الأربعاء، 6 مايو، 2009

حسن نصرالله عن محمد مهدي شمس الدين-

كلمة سماحة حجة الاسلام والمسلمين المجاهد السيّد حسن نصر الله أمين عام حزب الله في ذكرى أربعين الإمام محمّد مهدي شمس الدين-شباط 2001)



بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ونبينا ابي القاسم محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين وصحبه الآخيار المنتجبين.

أيها السادة السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته…

لن يتمكن أيُ منا في هذا الحفل أن يحيط بشخصية الراحل الكبير المتعددة الأبعاد في الوقت المتاح للحديث مهما إختصر وأجمل. فهو الفقيه المجتهد الذي طرق أبواب المسائل الحرجة وأكد على قيمة عاملي الزمان والمكان في عملية الاجتهاد الفقهي فكان الفقيه الذي تصدى لقضايا العصر المتعددة ومسائله الشائكة، محددا فيها موقف الاسلام ومستندا في رأيه الآجتهادي إلى مجموعة من المباني العلمية المحكمة والعميقة. معه تستضر كل السلف الصالح من العلماء والفقهاء، ولكنّك تبقى في عصرك فترى الماضي والحاضر وتستشرف المستقبل. وهو المفكّر المبدع، يعالج كل إشكاليات الفكر المطروحة حديثا بالدليل والمنطق، مدافعا عن الاسلام كرسالة الهية أبدية خالدة أمام التيارات الفكرية التي أرادت أن تضع الاسلام في متاحف التاريخ وتعزله عن حياة الناس. وهو الذي عمل على تأصيل الكثير من النظريات من موقع التزامه الفكري والقائدي وخاصة في مجالات الاجتماع والسياسة. هو المحقق التاريخي الذي قدم أعمق تحليل إجتماعي سياسي لثورة الامام الحسين عليه السلام في كربلاء وقدمها بلغة معاصرة وأسلوب رائع حتى بات كتابه عن ثورة الامام الحسين أحد أهم المؤلفات على الاطلاق في هذا المجال، فأدخل الصورة في ظروفها وأهدافها الى العقل والوعي والتخطيط كما كانت حاضرة بقوة في الوجدان والعاطفة. هو الخطيب والمحاضر الذي يملك ناصية الفكر وناصية الكلمة، فيسكب فكره في قوالب الكلمات بعناية فائقة وينحت العبارة نحتاً فلا تدري أيهما أعذب وأطرب وأشدّ جاذبية، الكلمة أم المعنى، حتى موسيقى الصوت يحكمها ولا تحكمة، كلّ رنةٍ ونغمةٍ لها حساب دقيق في الزمان والمكان وطبيعة الحضور ومضمون الكلام. هو القائد السياسي الثائر والهادئ في آن، عاش هموم الوطن والأمّة وحمل قضيته الى كل المحافل والمنابر. لم يقف عند حدود الاوطان فضلاً عن حدود الطوائف وكانت الأمة كلها شغله الشاغل. قد تختلف معه ، ولكنك لا تستطيع الا أن تحترم منطقه وموقفه وانسجام رؤيته. كان يعرف تماما أهدافه ومشروعه وماذا يريد، يدرس خطواته بتأنٍ ويحاكمها بين الحين والاخر يقلب فيها البصر كرتين أو أكثر ولا يتردد أن يقول لك هنا أصبت في الموقف ، وهنا أخطأت التقدير، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما قلت كذا ولما فعلت كذا. أو أن يقول لك إني ما زلت أتأمل في هذه المسألة وأجول فيها ولم أصل بعد إلى قرار تطمئنّ له نفسي. في كل شأن من شؤون الوطن والأمّة له رأي ووجهة نظر، وهو الذي يملك كل الشجاعة اللازمة ليجاهر بما يؤمن به، وإن إختلف معه الاخرون في ذلك. موقفه من المقاومة وفلسطين والقدس والمشروع الصهيوني والصراع مع إسرائيل وأصل وجود هذا الكيان الغاصب، كان في الدرجة الأولى موقفاً عقائدياً دينيّا فقهيا قبل أن يكون موقفاً سياسيّاً، ولذلك لم تكن المسألة هنا قابلة للمساومة أو التردد على الإطلاق.

قاوم ونظر لمنطق المقاومة، في الفقه والفكر والسياسة، ورأى في مجاهديها وشهدائها تعبير الارادة والعزم والتصميم. كان يتوقع انتصارها، أكثر وأقرب ممّا كنا نتوقعه نحن. كان يتوقع انتصارها وينتظره بلهفة ، وقدّر الله له أن يعيش سعادة النصر الالهي الكبير على الصهاينة في لبنان بعد كل تلك الآلام التي عاشها وعايشها طوال هذا الصراع الدامي.

لاشكّ أنّه حقق العديد من آماله وأحلامه ولكن لا شكّ أيضا أنّه غادرنا وفي قلبه حسرات، فالعديد من الآمال لا زال بحاجة إلى جهد كبير، وبعضها لا يزال في دائرة المجهول، وأهمها قضية أخيه ورفيق دربه سماخة الامام القائد المغيّب السيّد موسى الصدر ورفيقيه أعادهم الله علينا بخير.

لقد أوصانا بالوحدة والتعاون والتكامل، وسنفي له بذلك إنشاء الله، وسيكتشف بعض المراهنين أنهم مخطِئون تماماً.

أوصانا بالانتفاضة المباركة التي رأى فيها على حدّ تعبيره باب خير كبير للأمة، أوصانا أن لا نخذلها، وأن لا نتركها وحيدة. وسنفعل إنشاء الله.

أوصانا أن نكون على مستوى التحدّي والمواجهة وسنكون كذلك إنشاء الله.

ونقول له في وداعه الأليم، يا شيخنا وكبيرنا وحكيمنا، فليطمئنّ قلبك، وليهدأ خاطرك، ولتسكن نفسك، فأنما عاهدناك عهد المؤمنين الرجال على حفظ وحدتنا الوطنية ووحدتنا الاسلامية وصفاء بيتنا الداخلي وصيانة الانتصار ودعم الانتفاضة وتقديم الصورة المشرقة عن الاسلام الذي ننتمي إليه في زمن التشوية والتشوّه وأننا نع كل أحبائك سنحفظ الوصية ونصون الأمانة وأنّك ستبقى فينا الكبير والعلم والمنارة والدليل ومفخرة الدنيا.



رحم الله فقيدنا الجليل، وجزاه عنا خير جزاء العلماء الربانيين العاملين المجاهين المضحين وألهم أله وكلّ أحبّائه الصبر والسلوان ، ووفقنا جميعا لمواصلة دربه ومسيرته وحفظ وصيته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.