكلمة عام 1981). او لين برينر الذي فضح تعاون الصهيونية مع النازية (نشر كتابه في بيروت بترجمة محجوب عمر عام 1985) او سيمور هيرش (كتابه "الخيار شمشمون" ترجمه ايضا محجوب عمر) او موشيه شينفيلد والحاخام هيرش وكتاب: "ضحايا المحرقة يتهمون" الذي نشرته مجلة "فلسطين المحتلة" عام 1982. او ستانلي كوهين المحامي الذي دافع عن موسى ابو مرزوق (احد قادة "حماس”) ويدافع عن "حزب الله" و"حماس" في اميركا. او أفي شلايم وبني موريس واوجين روغان، الذين فضحوا القصة الحقيقية لحرب 1948 المعتبرة حرب تحرير واستقلال في اسرائيل. او مجموعة اليهود الانكليز التي عملت مع عفيف صافية (ممثل فلسطين في لندن) باسم السلام العادل او المجموعة الفرنسية التي عملت مع الشهيد عزالدين قلق (ممثل فلسطين في باريس وقد اغتاله البطل ابو نضال وليس اسرائيل) وصولا الى اسرائيل شاحاك (وكتبه عن تاريخ اسرائيل والشعب اليهودي) وامنون كابليوك (الذي كشف وفضح الدور الاسرائيلي في مجزرة صبرا وشاتيلا) ونورمان فنكلشتاين (وكتبه عن صناعة الهولوكوست) وغيرهم.
وكيف ننسى ان نصف مليون اسرائيلي خرجوا في شوارع تل أبيب لإدانة مجزرة صبرا وشاتيلا والمطالبة بالانسحاب من لبنان حين كان العرب يتفرجون على المونديال عام 1982؟ واخيرا كيف ننسى أن يهوداً مناضلين حملوا السلاح الى جانب حركة "فتح" مطلع السبعينات وكانوا ينتمون الى التنظيم الماوي "الاتحاد الشيوعي الثوري - الجبهة الحمراء" ويعملون بقيادة الفلسطيني داود تركي وهم قاموا بعمليات عسكرية واستخبارية ضد جيش الاحتلال ودعما لشعب فلسطين واعتقلوا وجرت محاكمتهم في محاكمة شهيرة عرفت باسم محاكمة مجموعة حيفا (من 25 شباط حتى 13 ايار 1973). وقد خصص لهم محجوب عمر من حركة فتح كتاباً بعنوان: حوار في ظل البنادق (بيروت-1973). وهم: رامي ليفني، دان فيريد، ايهود اديف، ميلي ليرمان، حزقيال كوهين، ودافيد كوبر.
والحق انني لا استطيع في مقال كهذا ان اغطي مجمل مساهمات اليهود الانسانيين العرب وغير العرب في الدفاع عن العدالة والكرامة والمساواة لجميع البشر.
الا ان ما اقوله هنا واضح لا يحتاج الى تزويق او تمويه وهو لا ينبع من موقف سياسي ظرفي بقدر ما انه يحاول استعادة السياسة الى حقل تمثيل مصالح الناس وجلب المنافع ودرء المفاسد، والى سياق العدل والحرية والعقل والكرامة، وهي مما كّرم الله بها الانسان وجعله خليفة له على الارض. اي ان الموضوع لا يتعلق بالموقف من وجود الكيان الصهيوني على ارض فلسطين (وقد اعترف به العرب والمسلمون جميعا ولو انهم ما زالوا يرفضون مواجهة هذه الحقيقة في وعيهم ولا وعيهم). ولا بالموقف من حضور مؤتمرات ولقاءات يكون فيها يهود والمشاركو فيها (فهذا ايضا صار من الماضي)، انما الامر يتعلق بموقفنا نحن امام انفسنا وامام تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، اذ انه آن الاوان لوقفة مع الذات وامام الله، لنبحث بعمق وجدية عن كيفية استعادة ذلك الجزء المبتور من حضارتنا وانسانيتنا وثقافتنا وذاكرتنا. فنحن لا نكون مسلمين ان لم نستعد اليهودية وكتبها وتراثها، ولا نكون عربا ان لم نستعد السموأل وقومه، ولا نكون مواطنين احرارا في دول حرة كريمة عادلة ان لم نحقق الحرية والعدالة والكرامة والمساواة للجميع وبين الجميع.